Verse. 904 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَّعَدْلًا۝۰ۭ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمٰتِہٖ۝۰ۚ وَہُوَالسَّمِيْعُ الْعَلِيْمُ۝۱۱۵
Watammat kalimatu rabbika sidqan waAAadlan la mubaddila likalimatihi wahuwa alssameeAAu alAAaleemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وتمت كَلِمَاتُ ربَك» بالأحكام والمواعيد «صدقا وعدلا» تمييز «لا مبدِّل لكلماته» بنقص أو خلف «وهو السميع» لما يقال «العليم» بما يفعل.

115

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } بغير ألف على الواحد، والباقون {كلمات} على الجمع، قال أهل المعاني، الكلمة والكلمات، معناهما ما جاء من وعد ووعيد وثواب وعقاب، فلا تبديل فيه ولا تغيير له كما قال: {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ }تفسير : [قۤ: 29] فمن قرأ {كلمات} بالجمع قال: لأن معناها الجمع فوجب أن يجمع في اللفظ، ومن قرأ على الوحدة فلأنهم قالوا: الكلمة، قد يراد بها الكلمات الكثيرة إذا كانت مضبوطة بضابط واحد، كقولهم: قال زهير في كلمته: يعني قصيدته، وقال قس في كلمته، أي خطبته، فكذلك مجموع القرآن كلمة واحدة في كونه حقاً وصدقاً ومعجزاً. المسألة الثانية: أن تعلق هذه الآية بما قبلها أنه تعالى بين في الآية السابقة أن القرآن معجز، فذكر في هذه الآية أنه تمت كلمة ربك، والمراد بالكلمة ـ القرآن ـ أي تم القرآن في كونه معجزاً دالاً على صدق محمد عليه السلام، وقوله: {صِدْقاً وَعَدْلاً } أي تمت تماماً صدقاً وعدلاً، وقال أبو علي الفارسي: {صِدْقاً وَعَدْلاً } مصدران ينصبان على الحال من الكلمة تقديره صادقة عادلة، فهذا وجه تعلق هذه الآية بما قبلها. المسألة الثالثة: اعلم أن هذه الآية تدل على أن كلمة الله تعالى موصوفة بصفات كثيرة. فالصفة الأولى: كونها تامة وإليه الإشارة بقوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } وفي تفسير هذا التمام وجوه: الأول: ما ذكرنا أنها كافية وافية بكونها معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، والثاني: أنها كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى قيام القيامة عملاً وعلماً، والثالث: أن حكم الله تعالى هو الذي حصل في الأزل، ولا يحدث بعد ذلك شيء، فذلك الذي حصل في الأزل هو التمام، والزيادة عليه ممتنعة، وهذا الوجه هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة»تفسير : . الصفة الثانية: من صفات كلمة الله كونها صدقاً، والدليل عليه أن الكذب نقص والنقص على الله محال، ولا يجوز إثبات أن الكذب على الله محال بالدلائل السمعية، لأن صحة الدلائل السمعية موقوفة على أن الكذب على الله محال، فلو أثبتنا امتناع الكذب على الله بالدلائل السمعية لزم الدور وهو باطل. واعلم أن هذا الكلام كما يدل على أن الخلف في وعد الله تعالى محال فهو أيضاً يدل على أن الخلف في وعيده محال بخلاف ما قاله الواحدي في تفسير قوله تعالى: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا }تفسير : [النساء: 93] إن الخلف في وعيد الله جائز، وذلك لأن وعد الله ووعيده كلمة الله، فلما دلت هذه الآية على أن كلمة الله يجب كونها موصوفة بالصدق على أن الخلف كما أنه ممتنع في الوعد فكذلك ممتنع في الوعيد. الصفة الثالثة: من صفات كلمات الله كونها عدلاً وفيه وجهان: الأول: أن كل ما حصل في القرآن نوعان، الخبر والتكليف. أما الخبر فالمراد كل ما أخبر الله عن وجوده أو عن عدمه ويدخل فيه الخبر عن وجود ذات الله تعالى وعن حصول صفاته أعني كونه تعالى عالماً قادراً سميعاً بصيراً، ويدخل فيه الأخبار عن صفات التقديس والتنزيه كقوله: {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }تفسير : [الإخلاص: 3] وكقوله: {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } تفسير : [البقرة: 255] ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله وكيفية تدبيره لملكوت السموات والأرض وعالمي الأرواح والأجسام، ويدخل فيه كل أمر عن أحكام الله تعالى في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أحوال المتقدمين، والخبر عن الغيوب المستقبلة، فكل هذه الأقسام داخلة تحت الخبر، وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه سبحانه على عبده سواء كان ذلك العبد ملكاً أو بشر أو جنياً أو شيطاناً وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء عليهم السلام المتقدمين، أو في شرائع الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله تعالى. وإذا عرفت انحصار مباحث القرآن في هذين القسمين فنقول: قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً } إن كان من باب الخبر {وَعَدْلاً } إن كان من باب التكاليف، وهذا ضبط في غاية الحسن. والقول الثاني: في تفسير قوله: {وَعَدْلاً } أن كل ما أخبر الله تعالى عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد وأن يكون واقعاً، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بصفة الظلمية. الصفة الرابعة: من صفات كلمة الله قوله: {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ } وفيه وجوه: الأول: أنا بينا أن المراد من قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } أنها تامة في كونها معجزة دالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم. ثم قال: {لاَّ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ } والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبهات في كونها دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلائل التي لا تقبل التبديل البتة لأن تلك الدلالة ظاهرة باقية جلية قوية لا تزول بسبب ترهات الكفار وشبهات أولئك الجهال. والوجه الثاني: أن يكون المراد أنها تبقى مصونة عن التحريف والتغيير كما قال تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ }تفسير : [الحجر: 9]. والوجه الثالث: أن يكون المراد أنها مصونة عن التناقض كما قال: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً }تفسير : [النساء: 82]. والوجه الرابع: أن يكون المراد أن أحكام الله تعالى لا تقبل التبديل والزوال لأنها أزلية والأزلي لا يزول. واعلم أن هذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر، لأنه تعالى لما حكم على زيد بالسعادة وعلى عمرو بالشقاوة، ثم قال: {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـات ٱللَّهِ } يلزم امتناع أن ينقلب السعيد شقياً وأن ينقلب الشقي سعيداً، فالسعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} قراءة أهل الكوفة بالتوحيد، والباقون بالجمع. قال ابن عباس: مواعيد ربك، فلا مغيّر لها. والكلمات ترجع إلى العبارات أو إلى المتعلقات من الوعد والوعيد وغيرهما. قال قتادة: الكلمات هي القرآن لا مبدل له، لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون. {صِدْقاً وَعَدْلاً} أي فيما وعد وحكم، لا رادّ لقضائه ولا خُلْف في وعده. وحكى الرّمّاني عن قتادة: لا مبدلّ لها فيما حكم به، أي إنه وإن أمكنه التغيير والتبديل في الألفاظ كما غيّر أهل الكتاب التوراةَ والإنجيل فإنه لا يعتدّ بذلك. ودلّت الآية على وجوب ٱتباع دلالات القرآن؛ لأنه حق لا يمكن تبديله بما يناقضه، لأنه من عند حكيم لا يخفى عليه شيء من الأمور كلها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ } بالأحكام والمواعيد {صِدْقاً وَعَدْلاً } تمييز {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِ } بنقض أو خُلْفٍ {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لما يقال {ٱلْعَلِيمُ } بما يفعل.

ابن عطية

تفسير : {تمت} في هذا الموضع بمعنى استمرت وصحت في الأزل صدقاً وعدلاً، وليس بتمام من نقص، ومثله ما وقع في كتاب السيرة من قولهم وتم حمزة على إسلامه في الحديث مع أبي جهل، و "الكلمات" ما نزل على عباده، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "كلمة" بالإفراد هنا وفي يونس في الموضعين وفي حم المؤمن. وقرأ نافع وابن عامر جميع ذلك "كلماتُ" بالجمع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا فقط "كلمات" بالجمع، وذهب الطبري إلى أنه القرآن كما يقال كلمة فلان في قصيدة الشعر والخطبة البليغة. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي بعيد معترض، وإنما القصد العبارة عن نفوذ قوله تعالى: {صدقاً} فيما تضمنه من خبر {وعدلاً} فيما تضمنه من حكم، هما مصدران في موضع الحال، قال الطبري نصباً على التمييز وهذا غير صواب، و {لا مبدل لكلماته} معناه في معانيها بأن يبين أحد أن خبره بخلاف ما أخبر به أو يبين أن أمره لا ينفذ، والمثال من هذا أن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام {أية : فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج} تفسير : [التوبة:83] إلى الخالفين، فقال المنافقون بعد ذلك للنبي عليه السلام وللمؤمنين ذرونا نتبعكم فقال الله لنبيه: {أية : يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل} تفسير : [الفتح:15] أو في قوله {أية : فقل لن تخرجوا معي أبداً} تفسير : [التوبة:83] لأن مضمنة الخبر بأن لا يباح لهم خروج، وأما الألفاظ فقد بدلتها بنو إسرائيل وغيرتها، هذا مذهب جماعة من العلماء، وروي عن ابن عباس أنهم إنما بدلوا بالتأويل والأول أرجح، وفي حرف أبي بن كعب، "لا مبدل لكلمات الله"، وقوله تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض} الآية، المعنى فامض يا محمد لما أمرت به وانفذ لرسالتك فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك وذكر {أكثر} لأن أهل الأرض حينئذ كان أكثرهم كافرين ولم يكن المؤمنون إلا قلة، وقال ابن عباس: {الأرض} هنا الدنيا، وحكي أن سبب هذه الآية أن المشركين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أمر الذبائح وقالوا: تأكل ما تقتل وتترك ما قتل الله؟، فنزلت الآية، ووصفهم عز وجل بأنهم يقتدون بظنونهم ويتبعون تخرصهم، والخرص الحزر والظن وقرأ جمهور الناس "يضل" بفتح الياء. وقرأ الحسن بن أبي الحسن "يُضل" بضم الياء، ورواه أحمد بن أبي شريح عن الكسائي، و {من} في قوله {من يضل} في موضع نصب بفعل مضمر تقديره يعلم من، وقيل في موضع رفع كأنه قال أي يضل عن سبيله؛ ذكره أبو الفتح وضعفه أبوعلي وقيل في موضع خفض بإضمار باء الجر كأنه قال: بمن يضل عن سبيله، وهذا ضعيف، قال أبو الفتح هذا هو المراد فحذفت باء الجر ووصل {أعلم} بنفسه، قال ولا يجوز أن يكون {أعلم} مضافاً إلى {من} لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، وهذه الآية خبر في ضمنه وعيد للضالين ووعد للمهتدين.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} القرآن تمت حججه ودلائله، أو تمام أحكامه وأوامره، أو تمام إنذاره بالوعد والوعيد، أو تمام كلامه واستكمال سوره. {صِدْقاً} فيما أخبر به {وَعَدْلاً} فيما قضاه.

النسفي

تفسير : {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ } أي ما تكلم به. {كَلِمَـٰتُ رَبّكَ } حجازي وشامي وأبو عمرو أي تم كل ما أخبر به وأمر ونهي ووعد وأوعد {صِدْقاً } في وعده ووعيده {وَعَدْلاً } في أمره ونهيه. وانتصبا على التمييز أو على الحال {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ } لا أحد يبدل شيئاً من ذلك {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لإقرار من أقر {ٱلْعَلِيمُ } بإصرار من أصر أو السميع لما يقولون العليم بما يضمرون. {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ } أي الكفار لأنهم الأكثرون {يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دينه {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق فهم يقلدونهم {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يكذبون في أن الله حرم عليهم كذا وأحل لهم كذا {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } أي هو يعلم الكفار والمؤمنين. من رفع بالابتداء ولفظها لفظ الاستفهام والخبر {يَضِلُّ } وموضع الجملة نصب بـ «يعلم» المقدر لا بـ {أَعْلَمُ } لأن أفعل لا يعمل في الاسم الظاهر النصب ويعمل الجر. وقيل: تقديره أعلم بمن يضل بدليل ظهور الباء بعده في بالمهتدين {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـئَايَـٰتِهِ مُّؤْمِنِينَ } هو مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم. فقيل للمسلمين: إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه خاصة أي على ذبحه دون ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتهم أو مات حتف أنفه {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ } «ما» استفهام في موضع رفع بالابتداء و {لَكُمْ } الخبر أي وأي غرض لكم في أن لا تأكلوا {مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم } بين لكم {مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } مما لم يحرم بقوله {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ }تفسير : [المائدة: 3] ـ {فَصْلٌ } و {حَرَّمَ } كوفي غير حفص وبفتحهما مدني وحفص وبضمهما غيرهم {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } مما حرم عليكم فإنه حلال لكم في حال الضرورة أي شدة المجاعة إلى أكله {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ } {ليضلون} كوفي {بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي يضلون فيحرمون ويحللون بأهوائهم وشهواتهم من غير تعلق بشريعة {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ } بالمتجاوزين من الحق إلى الباطل. {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ } علانيته وسره أو الزنا في الحوانيت والصديقة في السر أو الشرك الجلي والخفي {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإثْمَ سَيُجْزَوْنَ } يوم القيامة {بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } يكتسبون في الدنيا {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } عند الذبح {وَأَنَّهُ } وإن أكله {لَفِسْقٌ وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ } ليوسوسون {إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ } من المشركين {لِيُجَـٰدِلُوكُمْ } بقولهم لا تأكلون مما قتله الله وتأكلون مما تذبحون بأيديكم، والآية تحرم متروك التسمية وخصت حالة النسيان بالحديث أو بجعل الناسي ذاكراً تقديراً {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } في استحلال ما حرمه الله {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } لأن من اتبع غير الله في دينه فقد أشرك به، ومن حق المتدين أن لا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه لما في الآية من التشديد العظيم. ومن أوّل الآية بالميتة وبما ذكر غير اسم الله عليه لقوله {أية : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ }تفسير : وقال: إن الواو في {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } للحال لأن عطف الجملة الاسمية على الفعلية لا يحسن فيكون التقدير: ولا تأكلوا منه حال كونه فسقاً والفسق مجمل فبين بقوله {أية : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ }تفسير : فصار التقدير ولا تأكلوا منه حال كونه مهلاً لغير الله به فيكون ما سواه حلالاً بالعمومات المحلة منها قوله {أية : قُل لا أَجِدُ } الآية. فقد عدل عن ظاهر اللفظ. {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } تفسير : أي كافراً فهديناه لأن الإيمان حياة القلوب {مَيْتًا } مدني {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ } مستضيئاً به والمراد به اليقين {كَمَن مَّثَلُهُ } أي صفته {فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ } أي خابط فيها {لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } لا يفارقها ولا يتخلص منها وهو حال. قيل: المراد بهما حمزة وأبو جهل. والأصح أن الآية عامة لكل من هداه الله ولكل من أضله الله، فبين أن مثل المهتدي مثل الميت الذي أحيي وجعل مستضيّئاً يمشي في الناس بنور الحكمة والإيمان، ومثل الكافر مثل من هو في الظلمات التي لا يتخلص منها {كَذٰلِكَ } أي كما زين للمؤمن إيمانه {زُيّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ } بتزيين الله تعالى كقوله {أية : زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ }تفسير : [النمل: 4] {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي أعمالهم. {وَكَذٰلِكَ } أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا الناس فيها {جَعَلْنَا } صيرنا {فِي كُلّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي. واللام على ظاهرها عند أهل السنة وليست بلام العاقبة، وخص الأكابر وهم الرؤساء لأن ما فيهم من الرياسة والسعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم، دليله {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ }تفسير : [الشورى: 27] ثم سلى رسوله عليه السلام ووعد له النصرة بقوله {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } لأن مكرهم يحيق بهم {وَمَا يَشْعُرُونَ } أنه يحيق بهم {أَكَـٰبِرَ } مفعول أول والثاني {فِي كُلِّ قَرْيَةٍ } و {مُجْرِمِيهَا } بدل من {أَكَـٰبِرَ } أو الأول {مُجْرِمِيهَا } والثاني {أَكَـٰبِرَ } والتقدير: مجرميها أكابر. ولما قال أبو جهل: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحي إليه والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، نزل {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ } أي الأكابر {ءَايَةً } معجزة أو آية من القرآن بالإيمان {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} أي نعطي من الآيات مثل ما أعطي الأنبياء فأعلم الله تعالى أنه أعلم بمن يصلح للنبوة فقال تعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } مكي وحفص {رسالاته}: غيرهما {حَيْثُ} مفعول به والعامل محذوف والتقدير يعلم موضع رسالته. {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } من أكابرها {صَغَارٌ } ذل وهو إن {عَندَ ٱللَّهِ } في القيامة {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ } في الدارين من القتل والأسر وعذاب النار {بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ } في الدنيا {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } يوسعه وينور قلبه. قال عليه السلام «حديث : إذا دخل النور في القلب انشرح وانفتح»تفسير : قيل وما علامة ذلك قال «حديث : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت» تفسير : {وَمَن يُرِدِ } أي الله {أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً } {ضَيقاً } مكي {حَرَجاً } {حَرِجاً } صفة لـ {ضَيّقاً } مدني وأبو بكر بالغافي الضيق {حَرَجاً } غيرهما وصفاً بالمصدر {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَاء } كأنه كلف أن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره عنه إذا ضاقت عليه الأرض، فطلب مصعداً في السماء أو كعازب الرأي طائر القلب في الهواء {يَصْعَدُ } مكي {يصّاعد} أبو بكر وأصله يتصاعد الباقون {إِلَيْهِ يَصّعّد } وأصله يتصعد {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرّجْسَ } العذاب في الآخرة واللعنة في الدنيا {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } والآية حجة لنا على المعتزلة في إرادة المعاصي {وَهَـٰذَا صِرٰطُ رَبِّكَ } أي طريقه الذي اقتضته الحكمة وسنته في شرح صدر من أراد هدايته وجعله ضيقاً لمن أراد ضلاله {مُّسْتَقِيماً } عادلاً مطرداً وهو حال مؤكدة {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } يتعظون. {لَهُمْ } أي لقوم يذكرون {دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ } دار الله يعني الجنة أضافها إلى نفسه تعظيماً لها، أو دار السلامة من كل آفة وكدر، أو السلام التحية سميت دار السلام لقوله: {أية : تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ }تفسير : [يونس: 10]. {أية : إِلاَّ قِيلاً سَلَـٰماً سَلَـٰماً }تفسير : [الواقعة: 26] {عِندَ رَبِّهِمْ } في ضمانة {وَهُوَ وَلِيُّهُم } محبهم أو ناصرهم على أعدائهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بأعمالهم أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون أو هو ولينا في الدنيا بتوفيق الأعمال وفي العقبى بتحقيق الآمال.

ابن عادل

تفسير : في نصب "صِدْقاً وعَدْلاً" ثلاثة أوجه: أحدها: أن يَكُونا مَصْدَرَيْن في مَوِضِع الحال، أي: تَمَّتَ الكَلِمَات صَادِقَات في الوَعْد، عَادِلات في الوعيدِ. الثاني: أنهما نَصْب على التَّمْييز. قال ابن عطيَّة: "وهو غَيْر صَوَاب" وممن قَالَ بِكَوْنه تَمِييزاً: الطَّبِريُّ، وأبُو البقاء. الثالث: انهما نصب على المَفْعُول من أجْله، أي: تَمَّتْ لأجْل الصِّدْق والعَدْل الواقِعَين مِنْهُما، وهو مَحَلُّ نظر، ذكر هذا الوَجْه أبُو البَقَاء. وقرأ الكوفِيُّون هنا، وفي يونس في قوله: {أية : كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ} تفسير : [يونس:33] {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} تفسير : [يونس:96] موضعان، وفي غافر: {أية : وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} تفسير : [غافر:6] "كلمة" بالإفراد، وافقهم ابنُ كثير، وابُو عمرو على مَا في يُونُس وغافر، دون هذه السُّورة، والباقون: بالجَمع في المَواضِع الثُّلاثة. قال أبو حيَّان: "قرأ الكُوفِيُّون هُنَا وفي يُونُس في الموضعين وفي المؤمن: "كلمة" بالإفْرَاد، ونَافِع جميع ذلك "كلمات" بالجَمع، تابعه أبُو عَمْرو، وبان كثير هُنَا" قال شهاب الدِّين: كيف نَسِي ابن عامر؟ لا يُقَال: إنَّه قد أسْقَطَه النَّاسِخ وكان الأصْل "ونَافِع وابن عامر"؛ لأنَّه قال: "تَابَعَهُ" ولو كان كَذَلِكَ، لقال: "تَابَعَهُمَا". ووجه الإفراد: إرادة الجِنْس، وهو نظير: رسالته ورسالاته. وقولهم: قال زهير في كلمته، أي: قصيدته، وقال قُسّ في كَلمته، أي: خُطْبَته، فكذا مَجْمُوع القُرآن العَظِيم، وقراءة الجَمْع ظَاهِرة؛ لأن كَلِمَاته - تعالى - مَتْبُوعة بالنِّسْبة إلى الأمْر، والنَّهْي، والوعد، والوعيد وأراد بالكلمات: أمْرَه ونَهْيَهُ ووعْدَه ووَعِيدَه، في الأمْر والنَّهْي. وقال قتادة: ومُقاتل: صِدْقاً فيما وعد عدلاً فيما حَكَم، وهذا الكلام كما يَدُل على أن الخُلْف في وَعْد اللَّه مُحَال؛ فيدلُّ أيضاً: على أنَّ الخُلْفَ في وعيده مُحَال، بخلاف ما قالهُ الوَاحِدِيّ في تَفْسِير قوله - تبارك وتعالى -: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} تفسير : [النساء:93] إن الخُلْف في وعيد اللَّه جَائِزٌ، لأن وعد اللَّه ووعِيدَه كلمة اللَّه، فيجب كَوْنَها موصُوفَةٌ بالصِّدْق؛ لأن الكذب نَقْص، والنَّقْص على اللَّه مُحَال، ولا يَجُوز إثْبَات أنَّ الكَذِب على اللَّه مُحَال، بالدَّلائلِ السَّمْعِية؛ لأن [صحَّة الدَّلائل السَّمْعِية موقوفة على أن الكذب على الله مُحَال, فلو أثبتنا امتِنَاع أن الكذب على الله مُحَال] لزم الدَّوْر، وهو بَاطِل، وأجْمَعُوا على الجَمْع في قوله: {لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} {أية : وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام:34]. قوله: {لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} يحتمل أن يكُون لَهَا مَحلٌّ من الإعرابِ؛ لأنَّها مُسْتَأنفة، وأن تكون جُمْلة حَاليَّة من فاعل "تَمَّتْ". فإن قُلْت: فأين الرَّابِط بين ذي الحَالِ، والحَالِ؟ فالجواب أنَّ الرَّبْط حصل بالظَّاهر، والأصْل: لا مبدِّل لها، وإنَّما أبرزت ظَاهِرة؛ تَعْظِيماً لها ولإضافتها إلى لَفْظ الجلالة الشَّريفة. قال أبو البَقَاء: ولا يجُوز حالاً من "ربِّك" لئلا يُفْصَلَ بين الحَالِ وصاحبها بالأجْنَبِيِّ، وهو: "صدقاً وعدلاً" إلا أن يُجْعَلَ "صِدْقاً وعَدْلاً": حالاً من "ربِّك" لا من "الكَلِمَات". قال شهاب الدِّين: فإنه إذا جعل "صدقاً وعدلاً": حالاً من "ربِّك" لم يَلْزَمْ منه فَصْلٌ؛ لأنَّها حالان لذي حال، ولكنّ قَاعدته تَمْنَع تَعَدُّد الحال لذي حالٍ واحدة، وتمنع أيضاً مَجِيء الحَالِ من المُضاف إلَيْه، وإن كان المُضَاف بَعْض الثُّانِي، ولم يُمْنع هنا بِشَيْء من ذلك، والرسم في "كَلِمَات" في المواضِع الِّتِي أشَرْتُ [إلى] اخْتِلاف القُرَّاء فيها مُحْتَمِل لِخِلافِهِم، فإنه في المُصْحَف الكَرِيم من غير ألِف بعد الميم. [وقوله تعالى: "إن يتَّبْعُون"، "وإن هم إلا يَخْرصُون" "إن" نافية، بمعنى: ما في الموضعين و "الخَرْص": الحَزْر ويُعَبر به عن الكذب والافْتِراء، وأصله من ا لتَّظَنِّي، وهو قول ما لم يُسْتَيْقَن، ويتحقق؛ قاله الأزْهِري. ومنه خرص النَّخل، يقال: "خَرَصًها" الخَارِص خَرْصاً، فهي "خِرْص" فالمَفْتُوح مَصْدر، والمكْسُور بِمَعْنَى: مَفْعُول؛ كالنَّقض والنِّقض، والذَّبْح والذِّبْح], فصل في معنى الآية قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - مَعْنَى {لاَّ مُبَدِّل لِكَلماته}: لا رادَّ لِقَضَائِه ولا مُغَيِّر لِحكْمه، ولا خُلْف لوعْدِه، وهو السَّمِيع العَلِيم. وقيل المُرَاد بـ "الكَلِمَات": القرآن لا مُبَدِّل له لا يَزيد في المُفتَرُون، ولا يُنْقِصُون؛ كقوله - تبارك وتعالى -: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر:9]. وقيل: المُراد: أنها محفوظة عن التَّنَاقُض؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء:82]. وقيل المراد: أنَّ أحْكام اللَّه - تبارك وتعالى - لا تَقْبَل التَّبْدِيل والزَّوَال؛ لأنَّها أزَلِيَّة، والأزَليُّ لا يَزُول، وهذا الوَجْه أحَد الأصُول القَوِيَّة في إثْبات الخَير؛ لأنه - تبارك وتعالى - لمَّا حَكَم على زَيْد بالسَّعادة، وعلى عَمْرو بالشَّقاوة، ثمَّ قال: {أية : وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام:34] لزم منه امْتِناع أنْ يِقْلِب السَّعيد شقيّاً، والشَّقِي سعيداً، وهو مَعْنَى قوله - عليه الصلاة والسلام -: جَفَّ القَلَم بما هو كَائِنٌ إلى يَوْم القِيَامَة.

السيوطي

تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً} قال: صدقاً فيما وعد ، وعدلاً فيما حكم . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نصر السجزي في الابانة عن محمد بن كعب القرظي في قوله {لا مبدل لكلماته} قال: لا تبديل لشيء. قاله في الدنيا والآخرة، كقوله {أية : ما يبدل القول لدي}تفسير : [ق: 29] . وأخرج ابن مردويه عن أبي اليمان جابر بن عبد الله قال " حديث : دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم فتح مكة ومعه مخصرة ولكل قوم صنم يعبدونه، فنجعل يأتيها صنماً صنماً ويطعن في صدر الصنم بعصا ثم يعقره، كلما صرع صنماً أتبعه الناس ضرباً بالفؤوس حتى يكسرونه ويطرحونه خارجاً من المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} " . تفسير : وأخرج ابن مردويه وابن النجار عن أنس بن مالك حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً} قال "لا إله إلا الله" . تفسير : وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال " حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوّذُ الحسن والحسين رضي الله عنهما: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، ثم يقول: كان أبوكم إبراهيم يعوّذ بها إسمعيل وإسحق " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن خولة بنت حكيم " حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك " . تفسير : وأخرج مسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال: حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ قال: أما إنك لو قلت حيث أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك" . تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي وابن أبي الدنيا والبيهقي عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند مضجعه "حديث : اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المغرم والمأثم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن محمد بن يحيى بن حبان " حديث : ان الوليد بن الوليد شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرق ــ حديث النفس بالليل ــ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنه لن يضرك وحريٌّ أن لا يقربك " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي التياح قال: قال رجل لعبد الرحمن بن خنبش: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كادته الشياطين؟ قال: نعم، تحدرت الشياطين من الجبال والأودية يريدون رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن يحرق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فزع منهم، وجاءه جبريل فقال: يا محمد قل. قال: ما أقول؟ قال: قل " أعوذ بكلمات الله التامات اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وبرأ وذرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن. قال: فطفئت نار الشياطين وهزمهم الله عز وجل ". وأخرج النسائي والبيهقي عن ابن مسعود قال: لما كان ليلة الجن أقبل عفريت من الجن في يده شعلة من نار، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، فلا يزداد إلا قرباً فقال له جبريل: أَلاَ أعلمك كلمات تقولهن ينكب منها لفيه وتطفأ شعلته؟ قل " أعوذ بوجه الله الكريم، وكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يهرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن. فقالها فانكب لفيه وطفئت شعلته" . وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة تلقته الجن بالشرر يرمونه، فقال جبريل: تعوّذ يا محمد. فتعوّذ بهؤلاء فدحروا عنه فقال: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما نزل من السماء وما يعرج منها، ومن شر ما بث في الأرض وما يخرج منها، ومن شر الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن" .

ابو السعود

تفسير : {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ} شروعٌ في بـيان كمالِ الكتابِ المذكورِ من حيث ذاتُه إثرَ بـيانِ كمالِه من حيث إضافتُه إليه تعالى بكونه منزلاً منه بالحق، وتحقيقُ ذلك بعلم أهلِ الكتاب به، وإنما عبر عنه بالكلمة لأنها الأصلُ في الاتصاف بالصدق والعدلِ وبها تظهر الآثارُ من الحكم، وقرىء كلماتُ ربك {صِدْقاً وَعَدْلاً} مصدران نصبا على الحال وقيل: على التميـيز وقيل: على العلة وقوله تعالى: {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ} إما استئنافٌ مبـينٌ لفضلها على غيرها إثرَ بـيانِ فضلِها في نفسها، وإما حالٌ أخرى من فاعل تمت على أن الظاهرَ مغنٍ عن الضمير الرابطِ، والمعنى أنها بلغت الغايةَ القاصيةَ صدقاً في الإخبار والمواعيدِ وعدلاً في الأقضية والأحكامِ لا أحدَ يبدل شيئاً من ذلك بما هو أصدقُ وأعدلُ ولا بما هو مثلُه فكيف يُتصوّر ابتغاءُ حكمٍ غيرِه تعالى {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لكل ما يتعلق به السمع {ٱلْعَلِيمُ} بكل ما يمكن أن يُعلم فيدخُلُ في ذلك أقوالُ المتحاكمين وأحوالُهم الظاهرةُ والباطنةُ دخولاً أولياً، هذا وقد قيل: المعنى لا أحدَ يقدِر على أن يحرِّفها كما فُعل بالتوراة، فيكونُ ضماناً لها من الله عز وجل بالحفظ كقوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ }تفسير : [الحجر، الآية 9] أو لا نبـيَّ ولا كتابَ بعدها ينسخها. {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ} لما تحقق اختصاصُه تعالى بالحكمية لاستقلاله بما يوجبها من إنزال الكتابِ الكاملِ الفاصلِ بـين الحقِّ والباطلِ وتمامِ صدقِ كلامِه وكمالِ عدالةِ أحكامِه وامتناعِ وجودِ من يبدل شيئاً منها واستبدادِه تعالى بالإحاطة التامةِ بجميع المسموعات والمعلومات عقّب ذلك ببـيان أن الكفرةَ متصفون بنقائض تلك الكمالاتِ من النَّقائص التي هي الضلالُ والإضلالُ واتباعُ الظنونِ الفاسدةِ الناشىءُ من الجهل والكذبِ على الله سبحانه وتعالى إبانةً لكمال مباينةِ حالِهم لما يرومونه وتحذيراً عن الرّكون إليهم والعملِ بآرائهم، والمرادُ بمن في الأرض الناسُ وبأكثرهم الكفارُ، وقيل: أهلُ مكةَ والأرضُ أرضُها أي إن تُطِعهم بأن جعلتَ منهم حكَماً {يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} عن الطريق الموصلِ إليه أو عن الشريعة التي شرعها لعباده {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} وهو ظنُّهم أن آباءَهم كانوا على الحق فهم على آثارهم يهتدون أو جهالاتُهم وآراؤهم الباطلةُ على أن المرادَ بالظن ما يقابل العلم، والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الشرطية كأنه قيل: كيف يضلون؟ فقيل: لا يتبعون في أمور دينِهم إلا الظنَّ وإنّ الظنَّ لا يُغني من الحق شيئاً فيضلون ضلالاً مبـيناً، ولا ريبَ في أن الضالَّ المتصدّيَ للإرشاد إنما يُرشد غيرَه إلى مسلك نفسِه فهم ضالون مضِلّون وقوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} عطفٌ على ما قبله داخلٌ في حكمه أي يكذِبون على الله سبحانه فيما ينسُبون إليه تعالى كاتخاذ الولدِ وجعلِ عبادةِ الأوثانِ ذريعةً إليه تعالى وتحليلِ الميتةِ وتحريمِ البحائرِ ونظائرِها، أو يقدّرون أنهم على شيء وأنّى لهم ذلك ودونه مناطُ العَيُّوقِ وحقيقتُه ما يقال عن ظن وتخمين.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} [الآية: 115]. قيل: صدقًا للأولياء تفضلاً عليهم وعدلاً على الأعداء أخذهم بميزان العدل.

القشيري

تفسير : تقدَّسَتْ عن التغيير ذاتُه، وتنزهت عن التبديل صفاتُه. والتمام ينفي النقصان. وكلُّ نقصانٍ فمن الحَدَثِ أصلُه، وأَنَّى بالنقص - والقِدَمُ وصفُه؟

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ} اخبر تعالى عن سابق كلماته الصفاتية الازلية يكلم بها بنفسه مع نفسه فى نفسه لاختصاص اهل ولايته واصطفائيته خالصة محبته واجتابئه صفوة اهل معرفته وتوحيده بغير علة اكتسابهم خيرا وشر والانقصا لابرام قضيته ولانا قضيا الميثاق مشيئته سبق منه العناية لهم بوصف استجلاب ارواحهم الى معادن قدسه واجتذاب قلوبهم الى مجالس انسه تمت كلمته بحسن قبولهم حيث ما اشترط علة العبودية وتام كلماته صدق مواعيده بلطف عنايته بلا مكافة منهم لها وهو تعالى بذك عادل حيث اصطفاهم بوضع خزائن معرفته فى قلوبهم وهم لها اهلا ولهم من عنايته استعداد لقبول اماناته بشرط الرعاية واصفاء اسماع قلوبهم بحياطتها حتى لا يشوبها اذكار الحدثان وخطرات الطغيان لا مبدل لكلماته لا يدخل فى ديوان سبق رحمته لاهل عنايته وطوارق قهره من علة ما طرى عليه من وارد امتحانه كما قال تعالى سبقت رحمتى غضبى قيل فى تفسير قوله صدقا وعدلا صدقا للاولياء تفضلا عليهم وعلى الاعداء اخذهم بميزان العدل قال مقاتل صدقا فيما وعد وعدلا فيما احكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وتمت كلمة ربك} عبر عن الكتاب اى القرآن بالكلمة لانها الاصل فى الاتصاف بالصدق والعدل وبها يظهر الآثار من الحكم {صدقا وعدلا} مصدران نصبا على الحال اى صادقة وعادلة ومعنى تمامها عبارة عن بلوغها الغاية فى كونها كافية فى بيان ما يحتاج اليه المكلفون الى يوم القيامة علما وعملا وفى كونها صدقا وعدلا والمعنى انها بلغت الغاية القاصية صدقا فى الاخبار والمواعيد كالخبر عن وجود ذات الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية وكالخبر عن احكام الله تعالى فى الوعد والوعيد والثواب والعقاب وكالخبر عن احوال المتقدمين وعن الغيوب المستقبلة وعدلا فى الاقضية والاحكام المتعلقة بالمكلفين من الجن والانس كالصلاة والصوم والزكاة والحج وسائر التكاليف الشرعية سواء كانت امرا او نهيا {لا مبدل لكلماته} لا ا حد يبدل شيأ من ذلك بما هو اصدق واعدل ولا بما هو مثله فكيف يتصور ابتغاء حكم غيره تعالى {وهو السميع} لكل ما يتعلق به السمع {العليم} بكل ما يمكن ان يعلم فيدخل فى ذلك اقوال المتحاكمين واحوالهم الظاهرة والباطنة دخولا اوليا. ومحصول الآية ان القرآن حكم الله تعالى وحجته الغالبة بين الناس فلا عدول عنه الى غيره اذ لا يعدل عنه الا المنكر سواء كان انكاره عناديا كالعالم بحقيته او تكذيبيا كالجاهل بها واما المقر فهو له جذبة الهية ينجذب بالعمل بما فيه الى درجات العلم والعرفان وكمال الايقان اذ هو كلمة حق وصدق والصدق يهدى الى الجنة والقربة والوصلة ولا ترتفع التكليفات عن العبد وان وصل الى تجلى الذات ما دام فى عالم الدنيا لا كما زعمه بعض الزاعمين واما فى عالم الآخرة فترتفع التكليفات فعبادة ذلك العالم التوحيد ليس الا ولابد من رعاية الشريعة فى جميع المراتب فان الكمال فيه والا فهو ناقص ولذلك ترى المجاذيب لا يخلون عن نقصان ألا يرى ان الانبياء عليهم السلام لم يسمع عن واحد منهم عروض السفه والجنون فكامل العقل يحس صرير الباب وصوت الذباب فى حال استغراقه ـ حكى ـ ان الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر قال يوما لمريديه هل صدر منى شئ يخالف الشريعة قالوا لا فحمد الله تعالى وقال ما كنت ههنا منذ ثلاثين سنة والانسان اشرف المخلوقات واشرف الانسان نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ولذلك صار مظهرا للفرقان الكريم من المبتدأ القديم وهو الحكم الذى نصبه الله تعالى لاحقاق الحق وابطال الباطل شعر : ألا اى احمد مرسل شود هرمشكل ازتوحل كنم وصف ترا مجمل تويى سلطان هرمولى شريعت ازتو روشن شد طريقت هم مبرهن شد حقيقت خود معين شد زهى سلطان بى همتا تفسير : واعلم ان هذه الآية متعلقة بمرتبة النفس واصلاحها فان ابتغاء حكم غير الله تعالى من هوى النفس فاصلاحها بالانقياد والتسليم وكل من له حظ من علم القرآن ظاهرا او باطنا فهو وارث النبى عليه السلام بقدر حاله والحاكم هو عالم امر الله لا الجاهل. قال على كرم الله وجهه من افتى الناس بغير علم لعنه السماء والارض. وسألت بنت علىّ البلخى اباها عن القيئ اذا خرج الى الحلق فقال يجب اعادة الوضوء فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا يا على حتى يكون ملئ الفم فقال علمت ان الفتوى تعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فآليت على نفسى ان لا افتى ابدا. وسئل الشعبى عن مسألة فقال لا اعلم فقيل ألا تستحى وانت فقيه العراقين قال ولم لا استحيى مما لا تستحيى منه الملائكة حيث قالت {أية : لا علم لنا الا ما علمتنا} تفسير : [البقرة: 32]. فعلى العامة ان يرجعوا فى الامور الظاهرة الى اعلم البلدة او العصر بقدر الامكان وعلى الخاصة ان يستفتوا فى الاحوال الباطنة من الاعرف وان كان اميا لا يعرف اصطلاحات العلماء اذ له حكمة معنوية تغنى عن الاصطلاحات وهو الذى يليق بان يسمى حكيما وقد اتفق اهل الله تعالى على ان العبد اذا وصل الى الله فالله تعالى يعلمه ويلهمه فيميز بين الحق والباطل ولا يكون ما يتكلمه خارجا عن الشريعة واليه يشير قول من قال ما اتخذ الله من ولى جاهل ولو اتخذه لعلمه وكما ان الاصحاب ما خرجوا عن حكم النبى عليه السلام كما قال تعالى {أية : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} تفسير : [النساء: 65] وقال {أية : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمراً ان يكون لهم الخيرة من أمرهم} تفسير : [الأحزاب: 36]. كذلك اهل الارادة ما خرجوا عن امر المرشد الكامل اذ الحكم وان كان لله تعالى فى الحقيقة كما نطقت به الآية الا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خليفة الله تعالى وكذا من ورثه قولا وحالا.

الطوسي

تفسير : قرأ أهل الكوفة ويعقوب {كلمة} على التوحيد. الباقون "كلمات" جمع كلمة، والكلمة والكلمات ما ذكره الله من وعده ووعيده وثوابه وعقابه، فلا تبديل فيه، ولا تغيير له كما قال{أية : ما يبدل القول لدي}،تفسير : وقال {أية : لا تبديل لكلمات الله}تفسير : وكان التقدير، وتمت ذوات الكلمات، ولا يجوز أن يعني بالكلمات الشرائع ها هنا كما عنى بقوله {أية : وإذ ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات فأتمهن}تفسير : وقوله{أية : وصدقت بكلمات ربها}تفسير : لانه قال لا مبدل لكلماته. والشرائع يدخلها النسخ. وقوله {صدقا وعدلا} مصدران ينتصبان في موضع الحال من الكلمة وتقديره صادقة عادلة، وقال قوم: هما نصبا على التمييز. فمن قرأ (كلمات) فلانه لما كان جمعا في المعنى جمعه. ومن أفرد فلأن الكلمة قد يعنى بها الكثرة، كما قالوا: قال زهير في كلمته، يعني في قصيدته وقال قس في كلمته، يعني خطبته، فالمفرد يقع على الكثرة فاغنى عن الجمع ومثله{أية : وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل}.تفسير : وقيل انه أراد به بقوله {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا} الى آخر الآية فسمى هذا القصص كلمة. وقال مجاهد في قوله {أية : كلمة التقوى}تفسير : قول لا إِله الا الله. ومعنى { وتمت كلمات ربك} انها بتمامها موافقة لما توجبه المصلحة من غير زيادة ولا نقصان. والتمام والكمال والاستيفاء نظائر. وان جميعه صدق ولا كذب فيه كما يقال: كمل فلان اذا تمت محاسنه. وفي الآية دلالة على ان كلام الله محدث، لانه وصفه بالتمام والعدل وذلك لا يكون الا حادثا. والتبديل وضع شيء مكان شيء، فلا أحد يقدر ان يضع مكان كلمة الله يناقضها به. وقال قتادة: لا مبدل لها فيما حكم به لانه وان أمكن التغيير والتبديل في اللفظ كما بدل أهل الكتاب التوراة والانجيل، فانه لا يعتد بذلك، لانه لا يقلبه بحق ينقضه. ويجوز أن يكون المراد بقوله {وتمت كلمات ربك} أنها أتتك شيئا بعد شيء حتى كملت. وقوله {وهو السميع العليم} معناه أنه على صفة يجب ان يسمع المسموعات اذا وجدت عالم بما يكون ظاهرا وباطنا، فلا يظن ظان أن شيئا من ذلك يخفي عليه تعالى.

الجنابذي

تفسير : {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} كلمة الرّبّ هى المشيّة الّتى هى الولاية المطلقة، وتماميّتها بظهورها بنحو الاطلاق فى هذا العالم، وظهورها كذلك ما كان الا بمحمّد (ص) وعلىّ (ع) فانّ سائر الانبياء والاولياء ولايتهم مقيّدة جزئيّة مقتبسة من ولاية علىّ (ع) الّتى هى المطلقة الكلّيّة {صِدْقاً} من حيث الصّدق او صادقة فانّ الولاية ما لم تخرج من التّقيّد والتّحدّد لم يتمّ صدقها {وَعَدْلاً} العدل ضدّ الجور وهو اعطاء كلّ ذى حقٍّ حقّه كما انّ الجور منع المستحقّ من حقّه وبمعنى الاستقامة ضدّ الاعوجاج وبمعنى التّوسّط فى الامور ويصحّ اعتباره بكلّ من معانيه {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ} فلا تبال بما يقولون ولا تبتئس بما يكذبون {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لما يقولون فى علىّ (ع) والقادر على منعهم من امضاء ما يقولون واظهار ما يريدون {ٱلْعَلِيمُ} بحال كلّ واستحقاقه.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وتمت كلمتُ ربك}، قيل: هو القرآن {صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته} يعني لا مغير لها {وهو السميع العليم} {وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك} قيل: الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: المراد هو وغيره {يضلوك عن سبيل الله} يعني عن دين الله تعالى {وان هم إلاّ يخرصون} أي يكذبون، قوله تعالى: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} الآية نزلت قيل: إنه لما نزل تحريم الميتة كتب مجوس فارس إلى مشركي العرب أن محمد يزعم أنه متبع لأمر الله تعالى، وما ذبح الله لا يأكلونه وما ذبحوه يأكلونه، فكتب المشركون بذلك إلى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية، وقيل لهم: أحلوا ما أحلَّ الله وحرِّموا ما حرم الله، وقوله: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} الخطاب للمؤمنين، وقيل: هو عام مما ذكر اسم الله عليه يعني عن ذبحه ذكر اسم الله دون الميتة وما ذبح وسمي عليه الأصنام واسم الله قيل: هو بسم الله، وقيل: هو كل قول ذكر الله فيه تعظيم كقول الله أو بذكر الرحمن كقوله تعالى: {أية : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}تفسير : [الأعراف: 180]، وقوله: {إن كنتم بآياته مؤمنين} فكلوا مما أحل دون ما حرم {وما لكم} أي ما الذي يمنعكم {ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} عند الذبح {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} أي بيَّن، قيل: هو ما ذكره تعالى في سورة المائدة في قوله تعالى: {أية : حرمت عليكم الميتة} تفسير : [المائدة: 3] إلى آخرها {إلا ما اضطررتم اليه} من الجوع وخاف على نفسه حل أكله {وان كثيراً ليضلون بأهوائهم} يضلون أنفسهم وغيرهم باتباع أهوائهم بالتحليل والتحريم دون اتباع الأدلة والشريعة {بغير علم} يعني أنهم لم يعتقدوا ذلك عن يقين وعلم {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} من المجاوزين الحد في أمر الله تعالى ونهيه في الحلال والحرام {وذورا ظاهر الاثم وباطنه}، قيل: قليله وكثيره، وقيل: ما ظهر تحريمه وما فيه شبهه، وقيل: افعال الجوارح وأفعال القلوب، وقيل: الظاهر ما يعمله الناس، والباطن ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقيل: الذنوب كلها لأنها لا تخلو من هذين الوجهين، وقيل: عن قتادة سره وعلانيته وقليله وكثيره {إن الذين يكسبون الاثم سيجزون} في الآخرة {بما كانوا يقترفون} أي يكتسبون في الدنيا {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق} نزلت في المشركين الذين قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها، قال الله تعالى قالوا: ما قتل الله فلا تأكلوه وما قتلتم أنتم بأيديكم أكلتموه فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل: ان قوماً من مجوس فارس كتبوا إلى مشركي قريش وكانوا أولياءهم في الجاهلية أن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، ثم يزعمون أن ما ذبحوه حلال، وما قتله الله حرام، فوقع في أنفس الناس من ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}، قيل: هو الميتة، وقيل: ما ذبح على النصب وأنه يعني الأكل لفسق، قوله تعالى: {وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} أن يلقون إليهم الشبهة، قيل: أهل فارس يلقون إلى مشركي قريش، وقيل: شياطين الجن يوسوسون إلى أوليائهم من الإِنس الكفار {وإن أطعمتموهم} في أكل الميتة {إنكم لمشركون}.

اطفيش

تفسير : {وتمَّت كَلمةُ ربِّك} أى معلوماته، أى كملت لا زيادة عليها، لأنه لا يجهل ولا تبدو له البدوات ولا نقص منها لتحقق علمه، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قد جفّ القلم بما كان وما يكون"تفسير : فهو صادق فيما أخبرنا به منها، وعادل فيما حكم به منها كما قال. {صِدْقاً وعَدْلاً} أى صادقات، أو ذوات صدق، أى أخبر بها وعادلات، أو ذوات عدل إذا حكم بها، فهما حالان من الكلمات، ودخل فى ذلك ما فى القرآن من الخير والحكم، أو الكلمات ما أنزل الله من كلمات فى كتبه، ومنها القرآن، وفى غير الكتب كوحى ما ليس من الكتاب، أو الكلمات كلمات القرآن، ففى هذين الوجهين يكون التمام بمعنى بلوغ الغاية فى الصدق، من حيث ما هو خبر، ودخل فيه الوعد والوعيد، وبلوغ الغاية فى العدل من حيث ما هو حكم. ويجوز أن يراد بالكلمات لفظ القرآن لا باعتبار أخباره وأحكامه، بمعنى أنه بلغ الغاية فى الإعجاز، دالا على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وعادلا فى حكمه، بحيث لا يبقى احتياج إلى معجز آخر، وآية أخرى، فضلا عن أن يطلب آيات سواه، والنصب أيضا على الحال، ويجوز أن يكون على التمييز أو التعليل، أى لصدق وعدل، وقرأ الكوفيون ويعقوب: كلمة ربك بالإفراد، وفيه ما فى قراءة الجمع من الكلمات، لأن المفرد يجوز أن يراد به الجمع إذا أضيف، لأن الإضافة تكون للاستغراق أو للعهد وللحقيقة، فالاستغراق ظاهر، وكذا الحقيقة، والمعهود القرآن أو الكتب كلها، ووجه إخراجه سمى الكلمات كلمة لانضباطها فى التصديق والصدق، وكونها حجة وإعجازاً، وهذا فى القرآن. {لا مُبدِّل لِكلماتِه} أى لا أحد يبدل معلوماته التى قضاها بزيادة أو نقص، أو جعل شئ فى مكانها لا أصدق منها، ولا أعدل ولا مساوى، بل لا صدق ولا عدل البتة فى مخالفة أمر الله، ودخل فى ذلك أن الشقى لا يسعد، والسعيد لا يشقى، وذلك أن التبديل بمعنى التغيير، والزيادة على الشئ والنقص منه تغيير لحاله، وتبديل بحال أخرى، فإن كون الشئ ثلاثة غير كونه اثنين، فلا راد لقضائه، ولا خلف لوعده ووعيده، أو لا مبدل لما أنزل الله تبديلا مستمراً، فربما بدل شئ ثم يظهر الحق. ويجوز أن يراد بالكلمات كتب الله، فإنها ولو بدلت لكن لا يستمر بأن يظهر الحق بعد، كما حرَّف اليهود وظهر تحريفهم، وأن يراد القرآن الكريم وحده، وعلى هذا الوجه يكون قوله: {لا مبدل لكلماته} ضماناً من الله تعالى بالحفظ، كقوله تعالى: {أية : وإنا له لحافظون} تفسير : ويجوز أن يراد لا وحى ولا كتاب بعد محمد صلى الله عليه وسلم، تبدل القرآن بالنسخ. {وهُوَ السَّميعُ} أى الذى يسمع ما يقولون {العَليمُ} أى العليم بما فى صدورهم وأحوالهم فيجازيهم على ذلك.

اطفيش

تفسير : {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} كمل صدق كلماته وعدلها وبلغ الغاية فكلماته آيات القرآن، وقال أَبو مسلم: دين الله، كقوله تعالى "أية : وكلمة الله هى العليا" تفسير : وقيل: حجته، وصدقا وعدلا تمييزان محولان عن الفاعل، ولفظ التمام فيه إِبهام فصح تمييزه، تقول: تم زيد، فلا يدرى ما مرادك، فتزيد: حسنا أَو بهاء أَو فصاحة، أَو نحو ذلك. أَو مفعول لأَجله، أَى لصدق وعدل، وعلى كل حال المراد الصدق فى الإِخبار، والوعد والوعيد لا يتبدلان، والعدل فى الأَحكام والتكليف بها، وفى جعله حالا يتوصل به إِلى كون التمام بالإِعجاز بلفظه، وهذا لا يصح مع غير الحالية، ومن جملة كمال صدقها وعدلها أَنها لا ينسخها كتاب آخر ونبى آخر، ولا يلحقها تحريف كما نسخ بعض التوراة وبعض الإِنجيل وكما حرفا. أَى هن عادلات صادقات زدن بعدم التغير والنسخ، والآية ضمان من الله بحفظ القرآن عن التغيير "أية : وإِنا له لحافظون" تفسير : [الحجر: 9] وفى أَن القرآن مفصل نافٍ للبس وأَنه تام الكلمات إِخبار بأَنه مغن عن سائر المعجزات، وصرح بالحفظ عن التغيير أَيضا بقوله {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} لا يوجد كتاب بعد القرآن ناسخ له ولا محرفا يقبل تحريفه ويتبع كما حرفت التوراة والإِنجيل واتبع تحريفهما وقد حرف بعضه نصرانى من الإِفرنج على عهدنا ولم يقبل سائر الإِفرنج تحريفه ولم يتابع عليه، فضاع ماله وافتقر، وحرف بعضه أَيضا الإِنكليز فى اليمن ولم يقبل عنهم ولم يتابعوا عليه، ومقتضى الظاهر لا مبدل لها، ولكن أَظهر تأَكيداً بتصريحه بهذا الذى لا يبدل أَنه كلماته، وبتصريحه بأَن هذا الذى لا يبدل هو كلمات الرب، أَى السيد القائم لعبده بمهماته ومن مهماته أَن لا يبدل، وإِن فسرنا الكلمات بكتب الله كلها فالمعنى لا مبطل لها بإِتيان بما هو أَصدق وأَعدل، وأَنها بلغت الغاية فى الصدق والعدل، ويجوز أَن يكون كلمات ربك القرآن، وكلماته مطلق كتبه ووحيه فيكون قوله {لا مبدل لكلماته} برهانا وتعليلا، أَى تم القرآن، لا آتى بمثله أَو بما هو أَفضل لأَن كلماته مطلقا كذلك لا مبطل لها بمساويها أَو فائقها، وإِذا قلنا باتحاد كلمات فى الموضعين فهذه الكلمة بيان لفضله على غيره بعد بيان فضله فى نفسه، أَو حال من كلمات ربك والرابط كلماته لأَنه فى موضع الضمير، وقيل: كلمات الله قضاؤه مطلقاً حتى يشمل أَن الشقى لا يكون سعيداً أَو السعيد لا يكون شقيا {وَهُوَ السَّمِيعُ} لما يقول كفار قريش وغيرهم {الْعَلِيمُ} بما يضمرون هم وغيرهم فيجازيهم فلا يهمنك شأنهم.

الالوسي

تفسير : {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} شروع في بيان كمال القرآن من حيث ذاته إثر بيان كماله من حيث إضافته إليه عز وجل بكونه منزلاً منه سبحانه بالحق وتحقيق ذلك بعلم أهل الكتابين به، «وتمام الشيء ـ كما قال الراغب ـ انتهاؤه إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه». والمراد بالكلمة الكلام وأريد به ـ كما قال قتادة وغيره ـ القرآن، وإطلاقها عليه إما من باب المجاز المرسل أو الاستعارة وعلاقتها تأبى أن تطلق الكلمة على الجملة غير المفيدة وعلاقته لا لكن لم يوجد في كلامهم ذلك الإطلاق، واختير هذا التعبير لما فيه من اللطافة التي لا تخفى على من دقق النظر. وقال البعض لما أن الكلمة هي الأصل في الاتصاف بالصدق والعدل وبها تظهر الآثار من الحكم. وعن أبـي مسلم أن المراد بالكلمة دين الله تعالى كما في قوله سبحانه: { أية : وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا } تفسير : [التوبة: 40]. وقيل: المراد بها حجته عز وجل على خلقه والأول هو الظاهر. وقرأ بالتوحيد عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، وقرأ الباقون {كَلِمَـٰتُ رَبَّكَ}. {صِدْقاً وَعَدْلاً} مصدران نصبا على الحال من {رَبَّكَ} أو من {كَلِمَـٰتُ} كما ذهب إليه أبو علي الفارسي. وجوز أبو البقاء نصبهما على التمييز وعلى العلة؛ والصدق في الأخبار والمواعيد منها في المشهور والعدل في الأقضية والأحكام {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ } استئناف مبين لفضلها على غيرها إثر بيان فضلها في نفسها. وقال بعض المحققين: إنه سبحانه لما أخبر بتمام كلمته وكان التمام يعقبه النقص غالباً كما قيل: شعر : إذا تم أمر بدا نقصه توقع زوالاً إذا قيل تم تفسير : ذكر هذا احتراساً وبياناً لأن تمامها ليس كتمام غيرها. وجوز أن يكون حالاً من فاعل {تَمُتْ } على أن الظاهر مغن عن الضمير الرابط. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون حالاً من ربك لئلا يفصل بين الحال وصاحبها بأجنبـي وهو {صِدْقاً وَعَدْلاً } إلا أن يجعلا حالين منه أيضاً. والمعنى لا أحد يبدل شيئاً من كلماته بما هو أصدق وأعدل منه ولا بما هو مثله فكيف يتصور ابتغاء حكم غيره تعالى. والمراد بالأصدق الأبين والأظهر صدقاً فلا يرد أن الصدق لا يقبل الزيادة والنقص لأن النسبة إن طابقت الواقع فصدق وإلا فكذب. وذكر الكرماني في حديث « حديث : أصدق الحديث » تفسير : الخ أنه جعل الحديث كمتكلم فوصف به كما يقال زيد أصدق من غيره والمتكلم يقبل الزيادة والنقص في ذلك، وقيل: المعنى لا يقدر أحد أن يحرفها شائعاً كما فعل بالتوراة فيكون هذا ضماناً منه سبحانه بالحفظ كقوله جل وعلا: { أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } تفسير : [الحجر: 9] أو لا نبـي / ولا كتاب بعدها يبدلها وينسخ أحكامها. وعيسى عليه السلام يعمل بعد النزول بها لا ينسخ شيئاً كما حقق في محله. وقيل: المراد ان أحكام الله تعالى لا تقبل التبدل والزوال لأنها أزلية والأزلي لا يزول. وزعم الإمام «أن الآية على هذا أحد الأصول القوية في إثبات الجبر لأنه تعالى لما حكم على زيد بالسعادة وعلى عمرو بالشقاوة ثم قال: {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ } يلزم امتناع أن ينقلب السعيد شقيا والشقي سعيداً فالسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه» وأنا أقول لا يخفى أن الشقي في العلم لا يكون سعيداً والسعيد فيه لا يكون شقياً أصلاً لأن العلم لا يتعلق إلا بما المعلوم عليه في نفسه وحكمه سبحانه تابع لذلك العلم. وكذا إيجاده الأشياء على طبق ذلك العلم. ولا يتصور هناك جبر بوجه من الوجوه لأنه عز شأنه لم يفض على القوابل إلا ما طلبته منه جل وعلا بلسان استعدادها كما يشير إليه قوله سبحانه: { أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ } تفسير : [طه: 50] نعم يتصور الجبر لو طلبت القوابل شيئاً وأفاض عليها عز شأنه ضده والله سبحانه أجل وأعلى من ذلك. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل ما يتعلق به السمع {ٱلْعَلِيمُ } بكل ما يمكن أن يعلم فيدخل في ذلك أقوال المتحاكمين وأحوالهم الظاهرة والباطنة دخولاً أولياً.

ابن عاشور

تفسير : هذه الجملة معطوفة على جملة: { أية : أفغير الله أبْتغي حَكَما } تفسير : [الأنعام: 114] لأنّ تلك الجملة مَقولُ قول مقدّر، إذ التّقدير: قل أفغير الله أبتغي حكماً باعتبار ما في تلك الجملة من قوله: { أية : وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلاً } تفسير : [الأنعام: 114] فلمّا وصف الكتاب بأنّه منزّل من الله، ووصف بوضوح الدّلالة بقوله: { أية : وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلاً } تفسير : [الأنعام: 114] ثمّ بشهادة علماء أهل الكتاب بأنَّه من عند الله بقوله: { أية : والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنّه منزل من ربّك } تفسير : [الأنعام: 114]، أعلَم رسوله عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأنّ هذا الكتاب تامّ الدلالة، ناهض الحجّة، على كلّ فريق: من مؤمن وكافر، صادق وعدُه ووعيده، عادل أمره ونهيه. ويجوز أن تكون معطوفة على جملة: {وجعلنا لكلّ نبي عَدوّاً} وما بينهما اعتراض، كما سنبيّنه. والمراد بالتمام معنى مجازي: إمّا بمعنى بلوغ الشّيء إلى أحسن ما يبلغه ممّا يراد منه، فإنّ التّمام حقيقته كون الشّيء وافراً أجزاءه، والنقصان كونه فاقدا بعض أجزائه، فيستعار لوفرة الصّفات التي تراد من نوعه؛ وإمّا بمعنى التّحقّق فقد يطلق التّمام على حصول المنتظر وتحقّقه، يقال: تَم ما أخبر به فلان، ويقال: أتم وعده، أي حقّقه، ومنه قوله تعالى: { أية : وإذِ آبتلى إبراهيم رَبُّه بكلمات فأتَمَّهُن } تفسير : [البقرة: 124] أي عمل بهنّ دون تقصير ولا ترخّص، وقوله تعالى: { أية : وتمّت كلمة ربّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } تفسير : [الأعراف: 137] أي ظهر وعده لهم بقوله: { أية : ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض } تفسير : [القصص: 5] الآية، ومن هذا المعنى قوله تعالى: { أية : والله متمّ نوره } تفسير : [الصف: 8] أي محقّق دينه ومثبتُه، لأنَّه جعل الإتمام في مقابلة الإطفاء المستعمل في الإزالة مجازاً أيضاً. وقوله: {كلمات ربك} قرأه الجمهور ــــ بصيغة الجمع ــــ وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: كَلمة ــــ بالإفراد ــــ فقيل: المراد بالكلمات أو الكلمة القرآن، وهو قول جمهور المفسّرين، ونقل عن قتادة، وهو الأظهر، المناسب لجعْل الجملة معطوفة على جملة: { أية : والذين آتيناهم الكتاب } تفسير : [الأنعام: 114]. فأمّا على قراءة الإفراد فإطلاق الكلمة على القرآن باعتبار أنّه كتاب من عند الله، فهو من كلامه وقوله. والكلمة والكلام يترادفان، ويقول العربُ: كلمة زهير، يعنون قصيدته، وقد أطلق في القرآن (الكلمات) على الكتب السّماوية في قوله تعالى: { أية : فآمِنوا بالله ورسوله النّبي الأمّي الذي يؤمن بالله وكلماته } تفسير : [الأعراف: 158] أي كتبه. وأمّا على قراءة الكلمات بالجمع فإطلاقها على القرآن باعتبار ما يشتمل عليه من الجمل والآيات. أو باعتبار أنواع أغراضه من أمر، ونهي، وتبشير، وإنذار، ومواعظ، وإخبار، واحتجاج، وإرشاد، وغير ذلك. ومعنى تمامها أنّ كلّ غرض جاء في القرآن فقد جاء وافياً بما يتطلّبه القاصد منه. واستبعد ابن عطيّة أن يكون المراد من {كلمات ربك} ــــ بالجمع أو الإفراد ــــ القرآن، واستظهر أنّ المراد منها: قول الله، أي نفذ قوله وحكمه. وقريب منه ما أُثر عن ابن عبّاس أنّه قال: كلمات الله وَعده. وقيل: كلمات الله: أمره ونهيه، ووعده، ووعيده، وفسّر به في «الكشاف»، وهو قريب من كلام ابن عطيّة، لكنّ السّياق يشهد بأنّ تفسير الكلمات بالقرآن أظهر. وانتصب {صدقاً وعدلاً} على الحال، عند أبي عليّ الفارسي، بتأويل المصدر باسم الفاعل، أي صادقة وعادلة، فهو حال من {كلمات} وهو المناسب لكون التّمام بمعنى التّحقّق، وجعلهما الطّبري منصوبين على التّمييز، أي تمييز النّسبة، أي تمّت من جهة الصّدق والعدل، فكأنّه قال: تَمّ صدقُها وعدلها، وهو المناسب لكون التمام بمعنى بلوغ الشّيء أحسنَ ما يطلب من نوعه. وقال ابن عطيّة: هذا غير صواب. وقلت: لا وجه لعدم تصويبه. والصّدق: المطابقة للواقع في الإخبار: وتحقيق الخبر في الوعد والوعيد، والنّفوذ في الأمر والنّهي، فيشمل الصّدقُ كلّ ما في كلمات الله من نوع الإخبار عن شؤون الله وشؤون الخلائق. ويطلق الصّدق مجازاً على كون الشّيء كاملاً في خصائص نوعه. والعدل: إعطاء من يستحقّ ما يستحقّ، ودفع الاعتداء والظلممِ على المظلوم، وتدبير أمور النّاس بما فيه صلاحهم. وتقدم بيانه عند قوله تعالى: { أية : وإذا حكمتم بين النّاس أن تحكموا بالعدل } تفسير : في سورة النّساء (58). فيشمل العدل كلّ ما في كلمات الله: من تدبير شؤون الخلائق في الدّنيا والآخرة. فعلى التّفسير الأوّل للكلمات أو الكلمة، يكون المعنى: أن القرآن بلغ أقصى ما تبلغه الكتب: في وضوح الدّلالة، وبلاغة العبارة، وأنّه الصّادق في أخباره، العادل في أحكامه، لا يُعثر في أخباره على ما يخالف الواقع، ولا في أحكامه على ما يخالف الحقّ؛ فذلك ضرب من التحدّي والاحتجاج على أحقّيّة القرآن. وعلى التّفسيرين الثّاني والثّالث، يكون المعنى: نفذ ما قاله الله، وما وَعَدَ وأوْعَد، وما أمر ونهى، صادقاً ذلك كلُّه، أي غير متخلّف، وعادلاً، أي غير جائر. وهذا تهديد للمشركين بأنْ سيحقُّ عليهم الوعيد، الّذي توعّدهم به، فيكون كقوله تعالى: { أية : وتمَّت كلمة ربّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } تفسير : [الأعراف: 137] أي تَمّ ما وعدهم به من امتلاك مشارق الأرض ومغاربها الّتي بارك فيها، وقوله: { أية : وكذلك حقّت كلمات ربّك على الذين كفروا أنّهم أصحاب النّار } تفسير : [غافر: 6] أي حقّت كلمات وعيده. ومعنى: {لا مبدل لكلماته} نفي جنس من يبدل كلمات الله، أي من يبطل ما أراده في كلماته. والتّبديل تقدّم عند قوله تعالى: { أية : قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } تفسير : من سورة البقرة (61)، وتقدّم هناك بيان أنّه لا يوجد له فعل مجرّد، وأنّ أصل مادّته هو التّبديل. والتّبديل حقيقته جعل شيء مكان شيء آخر، فيكون في الذّوات كما قال تعالى: { أية : يوم تُبدّل الأرض غير الأرض } تفسير : [إبراهيم: 48] وقال النّابغة: شعر : عهدتُ بها حيّاً كراماً فبُدّلت خنَاظِيل آجَالِ النِّعَاج الجَوافل تفسير : ويكون في الصّفات كقوله تعالى: { أية : وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمنا } تفسير : [النور: 55]. ويستعمل مجازاً في إبطال الشّيء ونقضه، قال تعالى: { أية : يريدون أن يبدّلوا كلام الله } تفسير : [الفتح: 15] أي يخالفوه وينقضوا ما اقتضاه، وهو قوله: { أية : قُل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل } تفسير : [الفتح: 15]. وذلك أنّ النقض يستلزم الإتيان بشيء ضدّ الشّيء المنقوض. فكان ذلك اللّزوم هو علاقة المجاز. وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : فمن بدّله بعد ما سمعه } تفسير : في سورة البقرة (181). وقد استعمل في قوله: {لا مبدل لكلماته} مجازا في معنى المعارضة أو النقض على الاحتمالين في معنى التّمام من قوله: {وتمت كلمات ربك} ونفي المبَدّل كناية عن نفي التَبْديل. فإن كان المراد بالكلمات القرآن، كما تقدّم، فمعنى انتفاء المبدّل لكلماته: انتفاء الإتيان بما ينقضه ويبطله أو يعارضه، بأن يُظهر أنّ فيه ما ليس بتمام. فإن جاء أحد بما ينقضه كذباً وزوراً فليس ذلك بنقض. وإنَّما هو مكابرة في صورة النقض، بالنّسبة إلى ألفاظ القرآن ونظمه، وانتفاءُ ما يبطل معانيَه وحقائقَ حكمته، وانتفاء تغيير ما شرعه وحكَم به. وهذا الانتفاء الأخير كناية عن النّهي عن أن يخالفهُ المسلمون. وبذلك يكون التّبديل مستعملاً في حقيقته ومجازه وكنايته. ويجوز أن تكون جملة: {وتمت كلمات ربك} عطفاً على جملة: { أية : جعلنا لكلّ نبي عدوّا } تفسير : [الأنعام: 112] وما بينهما اعتراضاً، فالكلمات مراد بها ما سنّه الله وقدّره: من جعل أعداءَ لكلّ نبي يزخرفون القول في التّضليل، لتصغى إليهم قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويتبّعوهم، ويقترفوا السيئات، وأنّ المراد بالتّمام التّحقّق، ويكون قوله: {لا مبدل لكلماته} نفي أن يقدر أحد أن يغيّر سنّة الله وما قضاه وقدّره، كقوله: { أية : فلن تجد لِسُنَّتِ الله تبديلاً ولن تجد لِسُنَّتِ الله تحويلاً } تفسير : [فاطر: 43] فتكون هذه الآية في معنى قوله: { أية : ولقد كُذّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذّبوا وأوذوا حتّى أتاهم نصرنا ولا مبدّل لكلمات الله } تفسير : [الأنعام: 34]. ففيها تأنيس للرسول صلى الله عليه وسلم وتطمين له وللمؤمنين بحلول النّصر الموعود به في إبَّانه. وقوله: {وهو السميع العليم} تذييل لجملة: {وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته} أي: وهو المطّلع على الأقوال، العليم بما في الضّمائر، وهذا تعريض بالوعيد لمن يسعى لتبديل كلماته، فالسّميع العالم بأصوات المخلوقات، الّتي منها ما توحي به شياطين الإنس والجنّ، بعضهم إلى بعض، فلا يفوته منها شيء؛ والعالم أيضاً بمن يريد أن يبدّل كلمات الله، على المعاني المتقدّمة، فلا يخفى عليه ما يخوضون فيه: من تبييت الكيد والإبطال له. والعليم أعمّ، أي: العليم بأحوال الخلق، والعليم بمواقع كلماته، ومَحَالّ تمامها، والمنظم بحكمته لتمامها، والموقت لآجال وقوعها. فذكر هاتين الصّفتين هنا: وعيد لمن شملته آيات الذمّ السابقة، ووعد لمن أُمر بالإعراض عنهم وعن افترائهم، وبالتحاكم معهم إلى الله، والّذين يعلمون أنّ الله أنزل كتابه بالحقّ.

د. أسعد حومد

تفسير : {كَلِمَتُ} {لِكَلِمَاتِهِ} (115) - وَتَمَّتْ رَحْمَةُ رَبِّكَ فِيمَا وَعَدَكَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ، وَفِيمَا أَوْعَدَ بِهِ المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الهَلاَكِ وَالخِذْلاَنِ، كَمَا تَمَّتْ فِي الرُّسُلِ قَبْلَكَ وَفِي أَعْدَائِهِمْ. وَقَدْ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً لِحُصُولِهَا عَلَى الوَجْهِ الذِي أَخْبَرَ بِهِ، وَعَدْلاً بِجَزَاءِ كُلٍّ من المُؤْمِنينَ وَالكَافِرِينَ بِمَا يَسْتَحِقُّونَ، وَقَدْ يُزَادُ المُؤْمِنُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرَحْمَةً، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُبَدِّلَ مَا قَضَى اللهُ بِهِ، وَلاَ أَنْ يَرُدَّ مَا حَكَمَ بِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ لِمَا يَقُولُهُ هؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ المُخَادِعُونَ مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالجِنِّ، وَهُوَ العَليمُ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ المَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ، وَبِمَا يَقْتَرِفُونَهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ. كَلِمَةُ رَبِّكَ - كَلاَمُهُ وَهُوَ القُرْآنُ العَظِيمُ. صِدْقاً وَعَدْلاً - فِي مَوَاعِيدِهِ وَأَحْكَامِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة "تمت" تدل على أن المسألة لها بداية ولها خاتمة، فما المراد بالكلمة التي تمت؟. أهي كلمة الله العليا بنصر الإسلام وانتهاء الأمر إليه؟ أو هو تمام أمر الرسالة حيث قال الحق: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً..} تفسير : [المائدة: 3] أو "كلمة ربك" المقصود بها قرآنه؟. ونرى أن معنى "تمت" استوعبت كل أقضية الحياة إلى أن تقوم الساعة، فليس لأحد أن يستدرك على ما جاء في كتاب الله حكماً من الأحكام؛ لأن الأحكام غطت كل الأقضية. ولفظ "كلمة" مفردة لكنها تعطي معنى الجمع. وأنت تسمع في الحياة اليومية من يقول: وألقى فلان كلمة طيبة قوبلت بالاستحسان والتصفيق. هو قال كلمات لكن التعبير عنها جاء بـ"كلمة" إذن {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} المقصود بها المنهج الذي يشمل كل الحياة، واقرأ قوله الحق: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ..} تفسير : [الكهف: 5] أهي كلمة أو كلمات؟ أنها كلمة ولكن فيها كلمات. إذن لفظ "كلمة" تطلق ويراد بها اللفظ المفرد، وتطلق ويراد بها الكلام. والكلمة في الأصل لفظ مفرد، أي لا يكون معها لفظ آخر، ولكنها تدل على معنى، فإذا كان المعنى غير مستقل بالفهم؛ ويحتاج إلى ضميمة شيء إليه لنفهمه فهذا حرف، وأنت تقول: "في" وهو لفظ يدل على الظرفية، إلا أنه غير مستقل بالفهم؛ لأن الظرف يقتضي مظروفاً ومظروفاً فيه، فتقول: "الماء في الكوب" لتؤدي المعنى المستقل بالفهم. وكذلك ساعة تسمع كلمة "من" تفهم أن هناك ابتداء، وساعة تسمع كلمة "إلى" تعلم أن هناك انتهاء. وإن كان يدل على معنى في نفسه وهو غير مرتبط بزمن فهو الاسم. وإن كان الزمن جزءاً منه فهو "الفعل". أما "الكلام" فهو الألفاظ المفيدة. وحين تسمع "سماء" تفهم المعنى، وكذلك حين تسمع كلمة "أرض" وهو معنى مستقل بالفهم. وحين تسمع كلمة "كتب" فهي تدل على معنى مستقل بالفهم، والزمن جزء من الفعل، فكتب تدل على الزمن الماضي و"يكتب" تدل على الحاضر و"سيكتب" تدل على الكتابة في المستقبل. إذن فـ "الكلمة" لفظ يدل على معنى فإن كان غير مستقل بالفهم فهو حرف. و"الكلمة" قد يقصد بها الكلام. وقوله الحق: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} تعني الكثير. فإن أردت بها القرآن فالمقصود هو كلمة الله. وكلام الله نسميه "كلمة" لأن مدلوله كلمة واحدة. انتهت وليس فيها تضارب، هذا إن أردنا بها القرآن، ولتفهم أن القرآن قد استوعب كل شيء، وكل قضية في الوجود وأيضاً لم ينس أو بدّل فيه حرف؛ بل بقى وسيبقى كما أنزل؛ لأن الآفة في الكتب التي نزلت أنهم كتموا بعضها ونسوا بعضها، وحرفوا بعضها، وكان حفظها موكولاً إلى المكلفين، ومن طبيعة الأمر التكليفي أنه يطاع مرة، ويعصى مرة أخرى. وإن أطاعوا حافظوا على الكتب، وإن عصوا حرفوها بدليل قوله تعالى الحق: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ..} تفسير : [المائدة: 44] و"استحفظوا": أي طلب منهم أن يحافظوا عليه، وهذا أمر تكليفي عرضة أن يطاع، وعرضة أن يعصى، لكن الأمر اختلف بالنسبة للقرآن فقد قال الحق: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] فسبحانه هو من يحافظ على القرآن، وليس ذلك للبشر لأن القرآن معجزة، والمعجزة لا يكون للمكلَّف عمل فيها أبداً. إذن فقوله الحق: {وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} المقصود بها أن تَطْمَئِن على أن القرآن الذي بين يديك إلى أن تقوم الساعة هو هو لن تتغير فيه كلمة، بدليل أنك تتعجب في بعض نصوص القرآن، فتجد نصًا مساويا لنص، ثم يختلف السياق، فيقول الحق: {أية : كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} تفسير : [المدثر: 54-55] ومرة أخرى يقول سبحانه: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} تفسير : [عبس: 11-12] ومرة أخرى يقول:{أية : إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} تفسير : [الإنسان: 29] فهذا لون ونوع من المتشابه من الآيات ليقول لنا الحق:{أية : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ} تفسير : [القيامة: 18] والحق يقول:{أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1-9] وفي آية أخرى يقول: {أية : وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} تفسير : [المعارج: 34] وكل ذلك يدلك على أن كل كلمة وصلتك كما أنزلت، وبذلك تكون كلمة ربك قد تمت. أو قول الله: {وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} ليدل على أن كلمة الله هي العليا، ولذلك تلاحظ أن "كلمة الله هي العليا" لم يجعلها الحق جعلاً، وإنما جاءت ثبوتاً، وسبحانه القائل: {أية : وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَى..} تفسير : [التوبة: 40] هذا السياق الإعرابي حصل فيه كسر مقصود، والسياق في غير القرآن أن يقول: وجعل كلمة الله هي العليا، ولكنه سبحانه يقول: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} وسبحانه أراد بذلك أن نفهم أن كلمة الله هي العليا دائماَ وليست جعلاً. وهذا دليل على أن كلمته قد تمت. ونلحظ أن قول الحق: {وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} تأتي بعد {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً}، واستقرىء موكب الرسالات من لدن آدم، وانظر إلى حكم الله بين المبطلين والمحقين، وبين المهتدين والضالين: إنه الحق القائل: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} تفسير : [العنكبوت: 40] والحاصب هو الريح التي تهب محملة بالحصى وكانت عقوبة لقوم عاد. {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} تفسير : [العنكبوت: 40] وهم قوم ثمود، يسميها مرة الصيحة، وأخرى يسميها الطاغية: {أية : فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 5] ومرة يخسف بهم الأرض مثلما فعل مع قارون: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} وكذلك: {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا}. وقد أغرق الله قوم فرعون وكذلك أغرق - من قبلهم - المكذبين لنوح. إذن كل قوم أخذوا حكم الله عليهم، لكنك يا محمد مختلف عنهم وكذلك أمة محمد التي أصبحت مأمونة على الوصية، وعلى المنهج، ولذلك قال الحق: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] وبعد أن بعث الحق رسوله صلى الله عليه وسلم قال: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفال: 33] إذن {تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ}، وهي الفصل النهائي: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173] وأنتم المنصورون لأنكم منسوبون إلى منهج غالب، والنصر للمنهج الغالب يقتضي الإخلاص، فإن تنصروا المنهج باتباعه ينصركم من أنزل المنهج، فهو القائل: {أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي..} تفسير : [المجادلة: 21] وما قاله كان هو الواقع وما جاء به الواقع كان مطابقاً للكلام. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً..} [الأنعام: 115] أي وافق الواقع الكوني ما قال الله به, وكيف كان الواقع صادقاً وعادلاً في آن واحد؟ لنفرض أنك أحضرت مدرساً خصوصيًّا لولدك، وصادف أنه هو الذي يدرس في المدرسة وهو الذي يدرس لابنك ثم قلت له: أريد أن ينجح الولد في الامتحان. ووعد المدرس بذلك ثم جاء الامتحان ونجح الولد، فتكون كلمة المدرس قد صدقت. لكن هل هذا عدل؟ قد يكون المدرس هو واضع الأسئلة ولّمح للولد بالأسئلة، ويكون النجاح حينئذٍ غير عادل، لكن كلمة الله تجيء مطابقة لما قال، موقعها مطابق لما قال، وهي كذلك عدل؛ لأنه سبحانه أوضح الثواب والعقاب: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً}. لأنه لا مبدل لكلمات الله، ولا يوجد إله آخر يعارضه فله سبحانه طلاقة القدرة. أما بالنسبة للبشر فقد علَّم الله عباده احتياط الصدق في كلامهم؛ فأوصاهم: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ..} تفسير : [الكهف: 23-24] لأن فعل ذلك غداً والإتيان به وإحداثه هو أمر يتعلق بالمستقبل الذي لا نتحكم فيه، فاحم نفسك وقل: "إن شاء الله"، فإن لم يحدث يمكنك أن تقول: لم يشأ ربنا حدوث ما وعدت به، وبذلك يحمي الإنسان نفسه من أن يكون كاذباًَ ويجعل نفسه صادقاً فلا يتكلم إلاَّ على وفق ما عنده من قوانين الفعل وعدم الفعل؛ لأنه عندما تقول: "أفعل ذلك غداً". ماذا ستفعل غداً وأنت لا تضمن نفسك وحياتك وظروفك؟! لكن الله إذا قال: "سأفعل" فله طلاقة القدرة. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [الأنعام: 115] ومادامت الكلمات ستتحقق والحكم سيصدر فهذا دليل على أنه سبحانه سميع لما قالوه في عدواتهم، وعليهم بما دبروه من مكائدهم، وهو القائل من قبل: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ..} تفسير : [الأنعام: 121] أي ليعلموهم بخفاء، فإن كان كلامهم ظاهراً فهو مسموع، وإن كان بخفاء فهو معلوم. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر المولى تأكيداً لهذا المعنى بقوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} [الأنعام: 115]، إلى قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119]؛ الإشارة فيها: إنه تعالى متكلم بكلام واحد من الأزل إلى الأبد، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً}؛ يعني: بأمره ونهيه وحكمه وقضائه وقدره وإيجاده، وهي كلمة كن لِّما أراد أن يكون موجوداً فكان كما أراد، وأن يكون معدوماً فكان كما أراد؛ أي: طوعاً ورغبة في الكينونة كما أراد، كقوله تعالى: {أية : ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11]، {وَعَدْلاً}؛ أي: عدل فيما قدر ودبر وقضي وحكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، فإنه أحسن كل شيء خلق، فكما أحسن خلق الحسن كذلك أحسن خلق القبيح؛ لأن القبيح في مقامه حسن كالحسن في مقامه، فإن قيل: هو قادر على أن يخلق أحسن مما خلق حسناً أو يخلق أقبح مما خلق قبيحاً، وإن يخلق خيراً مما خلقه خيراً وشراً مما خلقه شراً، قلنا: نعم، وهو كذلك إلى الأبد، وذلك إن أحسن كل شيء خلقه الله تعالى هو الإنسان؛ لقوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4]، وكذلك خير شيء خلقه الله هو الإنسان عند كماله {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} تفسير : [البينة: 7]، ثم أقبح ما خلقه الله تعالى وسيره أيضاً هو الإنسان عند فساد الاستعداد الفطري وكمال نقصانه؛ لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} تفسير : [التين: 5]، وقوله تعالى: {أية : أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ}تفسير : [البينة: 6]. فاعلم أن لأهل الكمال ترقياً في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان ترقياً في كمال القبح إلى الأبد، فالله تعالى {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}تفسير : [الرحمن: 29] يخلق أحسن مما خلق حسناً، ويخلق أقبح مما خلق قبيحاً إظهار القدرة الكاملة الغير المتناهية، {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام: 115]؛ أي: فيما قدَّر وقضى وحكم بإرادته القديمة وحكمته البالغة من أصناف المخلوقات وأنواع المخترعات، فليس شيء منها يدعو إلى التبديل من نقصان في خلقه؛ لأنه خلق تاماً كاملاً في رتبته، والزيادة على الكمال نقصان، {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} [الأنعام: 115]؛ لحاجة كل ذي حاجة يسمع استدعائهم لوجود الكمال قبل وجودهم، {ٱلْعَلِيمُ} [الأنعام: 115] بإيجاد وجود الكمال المستدعي كما يجب. وفي قوله تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الأنعام: 116] إشارة إلى: إن في أمته من أن تطعه يردك إلى سبيل الله، كقوله تعالى: {أية : وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ}تفسير : [النور: 54]، وذلك؛ لأن أكثر من في الأرض هم متَّبعوا أهوائهم، فمن يطيع أهل الأهواء اتبعهم، وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [ص: 26]، فمن يتبع أهل الأهواء كأنه اتبع الهوى فيضله عن سبيل الله. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} [الأنعام: 116]؛ يعني: أهل الأهواء بنوا أمر دينهم على الظنون الكاذبة، {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116]، يكذبون في دعوى طلب الدين الحق، فإن سبيل الحق لا يسلك بالظن وإنما يسلك بالصدق والهدى.