Verse. 906 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

اِنَّ رَبَّكَ ہُوَاَعْلَمُ مَنْ يَّضِلُّ عَنْ سَبِيْلِہٖ۝۰ۚ وَہُوَاَعْلَمُ بِالْمُہْتَدِيْنَ۝۱۱۷
Inna rabbaka huwa aAAlamu man yadillu AAan sabeelihi wahuwa aAAlamu bialmuhtadeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن ربَّك هو أعلم» أي عالم «من يَضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» فيجازي كلا منهم.

117

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ } أي عالم {مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } فيجازي كلاًّ منهم.

ابن عادل

تفسير : في "أعلم" قولان: أحدهما: أنَّها ليست للتَّفْضِيل، بل بِمَعْنَى اسم فاعل في قوته, كأنه قيل: إن ربَّك هو يَعْلَم. قال الواحدي - رحمه الله -: "ولا يجوز ذلك؛ لأنَّه لا يطَابِق: وهو أعْلَم بالمُهتَدين". والثاني: أنَّها على بابها من التَّفْضِيل، ثم اختلف هؤلاء في محلِّ "مَنْ": فقال بعض البصْريِّين: هو جَرٌّ بحرف مُقَدَّر حُذِف وبقي عمله؛ لقوة الدَّلالة عليه بِقَوْله: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} وهذا ليس بِشَيء؛ لأنه لا يُحْذَف الجَارُّ ويبقى أثَرُه إلا في مواضع تقدَّم التَّنْبِيه عليها، ما ورد بخلافها، فضرورةٌ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2299- ................... أشَارَتْ كُلَيْبٍ بالأكُفِّ الأصَابِعُ تفسير : وقوله: [الكامل] شعر : 2300- .................. حَتَّى تَبَذَّخَ فارْتَقَى الأعلامِ تفسير : الثاني: أنَّها في محلِّ نَصْب على إسْقاط الخَافِض؛ كقوله: [الوافر] شعر : 2301- تَمُرُّونَ الدِّيَارَ ولَمْ تَعوجُوا .................... تفسير : قاله أبُو الفَتْح. وهو مَردُودٌ من وجهين: الأول: أن ذلك لا يطَّرِد. الثاني: أن أفْعَل التَّفْضِيل لا تَنْصِبُ بِنَفْسِها؛ لضَعْفها. الثالث: وهو قَوْل الكُوفيين - أنّه نصب بنفس أفْعَل، فإنها عندهم تَعْمل عمل الفِعْل. الرابع: أنها مَنْصُوبة بِفعل مُقَدَّر يدل عليه أفْعَل، قاله الفَارسيُّ؛ وعليه خَرَّج قول الشاعر: [الطويل] شعر : 2302- أكَرَّ وأحْمَى لِلْحَقيقةِ مِنْهُمُ وأضْرَبَ مِنَّا بالسُّيُوفِ القَوَانِسَا تفسير : فـ "القوانِس" نُصِب بإضمار فعلٍ، أي: يَضْرِبُ القَوانِسَ؛ لأن أفْعَل ضَعِيفة كما تقرَّر. الخامس: أنَّها مَرْفُوعة المحلِّ بالابْتِداء، و "يَضِل": خَبَره، والجُمْلَة مُعَلِّقة لأفْعَل التَّفْضِيل؛ فهي في محلِّ نَصْب بها؛ كأنه قيل: أعلم أيُّ النَّاسِ يَضِل كقوله: {أية : لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ} تفسير : [الكهف:12]، وهذا رأي الكسائيِّ، والزَّجَّاج، والمُبَرِّد، ومَكِّي، إلا أن أبا حيَّان ردَّ هذا؛ بان التَّعْلِيق فرع ثُبُوت العمل في المَفْعُول به، وأفْعَل لا يَعْمل فيه، فلا يُعَلَّق. والرَّاجِح من هذه الأقْوَال: نَصْبُها بمضمر، وهو قول الفَارسيِّ، وقواعد البصريين مُوافِقَةٌ لَه، ولا يَجُوز ان تكون "مَنْ" في محلِّ جرِّ بإضافة أفْعل إليْها؛ لئلاً يلزم مَحْذُور عَظِيم، وذلك أنَّ أفعل التَّفْضِيل لا تُضَاف إلاَّ إلى جنْسِها، فإذا قُلْتَ: "زَيْد أعْلَم الضَّالِّين" لَزِم أن يكون "زَيْد" بَعْض الضَّالِّين، أي: مُتَّصِفٌ بالضَّلال، فهذا الوَجْه مُسْتَحيل في الآية الكريمة، وهذا عند من قرأ "يَضِلُّ" بفتح حَرْف المُضارعة، أمَّا من قرأ بضمِّه: "يُضِلّ" - وهو الحسن، وأحمد بن أبي سُرَيْج -، فقال أبُو البقاءِ: "يجُوز أن تكون "مَنْ" في موضع جرٍّ بإضافة "أفعل" إليها". قال: "إمَّا على مَعْنَى: هو أعْلَم المُضِلِّين، أي: من يجد الضَّلال وهو من أضْلَلْتُه، أي: وَجَدْته ضالاً؛ مثل أحْمَدْتُه، أي: وَجَدْته مَحْمُوداً، أو بِمَعْنى: أنه يَضِلُّ عن الهدى". قال شهاب الدِّين: ولا حَاجَة إلى ارْتِكَاب مِثْل هذا في مِثْل الأمَاكن الحَرِجة، وكان قد عبَّر قَبْل ذلك بِعِبَارات اسْتَعْظَمتُ النُّطْق بها، فَضَربْت عَنْها إلى أمْثِلةٍ من قوْلي، والَّذِي تُحْملُ عليه هذه القراءة، ما تقدَّم من المُخْتَار؛ وهو النَّصْب بِمُضْمَر، وفاعل "يُضِلّ" على هذه القراءة: ضمير يَعُود على اللَّه - تعالى - على مَعْنَى: يَجِدُه ضالاً، أو يَخْلُق فيه الضَّلال "لا يسأل عمَّا يَفْعَل" ويجُوز أن يكُون ضمير {مَنْ} أيْ: أعْلَم مَنْ يضِلُّ النَّاس، والمَفْعُول مَحْذُوف، وأمَّا على القراءة الشَّهيرة، فالفَاعِل ضمير "مَنْ" فقط، و "مَنْ" يجُوز أن تكُن موصُولة، وهو الظَّاهر، وأن تكون نَكِرة مَوْصُوفة، ذكره أبُو البقاء. فإن قيل هو {أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} يوجب وقوع التَّفَاوُت في عِلْم اللَّه، وهو مُحَال؟ فالجواب: أن حُصُول التَّفَاوُت في علم اللَّه مُحَال، إلاَّ أن المَقْصُود من هذا اللَّفْظِ: العِنَاية بإظْهَار هداية المُهْتَدِين فوق الهداية بإظهار ضلال الضَّالِّين، ونظيرُه قوله - تعالى -: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء:7] فذكر الإحْسَان مَرَّتَيْن، والإساءة مرَّة واحدة، ومَعْنَى: قوله - تعالى -: {أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} أي: يُجَازي كُلاًّ بما يستحقُّونَ.

البقاعي

تفسير : ولما كان المقام للعلم الكاشف للحقائق المبين لما يتبع وما يجتنب، قال معللاً لهذا الإخبار: {إن ربك} أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب الكاشف للارتياب الهادي إلى الصواب {هو} أي وحده {أعلم} ولكون الحال شديد الاقتضاء للعلم، قطعه عما بعده ليسبق إلى الفهم أنه أعلم من كل من يتوهم فيه العلم مطلقاً ثم قال: {من} أي يعلم من {يضل} أي يقع منه ضلال يوماً ما {عن سبيله} أي الذي بينه بعلمه {وهو} أي وحده {أعلم بالمهتدين *} كما أنه أعلم بالضالين، فمن أمركم باتباعه فاتبعوه، ومن نهاكم عنه فاجتنبوه، فمن ضل أرداه، ومن اهتدى أنجاه، فاستمسكوا بأسبابه حذراً من وبيل عقابه يوم حسابه. ولما قدم سبحانه ما مضى من السوائب وما معها وفي المائدة مما يدين به أهل الجاهلية في أكل الحيوان الذي جر إليه الشرك، وأتبعه بيان أنه لا ضرر على أهل الإيمان من دين أهل الضلال إذا اهتدوا، وأتبع ذلك ما لاءمه، وانتظم في سلكه ولاحمه، حتى ظهر أي ظهور أن الكل مِلكه ومُلكه، وأنه لا شريك له، فوجب شكره وحده، وكانوا مع ذلك قد كفروا نعمه تتعالى فاتخذوا معه شركاء ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا لها مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً، فكانوا بذلك المانعين الحق عن أهله، ومانحين ما خولهم فيه من له الملك لما لا يملك ضراً ولا نفعاً، وتاركين بعض ما أنعم عليهم به صاحب الحق رعاية لمن لا حق له ولا حرمة، وكانت سنة الله تعالى قد جرت بأنه يذكر نفسه الشريفة بالوحدانية. ويستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض وما أودع فيهما لنا من المنافع وما أبدع من المرافق والمصانع، ثم يعجب ممن أشرك به، ثم يأمر بالأكل مما خلق تذكيراً بالنعمة، ليكون ذلك داعية لكل ذي لب إلى شكره، كما قال تعالى في البقرة عقب {وإلهكم إله واحد} {أية : إن في خلق السماوات والأرض} تفسير : [البقرة: 164] ثم قال {أية : ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} تفسير : [البقرة: 165] ثم قال {أية : يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً}تفسير : [البقرة: 168]؛ أجرى هذه السنة الجليلة في هذه السورة أيضاً، فقال: {أية : إن الله فالق الحب والنوى} تفسير : [الأنعام: 95] بعد {أية : إني وجهت وجهي للذي فطر} تفسير : [الأنعام: 79] ثم {أية : وجعلوا لله شركاء الجن} تفسير : [الأنعام: 100] ودل على أنه لا شريك له في مِلكه ولا مُلكه، وختم بأنه لا حكم سواه ينازعه في حكمه أو يباريه في شيء من أمره، وبين أن من آيها الهداية التي جعلها شرطاً لعدم ضرر يلحق من دين أهل الشرك؛ فسبب عن جميع ما ذكرت قوله: {فكلوا مما ذكر} أي وقت الذبح {اسم الله} أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة فله كل شيء {عليه} أي كأن قائلاً لذلك سواء ذكر بالفعل أولا، وعدل عن التعبير بما جعلته المراد ليفهم أن الذكر بالفعل مندوب إليه، ولا يكونوا ممن بنى دينه على اتباع الأهوية والظنون الكاذبة، فكأنه قيل: اتبعوا من يعرف الحق لأهله فإنه مهتد غير معرجين على غيره فإنه ضال، والله أعلم بالفريقين، فكونوا من المهتدين، فكلوا مما خلق الله لكم حلالاً شاكرين لنعمته، وإنما أطال هنا دون البقرة ما بين الجمل الكلام تقريراً لمضامينها وما يستتبعه واحتجاجاً على جميع ذلك لأنها سورة التفصيل، وأتى بالذكر والمراد قبول المأكول له، أي كلوا مما يقبل أن يسمى عليه على مقتضى ما شرعه، وذلك هو الذي أحله من الحيوان وغيره سواء كان مما جعلوه لأوثانهم أولا، دون ما مات من الحيوان حتف أنفه، أو ذكر عليه اسم غير الله أو كان مما حرم أكله وإن ذبح وذكر عليه اسم الله، فإنه لا يقبل التحليل بالتسمية، فالتسمية في غير موضعها، لورود النصوص بالتحريم، ولا تتبعوا المشركين في منعهم أنفسهم من خير مما خلق الله لهم من الحرث والأنعام بتسميتهم إياه لآلهتهم التي لا غناء عندها، ويكون ذلك حثاً على التسمية على جميع المأكول الحلال، فتكون الآية كآية البقرة بزيادة. ولما كان هذا الأمر لا يقبله إلا من زال دين الشرك وجميع توابعه من قبله؛ قال: {إن كنتم} أي بما لكم من الجِِبِلَّة الصالحة {بآياته} أي عامة التي منها آيات التحليل والتحريم {مؤمنين *} أي عريقين في وصف الإيمان، وقد لاح بذلك حسن انتظام قوله: {وما لكم} أي أيّ شيء يكون لكم في {ألا تأكلوا مما ذكر} أي يقبل أن يذكر {اسم الله} أي الذي له كل شيء {عليه} فإن التسمية قائمة مقام إذنه {وقد} أي والحال أنه قد {فصل لكم} أي من قبل ذلك والخلق خلقه والأمر أمره {ما حرم عليكم} أي مما لم يحرم تفصيلاً واضح البيان ظاهر البرهان {إلا ما اضطررتم إليه} أي فإن الضرورة تزيل التفصيل عنه برده إلى ما كان عليه قبل التفصيل؛ فيصير الكل حلالاً لا تفصيل فيه، والمراد في هذه الآية مختلف باختلاف المخاطبين، فأما من خوطب بها وقت الإنزال فالمراد بالتفصيل الذي آتاه الآية الآتية أخير هذه فإنها نزلت جملة، وكذا كل ما شاكلها مما أنزل بمكة قبل هذه السورة، وكذا ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في وحي متلو إذ ذاك، ولعله نسخت تلاوته وبقي حكمه، أو وحي غير متلو من جميع الأحاديث التي تقدمت على هذه السورة، وأما من خوطب بها بعد ترتيبه على هذا الوجه فالمراد في حقه كما في البقرة والمائدة وغيرهما من السور الماضية - من الحلال والحرام. ولما كان التقدير: من عمل بهذه الأوامر اهتدى بما نال من العلم وهم قليل، عطف عليه قوله: {وإن كثيراً} أي من الناس {ليضلون} أي يقع منهم الضلال فيوقعون غيرهم فيه بنكوبهم عما دعت إليه أوامر الله وهدى إليه بيانه، فيكونون بمعرض العطب {بأهوائهم} أي بسبب اتباعهم للهوى؛ ولما كان الهوى - وهو ميل النفس - ربما كان موافقاً لما أدى إليه العم بصحيح الفكر وصريح العقل قال: {بغير علم} أي دعا إلى ذلك ممن له العلم من شريعة ماضية ممن له الأمر. ولما كانوا ينكرون هذا، أثبت لنفسه الشريفة ما هو مسلم عند كل أحد وقال دليلاً على صحة ما أخبر به: {إن ربك} أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب شاهداً لك بإعجازه بالتصديق {هو} أي وحده {أعلم} وكان الموضع للإضمار فأظهر للتعميم والتنبيه على الوصف الذي أوجب لهم ذلك فقال: {بالمعتدين *} أي الذين يتجاوزون الحدود مجتهدين في ذلك.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} تقريرٌ لمضمون الشرطيةِ وما بعدها وتأكيدٌ لما يفيده من التحذير، أي هو أعلمُ بالفريقين فاحذر أن تكون من الأولين، و(من) موصولةٌ أو موصوفةٌ في محل النصبِ لا بنفس أعلمُ فإن أفعلَ التفضيلِ لا ينصِبُ الظاهرَ في مثل هذه الصور بل بفعل دلَّ هو عليه، أو استفهاميةٌ مرفوعة بالابتداء والخبرُ يَضِلّ والجملةُ معلقٌ عنها الفعلُ المقدر، وقرىء يُضِل بضم الياء على أن (من) فاعلٌ ليُضِل ومفعولُه محذوفٌ ومحلها النصب بما ذكر من الفعل المقدر أي هو أعلم يعلم من يُضِل الناسَ فيكون تأكيداً للتحذير عن طاعة الكفرةِ. وأما أن الفاعلَ هو الله تعالى ومَنْ منصوبةٌ بما ذكر أي يعلم مَنْ يُضِلّه أو مجرورةٌ بإضافة أعلمُ إليها أي أعلمُ المُضِلّين من قوله تعالى: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } تفسير : [النساء، الآية 88] أو من قولك: أضللتُه إذا وجدتُه ضالاً فلا يساعده السباقُ والسياقُ والتفضيلُ في العلم بكثرته وإحاطتِه بالوجوه التي يمكن تعلّقُ العلمِ بها ولزومُه وكونُه بالذات لا بالغير. {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أمرٌ مترتبٌ على النهي عن اتباع المُضلّين الذين من جملة إضلالِهم تحليلُ الحرامِ وتحريمُ الحلالِ، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تعبدون الله فما قتله الله أحقُّ أن تأكُلوه مما قتلتم أنتم فقيل للمسلمين: كلوا ممّا ذُكر اسمُه تعالى خاصة على ذبحه لا مما ذكر عليه اسمُ غيرِه فقط أو مع اسمه تعالى أو مات حتفَ أنفِه {إِن كُنتُم بِآيَـٰتِهِ} التي من جملتها الآياتُ الواردةُ في هذا الشأن {مُّؤْمِنِينَ} فإن الإيمانَ بها يقتضي استباحةَ ما أحله الله والاجتنابِ عما حرمه، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه. {وَمَا لَكُمْ أَن لا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} إنكارٌ لأن يكون لهم شيءٌ يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذُكر عليه اسمُ الله تعالى من البحائر والسوائبِ ونحوِها وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم} الخ، جملةٌ حاليةٌ مؤكدةٌ للإنكار كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا لَنَا أَن لا نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَائِنَا }تفسير : [البقرة، الآية 246] أي وأيُّ سببٍ حاصلٍ لكم في ألا تأكُلوا مما ذكر اسمُ الله عليه، أو وأيُّ غرضٍ يحمِلُكم على أن لا تأكلوا ويمنعُكم من أكله والحالُ أنه قد فصل لكم {مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} بقوله تعالى: {أية : قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } تفسير : [الأنعام، الآية 145] الخ، فبقي ما عدا ذلك على الحِلّ لا بقوله تعالى: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ }تفسير : [المائدة، الآية 3] الخ، لأنها مدنية، وأما التأخرُ في التلاوة فلا يوجبُ التأخّرَ في النزول، وقرىء الفعلان على البناء للمفعول وقرىء الأول على البناء للفاعل والثاني للمفعول {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} مما حرّم فإنه أيضاً حلالٌ حينئذ {وَإِنَّ كَثِيرًا} أي من الكفار {لَّيُضِلُّونَ} الناسَ بتحريم الحلالِ وتحليلِ الحرام كعمرو بنِ لُحَيّ وأضرابِه وقرىء يَضِلّون {بِأَهْوَائِهِم} الزائغةِ وشهواتِهم الباطلة {بِغَيْرِ عِلْمٍ} مقتبسٍ من الشريعة الشريفة مستندٍ إلى الوحي {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} المتجاوزين لحدود الحقِّ إلى الباطل والحلالِ إلى الحرام.

القشيري

تفسير : تقاصرت علومُ الخَلْق عن إدراك غيبه إلا بقدر ما عَرَّفهم من أمره، والذي لا يخفى عليه شيءٌ فهو الواحدُ - سبحانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {إن ربك هو أعلم} بعلم {من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} فيجازى كلا منهم بما يستحقون فاحذر ان تكون من الفريق الاول. قال الحدادى وانما قال اعلم لان الله يعلم الشئ من كل جهاته وغيره يعلم الشئ من بعض جهاته.

الطوسي

تفسير : خاطب الله تعالى بهذه الآية نبيه (صلى الله عليه وسلم) وان عنى به جميع الامة انه تعالى {أعلم من يضل عن سبيله} بمعنى أعرف، والمعنى انه أعلم به ممن يعلمه، لانه يعلمه من وجوه تخفى على غيره، لانه تعالى يعلم ما كان وما يكون، وما هو كائن الى يوم القيامة، وعلى جميع الوجوه التي يصح ان تعلم الاشياء عليها وليس كذلك غيره، لان غيره لا يعلم جميع الاشياء، وما يعلمه لا يعلمه من جميع وجوهه. وأما من هو غير عالم أصلا، فلا يقال الله أعلم منه، لان لفظة أعلم تقتضي الاشتراك في العلم وزيادة لمن وصف بأنه أعلم، وهذا لا يصلح في من ليس بعالم أصلا الا مجازا، ولا يصح أن يقال: هو تعالى أعلم بأن الجسم حادث من كل من يعلم كونه حادثا، لان هذا قد ذكر الوجه الذي يعلم منه وهو انه حادث، فان أريد بذلك المبالغة في الصفة، وأن هذه الصفة فيه أثبت من غيره فجاز أن يقال ذلك. وذكروا في موضع (من) وجهين من الاعراب: قال بعضهم: موضعه نصب على حذف الباء وتقديره أعلم بمن يضل ليكون مقابلا لقوله {وهو أعلم بالمهتدين}. وقال الفراء والزجاج: موضعها الرفع لانها بمعنى (أي) كقوله {أية : لنعلم أي الحزبين} تفسير : وصفة (أفعل) من كذا لا تتعدى لانها غير جارية على الفعل، ولا معدولة عن الجارية كعدل ضروب عن ضارب ومنحار عن ناحر. وقال قوم: ان (اعلم) ها هنا بمعنى يعلم كما قال حاتم الطائي: شعر : فخالفت طيَّ من دوننا خلفا والله أعلم ما كنا لهم خولا تفسير : وقالت الخنساء: شعر : القوم أعلم ان جفنته تغدو غداة الريح أو تسري تفسير : قال الرماني: هذا لا يجوز لانه لا يطابق قوله {وهو أعلم بالمهتدين} فمعنى الآية ان الله تعالى أعلم بمن يملك سبيل الضلال المؤدي الى الهلاك بالعقاب، ومن سلك سبيل الهدى المفضي به الى النجاة والثواب.

الجنابذي

تفسير : فالمتّبع هو ما قاله الرّبّ لا ما قالوه من نسبة الضّلال والاهتداء الى النّاس بظنونهم فلا تبالوا بما قالوا ولا بما حرّموا واحلّوا وائتمروا بأمور ربّكم.

اطفيش

تفسير : {إنَّ ربَّك هو أعْلم} منك ومن غيرك {مَنْ يضلُّ عن سَبيلهِ} أعلم اسم تفضيل، واسم التفضيل لا ينصب المفعول على التحقيق، ولا يضاف لما ليس منه، فليست من مفعولا به لأعلم، لأنه اسم تفضيل ولا مضافاً إليها، لأن الله لا يطلق عليه أنه ممن يضل عن سبيله، بخلاف أرحم الراحمين، وأحسن الخالقين، فإنه يرحم ويخلق، أى ويقدر بمن مفعول ولمحذوف، أى يعلم من يضل، وقال الكوفيون: ينصب المفعول به، وقد يقال: إن اسم التفضيل هنا خارج عن معناه، ومعناه هنا عالم فهو كاسم الفاعل، فنصب المفعول به. وقرئ يُضل بضم الياء، فيكون ليضل فى هذه القراءة مفعول، أى من يضل الناس فيجوز بالصناعة أن تضيف اسم التفضيل إلى من فى هذه القراءة، لجواز أن تقول أضل الله أحداً، كقوله تعالى: {أية : من يضلل الله} تفسير : ولكن يتبادر معنى المفعول، أى يعلم من يضل الناس، أو يعلم من يضله أى يضله الله، فيكون من مفعولا لمحذوف، أو علم بمعنى عالم، وإلا فما فائدة قولك: الله أعلم المضلين، اللهم إلا أن يقال: المعنى هو أعلم بطرق الإضلال من غيره من المضلين، وإضلال الله خذلانه، ومعنى أضله صيَّره ضالا، أو وجده ضالاًّ، والأنسب بقوله: {وهُو أعْلم بالمهتَدِينَ} أن يكون مَن مفعولا فى قراءة فتح الباء وضمها لمحذوف، أو لأعلم بمعنى عالم، وذلك أن المهتدين هم المعلومون، فيناسبه أن يكون من يضل هو المعلوم، وقراءة الفتح أنسب به، لأن معناه الضال وهو مقابل المهتدى، وأما المضل بفتح الضاد فمقابله المهدى اسم مفعول، ومَنْ اسم موصول أو نكرة منعوتة بقوله: {يضل عن سبيله} والباء للإلصاق.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} أَى بمن يضل، فمحل من نصب على نزع الجار، ويدل عليه ذكره فى مثله وذلك مقصور على السماع خلافا للأَخفش، ومن نكرة موصوفة أَو اسم موصول عام وهو أَولى، ويجوز أَن تكون من مفعولا لمحذوف، أَى يعلم من يضل، وهى مبتدأ ويضل خبر، والجملة معلق عنها يعلم المقدر بالاستفهام فيها، وزعم بعض عن الكوفيين أَنهم يجيزون نصب المفعول به باسم التفضيل ولو بدون واسطة الجار، وبعض بشرط خروجه عن التفضيل، أَى هو عالم من يضل فيكون على هذا مفعولا به أَو مضافاً إِليه لخروجه عن التفضيل، وهذا ضعيف من حيث الإِضافة أَو نصب المفعول، فإن اسم التفضيل ولو خرج عنه لم يقم دليل على نصبه المفعول ولا على إِضافته لما لم يكن أَعم منه، فإِنه يجوز يوسف أَحسن أَولاد يعقوب لأَن لفظ أَولاد يعقوب شامل ليوسف ولو أَخرج بالمعنى، ولا يجوز يوسف أَحسن إِخوته لأَن إِخوة يوسف لا يشمل يوسف، ولو أُضيف أَعلم إِلى من على بقاءِ التفضيل لكان المعنى هو أَعلم الضالين فيكون ضالا - حاشاه - وليس المراد أَيضا أَن الضالين عالمون والله أَعلم منهم، بل المراد الله أَعلم من كل أَحد بالضالين، وأَعلم من كل أَحد يعلم الضالين، ومعنى التفضيل أَن علمه قديم أَبدى لا يخرج عنه شئ وأَنه ذاتى، كذا فى قوله {وَهُوَ أَعْلَمُ} من كل أَحد {بِالمهْتَدِينَ} دليل على أَن المراد هو أَعلم بمن يضل عن سبيله، والجملتان تأكيد لقوله: وإن تطع.. إِلى: يخرصون.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} تقرير ـ كما قال بعض المحققين ـ لمضمون الشرطية وما بعدها وتأكيد لما يفيده من التحذير أي هو أعلم بالفريقين فاحذر أن تكون من الأولين. و {من} موصولة أو موصوفة في محل النصب على المفعولية بفعل دل عليه {أَعْلَمُ } ـ كما ذهب إليه الفارسي ـ أي يعلم لا به فإن أفعل لا ينصب الظاهر فيما إذا أريد به التفضيل على الصحيح خلافاً لبعض الكوفيين لأنه ضعيف لا يعمل عمل فعله، وإذا جرد لمعنى اسم الفاعل، فمنهم من جوز نصبه كما صرح به في «التسهيل»، وحينئذ يؤتى بمفعوله مجروراً بالباء أو اللام. ومن الناس من ادعى أن الباء هنا مقدرة ليتطابق طرفا الآية. ولا يجوز أن يكون أفعل مضافاً إلى (من) لفساد المعنى. وجوز أن تكون استفهامية مبتدأ والخبر {يُضِلَّ } والجملة معلق عنها الفعل المقدر، وإلى هذا ذهب الزجاج. ولا يخفى ما في التعبير في جانب الفريق الأول بما عبر به وفي جانب الفريق الثاني بالمهتدين مع عدم بيان ما اهتدوا إليه من الاعتناء بشأن الآخرين ومزيد التفرقة بينهم وبين الأولين. وقرىء {من يضل} بضم الياء على أن «من» مفعول لما أشير إليه من الفعل المقدر وفاعل {يُضِلَّ } ضمير راجع إليه ومفعوله محذوف أي يعلم من يضل الناس فيكون تأكيداً للتحذير عن طاعة الكفرة، وجوز أن تكون مجرورة بالإضافة أي أعلم المضلين / من قوله تعالى: { أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } تفسير : [الأعراف: 186] أو من قولك: أضللته إذا وجدته ضالاً كأحمدته إذا وجدته محموداً، وأن تكون استفهامية معلقاً عنها الفعل أيضاً، وأن يكون فاعل {يُضِلَّ } ضمير الله تعالى، و (من) منصوبة بما ذكر من الفعل المقدر أن يعلم من يضله الله تعالى، قيل: وكان الظاهر أن يقال: بالمهديين. وكأنه وجه العدول عنه الإشارة إلى أن الهداية صفة سابقة ثابتة لهم في أنفسهم كأنها غير محتاجة إلى جعل لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : كل مولود يولد على الفطرة»تفسير : بخلاف الضلال فإنه أمر طارىء أوجده فيهم فتأمل. والتفضيل في العلم إما بالنظر إلى المعلومات فإنها غير متناهية أو إلى وجوه العلم التي يمكن تعلقه بها، وإما باعتبار الكيفية وهي لزوم العلم له سبحانه أو كونه بالذات لا بالغير.

ابن عاشور

تفسير : تعليل لقوله: { أية : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك } تفسير : [الأنعام: 116] لأنّ مضمونه التّحذير من نزغاتهم وتوقّع التّضليل منهم وهو يقتضي أنّ المسلمين يريدون الاهتداء، فليجتنبوا الضالّين، وليهتدوا بالله الّذي يهديهم. وكذلك شأن (إنّ) إذا جاءت في خبر لا يحتاج لردّ الشكّ أو الإنكار: أن تفيد تأكيد الخبر ووصله بالّذي قبله، بحيث تغني غَناء فاء التّفريع، وتفيد التّعليل، ولمّا اشتملت الآيات المتقدّمة على بيان ضلال الضالّين، وهدى المهتدين، كان قوله: {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} تذييلاً لجميع تلك الأغراض. وتعريف المسند إليه بالإضافة في قوله: {إن ربك} لتشريف المضاف إليه، وإظهار أن هدي الرّسول عليه الصلاة والسلام هو الهُدى، وأنّ الّذين أخبر عنهم بأنّهم مُضلّون لا حظّ لهم في الهدى لأنّهم لم يتّخذوا الله ربّاً لهم. وقد قال أبو سفيان يوم أحُد: «لَنَا العُزّى ولا عُزّى لكم ــــ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجيبوه قولوا: « حديث : اللَّهُ مولانا ولا مولى لكم » تفسير : . و{أعلمُ} اسم تفضيل للدّلالة على أنّ الله لا يعزب عن علمه أحد من الضالّين، ولا أحد من المهتدين، وأنّ غير الله قد يعلم بعض المهتدين وبعض المضلّين، ويفوته علم كثير من الفريقين، وتخفَى عليه دخيلة بعض الفريقين. والضّمير في قوله: {هو أعلم} ضمير الفصل، لإفادة قصر المسند على المسند إليه، فالأعلمية بالضالّين والمهتدين مقصورة على الله تعالى، لا يشاركه فيها غيره، ووجه هذا القصر أنّ النّاس لا يشكّون في أنّ علمهم بالضالّين والمهتدين علم قاصر، لأنّ كلّ أحد إذا علم بعض أحوال الناس تخفى عليهم أحوال كثير من النّاس، وكلّهم يعلم قصور علمه، ويتحقّق أن ثمّة من هو أعلم من العالِم منهم، لكنّ المشركين يحسبون أنّ الأعلمية وصف لله تعالى ولآلهتهم، فنفي بالقصر أن يكون أحد يشارك الله في وصف الأعلميّة المطلقة. و{مَنْ} موصولة، وإعرابها نصب بنزع الخافض وهو الباء، كما دلّ عليه وجود الباء في قوله: {وهو أعلم بالمهتدين} لأنّ أفعل التّفضيل لا ينصب بنفسه مفعولاً به لضعف شبهه بالفعل، بل إنّما يتعدّى إلى المفعول بالباء أو باللاّم أو بإلى، ونصبه المفعول نادر، وحقّه هنا أن يعدّى بالباء، فحذفت الباء ايجازَ حذف، تعويلا على القرينة. وإنَّما حذف الحرف من الجملة الأولى، وأظهر في الثّانية، دون العكس، مع أنّ شأن القرينة أن تتقدّم، لأنّ أفعل التّفضيل يضاف إلى جمععٍ يكون المفضّل واحداً منهم، نحو: هو أعلم العلماء وأكرم الأسخياء، فلمّا كان المنصُوباننِ فيهما غير ظاهر عليهما الإعراب، يلتبس المفعول بالمضاف إليه، وذلك غير ملتبس في الجملة الأولى، لأنّ الصّلة فيها دالّة على أنّ المراد أنّ الله أعلم بهم، فلا يتوهّم أن يكون المعنى: الله أعلم الضّالّين عن سبيله، أي أعلم عالممٍ منهم، إذ لا يخطر ببال سامع أن يقال: فلان أعلم الجاهلين، لأنّه كلام مُتناقض، فإنّ الضّلال جهالة، ففساد المعنى يكون قرينة على إرادة المعنى المستقيم، وذلك من أنواع القرينة الحاليَّة، بخلاف ما لو قال: وهو أعلم المهتدين، فقد يتوهّم السّامع أنّ المراد أنّ الله أعلم المهتدين، أي أقوى المهتدين علماً، لأنّ الاهتداء من العلم. هذا ما لاح لي في نكتة تجريد قوله: {هو أعلم من يضل عن سبيله} من حرف الجرّ الّذي يتعدّى به {أعلم}.

د. أسعد حومد

تفسير : (117) - وَاللهُ أَعْلَمُ مِنْكَ، وَمِنْ جَمِيعِ العِبَادِ، بِمَنْ ضَلَّ مِنْ عِبَادِهِ عَنْ سَبِيلِهِ القَوِيمِ، وَبِمَنِ اهْتَدَى إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، لأَِنَّ أَعْمَالَ العِبَادِ مَنُوطَةٌ بِقَدَرِ الخَالِقِ وَمَشِيئَتِهِ، فَفَوِّض أَمْرَهُمْ إِلَى خَالِقِهِمْ، فَهُوَ العَلِيمُ بِالضَّالِّ مِنْهُمْ وَبِالمُهْتَدِي، وَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة ترى "هو" هذه فاعرف أنها تَرُدّ وتجيب على ما يمكن أن يقال، فهناك من يقول: أنا سوف أرى تصرفات فلان، ولأنك من البشر فمهما علمت عنه فأنت محدود الإداراك؛ لأنك سترى تصرفات فقط، ولن ترى انفعالات قلبه وتقلبات عقله، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو الأعلم؛ لأن الميزان كله عنده، إنه يدرك الظاهر والباطن، وهو سبحانه يقول هنا: "أعلم" وهناك "عليم"، و"العليم" هو من يرى ظاهر الأمر ويحيط به، لا الخافي منه، أما الذي يرى الظاهر والخفي فهو أعلم. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل كثيرة يعامل الناس بعلانيتهم، ويترك سرائرهم إلى الله. "حديث : وعندما قتل مسلم رجلاً أعلن الإسلام، سأله صلى الله عليه وسلم لماذا؟، قال: لأنه أعلن الإسلام نفاقاً. فقال صلى الله عليه وسلم: أشققت عن قلبه؟! تفسير : وسبحانه وتعالى "أعلم"؛ لأنه يعلم الظاهر والباطن، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ويقول الحق: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ * وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} ما الذي أدخل هذه المسألة في هذا السياق؟ لقد تكلم الحق عن أن هناك أعداء لكل نبي يلتمسون ثغرة في منهجه ليتكلموا فيها، وهذه هي مهمتهم التي هيأها الله لهم، فحين يقولون الاعتراضات نجد المنهج يرد عليهم وبذلك تنتفع الدعوة إلى أن تقوم الساعة. مثال ذلك نجد الجماعة الذين عارضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج، فحين قال لهم: أنني أسرى بي إلى المسجد الأقصى وعرج بي إلى السماء في ليلة واحدة، التمسوا له ثغرة لينفذوا منها ويضللوا غيرهم وقالوا له: أتدّعي أنك أتيتنا في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟!! لكنْ أبو بكر الصديق قال: إن كان قال فقد صدق، وهذا هو الإيمان الذي يحسن استقبال الأمر المخالف للنواميس. ويجادلون أبا بكر، فيقول: أنا صدقته في خبر السماء فكيف أكذبه في ذلك، مادام قال فقد صدق، وهذا كلام منطقي. لكنَّ المعارضين لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أتدّعي أنك أتيتها في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً! فأعطى صلى الله عليه وسلم لهم الأمارات ووصف لهم العير التي في الطريق، وغير ذلك من العلامات التي تجعل من الأمر حجة إلى يوم القيامة، ولو مرّت مسألة الإسراء والمعراج من غير أن يعترض أحد من الأعداء، لما وجدنا الحرارة في تصديقها. إننا نجد حالياً من يقول: وهل من المعقول أنه صلى الله عليه وسلم راح إلى بيت المقدس وجاء في ليلة؟ لابد أن ذلك كان حلماً. لو لم يقولوا هم هذا ما كنا عرفنا الرد؛ إنما هم قالوها حتى نعرف الرد ويظل الرد رادعاً إلى أن تقوم الساعة، وهذه هي المهمة التي جعلها الله للأعداء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لو قال لهم: إنني حلمت أني رحت بيت المقدس. أكان هناك من يعترض على أن يحلم النبي حتى ولو قال: إنه ذهب إلى آخر المعمورة إنه لا يجرؤ واحد أن يكذبه، لكنهم ما داموا قد كذبوه، ورفضوا تصديق الإسراء فهذا دليل على أنهم فهموا من الذهاب أنه ليس ذهاب رؤيا وإنما ذهاب قالب، لقد فهموا عنه أنه انتقل بجسده من مكة إلى بيت المقدس، ولذلك كذبوه، وهذا التكذيب منهم ينفعنا الآن، لنردَّ به على المكذبين المعاصرين. إذن فوجد الأعداء يهيج القرائح التي يمكن أن نرد على أية شُبَهٍ يثيرها أي إنسان سواء أكان ماضياً أم معاصراً. والحق هنا يقول:{فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام 118] هذه الآية لها قصة توضح كيف يحاول الأعداء اصطياد الثغرات لينفذوا منها، وقالوا: يقول النبي لكم: إن الميتة لا يحل أن تأكلوا منها، وما تذبحونه بأيديكم كلوا منه، والذبح لون من الموت، هذه هي الشبهة التي قالوها، وهي أولاً مغالطة في الأساليب؛ لأن الميتة غير المذبوحة وغير المقتولة. فالمذبوحة إنما ذبحناها لنطهرها من الدم؛ لذلك فالمناقشة الفقهية أو العلمية تهزم قولهم؛ لأن هناك فرقاً بين الموت والقتل. فالموت هو أخذ للحياة بدون سلب للبنية، إنما القتل هو سلب للبنية أولاً فتزهق الروح ويبقى الدم في الجسم. ثم هل يأخذ المشرع وهو الرب الأعلى الحكمة منّا أو أن الحكمة عنده هو وحده؟. وقد تبين لنا في عصرنا أن غير المؤمنين بدأوا في الاهتداء إلى أن الميتة فيها كل الفضلات الضارة، واهتدوا إلى إزالة كل الفضلات الضارة من الحيوانات التي يريدون أكلها؛ لأن تكوين جسم الحيوان يتشابه مع تكوين جسم الإنسان، فهو يأكل ويهضم ويمتص العناصر الغذائية ليتكون الدم والطاقة، وفي الجسد أجهزة تصفي وتنقي الجسم من السموم الضارة، فَالكُلْية مثلاً تصفّي الدم من البولينا وغيرها، ويسير الدم ليمر على الرئة ليأخذ الأوكسيجين، وكل ذلك لتخليص الجسد من الفضلات الضارة، وأوعية الدم في الإنسان والحيوان فيها الدم الصالح والدم الفاسد، والدم الفاسد هو الذي لم تتم تنقيته، وعندما نذبح الذبيحة ينزل منها الدم الفاسد وغيره، أي أننا ضحينا بالدم الصالح في سبيل وقايتنا من الدم الفاسد. لكنها إن ماتت دون ذبح؛ فآثار الدمين الاثنين موجودة. وكذلك آثار الفضلات التي كان يجب أن يتخلص منها، وهذا ما نفعله في هذا الأمر، لكن هل لنا مع الحق سبحانه وتعالى تعقل في شيء إلا في توثيق الحكم والاطمئنان إلى مجيئه منه جلت قدرته؟ كان جدلهم انهم قالوا: أنتم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله، فأنتم تظنون أنفسكم أحسن من الله، وهذا افتراء منهم. ثم إن الحيوان حين يموت لم يذكر عليه اسم الله، لكن الذبيحة التي نذبحها نذكر عليها اسم الله، فكأن الحق سبحانه وتعالى يوضح: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه. أي غير الميتة وغير ما يذبح للأصنام. {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام 118] إنَّ تلقي أي حكم من الحق، لا يصح أبداً أن نبحث عن علته أولاً ثم نؤمن به، بل علينا بعد أن نثق بأنه من الله الذي آمنا به. علينا إذن أن نأخذ الحكم الذي أمر به الله. {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119] وللآيتين- كما علمنا- سبب نزلتا من أجله وهو أن بعض المعارضين لرسول الله الذين يقفون من الدعوة موقف التكذيب والعمل على إبطالها والقضاء عليها, كانوا يُشيعون عند المؤمنين إشاعات قد تفت في عضدهم العقدي فعرضوا هذه المسألة وهي في ظاهرها تشكيك. وهم قد عرضوا القضية بهذا الشكل غير المتسق؛ لأن من الذي قتل؟ لقد قالوا: إن الميتة قتلها الله، فهل الله هو الذي قطع رقبتها؟ وهل ضربها الله على رأسها فأمات أصل إدارة الحياة وهو المخ؟ هل صوّب شيئاً إلى قلبها؟ سبحانه جل وعلا منزه عن مثل هذه الأفعال البشرية، فكيف يسمون الموت قتلاً؟ إن تسمية الموت قتلاَ هو الخطأ، فقولهم: كيف تبيحون لأنفسكم ما قتلتموه أي بالذبح. ولا تبيحون ما قتله الله أي أماته، فيه مغالطة في عرض القضية، ويريد الله سبحانه وتعالى أن يضع عند المؤمنين مناعة من هذه الهواجس التي يثيرونها؛ فقال: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام 118] وما معنى الذكر؟ إنّ عدم تحديد العلماء المعنى المقصود بالذكر، هو الذي أوجد بينهم خلافاً كبيراً. فسيدنا الإمام مالك يرى أنك إذا ذبحت ولم تذكر اسم الله سواء أكنت ناسياً أم عامداً فلا يصح لك ان تأكل من الذبيحة. ويرى الإمام أبو حنيفة: إذا كنت لم تسم ناسياً فكل مما ذبحت، لكن إن كنت عامداً فلا تأكل، والإمام الشافعي- رضي الله عنه- يرى: ما دمت مؤمناً ومقبلاً على الذبح وأنت مؤمن فَكُلْ مما لم تذكر اسم الله ناسياً أو عامداً لأن إيمانك ذكر لله. ونقول: ما هو الذكر؟ هل الذكر أن تقول باللسان؟ أو الذكر أن يمر الشيء بالخاطر؟ إن كنتم تقولون إنّ الذكر باللسان فلنبحث في الحديث القدسي الذي قاله الله تعالى: "حديث : أنا عند ظن عبدي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. " تفسير : إذن فقد سمّي ربنا الخاطر في النفس ذكراً وبذلك يصبح من حق الإمام الشافعي أن يقول ما قال. لذلك أقول: يجب أن نحدد معنى الذكر أولاً حتى ننهي الخلاف حول هذه المسألة، فليس من المقبول أن نقيم معركة حول معنى "الذكر"؛ لأن الذكر وهو خطور الأمر على البال قد يصحبه أن يخطر الأمر على اللسان مع الخطور على البال، وقد يظل خطوراً على البال فقط، بدليل ما جاء في الحديث السابق. والمؤمن حين يجد أمامه أشياء كثيرة، قد يوجد شيء جميل وآخر ليس له من الجمال شيء؛ فالجاموسة أقل في الجمال من بعض الحيوانات التي حرم الله أكلها، وأقبل المؤمنون على ذبح الجاموسة ليأكلوا منها. ولم نسمع عن مسلم تقدم إلى حيوان حرم الله أكله ليذبحه، لماذا؟ لأن المؤمن يقبل على ما أحل الله، وهذا الإقبال دليل على أنه ذكر في نفسه المحلل والمحرم وهو الله، إذن اختياره حيواناً للذبح دليل على أنه ذكر الله في النفس أو في القول، وبهذا نتفق على أن ذكر المؤمن يكون في قلبه قال أو لم يقل، وينتهي الخلاف في هذه المسألة. إذن الإمام الشافعي أخذ بهذه المسألة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن أكل المسلم من ذبيحة لا يعرف من ذبحها وهل سمّى أو لم يسمّ، أوضح لمن سأله: سمّ وَكُلْ. فالإنسان منا لا يحضر وقت الذبح دائماً، ويكفيه أن يستحضر المحلل والمحرم ساعة الأكل. والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: اذكروا اسم الله، وسبحانه يعلم أنك تقبل على أشياء لتفعلها. وهذه الأشياء تنقسم إلى قسمين: قسم يمر على بالك قبل أن تفعله، وقسم لا يمر على بالك، بل تفعله تلقائياً بدون ما يمر على البال، ومثال ذلك الأفعال العكسية كلها التي يفعلها الإنسان إنها لا تمر على باله. فلو حدث أن حاول واحد أن يضع إصبعه في عين آخر، فهذا الآخر يغمض عينيه تلقائياً. ويختلف ذلك عن الفعل الذي تفكر فيه قبل أن تفعله. فالذي يفعل الفعل بعد أن يمر بخاطره هو فعل ذو بال. ولذلك أراد الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يكلفنا عناء أو مشقة؛ فقال: "حديث : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع. " تفسير : والأمر ذو بال هو الأمر الذي يكون قد خطر على بالك أن تفعله أو لا تفعله. إذن فالله سبحانه وتعالى لا يكلفنا إلا عند الأمر الذي يمر على الخاطر؛ لأنك حين تقبل على أي فعل فينفعل لك كما تريد، إن هذا من عطاء الله لك، وأنت حين تذبح عجلاً، أو خروفاً، وتتأمل أنت كيف يُقدرك الله على هذا الكائن الحي. وإنك لم تفعل ذلك إلا لتسخير الله كٌلَّ الكائنات لك. فباسم الله تذبحه. إذن هناك أمور كثيرة وأفعال ذات بال تمر عليك ومن حسن الأدب والإيمان أن تقبل عليها باسم الله. ولذلك يخطئ بعض الناس حين يظنون أن الإنسان عندما يذبح حيواناً فهو يؤذيه. لا، بل ذبح هذا الحيوان هو تكملة لمهمته في الحياة؛ لأنه مخلوق لهذا الهدف ومذلل له. لقد قلنا سابقاً: إن هناك عجيبة من عجائب المزاولات الفعلية، هذه العجيبة أنك حين تأتي إلى الحيوانات التي لم يحلها الله للإِنسان، كالحمار مثلا إذا ما تعرضت هذه الحيوانات إلى ما يميتها، كأن التف حول عنقه حبل، واختنق فهو يموت دون أن يمد رقبته إلى الأمام، لكن الحيوان الذي أحله الله للأكل؛ مثل الجاموسة أو الخروف أو العجل، نجد الحيوان من هذه الحيوانات إن اختنق يمد رأسه إلى الإمام، فيقول أهل الريف في مصر: إنه يطلب الحلال، أي الذبح. فلا يسمى ذبح الحيوان اعتداء عليه؛ لأن الحيوان مخلوق لهذه المهمة. إذن فمعنى كلمة "باسم الله" أي أنني لم أجترئ على هذا العمل إلا في إطار اسم الله الذي أحل لي هذا. بعد ذلك يقول الحق للمؤمنين: لا تسمعوا كلام الكافرين، ويأتي السؤال الاستنكاري: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} والمعنى: أي سبب يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه؟ وقد فصل لكم ما حرم عليكم، فما ذكر اسم الله عليه ليس من ضمن المحرمات التي نص الله عليها، فربنا سبحانه هو من حلل وحرم. وإن قيل: ما دام قد حرم علينا بعض الأشياء فلماذا خلقت هذه الأشياء؟ ونقول: إن من يفكر بمثل هذا الأسلوب يتناسى أن كل مخلوق من الحيوانات ليس مخلوقاً للأكل، بل لكلٍ حيوان مهمة. وإن ذبحت محرماً، فقد يناقص هذا الفعل مهمته فالخنزير - مثلاً - حرّمه ربنا؛ إن ذبحته فستذهب به بعيداً عن مهمته؛ لأنه مخلوق كي يلم جراثيم الأشياء التي لا تراها العين، فأنت حين تذبحه تخرجه عن مهمته. والحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإِنسان، ويعلم ما يناسبه من غذاء يولد الطاقة ولا يهدر الصحة؛ لذلك حرم وحلل له، وإياك أن تقول: إن الله سبحانه وتعالى لم يحرم إلا الشيء الضار؛ فقد حرم شيئاً غير ضار لأنه يريد بذلك الأدب في: "افعل هذا" و"لا تفعل هذا". ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 160] وفي حياتنا اليومية هل تقول: إن الذين يربون أبناءنا في الجيش بالشدة، يقسون على الأبناء؟ لا، بل إنهم يعدّونهم لمواجهة المهام الشاقة. وأن يتعوّدوا التزام الأدب والطاعة والانضباط، فكذلك حلل الحق ما أراد وحرم ما شاء ليجعل الكون منضبطاً بقدرة الحكيم القادر، فسبحانه يحرم أشياء مثل المخدرات، ونحن في بعض الأحيان نتناولها لنداوي بها الأمراض، فلو أخذها الإِنسان من غير مرض أو داعٍ فإنّها تسرق الصحة من بنية الإِنسان، وإن أخذها من بعد ذلك للعلاج لا تأتي بالمفعول المطلوب منها. ولذلك نجد من الأطباء من يسأل الإِنسان قبل إجراء الجراحات الدقيقة إن كان المريض قد تناول المخدرات أو لا، وذلك حتى يتعرف الأطباء على حقيقة ما يصلح له من ألوان التخدير. وسبحانه وتعالى قد منع عنا تلك الألوان من مغيبات العقول، لعلنا نحتاج إليها في لحظة الشدة والمرض. إذن فالحق سبحانه وتعالى قد ربط كل حكم من الأحكام التحليلية والتحريمية بـ "إن كنتم مؤمنين"، ومعنى "إن كنتم مؤمنين" أي يا من آمنتم بالإِله الحكيم الذي لا يأمر إلا بما فيه مصلحتكم، امتنعوا عن مثل تلك الأفعال، وإذا أقبلت على أي شيء مما أحله الله لك فأقبل عليه باسم الله، وسبحانه وتعالى له أسماء علمها لنا، وأنزلها في كتابه، وأسماء علمها لأحد من خلقه، وأسماء استأثر بها في علم الغيب عنده، وهذه الأسماء هي صفات الكمال لله، التي لا توجد في غيره. وحين نستحضر الاسم الجامع لكل صفات الكمال نقول: باسم الله. وتنهي المسألة. وحين ناقش العلماء مسألة التحريم والتحليل، قال بعضهم: إن الحق سبحانه وتعالى قال في أول سورة المائدة: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} تفسير : [المائدة: 3] وهنا في سورة الأنعام يقول: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] والمتنبهون من العلماء قالوا: إن سورة المائدة مدنية، ومعنى كونها مدنية أنها نزلت بعد السورة المكية، وسورة الأنعام مكية، وهل يقول الحق في السورة المكية {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} في السورة المدنية؟ وبعض العلماء الذين أعطاهم ربنا نور بصيرة قال: لقد فصل لكم في سورة المائدة وجاء أيضاً في سورة الأنعام فقال: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الأنعام: 145] أي فصل لك في هذه السورة المكية. وقد يأتي واحد من المولعين بالاعتراض أو من خصوم الإسلام ويقول: لم تذكر الآية كل الأشياء المحرمة لماذا؟ ونقول: القرآن هو الخطوط الأساسية في المنهج، وتأتي السنة بالتفصيل في إطار: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ..} تفسير : [الحشر: 7] والحق يقول هنا: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ..} [الأنعام: 119] واضطرار هو أمر ملجئ إلى شيء غير الأسباب الكونية المشروعة. ومعنى كونه مضطراً أنه يلجأ إلى شيء فقد أسبابه المشروعة كالذي يريد أن يأكل ليستبقي الحياة، فإذا لم يجد من الحل ما يستبقي به الحياة فهو مضطر. ونقول له: خذ من غير ما أحل الله بالقدر الذي يدفع عنك الضرورة, فكل من الميتة بقدر الضرورة ولا تشبع. والحق يقول: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ..} تفسير : [المائدة: 3] والمخمصة هي المجاعة. إذن فالاضطرار هو شيء فوق الأسباب المشروعة للعمل. والله سبحانه وتعالى يعطي الإنسان الرخصة في أن يتناول ما حرمه إذا كان مضطراً. {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ..} [الأنعام: 119] والذين يضلون بأهوائهم بغير علم هم من أرادوا زراعة الشك في نفوس المسلمين, ومعنى الضلال بالهوى أي أن تكون عالما بالقضية، ولكن هواك يعدل بك عن مراد الحق من القضية. ولذلك يصف الحق رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النجم: 3] وحين يقول الحق: {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِ} فمعنى ذلك أنه يوجد ضلال بغير هوى، وهو عدم وصول الإنسان إلى الحقيقة؛ لأنه لا يعرف الطريق إليها، والضلال بالهوى أي أن تكون عندك الحقيقة وأنت عارف بدورها ولكنك تعدل عنها: {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ..} [الأنعام: 119] وساعة ترى مجيء متعلق بعد "يضلون" وهو قوله: {بِأَهْوَائِهِم} تقول كأن هناك ضلالاً بغير علم، وهو غير مذموم؛ لأن صاحبه لا يعرف الحكم في القضية، وهذا يختلف عن الذي يضل وهو يعرف الحكم، فهذا ضلال بالهوى، وهذا الفهم يحل لنا إشكالات كثيرة أيضاً. و{بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي ليس عندهم علم بالقضية وأحكامها. ويذيل الحق الآية بقوله: {..إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119] وقد أفسح الله في النص القرآني لبعض خلقه الذين يعرفون المهتدى من غير المهتدى، والكثير من الناس لا يعلمون المهتدى من غير المهتدى ولكن إن علموا فالله أعلم. ويقول الحق بعد ذلك: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ..}

الجيلاني

تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ} من أصحاب التقليد {وَهُوَ} أيضاً {أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 117] من أرباب الشهود والمكاشفة لا يفيد تغريرهم وإضلالهم. وإذا علمتم أيها المؤمنون أن الهداية والإضلال بيد الله لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا بتحريم المباح وتحليل الحرام {فَكُلُواْ} أي: من الأزواج الثمانية وما يشبهها {مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} عند ذبحه مستبيحين محللين على أنفسكم {إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 118] ويأحكامه مصدقين ممتثلين. {وَمَا لَكُمْ} وأي شيء عرض لكم ويمنعكم {أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَ} الحال أنه {قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ} ربكم {مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} في قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ...}تفسير : [المائدة: 3]. فعليكم ألاَّ تأكلوا المحرمات {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} حينئذ يباح لكم منها مقدار سد جرعة {وَإِنَّ كَثِيراً} من الناس {لَّيُضِلُّونَ} في أنفسهم ويضلون غيرهم من الضعفاء بتحليل المحرمات، وتحريم المحللات بلا سند شرعي {بِأَهْوَائِهِم} الباطلة {بِغَيْرِ عِلْمٍ} بما عند الله فلا تتبعوا ولا تقتفوا أثرهم {إِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119] المتجاوزين عن حدوده بمتابعة أهوائهم الفاسدة فيجازيهم على مقتضى علمه. {وَذَرُواْ} أيها المؤمنون {ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ} أي: الإقدام عليه والاتصاف به {وَبَاطِنَهُ} أي: أخطاره وإجراءه على القلب {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ} ويميون إليه متلذذين {سَيُجْزَوْنَ} في النشأة الأخرى {بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 120] أي: بمقدار ما يتلذذون.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 117]؛ لأنه قَسَّم الضلالة والهدى يضل من يشاء وهو أعلم بمستحقي الضلالة من مستحقي الهداية. {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 118]؛ يعني: من أمارات الإيمان كلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع وتذيبوه بذكر الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أذيبوا طعامكم بذكر الله"تفسير : فإن الأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة على العصيان يورث موت الجنان والحرمان على الجنان، {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] أيها الطلاب؛ يعني: الدنيا وما فيها، والآخرة وما هو من نعيمها، فإن الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا، وهما حرامان على أهل الله، {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] من ضروريات البشرية في الدارين بأمر المولى ولا بالطبع والهوى، {وَإِنَّ كَثِيراً} [الأنعام: 119]؛ يعني: من أهل الأهواء، {لَّيُضِلُّونَ} [الأنعام: 119]، عن سبيل وطلب الحق، {بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119]؛ يعني: بمتابعة أهوائهم في طلب الدنيا والركون إلى العقبى، ولا يعلمون أنهم مفتونون وعن باب الحق مطرودون، {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119]، الذين جاوزوا طلب المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى. ثم أخبر عن جزاء أهل الأهواء بقوله تعالى: {وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: 120]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى كما خلق الإنسان ظاهراً: هو بدن جسماني وباطناً: هو قلب روحاني، فكذلك جعل الإثم ظاهراً: وهو كل قول وفعل موافق للطبع مخالف للشرع، وباطناً: وهو كل خلق حيواني ومسعى شيطاني جبلت النفس عليه. فقال تعالى: {وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: 120]؛ أي: اتركوا أعمال الطبيعة باستعمال الأعمال الشرعية، واتركوا الأخلاق الذميمة النفسانية بالتخلق بالأخلاق الملكية الروحانية، {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ} [الأنعام: 120] ظاهره بواطنه بالأفعال والأخلاق، {سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 120] عاجلاً وآجلاً. أمَّا عاجلاً: فلكل فعل وقول طبيعي ظلمة تصدأ مرآة القلب فيخرف مزاج الأخلاق القلبية الروحانية، ويتقوى مزاج الأخلاق النفسانية الظلمانية، وبه يقلب الهوى ويميل إلى الدنيا وشهواتها، فبإظهار كل خلق منها على وفق الهوى يزيد ريناً وقسوة في القلب فيحتجب به عن الله تعالى، كما قال الله عز وجل: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} تفسير : [المطففين: 15].