Verse. 907 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

فَكُلُوْا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللہِ عَلَيْہِ اِنْ كُنْتُمْ بِاٰيٰتِہٖ مُؤْمِنِيْنَ۝۱۱۸
Fakuloo mimma thukira ismu Allahi AAalayhi in kuntum biayatihi mumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فكلوا مما ذكر اسم الله عليه» أي ذبح على اسمه «إن كنتم بآياته مؤمنين».

118

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مباحث نذكرها في معرض السؤال والجواب. السؤال الأول: «الفاء» في قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } يقتضي تعلقاً بما تقدم، فما ذلك الشيء؟ والجواب: قوله: {فَكُلُواْ } مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحللون الحرام ويحرمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوه مما قتلتموه أنتم. فقال الله للمسلمين إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله. السؤال الثاني: القوم كانوا يبيحون أكل ما ذبح على اسم الله ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أنهم أيضاً كانوا يبيحون أكل الميتة، والمسلمون كانوا يحرمونها، وإذا كان كذلك كان ورود الأمر بإباحة ما ذكر اسم الله عليه عبثاً لأنه يقتضي إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه. والجواب: فيه وجهان: الأول: لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة، فالله تعالى رد عليهم في الأمرين، فحكم بحل المذكاة بقوله: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } وبتحريم الميتة بقوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } الثاني: أن نحمل قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } على أن المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، فيكون المعنى على هذا الوجه تحريم أكل الميتة فقط. السؤال الثالث: قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } صيغة الأمر، وهي للإباحة. وهذه الإباحة حاصلة في حق المؤمن وغير المؤمن، وكلمة {إن} في قوله: {إِن كُنتُم بِآيَـٰتِهِ مُؤْمِنِينَ } تفيد الاشتراط. والجواب: التقدير ليكن أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين والمراد أنه لو حكم بإباحة أكل الميتة لقدح ذلك في كونه مؤمناً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} نزلت بسبب أناس أتَوُا النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنا نأكل ما نقتل ولا نأكل ما قتل الله؟ فنزلت «فَكُلُوا ـ إلى قوله ـ وَإِنْ أَطَعْتُموهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ» خرجه الترمذيّ وغيره. قال عطاء: هذه الآية أمرٌ بذكر ٱسم الله على الشَّراب والذبح وكلّ مطعوم. وقوله: {إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} أي بأحكامه وأوامره آخذين؛ فإن الإيمان بها يتضمّن ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها.

ابن كثير

تفسير : هذا إباحة من الله لعباده المؤمنين، أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه أنه لا يباح مالم يذكر اسم الله عليه؛ كما كان يستبيحه كفار قريش من أكل الميتات، وأكل ما ذبح على النصب وغيرها، ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، فقال: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} أي: قد بين لكم ما حرم عليكم، ووضحه، وقرأ بعضهم {فَصَّلَ} بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح، {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} أي: إلا في حال الاضطرار؛ فإنه يباح لكم ما وجدتم، ثم بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة؛ من استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } أي ذبح على اسمه {إِن كُنتُم بِئَايَٰتِهِ مُؤْمِنِينَ }.

الشوكاني

تفسير : لما تقدم ذكر ما يصنعه الكفار في الأنعام من تلك السنن الجاهلية، أمر الله المسلمين بأن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه. وقيل: إنها نزلت في سبب خاص وسيأتي، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما ذكر الذابح عليه اسم الله حلّ إن كان مما أباح الله أكله. وقال عطاء: في هذه الآية الأمر بذكر الله على الشراب والذبح وكل مطعوم، والشرط في {إِن كُنتُم بِآيَـٰتِهِ مُؤْمِنِينَ } للتهييج والإلهاب، أي بأحكامه من الأوامر والنواهي التي من جملتها الأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه، والاستفهام في {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } للإنكار، أي ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه بعد أن أذن الله لكم بذلك؟ والحال أن {قَدْ فَصَّل لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} أي بين لكم بياناً مفصلاً يدفع الشك، ويزيل الشبهة بقوله: {أية : قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَي مُحَرَّمًا } تفسير : [الأنعام: 145] إلى آخر الآية، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } أي من جميع ما حرّمه عليكم، فإن الضرورة تحلل الحرام، وقد تقدّم تحقيقه في البقرة. قرأ نافع، ويعقوب "وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" بفتح الفعلين على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وابن كثير، بالضم فيهما على البناء للمفعول. وقرأ عطية العوفي «فصل» بالتخفيف، أي أبان وأظهر. قوله: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ } هم الكفار الذين كانوا يحرّمون البحيرة والسائبة ونحوهما، فإنهم بهذه الأفعال المبنية على الجهل، كانوا يضلون الناس، فيتبعونهم، ولا يعلمون أن ذلك جهل وضلالة، لا يرجع إلى شيء من العلم، ثم أمرهم الله أن يتركوا ظاهر الإثم وباطنه. والظاهر: ما كان يظهر كأفعال الجوارح. والباطن: ما كان لا يظهر كأفعال القلب؛ وقيل ما أعلنتم وما أسررتم. وقيل: الزنا الظاهر، والزنا المكتوم وأضاف الظاهر والباطن إلى الإثم، لأنه يتسبب عنهما، ثم توعد الكاسبين للإثم بالجزاء بسبب افترائهم على الله سبحانه. وقد أخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } إلى قوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } فإنه حلال {إِن كُنتُم بِآيَـٰتِهِ } يعني القرآن {مُّؤْمِنِينَ } قال: مصدقين {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } يعني: الذبائح {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } يعني: ما حرّم عليكم من الميتة {وَإِنَّ كَثِيرًا } يعني من مشركي العرب {لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني في أمر الذبائح. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } أي من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ } قال: هو نكاح الأمهات والبنات {وَبَاطِنَهُ } قال: هو الزنا. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: الظاهر منه {أية : لا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 22] و {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَـٰتُكُمْ وَأَخَوٰتُكُمْ } تفسير : [النساء: 23] الآية، والباطن: الزنا. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: علانيته وسرّه.

ابن عطية

تفسير : القصد بهذه الآية النهي عما ذبح للنصب وغيرها وعن الميتة وأنواعها، فجاءت العبارة أمراً بما يضاد ما قصد النهي عنه، ولا قصد في الآية إلى ما نسي فيه المؤمن التسمية أو تعمدها بالترك، وقال عطاء: هذه الآية أمر بذكر اسم الله على الشراب والطعام والذبح وكل مطعوم وقوله {إن كنتم بآياته مؤمنين} أي إن كنتم بأحكامه وأوامره آخذين، فإن الإيمان بها يتضمن ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها، وقوله تعالى: {وما لكم ألا تأكلوا} الآية، {ما} استفهام يتضمن التقرير، وتقدير هذا الكلام أي شيء لكم في أن لا تأكلوا، فـ "أن" في موضع خفض بتقدير حرف الجر، ويصح أن تكون في موضع نصب على أن لا يقدر حرف جر ويكون الناصب معنى الفعل الذي في قوله {ما لكم} تقديره ما يجعلكم {وقد فصل لكم ما حرم} أي قد بين لكم الحرام من الحلال وأزيل عنكم اللبس والشك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر "وقد فُصِّل لكم ما حُرِّم عليكم" على بناء الفعل للمفعول في الفعلين وقرأ نافع وحفص عن عاصم "وقد فَصَّل لكم ما حُرِّم عليكم" على بناء الفعل للفاعل في الفعلين، وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي "وقد فُصِّل" على بناء الفعل إلى المفعول، وقرأ عطية العوفي "وقد فصَل" على بناء الفعل للفاعل وفتح الصاد وتخفيفها، "ما حُرِّم" على بناء الفعل للمفعول، والمعنى قد فصل الحرام من الحلال وانتزعه بالنبيين، و {ما} في قوله {إلا ما اضطررتم} يريد بها من جميع ما حرم كالميتة وغيرها، وهي في موضع نصب بالاستثناء والاستثناء منقطع، وقوله تعالى {وإن كثيراً} يريد الكفرة المحادين المجادلين في المطاعم بما ذكرناه من قولهم: تأكلون ما تذبحون ولا تأكلون ما ذبح الله، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "ليَضلون" بفتح الياء على معنى إسناد الضلال إليهم في هذه السورة وفي يونس {أية : ربنا ليضلوا} تفسير : [الآية:88] وفي سورة إبراهيم {أية : أنداداً ليضلوا} تفسير : [الآية: 30] وفي الحج {أية : ثاني عطفه ليضل} تفسير : [الآية:9] وفي لقمان {أية : ليضل عن سبيل الله بغير علم} تفسير : [الآية: 6] وفي الزمر {أية : أنداداً ليضل} تفسير : [الزمر:8]. وقرأ نافع وابن عامر كذلك في هذه وفي يونس وفي الأربعة التي بعد هذه يضمان الياء على معنى إسناد إضلال غيرهم إليهم، وهذه أبلغ في ذمهم لأن كل مضل ضال وليس كل ضال مضلاً، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي في المواضع الستة "ليضُلون" بضم الياء على معنى إسناد إضلال غيرهم إليهم، ثم بين عز وجل في ضلالهم أنه على أقبح الوجوه وأنه بالهوى لا بالنظر والتأمل، و {بغير علم} معناه في غير نظر فإن لمن يضل بنظر ما بعض عذر لا ينفع في أنه اجتهد، ثم توعدهم تعالى بقوله: {إن ربك أعلم بالمعتدين}.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} هذا جواب لقول المشركين حيث قالوا للمسلمين أتأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل ربكم؟ فقال الله تعالى للمسلمين فكلوا أنتم ما ذكر اسم الله عليه من الذبائح: {إن كنتم بآياته مؤمنين} وقيل كانوا يحرمون أصنافاً من النعم ويحلون الميتة فقيل: أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله، فعلى هذا القول تكون الآية خطاباً للمشركين. وعلى القول الأول تكون الآية خطاباً للمسلمين وهو الأصح لقوله في آخر الآية: {إن كنتم بآياته مؤمنين} {وما لكم ألاّ تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} يعني وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا وما يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وهذا تأكيد في إباحة ما ذبح على اسم الله دون غيره: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} يعني وقد بين لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون. وقال جمهور المفسرين: المراد بقوله وقد فصل لكم ما حرم عليكم المحرمات المذكورة في قوله تعالى:{أية : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به}تفسير : [المائدة: 3] وأورد الإمام فخر الدين الرازي ها هنا إشكالاً فقال: في سورة الأنعام مكية وسورة المائدة من آخر ما أنزل الله تعالى بالمدينة، وقد فصل يجب أن يكون ذلك المفصل متقدماً على هذا المحل والمدني متأخر على المكي فيمتنع كونه متقدماً ثم قال بل الأولى أن يقال قوله تعالى بعد هذه الآية {أية : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير}تفسير : [الأَنعام: 145] وهذه الآية وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل إلا أن هذا القدر من المتأخر لا يمنع أن يكون هو المراد قال كاتبه ولما ذكره المفسرون وجه وهو أن الله لما علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول حسن عود الضمير في قوله وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلى ما هو متقدم في الترتيب وهو قوله {أية : حرمت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3] الآية والله أعلم بمراده. قوله تعالى: {إلا ما اضررتم إليه} يعني إلا أن تدعوكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة فيباح لكم ذلك عند الاضطرار {وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم} يعني وإن كثيراً من الذين يجادلونكم في أكل الميتة ويحتجون عليكم في ذلك بقولهم أتأكلون ما تذبحون ولا تأكلون ما يذبحه الله، وإنما قالوا هذه المقالة جهلاً منهم بغير علم منهم بصحة ما يقولون بل يتبعون أهواءهم ليضلوا أنفسهم وأتباعهم بذلك. وقيل: المراد به عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من بحرَ البحائر وسيَّب السوائب وأباح الميتة وغير دين إبراهيم عليه السلام {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} يعني إن ربك يا محمد هو أعلم بمن تعدى حدوده فأحل ما حرم وحرم ما أحل الله فهو يجازيهم على سوء صنيعهم. قوله عز وجل: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} يعني وذروا أيها الناس ما يوجب الإثم وهي الذنوب والمعاصي كلها سرها وعلانيتها قليلها وكثيرها، قال الربيع بن أنس: نهى الله عن ظاهر الإثم وباطنه أن يعمل به سراً وعلانية وقال سعيد بن جبير: في هذه الآية الظاهر منه قوله:{أية : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} تفسير : [النساء: 22] ونكاح المحارم من الأمهات والبنات والأخوات والباطن الزنا، وقال السدي: أما الظاهر فالزواني في الحوانيت وهنَّ أصحاب الرايات. وأما الباطن فالمرأة يتخذها الرجل صديقة فيأتيها سراً، وقال الضحاك: كان أهل الجاهلية يستسرون بالزنا ويرون أن ذلك حلالاً ما كان سراً فحرم الله السر منه والعلانية، وقال ابن زيد: ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في الطواف والباطن الزنا، وقال الكلبي: ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهاراً عراة وباطنه طواف النساء بالليل عراة وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك إلى أن جاء الإسلام فنهى الله عن ذلك كله. وقيل: إن هذا النهي عام في جميع المحرمات التي نهى الله عنها وهو الأصح لأن تخصيص العام بصورة معينة من غير دليل لا يجوز، فعلى هذا القول يكون معنى الآية وذروا ما أعلنتم به وما أسررتم من الذنوب كلها، قال ابن الأنباري: وذروا الإثم من جميع جهاته. وقيل: المراد بظاهر الإثم الإقدام على الذنوب من غير مبالاة وباطنه ترك الذنوب لخوف الله عز وجل لا خوف الناس وقيل المراد بظاهر الإثم أفعال الجوارح وباطنه أفعال القلوب فيدخل في ذلك الحسد والكبر والعجب إرادة السوء للمسلمين ونحو ذلك. وقوله عز وجل: {إن الذين يكسبون الإثم} يعني إن الذين يعملون بما نهاهم الله عنه ويرتكبون ما حرم عليهم من المعاصي وغيرها {سيجزون} يعني في الآخرة {بما كانوا يقترفون} يعني بما كانوا يسكبون في الدنيا من الآثام وظاهر هذا النص يدل على عقاب المذنب أنه مخصوص بمن لم يتب لأن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب العبد من الذنب توبة صحيحة لم يعاقب وزاد أهل السنة في ذلك، فقالوا: المذنب إذا لم يتب فهو في خطر المشيئة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه بفضله وكرمه، وقوله تعالى:{أية : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}تفسير : [الأَنعام: 121] قال ابن عباس: الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها، وقال عطاء الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام اهـ. (فصل) اختلف العلماء في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها فذهب قوم إلى تحريمها سواء تركها عامداً أو ناسياً: وهو قول ابن سيرين والشعبي ونقله الإمام فخر الدين الرازي عن مالك، ونقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام أو شراب فهو حرام. احتجوا في ذلك بظاهر هذه الآية. وقال الثوري وأبو حنيفة: إن ترك التسمية عامداً لا تحل وإن تركها ناسياً تحل. وقال الشافعي: تحل الذبيحة سواء ترك التسمية عامداً أو ناسياً، ونقله البغوي عن ابن عباس ومالك ونقل ابن الجوزي عن أحمد روايتين: فيما إذا ترك التسمية عامداً وإن تركها ناسياً حلت فمن أباح أكل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها قال: المراد من الآية الميتات وما ذبح على اسم الأصنام بدليل أنه قال تعالى في سياق الآية {أية : وإنه لفسق}تفسير : [الأَنعام: 121] وأجمع العلماء على أن آكل ذبيحة المسلم التي تُرك التسمية عليها لا يفسق واحتجوا أيضاً في إباحتها بما روى البخاري في صحيحه حديث : عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت يا رسول الله إن هنا أقواماً حديثاً عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان فما ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا قال "اذكروا أنتم اسم الله وكلوا"تفسير : قالوا لو كانت التسمية شرطاً للإباحة لكان الشك في وجودها مانعاً من أكلها كالشك في أصل الذبح وقول الشافعي في أول الآية وإن كان عاماً بحسب الصيغة إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة وهي قوله وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم أنكم لمشركون علمنا أن المراد من هذا العموم هو الخصوص والفسق ذكر اسم غير الله في الذبح ما قال في آخر السورة {أية : قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه}تفسير : [الأَنعام: 145] إلى قوله {أية : أو فسقاً أهل لغير الله به}تفسير : [الأَنعام: 145] فصار هذا الفسق الذي أهلّ لغير الله به مفسراً لقوله {أية : وإنه لفسق}تفسير : [الأَنعام: 121].

ابن عادل

تفسير : في هذه الفَاءِ وجهان: أحدهما: أنَّها جواب شَرْط مُقدَّر. قال الزَّمخْشَريُّ بعد كلام: فقيل للمُسْلِمِين: إن كُنْتم مُتَحَقِّقِين بالإيمان، فكُلوا [وذلك أنَّهم كانوا يَقُولون للمُسْلِمين: إنَّكم تَزْعُمون أنَّكم تَعْبُدُون اللَّه، فما قتله الله أحَقُّ أن تَأكُلُوا ممَّا قَتَلْتُمُوه أنْتُم، وقال الله - تعالى - للمسلمين: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}. والثاني: أنها عَاطِفَة على مَحْذُوف. قال الواحدي: "ودخَلَت الفاءُ للعطْف على ما دلَّ عليه أوَّل الكلام، كأنه قِيل: كونوا على الهُدَى، فكُلُوا". والظَّاهر: أنَّها عَاطِفة على ما تقدَّم من مَضْمُون الجُمَل المُتقدّمَة كأنه قيل: "اتَّبِعُوا ما أمركُم اللَّه تعالى من أكْلِ المُذَكَّى دون الميتة، فكُلُوا". فإن قيل: إنهم كَانُوا يُبيحُون أكْل ما ذُبِح على اسْمِ اللَّه - تعالى -، ولا يُنَازعون فيه، وإنما النِّزاع في أنَّهم أيْضاً كَانُوا يُبِيحُون أكْل الميتة، والمُسْلِمُون كَانُوا يَحْرِّمُونها، وإذا كان كذلك، كان وُرُود الأمْر بإبَاحة ما ذُكِر اسم الله عليه عِبْئاً، لأنَّه يقتضي إثْبَات الحُكْم في المتَّفْقِ عليه، وترك الحُكْم في المُخْتَلِف فيه. فالجواب: لعلَّ القوم يحرِّمُون أكْل المُذَكَّاة، ويُبِيحُون أكْل المَيْتَة، فاللَّه - تبارك وتعالى - ردَّ عليهم في الأمْرَيْن، فحكم بحلِّ المُذَكَّاة بقوله: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} وبتحريم المَيْتَة بقوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} تفسير : [الأنعام:121] أو يُحْمل قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} على أن المُرَاد: اجْعَلوا أكْلَكُم مقصوراً على ما ذكر اسْمُ الله عليه، فيكون المَعْنَى على هذا الوجه، تَحْرِيم أكْل المَيْتَة فقط. قوله: "ومَا لَكُمْ" مُبْتَدأ وخبر، وقوله: "ألاَّ تَأكُلوا" فيه قولان: أحدهما: هو حَذْف حَرْف الجرِّ، أي: أيُّ شَيْء اسْتَقَرَّ في مَنْع الأكْل ممَّا ذكر اسْم اللَّه عليه؛ وهو قول أبي إسْحَاق الزَّجَّاج فلما حُذِفَتْ "في" جَرَى القولان المَشْهُوران، ولم يذكر الزَّمَخْشَرِيُّ غير هذا الوجه. الثاني: أنَّها في محل نَصْبٍ على الحالِ، والتَّقْدير: وأيُّ شَيْء لَكُم تَاركين للأكْل، ويؤيِّد ذلك وُقوع الحالِ الصَّريحة في مِثْل التَّركيب كَثِيراً، نحو: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر:49] إلاَّ أن هذا مَرْدُود بِوَجْهَيْن: أحدهما: أنَّ "أنْ" تُخَلِّص الفِعْل للاسْتِقْبَال، فكيف يَقَعُ ما بَعْدَها حالاً؟ والثاني: أنَّها مع ما بعدها مُؤوَّلة بالمصدر، وهو أشْبَه بالمُضْمَرَات كما تقدَّم تحريره، والحال إنَّما تكُون نكرة. قال أبُو البقاء: إلاَّ أن يُقَدَّر حَذْفُ مُضاف، فَيَجُوز، أي: "وما لَكُم ذَوِي ألا تَأكلوا" وفي تَكَلُّف، فمفعول "تَأكُلُوا" مَحْذوف بَقِيتْ صفَته، تقديره: "شَيْئاً مما ذُكِر اسْمُ اللَّه" ويجُوز ألاَ يُراد مَفْعُول، بل المُراد: ومَال لكُم ألا يقع منكم الأكْل، وتكون "مِنْ" لابْتِدَاء الغَاية، أي: أن لا تَبْتَدِئُوا بالأكْل من المَذْكُور عليه اسم اللَّه، وزُعِم، أنَّ "لاَ" مَزِيدة، وهذا فَاسِدٌ؛ إذا لا داعِي لِزيَادتها. قوله: "وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ" قرأ ابْنُ كَثِير، وأبُو عَمْرو، وابنُ عَامِر: ببنائهما للمفعُول: ونافع، وحفصٌ عن عاصم: ببنَائِهَما للفاعل، وحمزة، والكسَائِيُّ، وأبُو بكر عن عاصم: ببناء الأوَّل للفاعل، وبناء الثُّانِي للمَفْعُول، ولم يأت عكْس هذه، وقرأ عطيَّة العُوفيُّ كقراءة الأخَويْن، إلاَّ أنَّه خفف الصَّاد من "فَص‍َّل" والقَائِم مقام الفاعل: هو المَوْصُول، وعائده من قوله: "حرَّم عَلَيْكُم". والفَاعِل في قراءة مَنْ بَنَى للفَاعِل ضمير اللَّه - تعالى -، والجُمْلَة في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ. فصل في المراد من الآية قوله: {فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُم} قال أكثر المُفَسِّرين: هو المُراد من قوله تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ} تفسير : في أوَّل المائدة [الآية:3]، وفيه إشْكَالٌ، وهو أنَّ سُورة الأنْعَام مَكيَّة، وسُورة المائدة من آخر ما أنْزَل اللَّه - تعالى - بالمدينة، فقوله: "فصَّل" يَجِبُ أن يكُون ذلك المُفَصَّل متقدِّماً على هذا المُجْمَل، والمَدَنِيّ متأخِّر عن المَكِيّ، فيمتنع كونه مُتقدِّماً، ولقَائِل أن يقول: المُفَصّل: هو قوله - تبارك وتعالى - بعد هذه الاية الكريمة: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} تفسير : [الأنعام:145]، الآية، وهي وإن كانت مَذْكُورة بعد هذه الآية بقليل, إلا أنَّ هذا القَدْر من التَّأخير لا يمنع أن يكُون هو المُرَاد، خُصُوصاً أن السُّورة نزلت دَفْعَة واحِدَة بإجْماع المُفَسِّرين على ما تقدَّم، فيكون في حُكْم المُقارن. قوله: {إلاَّ ما اضْطُرِرْتُم إليه} في الاسْتِثْنَاء وجهان: أحدهما: أنَّه مُنْقَطِع، قاله ابن عطيَّة والحُوفِي. والثاني: أنه [اسْتِثْنَاء] متَّصِل. قال أبو البقاء: "ما" في مَوْضِع نَصْبٍ على الاسْتِثْنَاء من الجِنْس من طريق المَعْنى؛ لأنه وبِّخَهُم بترك الأكل مِمَّا سُمِّي عليه، وذلك يَتَضَمّن الإباحة مُطْلَقاً. قال شهاب الدِّين: الأوَّل أوْضَح والاتِّصال قلق المَعْنَى، ثم قال: "وقوله: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُم} أي: في حَالِ الاخْتِيَار، وذلك حلالٌ حال الاضْطِرارِ". قوله: {وإنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّون} قرأ الكوفيُّون بضمِّ الياء، وكذا الَّتِي في يُونس: {أية : رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ} تفسير : [الآية:88] والباقون: بالفَتْح، وسيأتي لذلك نَظَائِر في إبْراهيم وغيرها، والقراءتان واضِحَتَان؛ فإنه يٌقال: ضلَّ في نَفْسَه، وأضَلَّ غيره، فالمَفْعُول مَحْذُوف على قراءة الكُوفيين: وهي أبْلَغ في الذَّمِّ، فإنها تتضَّمن قُبْحَ فِعْلِهم، حَيْث ضلوا في أنْفُسِهِم، وأضَلُّوا غيرهم؛ كقوله - تعالى -: {أية : وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [المائدة:77]. قيل المُراد بِه: عمرو بن لُحَيّ فمن دُونه من المشركين الَّذين اتخذوا البَحَائِر والسَّوَائِب وقراءة الفَتح لا تُحوِجُ إلى حذف، فرجَّحها بَعْضُهم بهذا وأيضاً: فإنهم أجْمَعُوا على الفَتْح في "ص" عند قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [26]. وقوله: "بِأهْوَائِهِم" متعلِّق بـ "يَضِلُّونَ" والباءُ سَبَبيَّة، أي: بِسَبب اتِّباعهم أهْواءَهم، وشهواتهم. وقوله: "بغير عِلْم" متعلِّق بِمَحْذُوف، لأنه حالٌ، أي: يَضِلُّون مُصَاحِبِين للجَهْلِ أي: مُلْتَبِسين بغير علمٍ. فصل في المراد بالآية قيل: المُرَاد: عمرو بن لُحَيّ كما تقدَّم؛ لأنَّه أول من غير دين إسماعيل. وقال الزَّجَّاج: المراد منه الَّذِين يُحَلِّلُون المَيْتَة، ويناظِرُونكم في إحلالها، ويَحْتَجون عليها بقولهم لما أحَلَّ ما تَذْبَحُونه أنْتُم، فَبأن يحلَّ ما يَذْبَحُه الله أوْلَى، وكذلك كل ما يَضِلُّون فيه من عبادة الأوثان، والطَّعْن في نُبُوّة محمد صلى الله عليه وسلم وإنما يتِّبِعُون فيه الهوى والشَّهوة [بغير عِلْم, وهذه الآية تدلُّ على أن التقليد حَرَام؛ لأنَّه قول بمحض الَهوَى والشَّهْوة] ثم قال: {إِنَّ رَبَّك هُوَ أعْلم بالمُعْتَدين} أي: هو العالم بما في ضَمَائِرِهم من التَّعَدِّي، وطلب نُصْرة البَاطِل، والسَّعي في إخْفَاء الحقِّ، وإذا كان عَالِماً بأحْوَالهم وقَادِراً على مجازاتهم فهو تعالى يجازيهم عليها والمقصُود منه التَّهْديد والتخويف.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنأكل مما قتلنا ولا نأكل مما يقتل الله؟ فأنزل الله {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين} إلى قوله {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} فإنه حلال {إن كنتم بآياته مؤمنين} يعني بالقرآن مصدقين {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} يعني الذبائح {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} يعني ما حرم عليكم من الميتة {وإن كثيراً} من مشركي العرب {ليضلون بأهوائهم بغير علم} يعني في أمر الذبائح وغيره {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وقد فصل لكم} يقول: بين لكم {ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} أي من الميتة والدم ولحم الخنزير . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {وقد فصل لكم} مثقلة بنصب الفاء {ما حرم عليكم} برفع الحاء وكسر الراء {وإن كثيراً ليضلون} برفع الياء . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس {وذروا ظاهر الإثم} قال: هو نكاح الأمهات والبنات {وباطنه} قال: هو الزنا . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} قال: الظاهر منه {أية : لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء}تفسير : [النساء: 22] و {أية : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم} تفسير : [النساء: 23] الآية، والباطن الزنا . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} قال: علانيته وسره . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} قال: ما يحدث به الإنسان نفسه مما هو عامله . وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} قال: نهى الله عن ظاهر الاثم وباطنه أن يعمل به .

القشيري

تفسير : هذا في حكم التفسير مختص بالذبيحة، وفي معنى الإشارة منع الأكل على الغفلة، فإِن من أكل على الغفلة فما دامت تلك القوةُ باقيةً فيه فخواطره إما هواجس النَّفْس أو وساوس الشيطان.

اسماعيل حقي

تفسير : {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ان كنتم بآياته مؤمنين} مسبب عن انكار اتباع المضلين الذين يحرمون الحلال ويحللون الحرام. والمعنى كلوا ايها المؤمنون مما ذكر اسم الله تعالى خاصة على ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره فقط او مع اسم الله تعالى او مات حتف انفه فان الايمان بالآيات القرآنية يقتضى استباحة ما احله الله والاجتناب عما حرمه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {فكلوا مما ذُكر اسم الله عليه} عند ذبحه، ولا تتورعوا منه، {إن كنتم بآياته مؤمنين}، فإن الإيمان يقتضي استباحة ما أحل الله تعالى، واجتناب ما حرمه، {وما لكم ألاَّ تأكلوا مما ذُكر اسم الله عليه} أي: ما يمنعكم منه، وأيّ غرض لكم في التحرُّج عن أكله؟. {وقد فصَّل لكم} في الكتاب، أو فصَّل الله لكم {ما حرم عليكم} مما لم يحرم بقوله: {أية : حُرِمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ...}تفسير : [المَائدة:3] الآية {إلا ما اضطررتم إليه} مما حرم عليكم؛ فإنه حلال حال الضرورة. {وإنَّ كثيرًا ليُضلون} بتحليل الحرام وتحريم الحلال {بأهوائهم} أي: بمجرد أهوائهم {بغير علم} ولا دليل، بل بتشهي أنفسهم، {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} المجاوزين الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام، {وذَرُوا} أي: اتركوا {ظاهرَ الإثم وباطنه} أي: سره وعلانيته، أو ما يتعلق بالجوارح والقلب، {إن الذين يكسبون الإثم} سرًا أو علانية، {سيُجزون بما كانوا يقترفون}؛ يكتسبون. ولما أمرهم بأكل الحلال نهاهم عن الحرام، فقال: {ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه}، بأن ترك التسمية عليه عمدًا لا سهوًا؛ كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: تؤكل مطلقًا، لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : ذَبِيحَةُ المُسلِم حَلالٌّ وإن لَم يُذكَر اسمُ اللهِ عَلَيهِ "تفسير : ، وقال أحمد وداود: لا تؤكل إن تركت مطلقًا، عمدًا أو سهوًا. وقال ابن جزي: إنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها مما ذُبح للنُصب، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك. وقال عطاء: هذه الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب. هـ. {وإنه} أي: الأكل مما لم يُذكر اسم الله عليه {لفسق} أو: وإنه ـ أي: عدم ذكر اسم الله على الذبيحة، لفسق ومن تزيين الشياطين، {إن الشياطين ليُوحون}؛ ليوسوسون {إلى أوليائهم} من الكفار {ليُجادلوكم} بقولهم: إنكم تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله الله. وهذا يؤيد أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه هو الميتة، {وإنْ أطعتموهم} في استحلال ما حرمتُ عليكم، {إنكم لمشركون} مثلهم، لأن مَن أحلّ ما حرّم الله فقد كفر، والجواب عن شبهتهم: أن الذكاة تطهير لخبث الميتة، مع ضرب من التعبّد. الإشارة: ليس المراد من التسمية على الطعام أو غيره مجرد اللفظ، وإنما المراد حضور المسمى، وهو شهود المنعم في تلك النعمة؛ لأن الوقت الذي يغلب فيه حظ النفس، ينبغي للذاكر المتيقظ أن يغلب فيه جانب الحق، فيكون تناوله لتلك النعمة بالله من الله إلى الله، وهذا هو المقصود من الأمر بذكر اسم الله، لأن الاسم عين المسمى في التحقيق، فإن كان الأكل أو غيره مما شرعت التسمية في أوله، على هذا التيقظ، فهو طائع لله وعابد له في أكله وشربه، وسائر أحواله، وإن كان غافلاً عن هذا، فأكله فسق، قال تعالى: {وَلا تَأكُلُوا مِمَّا لَم يُذكَرِ اسمُ اللهِ عَلَيهِ وَإنَّهُ لَفسقٌ}، سبب ذلك: غلبة الغفلة. والغفلة من وحي الشيطان، {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم}. أو: ولا تنظروا إلى الأشياء بعين الفرق والغفلة، بل اذكروا اسم الله عليها وكلوها بفكرتكم {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله} عليه من الأشياء؛ فإنه غفلة وفسق في الشهود، وقوله تعالى: {وَذَرُوا ظاهِرَ الإثمِ}؛ هو ما ظهر على الجوارح من الذنوب، وقوله: {وباطنه}؛ هو ما كمن في السرائر من العيوب. والله تعالى أعلم. ثم حذر من الشرك والكفر، فقال: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ}.

الطوسي

تفسير : قيل في دخول الفاء في قوله {فكلوا} قولان: أحدهما - انه جواب لقول المشركين لما قالوا للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ فكأنه قيل: اعرضوا عن جهلكم فكلوا. والثاني - ان يكون عطفا على ما دل عليه أول الكلام، كأنه قال: كونوا على الهدى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه. وقوله {فكلوا}، وان كان لفظه لفظ الامر، فالمراد به الاباحة، لان الاكل ليس بواجب ولا مندوب، اللهم الا ان يكون في الاكل استعانة على طاعة الله، فانه يكون الاكل مرغبا فيه، وربما كان واجبا، فأما ما يمسك الرمق فخارج عن ذلك، لانه عند ذلك يكون الانسان ملجأ الى تناوله. ومثل هذه الآية في لفظ الامر والمراد به الاباحة قوله {أية : وإذا حللتم فاصطادوا} تفسير : وقوله{أية : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض}تفسير : والاصطياد والانتشار مباحان بلا خلاف. وقوله {مما ذكر اسم الله عليه} فالذكر المسنون هو قول بسم الله. وقيل كل اسم يختص الله تعالى به أو صفة مختصة كقوله بسم الله الرحمن الرحيم أو بسم القدير أو بسم القادر لنفسه أو العالم لنفسه، وما يجري مجرى ذلك. والاول مجمع على جوازه والظاهر يقتضي جوازه غيره، ولقوله {أية : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}. تفسير : وقوله {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} خطاب للمؤمنين وفيه دلالة على وجوب التسمية على الذبيحة، لان الظاهر يقتضي أن ما لا يسمى عليه لا يجوز أكله بدلالة قوله {إن كنتم بآياته مؤمنين} لان هذا يقتضي مخالفة المشركين في أكلهم ما لم يذكر اسم الله عليه، فأما ما لم يذكر اسم الله عليه سهوا أو نسيانا فانه يجوز أكله على كل حال. والآية تدل على أن ذبائح الكفار لا يجوز أكلها، لانهم لا يسمون الله عليها. ومن سمى منهم لانه لا يعتقد وجوب ذلك بل يعتقد ان الذي يسميه هو الذي أبدى شرع موسى أو عيسى وكذب محمد بن عبد الله، وذلك لا يكون الله، فاذا هم ذاكرون اسم شيطان والاسم انما يكون المسمى مخصوص بالقصد. وذلك مفتقر الى معرفته واعتقاده، والكفار على مذهبنا لا يعرفون الله تعالى، فكيف يصح منهم تسميته تعالى؟! وفي ذلك دلالة واضحة على ما قلناه. ومعنى قوله {إن كنتم بآياته مؤمنين} ان كنتم عرفتم الله وعرفتم رسوله وصحة ما أتاكم به من عند الله، وهذا التحليل عام لجميع الخلق وان خص به المؤمنين بقوله {إن كنتم بآياته مؤمنين} لان ما حلل الله للمؤمنين، فهو حلال لجميع المكلفين وما حرم عليهم حرام على الجميع.

الجنابذي

تفسير : {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} ولا تبالوا بما قالوا من انّكم تأكلون ما قتلتم بأيدكم ولا تأكلون ما قتله الله من الانعام، وبعد ما علمت انّ الاكل أعمّ من فعل القوى والاعضاء وصفات النّفس وادراك المدارك الظّاهرة والباطنة والعقائد العقلانيّة، وانّ الاصل فى اسم الله هو الولاية وانّها الاسم الاعظم وان لا اسم الاّ وهو ظلّ لذلك الاسم الاعظم، وانّ عليّاً (ع) هو مظهره الاتمّ ولذا ورد عنه: لا اسم اعظم منّى، امكنك تعميم الاكل فى كلّ فعل وقول واكل وشرب وادراك وخاطر وعلم ومعرفة واعتقاد وكشف وشهود وعيان، فانّ الكلّ اكل بالنّسبة الى القوى الّتى هى مبدأه، وكذا امكنك تعميم اسم الله فى الاسم القولىّ والقلبىّ المتّصلين بصورته الملكوتيّة الّتى تسمّى فكراً وسكينةً وحضوراً وذكراً حقيقيّاً فى لسانهم، فكلّ ما فعل مع الحضور عند الاسم الاعظم وتذكّره بصورته الملكوتيّة فهو حلال ولا وزر معه ولا وبال، ومع تذكّر الاسم الاعظم بما قلنا لا يقع منه ما هو مكروه الاسم الاعظم ومكروهه مكروه الله فلا يقع منه حرام خارج عن السّنة ولذا قيل: شعر : "كفر كيرد ملّتى ملّت شود" تفسير : ومع عدم ذكر الله لا بالقول ولا بالقلب ولا بالفكر كلّما فعل وان مباحاً كان حراماً كما قيل: شعر : "هر جه كَيرد علّتى علّت شود" تفسير : وعن الصّادق (ع) فى حديث ذكر الانهار انّه قال: فما سقت واستقت فهو لنا وما كان لنا فهو لشيعتنا، وليس لعدوّنا منه شيءٌ الاّ ما غصب عليه، وانّ وليّنا لفى اوسع فيما بين ذه وذه مشيراً الى السّماء والارض ثمّ تلا: قل هى للّذين آمنوا فى الحيوة الدّنيا المغصوبين عليها خالصة لهم يوم القيامة بلا غصبٍ، وقد ورد: ولىّ علىٍّ (ع) لا يأكل الاّ الحلال كما قيل: شعر : كر بكَيرد خون جهان رامال مال كى خورد مرد خدا الاّ حلال تفسير : {إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} واعظم الآيات محمّد (ص) وعلىّ (ع) وهو شرط تهييج على نفى التحرّج عن فعل ذكر اسم الله عليه وعدم الاعتناء بقول اصحاب التّخمين والظّنّ، او تقييد لاباحة ما ذكر اسم الله عليه.

اطفيش

تفسير : {فكُلوا مما ذُكر اسْمُ اللهِ عليهِ} قيل: الخطاب للمؤمنين والباء سببية عما تأثر فيهم من الزجر عن اتباع المضلين، أو رابطة لجواب شرط محذوف أى إن تحققهم ضلالهم أو إن انتهيتم عن اتباعهم، فكلوا مما ذكر اسم الله عليه عند الذكاة لا مما ذكر عليه اسم غيره أو مات بلا ذكاة، أو بذكاة بلا ذكر عليه، إلا ما ذبح مؤمن ولم يذكر عليه اسم الله نسياناً فقيل: يؤكل، وقيل: لا، وقيل: إنه يؤكل ولو تعمد تركها بلا إنكار لها، ولا قصد مخالفة، وقائل هذا يرى أن الآية فى تحريم ما ذبح على اسم غير الله تعالى، والآية ولو سيقت جواباً لقولهم للمسلمين تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله، لكن صح أن تكون جواباً باعتبار مفهومه، وهو أن ما مات بلا ذكاة لا يذكر اسم الله عليه، فكأنه قيل: فكلوا مما مات بذكاة وذكر اسم الله، لا مما مات بلا ذكاة، ولا مما مات بذكاة ولم يذكر اسم الله وحده عليه. ولا مانع من أن يكون فى الجواب زيادة عما الكلام فيه، وأكد ذلك بالتصريح بعد إذا قال: {أية : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله} تفسير : وقيل: لعلهم كانوا يحرمون المذكاة، ويبيحون الميتة فرد عليهم بإباحة المذكاة، لكن مع اسم الله بقوله: {فكلوا} إلخ، وبتحريم الميتة بقوله: { ولا تأكلوا} إلخ، ثم رأيت ما ذكرت قبل هذا القول وجها ثانيا للفخر، والحمد لله، وكذا هو تخريج القاضى. وقيل: الخطاب للمشركين ويضعفه قوله: {إنْ كُنْتُم بآياته مُؤْمِنينَ} فإن مثل بهذا إنما يقال لمن آمن، كأنه قيل: إن تحقق ما عندكم من الإيمان، لأن الإيمان يوجب تحليل ما حلل الله، وتحريم ما حرم، لكن يقويه قوله تعالى:

اطفيش

تفسير : خطاب للمسلمين، أَى إِن كنتم محققين فى الإِيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه عند ذبحه أَو نحره أَو صيده من البر وحده لا مما ذكر اسم الله عليه ومن غيره، ولا مما ذكر اسم الله عليه واسم غيره عليه معا، فأَولى أَن لا يأكلوا مما ذكر اسم غيره عليه وحده، وأَما ما مات حتف أَنفه فقيل منه ذلك لأَنه لم يذكر اسم الله عليه لأَن اللفظ ذكر اسم الله، والمراد وحده فلا يحل مالم يذكر عليه، أَو ما ذكر معه غيره، وقيل من قوله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وجواب إن أَغنى عنه ما قبله، والفاء عاطفة على محذوف، أَى كونوا على الهدى فكلوا واتبعوا ما أَمركم الله به فكلوا فإِن الإِيمان به يقتضى الاقتصار على ما أَباح، وفى الأَثر قول بجواز أَكل ما ذكر اسم الله عليه واسم غيره معا، وهو ضعيف لا يعمل به إِلا أَنه مقدم عند الاضطرار على ما ذكر عليه اسم غير الله وحده.

الالوسي

تفسير : {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أمر مترتب على النهي عن اتباع المضلين الذين من جملة إضلالهم تحليل الحرام وتحريم الحلال، فقد ذكر الواحدي أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قبلها فقال عليه الصلاة والسلام: الله تعالى قتلها قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الصقر والكلب حلال وما قتله الله تعالى حرام فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال عكرمة: إن المجوس من أهل فارس لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش وكانوا أولياءهم في الجاهلية وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً عليه الصلاة والسلام وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله تعالى ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو حلال وما ذبح الله تعالى فهو حرام فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء فأنزل سبحانه الآية وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وجماعة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت اليهود إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنأكل مما قتلنا ولا نأكل مما يقتل الله تعالى فأنزل الله تعالى الآية، والمعنى على ما ذهب إليه غير واحد: كلوا مما ذكر اسم الله تعالى على ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره خاصة أو مع اسمه عز اسمه أو مات حتف أنفه، والحصر ـ كما قيل ـ مستفاد من عدم اتباع المضلين ومن الشرط ولولا ذلك لكان هذا الكلام متعرضاً لما لا يحتاج إليه ساكتاً عما يحتاج إليه، وادعى بعضهم أن لا حصر واستفادة عدم حل ما مات حتف أنفه من صريح النظم أعني قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا } الخ وهو مخالف لما عليه الجمهور. {إِن كُنتُم بِآيَـٰتِهِ} التي من جملتها الآيات الواردة في هذا الشأن {مُّؤْمِنِينَ} فإن الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحل الله تعالى واجتناب ما حرم، وقيل: المعنى إن صرتم عالمين حقائق الأمور التي هذا الأمر من جملتها بسبب إيمانكم، وقيل: المراد إن كنتم متصفين بالإيمان وعلى يقين منه فإن التصديق يختلف ظناً وتقليداً وتحقيقاً، والجار والمجرور متعلق بما بعده وقدم رعاية للفواصل؛ وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه.

ابن عاشور

تفسير : هذا تخلّص من محاجّة المشركين وبيان ضلالهم، المذيَّل بقوله: { أية : إنّ ربّك هو أعلم من يضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } تفسير : [الأنعام: 117]. انتقل الكلام من ذلك إلى تبيين شرائع هدى للمهتدين، وإبطاللِ شرائع شَرَعها المضلّون، تبيينا يزيل التّشابه والاختلاط. ولذلك خللت الأحكام المشروعة للمسلمين، بأضدادها الّتي كان شرعها المشركون وسلَفُهم. وما تُشعر به الفاء من التفريع يقضي باتّصال هذه الجملة بالَّتي قبلها، ووجه ذلك: أنّ قوله تعالى: { أية : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله } تفسير : [الأنعام: 116] تضمّن إبطال ما ألقاه المشركون من الشّبهة على المسلمين: في تحريم الميتة، إذ قالوا للنّبيء صلى الله عليه وسلم « حديث : تزعم أن ما قتلتَ أنت وأصحابك وما قتل الكلب والصّقر حلال أكلُه، وأنّ ما قتل اللَّهُ حرام » تفسير : وأنّ ذلك ممّا شمله قوله تعالى: { أية : وإن هم إلاّ يَخْرصون } تفسير : [الأنعام: 116]، فلمّا نهى الله عن اتِّباعهم، وسمّى شرائعهم خرصاً، فرّع عليه هنا الأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه، أي عند قتله، أي ما نُحر أو ذُبح وذُكر اسم الله عليه، والنّهيَ عن أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه، ومنه الميتة، فإنّ الميتة لا يذكر اسم الله عليها، ولذلك عقبت هذه الآية بآية: { أية : وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائِهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنَّكم لمشركون } تفسير : [الأنعام: 121]. فتبيّن أنّ الفاء للتّفريع على معلوم من المراد من الآية السّابقة. والأمر في قوله: {فكلوا} للإباحة. ولمّا لم يكن يخطر ببال أحد أنّ ما ذُكر اسم الله عليه يحرم أكلُه، لأنّ هذا لم يكن معروفاً عند المسلمين، ولا عند المشركين، علم أنّ المقصود من الإباحة ليس رفع الحرج، ولكن بيان ما هو المباح، وتمييزه عن ضدّه من الميتة وما ذبح على النُّصُّب. والخطاب للمسلمين. وقوله: {مما ذكر اسم الله عليه} دلّ على أنّ الموصول صادق على الذّبيحة، لأنّ العرب كانوا يذكرون عند الذّبح أو النّحر اسم المقصود بتلك الذكاة، يجهرون بذكر اسمه، ولذلك قيل فيه: أُهِلّ به لغير الله، أي أُعلن. والمعنى كلوا المذكّى ولا تأكلوا الميتة. فما ذُكر اسم الله عليه كناية عن المذبوح لأنّ التّسمية إنَّما تكون عند الذّبح. وتعليق فعل الإباحة بما ذكر اسم الله عليه؛ أفهم أنّ غير ما ذكر اسم الله عليه لا يأكله المسلمون، وهذا الغير يساوي معناه معنى ما ذكر اسمُ غير الله عليه، لأنّ عادتهم أن لا يذبحوا ذبيحة إلاّ ذكروا عليها اسم الله، إن كانت هديا في الحجّ، أو ذبيحة للكعبة، وإن كانت قرباناً للأصنام أو للجنّ ذكروا عليها اسم المتقرّب إليه. فصار قوله: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} مفيداً النّهي عن أكل ما ذُكر اسم غير الله عليه، والنّهي عمّا لم يذكر عليه اسم الله ولا اسم غير الله، لأنّ ترك ذكر اسم الله بينهم لا يكون إلاّ لقصد تجنّب ذكره. وعلم من ذلك أيضاً النّهي عن أكل الميتة ونحوها، ممّا لم تقصد ذكاته، لأنّ ذكر اسم الله أو اسم غيره إنَّما يكون عند إرادة ذبح الحيوان. كما هو معروف لديهم، فدلت هذه الجملة على تعيين أكل ما ذكّي دون الميتة، بناء على عرف المسلمين لأنّ النّهي موجّه إليهم. وممّا يؤيّد ذلك: ما في «الكشاف»، أنّ الفقهاء تأوّلوا قوله الآتي: «ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه» بأنَّه أراد به الميتة، وبناء على فهم أن يَكون قد ذُكر اسم الله عليه عند ذكاته دون ما ذكر عليه اسم غير الله، أخذا من مقام الإباحة والاقتصارِ فيه على هذا دون غيره، وليس في الآية صيغة قصر، ولا مفهوم مخالفة، ولكن بعضها من دلالة صريح اللّفظ، وبعضها من سياقه، وهذه الدّلالة الأخيرة من مستتبعات التّراكيب المستفادة بالعقل الّتي لا توصف بحقيقة ولا مجاز. وبهذا يُعلم أن لا علاقة للآية بحكم نسيان التّسمية عند الذّبح، فإنّ تلك مسألة أخرى لها أدلَّتها وليس من شأن التّشريع القرآني التعرّض للأحوال النّادرة. و«على» للاستعلاء المجازي، تدلّ على شدّة اتَّصال فعل الذّكر بذات الذّبيحة، بمعنى أن يذكر اسم الله عليها عند مباشرة الذّبح لا قبله أو بعده. وقوله: {إن كنتم بآياته مؤمنين} تقييد للاقتصار المفهوم: من فعل الإباحة، وتعليققِ المجرور به، وهو تحريض على التزام ذلك، وعدم التّساهل فيه، حتّى جعل من علامات كون فاعله مؤمناً، وذلك حيث كان شعارُ أهل الشّرك ذكرَ اسم غير الله على معظم الذّبائح. فأمّا ترك التّسمية: فإن كان لقصد تجنّب ذكر اسم الله فهو مساو لذكر اسم غير الله، وإن كان لسهو فحكمه يُعرف من أدلّة غير هذه الآية، منها قوله تعالى: { أية : ربَّنا لا تؤاخذنا إن نسينا } تفسير : [البقرة: 286] وأدلّة أخرى من كلام النّبيء صلى الله عليه وسلم.

الواحدي

تفسير : {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} أَيْ: ممَّا ذكِّي على اسم الله {إن كنتم بآياته مؤمنين} تأكيدٌ لاستحلال ما أباحه الشَّرع ثمَّ أبلغَ في إباحة ما ذبح على اسم الله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: مما ذكر اسم الله عليه: أي قيل عند ذبحه أو نحره بسم الله والله أكبر. فصل لكم ما حرم عليكم: أي بين لكم ما حرم عليكم مما أحل لكم وذلك في سورة النحل. إلا ما اضطررتم إليه: أي ألجأتكم الضرورة وهي خوف الضرر من الجوع. المعتدين: المتجاوزين الحلال إلى الحرام، والحق إلى الباطل. ذروا ظاهر الإِثم: اتركوا: الإِثم الظاهر والباطن وهو كل ضار فاسد قبيح. يقترفون: يكسبون الآثام والذنوب. وإنه لفسق: أي الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه. فسق عن طاعة الله تعالى. إلى أوليائهم ليجادلوكم: أي من الإِنس ليخاصموكم في ترك الأكل من الميتة. لمشركون: حيث أحلوا لكم ما حرم عليكم فاعتقدتم حله فكنتم بذلك عابديهم وعبادة غير الله تعالى شرك. معنى الآيات: مما أوحى به شياطين الجن إلى إخوانهم من شياطين الإِنس أن قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. كيف تأكلون ما تقتلونه أنتم وتمتنعون عن أكل ما يقتله الله؟ فأنزل الله تعالى قوله {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}. فأمر المؤمنين بعدم الاستجابة لما يقوله المشركون، وقال {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أي: أي شيء يمنعكم من الأكل مما ذكر اسم الله عليه؟ {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ} أي بين لكم غاية التبيين {مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} من المطاعم {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} أي ألجأتكم الضرورة إليه كمن خاف على نفسه الهلاك من شدة الجوع فإنه يأكل مما حرم في حال الإِختيار. ثم أعلمهم أن كثيراً من الناس يضلون غيرهم بأهوائهم بغير علم فيحلون ويحرمون بدون علم وهم في ذلك ظلمة معتدون لأن التحريم والتحليل من حق الرب تعالى لا من حق أي أحد من الناس وتوعدهم بما دل عليه قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} ولازمه أنه سيجازيهم باعتدائهم وظلمهم بما يستحقون من العذاب على اعتدائهم على حق الله تعالى في التشريع بالتحليل والتحريم. وقوله تعالى في الآية الثالثة: [120] {وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} يأمر تعالى عباده بترك ظاهر الإِثم كالزنى العلني وسائر المعاصي، وباطن الإِثم كالزنى السري وسائر الذنوب الخفية وهو شامل لأعمال القلوب وهي باطنة وأعمال الجوارح وهي ظاهرة، لأن الإِثم كل ضار فاسد قبيح كالشرك، والزنى وغيرهما من سائر المحرمات. ثم توعد الذين لا يمتثلون أمره تعالى بترك ظاهر الإِثم وباطنه بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} أي سيجزيهم يوم القيامة بما اكتسبوه من الذنوب والآثام ولا ينجو إلا من تاب منهم وصحت توبته وفي الآية الأخيرة في هذا السياق [121] يقول تعالى ناهياً عباده عن الأكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه من ذبائح المشركين والمجوس فقال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} وأخبر أن الأكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه وهو ذبائح المشركين والمجوس فسق خروج عن طاعة الرب تعالى وهو مقتّضٍ للكفر لما فيه من الرضا بذكر اسم الآلهة التي تعبد من دون الله تعالى، ثم أخبرهم تعالى بأن الشياطين وهم المردة من الجن يوحون إلى الأخباث من الإِنسان من أوليائهم الذين استجابوا لهم في عبادة الأوثان يوحون إليهم بمثل قولهم: كيف تحرمون ما قتل الله وتحلون ما قتلتم أنتم؟ ليجادلوكم بذلك، ويحذر تعالى المؤمنين من طاعتهم وقبول وسواسهم فيقول {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} فأكلتم ذبائحهم أو تركتم أكل ما ذبحتم أنتم وقد ذكرتم عليه اسم الله، {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} لأنكم استجبتم لما تأمر به الشياطين تاركين ما يأمر به رب العالمين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حِلُّ الأكل من ذبائح المسلمين. 2- وجوب ذكر اسم الله على بهيمة الأنعام عند تذكيتها. 3- حرمة اتباع الأهواء ووجوب اتباع العلماء. 4- وجوب ترك الإِثم ظاهراً كان أو باطناً وسواء كان من أعمال القلوب أو أعمال الجوارح. 5- حرمة الأكل من ذبائح المشركين والمجوس والملاحدة البلاشفة الشيوعيين. 6- اعتقاد حل طاعة الشياطين شرك والعياذ بالله تعالى.

القطان

تفسير : بعد أن بين الله ضلال مشركي العرب ومن على شاكلتهم في عقائدهم، لأنهم خراصون ضالون- أردف ذلك بيان مسألة هامة لها خطرها هي مسألة الذبائح لغير الله. {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ....}. واذا كان الله تعالى هو الذي يعلم المهتدين من الضالين، فلا تلتفتوا أيها المؤمنين الى ضلال المشركين في تحريم بعض الانعام. كلوا منها، فقد رزقكم الله إياها، وجعلها حلالاً لكم، واذكروا اسم الله تعالى عليها عند ذبحها إن كنتم مؤمنين. وكان مشركو العرب وغيرهم من الوثنين وارباب الملل المختلفة يجعلون الذبائح من امور العبادات، ويقرنونها بأصول الدين والاعتقادات، فيتعبدون بذبحها لآلهتهم ولمن قدّسوا من رجال دينهم، وهذا شِرك بالله. {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ...}. ليس لكم أي مبرر او دليل يمنعكم ان تأكلوا مما يُذكر اسم الله عليه عند ذبحه من الأنعام ولقد بيّن سبحانه وتعالى المحرَّم في غير حال الاضطرار، كالميتة والدم، بيدَ أن كثيراً من الناس يُضلون غيرهم بأهوائهم الزائفة من غير علم او برهان. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر: "فصل" بضم الفاء، والباقون "فصل" بفتح الفاء وقرأ نافع ويعقوب وحفص: "حرم عليكم" بفتح الحاء، والباقون: "حرم" بضم الحاء. وقرأ الكوفيون: "ليضلون" بضم الياء، والباقون "يضلون" بفتح الياء.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِهِ} (118) - يُبِيحُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الأَكْلَ مِنَ الذَّبَائِحِ التِي ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عِنْدَ ذَبْحِهَا، أَمَّا مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَلاَ يُبَاحُ لَهُمْ أَكْلُهُ، هذا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنين بآياتِ رَبِّهِم الكَرِيمِ.

الأندلسي

تفسير : {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} الآية، ذكر أن السبب في نزولها أنهم حديث : قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل الشاة التي ماتت؟ قال الله تعالى: قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك وما قتله الصقر والكلب حلال وما قتله الله تعالى حرام تفسير : . فنزلت. ولما تضمنت الآية التي قبلها الإِنكار على اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرمون الحلال وكانوا يسمون في كثير مما يذبحونه اسم آلهتهم، أمر المؤمنين بأكل ما سمي على ذكاته إسم الله تعالى لا غيره من آلهتهم. {إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} علق أكل ما سُمِيَ الله على ذكاته بالإِيمان كما تقول: أطعني إن كنت ابني، أي إن كنتم مؤمنين فلا تخالفوا أمر الله تعالى، وهو حث على أكل ما أحل وترك لما حرم. {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أي وأيّ غرض لكم في الامتناع من أكل ما ذكر اسم الله عليه. وهو استفهام يتضمن الإِنكار على من امتنع من ذلك، أي لا شىء يمنع من ذلك. {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ} في هذه السورة لأنها على ما نقل مكية ونزلت في مرة واحدة فلا يناسب أن يكون. وقد فصل راجعاً إلى تفصيل البقرة والمائدة لتأخرهما في النزول عن هذه السورة. والجملة من قوله: وقد فصل، في موضع الحال، وقرىء: فصل وحرم مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول. {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ} إستثناء من قوله: ما حرم عليكم. {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم} أي وإن كثيراً من الكفار المجادلين في المطاعم وغيرها ليضلون بالتحليل والتحريم بأهوائهم وشهواتهم. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي بغير شرع من الله تعالى بل بمجرد أهوائهم كعمرو بن لحي ومن دونه من المشركين كأبي الأحوص بن مالك الجشمي، وبُديل بن ورقاء الخزاعي، وحليس بن يزيد القرشي، الذين اتخذوا البحائر والسوائب. {وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} الآية، الإِثم عام في جميع المعاصي لما عتب عليهم في ترك أكل ما سمي الله عليه، أمروا بترك الإِثم ما فعل ظاهرا وما فعل في خفية، فكأنه قال: اتركوا المعاصي ظاهرها وباطنها، قاله أبو العالية وغيره. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ} في الدنيا. {سَيُجْزَوْنَ} في الآخرة، وهذا وعيد وتهديد للعصاة. {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} الآية، لما أمر بأكل ما سمي عليه وكان مفهومه أنه لا يؤكل ما لم يذكر اسم الله عليه أكد هذا المفهوم بالنص عليه. والظاهر تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه عمداً كان ترك التسمية أو نسياناً، ربه قال ابن عباس وجماعة. وروي عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت وجماعة، من التابعين: أنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ}تفسير : [المائدة: 5]، وأجازوا ذبائح أهل الكتاب وإن لم يذكر اسم الله عليها. ولا يسمى ذلك نسخاً بل هو تخصيص. وروي عن عائشة وعلي وابن عمر أن الآية محكمة ولا يجوز لنا أن نأكل من ذبائحهم إلا ما ذكر اسم الله عليه. {وَإِنَّهُ} الضمير في "وانه" عائد إلى المصدر الدال عليه تأكلوا، أي وان الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه. {لَفِسْقٌ} لمعصية وهذه الجملة لا موضع لها من الاعراب وتضمنت معنى التعليل، فكأنه قيل: لفسقه. {وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ} عام في شياطين الإِنس والجن كما في أول الحزب عدوا شياطين الإِنس والجن. {لَيُوحُونَ} ليلقون في خفاء ووسوسة بالتمويه والتلبيس. {إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} يعني من الإِنس ككفار قريش وغيرهم. {لِيُجَٰدِلُوكُمْ} علة للإِيحاء. {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} هذا إخبار أن ما صدر من جدال الكفار للمؤمنين ومنازعتهم فإِنما هو من الشياطين يوسوسون لهم به. ولذلك ختم بقوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} أي وإن أطعتم أولياء الشياطين إنكم لمشركون لأن طاعتهم طاعة للشياطين وذلك إشراك وجواب الشرط زعم الحوفي أنه إنكم لمشركون على حذف الفاء، أي فإِنكم لمشركون وهذا الحذف من الضرائر فلا يكون في القرآن، وإنما الجواب محذوف. وإنكم لمشركون جواب قسم محذوف التقدير والله إن أطعتموهم. وكقوله تعالى: {أية : وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ}تفسير : [المائدة: 73]، وأكثر ما يستعمل هذا التركيب بتقديم اللام المؤذنة بالقسم المحذوف على أن الشرطية كقوله تعالى: {أية : لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ}تفسير : [الحشر: 12]، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين، بمقتضى الإيمان، وأنهم إن كانوا مؤمنين،فليأكلوا مما ذكر اسم الله عليه من بهيمة الأنعام، وغيرها من الحيوانات المحللة، ويعتقدوا حلها، ولا يفعلوا كما يفعل أهل الجاهلية من تحريم كثير من الحلال، ابتداعا من عند أنفسهم، وإضلالا من شياطينهم،فذكر الله أن علامة المؤمن مخالفة أهل الجاهلية، في هذه العادة الذميمة،المتضمنة لتغيير شرع الله. وأنه، أي شيء يمنعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل الله لعباده ما حرم عليهم، وبينه، ووضحه؟ فلم يبق فيه إشكال ولا شبهة، توجب أن يمتنع من أكل بعض الحلال، خوفا من الوقوع في الحرام، ودلت الآية الكريمة، على أن الأصل في الأشياء والأطعمة الإباحة،وأنه إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها، فإنه باق على الإباحة، فما سكت الله عنه فهو حلال، لأن الحرام قد فصله الله، فما لم يفصله الله فليس بحرام. ومع ذلك، فالحرام الذي قد فصله الله وأوضحه، قد أباحه عند الضرورة والمخمصة، كما قال تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ } تفسير : إلى أن قال: {أية : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } . تفسير : ثم حذر عن كثير من الناس، فقال: { وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ } أي: بمجرد ما تهوى أنفسهم { بِغَيْرِ عِلْمٍ } ولا حجة. فليحذر العبد من أمثال هؤلاء،وعلامتُهم -كما وصفهم الله لعباده- أن دعوتهم غير مبنية على برهان، ولا لهم حجة شرعية، وإنما يوجد لهم شبه بحسب أهوائهم الفاسدة، وآرائهم القاصرة، فهؤلاء معتدون على شرع الله وعلى عباد الله، والله لا يحب المعتدين، بخلاف الهادين المهتدين، فإنهم يدعون إلى الحق والهدى، ويؤيدون دعوتهم بالحجج العقلية والنقلية، ولا يتبعون في دعوتهم إلا رضا ربهم والقرب منه.