٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
114
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، أجاب عنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات، لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم. ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل، فكان ما يطلبونه طلباً للزيادة وذلك مما لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا: إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: الوجه الأول: أن الله قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة، وقد عجز الخلق عن معارضته فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته، فقوله: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَماً} يعني قل يا محمد: إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً؟ فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز. ثم قل: إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز. والوجه الثاني: من الأمور الدالة على نبوته اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أن محمداً عليه الصلاة والسلام رسول حق، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى، وهو المراد من قوله: {وَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بِٱلْحَقّ } وبالجملة فالوجهان مذكوران في قوله تعالى: {أية : قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 43]. أما قوله تعالى في آخر الآية: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } ففيه وجوه: الأول: أن هذا من باب التهييج والإلهاب كقوله: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكينَ } [الأنعام: 114] والثاني: التقدير {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق. والثالث: يجوز أن يكون قوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ } خطاباً لكل واحد والمعنى أنه لما ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيها أحد. الرابع: قيل هذا الخطاب وإن كان في الظاهر للرسول إلا أن المراد منه أمته. المسألة الثانية: قوله: {وَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بِٱلْحَقّ } قرأ ابن عامر وحفص {مُنَزَّلٌ } بالتشديد والباقون بالتخفيف، والفرق بين التنزيل والإنزال قد ذكرناه مراراً. المسألة الثالثة: قال الواحدي: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَماً } الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة، غير أن بعض أهل التأويل قال الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم. وأما الحكم فهو الذي لا يحكم إلا بالحق والمعنى أنه تعالى حكم حق لا يحكم إلا بالحق. فلما أظهر المعجز الواحد وهو القرآن فقد حكم بصحة هذه النبوة، ولا مرتبة فوق حكمه فوجب القطع بصحة هذه النبوة. فأما أنه هل يظهر سائر المعجزات أم لا؟ فلا تأثير له في هذا الباب بعد أن ثبت أنه تعالى حكم بصحة هذه النبوة بواسطة إظهار المعجز الواحد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} «غير» نصب بـ«أبتغى». «حَكَماً» نصب على البيان، وإن شئت على الحال. والمعنى: أفغير الله أطلب لكم حاكماً وهو الذي كفاكم مئونة المسألة في الآيات بما أنزله إليكم من الكتاب المفصّل، أي المبين. ثم قيل: الحَكَم أبلغ من الحاكم؛ إذ لا يستحق التسمية بحَكَم إلا من يحكم بالحق، لأنها صفة تعظيم في مدح. والحاكم صفة جارية على الفعل، فقد يُسَمَّى بها من يحكم بغير الحق. {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} يريد اليهود والنصارى. وقيل: من أسلم منهم كسَلْمَان وصُهيب وعبدِ الله بن سَلام. {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ} أي القرآن. {مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} أي أنّ كلّ ما فيه من الوعد والوعيد لَحَقّ {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} أي من الشاكين في أنهم يعلمون أنه منزّل من عند الله. وقال عطاء: الذين آتيناهم الكتاب وهم رؤساء أصحاب محمد عليه السلام: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء المشركين بالله، الذين يعبدون غيره: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَماً} أي: بيني وبينكم {وَهُوَ ٱلَّذِىۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلاً} أي: مبيناً {وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} أي: من اليهود والنصارى، {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ}، أي: بما عندهم من البشارات بك؛ من الأنبياء المتقدمين {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} كقوله: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} تفسير : [يونس: 94] وهذا شرط، والشرط لا يقتضى وقوعه، ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا أشك ولا أسأل» تفسير : وقوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} قال قتادة: صدقاً فيما قال، وعدلاً فيما حكم، يقول: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه، ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل؛ فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة؛ كما قال تعالى: {أية : يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [الأعراف: 157] إلى آخر الآية {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَـٰتِهِ} أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى، لا في الدنيا، ولا في الآخرة {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوال عباده {ٱلْعَلِيمُ} بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل عامل بعمله.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل بينه وبينهم حكماً، قل {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى } أطلب {حَكَمًا } قاضياً بيني وبينكم {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {مُفَصَّلاً } مبينا فيه الحق من الباطل {وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ } التوراة كعبد الله بن سلام وأصحابه {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ } بالتخفيف والتشديد {مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } الشاكّين فيه. والمراد بذلك التقرير للكفار أنه حق.
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ } الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على فعل مقدّر، والكلام هو على إرادة القول، والتقدير: قل لهم يا محمد كيف أضلّ أوابتغى غير الله حكماً؟ و"غير" مفعول لأبتغي مقدّم عليه، وحكماً المفعول الثاني أو العكس. ويجوز أن ينتصب {حكماً} على الحال، والحكم أبلغ من الحاكم كما تقرر في مثل هذه الصفة المشتقة، أمره الله سبحانه وتعالى أن ينكر عليهم ما طلبوه منه، من أن يجعل بينه وبينهم حكماً فيما اختلفوا فيه، وإن الله هو الحكم العدل بينه وبينهم، وجملة: {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلاً } في محل نصب على الحال، أي كيف أطلب حكماً غير الله، وهو الذي أنزل عليكم القرآن مفصلاً مبيناً واضحاً، مستوفياً لكل قضية على التفصيل؟ ثم أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن أهل الكتاب، وإن أظهروا الجحود والمكابرة، فإنهم يعلمون أن القرآن منزل من عند الله بما دلّتهم عليه كتب الله المنزلة، كالتوراة والإنجيل، من أنه رسول الله وأنه خاتم الأنبياء، و {بِٱلْحَقّ } متعلق بمحذوف وقع حالاً، أي متلبساً بالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، ثم نهاه الله عن أن يكون من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون بأن القرآن منزل من عند الله بالحق، أو نهاه عن مطلق الامتراء، ويكون ذلك تعريضاً لأمته عن أن يمتري أحد منهم، أو الخطاب لكل من يصلح له، أي فلا يكوننّ أحد من الناس من الممترين، ولا يقدح في ذلك كون الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن خطابه خطاب لأمته. قوله: {وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً} قرأ أهل الكوفة {كلمة} بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع، والمراد بالكلمات العبارات أو متعلقاتها من الوعد والوعيد. والمعنى: أن الله قد أتمّ وعده ووعيده، فظهر الحق وانطمس الباطل. وقيل: المراد بالكلمة أو الكلمات القرآن، و {صِدْقاً وَعَدْلاً } منتصبان على التمييز، أو الحال، على أنهما نعت مصدر محذوف، أي تمام صدق وعدل {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ } لا خلف فيها ولا مغير لما حكم به، والجملة المنفية في محل نصب على الحال، أو مستأنفة {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل مسموع {ٱلْعَلِيمُ } بكل معلوم. قوله: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أخبره الله سبحانه بأنه إذا رام طاعة أكثر من في الأرض أضلوه، لأن الحق لا يكون إلا بيد الأقلين، وهم الطائفة التي لا تزال على الحق، ولا يضرّها خلاف من يخالفها، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل المراد بالأكثر: الكفار. وقيل المراد بالأرض: مكة أي أكثر أهل مكة، ثم علل ذلك سبحانه بقوله: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } أي ما يتبعون إلا الظنّ الذي لا أصل له، وهو ظنهم أن معبوداتهم تستحق العبادة وأنها تقربهم إلى الله {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } أي وما هم إلا يخرصون، أي يحدسون ويقدّرون، وأصل الخرص القطع، ومنه خرص النخل يخرص: إذا حزره ليأخذ منه الزكاة، فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع به، إذ لا يقين منه. وإذا كان هذا حال أكثر من في الأرض، فالعلم الحقيقي هو عند الله، فاتبع ما أمرك به، ودع عنك طاعة غيره، وهو العالم بمن يضلّ عن سبيله ومن يهتدي إليه. قال بعض أهل العلم: إن {أَعْلَمُ } في الموضعين بمعنى يعلم، قال: ومنه قول حاتم الطائي:شعر : فحالفت طيّ من دوننا حلفا والله أعلم ما كنا لهم خولا تفسير : والوجه في هذا التأويل أن أفعل التفضيل لا ينصب الاسم الظاهر، فتكون "من" منصوبة بالفعل الذي جعل أفعل التفضيل نائباً عنه. وقيل: إن أفعل التفضيل على بابه والنصب بفعل مقدّر. وقيل: إنها منصوبة بأفعل التفضيل، أي إن ربك أعلم أيّ الناس يضلّ عن سبيله، وقيل: في محل نصب بنزع الخافض، أي بمن يضلّ، قاله بعض البصريين. وقيل: في محل جرّ بإضافة أفعل التفضيل إليها. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {مُفَصَّلاً } قال: مبيناً. وأخرج عبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {صِدْقاً وَعَدْلاً } قال: صدقاً فيما وعد، وعدلاً فيما حكم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وأبو نصر السجزي في الإبانة، عن محمد بن كعب القرظي، في قوله: {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ } قال: لا تبديل لشيء قاله في الدنيا والآخرة لقوله: {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ } تفسير : [قۤ: 29]. وأخرج ابن مردويه، وابن النجار، عن أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَـةُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً } قال: "حديث : لا إلٰه إلا الله"تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي اليمان عامر بن عبد الله قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم فتح مكة، ومعه مخصرة، ولكل قوم صنم يعبدونه، فجعل يأتيها صنماً صنماً ويطعن في صدر الصنم بعصا ثم يعقره، فكلما طعن صنماً أتبعه ضرباً بالقوس حتى يكسروه ويطرحوه خارجاً من المسجد، والنبيّ يقول: {وَتَمَّتْ * كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدّلِ لِكَلِمَـٰتِهِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} فيه وجهان: أحدهما: معناه هل يجوز لأحد أن يعدل عن حكم الله حتى أعدل عنه. والثاني: هل يجوز لأحد أن يحكم مع الله حتى أحتكم إليه. والفرق بين الحَكَم والحَاكِم، أن الحَكَمَ هو الذي يكون أهلاً للحُكْم فلا يَحْكُمُ إلا بحق، والحَاكِمُ قد يكون من غير أهله فَيَحْكُمُ بغير حق، فصار الحَكَم من صفات ذاته، والحَاكِم من صفات فعله، فكان الحَكَم أبلغ في المدح من الحَاكِم. ثم قال: {وُهُوَ الَّذِيِّ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} في المفصَّل أربعة تأويلات: أحدها: تفصيل آياته لتبيان معانيه فلا تُشْكِل. والثاني: تفصيل الصادق من الكاذب. والثالث: تفصيل الحق من الباطل، والهدى من الضلال، قاله الحسن. والرابع: تفصيل الأمر من النهي، والمستحب من المحظور، والحلال من الحرام. وسبب نزول هذه الآية أن مشركي قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك حَكَماً إن شئت من أحبار اليهود وإن شئت من أحبار النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك، فنزلت عليه هذه الآية. قوله عز وجل: {وَتَمَّتَ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} يعني القرآن، وفي تمامه أربعة أوجه محتملة: أحدها: تمام حُجَجِهِ ودلائله. والثاني: تمام أحكامه وأوامره. والثالث: تمام إنذاره بالوعد والوعيد. والرابع: تمام كلامه واستكمال صوره. وفي قوله: {صِدْقاً وَعَدْلاً} وجهان: أحدهما: صدقاً في وعده ووعهده، وعدلاً في أمره ونهيه، قاله ابن بحر. والثاني: صدقاً فيما حكاه، عدلاً فيما قضاه، وهو معنى قول قتادة. وقد مضى تفسير {لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَبْتَغِى حَكَماً} لا يجوز لأحد أن يعدل عن حكمه حتى أعدل عنه، أو لا يجوز لأحد أن يحكم مع الله حتى أحاكم إليه، والحكم من له أهلية الحكم ولا يحكم إلاَّ بالحق، والحاكم قد يكون من غير أهله فيحكم بغير الحق. {مُفَصَّلاً} تفصيل آياته لتمتاز معانيه، أو تفصيل الصادق من الكاذب، أو تفصيل الحق من الباطل والهدى من الضلال، أو تفصيل الأمر من النهي، أو المستحب من المحظور والحلال من الحرام.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {أفغير الله أبتغي حكماً} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين أفغير الله أطلب حكاً قاضياً يقضي بيني وبينكم وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل بيننا وبينك حكماً، فأمره الله تعالى أن يجيبهم بهذا الجواب والحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة، غير أن بعض أهل المعاني قال: الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم من شأنه أن يحكم والحكم أهل أن يتحاكم إليه وهو الذي لا يحكم إلا بالحق فالله تعالى حكم لا يحكم إلا بالحق فلما أنزل الله على محمد القرآن فقد حكم له بالنبوة وهو قوله تعالى: {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً} يعني علماء اليهود والنصارى {يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} يعني يشهدون أن هذا القرآن منزل من عند الله وذلك لما ثبت عندهم بالدلائل الدالة على ذلك، وقيل المراد بهم علماء الصحابة ورؤساؤهم مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونظرائهم يعلمون أن هذا القرآن منزل من ربك بالحق فآمنوا به وصدقوه {فلا تكونن من الممترين} يعني فلا تكونن يا محمد من الشاكّين أن علماء أهل الكتاب يعلمون أن هذا القرآن حق وأنه منزل من عند الله وقيل: معناه فلا تكونن في شك مما قصصنا عليك أنه حق وصدق فهو من باب التهييج لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك قط، وقيل: الخطاب وإن كان في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد به غيره. والمعنى: فلا تكونن أيها الإنسان السامع لهذا القرآن في شك أنه منزل من عند الله لما فيه من الإعجاز الذي لا يقدر على مثله إلا الله تبارك وتعالى. قوله تعالى: {وتمت كلمة ربك} وقرئ كلمات ربك على الجمع فمن قرأ على التوحيد قال: الكلمة قد يراد بها الكلمات الكثيرة إذا كانت مضبوطة بضابط واحد كقولهم قال الشاعر في كلمته يعني في قصيدته، وكذلك القرآن كلمة واحدة لأنه شيء واحد في إعجاز النظم وكونه حقاً وصدقاً ومعجزاً ومن قرأ بالجمع قال لأن الله قال في سياق الآية {لا مبدل لكلماته} فوجب الجمع في اللفظ الأول إتباعاً للثاني {صدقاً وعدلاً} يعني صدقاً فيما وعد وعدلاً فيما حكم وقيل إن القرآن مشتمل على الأخبار والأحكام فهو صادق فيما أخبر عن القرون الماضية والأمم الخالية وعما هو كائن إلى قيام الساعة. وفيما أخبر عن ثواب المطيع في الجنة وعقاب العاصي في النار وهو عدل فيما حكم من الأمر والنهي والحلال والحرام وسائر الأحكام {لا مبدل لكلماته} يعني لا مغير لقضائه ولا رادّ لحكمه ولا خلف لمواعيده، وقيل: لما وصف كلماته بالتمام في قوله وتمت كلمة ربك والتمام في كلام الله لا يقبل النقص والتغيير والتبديل. قال الله تعالى: {لا مبدل لكلماته} لأنها مصونة عن التحريف والتغيير والتبديل باقية إلى يوم القيامة وفي قوله: {لا مبدل لكلماته} دليل على أن السعيد لا ينقلب شقياً ولا الشقي ينقلب سعيداً، فالسعيد من سعدَ في الأزل والشقي من شقيَ في الأزل وأورد على هذا أن الكافر يكون شقياً بكفره فيسلم فينقلب سعيداً بإسلامه وأجيب عنه بأن الاعتبار بالخاتمة فمن ختم له بالسعادة كان قد كتب سعيداً في الأزل ومن ختم له بالشقاوة كان شقياً في الأزل والله أعلم. وقوله تعالى: {وهو السميع} يعني لما يقول العباد {العليم} بأحوالهم قوله عز وجل: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} قال المفسرون إن المشركين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة وذلك أنهم قالوا للمسلمين كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلوا ما قتل ربكم؟ فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن تطع أكثر من في الأرض في أكل الميتة، وكان الكفار يومئذ أكثر أهل الأرض يضلوك عن سبيل الله، يعني يضلوك عن دين الله الذي شرعه لك وبعثك به وقيل معناه لا تطعهم في معتقداتهم الباطلة فإنك إن تطعهم يضلوك عن سبيل الله يعني يضلوك عن طريق الحق ومنهج الصدق ثم أخبر عن حال الكفار وما هم عليه فقال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن} يعني أن هؤلاء الكفار الذين يجادلونك ما يتبعون في دينهم الذي هم عليه إلا الظن وليسوا على بصيرة وحق في دينهم وليسوا بقاطعين أنهم على حق لأنهم اتبعوا أهواءهم وتركوا التماس الصواب والحق واقتصروا على اتباع الظن والجهل {وإن هم إلا يخرصون} يعني يكذبون وأصل الخرص الحزر والتخمين، ومنه خرص النخلة إذا حزر كمية ثمرتها على الظن من غير يقين ويسمى الكذب خرصاً لما يدخله من الظنون الكاذبة وقيل: إن كل قول مقول عن ظن وتخمين يقال له خرص لأن قائله لم يقله عن علم ويقين {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله} يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يا محمد إن ربك هو أعلم منك ومن جميع خلقه أيّ الناس يضل عن سبيله {وهو أعلم بالمهتدين} يعني وهو أعلم أيضاً من كان على هدى واستقامة وسداد ولا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه فأخبر تعالى أنه أعلم بالفريقين الضال والمهتدي وأنه يجازي كلاًّ بما يستحق.
ابن عادل
تفسير : لمّا حَكَى عن الكُفَّار أنَّهم أقْسَمُوا باللَّه جَهْد أيْمانهم، لَئِن جَاءَتْهُم آية، ليُؤمِنُنَّ بها، وأجاب عَنْه: بأنه لا فَائِدة في إظْهَار تلك الآيَات؛ لأنَّه - تعالى - لو أظْهَرَهَا، لبقوا مُصِرِّين على كُفْرِهم، بيَّن في هذه الآيَة أنَّ الدَّلِيل الدَّالَ على نُبُوته، قد حَصَل فكلُّ ما طَلَبُوه من الزِّيادة، لا يَجب الالْتِفَات إليه. قوله: "أفَغَيْرَ" يجوز نَصْب "غَيْرَ" من وَجْهَين: أحدهما: أنَّه مَفْعُول لـ "أبْتَغي" مقدَّماً عليه، ووَلِيَ الهَمْزَة لما تقدَّم في قوله: {أية : أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} تفسير : [الأنعام:14] ويكُون "حَكَماً" حينئذٍ: إمَّا حالاً، وإمَّا تَمْيِيزاً لـ "غَيْر" ذكره الحُوفِيُّ: وأبُو البَقَاء، وابْنُ عَطِيَّة؛ كقولهم: "إنَّ لَنَا غَيْرَها إبلاً". الثاني: أن يَنْتَصِب "غَيْرَ" على الحَالِ مِنْ "حَكَماً: لأنَّه في الأصْل يَجُوز أن يَكُون وَصْفاً له، و "حَكَماً" هذا المَفْعُول به؛ فتحصَّل في نَصْب "غَيْر" وجهان، وفي نصب "حَكَماً" ثلاثة أوجه: كونه حالاً، أو مَفْعُولاً، أو تَمْيِيزاً. والحَكَمُ أبلغ من الحَاكِم. قيل: لأنَّ الحَكَمَ لا يَحْكُم إلا بالعَدْل، والحاكم قد يَجُوز، ومَعْنى الآية الكريمة: قُلْ لَهُم يا محمَّد: أفَغَير اللَّه أطْلب قَاضياً بَيْنِي وبَيْنَكُم, وذلك أنَّهم كَانُوا يَقُولُون للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: اجعل بَيْنَنا وبَيْنَك حَكَماً، فأجابَهُم به. قوله: {وهُو ٱلَّذِي أنْزَلَ} هذه الجُمْلة في مَحَلِّ نَصْب على الحَالِ من فاعِل: "أبْتَغِي"، و "مُفَصَّلاً": حَالٌ من "الكِتَاب" أي مُبيَّناً فيه أمْرُه ونهيه، والمراد بالكِتَاب: القُرآن العَظِيم، وقيل "مُفَصَّلاً" أي: خَمْساً خَمْساً، وعَشْراً عَشْراً، كما قال: {أية : لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} تفسير : [الفرقان:32]. وقوله: {وَٱلَّذِينَ آتيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ}: مُبْتَدأ، و"يعْلَمُونَ": خَبَره، والجُمْلَة مُسْتَأنَفَة، والمراد بِهِم: عُلَماء اليَهُود والنَّصارى الذين آتيْناهم التَّوْراة والإنْجِيل. وقيل: هم مُؤمِنوا أهل الكِتَاب، وقال عطاء: رُؤسَاء أصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بالكِتَاب: القُرْآن العَظِيم، يَعْلَمون أنه مَنَزَّلٌ. قرأ ابنُ عامر، وحَفْص عن عاصم: "مُنَزَّل" بتشْدِيد الزَّاي، والباقُون بِتَخْفِيِفِها، وقد تقدَّم: أنَّ أنزل ونزَّل لُغَتَان، أو بَيْنَهُما فَرْق، و "من ربِّك" لابْتِداء الغَايةِ مَجازاً، و "بالحقِّ" حال من الضَّمِير المُسْتكنِّ في "مُنَزَّل" أي: مُلْتَبِساً بالحَقِّ، فالباء للمُصَاحَبَة. قوله: {فَلاَ تكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} أي: من الشَّاكين أنَّهم يَعْلَمُون ذلك. وقيل: هذا من بابِ التَّهْييج والإلْهَاب؛ كقوله - تعالى -: {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} تفسير : [الأنعام:14]. وقيل: هذا خِطَاب لِكُلِّ أحد، والمعنى: لما ظهرت الدَّلائِل، فلا يَنْبَغِي أنْ يَمْتِرِي فيه أحَد. وقيل: هذا الخِطَاب وإن كان في الظَّاهِر للرَّسُول، إلاَّ أن المراد أمته.
البقاعي
تفسير : ولما كان فيما تقدم الإخبار عن مغيب، وهو أنهم لا يؤمنون عند مجيء الآيات المقترحة، وكانت عادة العرب دعاء الأعداء والمخالفين إلى حاكم يفصل بينهم، وكانوا إنما يفزعون في الأمور المغيبة إلى الكهان لما كانوا يكشفون لهم بما يقذف إليهم إخوانهم من الجان مما يسترقونه من السمع، فيزيدونه كذباً كثيراً، ثم لا يضرهم ذلك عندهم لذلك القليل الذي يصدقون فيه - كما ابتلينا به في هذا الزمان من الافتتان بمن يفعل مثل ذلك من المجانين والمتشبهين بهم، وكانت الآيات التي فرغ منها قد أثبتت أن اتخاذهم غرور، سبب عن ذلك وجوب نفي اتخاذهم غير الله لما اتصف به من إيحاء ما خالف إيحاءهم، ففات القوى في إخباره عن حقائق الأمور مفصلة أحسن تفصيل في أساليب قصرت دونها سوابق الأفكار، وكعّت عنها نوافذ الأفهام، فثبتت به نبوته ووضحت رسالته، فكان اقتراحهم ظاهراً في كونه تعنتاً لأنهم كذبوا بأعظم الآيات: القرآن، ولم يؤمنوا به، وطعنوا فيه بما زادهم فضائح، فثبت أنه لا فائدة في إجابتهم إلى مقترحاتهم، فكان الجواب - عما اقتضاه لسان حالهم من طلب التحاكم إلى أوليائهم ببليغ الإنكار عليهم بقوله: {أفغير الله} أي الملك الأعظم - على غاية من البلاغة لا تدرك، والفاء فيه للسبب، وإنما تقدمت عليها همزة الإنكار لاقتضائها الصدر {أبتغي} أي أطلب حال كون ذلك الغير {حكماً} أي يحكم بيني وبينكم ويفصل نزاعنا؛ ثم استدل على هذا الإنكار بتفصيل الكتاب هذا التفصيل المعجز فقال: {وهو} أي والحال أنه لا غيره {الذي أنزل إليكم} أي خاصة نعمة علي بالقصد الأول وعليكم بالقصد الثاني {الكتاب} أي الأكمل المعجز، وهو هذا القرآن الذي هو تبيان لكل شيء {مفصلاً} أي مميزاً فيه الحلال والحرام، وغير ذلك من جميع الأحكام، مع ما تفيده فواصل الآيات من اللطائف والمعارف الكاشفة لحقائق البدايات والنهايات، ولقد اشتد الاعتناء في هذه السورة بالتنبيه على التفصيل لوقوع العلم من أرباب البصائر في الصنائع بأن من لا يحسن التفصيل لا يتقن التركيب. ولما كان التقدير: فأنتم وجميع أرباب البلاغة تعلمون حقيقته بتفصيله والعجز عن مثيله، عطف عليه قوله: {والذين} ويجوز أن يكون جملة حالية {آتيناهم} أي بعظمتنا التي تعرفونها ويعرفون بها الحق من الباطل {الكتاب} أي المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور {يعلمون} أي لما لهم من سوابق الأنس بالكتب الإلهية {أنه منزل}. ولما تقدم ذكر الجلالة الشريفة في حاق موضعه في سياق الحكم الذي لا يكون إلا مع التفرد بالكمال، وكان هذا المقام بسياق الإنزال يقتضي الإحسان، لم يضمر بل قال: {من ربك} أي المحسن إليك بما خصك به في هذا الكتاب من أنواع الفضائل {بالحق} أي الأكمل لما عندهم به من البشائر في كتبهم ولما له من موافقتها في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر الله على وجوه ترقق القلوب وتفيض الدموع وتصدع الصدور، مع ما يزيد به على كتبهم من التفصيل بما يفهم معارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن الأحكام السياسية والإعجاز بكل آية. ولما كان أهل الكتاب يخفون ما عندهم من العلم، ويقولون للمشركين: إنهم أهدى سبيلاً، بما قد يوهم أنهم يعتقدون بطلانه، أو أن الأمر ملبس عليهم، سبب عن إخباره سبحانه قوله على طريق التهييج والإلهاب: {فلا تكونن} أي انف نفياً مؤكداً جداً أن تكون في وقت ما {من الممترين *} أي العاملين عمل الشاك فيما أخبرناك به وإن زاد إخفاؤهم له وإظهارهم لما يوهم خلافه؛ وإذا حاربتهم في ذلك وأنت أفطن الناس وأعرفهم بما يظهره المجاوزات من خفايا الأسرار - تحققت ما قلناه وإن اجتهدوا في الكتمان، كما كشفت عنه قصة المناشدة في أمر الزانيين وغيرها؛ وقال أبو حيان: قال مشركو قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك حكماً من أحبار اليهود، وإن شئت من أساقفة النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت. ولما دل على كونه حقاً من عند الله بعلم أهل الكتاب صريحاً وأهل اللسان تلويحاً، دل عليه بوجه آخر شهودي، وهو أنه ما قال شيئاً إلا كان على وفق ما قال، وأنه لم يستطع - ولا يستطيع أحد - منع شيء مما أخبر به ولا تعويقه ساعة من نهار ولا أقل ولا أكثر بقوله تعالى مظهراً في موضع الإضمار، لتذكيره صلى الله عليه وسلم بما له سبحانه من الإحسان، والتنبيه على ما يريد به من التشريف والإكرام: {وتمت} أي نفذت وتحققت {كلمة ربك} أي المحسن إليك المدبر لأمرك حال كونها {صدقاً} أي لا يقدر أحد أن يبدي في شيء منها حديثاً بتخلف ما عن مطابقة الواقع. ولما كان الصدق غير مناف للجور، قال: {وعدلاً} ولما كان الصدق العدل قد لا يتم معه مراد القائل، ولا ينفذ فيه كلام الآمر لمنع من هو أقوى منه، أخبر أنه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، تصريحاً بما أفهم مطلع الآية من التمام، وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتبركاً وتلذيذاً فقال: {لا مبدل لكلماته} أي من حيث إنها كلماته مطلقاً من غير تخصيص بنوع ما، بل كل ما أخبرت به فهو كائن لا محالة، رضي من رضي وسخط من سخط. ولما كان المغير لشيء إنما يتم له ما يريد من التغيير بكون المغير عليه لا يعلم الأسباب المنجحة لما أراد ليحكمها، والموانع العائقة ليبطلها، قال عاطفاً على ما تقديره: فهو العزيز الحكيم: {وهو} أي لا غيره {السميع} أي البالغ السمع لجميع ما يمكن سمعه من الأقوال والأفعال {العليم *} أي البالغ العلم لجميع ذلك، فهو إذن الكامل القدرة النافذ الأمر في جميع الأسباب والموانع، فلا يدع أحداً يغير شيئاً منها وإن دلس أو شبه. ولما أجاب عن شبهات الكفار، وبين صحة نبوته عليه السلام، شرع في الحث على الإعراض عن جهل الجهال، والإقبال على ذي الجلال، فكان التقدير: فإن أطعته فيما أمرك به اهتديت إلى صراط الله الذي يتم لك بسلوكه جميع ما وعدك به، عطف عليه قوله: {وإن تطع} ولما كانت أكثر الأنفس متقيدة بالأكثر، أشار إلى أن ذلك لا يفعله إلا جاهل مخلد إلى التقليد فقال: {أكثر من في الأرض} أي توجد طاعتك لهم في شيء من الأوقات بعد أن علمت أن أكثرهم إنما يتبع الهوى، وأن أكثرهم فاسقون لا يعلمون لا يشكرون {يضلوك عن سبيل الله} أي المستجمع لصفات الكمال؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن} أي لأنهم ما {يتبعون} في أمورهم {إلا الظن} أي كما يظن هؤلاء جهلاً أن آباءهم كانوا على الحق. ولما كان أكثر من يجزم بالأمور بما دعاه إليه ظنه كذباً، وكان الخارص يقال على الكاذب والمخمن الحازر، قال: {وإن هم} أي بصميم ضمائرهم {إلا يخرصون *} أي يجزمون بالأمور بحسب ما يقدرون، فيكشف الأمر عن أنها كذب، فيعرف الفرق بينك وبينهم في تمام الكلام ونفوذه نفوذ السهام، أو تخلفه عن التمام ونكوصه كالسيف الكهام، فلا يبقى شبهة في أمر المحق والمبطل.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً} قال: مبيناً وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مالك بن أنس عن ربيعة قال: إن الله تبارك وتعالى أنزل الكتاب وترك فيه موضعاً للسنة، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك فيها موضعاً للرأي .
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} [الآية: 114]. قال محمد بن الفضل: أسواه أطلب سيدًا.
القشيري
تفسير : قلْ لهم أترون أنى - بعد ظهور البيان ووضوح البرهان - أَذَرُ اليقين، وأوثر التخمين وأفارق الحقَّ، وأقارن الحظ؟ إن هذا محال من الظن.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفغير الله ابتغى حكما} الهمزة للانكار والفاء للعطف على مقدر وغير مفعول ابتغى وحكما حال وتقديم المفعول للايذان بان مدار الانكار هو ابتغاء غيره حكما لا مطلق الابتغاء والحكم ابلغ من الحاكم وادل على الرسوخ لما انه لا يطلق الا على العادل وعلى من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم وفى الكلام ارادة القول واضماره ـ روى ـ ان مشركى مكة قالوا يا محمد اجعل بيننا وبينك حكما من احبار اليهود او من اساقفة النصارى يفصل بين المحق والمبطل فانهم قرأوا الكتب قبلك فانزل الله هذه الآية وقال قل يا محمد أاميل عن الحق فاطلب غير الله تعالى حال كون ذلك الغير قاضيا بينى وبينكم {وهو الذى انزل اليكم الكتاب} الجملة حال من فاعل ابتغى اى والحال ان الله تعالى هو الذى انزل اليكم وانتم امة امية لا تدرون ما تأتون وما تذرون القرآن الناطق بالحق والصواب {مفصلا} اى مبينا فيه الحق والباطل والحلال والحرام وغير ذلك من الاحكام بحيث لم يبق فى امر الدين شئ من التخليط والابهام فأى حاجة بعد ذلك الى الحكم وهذا كما ترى صريح فى ان القرآن الكريم كاف فى امر الدين مغن عن غيره ببيانه وتفصيله {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل من ربك} كلام مستأنف غير داخل تحت القول المقدر مبين ان الذين وثقوا بهم ورضوا بحكميتهم من علماء اهل الكتابين عالمون بحقية القرآن ونزوله من عند الله تعالى والمعنى وعلماء اليهود والنصارى الذين فهمناهم التوراة والانجيل يعلمون ان ذلك الكتاب اى القرآن منزل من ربك حال كونه ملتبسا {بالحق} والصدق وهو بالفارسى [براتسى ودرستى] وهو متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير المستكن فى منزل {فلا تكونن من الممترين} اى من الشاكين فى انهم يعلمون بحقية القرآن لما لا تشاهد منهم آثار العلم واحكام المعرفة فالفاء لترتيب النهى على الاخبار بعلم اهل الكتاب بشأن القرآن وفى انه منزل من ربك بالحق فيكون من باب التوبيخ والالهاب اى الثبات على اليقين كقوله {أية : ولا تكونن من المشركين} تفسير : [القصص: 87]. فالفاء لترتيب النهى على نفس علمهم بحال القرآن. ثم انه تعالى لما بين كمال الكتاب المذكور من حيث اضافته اليه تعالى بكونه منزلا منه بالحق بين ايضا كماله من حيث ذاته فقال.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {غير}: مفعول، و {حَكَمًا}: حال، وهو أبلغ من حاكم، ولذلك لا يوصف به غير العادل، و {صدقًا وعدلاً}: تمييز، أو حال، أو مفعول به. يقول الحقّ جلّ جلاله: قل يا محمد: {أفغير الله} أطلبُ {حَكَمًا} يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق مِنَّا من المبطل، {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب} أي: القرآن المعجز، {مُفصَّلاً}؛ مُبينًا قد بيّن فيه الحق من الباطل، بحيث انتفى به الالتباس، فهو الحاكم بيني وبينكم، فلا أطلب حاكمًا غيره، وفيه تنبيه على أن القرآن بإعجازه مُغنٍ عن سائر الآيات. {والذين آتيناهم الكتاب} كأحبار اليهود، {يعلمون أنه منزل من ربك بالحق}؛ لتصديقه ما عندهم، وموافقته له في كثير من الأخبار، {فلا تكونن من الممترين} في أنهم يعلمون ذلك، أو في أنه منزل من ربك، والمراد غيره ـ عليه الصلاة والسلام ـ ممن يطرقه ارتياب، والمعنى: أن الأدلة تعاضدت على صحته، فلا ينبغي لأحد أن يمتري فيه. {وتمت كلمة ربك}؛ آيات القرآن، بلغت الغاية في التمام والكمال، {صِدقًا وعدلاً} أي: من جهة الصدق والعدل، صدقًا في الأخبار والمواعيد، وعدلاً في الأقضية والأحكام، فلا أصدَق منها فيما أخبرت، ولا أعدل منها فيما حكمت، {لا مبدل لكلماته} أي: لا أحد يقدر أن يبدل منها شيئًا بما هو أصدق وأعدل، ولا أن يحرف شيئًا منها، كما فُعل بالتوراة، فهو ضمان من الحق لحفظ القرآن، كما قال: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }تفسير : [الحِجر:9] أو: لا نبي ولا كتاب بعدها ينسخها ويبدل أحكامها، {وهو السميع} لكل ما يقال، {العليم} بكل ما يضمر، فمن ألحد أو بدل فالله عليم به. الإشارة: من قواعد أهل التصوف: الرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل نازل، والتحاكم إلى الله في كل أمر، إن توقفوا في حكم رجعوا إلى كتاب الله، فإن لم يجدوه نصًا، رجعوا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجدوه، استفتوا قلوبهم، وفي الحديث عنه: "حديث : استَفت قلبَكَ وإن أفتَاكَ المُفتُونَ وأفتوك " تفسير : . وفي بعض الآثار قالوا: يا رسول الله؛ أرأيت إن اختلفنا بعدك، ولم نجد نصًا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله؟ قال: " حديث : ردوه إلى صلحائكم، واجعلوه شُورَى بينهم ولا تَتَعَدّوا رأيهم " تفسير : . أو كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ. ثم نهى عن الكرون إلى الجهال، فقال: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وحفص {منزل} بتشديد الزاي. الباقون بالتخفيف من شدد حمله على التكرير بدلالة قوله {أية : تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم}. تفسير : ومن خفف فلقوله {أية : إنا أنزلناه في ليلة مباركة}تفسير : وما أشبهها. امر الله تعالى نبيه أن يقول لهؤلاء الكفار الذين مضى ذكرهم {أفغير الله أبتغي حكما} أي أطلب سوى الله حاكما، ونصب أفغير الله بفعل مقدر يفسره {أبتغي} تقديره أأبتغي غير الله أبتغي حكما، والحكم والحاكم بمعنى واحد، الا ان الحكم هو من كان أهلا أن يتحاكم اليه فهو أمدح من الحاكم، والحاكم جار على الفعل، وقد يحكم الحاكم بغير الحق، والحَكم لا يقضي الا بالحق لانها صفة مدح وتعظيم. والمعنى هل يجوز لاحد ان يعدل عن حكم الله رغبة عنه، لانه لا يرضى به؟! أو هل يجوز مع حكم الله حكم يساويه في حكمه؟! وقوله {وهو الذي} يعني الله الذي {أنزل إليكم الكتاب مفصلا} وانما مدح الكتاب بأنه مفصل، لان التفصيل تبيين المعاني بما ينفي التخليط المعمي للمعنى، وينفى ايضا التداخل الذي يوجب نقصان البيان عن المراد. وانما فصل القرآن بالآيات التي تفصل المعاني بعضها من بعض وتخليص الدلائل في كل فن. وقيل: معنى {مفصلا} أي بما يفصل بين الصادق والكاذب من أمور الدين. وقيل: فصل فيه الحرام من الحلال، والكفر من الايمان، والهدى من الضلال - في قول الحسن -. وقوله {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} لا يجوز ان يكون على عمومه، لان كثيرا من أهل الكتاب، بل أكثرهم جهال لا يعرفون. وقوله: أهل الكتاب، قد يستعمل تارة بمعنى العلم، وبمعنى الاقرار أخرى، كما يقال للعلماء بالقرآن: أهل القرآن. ويقال لجميع المسلمين أهل القرآن بمعنى أنهم مقرون به. وقوله {يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} قيل في معناه قولان: احدهما - يعلمون ان كل ما فيه بيان عن الشيء على ما هو به، فترغيبه، وترهيبه، ووعده، ووعيده، وقصصه، وأمثاله، وغير ذلك مما فيه كله بهذه الصفة. والثاني - أن معنى {بالحق} البرهان الذي تقدم لهم حتى علموه به. فان قيل كيف يصح على أصلكم في الموافاة ونفي الاحباط وصف الكفار بأنهم يعلمون الحق وذلك مما يستحق به الثواب ولا خلاف أن الكافر لا ثواب معه؟!. قلنا عنه جوابان: أحدهما - أن تكون الآية مخصوصة بمن آمن منهم في المستقبل، فانا نجوز أن يكونوا في الحال عالمين بالله وبأن القرآن حق ثم يظهرون الاسلام فيما بعد فيتكامل الايمان، لان الايمان لا يحصل دفعة واحدة بل يحصل جزءا فجزءا، لان أوله العلم بحدوث الاجسام، ثم ان لها محدثا، ثم العلم بصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، ثم العلم بالثواب والعقاب وما يتبعهما، وذلك يحصل في أوقات كثيرة. والثاني - أن يكونوا علموه على وجه لا يستحقون به الثواب لانهم يكونون نظروا في الادلة لا لوجه وجوب ذلك عليهم، بل لغير ذلك فحصل لهم العلم وان لم يستحقوا به ثوابا. ويحتمل أن يكون المراد بذلك أنهم يعلمون عند أنفسهم، لانهم اذا كانوا معتقدين بصحة التوراة وأنها من عند الله، وفيها دلالة على صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) وهم يدعون أن اعتقادهم علم، فهم اذاً على قولهم عالمون بأن القرآن منزل من ربك بالحق. ويحتمل أن يكون المراد بقوله {الذين آتيناهم الكتاب} المؤمنين المسلمين دون أهل الكتاب، ويكون المراد بالكتاب القرآن لانا قد بينا أن الله سماه كتابا بقوله {أية : الر كتاب أحكمت}تفسير : وبقوله{أية : هو الذي أنزل عليك الكتاب}تفسير : فعلى هذا سقط السؤال، لان هذه صفة المؤمنين المستحقين للثواب وقوله {فلا تكونن من الممترين} معناه لا تكونن من الشاكين. والامتراء الشك وكذلك المرية ويكون الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمرادبه الامة. وقيل المراد بذلك {فلا تكونن من الممترين} يا محمد في أنهم يعلمون أن ذلك من ربك بالحق.
الجنابذي
تفسير : {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} بتقدير قل او بتقدير قال او يقول او يقال جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ} القرآن او النّبوّة {مُفَصَّلاً وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ} يعنى الّذين آتيناهم النّبوّة بتسليم احكامها وقبولها وآتيناهم كتاب النّبوّة فى صورة كتاب سماوىّ كأهل الكتابين يعلمون انّ القرآن او كتاب نبوّتك او ولايتك فانّهما روح القرآن منزّل من ربّك {بِٱلْحَقِّ} متلبّساً بالحقّ الّذى هو الولاية او بسببه او معه {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} وهو من قبيل ايّاك أعنى واسمعى يا جارة.
اطفيش
تفسير : {أفغيْر اللهِ أبتَغى حَكَماً} قل يا محمد للمشركين الذين يبتغون غير الله حكما: أفغير الله أبتغى حكما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبتغى غير الله حكما لكن قد يحتمل عند المشركين أن يبتغى حكما غير الله، ولذلك أمره الله أن يقول لهم ذلك، إنكاراً عليهم، وهب أنه لم يحتمل ذلك عندهم، لكن أمر أن يقوله لهم رداً عليهم بطريق لطيف، هو أن الإنسان فى العادة والطبع لا يكره الخير لنفسه، فبانتفائه من غير الله حكما، يعلمون أن ابتغاء غير الله حكما غير صواب عنده، وقد سموه الأمين، وعرفوا صدقه، فلعله يخطر فى قلوبهم أن ينتفوامما انتفى. وكان مشركو قريش يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك قاضياً حَكَماً يميز المحق منا من المبطل، فأمره الله تعالى أن يجيبهم بقوله: {أفغير الله أبتغى حَكما} أعنى نزلت الأنعام جملة وفها هذه الآية جواباً لهم على طريق التعجب والإنكار، كيف أطلب حكما يحكم بيننا، ويفصل المبطل من الحق غير الله، وقد حكم بيننا، والهمزة مما بعد الفاء أو داخلة على محذوف أى أأكفر فاطلب غير الله حكما، وغير مفعول لأبتغى، وحكما حال من غير، ولو كان نكرة لا يتعرف بالإضافة، أو غير حال من حكما، ولو كان حكما نكرة لتقدم الحال، وحكما مفعول لأبتغى، أو غير مفعول لأبتغى، وحكما تمييز، والحكم الذى لا يحكم إلا بالعدل وهو أخص من الحاكم. {وهُو الَّذِى أنزلَ إليْكم الكِتابَ مُفصَّلا} الواو للحال، والجملة حال، وصاحب الحال ضمير أبتغى، كقولك: جاء زيد والشمس طالعة، والكتاب القرآن، ومفصلا حال من الكتاب، ومعنى مفصلا مبين فيه الحق من الباطل، كيف أبتغى حكما غير الله، وقد حكم الله فى كتابه الذى أنزل ببيان ما هو الحق، فلا نحتاج إلى حكم مع حكم الله، ولا يصح حكم غيره، ومحصل قوله: {أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا} أن القرآن مغن فى الحكم بيننا عن سائر الهبات من حيث إخباره بالغيوب، ومن حيث بلاغته، وكيف أبتغى حكما والحال أيضا أن التوراة والإنجيل شاهدان لى، وحاكمان لى بالصدق والنبوة والرسالة كما قال: {والَّذينَ آتيناهُم الكِتابَ يعْلمونَ} من الكتاب وهو التوراة، والإنجيل وهم اليهود والنصارى {أنه} أى الكتاب الذى أنزل مفصلا وهو القرآن {مُنزَّلٌ من ربِّك بالحقِّ} مقترنا، الحق بأهل الكتاب يعلمون أنه رسول الله، والقرآن من عند الله، ولكن ينكرون عناداً وحسداً، ومن لم يقرأ الكتاب من اليهود والنصارى، ولم يسمعه ولم يفمه، ففى حكم من علمه لوضوح دلائله بحيث تدرك بأدنى تأمل، ويجوز أن يراد أهل الكتاب الذين آتاهم الكتاب من قراءة، أو سمعه وعلمه لا مطلق اليهود والنصارى، وقيل: المراد بالذين آتيناهم الكتاب علماء الصحابة، ورؤساؤهم كأبى بكر وعمر وعلى، هذا فالكتاب القرآن لا التوراة والإنجيل، ويجوز أن يراد بالذين آتيناهم الكتاب من آمن منهم، كعبد الله بن سلام، والجملة معطوفة على جملة الحال قبلها، وقرأ ابن عامر وعاصم من طريق حفص عنه بفتح نون منزل وتشديد زايه. {فلا تكونَنَّ} يا محمد لفظاً لكونه الإمام، والمراد أمته معنا لأنها التى يمكن امتراء بعضها فى أنه رسول الله، والقرآن من الله، دوَّنه صلى الله عليه وسلم، أو يا كل من يمكن منه الامتراء، وكل أحد ينبغى أن لا يمترى لوضوح الدلائل، أو يا محمد على طريق ازدياد التمكن والمبالغة فى الصدق، أو يا محمد على أن الامتراء فى أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن من الله، فهذه أربعة أوجه. {مَنَ الممتَرينَ} من الذين يشكون فى أنه منزل من ربك، وأنك رسول منه، أو فى أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك، وهذان الوجهان كل واحد سائغ فى جميع الأوجه الأربعة يترجح الأول فى الثلاثة الأولى والثانى فى الرابع.
اطفيش
تفسير : {أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِى حَكَماً} على تقدير القول أَى قل لهم: أَفغير الله إِلخ، والهمزة مما بعد الفاء قدمت على العاطف لكمال صدريتها، أَو داخلة على محذوف عطف عليه أَبتغى أَى أَأَصغى إِلى زخرف القول ومطلق الباطل، أَو أَأَعدل عن الصراط المستقيم فأَبتغى غير الله حكما، أَى أَطلب، وغير مفعول به فحكما حال أَو تمييز لغير، أَو غير حال من حكما، وحكما مفعول به، والحكم من لا يخطئ فى حكمه، وهو أَخص من الحاكم، وقيل: الحكم من تكرر منه الفعل والحاكم يصدق ولو بمرة، وأَصحابنا رحمهم الله لا يجيزون اسم الفاعل بمرة، ووافقهم الفخر فى سورة لقمان عند الكلام على قوله تعالى {أية : هو جاز عن والده شيئاً} تفسير : [لقمان: 33]، وقال أَبتغى ولم يقل تبتغون كما قال: أَفغير دين الله تبغون، مع أَنهم المبتغون إِظهارا للإِنصاف، أَى لا يليق بى كما لا يليق بكم، بدأَ بنفسه فى الحكم عليها، أَو لمراعاة قولهم اجعل لما طلبوا منه الجعل بدأَ بنفسه فى الكلام على الجعل {وَهُوَ الَّذِى أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ} الخطاب للمشركين المبتغين للحكم، ونسب الكتاب إِليهم بالإِنزال للجلب إِلى قبوله، ولأَنه أَوفق بصدر الآية المسوقة للإِنكار عليهم، ولو عبر بأبتغى لا يبتغون إِظهارا للنصفة كقوله تعالى "أية : وما لى لا أَعبد الذى فطرنى"تفسير : [يس: 22] إِلخ، ولم يقل ما لكم لا تعبدون الذى فطرنى إِلخ {الْكِتَابَ} القرآن {مُفَصَّلاً} مبينا فيه الحق من الباطل، وأَنتم أُمة أُمية لا تدرون ما تأْتون وما تذرون، والجملة حال من ضمير أَبتغى والرابط واو الحال، أَو من لفظ الجلالة المضاف إِليه لجواز الحال عند الفارسى من المضاف إِليه مطلقا أَو لتأويل المضاف بمغاير الصالح للعمل، وكيف إِنكار للياقة ابتغاء غير الله حكما مع أَن الله هو الذى أَنزل الكتاب إِليكم، ولم يقل إِلينا تعظيماً لشأنهم من حيث أَن لهم من الله كتاباً عظيماً وجلباً لهم بذلك وزاد لهذا التعظيم والجلب وأَن القرآن من الله تقريرا بقوله {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} التوراة، أَو الجنس الشامل لها وللإِنجيل وغيرهما، والمراد أَهل الكتاب مطلقا، لأَن أَكثرهم يعلمون، أَو لأَن من لم يعلم متمكن من العلم، فكأَنهم كلهم عالمون، أَو المراد علماؤهم كعبد الله بن سلام وغيره من أَهل الكتاب الذين يريدون جعل الحكم منهم، وتفسير بعضهم الموصول بكبراءِ الصحابة وأَهل بدر والكتاب لا يتبادر، بل ليس من التفسير فى العير ولا فى النفير {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ} أَى الكتاب المنزل إِليك وإِلى قريش وغيرهم وهو القرآن {مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ} لا باطل ولا من غير ربك {بِالْحَقِّ} مقترنا بالحق {فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ} الشاكين فى الكتاب أَى القرآن أَنه من الله، أَو الشاكين فى أَن أَهل الكتاب يعلمون أَنه من الله جل وعلا، فاجزم بأَنهم عالمون بأَنه من الله، ولا شك أَنه صلى الله عليه وسلم لا يشك فى أَن القرآن من الله ولا فى أَن أَهل الكتاب يعلمون أَنه من الله لأَنه صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأَنهم عالمون به فلا يرتاب فيهم من حيث علمهم ولا يتهمهم بمداراة أَو مداهنة أَو غرض فى ذلك إِذا أَخبروه به، وقد يمكن أَن يخبره بعض لذلك، وإِنما ذلك شدة التأكيد والتحريض كقوله تعالى "أية : ولا تكونن من المشركين"تفسير : [يونس: 105]، أَو المراد الدوام على انتفاءِ الامتراءِ، أَو زيادة اليقين، أَو الخطاب لمن يصلح إِن شك، لا له صلى الله عليه وسلم، أَو الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد التعريض لأُمته.
الالوسي
تفسير : {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَماً} كلام مستأنف [وارد] على إرادة القول. والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي قل لهم يا محمد: أأميل إلى زخارف الشياطين أو أعدل عن الطريق المستقيم فأطلب حكماً غير الله تعالى يحكم بيني وبينكم ويفصل المحق منا من المبطل. وقيل: إن مشركي قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: / اجعل بيننا وبينك حكماً من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت. وإسناد الابتغاء المنكر لنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم لا إلى المشركين كما في قوله سبحانه: { أية : أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ } تفسير : [آل عمران: 83] مع أنهم الباغون لإظهار كمال النصفة أو لمراعاة قولهم: اجعل بيننا وبينك حكماً، و (غير) مفعول {أَبْتَغِى } و {حُكْمًا } حال منه، وقيل: تمييز لما في (غير) من الإبهام كقولهم: إن لنا إبلاً غيرها، وقيل: مفعول له؛ وأولى المفعول همزة الاستفهام دون الفعل لأن الإنكار إنما هو في ابتغاء غير الله تعالى حكماً لا في مطلق الابتغاء فكان أولى بالتقديم وأهم، وقيل: تقديمه للتخصيص. وحمل على أن المراد تخصيص الإنكار لا إنكار التخصيص، وقيل: في تقديمه إيماء إلى وجوب تخصيصه تعالى بالابتغاء والرضى بكونه حكماً. وجوز أن يكون {غَيْرِ } حالاً من {حكمًا } وحكماً مفعول {أَبْتَغِى } والتقديم لكونه مصب الإنكار، والحَكَم يقال للواحد والجمع كما قال الراغب، وصرح هو وغيره بأنه أبلغ من الحاكم لا مساو له كما نقل الواحدي عن أهل اللغة، وعلل بأنه صفة مشبهة تفيد ثبوت معناها ولذا لا يوصف به إلا العادل أو من تكرر منه الحكم. {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } جملة حالية مؤكدة للإنكار، ونسبة الإنزال إليهم خاصة مع أن مقتضى المقام إظهار تساوي نسبته إلى المتحاكمين لاستمالتهم نحو المنزل واستنزالهم إلى قبول حكمه بإيهام قوة نسبته إليهم وقيل: لأن ذلك أوفق بصدر الآية بناء على أن المراد بها الإنكار عليهم وإن عبر بما عبر إظهاراً للنصفة، ونظير ذلك قوله تعالى: { أية : وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تفسير : [يس: 22]. ومعنى الآية عند بعض المحققين أغيره تعالى أبتغي حكماً والحال أنه هو الذي أنزل إليكم الكتاب ـ وأنتم أمة أمية لا تدرون ما تأتون وما تذرون ـ القرآن الناطق بالحق والصواب الحقيق بأن يخص به اسم الكتاب. {مُفَصَّلاً } أي مبيناً فيه الحق والباطل والحلال والحرام وغير ذلك من الأحكام بحيث لم يبق في أمر الدين شيء من التخليط والإبهام فأي حاجة بعد ذلك إلى الحكم، ثم قال: وهذا كما ترى صريح في أن القرآن الكريم كاف في أمر الدين مغن عن غيره ببيانه وتفصيله؛ وأما أن يكون لإعجازه دخل في ذلك كما قيل فلا انتهى. ولا يخفى أن ملاحظة الإعجاز أمر مطلوب على تقدير كون الآية مرتبطة معنى بقوله سبحانه: { أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ } تفسير : [الأنعام: 109] الآية، وبيان ذلك على ما ذكره الإمام أنه سبحانه وتعالى «لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أتتهم آية ليؤمنن بها أجاب عنه جل شأنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم، ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته عليه الصلاة والسلام قد حصل وكمل فكان ما يطلبونه طلباً للزيادة وذلك مما لا يجب الالتفات إليه، ثم نبه على حصول الدليل من هذه الآية بوجهين، الأول: أنه تعالى أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته فيكون ظهور هذا المعجز دليلاً على أنه تعالى قد حكم بنبوته، فمعنى الآية قل يا محمد: إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله سبحانه حكماً؟ فإن كل أحد يقول: إن ذلك غير جائز ثم قل: إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز. الثاني: اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم رسول حق وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى وهذا هو المراد من الآية بعد» انتهى. ووجه بعضهم / مدخلية الإعجاز بأنه لا يتم الإلزام إلا بالعلم بكون المنزل من عند الله تعالى وهو يتوقف على الإعجاز بحيث يستغني عن آية أخرى دالة على صدق دعواه عليه الصلاة والسلام أنه من عند الله تعالى لكن قال: إن في دلالة النظم الكريم على ذلك خفاء إلا أن يقال: الجملة الاسمية الحالية تفيده لما فيها من الدلالة على ثبوته وتقرره في نفسه أو يجعل الكتاب بمعنى المعهود إعجازه، وذكر أن هذا من عدم تدبر الآية إذ المعنى لا أبتغي حكماً في شأني وشأن غيري إلا الله سبحانه الذي نزل الكتاب لذلك، وهو إنما يحكم له صلى الله عليه وسلم بصدق مدعاه بالإعجاز، فإنهم لما طعنوا في نبوته عليه الصلاة والسلام وأقسموا إن جاءتهم آية آمنوا بين سبحانه أنهم مطبوع على قلوبهم وأمره أن يوبخهم وينكر عليهم بقوله تعالى: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ } الخ أي أأزيغ عن الطريق السوي فأخص غيره بالحكم وهو الذي أنزل هذا الكتاب المعجز الذي أَفْحَمَكُم وألزمكم الحجة فكفى به سبحانه حاكماً بيني وبينكم بإنزال هذا الكتاب المفصل بالآيات البينات من التوحيد والنبوة وغيرهما الذي أعجزكم عن آخركم، ويؤول هذا إلى أنه صلى الله عليه وسلم أجابهم بالقول بالموجب لأنهم طعنوا في معجزاته فكبتهم على أحسن وجه وضم إليه علم أهل الكتاب، وعلى هذا فكونه معجزاً مأخوذ من كونه مغنياً عما عداه في شأنه وشأن غيره على ما أشير إليه، وهذا له نوع قرب مما ذكره الإمام وما أشار إليه من ارتباط الآية معنى بما تقدم من قوله تعالى: { أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ } تفسير : [الأنعام: 109] الخ لا يخلو عن حسن إلا أن دعوى خفاء دلالة النظم الكريم على الإعجاز مما لا خفاء في صحتها عندي، ولم يظهر مما ذكر ما ما يزيل ذلك الخفاء، وكون سوق الآية دليلاً على ملاحظة ذلك غير بعيد عن المأخذ الذي سمعته فتدبر. ومن الناس من قال: يحتمل أن يراد بالكتاب التوراة أي إنه تعالى حكم بيني وبينكم بما أنزل فيه مفصلاً حيث أخبركم بنبوتي وفصل فيه علاماتي وهو كما ترى، والحق ما تقدم. {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بِٱلْحَقّ } كلام مستأنف غير داخل تحت القول المقدر مسوق من جهته تعالى لتحقيق حقية الكتاب الذي نيط بإنزاله أمر الحكمية وتقرير كونه منزلاً من عنده عز وجل، وليس المراد منه الاستدلال على ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم كما يلوح من كلام الإمام، والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل، والتعبير عنهما بذلك للإيماء إلى ما بينهما وبين القرآن من المجانسة المقتضية للاشتراك في الحقية والنزول من عنده تعالى مع ما فيه من الايجاز، والمراد بالموصول إما علماء اليهود والنصارى وإما الفريقان مطلقاً والعلماء داخلون دخولاً أولياً، والإيتاء على الأول التفهيم بالفعل وعلى الثاني أعم منه ومن التفهيم بالقوة، وإيراد الطائفتين بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان بأنهم علموا ما علموا من جهة كتابهم، وقيل: المراد بالموصول مؤمنو أهل الكتاب. وعن عطاء أن المراد بالكتاب القرآن وبالموصول كبراء الصحابة وأهل بدر رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولا يخفى أنه أبعد من الثريا. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم مع الإيذان بأن نزوله من آثار الربوبية. و {مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً وهي متعلقة بمنزل، والباء للملابسة وهي متعلقة بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكن في {مُنَزَّلٌ } أي متلبساً بالحق. وقرأ غالب السبعة {منزل } بالتخفيف من الإنزال. والفرق بين أنزل ونزل قد أشرنا إليه فيما مر وأن الأول دفعي والثاني تدريجي وأنه / أكثري، والقراءة بهما تدل على قطع النظر عن الفرق، وليس إشارة إلى المعنيين باعتبار إنزاله إلى السماء الدنيا ثم إنزاله إلى الأرض لأن إنزاله دفعة إلى السماء على ما قيل لا يعلمه أهل الكتاب. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } أي المترددين في أنهم يعلمون ذلك لما لا يشاهد منهم آثار العلم وأحكام المعرفة، فالفاء لترتيب النهي على الإخبار بعلم أهل الكتاب أو في أنه منزل من ربك بالحق فليس المراد حقيقة النهي له صلى الله عليه وسلم عن الامتراء في ذلك بل تهييجه وتحريضه عليه الصلاة والسلام كقوله سبحانه: { أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } تفسير : [الأنعام: 14] ويحتمل أن يكون الخطاب في الحقيقة للأمة على طريق التعريض وإن كان له عليه الصلاة والسلام صورة، وأن يكون لكل أحد ممن يتصور منه الامتراء بناء على ما تقرر أن أصل الخطاب أن يكون مع معين وقد يترك لغيره كما في قوله سبحانه: { أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [السجدة: 12] والفاء على هذه الأوجه لترتيب النهي على نفس علمهم بحال القرآن.
سيد قطب
تفسير : الآن نجيء إلى القضية التي تعالجها بقية السورة؛ والتي كان التمهيد لها مطرداً في سياق السورة كله؛ وآخر هذا التمهيد ما ساقه من قضايا العقيدة الكبيرة؛ ومن واقع المعركة العقيدية الطويلة في الآيتين السابقتين. ومن تقرير سلطان الله المطلق فيما يقع من المعركة بين شياطين الإنس والجن وكل نبي. ومن قواعد الهدى والضلال وسنة الله التي يجري وفقها الضلال والهدى... إلى آخر ما استعرضناه في الصفحات السابقة. الآن نجيء إلى القضية التي جعلت هذه المقدمات كلها قاعدة لها.. قضية الحل والحرمة فيما ذكر اسم الله عليه وما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح.. وهي تأخذ أهميتها من ناحية تقرير المبدأ الإسلامي الأول: مبدأ حق الحاكمية المطلقة لله وحده؛ وتجريد البشر من ادعاء هذا الحق أو مزاولته في أية صورة من الصور.. وحين تكون القضية هي قضية هذا المبدأ فإن الصغيرة تكون كالكبيرة في تحقيق هذا المبدأ أو نقضه.. ولا يهم أن يكون الأمر أمر ذبيحة يؤكل منها أو لا يؤكل؛ أو أن يكون أمر دولة تقام أو نظام مجتمع يوضع. فهذه كتلك من ناحية المبدأ. وهذه كتلك تعني الاعتراف بألوهية الله وحده؛ أو تعني رفض هذه الألوهية. والمنهج القرآني يتكئ كثيرا جدا على هذا المبدأ لتقريره في كل مناسبة. ولا يمل تكراره حيثما جاءت مناسبته أمام كل تشريع للصغير وللكبير من الأمور.. ذلك أن هذا المبدأ هو العقيدة، وهو الدين، وهو الإسلام؛ وليس وراءه من هذا الدين كله إلا التطبيقات والتفريعات. وسنجد في هذا المقطع من السورة - كما سنجد في بقيتها إلى ختامها - أن تقرير هذا المبدأ يكرر في صور شتى؛ بمناسبة عرض شرائع الجاهلية وتقاليدها؛ ويتضح ارتباط هذه الشرائع والتقاليد بالشرك والاستكبار عن الإسلام؛ وانبثاقها من نقطة إقامة ألوهية أخرى غير ألوهية الله، ومن ثم يسلط عليها القرآن هذه الحملات العنيفة، المنوعة الأساليب، ويربطها هذا الربط بأصل الاعتقاد وأصل الإيمان والإسلام. إن السياق يبدأ بتقرير جهة الحاكمية في أمر العباد كله - تمهيدا لتقرير جهة الحاكمية في التحليل والتحريم في الذبائح، الأمر الذي يزاول فيه المشركون حق الحاكمية افتراء على الله واعتداء على سلطانه - ويمهد لهذا الأمر تمهيداً طويلا كما نلحظ من سياق الآيات في هذا الموضع: {أفغير الله أبتغي حكما، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، فلا تكونن من الممترين. وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته، وهو السميع العليم. وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون. إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين}. هذا التمهيد كله يجيء قبل أن يدخل في الموضوع الواقع الحاضر الذي يمهد له هذا التمهيد، ثم يربطه ربطاً مباشرا بقضية الإيمان أو الكفر: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه.. إن كنتم بآياته مؤمنين.. وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل لكم ما حرم عليكم - إلا ما اضطررتم إليه}. وقبل أن ينتهي من عرض قضية التحليل والتحريم - بعد ذلك التمهيد كله - يفصل بين فقرتين بتوجيهات وتعقيبات أخرى، تحوي مؤثرات قوية من الأمر والنهي والبيان والوعيد: {وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم. إن ربك هو أعلم بالمعتدين. وذروا ظاهر الإثم وباطنه. إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون}.. ثم يستأنف الحديث في قضية التحليل والتحريم؛ فيربطها مباشرة بقضية الإسلام والشرك: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه - وإنه لفسق - وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم.. وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}.. ثم يمضي بعد ذلك شوطاً آخر في الحديث عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان.. شوطاً كأنه تعقيب على أمر التحليل والتحريم. ومن هذا التتابع، وهذا الربط، وهذا التوكيد، تتمثل طبيعة نظرة الإسلام لقضية التشريع والحاكمية، في شؤون الحياة اليومية.. {أفغير الله ابتغي حكما، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، فلا تكونن من الممترين}.. إنه سؤال على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للاستنكار. استنكار أن يبتغي حكما غير الله في شأن من الشؤون على الإطلاق. وتقرير لجهة الحاكمية في الأمر كله، وإفرادها بهذا الحق الذي لا جدال فيه. ونفي أن يكون هناك أحد غير الله يجوز أن يتجه إليه طالبا حكمه في أمر الحياة كله. {أفغير الله أبتغي حكما؟}.. ثم.. تفصيل لهذا الإنكار، وللملابسات التي تجعل تحكيم غير الله شيئاً مستنكراً غريباً.. إن الله لم يترك شيئاً غامضاً؛ ولم يجعل العباد محتاجين إلى مصدر آخر، يحكمونه في ما يعرض لهم من مشكلات الحياة: {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً}.. لقد نزل هذا الكتاب ليحكم بالعدل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولتتمثل فيه حاكمية الله وألوهيته. ثم لقد نزل هذا الكتاب مفصلا، محتويا على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة. كما أنه تضمن أحكاماً تفصيلية في المسائل التي يريد الله تثبيتها في المجتمع الإنساني مهما اختلفت مستوياته الاقتصادية والعلمية والواقعية جملة.. وبهذا وذلك كان في هذا الكتاب غناء عن تحكيم غير الله في شأن من شؤون الحياة.. هذا ما يقرره الله - سبحانه - عن كتابه. فمن شاء أن يقول: إن البشرية في طور من أطوارها لا تجد في هذا الكتاب حاجتها فليقل.. ولكن ليقل معه.. إنه - والعياذ بالله - كافر بهذا الدين، مكذب بقول رب العالمين! ثم إن هناك مِن حولهم ملابسة أخرى تجعل ابتغاء غير الله حكما في شأن من الشؤون أمراً مستنكرا غريبا.. إن الذين أوتوا الكتاب من قبل يعلمون أن هذا الكتاب منزل من عند الله، وهم أعرف بالكتاب لأنهم من أهل الكتاب: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق}.. ولقد كانت هذه ملابسة حاضرة في مكة وفي الجزيرة، يخاطب الله بها المشركين.. سواء أقر أهل الكتاب بها وجهروا - كما وقع من بعضهم مّمن شرح الله صدره للإسلام - أو كتموها وجحدوها - كما وقع من بعضهم - فالأمر في الحالين واحد؛ وهو إخبار الله سبحانه - وخبره هو الصدق - أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربه بالحق.. فالحق محتواه؛ كما أن الحق متلبس بتنزيله من الله.. وما يزال أهل الكتاب يعلمون أن هذا الكتاب منزل من الله بالحق. وما يزالون يعلمون أن قوة هذا الدين إنما تنبثق من هذا الحق الذي يتلبس به، ومن هذا الحق الذي يحتويه. وما يزالون - من أجل علمهم بهذا كله - يحاربون هذا الدين، ويحاربون هذا الكتاب، حرباً لا تهدأ.. وأشد هذه الحرب وأنكاها، هو تحويل الحاكمية عن شريعة هذا الكتاب؛ إلى شرائع كتب أخرى من صنع البشر. وجعل غير الله حكما، حتى لا تقوم لكتاب الله قائمة، ولا يصبح لدين الله وجود. وإقامة ألوهيات أخرى في البلاد التي كانت الألوهية فيها لله وحده؛ يوم كانت تحكمها شريعة الله التي في كتابه؛ ولا تشاركها شريعة أخرى، ولا يوجد إلى جوار كتاب الله كتب أخرى، تستمد منها أوضاع المجتمع، وأصول التشريعات، ويرجع إليها ويستشهد بفقراتها كما يستشهد المسلم بكتاب الله وآياته! وأهل الكتاب - من صليبيين وصهيونيين - من وراء هذا كله؛ ومن وراء كل وضع وكل حكم يقام لمثل هذه الأهداف الخبيثة! وحين يقرر السياق أن هذا الكتاب أنزله الله مفصلا؛ وأن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من الله بالحق، يلتفت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن وراءه من المؤمنين به؛ يهون عليه وعليهم شأن التكذيب والجدل الذي يجدونه من المشركين؛ وشأن الكتمان والجحود الذي يجدونه من بعض أهل الكتاب: {فلا تكونن من الممترين}. وما شك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا امترى. ولقد ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - عندما نزل الله عليه: {أية : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك. لقد جاءك الحق من ربك، فلا تكونن من الممترين}تفسير : قال:"حديث : لا أشك، ولا أسأل ". تفسير : ولكن هذا التوجيه وأمثاله؛ وهذا التثبيت على الحق ونظائره؛ تدل على ضخامة ما كان يلقاه - صلى الله عليه وسلم - والجماعة المسلمة معه من الكيد والعنت والتكذيب والجحود؛ ورحمة الله - سبحانه - به وبهم بهذا التوجيه والتثبيت.. ويمضي السياق في هذا الاتجاه؛ يقرر أن كلمة الله الفاصلة قد تمت؛ وأنه لا مبدل لها بفعل الخلق، بالغاً ما بلغ كيدهم: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته، وهو السميع العليم}.. لقد تمت كلمة الله - سبحانه - صدقا - فيما قال وقرر - وعدلا - فيما شرع وحكم - فلم يبق بعد ذلك قول لقائل في عقيدة أو تصور أو أصل أو مبدأ أو قيمة أو ميزان. ولم يبق بعد ذلك قول لقائل في شريعة أو حكم، أو عادة أو تقليد.. ولا معقب لحكمه ولا مجير عليه.. {وهو السميع العليم}.. الذي يسمع ما يقوله عباده، ويعلم ما وراءه، كما يعلم ما يصلح لهم، وما يصلحهم. وإلى جانب تقرير أن {الحق} هو ما تضمنه الكتاب الذي أنزله الله، يقرر أن ما يقرره البشر وما يرونه إن هو إلا اتباع الظن الذي لا يقين فيه؛ واتباعه لا ينتهي إلا إلى الضلال. وأن البشر لا يقولون الحق ولا يشيرون به إلا إذا أخذوه من ذلك المصدر الوحيد المستيقن؛ ويحذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يطيع الناس في شيء يشيرون به عليه من عند أنفسهم؛ مهما بلغت كثرتهم؛ فالجاهلية هي الجاهلية مهما كثر أتباعها الضالون: {وإِن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله. إن يتبعون إلا الظن، وإن هم إلا يخرصون}.. ولقد كان أكثر من في الأرض - كما هو الحال اليوم بالضبط - من أهل الجاهلية.. لم يكونوا يجعلون الله هو الحكم في أمرهم كله، ولم يكونوا يجعلون شريعة الله التي في كتابه هي قانونهم كله. ولم يكونوا يستمدون تصوراتهم وأفكارهم، ومناهج تفكيرهم ومناهج حياتهم من هدى الله وتوجيهه.. ومن ثم كانوا - كما هو الحال اليوم - في ضلالة الجاهلية؛ لا يملكون أن يشيروا برأي ولا بقول ولا بحكم يستند على الحق ويستمد منه؛ ولا يقودون من يطيعهم ويتبعهم إلا إلى الضلال.. كانوا - كما هم اليوم - يتركون العلم المستيقن ويتبعون الظن والحدس.. والظن والحدس لا ينتهيان إلا إلى الضلال.. وكذلك حذر الله رسوله من طاعتهم واتباعهم كي لا يضلوا عن سبيل الله.. هكذا على وجه الإجمال. وإن كانت المناسبة الحاضرة حينذاك كانت هي مناسبة تحريم بعض الذبائح وتحليل بعضها كما سيجيء في السياق.. ثم قرر أن الذي يحكم على العباد بأن هذا مهتد وهذا ضال هو الله وحده. لأن الله وحده هو الذي يعلم حقيقة العباد، وهو الذي يقرر ما هو الهدى وما هو الضلال: {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}.. فلا بد من قاعدة للحكم على عقائد الناس وتصوراتهم وقيمهم وموازينهم ونشاطهم وأعمالهم. لا بد من قاعدة لتقرير ما هو الحق وما هو الباطل في هذا كله - كي لا يكون الأمر في هذه المقومات هو أمر هوى الناس المتقلب واصطلاحهم الذي لا يقوم على علم مستيقن.. ثم لا بد من جهة تضع الموازين لهذه المقومات، ويتلقى منها الناس حكمها على العباد والقيم سواء. والله - سبحانه - يقرر هنا أنه هو - وحده - صاحب الحق في وضع هذا الميزان. وصاحب الحق في وزن الناس به، وتقرير من هو المهتدي، ومن هو الضال. إنه ليس "المجتمع" هو الذي يصدر هذه الأحكام وفق اصطلاحاته المتقلبة.. ليس المجتمع الذي تتغير أشكاله ومقوماته المادية، فتتغير قيمه وأحكامه.. حيث تكون قيم وأخلاق للمجتمع الزراعي، وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الصناعي. وحيث تكون هناك قيم وأخلاق للمجتمع الرأسمالي البرجوازي، وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الاشتراكي أو الشيوعي.. ثم تختلف موازين الناس وموازين الأعمال وفق مصطلح هذه المجتمعات! الإسلام لا يعرف هذا الأصل ولا يقره.. الإسلام يعين قيماً ذاتية له يقررها الله - سبحانه - وهذه القيم تثبت مع تغير "أشكال" المجتمعات.. والمجتمع الذي يخرج عليها له اسمه في الاصطلاح الإسلامي.. إنه مجتمع غير إسلامي.. مجتمع جاهلي.. مجتمع مشرك بالله، لأنه يدع لغير الله - من البشر - أن يصطلح على غير ما قرره الله من القيم والموازين والتصورات والأخلاق، والأنظمة والأوضاع.. وهذا هو التقسيم الوحيد الذي يعرفه الإسلام للمجتمعات وللقيم وللأخلاق.. إسلامي وغير إسلامي.. إسلامي وجاهلي.. بغض النظر عن الصور والأشكال!! بعد هذا التمهيد التقريري الطويل تجيء قضية الذبائح، مبنية على القاعدة الأساسية التي أقامها ذلك التمهيد التقريري الطويل: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه.. إن كنتم بآياته مؤمنين.. وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل لكم ما حرم عليكم - إلا ما اضطررتم إليه - وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم، إن ربك هو أعلم بالمعتدين. وذروا ظاهر الإثم وباطنه، إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كان يقترفون. ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه - وإنه لفسق - وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}.. وقبل أن ندخل في تفصيل هذه الأحكام من الناحية الفقهية، يهمنا أن نبرز المبادئ الأساسية الاعتقادية التي تقررها. إنه يأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه. والذكر يقرر الوجهة ويحدد الاتجاه. ويعلق إيمان الناس بطاعة هذا الأمر الصادر إليهم من الله: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه.. إن كنتم بآياته مؤمنين}.. ثم يسألهم: وما لهم في الامتناع من الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وقد جعله الله لهم حلالا؟ وقد بين لهم الحرام الذي لا يأكلونه إلا اضطراراً؟ فانتهى بهذا البيان كل قول في حله وحرمته؛ وفي الأكل منه أو تركه؟ {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه؟}.. ولما كانت هذه النصوص تواجه قضية حاضرة إذ ذاك في البيئة، حيث كان المشركون يمتنعون من ذبائح أحلها الله؛ ويحلون ذبائح حرمها الله - ويزعمون أن هذا هو شرع الله! - فإن السياق يفصل في أمر هؤلاء المشترعين المفترين على الله، فيقرر أنهم إنما يشرعون بأهوائهم بغير علم ولا اتباع، ويضلون الناس بما يشرعونه لهم من عند أنفسهم، ويعتدون على ألوهية الله وحاكميته بمزاولتهم لخصائص الألوهية وهم عبيد: {وإن كثراً ليضلون بأهوائهم بغير علم.. إن ربك هو أعلم بالمعتدين}.. ويأمرهم بأن يتركوا الإثم كله - ظاهره وخافيه - ومنه هذا الذي يزاولونه من إضلال الناس بالهوى وبغير علم؛ وحملهم على شرائع ليست من عند الله، وافتراء أنها شريعة الله! ويحذرهم مغبة هذا الإثم الذي يقترفونه: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه. إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون}.. ثم ينهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح التي كانوا يذكرون عليها أسماء آلهتهم؛ أو ينحرونها للميسر ويستقسمونها بالأزلام؛ أو من الميتة التي كانوا يجادلون المسلمين في تحريمها، يزعمون أن الله ذبحها! فكيف يأكل المسلمون مما ذبحوا بأيديهم، ولا يأكلون مما ذبح الله؟! وهو تصور من تصورات الجاهلية التي لا حد لسخفها وتهافتها في جميع الجاهليات! وهذا ما كانت الشياطين - من الإنس والجن - توسوس به لأوليائها ليجادلوا المسلمين فيه من أمر هذه الذبائح مما تشير إليه الآيات: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه - وإنه لفسق - وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم.. وإن أطعتموهم إنكم لمشركون..}.. وأمام هذا التقرير الأخير نقف، لنتدبر هذا الحسم وهذه الصراحة في شأن الحاكمية والطاعة والاتباع في هذا الدين.. إن النص القرآني لقاطع في أن طاعة المسلم لأحد من البشر في جزئية من جزئيات التشريع التي لا تستمد من شريعة الله، ولا تعتمد على الاعتراف له وحده بالحاكمية.. أن طاعة المسلم في هذه الجزئية تخرجه من الإسلام لله، إلى الشرك بالله. وفي هذا يقول ابن كثير: "وقوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}.. أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه، إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره.. فهذا هو الشرك.. كقوله تعالى: {أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} تفسير : الآية. وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله ماعبدوهم. فقال: "حديث : بلى! إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال. فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم ". تفسير : كذلك روى ابن كثير عن السدي في قوله تعالى: {أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله...} تفسير : الآية قوله: (استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. ولهذا قال تعالى: {أية : وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً}تفسير : أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ).. فهذا قول السدي وذاك قول ابن كثير.. وكلاهما يقرر في حسم وصرامة ووضوح - مستمدة من حسم النص القرآني وصرامته ووضوحه، ومن حسم التفسير النبوي للقرآن، وصرامته ووضوحه كذلك - أن من أطاع بشراً في شريعة من عند نفسه، ولو في جزئية صغيرة، فإنما هو مشرك. وإن كان في الأصل مسلما ثم فعلها فإنما خرج بها من الإسلام إلى الشرك أيضاً.. مهما بقي بعد ذلك يقول: أشهد أن لا إله إلا الله بلسانه. بينما هو يتلقى من غير الله، ويطيع غير الله. وحين ننظر إلى وجه الأرض اليوم - في ضوء هذه التقريرات الحاسمة - فإننا نرى الجاهلية والشرك - ولا شيء غير الجاهلية والشرك - إلا من عصم الله، فأنكر على الأرباب الأرضية ما تدعيه من خصائص الألوهية؛ ولم يقبل منها شرعا ولا حكما... إلا في حدود الإكراه.. فأما الحكم الفقهي المستفاد من قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق..} فيما يتعلق بحل الذبائح وحرمتها عند التسمية وعدم التسمية فقد لخصها ابن كثير في التفسير في هذه الفقرات قال: "استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلماً".. "وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: "فمنهم من قال: لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة. وسواء متروك التسمية عمدا أو سهوا. وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين. وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل، نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين. وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري. واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه الأربعين، واحتجوا لمذهبهم بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد: {أية : فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} تفسير : ثم قد أكد ذلك بقوله: {وإنه لفسق} والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على الذبح لغير الله. وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة:"حديث : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك"تفسير : . وهما في الصحيحين. وحديث رافع بن خديج:"حديث : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه"تفسير : . وهو في الصحيحين أيضاً.. "والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركها عمداً أو نسياناً لا يضر. وهذا مذهب الإمام الشافعي، رحمه الله، وجميع أصحابه. ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل. وهو رواية عن الإمام مالك، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه. وحكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح. والله أعلم. وحمل الشافعي الآية الكريمة: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} على ما ذبح لغير الله كقوله تعالى: {أية : أو فسقا أهل لغير الله به} تفسير : وقال ابن جريج عن عطاء: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}.. قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس.. وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي.. "وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال: هي الميتة. وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في المراسيل من حديث ثور بن يزيد عن الصلت السدوسيّ مولى سويد بن ميمون أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر. إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله" تفسير : .. وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: "حديث : إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل. فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله ". تفسير : "المذهب الثالث: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانا لم يضر، وإن تركها عمدا لم تحل.. هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه. وإسحاق بن راهويه. وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاووس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن..." "قال ابن جرير: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عينت به. وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم. وروي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال الله: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين} وقال: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} فنسخ، واستثنى من ذلك فقال: {أية : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم}تفسير : وقال ابن أبي حاتم: قرأ عليَّ العباس بن الوليد بن يزيد، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان - يعني ابن المنذر - عن مكحول قال: أنزل الله في القرآن: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}. ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال: {أية : اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم}تفسير : فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب. ثم قال ابن جرير: والصواب: أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه.. وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ هنا، فإنما أراد التخصيص، والله سبحانه وتعالى أعلم"... انتهى. بعد ذلك يجيء شوط كامل عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان، وعن قدرة الله في أن يجعل في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها. وعن الكبر الذي يحيك في نفوس هؤلاء المجرمين الأكابر. ويمنعهم من الإسلام. ويختم الشوط بالتصوير الرائع الصادق لحالة الإيمان التي يشرح الله لها الصدر، وحالة الكفر التي يجعل الصدر فيها ضيقاً حرجا مكروب الأنفاس!.. فيتصل هذا الشوط كله بموضوع التحريم والتحليل في الذبائح اتصال الأصل القاعدي بالفرع التطبيقي؛ ويدل على عمق هذا الفرع وشدة علاقته بالأصل الكبير: {أو من كان ميتا فأحييناه، وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون. وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون. وإذا جاءتهم آية قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله. الله أعلم حيث يجعل رسالته، سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون. فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}. إن هذه الآيات في تصوير طبيعة الهدى وطبيعة الإيمان إنما تعبر تعبيرا حقيقيا واقعيا عن حقيقة واقعية كذلك.إن ما يبدو فيها من تشبيه ومجاز إنما هو لتجسيم هذه الحقيقة في الصورة الموحية المؤثرة؛ ولكن العبارة في ذاتها حقيقية. إن نوع الحقيقة التي تعبر هذه الآيات عنها هو الذي يقتضي هذه الإيقاعات التصويرية. فهي حقيقة، نعم. ولكنها حقيقة روحية وفكرية. حقيقة تذاق بالتجربة. ولا تملك العبارة إلا أن تستحضر مذاق التجربة ولكن لمن ذاقها فعلا! إن هذه العقيدة تنشئ في القلب حياة بعد الموت، وتطلق فيه نوراً بعد الظلمات. حياة يعيد بها تذوق كل شيء، وتصور كل شيء، وتقدير كل شيء بحس آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة. ونوراً يبدو كل شيء تحت أشعته وفي مجاله جديداً كما لم يبد من قبل قط لذلك القلب الذي نّوره الإيمان. هذه التجربة لا تنقلها الألفاظ. يعرفها فقط من ذاقها.. والعبارة القرآنية هي أقوى عبارة تحمل حقيقة هذه التجربة. لأنها تصورها بألوان من جنسها ومن طبيعتها. إن الكفر انقطاع عن الحياة الحقيقية الأزلية الأبدية، التي لا تفنى ولا تغيض ولا تغيب. فهو موت.. وانعزال عن القوة الفاعلة المؤثرة في الوجود كله.. فهو موت.. وانطماس في أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية.. فهو موت.. والإيمان اتصال، واستمداد، واستجابة.. فهو حياة.. إن الكفر حجاب للروح عن الاستشراف والاطلاع.. فهو ظلمة.. وختم على الجوارح والمشاعر.. فهو ظلمة.. وتيه في التيه وضلال.. فهو ظلمة.. وإن الإيمان تفتح ورؤية، وإدراك واستقامة.. فهو نور بكل مقومات النور.. إن الكفر انكماش وتحجر.. فهو ضيق.. وشرود عن الطريق الفطري الميسر.. فهو عسر.. وحرمان من الاطمئنان إلى الكنف الآمن.. فهو قلق.. وإن الإيمان انشراح ويسر وطمأنينة وظل ممدود.. وما الكافر؟ إن هو إلا نبته ضالة لا وشائج لها في تربة هذا الوجود ولا جذور.. إن هو إلا فرد منقطع الصلة بخالق الوجود، فهو منقطع الصلة بالوجود. لا تربطه به إلا روابط هزيلة من وجوده الفردي المحدود. في أضيق الحدود. في الحدود التي تعيش فيها البهيمة. حدود الحس وما يدركه الحس من ظاهر هذا الوجود! إن الصلة بالله، والصلة في الله، لتصل الفرد الفاني بالأزل القديم والأبد الخالد. ثم تصله بالكون الحادث والحياة الظاهرة.. ثم تصله بموكب الإيمان والأمة الواحدة الضاربة في جذور الزمان. الموصولة على مدار الزمان.. فهو في ثراء من الوشائج، وفي ثراء من الروابط. وفي ثراء من "الوجود" الزاخر الممتد اللاحب، الذي لا يقف عند عمره الفردي المحدود. ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، فتتكشف له حقائق هذا الدين، ومنهجه في العمل والحركة، تكشفا عجيبا.. إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يجده الإنسان في قلبه حين يجد هذا النور.. مشهد التناسق الشامل العجيب في طبيعة هذا الدين وحقائقه. ومشهد التكامل الجميل الدقيق في منهجه للعمل وطريقته. إن هذا الدين لا يعود مجموعة معتقدات وعبادات وشرائع وتوجيهات.. إنما يبدو "تصميما" واحدا متداخلا متراكبا متناسقا.. متعاشقا يبدو حيا يتجاوب مع الفطرة وتتجاوب معه في ألفة عميقة وفي صداقة وثيقة، وفي حب ودود! ويجد الإنسان في قلبه هذا النور؛ فتتكشف له حقائق الوجود، وحقائق الحياة، وحقائق الناس، وحقائق الأحداث التي تجري في هذا الكون وتجري في عالم الناس.. تتكشف له في مشهد كذلك رائع باهر.. مشهد السُّنَّة الدقيقة التي تتوالى مقدماتها ونتائجها في نظام محكم ولكنه فطري ميسر.. ومشهد المشيئة القادرة من وراء السنة الجارية تدفع بالسنة لتعمل وهي من ورائها محيطة طليقة.. ومشهد الناس والأحداث وهم في نطاق النواميس وهي في هذا النطاق أيضاً. ويجد الإنسان في قلبه هذا النور فيجد الوضوح في كل شأن وفي كل أمر وفي كل حدث.. يجد الوضوح في نفسه وفي نواياه وخواطره وخطته وحركِته. ويجد الوضوح فيما يجري حوله سواء من سنة الله النافذة، أو من أعمال الناس ونواياهم وخططهم المستترة والظاهرة! ويجد تفسير الأحداث والتاريخ في نفسه وعقله وفي الواقع من حوله، كأنه يقرأ من كتاب! ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، فيجد الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه! ويجد الراحة في باله وحاله ومآله! ويجد الرفق واليسر في إيراد الأمور وإصدارها، وفي استقبال الأحداث واستدبارها! ويجد الطمأنينة والثقة واليقين في كل حالة وفي كل حين! وهكذا يصور التعبير القرآني الفريد تلك الحقيقة بإيقاعاته الموحية: {أومن كان ميتا فأحييناه، وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟}. كذلك كان المسلمون قبل هذا الدين. قبل أن ينفخ الإيمان في أرواحهم فيحييها، ويطلق فيها هذه الطاقة الضخمة من الحيوية والحركة والتطلع والاستشراف.. كانت قلوبهم مواتا. وكانت أرواحهم ظلاما.. ثم إذا قلوبهم ينضح عليها الإيمان فتهتز، وإذا أرواحهم يشرق فيها النور فتضيء، ويفيض منها النور فتمشي به في الناس تهدي الضال، وتلتقط الشارد، وتطمئن الخائف، وتحرر المستعبد، وتكشف معالم الطريق للبشر وتعلن في الأرض ميلاد الإنسان الجديد. الإنسان المتحرر المستنير؛ الذي خرج بعبوديته لله وحده من عبودية العبيد! أفمن نفخ الله في روحه الحياة، وأفاض على قلبه النور.. كمن حاله أنه في الظلمات، لا مخرج له منها؟ إنهما عالمان مختلفان شتان بينهما شتان! فما الذي يمسك بمن في الظلمات والنور حوله يفيض؟ {كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون}.. هذا هو السر.. إن هناك تزيينا للكفر والظلمة والموت! والذي ينشئ هذا التزيين ابتداء هو مشيئة الله التي أودعت فطرة هذا الكائن الإنساني الاستعداد المزدوج لحب النور وحب الظلمة، تبتليه بالاختيار للظلمة أو النور. فإذا اختار الظلمة زينت له؛ ولج في الضلال حتى لا يخرج من الظلمة ولا يعود، ثم إن هناك شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.، ويزينون للكافرين ما يعملون.. والقلب الذي ينقطع عن الحياة والإيمان والنور، يسمع في الظلمة للوسوسة؛ ولا يرى ولا يحس ولا يميز الهدى من الضلال في ذلك الظلام العميق!.. وكذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون.. وبنفس الطريقة، ولنفس الأسباب، وعلى هذه القاعدة جعل الله في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها.. ليتم الابتلاء، وينفذ القدر؛ وتتحقق الحكمة؛ ويمضي كل فيما هو ميسر له، وينال كل جزاءه في نهاية المطاف: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون}. إنها سنة جارية أن ينتدب في كل قرية - وهي المدينة الكبيرة والعاصمة - نفر من أكابر المجرمين فيها، يقفون موقف العداء من دين الله. ذلك أن دين الله يبدأ من نقطة تجريد هؤلاء الأكابر من السلطان الذي يستطيلون به على الناس، ومن الربوبية التي يتعبدون بها الناس، ومن الحاكمية التي يستذلون بها الرقاب، ويرد هذا كله إلى الله وحده.. رب الناس.. ملك الناس.. إله الناس. إنها سنة من أصل الفطرة.. أن يرسل الله رسله بالحق.. بهذا الحق الذي يجرد مدعي الألوهية من الألوهية والربوبية والحاكمية. فيجهر هؤلاء بالعداوة لدين الله ورسل الله. ثم يمكرون مكرهم في القرى، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً. ويتعاونون مع شياطين الجن في المعركة مع الحق والهدى، وفي نشر الباطل والضلال، واستخفاف الناس بهذا الكيد الظاهر والخافي.. إنها سنة جارية. ومعركة محتومة. لأنها تقوم على أساس التناقض الكامل بين القاعدة الأولى في دين الله - وهي رد الحاكمية كلها لله - وبين أطماع المجرمين في القرى. بل بين وجودهم أصلا.. معركة لا مفر للنبي أن يخوضها، فهولا يملك أن يتقيها، ولا مفر للمؤمنين بالنبي أن يخوضوها وأن يمضوا إلى النهاية فيها.. والله سبحانه يطمئن أولياءه.. إن كيد أكابر المجرمين - مهما ضخم واستطال - لا يحيق إلا بهم في نهاية المطاف. إن المؤمنين لا يخوضون المعركة وحدهم فالله وليهم فيها، وهو حسبهم، وهو يرد على الكائدين كيدهم: {وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون}. فليطمئن المؤمنون! ثم يكشف السياق القرآني عن طبيعة الكبر في نفوس أعداء رسل الله ودينه.. الكبر الذي يمنعهم من الإسلام؛ خيفة أن يرجعوا عباداً لله كسائر العباد، فهم يطلبون امتيازاً ذاتيا يحفظ لهم خصوصيتهم بين الأتباع. ويكبر عليهم أن يؤمنوا للنبي فيسلموا له، وقد تعودوا أن يكونوا في مقام الربوبية للأتباع، وأن يشرعوا لهم فيقبلوا منهم التشريع، وأن يأمروهم فيجدوا منهم الطاعة والخضوع.. من أجل ذلك يقولون قولتهم المنكرة الغبية كذلك: لن نؤمن حتى تؤتى مثلما أوتي رسل الله: {وإذا جاءتهم آية قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثلما أوتي رسل الله}. وقد قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنا، وأكثر منك مالا! وقال أبو جهل: والله لا نرضى به ولا نتبعه أبداً، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه! وواضح أن الكبر النفسي، وما اعتاده الأكابر من الخصوصية بين الأتباع، ومظهر هذه الخصوصية الأول هو الأمر منهم والطاعة والاتباع من الأتباع!.. واضح أن هذا من أسباب تزيين الكفر في نفوسهم، ووقوفهم من الرسل والدين موقف العداء. ويرد الله على قولتهم المنكرة الغبية.. أولا بتقرير أن أمر اختيار الرسل للرسالة موكول إلى علمه المحيط بمن يليق بهذا الأمر الكوني الخطير.. ويرد عليهم ثانيا بالتهديد والتحقير وسوء المصير: {الله أعلم حيث يجعل رسالته. سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون}.. إن الرسالة أمر هائل خطير. أمر كوني تتصل فيه الإرادة الأَزلية الأبديه بحركة عبد من العبيد. ويتصل فيه الملأ الأعلى بعالم الإنسان المحدود. وتتصل فيه السماء بالأرض، والدنيا بالآخرة، ويتمثل فيه الحق الكلي، في قلب بشر، وفي واقع ناس، وفي حركة تاريخ. وتتجرد فيها كينونة بشرية من حظ ذاتها لتخلص لله كاملة، لا خلوص النية والعمل وحده. ولكن كذلك خلوص المحل الذي يملؤه هذا الأمر الخطير. فذات الرسول - صلى الله عليه وسلم - تصبح موصولة بهذا الحق ومصدره صلة مباشرة كاملة. وهي لا تتصل هذه الصلة إلى أن تكون من ناحية عنصرها الذاتي صالحة للتلقي المباشر الكامل بل عوائق ولا سدود.. والله وحده - سبحانه - هو الذي يعلم أين يضع رسالته، ويختار لها الذات التي تنتدب من بين ألوف الملايين، ويقال لصاحبها: أنت منتدب لهذا الأمر الهائل الخطير. والذين يتطلعون إلى مقام الرسالة؛ أو يطلبون أن يؤتوا مثل ما أوتي الرسول.. هم أولا من طبيعة لا تصلح أساساً لهذا الأمر. فهم يتخذون من ذواتهم محوراً للوجود الكوني! والرسل من طبيعة أخرى، طبيعة من يتلقى الرسالة مستسلما، ويهب لها نفسه، وينسى فيها ذاته، ويؤتاها من غير تطلع ولا ارتقاب:{أية : وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب، إلا رحمة من ربك}تفسير : ثم هم بعد ذلك جهال لا يدركون خطورة هذا الأمر الهائل، ولا يعلمون أن الله وحده هو الذي يقدر بعلمه على اختيار الرجل الصالح.. لذلك يجبههم الرد الحاسم: {الله أعلم حيث يجعل رسالته}.. وقد جعلها سبحانه حيث علم، واختار لها أكرم خلقه وأخلصهم، وجعل الرسل هم ذلك الرهط الكريم، حتى انتهت إلى محمد خير خلق الله وخاتم النبيين. ثم التهديد بالصغار والهوان على الله، وبالعذاب الشديد المهين: {سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون}.. والصغار عند الله يقابل الاستعلاء عند الأتباع، والاستكبار عن الحق، والتطاول إلى مقام رسل الله!.. والعذاب الشديد يقابل المكر الشديد، والعداء للرسل، والأذى للمؤمنين. ثم تختم الجولة بتصوير حالة الهدى وحالة الإيمان في داخل القلوب والنفوس: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام. ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء.. كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}.. من يقدر الله له الهداية - وفق سنته الجارية من هداية من يرغب في الهدى ويتجه إليه بالقدر المعطى له من الاختيار بقصد الابتلاء - {يشرح صدره للإسلام}؛ فيتسع له؛ ويستقبله في يسر ورغبة، ويتفاعل معه، ويطمئن إليه؛ ويستروح به ويستريح له. ومن يقدر له الضلال - وفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى ويغلق فطرته عنه - {يجعل صدره ضيقا حرجاً كأنما يصعد في السماء}.. فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله، {كأنما يصعد في السماء}.. وهي حالة نفسية تجسم في حالة حسية، من ضيق النفس، وكربة الصدر،والرهق المضني في التصعد إلى السماء! وبناء اللفظ ذاته {يصعد} - كما هو في قراءة حفص - فيه هذا العسر والقبض والجهد. وجرسه يخيل هذا كله، فيتناسق المشهد الشاخص، مع الحالة الواقعة، مع التعبير اللفظي في إيقاع واحد. وينتهي المشهد بهذا التعقيب المناسب: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}.. .. كذلك.. بمثل هذا الذي يجري به قدر الله من شرح صدر الذي يريد الله به الهدى، ومن العسر والجهد والمشقة لمن يريد به الضلال.. كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون. ومن معاني الرجس: العذاب. ومن معانية كذلك: الارتكاس - وكلاهما يلون هذا العذاب بمشهد الذي يرتكس في العذاب ويعود إليه ولا يفارقه! وهو الظل المقصود!. على أنه تبقى في النفس بقية من الحديث عن قوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام. ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء. كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}.. إن تصور الحقيقة التي يقررها هذا النص وأمثاله في القرآن الكريم من النصوص التي تتعلق بالتعامل والارتباط بين مشيئة الله - سبحانه - واتجاهات البشر؛ وما يصيبهم من الهدى والضلال، وما ينالهم بعد ذلك من جزاء وثواب وعقاب.. إن هذا كله يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذهني! وكل ما ثار من الجدل بشأن هذه القضية سواء في تاريخ الفكر الإسلامي، وبخاصة بين المعتزلة وأهل السنة والمرجئة - أو في تاريخ اللاهوت والفلسفة - وكل القضايا والتعبيرات عنها، موسومة بطابع المنطق الذهني. إن تصور هذه الحقيقة يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذهني. وكذلك يقتضي التعامل مع "الواقع الفعلي" لا مع "القضايا الذهنية". فالقرآن يصور الحقيقة الفعلية في الكينونة البشرية وفي الوجود الواقع؛ وهذه الحقيقة يتراءى فيها التشابك بين مشيئة الله وقدره وبين إرادة الإنسان وعمله. في محيط لا يدركه المنطق الذهني كله. فإذا قيل: إن إرادة الله تدفع الإنسان دفعا إلى الهدى أو الضلال.. لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية. وإذا قيل: إن إرادة الإنسان هي التي تقرر مصيره كله.. لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية كذلك! إن الحقيقة الفعلية تتألف من نسب دقيقة - وغيبية كذلك - بين طلاقة المشيئة الإلهية وسلطانها الفاعل، وبين اختيار العبد واتجاهه الإرادي. بلا تعارض بين هذه وتلك ولا تصادم.. ولكن تصور الحقيقة "الفعلية" كما هي في واقعها هذا لا يمكن أن يتم في حدود المنطق الذهني. وفي شكل القضايا الذهنية والعبارة البشرية عنها.. إن نوع الحقيقة هو الذي يحدد منهج تناولها وأسلوب التعبير عنها.. وهذه الحقيقة لا يصلح لها منهج المنطق الذهني ولا القضايا الجدلية. كذلك يحتاج تصور هذه الحقيقة كما هي في واقعها الفعلي إلى تذوق كامل في تجربة روحية وعقلية.. إن الذي تتجه فطرته إلى الإسلام يجد في صدره انشراحا له.. هو من صنع الله قطعاً.. فالانشراح حدثٌ لا يقع إلا بقدر من الله يخلقه ويبرزه. والذي تتجه فطرته إلى الضلال يجد في صدره ضيقا وتقبضا وعسرا.. هو من صنع الله قطعا.. لأنه حدث لا يتم وقوعه الفعلي إلا بقدر من الله يخلقه ويجري به كذلك.. وكلاهما من إرادة الله بالعبد.. ولكنها ليست إرادة القهر. إنما هي الإرادة التي أنشأت السنة الجارية النافذة من أن يبتلى هذا الخلق المسمى بالإنسان بهذا القدر من الإرادة. وأن يجري قدر الله بإنشاء ما يترتب على استخدامه لهذا القدر من الإرادة في الاتجاه للهدى أو للضلال. وحين توضع قضية ذهنية في مواجهة قضية ذهنية. وحين يتم التعامل مع هذه القضايا. بدون استصحاب الملامسة الباطنية للحقيقة، والتجربة الواقعية في التعامل معها، فإنه لا يمكن أبداً أن يتم تصور كامل وصحيح لهذه الحقيقة.. وهذا ما وقع في الجدل الإسلامي.. وفي غيره كذلك! إنه لا بد من منهج آخر ومن تذوق مباشر للتعامل مع هذه الحقيقة الكبيرة.. ثم نعود إلى السياق القرآني: إن هذه الموجة بجملتها تجيء كالتعقيب على قضية الذبائح التي سبق بيانها؛ فترتبط هذه بتلك. حزمة واحدة في السياق، وحزمة واحدة في الشعور، وحزمة واحدة في بناء هذا الدين. فقضية الذبائح هي قضية التشريع. وقضية التشريع هي قضية الحاكمية. وقضية الحاكمية هي قضية الإيمان.. ومن هنا يكون الحديث عن الإيمان على هذا النحو في موضعه المطلوب. ثم يجيء التعقيب الأخير في هذا المقطع يربط هذه وتلك الرباط الأخير.. فهذه وتلك صراط الله المستقيم. والخروج في واحدة منهما هو الخروج عن هذا الصراط المستقيم. والاستقامة عليهما معاً.. العقيدة والشريعة.. هي الاستقامة على الصراط المؤدي إلى دار السلام، وولاية الله لعباده الذاكرين: {وهذا صراط ربك مستقيما. قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون. لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون}.. هذا هو الصراط.. صراط ربك.. بهذه الإضافة المطمئنة الموحية بالثقة؛ المبشرة بالنهاية.. هذه هي سنته في الهدى والضلال؛ وتلك هي شريعته في الحل والحرمة. كلاهما سواء في ميزان الله، وكلاهما لحمة في سياق قرآنه. وقد فصل الله آياته وبينها. ولكن الذين يتذكرون ولا ينسون ولا يغفلون هم الذين ينتفعون بهذا البيان وهذا التفصيل. فالقلب المؤمن قلب ذاكر لا يغفل. وقلب منشرح مبسوط مفتوح. وقلب حي يستقبل ويستجيب. والذين يتذكرون، لهم دار السلام عند ربهم.. دار الطمأنينة والأمان.. مضمونة عند ربهم لا تضيع.. وهو وليهم وناصرهم وراعيهم وكافلهم.. ذلك بما كانوا يعملون.. فهو الجزاء على النجاح في الابتلاء. ومرة أخرى نجدنا أمام حقيقة ضخمة من حقائق هذه العقيدة. حيث يتمثل صراط الله المستقيم في الحاكمية والشريعة. ومن ورائهما يتمثل الإيمان والعقيدة.. إنها طبيعة هذا الدين كما يقررها رب العالمين..
ابن عاشور
تفسير : استئناف بخطاب من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بتقدير الأمر بالقول بقرينة السّياق كما في قوله تعالى: { أية : لا نفرّق بين أحد من رسله } تفسير : [البقرة: 285] أي يقولون. وقوله المتقدّم آنفاً { أية : قد جاءكم بصائر من ربكم } تفسير : [الأنعام: 104] بعد أن أخبره عن تصاريف عناد المشركين، وتكذيبهم. وتعنّتهم في طلب الآيات الخوارق، إذ جعلوها حكَماً بينهم وبين الرّسول عليه الصلاة والسلام في صدق دعوته، وبعد أن فضحهم الله بعداوتهم لرسوله عليه الصلاة والسلام، وافترائهم عليه، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وتركِهم وما يفترون، وأعلمَه بأنَّه ما كلَّفه أن يكون وكيلاً لإيمانهم، وبأنَّهم سيَرجعون إلى ربّهم فينبّئهم بما كانوا يعملون، بعد ذلك كلّه لَقَّن الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم خطاباً كالجواب عن أقوالهم وتورّكاتهم، فيفرّع عليها أنّه لا يطلب حاكماً بينه وبينهم غير الله تعالى، الّذي إليه مرجعهم، وأنهم إن طمعوا في غير ذلك منه فقد طمعوا منكراً، فتقدير القول متعيّن لأنّ الكلام لا يناسب إلاّ أن يكون من قول النبي عليه الصلاة والسلام. والفاء لتفريع الجواب عن مجموع أقوالهم ومقتَرحاتهم، فهو من عطف التّلقين بالفاء: كما جاء بالواو في قوله تعالى: { أية : قال إنّي جاعلك للنّاس إماماً قال ومن ذريّتي } تفسير : [البقرة: 124]، ومنه بالفاء قوله في سورة الزمر (64): { أية : قل أفغيرَ اللَّه تأمرونيَ أعْبُد أيّها الجاهلون } تفسير : فكأنّ المشركين دعوا النّبي إلى التّحاكم في شأن نبوءته بحكم ما اقترحوا عليه من الآيات، فأجابهم بأنّه لا يضع دِين الله للتّحاكم، ولذلك وقع الإنكار أن يحكِّم غير الله تعالى، مع أنّ حكم الله ظاهر بإنزال الكتاب مفصّلا بالحقّ، وبشهادة أهل الكتاب في نفوسهم، ومن موجبات التّقديم كون المقدّم يتضمّن جواباً لردّ طلب طلبَه المخاطب، كما أشار إليه صاحب الكشاف} في قوله تعالى: { أية : قل أغير الله أبغي رباً } تفسير : في هذه السورة [الأنعام: 164]. والهمزة للاستفهام الإنكاري: أي إن ظننتم ذلك فقد ظننتم مُنكراً. وتقديم {أفغير الله} على {أبتغي} لأنّ المفعول هو محلّ الإنكار. فهو الحقيق بموالاة همزة الاستفهام الإنكاري، كما تقدّم في قوله تعالى: { أية : قل أغير الله أتَّخذ وليّا } تفسير : في هذه السورة (14). والحَكَم: الحاكم المتخصّص بالحكم الَّذي لا ينقض حكمه، فهو أخصّ من الحاكم، ولذلك كان من أسمائه تعالى: الحَكَم، ولم يكن منها: الحاكم. وانتصب {حكما} على الحال. والمعنى: لا أطلب حكَماً بيني وبينكم غير الله الّذي حكم حُكمَه عليكم بأنَّكم أعداء مقترفون. وتقدّم الكلام على الابتغاء عند قوله تعالى: { أية : أفغيرَ دين الله يبغون } تفسير : في سورة آل عمران (83). وقوله: {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً} من تمام القول المأمور به. والواو للحال أي لا أعدل عن التّحاكم إليه. وقد فصّل حكمه بإنزال القرآن إليكم لتتدبّروه فتعلَموا منه صدقي، وأنّ القرآن من عند الله. وقد صيغت جملة الحال على الاسميّة المعرَّفةِ الجزأيْن لتفيد القصر مع إفادة أصل الخبر. فالمعنى: والحال أنّه أنزل إليكم الكتاب ولم ينزله غيره، ونكتة ذلك أنّ في القرآن دلالة على أنّه من عند الله بما فيه من الإعجاز، وبأُمِّيَّةِ المنزّل عليه. وأنّ فيه دلالة على صدق الرّسول عليه الصلاة والسلام تبعاً لثبوت كونه منزّلا من عند الله، فإنَّه قد أخبر أنَّه أرسل محمّدا صلى الله عليه وسلم للنّاس كافَّة، وفي تضاعيف حجج القرآن وأخباره دلالة على صدق من جاء به؛ فحصل بصوغ جملة الحال على صيغة القصر الدّلالة على الأمرين: أنَّه من عند الله، والحكممِ للرسول عليه الصّلاة والسّلام بالصّدق. والمراد بالكتاب القرآن، والتعريف للعهد الحضوري، والضمير في {إليكم} خطاب للمشركين، فإنّ القرآن أُنزل إلى النّاس كلّهم للاهتداء به، فكما قال الله: { أية : بما أنزل إليك أنزله بعلمه } تفسير : [النساء: 166] قال: { أية : يا أيُّها النّاس قد جاءكم بُرْهان من ربّكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً } تفسير : [النساء: 174] وفي قوله: {إليكم} هنا تسجيل عليهم بأنَّه قد بلّغهم فلا يستطيعون تجاهلاً. والمفصّل المبيَّن. وقد تقدّم ذكر التّفصيل عند قوله تعالى: { أية : وكذلك نفصّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين } تفسير : في هذه السورة (55). وجملة {والذين أتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل} معطوفة على القول المحذوف، فتكون استئنافاً مثله، أو معطوفة على جملة {أفغير الله أبتغى} أو على جملة {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب}، فهو عطف تلقين عُطف به الكلام المنسوب إلى الله على الكلام المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعضيدا لما اشتمل عليه الكلام المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من كون القرآن حقّاً، وأنّه من عند الله. والمراد بالَّذين آتاهم الله الكتابَ: أحبار اليهود، لأنّ الكتاب هو التّوراة المعروف عند عامّة العرب، وخاصّة أهلُ مكَّة، لتردّد اليهود عليها في التّجارة. ولتردّد أهل مكّة على منازل اليهود بيَثرب وقُراها ولكون المقصود بهذا الحكم أحبارَ اليهود خاصّة قال: {آتيناهم الكتاب} ولم يقل: أهلُ الكتاب. ومعنى علم الّذين أوتوا الكتاب بأنّ القرآن منزّل من الله: أنَّهم يجدونه مصدّقاً لما في كتابهم، وهم يعلمون أنّ محمّداً صلى الله عليه وسلم لم يَدرس كتابهم على أحد منهم، إذ لو درسه لشاع أمْرُه بينهم، ولأعلنوا ذلك بين النّاس حين ظهور دعوته. وهم أحرص على ذلك، ولم يَدّعوه. وعلمُهم بذلك لا يقتضي إسلامهم لأنّ العناد والحسد يصدّانهم عن ذلك. وقيل: المراد بالَّذين آتاهم الله الكتاب: مَن أسلموا من أحبار اليهود. مثل عبدا لله بن سلاَم. ومُخَيْرِيق، فيكون الموصول في قوله: {والذين آتيناهم الكتاب} للعهد. وعن عطاء: {والذين آتيناهم الكتاب}. هم رؤساء أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعُمر، وعثمانُ، وعليّ. فيكون الكتابُ هو القرآن. وضمير {أنَّه} عائد إلى الكتاب الّذي في قوله: {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب} وهو القرآن. والباء في قوله {بالحق} للملابسة، أي ملابساً للحقّ. وهي ملابسة الدّالّ للمدلول، لأنّ معانيه، وأخباره، ووعده، ووعيده، وكلّ ما اشتمل عليه، حقّ. وقرأ الجمهور {مُنْزَل} ــــ بتخفيف الزاي ــــ وقرأ ابن عامر وحفص ــــ بالتّشديد ــــ والمعنى متقارب أو متّحد، كما تقدّم في قوله تعالى: { أية : نزّل عليك الكتاب بالحقّ } تفسير : في أوّل سورة آل عمران (3). والخطاب في قوله: { أية : فلا تكوننّ من الممترين } تفسير : [البقرة: 147] يحتمل أن يكون خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم فيكون التّفريع على قوله: {يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} أي فلا تكن من الممترين في أنَّهم يعلمون ذلك، والمقصود تأكيد الخبر كقول القائل بعد الخبر: هذا مَا لا شكّ فيه، فالامتراء المنفي هو الامتراء في أنّ أهل الكتاب يعلمون ذلك، لأنّ غريباً اجتماعُ علمهم وكفرهم به، ويجوز أن يكون خطابا لغير معيّن، ليعمّ كلّ من يحتاج إلى مثل هذا الخطاب، أي فلا تكوننّ ــــ أيُّها السّامع ــــ من الممترين، أي الشّاكين في كون القرآن من عند الله، فيكون التّفريع على قوله: {منزل من ربك بالحق} أي فهذا أمر قد اتّضح. فلا تكن من الممترين فيه. ويحتمل أن يكون المخاطب الرّسول عليه الصلاة والسلام، والمقصود من الكلام المشركون الممترون، على طريقة التّعريض، كما يقال: (إياكَ أعني واسمعي يا جارهْ). ومنه قوله تعالى: { أية : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنّ عملك } تفسير : [الزمر: 65]. وهذا الوجه هو أحسن الوجوه، والتفريع فيه كما في الوجه الثّاني. وعلى كلّ الوجوه كان حذف متعلّق الامتراء لظهوره من المقام تعويلاً على القرينة، وإذ قد كانت هذه الوجوه الثّلاثة غير متعارضة، صحّ أن يكون جميعها مقصوداً من الآية. لتذهب أفهام السامعين إلى ما تتوصّل إليه منها. وهذا ــــ فيما أرى ــــ من مقاصد إيجاز القرآن وهو معنى الكلام الجامع، ويجيء مثله في آيات كثيرة، وهو من خصائص القرآن.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أبتغي: أطلب. حكماً: الحكم الحاكم ومن يتحاكم إليه الناس. أنزل إليكم الكتاب: أي أنزله لأجلكم لتهتدوا به فتكْمُلُوا عليه وتسعدوا. مفصلاً: مبيناً لا خفاء فيه ولا غموض. والذين آتيناهم الكتاب: أي علماء اليهود والنصارى. الممترين: الشاكين، إذ الامتراء الشك. صدقاً وعدلاً: صدقاً في الأخبار فكل ما أخبر به القرآن هو صدق، وعدلاً في الأحكام فليس في القرآن حكم جور وظلم أبداً بل كل أحكامه عادلة. لا مبدل لكلماته: أي لا مغير لها لا بالزيادة والنقصان، ولا بالتقديم والتأخير. السميع العليم: السميع لأقوال العباد العليم بأعمالهم ونياتهم وسيجزيهم بذلك. سبيل الله: الإِسلام إذ هو المفضي بالمسلم إلى رضوان الله تعالى والكرامة في جواره. يخرصون: يكذبون الكذب الناتج عن الحزر والتخمين. من يضل: بمن يضل. بالمهتدين: في سيرهم إلى رضوان الله باتباع الإِسلام الذي هو سبيل الله. معنى الآيات: ما زال السياق مع العادلين بربهم الأصنام والأوثان لقد كان المراد في طلبهم الآية الحكم بها على صحة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه نبي الله وأن القرآن كلام الله وأنه لا إله إلا الله، ولم يكن هذا منهم إلا من قبيل ما توسوس به الشياطين لهم وتزينه لهم تغريراً بهم وليواصلوا ذنوبهم فلا يؤمنون ولا يتوبون، ومن هنا أنزل تعالى قوله: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} وهو تعليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله للمشركين أأميل إلى باطلكم وأقتنع به فغير الله أطلب حكماً بيني وبينكم في دعواكم أني غير رسول الله وأن ما جئت به ليس وحياً من الله؟ ينكر صلى الله عليه وسلم تحكيم غير ربه تعالى وعلى ماذا يكون الحكم والله هو الذي أنزل إليهم الكتاب مفصلاً فأي آية تغلب القرآن وهو آلاف الآيات هذا أولاً وثانياً أهل الكتاب من قبلهم وهم علماء اليهود والنصارى مقرون ومعترفون بأن ما ينفيه المشركون حق لا مرية فيه إذاً فامض أيها الرسول في طريق دعوتك ولا تكونن من الممترين فإنك عما قريب تظهر على المشركين، لقد تمت كلمة ربك أي في هذا القرآن الذي أوحي إليك صدقاً في كل ما تحمله من أخبار ومن ذلك نصرك وهزيمة أعدائك، وعدلاً في أحكامها التي تحملها، ولا يستطيع أحد تبديلها بتغيير لها بإخلاف وعدٍ ولا بإبطال حكم، وربك هو السميع لأقوال عباده العليم بمقاصدهم وأفعالهم فما أقدره وأضعفهم فلذا لن يكون إلا مراده ويبطل جميع إراداتهم. واعلم يا رسولنا أنك {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي لو أنك تسمع لهم وتأخذ بآرائهم وتستجيب لاقتراحاتهم لأضلوك قطعاً عن سبيل الله، والعلة أن أكثرهم لا بصيرة له ولا علم حق لديه وكل ما يقولونه هو هوى نفس، وَوسواس شيطان. إنهم ما يتبعون إلا أقوال الظن وما هم فيما يقولون إلا خارصون كاذبون. وحسبك علم ربك بهم فإنه تعالى هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة وبطلان التحاكم إلى غير الوحي الإِلهي. 2- تقرير صحة الدعوة الإِسلامية بأمرين الأول: القرآن الكريم، الثاني: شهادة أهل الكتاب ممن أسلموا كعبد الله بن سلام القرظي وأصحمة النجاشي وغيرهم. 3- ميزة القرآن الكريم: أن أخباره كلها صدق وأحكامه كلها عدل. 4- وعود الله تعالى لا تتخلف أبداً، ولا تتبدل بتقديم ولا تأخير. 5- اتباع أكثر الناس يؤدي إلى الضلال فلذا لا يتبع إلا أهل العلم الراسخون فيه لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يونس: 89].
القطان
تفسير : الحكم: من يتحاكم الناس اليه. مفصّلا: مبينّاً فيه الحلال والحرام وكل ما يحتاجه البشر من الأحكام. الممترين: الشاكّين. كلمة ربك: القرآن الكريم. تمام الشيء: انتهاؤه الى حد لا يحتاج الى شيء خارج عنه وتمامها هنا كافية وافية.... والصدق يكون في الإخبار ومنها المواعيد، والعدل يكون في الاحكام لا مبدّل لكلماته: لا تغيير فيها. ذَكَر الله هنا المبدأ الاسلامي الأول وهو مبدأ حق الحاكمية المطلقة لله وحده، وتجريد البشر من ادّعاء هذا الحق او مزاولته في أي صورة من الصور، كما بيّن أنه أنزل القرآن الكريم، وهو الآية الكبرى، وأقوى الأدلة على رسالة نبيّه، وهو الذين يجب الرجوع اليه في امر الرسالة واتباع حكمه فيها. {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً....}. قل لهم ايها النبي: ليس لي أن أتعدّى حُكم الله، ولا أن أطلب حكَماً غيره يفصل بيني وبينكم. لقد أنزل القرآن الكريم مفصّلاً واضحاً ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وبيّن فيه المبادئ الاساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة، كما تضمّن أحكاماً تفصيلية في المسائل التي يريد الله تثبيتها في المجتمع الانساني، مهما اختلفت مستوياته الاقتصادية والعلمية. وبهذا وذاك كان في القرآن غَنَاء عن تحكيم غير الله في شأن من شؤون الحياة. ويَعلم الذين أوتوا الكتاب أن القرآن منزل من عند الله مشتملاً على الحق، كما بشّرت به كتبهم، لكنهم يحاولون إخفاء ذلك وكتمانه، فلا تكونّن يا محمد انت ومن اتّبعك من الذين يشكون في الحق بعد ان بينّاه. {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً...}. ان حكم الله قد صدر، فتمت كلمات ربك الصادقة العادلة فيما وعدك به من نصر، وأوعد المستهزئين بالقرآن من خذلان. وليس في قدرة أحد أن يغّير كلمات الله وكتابَه، وهو سميع لكل ما يقال عليم بكل شيء. قراءات: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم: "منزل" بالتشديد. والباقون "منزل" بالتخفيف. وقرأ الكوفيون ويعقوب "كلمة ربك" والباقون "كلمات" بالجمع.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {آتَيْنَاهُمُ} (114) - قُلْ لِهؤلاءِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ، الذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ تَقْدِيمَ الأَدِلَّةِ، وَالإِتْيانَ بِالمُعْجِزَاتِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِكَ: إِنَّ القُرْآنَ هُوَ أَقْوَى مِنْ جَمِيعِ مَا اقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ الأَدِلَّةِ، وَهُوَ الذِي يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيهِ فِي أَمْرِ الرِّسَالَةِ، وَاتِّبَاعِ حُكْمِ اللهِ فِيها. وَقُلْ لِهؤُلاءِ: لَيْسَ لِي أَنْ أَتَعَدَّى حُكْمَ اللهِ، وَلاَ أَنْ أَتَجَاوَزَهُ، لأَِنَّهُ لاَ حُكْمَ أَعْدَلُ مِنْ حُكْمِهِ، وَلاَ قَوُلَ أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِهِ، وَهُوَ الذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصِّلاً فِيهِ كُلَّ مَا يَصِحُّ بِهِ الحُكْمُ. وَإِنْزَالُهُ عَلَى رَجُلٍ أُمِّيٍّ مُشْتَمِلاً عَلَى الحُكْمِ التَّفْصِيليِّ لِلْعَقَائِدِ وَالشَّرَائِعِ، هُوَ أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ. وَالذِينَ آتَاهُمُ اللهُ الكِتَابَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ لِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ أَنَّ اللهَ يُوحِي إِلى رُسُلٍ مِنَ البَشَرِ، كَمَا يُوحِي إِلَيْكَ، وَلِمَا وَرَدَ فِي كُتُبِهِمْ مِنَ البِشَارَةِ بِكَ، وَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ الأَنْبِياءِ السَّابِقِينَ مِنْ ذِكْرِكَ، فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتِرِينَ المُتَشَكِّكِينَ فِي أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَيْكَ بِالحَقِّ. المُمْتِرِينَ - المُتَشَكِّكِينَ.
الثعلبي
تفسير : قوله تعالى {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ} فيه إضمار أي قل لهم يا محمد أفغير اللّه {أَبْتَغِي حَكَماً} قاضياً بيني وبينكم، {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً} مبيّناً يعني {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي} يعني التوراة والإنجيل وهم مؤمنو أهل الكتاب. قال عطاء: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر وعثمان وعلي وأتباعهم رضي اللّه عنهم والكتاب هو القرآن. {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ} يعني القرآن {مُنَزَّلٌ}. قرأ الحسن والأعمش وأبي عامر: وخص بالتشديد من التنزيل لأنه أنزل نجوماً مرة بعد مرة. وقرأ الباقون: بالتخفيف من الإنزال لقوله عز وجل يعني أنزل إليكم الكتاب {مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} قرأ أهل الكوفة كلمة: على الواحد والباقون: كلمات على الجمع، واختلفوا في الكلمات. فقال قتادة: هي القرآن لا مبدل له لا يزيد المفترون ولا ينقصون. وقال بعضهم: هي أقضيته وعدالته {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ} لا مغير لها {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ * وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ} يعني الكفار {يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} عن دين اللّه ثم قال {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يكذبون {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ}. قال بعضهم: موضع من نصب لأنّه ينزع الخافض وهو حرف الصفة أي بمن. وقيل: موضعه رفع لأنه بمعنى أي والرافع ليضل. وقيل: محله نصب لوقوع العلم عليه وأعلم بمعنى يعلم كقول حاتم الطائي: شعر : فحالفت طيء من دوننا حلفا واللّه أعلم ما كنا لهم خذلا تفسير : وقالت الخنساء: شعر : القوم أعلم أن جفنته تغدو غداة الريح أو تسري تفسير : {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ * فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}. قال ابن عباس: قال المشركون للمؤمنين: أنكم تعبدون اللّه فما قبل الله لكم الحق الحق أن تأكلوا مما قتلتم بسكاكينكم فنزل اللّه {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} وقت الذبح يعني المذكاة بسم اللّه {إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ * وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ} وما يمنعكم أن لا تأكلوا {مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} من الذبائح {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ}. قرأ الحسن وأبو رجاء [الأعرج] وقتادة والجبائي وطلحة ومجاهد وحميد وأهل المدينة: بالفتح فهما على معنى فصل اللّه ما حرمه عليكم لقوله إسم اللّه جرى ذكره تعالى. وقرأ محمد بن عامر وأبو عمرو: بضمهما على غير تسمية الفاعل لقوله ذكر. وقرأ أصحاب عبد اللّه وأهل الكوفة: فصل بالفتح يحرم بالضم. وقرأ عطية العوفي فصل مفتوحاً خفيفاً بمعنى قطع الحكم فيما حرم عليكم وهو ما ذكر في سورة المائدة قوله تعالى {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ} تفسير : الآية [المائدة: 3] {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} من هذه الأشياء فإنه حلال لكم عند الإضطرار ثم قال {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ} قرأ الحسن وأهل الكوفة: بضم الياء كقوله: يضلوك. وقرأ الباقون: بالفتح كقوله: من يضل ومن ضل {بِأَهْوَائِهِم} بمرادهم {بِغَيْرِ عِلْمٍ} حين دعوا إلى أكل الميتة {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} المتجاوزين من الحلال إلى الحرام.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فسبحانه هو من يحكم وهو من قنن، وهو من يعلم القانون ويعلم من يتبع القانون، ومن يخالف القانون. وساعة تقول: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً}. فهذا دليل على أنك واثق أن مجيبك لن يقول لك إلا: لا تبتغي حكما إلا الله، ولذلك يطرح المسألة في صيغة استفهام، ويقول صلى الله عليه وسلم: مبلغا عن ربه: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً}، ولم يقل رسول الله: وهو الذي أنزل عليّ الكتاب، بل قال مبلغاًَ عن رب العزة: {وهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ} كأن العداوة ليست لمحمد وحده، لكنها العداوة لأمة الإيمان كلها، والحكم لأمة الإيمان كلها. ومع أن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً، ولكن مهمته البلاغ إلى الناس والغاية منه للمؤمنين كلهم، وهكذا تكون العداوة للنبي عداوة للمؤمنين كلهم، ولذلك أنزل عليه الحق هذا التساؤل: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} كما أنزل عليه من قبل القول الحق: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} تفسير : [الأنعام: 112] إذن فعدو النبي هو عدو المؤمنين به والمتبعين له، لكن قمة العداوة تكون للنبي المرسل من الحق: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114] وكلمة {مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} فيها إغراء للمؤمنين بأن كل الأمر يعود عليكم أنتم بالفائدة؛ لأن غاية إنزال الكتاب لكم أنتم، والكتاب جاء بهذا المنهج لصالحكم ولن يزيد في صفات الله صفة، ولن يزيد في ملك الله ملكا. بل الغاية أنتم. {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ} [الأنعام: 114] وسبحانه لم ينزل الكتاب إلا بتفصيل لا تلتبس فيه مسألة بأخرى: {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114] والمقصود هنا بالذين آتيناهم الكتاب اليهود والنصارى؛ لأنهم يعلمون صفاتك يا رسول الله ويعلمون نعتك ويعلمون الكثير من كتابك فكل ما يتعلق بك موجود عندهم لكن الآفة أنهم اعتنقوا دينين: دينا يعلن يبدونه ويظهرونه، ودينا يُسَرّ به، فما يسر به لا يعلنونه ويُحرِّمون السؤال فيه، ولا يقبلون فيه نقاشاً، وعندما تصل إلى الحقيقة وتعرضها عليهم لا يقبلونها، وما الذي جعلهم يلتوون هكذا؟ لأن لهم حالين اثنتين: حال أيام أن كانوا يعاديهم من لا يؤمن بالسماء ومنهج السماء كعبدة الأوثان والمشركين. وقال فيه الحق: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [البقرة: 89] لقد كانوا من قبل أعداء للذين كفروا وأشركوا فكان همهم وشغلهم الشاغل أن ينتصروا على هؤلاء الكافرين، وقالوا: (أظل زمان نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم) وحينما جاءهم ما عرفوا كفروا به لأنهم: {أية : ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً...} تفسير : [التوبة: 9] وكان الثمن هو بقاء السلطة في أيديهم، وعندما تأتي النبوة تنزع منهم السلطة، فليس في الإِسلام سيطرة لرجال الدين ولا كهنوت. وكانوا يريدون أن تستمر سيادتهم، فاشتروا بآيات الله ثمنا قليلا. {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114] وهم يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، وهم يعلمون أن الذي يشيعونه هو باطل. إذن فهناك علم بينهم وبين نفوسهم؛ وعلم آخر يقولونه للآخرين. وقوله الحق: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} أي الشاكين في أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن منزل من عند ربك بالحق. هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ونعلم أنه إذا طلب المتكلم من المخاطب أمرا هو فيه فالمراد المداومة عليه والزيادة؛ لأن هناك أموراً قد تزلزل الإيمان؛ لذلك يأتي الأمر بالثبات، أو هو إهاجة له، أو هو تسلية للمؤمنين إذ قال لهم لا تمتروا ولا تشكوا. ويقول الحق بعد ذلك: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً..}
الأندلسي
تفسير : {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} قال مشركوا قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إجعل بيننا وبينك حكماً من أحبار اليهود وإن شئت من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك. فنزلت. والفاء في: أفغير، للعطف فترتيبها قبل الهمزة وقدمت الهمزة لأن الاستفهام له صدر الكلام كما قدمت على الواو في قوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ} تفسير : [النحل: 48] وعلى ثم في قوله: {أية : أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ} تفسير : [يونس: 51]، وهذا استفهام معناه النفي، أي لا أبتغي حكماً غير الله. قالوا: والحكم أبلغ من الحاكم لأنه من عرف منه الحكم مرة بعد أخرى. والحاكم اسم فاعل يصدق على المرة الواحدة، وجوزوا في اعراب غير أن يكون مفعولاً بابتغي وحكماً حال وعكسه، وأجاز الحوفي وابن عطية أن ينتصب على التمييز عن غير كقولهم: ان لنا غيرها إبلاً وشاء. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ} وهذه الجملة في موضع الحال مفصلاً موضحاً فيه الأحكام من الأمر والنهي والحلال والحرام والواجب والمندوب والضلال والهدى. {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ} علم التوراة والإِنجيل والزبور والصحف. والمراد علماء أهل الكتاب. وهذه الجملة تكون استئنافاً ويتضمن الاستشهاد بمؤمني أهل الكتاب والطعن على مشركيهم وحسدتهم. {فَلاَ تَكُونَنَّ} خطاب للسامع الذي يمكن أن يجوز منه الامتراء لا للنبي صلى الله عليه وسلم. و{كَلِمَتُ رَبِّكَ} هو القرآن وكل ما أخبر به من أمر ونهي ووعد ووعيد وانتصب صدقاً وعدلاً على أنهما مصدران في موضع الحال. ومعنى تمت: استمرت، لا أنه كان بها نقص فكملت كما قال: وتم حمزة على إسلامه، أي استمر. {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ} أي وإن توافق فيما هم عليه من عبادة غير الله تعالى وشرع ما شرعوه بغير إذن الله لأن الأكثر إذ ذاك كانوا كفاراً. والأرض هنا الدنيا، قاله ابن عباس. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} أي ليسوا راجعين في عقائدهم إلى علم ولا في ما شرعوه إلى حكم الله تعالى. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي يقدرون ويحزرون وهذا تأكيد لما قبله. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ} لما ذكر تعالى يضلون عن سبيل الله أخبر أنه أعلم العالمين بالضال والمهتدي. والمعنى أنه أعلم بهم وبك فإِنهم الضالون وأنت المهتدي. ومن قيل: في موضع جر على إسقاط حرف الجر وإبقاء عمله وهذا ليس بجيد لأن مثل هذا لا يجوز إلا في الشعر. وقال أبو الفتح: في موضع نصب بأعلم بعد حذف حرف الجر، وهذا ليس بجيد لأن أفعل التفضيل لا يعمل النصب في المفعول به. وقال أبو علي: في موضع نصب بفعل محذوف، أي يعلم من يضل، ودل على حذفه أعلم ومثله ما أنشده أبو زيد: وأضرب منا بالسيوف القوانسا. أي يضرب القوانس وهي إذ ذاك موصولة وصلتها يضل.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قل يا أيها الرسول { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا } أحاكم إليه، وأتقيد بأوامره ونواهيه. فإن غير الله محكوم عليه لا حاكم. وكل تدبير وحكم للمخلوق فإنه مشتمل على النقص، والعيب، والجور، وإنما الذي يجب أن يتخذ حاكما، فهو الله وحده لا شريك له، الذي له الخلق والأمر. { الَّذِي أَنزلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا } أي: موضَّحا فيه الحلال والحرام، والأحكام الشرعية، وأصول الدين وفروعه، الذي لا بيان فوق بيانه، ولا برهان أجلى من برهانه، ولا أحسن منه حكما ولا أقوم قيلا لأن أحكامه مشتملة على الحكمة والرحمة. وأهل الكتب السابقة، من اليهود والنصارى، يعترفون بذلك { ويَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنزلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ } ولهذا، تواطأت الإخبارات { فَلا } تشُكَّنَّ في ذلك ولا { تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } . ثم وصف تفصيلها فقال: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا } أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأمر والنهي. فلا أصدق من أخبار الله التي أودعها هذا الكتاب العزيز، ولا أعدل من أوامره ونواهيه { لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } [حيث حفظها وأحكمها بأعلى أنواع الصدق، وبغاية الحق، فلا يمكن تغييرها، ولا اقتراح أحسن منها]. { وَهُوَ السَّمِيعُ } لسائر الأصوات، باختلاف اللغات على تفنن الحاجات. { الْعَلِيمُ } الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والماضي والمستقبل.
همام الصنعاني
تفسير : 849- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً}: [الآية: 114] قال: مُبِيناً. قال: وقَوْلُهُ {أية : يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ}تفسير : [يونس: 5]: قال: يُبين الآيات.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):