٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
116
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات الكفار ثم بين بالدليل صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بين أن بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي أن يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال، ولا ينبغي أن يتشوش بسبب كلماتهم الفاسدة فقال: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } وهذا يدل على أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالاً، لأن الإضلال لا بد وأن يكون مسبوقاً بالضلال. واعلم أن حصول هذا الضلال والإضلال لا يخرج عن أحد أمور ثلاثة: أولها: المباحث المتعلقة بالإلهيات فإن الحق فيها واحد، وأما الباطل ففيه كثرة، ومنها القول بالشرك إما كما تقوله الزنادقة وهو الذى أخبر الله عنه في قوله: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ }تفسير : [الأنعام: 100] وإما كما يقوله عبدة الكواكب. وإما كما يقوله عبدة الأصنام، وثانيها: المباحث المتعلقة بالنبوات. إما كما يقوله من ينكر النبوة مطلقاً أو كما يقوله من ينكر النشر. أو كما يقوله من ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ويدخل في هذا الباب المباحث المتعلقة بالمعاد. وثالثها: المباحث المتعلقة بالأحكام، وهي كثيرة، فإن الكفار كانوا يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة، فقال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ } فيما يعتقدونه من الحكم على الباطل بأنه حق، وعلى الحق بأنه باطل يضلوك عن سبيل الله، أي عن الطريق والمنهج الصدق. ثم قال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد أن هؤلاء الكفار الذين ينازعونك في دينك ومذهبك غير قاطعين بصحة مذاهبهم، بل لا يتبعون إلا الظن وهم خراصون كذابون في ادعاء القطع وكثير من المفسرين يقولون: المراد من ذلك الظن رجوعهم في إثبات مذاهبهم إلى تقليد أسلافهم لا إلى تعليل أصلاً. المسألة الثانية: تمسك نفاة القياس بهذه الآية. فقالوا رأينا أن الله تعالى بالغ في ذم الكفار في كثير من آيات القرآن بسبب كونهم متبعين للظن، والشيء الذي يجعله الله تعالى موجباً لذم الكفار لا بد وأن يكون في أقصى مراتب الذم، والعمل بالقياس يوجب اتباع الظن، فوجب كونه مذموماً محرماً، لا يقال لما ورد الدليل القاطع بكونه حجة كان العمل به عملاً بدليل مقطوع لا بدليل مظنون لأنا نقول هذا مدفوع من وجوه: الأول: أن ذلك الدليل القاطع إما أن يكون عقلياً، وإما أن يكون سمعياً، والأول باطل لأن العقل لا مجال له في أن العمل بالقياس جائز أو غير جائز، لا سيما عند من ينكر تحسين العقل وتقبيحه. والثاني: أيضاً باطل لأن الدليل السمعي إنما يكون قاطعاً لو كان متواتراً وكانت ألفاظه غير محتملة لوجه آخر سوى هذا المعنى الواحد، ولو حصل مثل هذا الدليل لعلم الناس بالضرورة كون القياس حجة، ولارتفع الخلاف فيه بين الأمة، فحيث لم يوجد ذلك علمنا أن الدليل القاطع على صحة القياس مفقود. الثاني: هب أنه وجد الدليل القاطع على أن القياس حجة، إلا أن مع ذلك لا يتم العمل بالقياس إلا مع اتباع الظن وبيانه أن التمسك بالقياس مبني على مقامين: الأول: أن الحكم في محل الوفاق معلل بكذا. والثاني: أن ذلك المعنى حاصل في محل الخلاف، فهذان المقامان إن كانا معلومين على سبيل القطع واليقين فهذا ما لا خلاف فيه بين العقلاء في صحته وإن كان مجموعهما أو كان أحدهما ظنياً فحينئذ لا يتم العمل بهذا القياس إلا بمتابعة الظن، وحينئذ يندرج تحت النص الدال على أن متابعة الظنم مذمومة. والجواب: لم لا يجوز أن يقال: الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح إذا لم يستند إلى أمارة وهو مثل اعتقاد الكفار أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى أمارة، فهذا الاعتقاد لا يسمى ظناً. وبهذا الطريق سقط هذا الاستدلال. ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسيره قولان: الأول: أن يكون المراد أنك بعد ما عرفت أن الحق ما هو، وأن الباطل ما هو، فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم، لأنه تعالى عالم بأن المهتدي من هو؟ والضال من هو؟ فيجازي كل واحد بما يليق بعمله. والثاني: أن يكون المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون، والله تعالى عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم، ومطلع على كونهم متحيرين في سبيل الضلال تائهين في أودية الجهل. المسألة الثانية: قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ } فيه قولان: الأول: قال بعضهم {أَعْلَمُ } ههنا بمعنى يعلم والتقدير: إن ربك يعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين. فإن قيل: فهذا يوجب وقوع التفاوت في علم الله تعالى وهو محال. قلنا: لا شك أن حصول التفاوت في علم الله تعالى محال. إلا أن المقصود من هذا اللفظ أن العناية بإظهار هداية المهتدين فوق العناية بإظهار ضلال الضالين، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } تفسير : [الإسراء: 7] فذكر الإحسان مرتين والإساءة مرة واحدة. والثاني: أن موضع {مِنْ } رفع بالابتداء ولفظها لفظ الاستفهام، والمعنى إن ربك هو أعلم أي الناس يضل عن سبيله، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : لنعلم أي الحزبين أحصى} تفسير : [الكهف: 12] وهذا قول: المبرد والزجاج والكسائي والفراء.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ} أي الكفار. {يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي عن الطريق التي تؤدّي إلى ثواب الله. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} «إِنْ» بمعنى ما، وكذلك {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي يَحْدِسُون ويقدرون؛ ومنه الخَرْص، وأصله القطع. قال الشاعر:شعر : ترى قِصَد المُرّان فينا كأنّه تَذَرُّعُ خِرصان بأيْدِي الشّواطِبِ تفسير : يعني جريداً يُقطع طولاً ويتخذ منه الخَصْر. وهو جمع الخرص؛ ومنه خَرَص يَخْرُص النخل خَرْصاً إذا حزره ليأخذ الخَرَاج منه. فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع به؛ إذ لا يقين معه. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الذاريات» إن شاء الله تعالى. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ} قال بعض الناس: إن «اعلم» هنا بمعنى يعلم؛ وأنشد قول حاتم الطائيّ:شعر : تحالفَتْ طيءٌ من دوننا حَلِفاً والله أعلم ما كنا لهم خُذُلاَ تفسير : وقول الخنساء:شعر : الله أعلم أن جفنته تغدو غداة الريح أو تسرى تفسير : وهذا لا حجة فيه؛ لأنه لا يطابق {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}. ولأنه يحتمل أن يكون على أصله. {مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ} «من» بمعنى أيّ؛ فهو في محل رفع والرافع له «يضل». وقيل: في محل نصب بأعلم، أي إن ربّك أعلم أيّ الناس يضل عن سبيله. وقيل: في محل نصب بنزع الخافض؛ أي بمن يضل. قاله بعض البصريين، وهو حَسَن؛ لقوله: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} وقوله في آخر النحل: {أية : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} تفسير : [النحل: 125]. وقرىء «يُضِلّ» وهذا على حذف المفعول، والأوّل أحسن؛ لأنه قال: «وهو أعلم بالمهتدين». فلو كان من الإضلال لقال وهو أعلم بالهادين.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم: أنه الضلال؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الصافات:71] وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103] وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة، وحسبان باطل، {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} فإن الخرص هو الحزر، ومنه خرص النخل، وهو حزر ما عليها من التمر، وذلك كله عن قدر الله ومشيئته {هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ} فييسره لذلك {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} فييسرهم لذلك، وكل ميسر لما خلق له.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ } أي الكفار {يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دينه {إن} ما {يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } في مجادلتهم لك في أمر الميتة إذ قالوا ما قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم {وَإنْ } ما {هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يكذبون في ذلك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإْثْمِ وَبَاطِنهُ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: سره وعلانيته، قاله مجاهد، وقتادة. والثاني: ظاهر الإثم: ما حرم من نكاح ذوات المحارم بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتكُمْ...} الآية. وباطنه الزِّنى، قاله سعيد بن جبير. والثالث: أن ظاهر الإثم أُوْلاَت الرايات من الزواني، والباطن ذوات الأخدان، لأنهن كُنَّ يستحللنه سراً، قاله السدي، والضحاك. والرابع: أن ظاهر الإثم العِرية التي كانو يعملون بها حين يطوفون بالبيت عراة، وباطنه الزِّنى، قاله ابن زيد. ويحتمل خامساً: أن ظاهر الإثم ما يفعله بالجوارح، وباطنه ما يعتقده بالقلب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ...} الآية: المعنَىٰ: فٱمْضِ، يا محمَّد لما أُمِرْتَ به، وبلِّغ ما أُرْسِلْتَ به، فإنك إنْ تطع أكثر من في الأرض يضلُّوك، قال ابنُ عباس: الأرض هنا: الدنيا، وحُكِي أنَّ سبب هذه الآية أنَّ المشركين جادلوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم في أمر الذبائحِ، وقالوا: أتأكُلُ ما تقتُلُ، وتترُكُ ما قَتَلَ اللَّه، فنزلَتِ الآية، ثم وصفهم تعالى بأنهم إنما يقتَدُون بطُنُونهم ويتَّبعون تخرُّصهم، والخَرْصُ: الحَرْز والظنُّ، وهذه الآية خبر في ضمْنه وعيدٌ للضالِّين، ووعدٌ للمهتدين، وقوله سبحانه: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِآيَـٰتِهِ مُؤْمِنِينَ...} الآية: القصْد بهذه الآية النهْيُ عما ذبح للنُّصُب وغيرها، وعن الميتة وأنواعها، ولا قصد في الآية إلى ما نَسِيَ المؤمن فيه التسميَة أو تعمَّدها بالترْكِ.
ابن عادل
تفسير : لمَّا أجاب عن شُبَه الكُفَّار، وبيَّن صحَّة نُبُوة مُحمَّد صلى الله عليه وسلم بالدليل، بيَّن بعد زوال الشُّبْهة، وظهور الحُجَّة، أنه لا يَنْبَغِي للعَاقِل أن يَلْتَفِت إلى كَلِمات الجُهَّال، وهذه الآية الكريمة تَدُلُّ على أنَّ أكْثَر أهْلِ الأرْض كانوا ضُلالاً. وقيل: إنَّهم جادَلُوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم والمُؤمنين في أكل المَيْتَة، فقالُوا: تأكلون ما تَقْتُلون، ولا تأكلون ما قَتَلَه اللَّه، فقال الله - تعالى -: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ} أي: أن تُطِعْهُم في أكل المَيْتَة، يُضِلُّوك عن سَبيل اللَّه، أي: عن الطَّرِيق الحقِّ، ثم قال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} يريد: أنَّ دينَهُم الذي هُم عليه ظَنٌّ، وهوى لم يأخُذُوه على بَصِيرة {وَإِنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ}: يكْذِبُون في ادِّعاء القَطْع. فصل في رد شبهة نفاة القياس تمسَّك نُفَاة القِيَاس بهذه الآية الكريمة؛ لأن اللَّه - تبارك وتعالى - بَالَغ في ذَمِّ الكُفَّار في كَثِير من آيَات القُرْآن العَظِيم بكونهم مُتَّبِعين للظَّن، والشِّيء الذَّي جعله اللَّه - تبارك وتعالى - موجباً للذَّمِّ، [لا بد وأن يكون في أقْصَى مَراتِب الذَّمِّ، والعمل بالقياس يُوجِب اتِّبَاع الظَّنِّ، فوجب كَوْنه مَذْمُوماً] محرماً لا يُقَال: لما ورد الدَّليل القَاطِع بكونه حُجَّة، كان العمل به عملاً بِدَلِيل مَقْطُوع, لا بِدَليل مَظْنُون؛ لأن هَذَا مَدْفُوع من وُجُوه: الأوَّل: أن ذلك الدَّلِيل القَاطِع: إمَّا أن يَكُون عَقْلِيّاً، أو سَمْعِياً، والأوّل بَاطِل؛ لأنَّ العَقْل لا مَجَال له في أنَّ العمل بالقِيَاس جَائِزٌ، أو غير جَائِز، ولا سيَّمَا عند مَن يُنْكِر تَحْسين العَقْل وتَقْبيحه. والثاني أيضاً بَاطِل؛ لأن الدَّلِيل السَّمْعِي إنَّما يكون قَاطِعاً لَوْ كان مُتَوَاتِراً، وكانت الدَّلالة قَاطِعَة غير مُحْتَمَلة لوجه آخَر سوى هذا المَعْنَى الوَاحِد، ولو حَصَل مِثُل هذا الدَّلِيل، لعلم النَّاس بالضَّرُورَة كون القِيَاس حُجَّة، ولارتفع الخلاف فيه، فَحَيْث لم يُوجَد ذلك، عَلِمْنا أن الدَّليل القَاطِع على صحَّة القياس مفقُود. الثاني: هب أنه وُجِد الدَّليلُ القاطع على أن القياس حُجَّة، إلاَّ أنَّ ذلك لا يتم العمل بالقياس إلاَّ مع اتِّباع الظَّنِّ؛ لأن التَّمسُّك بالقياس مَبْنِيٌّ على مَقَامَيْن. أحدهما: أن الحُكْم في محلِّ الوِفَاق معلِّلٌ بِكَذا. والثاني: أن ذلك المَعْنَى حاصل في محلِّ الخلاف، فهذان المقامان إن كانَا مَعْلُومَيْن على سَبيل القَطْع واليَقِين، فهذا ممَّا لا خِلاف في صِحَّته بين العُقلاء، وإن كان مَجْمُوعُهُمَا أو كان أحدهما ظَنِّيًّا؛ فحينئذٍ لا يتمُّ العمل بهذا القياسِ إلاَّ بِمُتَابَعة الظَّنِّ، وحينئذٍ يدخل تحت النَّصِّ الدَّال على أنَّ متابعة الظّنِّ مَذْمُومة. والجواب: لم لا يجوز أن يُقال: إن الظَّنِّ عبارة عن الاعْتِقَاد الرَّاجِح إذا لم يُسْنَد إلى أمَارة، [وهو مثل اعتقاد الكُفَّار أمَّا إذا كان الاعْتِقَاد الرَّاجِحُ مستنداً إلى أمارة] فهذا الاعتِقَاد لا يُسَمَّى ظنَّا، وبهذا الطَّريق سَقَط الاسْتِدلال.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ} [الآية: 116]. قيل: من نظر إلى سوى الخلق خاب وضل.
القشيري
تفسير : أهلُ الله قليلون عدداً وإن كانوا كثيرين وزناً وخَطَراً، وأمَّا الأعداء ففيهم كثرة. فإنْ لاحظْتَهُم - يا محمد - فَتَنُوكَ، وإنْ صاحبتهم منعوك عن الحق وقلبوكَ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان تطع اكثر من فى الارض} وذلك ان اهل مكة كانوا يستحلون اكل الميتة ويدعون المسلمين الى اكلها وكانوا يقولون انما ذلك ذبح الله فهو احل مما ذبحتم انتم بسكاكينكم فانزل الله تعالى هذه الآية والمعنى ان تطع الكفار يا محمد لانهم اكثر من فى الارض {يضلوك عن سبيل الله} اى دينه وشريعته كأنه قيل كيف يضلون فقيل {ان يتبعون} اى ما يتبعون فى امور دينهم ومجادلتهم لك فى امر الميتة {الا الظن} وهو ظنهم ان آباءهم كانوا على الحق فهم على آثارهم يهتدون فيضلون ضلالا مبينا ولا ريب ان الضال المتصدى للارشاد انما يرشد غيره الى مسلك نفسه فهم ضالون مضلون فان سبيل الحق لا يسلك بالظن والتقليد والهوى وانما يسلك بالصدق والتحقيق والهدى {وإن هم الا يخرصون} اى ما هم الا يكذبون على الله تعالى فى تحليل الميتة وغيره.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {من يضل} : موصولة، أو موصوفة في محل نصب بفعل دل عليه {أعلم}، أي: يعلم من يضل، فإن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به إجماعًا. أو مبتدأ، والخبر: {يضل} على أن {من} استفهامية، والجملة: معلق عنها الفعل المقدر، كقوله تعالى: {أية : لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى }تفسير : [الكهف:12]. يقول الحقّ جلّ جلاله: لرسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولمن كان على قدمه: {وإن تُطع أكثر من في الأرض}؛ من الكفار أو الجهال أو من اتبع هواه {يضلوك عن} طريق {الله}، الموصلة إلى معرفته، وحلول رضوانه، فإن الضال لا يأمر إلا بما هو فيه، مقالاً أو حالاً. والمراد بهم: من لا يقين عندهم، بل {إن يتبعون إلاَّ الظن}، وهو ما استحسنته عقولهم، إما تقليدًا، كظنهم أن آباءهم كانوا على الحق، أو ما ابتدعوه برأيهم الفاسد من العقائد الزائفة والآراء الفاسدة، {وإن هم إلا يخرصون} أي: يكذبون على الله فيما ينسبون إليه؛ كاتخاذ الولد، وجعل عبادة الأوثان وصُلة إلى الله، وتحليل الميتة وتحريم البحائر، أو يقدّرون في عقولهم أنهم على شيء، وكل ذلك عن تخمين وظن لا يقين فيه، ثم قال لنبيه: {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} أي: هو عالم بالفريقين، لا يخفى عليه أهل الحق من أهل الباطل. الإشارة: مخالطة العموم والركون إليهم والمعاملة معهم سموم قاتلة، قال بعض الصوفية: قلت لبعض الأبدال: كيف الطريق إلى التحقيق والوصول إلى الحق؟ قال: لا تنظر إلى الخلق، فإن النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بد لي، قال: لا تسمع كلامهم؛ فإن كلامهم قسوة، قلت: لا بُد لي، قال: فلا تعاملهم، فإن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة، قلت: أنا بين آظهرهم، لا بد لي من معاملتهم، قال: لا تسكن إليهم؛ فإن السكون إليهم هلكة، قلت: هذا لعله يكون، قال: يا هذا، تنظر إلى اللاعبين، وتسمع إلى كلام الجاهلين، وتعامل البطَّالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة المعاملة في قلبك مع الله عز وجل!! هيهات، هذا لا يكون أبدًا. هـ. وفي الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أخوَفُ ما أخافُ على أمَّتِي ضَعفُ اليَقِين "تفسير : . وإنما يكون برؤية أهل الغفلة ومخالطة أرباب البطالة والقسوة، وتربية اليقين وصحته إنما تُكتسب بصحبة أهل اليقين واستماع كلامهم، والتودد إليهم وخدمتهم. وفي بعض الأخبار: ( تعلموا اليقينَ بمجالسةِ أهل اليقين)، وفي رواية: "حديث : فَإنَّي أتعلَّمُه "تفسير : ، والحاصل: أن الخير كله في صحبة العارفين الراسخين في عين اليقين. أو حق اليقين، وما عداهم يجب اعتزالهم، كيفما كانوا، إلا بقصد الوعظ والتذكير، ثم يغيب عنهم، وإلى هذا أشار ابن الفارض رضي الله عنه بقوله: شعر : تَمَسّك بأذيالِ الهَوَى واخلعَ الحَيَا وخَلّ سَبِيلَ النَّاسِكينَ وإن جَلُّوا تفسير : وبالله التوفيق. وأصل تنوير القلب باليقين والمعرفة: هو أكل الحلال وتجنب الحرام، كما بيّنه الحق تعالى بقوله: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله لنبيه ولجميع المؤمنين انه من يطع أكثر من في الارض من الكفار ويتبع ما يريدونه يضلوه عن سبيل الله، لانه كان في ذلك الوقت أكثر أهل الارض كفارا. والطاعة هي امتثال الامر واجابة ما أريد منه اذا كان المريد فوقه، والفرق بينه وبين الاجابة أن الاجابة عامة في موافقة الارادة الواقعة موقع المسألة، ولا تكون اجابة الا بأن يفعل لموافقة الدعاء بالامر، ومن أجله لا يراعي فيها الرتبة. والفرق بين الاكثر والاعظم أن الاعظم قد يوصف به واحد، ولا يوصف بالاكثر واحد بحال، ولهذا يقال في الله تعالى انه عظيم وأعظم من كل شيء، ولا يقال أكثر وانما يقال أكبر بمعنى أعظم. وانما قال: ان تطعهم يضلوك، وان كانت البدأة بالاغواء منهم لامرين: احدهما - ان المطيع يبتدأ باستشعار الطاعة، فاذا كان من الداعي أمر بشيء من الاشياء كان اطاعة وصدق بأنه مطيع. والثاني - ان دعاءهم لا يوصف بأنه اضلال لمن دعوه الا بعد الاجابة فكأنه قال: ان تجبهم تستحق الصفة بأنهم قد أضلوك، ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار انهم لا يتبعون الا الظن الذي يخطيء ويصيب {وإن هم إلا يخرصون} ومعناه وما هم الا كاذبين. والخرص الكذب يقال: خرص يخرص خرصا وخروصا، وتخرص تخرصا واخترص اختراصا وأصله القطع قال الشاعر: شعر : ترى قصد المران تلقى كأنها تذرع خرصان بأيدي الشواطب تفسير : يعني جريدا يقطع طويلا ويتخذ منه الحصر، وهو جمع الخرص. ومنه خرص النخل يخرصه خرصا اذا جزره، والخريص الخليج ينقطع اليه الماء، والخريص حبة القرط اذا كانت منفردة، والخرص العود، لانقطاعه عن نظائره بطيب ريحه. وقيل معنى {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} يعني في أكل الميتة، لأنهم قالوا للمسلمين: أتاكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟! فهذا إِضلالهم. وقال بعضهم قوله {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} مثل قوله{أية : يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} تفسير : يعني المتعمدين المتردين. وفى الآية دلالة على بطلان قول أصحاب المعارف، وبطلان قولهم ان الله تعالى لا يتوعد من لا يعلم الحق، لان الله بين في هذه الآية أنهم يتبعون الظن ولا يعرفونه، وتوعدهم على ذلك. وذلك بخلاف مذهبهم.
الجنابذي
تفسير : {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} لانّ الاكثر منكوسوا الرّؤس منحرفون عن الولاية الّتى هى سبيل الله الى عالم السّفل الّذى هو عالم الشّياطين والارواح الخبيثة واطاعتهم تؤدّى الى الانحراف الى ما توجّهوا اليه، وهو تعريض بالامّة وانّما قال اكثر من فى الارض لانّ الانسان ثلاثة اصناف: صنف عرجوا من ارض الطّبع الى سماء الارواح، وشأنهم الطّاعة والانقياد لصاحب الرّسالة والولاية الكلّيّة لا الاستقلال والمطاعيّة، وصنف وقفوا فى ارض الطّبع لكن لهم التّهيؤ والاستعداد للعروج الى عالم الارواح فهم وان كانوا فى ارض الطّبع لكن موافقتهم لا تصير سبباً للضّلال عن التّوجّه الى عالم الارواح، وصنف واقفون فى ارض الطّبع منكوسون الى السّفل متوجّهون الى عالم الشّياطين وهم اكثر من فى الارض، وطاعتهم وموافقتهم توجب الانحراف عن الولاية {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} الظّنّ من صفات النّفس فانّ علومها وان كانت يقينيّة وادراكاتها غير ظنّيّة فهى ظنون وليست بعلومٍ لما مضى مراراً انّ العلم هو الّذى يكون وجهه الى العلوّ ويكون فى الاشتداد وعلم النّفس الغير المطيعة يكون وجهه الى السّفل ويكون فى التّنزّل، فالمعنى ما يتّبعون الاّ الادراكات النّفسانيّة الّتى هى مبادى الآراء الرّديّة والاهواء الخبيثه، وايضاً لمّا كان علوم النّفوس مغايرة لمعولماتها وجائزة الانفكاك عنها كان حكمها حكم الظّنون فى مغايرتها لمظنوناتها وجواز انفكاكها عنها {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} الخرص التّقدير والكذب والظّنّ وهو المراد هنا يعنى لا يتّبعون الاّ الظّنّ وليس لهم علم اصلاً حتّى يتصوّر منهم امكان متابعة العلم، لانّهم فى مرتبة النّفس المنكوسة لا يتجاوزون عنها فلا يكون لهم علم.
اطفيش
تفسير : {وإنْ تُطعِ أكْثر مَنْ فى الأرْضِ يَضلُّوك عَنْ سَبيلِ اللهِ} أكثر أهل الأرض فى الدنيا جميعا حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركون ضالون، والمشرك والضال لا يدعو إلى رشاد فى الدين، بل يضلون من أطاعهم فى أمر الأصنام والبعث ونحو ذلك من الأصول والفروع، كما وجد قريشاً يعبدون الأصنام، وينكرون البعث، ويحرمون السائبة والوصيلة والحامى والبحيرة، ويحلون الميتة، ويقولون: لم حرَّمت ما قتل الله وحللت ما قتلت؟ ويقولون: الملائكة بنات الله، ووجد أهل الكتاب يقولون: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، ويصوبون من كفر من آبائهم، ويرضون فعله، فلا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أطاعهم فى اعتقاد أو عمل لأضلوه، وإن لم يتحرز منهم خاف أن يوقعوه فى ضلال، وسواء فى الوجهين أن يضلوه بما دانوا به من ضلال، أو بما جهلوا، أو بما تبعوا فيه هواهم {إنْ يتَّبعُون إلاَّ الظنَّ} هو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق، فهو تمسك بتقليد، ويجوز أن يراد بالظن الديانة الفاسدة التى اعتقدوها صواباً لجهلهم، قيل نزلت: {وإن تطع أكثر} الآيات إلى {المشركين} فى جملة الأنعام جواباً لقولهم تأكل يا محمد بسكينك، وتترك ما قتل الله وأنت تعبده. {وإنْ هُم} ما هم {إلاَّ يخْرصُونَ} يحزرون أنهم على الحق كما يحزر التمر على النخل، فقد يكون كما حزر أو أقل أو أكثر، فكل ما يقولون إنما هو تحزير وتقدير، فتمسك بما أنت عليه ولا تتبعهم، وقيل: المعنى ما هم إلا يكذبون على الله فيما ينسبون إليه من ولد وتحليل وتحريم، ولم يكن كذلك.
اطفيش
تفسير : {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فى الأَرْضِ} فى مشارق الأَرض ومغاربها وفى مكة، والمراد: أَيهم أَطعت كائنا من كان فى شئ ما من أَمر الدين، والمراد بالأَكثر المشركون، وبمن العموم {يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيل اللهِ} لجهلهم وكفرهم واتباعهم الهوى غير كتابيين أو كتابيين لإِعراضهم عن الحق الذى فى كتبهم حبا للدنيا، والضال لا يؤمر فى الغالب إِلا بما اعتاد من ضلال، والمراد الإِضلال بالشرك وما دونه من المعاصى ولو صغائر فإِنها أَيضا من دين الشيطان فلا تهم كما وهم بعض ولو غفرها الله لمجتنب الكبائر إِذ لم يصر، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم شاملا لأُمته، كقوله تعالى "أية : يا أَيها النبى إِذا طلقتم"تفسير : [الطلاق: 1] فشمل الضلال اعتقاد خلق الفاعل من المخلوقات لفعله، واعتقاد الرؤية ولو بلا كيف لأَن مدرك الشئ قد تصوره فقد وقع فى المحذور مدعيه، وإِذا كان اللفظ عاما شاملا لأَهل مكة أَولا وبالذات فما وجه تخصيص الآية بمكة وأَهلها، والآية تحذير له صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عن متابعة غير ما أَنزل الله وعن الركون إِلى من يتبع غيره، وإِرشاد إِلى التمسك بالقرآن وإِظهار لكمال مباينته لأَقوال المشركين واعتقادهم وأَحوالهم {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} ظنهم أَن آباءَهم على الحق فى تحليل الميتة وعبادة الأَصنام ونحوها، وتحريم البحيرة ونحوها، وظنهم أَن آراءَهم الفاسدة فى أَمر الدين صلاح ونحو ذلك مما هو فعل أَو اعتقاد كاتخاذ الولد، تعالى الله، وغير ذلك مما يتعلق بالأُلوهية {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يحزرون فى أَمر ديانتهم كخرص النخل فهم يقدرون أَنهم على الحق ظنا وتخمينا غير مطابق للحق، أَو يخرصون يكذبون سمى الكذب خرصا لما يدخل الكذب من التحرير والتقدير، وذلك أَنهم يكذبون، على الله فى عبادة غيره وتحريم البحيرة ونحو ذلك، وحل الميتة حديث : إذ قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم: أَخبرنا عن الشاة إِذا ماتت من قتلها؟ قال: الله قتلها، فقالوا: أَنت تزعم أَن ما قتلت أَنت وأَصحابك حلال، وما قتله الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام، وأَنكم تعبدون الله فما قتله الله أَحق أَن تأَكلوه مما قتلتمتفسير : ، وروى أَن جهلاءَ اليهود أَو متجاهليهم قالوا ذلك. وروى أَن المجوس كتبوا إِلى مشركى قريش، وكانوا أَولياءَهم وكان فى قلوب بعض المؤمنين فى ذلك شبهة، فنزلت الآية، ومن شأنه الخرص والظن كيف يطاوع فى أَمر الدين فانه يضل غيره ولا يهديه، وإِذا كان إما أَن يظن ما تقدمه من باطل حقا، وإِما أَن يحزر فهو مخطئ ولو اتفق أَنه وافق حقا، ولذلك ذكر الظن والخرص، ولجواز أَن يكون أَمر واحد ظنا وخرصا.
الالوسي
تفسير : «ثم إنه تعالى ـ على ما ذكر الإمام ـ لما أجاب عن شبهات الكفار وبين بالدليل صحة النبوة أرشد إلى أنه بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي أن يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال فقال سبحانه»: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} وقال شيخ الإسلام: إنه لما تحقق اختصاصه تعالى بالحكمية لاستقلاله بما يوجب ذلك من إنزال الكتاب [الكامل] الفاصل بين الحق والباطل وتمام صدق كلامه وكمال عدله في أحكامه وامتناع وجود من يبدل شيئاً منها واستبداده سبحانه بالإحاطة التامة بجميع المسموعات والمعلومات عقب ذلك ببيان أن الكفرة متصفون بنقائض تلك الكمالات من النقائص التي هي الضلال والإضلال واتباع الظنون الفاسدة الناشىء من الجهل والكذب على الله تعالى إبانة لكمال مباينة حالهم لما يرومونه وتحذيراً عن الركون إليهم والعمل بآرائهم فقال سبحانه ما قال. ويحتمل أن يكون هذا من باب الإرشاد إلى اتباع القرآن والتمسك به بعد بيان كماله على أكمل وجه خطاب له صلى الله عليه وسلم ولأمته. وقيل: خوطب عليه الصلاة والسلام وأريد غيره. والمراد بمن في الأرض الناس وبأكثرهم الكفار وقيل: ما يعمهم وغيرهم من الجهال واتباع الهوى. وقيل: أهل مكة والأرض أرضها وأكثر أهلها كانوا حينئذ كفاراً. ومن الناس من زعم أن هذا نهى في المعنى عن متابعة غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ هم ـ والكرام قليل ـ أقل الناس عدداً. وقد قال سبحانه: { أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] وهو كما ترى. ومثله احتمال أنه نهى عن متابعة غير الله سبحانه لأنه لو أطيع أكثر من في الأرض لأضلوا فضلاً عن إطاعة قليل أو واحد منهم. والمعنى إن تطع أحداً من الكفار بمخالفة ما شرع لك وأودعه كلماته المنزلة من عنده إليك يضلوك عن الحق أو إن تطع الكفار بأن جعلت منهم حكما يضلوك عن الطريق الموصل إليه أو عن الشريعة التي شرعها لعباده. {إِن يَتَّبِعُونَ } أي ما يتبعون فيما هم عليه من الشرك والضلال {إِلاَّ ٱلظَّنَّ } وإن الظن فيما يتعلق بالله تعالى لا يغني من الحق شيئاً ولا يكفي هناك إلا العلم وأنى لهم به، وهذا بخلاف سائر الأحكام وأسبابها مثلاً فإنه لا يشترط فيها العلم وإلا لفات معظم المصالح الدنيوية والأخروية، «والفرق بينهما ـ على ما قاله العز بن عبد السلام في / «قواعده الكبرى» ـ أن الظان مجوز لخلاف مظنونه فإذا ظن صفة من صفات الإله عز شأنه فإنه يجوز نقيضها وهو نقص ولا يجوز [تجويز] النقص عليه سبحانه [لأن الظن لا يمنع من تجويز نقيض المظنون] بخلاف الأحكام فإنه لو ظن الحلال حراماً أو الحرام حلالاً لم يكن في ذلك تجويز نقص على الرب جل شأنه لأنه سبحانه لو أحل الحرام وحرم الحلال لم يكن ذلك نقصاً عليه عز وجل فدار تجويزه بين أمرين كل [واحد] منهما كمال بخلاف الصفات». وقال غير واحد: المراد ما يتبعون إلا ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق وجهالاتهم وآراءهم الباطلة، ويراد من الظن ما يقابل العلم أي الجهل فليس في الآية دليل على عدم جواز العمل بالظن مطلقاً فلا متمسك لنفاة القياس بها، والإمام بعد أن قرر وجه استدلالهم قال: «والجواب لم لا يجوز أن يقال: الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح إذا لم يستند إلى أمارة وهو مثل (ظن) الكفار أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إليها فلا يسمى ظناً» وهو كما ترى. {وَإِنْ هُمْ } أي وما هم {إِلاَّ يَخْرُصُونَ } أي يكذبون. وأصل الخرص القول بالظن وقول من لا يستيقن ويتحقق كما قال الأزهري، ومنه خرص النخل خرصاً بفتح الخاء وهي خرص بالكسر أي مخروصة، والمراد أن شأن هؤلاء الكذب وهم مستمرون على تجدده منهم مرة بعد مرة مع ما هم عليه من اتباع الظن في شأن خالقهم عز شأنه وقال الإمام: «المراد أن هؤلاء الكفار الذين ينازعونك في دينك ومذهبك غير قاطعين بصحة مذاهبهم بل لا يتبعون إلا الظن وهم خراصون كاذبون في ادعاء القطع»؛ ولا يخفى بعد تقييد الكذب بادعاء القطع. وقال غير واحد: المراد أنهم يكذبون على الله تعالى فيما ينسبون إليه جل شأنه كاتخاذ الولد وجعل عبادة الأوثان ذريعة إليه سبحانه وتحليل الميتة و [تحريم] البحائر ونظير ذلك. ولعل ما ذهبنا إليه أولى وأبلغ في الذم، ويحتمل أن يكون المراد أن هؤلاء الكفار يتبعون في أمور دينهم ظن أسلافهم وأن شأنهم أنفسهم الظن أيضاً، وحاصل ذلك ذمهم بفسادهم وفساد أصولهم إلا أن ذلك بعيد جداً.
ابن عاشور
تفسير : أُعقِب ذكرُ عناد المشركين، وعداوتِهم للرسول صلى الله عليه وسلم وولايتهم للشّياطين، ورضاهم بما توسوس لهم شياطين الجنّ والإنس، واقترافهم السيّئات طاعة لأوليائهم، وما طَمْأن به قلب الرّسول صلى الله عليه وسلم من أنّه لقي سنّة الأنبياء قبلَه من آثار عداوة شياطين الإنس والجنّ، بذكر ما يهون على الرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ما يرونه من كثرة المشركين وعزّتهم، ومن قلّة المسلمين وضعفهم، مع تحذيرهم من الثّقة بقولهم، والإرشاد إلى مخالفتهم في سائر أحوالهم، وعدم الإصغاء إلى رأيهم، لأنَّهم يُضِلّون عن سبيل الله، وأمرِهم بأن يلزموا ما يرشدهم الله إليه. فجملة: {وإن تطع} متّصلة بجملة: { أية : وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوّا شياطين الإنس والجنّ } تفسير : [الأنعام: 112] وبجملة: { أية : أفغير الله أبتغي حكماً } تفسير : [الأنعام: 114] وما بعدها إلى: { أية : وهو السميع العليم } تفسير : [الأنعام: 115]. والخطاب للنّبي صلى الله عليه وسلم والمقصود به المسلمون مثل قوله تعالى: { أية : لئن أشركت ليحبطنّ عملك } تفسير : [الزمر: 65]. وجيء مع فعل الشّرط بحرف (إنْ) الّذي الأصل فيه أن يكون في الشّرط النّادر الوقوع، أو الممتنع إذا كان ذكره على سبيل الفرض كما يفرض المحال، والظاهر أنّ المشركين لمّا أيسوا من ارتداد المسلمين، كما أنبأ بذلك قوله تعالى: { أية : قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرّنا } تفسير : [الأنعام: 71] الآية، جَعلوا يلقون على المسلمين الشُبه والشكوك في أحكام دينهم، كما أشار إليه قوله تعالى عقب هذا: { أية : وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإنْ أطعتموهم إنّكم لمشركون } تفسير : [الأنعام: 121]. وقد روى الطّبري عن ابن عبّاس، وعكرمة: أنّ المشركين قالوا: «يا محمّد أخبرنا عن الشّاة إذا ماتَتْ مَنْ قَتلها (يريدون أكل الشّاة إذا ماتت حتف أنفها دون ذبح) ــــ قال ــــ اللَّهُ قتَلها ــــ فتزعم أنّ ما قتلتَ أنت وأصحابُك حلال وما قتل الكلبُ والصَقر حلال وما قتله الله حرام» فوقع في نفس ناس من المسلمين من ذلك شيء وفي «سنن التّرمذي»، عن ابن عبّاس قال: « حديث : أتى أناس النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل اللَّهُ » تفسير : فأنزل الله: { أية : فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه } تفسير : [الأنعام: 118] الآية. قال التّرمذي: هذا حديث حسن غريب. فمن هذا ونحوه حَذّر الله المسلمين من هؤلاء، وثبّتهم على أنّهم على الحقّ، وإن كانوا قليلاً. كما تقدّم في قوله: { أية : قل لا يستوي الخبيث والطيّب ولو أعجبك كثرة الخبيث } تفسير : [المائدة: 100]. والطاعة: اسم للطّوع الّذي هو مصدر طاع يطوع، بمعنى انقاد وفَعَل ما يؤمر به عن رضى دون ممانعة، فالطاعة ضدّ الكره. ويقال: طاع وأطاع، وتستعمل مجازاً في قبول القول، ومنه ما جاء في الحديث: « حديث : فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم زكاة أموالهم »، تفسير : ومنه قوله تعالى: { أية : ولا شفيعٍ يُطاع } تفسير : [غافر: 18] أي يُقبل قوله، وإلاّ فإنّ المشفوع إليه أرفع من الشفيع فليس المعنى أنّه يمتثل إليه. والطاعة هنا مستعملة في هذا المعنى المجازي وهو قبول القول. و{أكثر من في الأرض} هم أكثر سكّان الأرض. والأرض: يطلق على جميع الكرة الأرضية الّتي يعيش على وجهها الإنسان والحيوان والنّبات، وهي الدّنيا كلّها. ويطلق الأرض على جزء من الكرة الأرضيّة معهود بين المخاطبين وهو إطلاق شائع كما في قوله تعالى: { أية : وقُلنا مِن بعده لبني إسرائيل اسكُنُوا الأرض } تفسير : [الإسراء: 104] يعني الأرض المقدّسة، وقولِه: { أية : أو يُنْفَوْا من الأرض } تفسير : [المائدة: 33] أي الأرض الّتي حاربوا الله فيها. والأظهر أنّ المراد في الآية المعنى المشهور وهو جميع الكرة الأرضية كما هو غالب استعمالها في القرآن. وقيل: أريد بها مكّة لأنّها الأرض المعهودة للرّسول عليه الصلاة والسلام. وأيّاً مّا كان فأكثر من في الأرض ضالّون مضلّون: أمّا الكرة الأرضية فلأنّ جمهرة سكّانها أهل عقائد ضالّة، وقوانين غير عادلة. فأهل العقائد الفاسدة: في أمر الإلهيّة: كالمجوس، والمشركين، وعبدة الأوثان، وعبدة الكواكب، والقائلين بتعدّد الإلٰه؛ وفي أمر النّبوّة: كاليهود والنّصارى؛ وأهلُ القوانين الجائرة من الجميع. وكلّهم إذا أطيع إنَّما يدعو إلى دينه ونحلته، فهو مُضِلّ عن سبيل الله، وهم متفاوتون في هذا الضّلال كثرة وقلّة، واتّباع شرائعهم لا يخلو من ضلال وإن كان في بعضها بعض من الصّواب. والقليل من النّاس مَن هم أهل هدى، وهم يومئذ المسلمون، ومن لم تبلغهم دعوة الإسلام من الموحّدين الصّالحين في مشارق الأرض ومغاربها الطالبين للحقّ. وسبب هذه الأكثرية: أنّ الحقّ والهدى يحتاج إلى عقوللٍ سليمة، ونفوس فاضلة، وتأمّل في الصّالح والضارّ، وتقديممِ الحقّ على الهوى، والرشدِ على الشّهوة، ومحبّة الخير للنّاس؛ وهذه صفات إذا اختلّ واحد منها تطرّق الضّلال إلى النّفس بمقدار ما انثلم من هذه الصّفات. واجتماعها في النّفوس لا يكون إلاّ عن اعتدال تامّ في العقل والنّفس، وذلك بتكوين الله وتعليمه، وهي حالة الرّسل والأنبياء، أو بإلهام إلهي كما كان أهل الحقّ من حكماء اليونان وغيرهم من أصحاب المكاشفات وأصحاب الحكمة الإشراقية وقد يسمّونها الذّوق. أو عن اقتداء بمرشد معصوم كما كان عليه أصحاب الرّسل والأنبياء وخيرة أممهم؛ فلا جرم كان أكثر من في الأرض ضالّين وكان المهتدون قلّة، فمن اتبعهم أضلّوه. والآية لم تقتض أنّ أكثر أهل الأرض مُضِلّون، لأنّ معظم أهل الأرض غير متصدّين لإضلال النّاس، بل هم في ضَلالهم قانعون بأنفسهم، مقبلون على شأنهم؛ وإنَّما اقتضت أنّ أكثرهم، إنْ قَبِل المسلم قَولهم، لم يقولوا له إلاّ ما هو تضليل، لأنّهم لا يُلقون عليه إلاّ ضلالهم. فالآية تقتضي أنّ أكثر أهل الأرض ضالّون بطريق الالتزام لأنّ المهتدي لا يُضِلّ مُتبعه وكلّ إناء يرشح بما فيه. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى في آية (100) سورة العقود: { أية : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث }. تفسير : واعلم أنّ هذا لا يشمل أهل الخطأ في الاجتهاد من المسلمين، لأنّ المجتهد في مسائل الخلاف يتطلّب مصادفة الصّواب باجتهاده، بتتبع الأدلة الشرعية ولا يزال يبحث عن معارض اجتهاده وإذا استبان له الخطأ رجع عن رأيه، فليس في طاعته ضلال عن سبيل الله لأنّ من سبيل الله طُرق النّظر والجدلِ في التفقّه في الدّين. وقوله: {يضلوك عن سبيل الله} تمثيل لحال الدّاعي إلى الكفر والفساد مَن يَقْبَل قولَه، بحال من يُضلّ مستهديه إلى الطريق، فينعت له طريقاً غير الطّريق الموصّلة، وهو تمثيل قابل لتوزيع التّشبيه: بأنّ يشبّه كلّ جزء من أجزاء الهيئة المشبَّهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبَّة بِها، وإضافة السبيل إلى اسم الله قرينة على الاستعارة، وسبيل الله هو أدلّة الحقّ، أو هو الحقّ نفسه. ثمّ بيّن الله سبب ضلالهم وإضلالهم: بأنّهم ما يعتقدون ويدينون إلاّ عقائد ضالّة، وأدياناً سَخيفة، ظنّوها حقّا لأنّهم لم يستفرغوا مقدرة عقولهم في ترسُّم أدلّة الحقّ فقال: {إن يتبعون إلا الظن}. والاتّباع: مجاز في قبول الفكر لما يقال وما يخطر للفكر: من الآرَاء والأدلّة وتقلّد ذلك. فهذا أتمّ معنى الاتّباع، على أنّ الاتّباع يطلق على عمل المرء برأيه كأنّه يتبعه. والظنّ، في اصطلاح القرآن، هو الاعتقاد المخطىء عن غير دليل، الّذي يحسبه صاحبه حقّا وصحيحاً، قال تعالى: { أية : وما يتّبع أكثرهم إلاّ ظنّاً إنّ الظنّ لا يغنى من الحقّ شيئاً } تفسير : [يونس: 36] ومنه قول النّبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إيّاكم والظَّنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث » تفسير : وليس هو الظنّ الّذي اصطلح عليه فقهاؤنا في الأمور التّشريعية، فإنَّهم أرادوا به العلم الرّاجح في النّظر، مع احتمال الخطأ احتمالاً مرجوحاً، لتعسّر اليقين في الأدلّة التّكليفيّة، لأنّ اليقين فيها: إن كان اليقينَ المراد للحكماء، فهو متوقّف على الدّليل المنتهي إلى الضّرورة أو البرهان، وهما لا يجريان إلاّ في أصول مسائل التّوحيد، وإن كان بمعنى الإيقان بأنّ الله أمر أو نهى، فذلك نادر في معظم مسائل التّشريع، عدا ما علم من الدّين بالضرورة أو حصل لصاحبه بالحسّ، وهو خاصّ بما تلقّاه بعض الصّحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، أو حصل بالتّواتر. وهو عزيز الحصول بعد عصر الصّحابة والتّابعين، كما عُلم من أصول الفقه. وجملة: {إن يتبعون إلا الظن} استئناف بياني، نشأ عن قوله: {يضلوك عن سبيل الله} فبيّن سبب ضلالهم: أنّهم اتَّبعوا الشّبهة، من غير تأمّل في مفاسدها، فالمراد بالظنّ ظنّ أسلافهم، كما أشعر به ظاهر قوله: {يتبعون}. وجملة {وإن هم إلا يخرصون} عطف على جملة: {إن يتبعون إلا الظن}. ووجود حرف العطف يمنع أن تكون هذه الجملة تأكيداً للجملة التي قبلها، أو تفسيراً لها، فتعيّن أنّ المراد بهذه الجملة غير المراد بجملة: {إن يتبعون إلا الظن}. وقد تردّدت آراء المفسّرين في محمل قوله: {وإن هم إلا يخرصون}؛ فقيل: يَخرصون يكذبون فيما ادّعوا أنّ ما اتَّبعوه يقين، وقيل: الظن ظنّهم أنّ آباءهم على الحقّ. والخرص: تقديرهم أنفسهم على الحقّ. والوجه: أنّ محمل الجملة الأولى على ما تلقّوه من أسلافهم، كما أشعر به قوله: {يتبعون}، وأنّ محمل الجملة الثّانية على ما يستنبطونه من الزّيادات على ما ترك لهم أسلافهم وعلى شبهاتهم التي يحسبونها أدلّة مفحمة، كقولهم: «كيف نأكل مَا قتلناه وقتله الكلب والصّقر، ولا نأكل ما قتله الله» كما تقدم آنفاً، كما أشعر به فعل: {يخرصون} من معنى التّقدير والتّأمّل. والخَرْص: الظنّ الناشىء عن وِجدان في النّفس مستند إلى تقريب، ولا يستند إلى دليل يشترك العقلاء فيه، وهو يرادف: الحزرَ، والتّخمين، ومنه خرص النّخل والكرْم، أي تقدير ما فيه من الثّمرة بحسب ما يجده النّاظر فيما تعوّدهُ. وإطلاق الخرص على ظنونهم الباطلة في غاية الرشاقة لأنّها ظنون لا دليل عليها غير ما حَسُن لظانِّيها. ومن المفسّرين وأهل اللّغة من فسّر الخرص بالكذب، وهو تفسير قاصر، نظرَ أصحابُه إلى حاصل ما يفيده السّياق في نحو هذه الآية، ونحو قوله: { أية : قُتل الخرّاصون } تفسير : [الذاريات: 10]؛ وليس السّياق لوصف أكثر من في الأرض بأنّهم كاذبون، بل لوصمهم بأنَّهم يأخذون الاعتقاد من الدّلائل الوهميّة، فالخرص ما كان غير علم، قال تعالى: { أية : ما لهم بذلك من علم إن هم إلاّ يخرصون } تفسير : [الزخرف: 20]، ولو أريد وصفهم بالكذب لكان لفظ (يكذبون) أصرح من لفظ {يخرصون}. واعلم أنّ السّياق اقتضى ذمّ الاستدلال بالخرص، لأنّه حزر وتخمين لا ينضبط، ويعارضه ما ورد عن عتاب بن أسيد قال: «أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص التّمر». فأخذ به مالك، والشّافعي، ومحمله على الرخصة تيسيراً على أرباب النّخيل والكروم لينتفعوا بأكل ثمارهم رطبة، فتؤخذ الزّكاة منهم على ما يقدره الخرص، وكذلك في قسمة الثّمار بين الشّركاء، وكذلك في العَريَّة يشتريها المُعري ممن أعراه، وخالف أبو حنيفة في ذلك وجعل حديث عتاب منسوخاً.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}. ذكر في هذه الآية الكريمة أن إطاعة أكثر أهل الأرض ضلال، وبين في مواضع أخر أن أكثر أهل الأرض غير مؤمنين، وأن ذلك واقع في الأمم الماضية كقوله {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الرعد: 1]، وقوله {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}تفسير : [يوسف: 103]، وقوله {أية : وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الصافات: 71]، وقوله {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 8] إلى غير من الآيات.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 116- وإذا كان سبحانه هو الحكم العدل الذى يُرْجَعُ إلى كتبه فى طلب الحق ومعرفته، فلا تتبع - أيها النبى - أنت ومن معك أحداً يخالف قوله الحق، ولو كانوا عدداً كثيراً. فإنك إن تتبع أكثر الناس الذين لا يعتمدون على شرع مُنزل يبعدوك عن طريق الحق المستقيم وهو طريق الله تعالى، لأنهم لا يسيرون إلا وراء الظنون والأوهام، وإن هم إلا يقولون عن تخمين لا يُبنى على برهان. 117- وإن ربك هو العليم علماً ليس مثله علم بالذين بعدوا عن طريق الحق، والذين اهتدوا إليه وصارت الهداية وصفاً لهم. 118- وإذا كان الله تعالى هو الذى يعلم المهتدين والضالين، فلا تلتفتوا إلى ضلال المشركين فيتحريم بعض الأنعام، وكلوا منها، فقد رزقكم الله تعالى إياها، وجعلها حلالا وطيبة لا ضرر فى أكلها، واذكروا اسم الله تعالى عليها عند ذبحها، ما دمتم مؤمنين به، مذعنين لأدلته. 119- وإنه لا يوجد أى مبرر أو دليل يمنعكم أن تأكلوا مما يذكر اسم الله تعالى عليه عند ذبحه من الأنعام، وقد بين سبحانه وتعالى المحرَّم فى غير حال الاضطرار، كالميتة والدم. وإن الكثيرين من الناس يبعدون عن الحق بمحض أهوائهم، من غير علم أوتوه، أو برهان قام عندهم، كأولئك العرب الذين حرَّموا بعض النعم عليهم. ولستم معتدين فى أكلكم ما وَلدَ، بل هم المعتدون بتحريم الحلال، والله - وحده - هو العليم علماً ليس مثله علم بالمعتدين حقاً. 120- ليست التقوى فى تحريم ما أحل الله، إنما التقوى فى ترك الإثم ظاهره وباطنه، فاتركوا الآثام فى أعمالكم ظاهرها وخفيها، وإن الذين يكسبون الإثم سيجزون مقدار ما اقترفوا من سيئات.
القطان
تفسير : يخرصون: يقولون بالظن، ويكذبون سبيله: طريقه، وهو دين الله القويم. بعد أن أجاب الله تعالى عن شبهات المشركين- قرر هنا أنه لا ينبغي للنبيّ الالتفات الى ما يقوله اولئك الضالّون، لأنهم يريدون أن يُضلوا المؤمنين. وهم لا يتبعون في كلامهم الا الكذب والظن الفاسد. {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ...}. واذا كان الله تعالى هو الحكم العدل الذي يُرجع الى كتابه في طلب الحق ومعرفته، فلا تتبع أيها النبي أنت ومن معك أحدا يخالق قوله الحقَّ، ولو كانوا عدداً كثيراً. إنك إن تفعل، يبعدوك عن طريق الحق المستقيم، لأنهم لا يسيرون الا وراء الظنون والأوهام. { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ....}. ان ربك هو العليم بالّذين بعدوا عن طريق الحق، وبمن هو من المهتدين.
د. أسعد حومد
تفسير : (116) - وَأَكْثَرُ بَنِي البَشَرِ فِي ضَلاَلٍ، وَفِي ظُنُونٍ كَاذِبَةٍ، فَإِذَا أَطَاعَهُمْ أَحَدٌ، بِمُخَالَفَةِ مَا شَرَعَهُ اللهُ، أَوْ أَوْدَعَهُ كَلِمَاتِهِ المُنَزَّلَةِ، أَضَلُّوهُ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ، وَعَنْ نَهْجِ الصَّوَابِ فَلاَ تَتَّبِعْ أَنْتَ وَمَنِ اتَّبَعَكَ حُكْماً غَيْرَ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ إِلَيْكَ فِي الكِتَابِ. وَهؤُلاءِ المُضِلُّونَ لاَ يَتَّبِعُونَ فِي عَقَائِدِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ إِلاَّ الظَنَّ الذِي تُرَجِّحُهُ لَهُمْ أَهْوَاؤُهُمْ، وَهُمْ يُرَجِّحُونَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ عَنْ طَرِيقِ التَّخْمِينِ، وَالتَّقْدِيرِ، وَالحَزْرِ (التَّخَرُّصِ)، (كَمَا يُقَدّرُ أَصْحَابُ البَسَاتِينِ مَا تَحْمِلُهُ شَجَرَةٌ مِنْ ثَمَرٍ وَهُوَ عَلَيْهَا قَبْلَ قِطَافِهِ). يَخْرُصُونَ - يَكْذِبُونَ فِيمَا يَنْسِبُونَهُ إلَى اللهِ، أَوْ يُقَدِّرُونَ تَقْدِيراً جُزَافِيّاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و{مَن فِي ٱلأَرْضِ} المقصود بهم المكلفون؛ لأنهم هم من يتميزون بالاختيار ولهم أوامر ونواه، فما دون الإنسان لا أمر له، و"أكثر" لا يقابلها بالضرورة كلمة "قليل" أو "أقل"، وما دام القول هو: "أكثر". فقد يكون الباقون كثيراً أيضاً، وأمّا كثير فإنها، تعطي له كميته في ذاته وليست منسوبة إلى غيره، ولذلك كنا نسمع من يقول: مكتوب على محطة مصر أو على "المطار" أو على "الميناء"، يا داخل مصر منك كثير، أي إن كنت رجلاً طيباً فستجد مثلك الكثير، وإن كنت شريراً فستجد مثلك الكثير أيضاً. ويقول الحق: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ..} تفسير : [الحج: 18] فكل الكائنات مقهورة مسخرة، وعند الناس انقسم الأمر؛ لأن لهم اختياراً، فراح أناس للطاعة وذهب أناس للمعصية، فلم يقل الحق: والناس. بل قال "وكثير من الناس"، ولم يقل الحق: وقليل حق عليه العذاب، لكنه قال: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَاب} فهؤلاء كثير وهؤلاء كثير، وإن نظرت إليهم في ذاتهم فهم كثير، والآخرون أيضاً إذا نظرت إليهم تجدهم كثيراً. ولماذا يقول الحق:{وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}؟ "الطاعة"- كما نعرف- استجابة للأمر في "افعل"، والنهي في "لا تفعل" إذا قال الحق للإنسان افعل كذا؛ فالإنسان صالح لأن يفعل، وأن لا يفعل، وإن كان هناك شيء لا تقدر عليه فلن يقول لك: افعله. والإنسان عادة حين يؤمر أو يُنهي إنما يؤمر وينهي لمصلحته، فإن لم يوجد أمام مصلحةٍ معارض من منهج إلهي فهذا من مصلحته أيضاً؛ لأن الله أجاز له حرية الفعل والتّرك. ويوضح الحق: من رحمتي أن جعلت لكم تشريعاً؛ لأننا لو تركنا الناس إلى أهوائهم فسيأمر كل واحد من الذين لهم السيطرة على الناس بما يوافق هواه، وسينهي كل واحد من الناس بما يخالف هواه؛ لذلك نعصم هذا الأمر بالمنهج. حتى لا يتضارب الخلق ولا يتعاكس هواك مع هوى أخيك. ومن المصلحة أن يوجد مطاع واحد لا هوى له، ويوجد منهج يقول للجميع "افعلوا كذا" و"لا تفعلوا كذا" وبذلك يأتي الاستطراق لنفعهم جميعاً. ولذلك يقول الحق: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ..} [الأنعام: 116] فهناك أناس مؤمنون وهم أصحاب الفطرة السليمة بطبيعتهم؛ لأن الخير هو الفطرة في الإنسان، وقد جاء التشريع لينمي في صاحب الفطرة السليمة فطرته أو يؤكدها له، ويعدل في صاحب النزعة السيئة ليعود به إلى الفطرة الحسنة. والذين يضلون عن سبيل الله ماذا يتبعون؟ يقول الحق: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ}. كل واحد منهم يظن أن هذا الضلال ينفعه الآن، ويغيب عنه ما يجر عليه من الوبال فيما بعد ذلك. و"الظن"- كما نعلم- هو إدراك الطرف الراجح ويقابله الوهم وهو إدراك الطرف المرجوح والظن هنا، هو ما يرجحه الهوي:{إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَْ} [الأنعام: 116] و"إن"- كما نعرف- تأتي مرة جازمة: إن تفعلْ كذا تجدْ كذا، وتأتي مرة نافية، مثل قوله الحق: {أية : مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ..} تفسير : [المجادلة: 2] أي: ما أماتهم؛ فـ"إن" هنا نافية. وقوله الحق: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} أي ما يتبعون إلا الظن. هم إما أن يتبعوا الظن وإمّا أن يخرصوا. (فالخارص) هو من يتكلم بغير الحقيقة، بل يخمن تخميناً، كأن ينظر إنسان إلى آخر في سوق الغلال ويسأله: كم يبلغ مقدار هذا الكوم من القمح؟. فيرد: حوالي عشرة أرداب أو اثنى عشر أردباً، وهو يخمن تخميناً بلا دليل يقيني أو بلا مقاييس ثابتة، أو يقول كلاماً ليس له معنى دقيق. فإذا اتبعت الناس فسوف يضلونك. لأنهم لا يملكون دليلاً علمياً، ولاحقًا يقينيًا، بل يتبعون الظن إن كان الأمر راجحاً، ويخرصون ويخمنون حتى ولو كان الأمر مرجوحاً. ويقول سبحانه بعد ذلك: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ..}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَخْرُصُونَ} معناه يَظُنُونَ ويَكذِبُونَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، محذرا عن طاعة أكثر الناس: { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } فإن أكثرهم قد انحرفوا في أديانهم وأعمالهم، وعلومهم. فأديانهم فاسدة، وأعمالهم تبع لأهوائهم، وعلومهم ليس فيها تحقيق، ولا إيصال لسواء الطريق. بل غايتهم أنهم يتبعون الظن، الذي لا يغني من الحق شيئا، ويتخرصون في القول على الله ما لا يعلمون، ومن كان بهذه المثابة، فحرى أن يحذِّر الله منه عبادَه، ويصف لهم أحوالهم؛ لأن هذا -وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم- فإن أمته أسوة له في سائر الأحكام، التي ليست من خصائصه. والله تعالى أصدق قيلا وأصدق حديثا، و { هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ } وأعلم بمن يهتدي. ويهدي.فيجب عليكم -أيها المؤمنون- أن تتبعوا نصائحه وأوامره ونواهيه لأنه أعلم بمصالحكم، وأرحم بكم من أنفسكم. ودلت هذه الآية، على أنه لا يستدل على الحق، بكثرة أهله، ولا يدل قلة السالكين لأمر من الأمور أن يكون غير حق، بل الواقع بخلاف ذلك، فإن أهل الحق هم الأقلون عددا، الأعظمون -عند الله- قدرا وأجرا، بل الواجب أن يستدل على الحق والباطل، بالطرق الموصلة إليه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):