٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
119
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحفص عن عاصم {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } بالفتح في الحرفين، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بالضم في الحرفين، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم {فَصَّلَ } بالفتح {وَحَرَّمَ } بالضم، فمن قرأ بالفتح في الحرفين فقد احتج بوجهين: الأول: أنه تمسك في فتح قوله: {فَصَّلَ } بقوله: {أية : قَدْ فَصَّلْنَا ٱلأَيَـٰتِ }تفسير : [الأنعام: 97،98، 126] وفي فتح قوله: {حَرَّمَ } بقوله: {أية : أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ}تفسير : [الأنعام: 151]. والوجه الثاني: التمسك بقوله: {مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } فيجب أن يكون الفعل مسنداً إلى الفاعل لتقدم ذكر اسم الله تعالى، وأما الذين قرؤا بالضم في الحرفين فحجتهم قوله: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ } تفسير : [المائدة: 3] وقوله: {حُرّمَـٰت } تفصيل لما أجمل في هذه الآية، فلما وجب في التفصيل أن يقال: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } بفعل ما لم يسم فاعله وجب في الإجمال كذلك وهو قوله: {مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } ولما ثبت وجوب {حَرَّمَ } بضم الحاء فكذلك يجب {فَصَّلَ } بضم الفاء لأن هذا المفصل هو ذلك المحرم المجمل بعينه. وأيضاً فإنه تعالى قال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلاً } تفسير : [الأنعام: 114] وقوله: {مُفَصَّلاً } يدل على فصل. وأما من قرأ {فَصَّلَ } بالفتح وحرم بالضم فحجته في قوله: {فَصَّلَ } قوله: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلأَيَـٰتِ } وفي قوله: {حَرَّمَ } قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ }. المسألة الثانية: قوله: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } أكثر المفسرين قالوا: المراد منه قوله تعالى في أول سورة المائدة: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ } وفيه إشكال: وهو أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية، وهي آخر ما أنزل الله بالمدينة. وقوله: {وَقَدْ فَصَّلَ } يقتضي أن يكون ذلك المفصل مقدماً على هذا المجمل، والمدني متأخر عن المكي، والمتأخر يمتنع كونه متقدماً. بل الأولى أن يقال المراد قوله بعد هذه الآية: {أية : قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يطعمه }تفسير : [الأنعام: 145]. وهذه الآية وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل إلا أن هذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد والله أعلم. وقوله: {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة. ثم قال: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {لَّيُضِلُّونَ } بفتح الياء وكذلك في يونس {أية : رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ }تفسير : [يونس: 88] وفي إبراهيم {أية : لِيُضِلُّواْ }تفسير : [إبراهيم: 30] وفي الحج {أية : ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ }تفسير : [الحج: 9] وفي لقمان {أية : لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ } تفسير : [لقمان: 6] وفي الزمر {أية : أَندَاداً لّيُضِلَّ } تفسير : [الزمر: 8] وقرأ عاصم وحمزة والكسائي جميع ذلك بضم الياء. وقرأ نافع وابن عامر ههنا وفي يونس بفتح الياء، وفي سائر المواضع بالضم، فمن قرأ بالفتح أشار إلى كونه ضالاً، ومن قرأ بالضم أشار إلى كونه مضلاً. قال: وهذا أقوى في الذم لأن كل مضل فإنه يجب كونه ضالاً، وقد يكون ضالاً ولا يكون مضلاً، فالمضل أكثر استحقاقاً للذم من الضال. المسألة الثانية: المراد من قوله: {لَّيُضِلُّونَ } قيل إنه عمرو بن لحي، فمن دونه من المشركين. لأنه أول من غير دين إسمعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة. وقوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ } يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة والضلالة المحضة. وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرونكم في إحلالها، ويحتجون عليها بقولهم لما حل ما تذبحونه أنتم فبأن يحل ما يذبحه الله أولى. وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام فإنما يتبعون فيه الهوى والشهوة، ولا بصيرة عندهم ولا علم. المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام، لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآية دلت على أن ذلك حرام. ثم قال تعالى: {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ } والمراد منه أنه هو العالم بما في قلوبهم وضمائرهم من التعدي وطلب نصرة الباطل والسعي في إخفاء الحق، وإذا كان عالماً بأحوالهم وكان قادراً على مجازاتهم فهو تعالى يجازيهم عليها، والمقصود من هذه الكلمة التهديد والتخويف. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}: المعنى: ما المانع لكم من أكل ما سمّيتم عليه ربَّكم وإن قتلتموه بأيديكم. {وَقَدْ فَصَّلَ} أي بيّن لكم الحلال من الحرام، وأزيل عنكم اللبس والشك. فـ«ما» استفهام يتضمن التقرير. وتقدير الكلام: وأي شيء لكم في ألا تأكلوا. فـ«أنْ» في موضع خفض بتقدير حرف الجر. ويصحّ أن تكون في موضع نصب على ألا يقدّر حرف جر، ويكون الناصب معنى الفعل الذي في قوله «مَا لَكُمْ» تقديره أي ما يمنعكم. ثم استثنى فقال {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} يريد من جميع ما حرّم كالميتة وغيرها كما تقدّم في «البقرة». وهو استثناء منقطع. وقرأ نافع ويعقوب «وقد فَصَّل لكم ما حَرّم» بفتح الفعلين. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كَثير بالضم فيهما، والكوفيون «فَصَّل» بالفتح «حُرِّم» بالضم. وقرأ عطية العَوْفي «فَصَل» بالتخفيف. ومعناه أبان وظهر؛ كما قرىء {أية : الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ}تفسير : [هود: 1] أي ٱستبانت. واختار أبو عبيدة قراءة أهل المدينة. وقيل: «فصل» أي بيّن، وهو ما ذكره في سورة «المائدة» من قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ}تفسير : [المائدة: 3] الآية. قلت هذا فيه نظر؛ فإن «الأنعام» مكية والمائدة مدنِية فكيف يحيل بالبيان على ما لم ينزل بعد، إلا أن يكون فصّل بمعنى يفصّل. والله أعلم. قوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً لَيَضِلُّونَ} وقرأ الكوفيون «يُضِلون» من أضل. {بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} يعني المشركين حيث قالوا: ما ذبح الله بسِكِّينه خير مما ذبحتم بسكاكينكم «بِغَيْرِ عِلْم» أي بغير علم يعلمونه في أمر الذبح؛ إذ الحكمة فيه إخراج ما حرّمه الله علينا من الدم بخلاف ما مات حَتْف أنْفه؛ ولذلك شرع الذكاة في محل مخصوص ليكون الذبح فيه سبباً لجذب كل دم في الحيوان بخلاف غيره من الأعضاء. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا لَكُمْ أ } ن {لاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } من الذبائح {وَقَدْ فَصَّلَ } بالبناء للمفعول وللفاعل في الفعلين {لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } في آية { أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } تفسير : [3:5] {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } منه فهو أيضاً حلال لكم، المعنى: لا مانع لكم من أكل ما ذكر وقد بُيِّن لكم المحرَّم أكله، وهذا ليس منه {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ } بفتح الياء وضمها {بِأَهْوَائِهِم } بما تهواه أنفسهم من تحليل الميتة وغيرها {بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعتمدونه في ذلك {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ } المتجاوزين الحلال إلى الحرام.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ...} الآية: «ما»: ٱستفهامٌ يتضمَّن التقريرَ، {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ}، أي: فصَّل الحرامَ من الحلالِ، وٱنتزعه بالبيانِ، و «ما» في قوله: {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}، يريد بها: مِنْ جميع ما حَرَّم؛ كالميتة وغيرها، وهي في موضع نَصْب بالاستثناء، والاستثناءُ منقطعٌ. وقوله سبحانه: {وَإِنَّ كَثِيراً} يريد الكفرة المحادِّين المجادلين، ثم توعَّدهم سبحانه بقوله: {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ}. وقوله جلَّت عظمته: {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} ـــ نهْيٌ عامٌّ، والظاهرُ والباطنُ: يستوفيان جميع المعاصي، وقال قوم: الظاهر: الأعمالُ، والباطنُ: المعتَقَد، وهذا أيضاً حسن؛ لأنه عامٌّ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي أُمَامة، قال: حديث : سَأَلَ رجُلٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: مَا الإثْمُ؟ قَالَ: مَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ، فَدَعْهُ»تفسير : ، وروى ابن المبارك أيضاً بسنده؛ أنَّ رجلاً قال: حديث : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِي مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيَّ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَدَّ عَلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَسْكُتُ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ: أَنَا ذَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَا أَنْكَرَ قَلْبُكَ، فَدَعْهُ»تفسير : . انتهى، وقد ذكرنا معناه مِنْ طرُقٍ في غير هذا الموضعِ، فأغنَىٰ عن إعادته. ثم توعَّد تعالى كَسَبَةَ الإثمِ بالمجازاةِ علَىٰ ما ٱكتسبوه من ذلك، والاقترافُ: الاكتساب. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ...} الآية: مقصد الآية النهْيُ عن الميتة؛ إذ هي جواب لقول المشركين: تَتْرُكُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ، ومع ذلك، فلفظها يعمُّ ما تُرِكَتِ التسميةُ عليه من ذبائِحِ الإسلام، وبهذا العمومِ تعلَّق ابن عمر وابنُ سيرينَ والشَّعْبِيُّ وغيرهم؛ فقالوا: ما تُرِكَتِ التسميةُ علَيْه، لم يؤكَلْ، عمداً كان أونسياناً، وجمهورُ العلماء على أنه يؤكل إن كان تركُها نسياناً؛ بخلاف العَمْدِ، وقيل: يؤكل، سواءٌ تركَتْ عمداً أو نسياناً، إلا أنْ يكون مستخِفًّا. وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ...} الآية: قال عكرمة: هم مَردَةُ الإنس من مجوسِ فَارِس، وذلك أنهم كانوا يوالُونَ قُرَيْشاً على عداوة النبيِّ صلى الله عليه وسلم: {لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ}؛ من قريش {لِيُجَـٰدِلُوكُمْ}؛ بقولهم: تأكلون ما قَتَلْتُمْ ولا تأكلون ما قَتَلَ اللَّه؛ فذلك من مخاطبتهمْ هو الوحْيُ، والأولياء هم قريشٌ، وقال ابن زَيْد وعبد اللَّه بن كثير: بل الشياطينِ الجِنُّ، واللفظة على وجْهها، وأولياؤهم: كَفَرة قريش، ووحْيُهم بالوسوسة، وعلى ألسنة الكُهَّان. ثم نهى سبحانه عن طاعتهم بلفظ يتضمَّن الوعيدَ وعرض أصعب مثالٍ في أن يشبه المؤمن بالمُشْرك، قال ابن العربيِّ: قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ}، سمَّى اللَّه تعالَىٰ ما يقع في القلوبِ في الإلهام وحياً، وهذا مما يطلقه شيوخُ المتصوِّفة، وينكره جُهَّال المتوسِّمين بالعلْمِ، ولم يعلموا أن الوحْيَ على ثمانيةِ أقسامٍ، وأن إطلاقه في جميعها جائزٌ في دِينِ اللَّه. انتهى من «أحكام القرآن».
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الآية: 119]. قال القرشى: يتبعون مرادهم فيتركون أوامر الكتاب والسنة.
القشيري
تفسير : يعني أي شيء عليكم لو تركتم الغفلة؟ وما الذي يضركم لو استدمتم الذكر؟ وقد تبيَّن لكم الفَرْقُ بين أُنْس الذكر ووحشة الغفلة في الحال والوقت، أَلاَ تعرفوا حكم الثواب والعقاب في المآل.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} ووصف الله سبحانه ---- الضلالة انهم اسقطوا من طريق الصواب فلما راوا فضاحة انفسهم ارادو ان يكون اهل الارادة من الصديقين مثلهم فيزينون لهم طريق الشهوات قال تعالى اضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وذلك من جهلهلم الله وبعلماء الذى شمل على كل موجود قال القرشى فى تفسير قوله وان كثيرا ليضلون باهوائهم بغير علم يتبعون مرادهم ويتركون وامر الكتاب والسنة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما لكم ان لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} وأى سبب حاصل لكم فى ان لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه. قال الامام ان المشركين كانوا يبيحون اكل ما ذبح على اسم الله تعالى ولا ينازعون فيه وانما النزاع فى انهم ايضا كانوا يبيحون اكل الميتة والمسلمون كانوا يحرمونها واذا كان كذلك كان ورود الامر باباحة ما ذكر اسم الله عليه عبثا لانه يقتضى اثبات الحكم فى المتفق عليه وترك الحكم فى المختلف فيه فاجاب بان معنى كلوا اجعلوا اكلكم مقصورا على ما ذكر اسم الله عليه ومعنى ان لا تأكلوا ان لا تجعلوا اكلكم مقصورا عليه فيفيد تحريم اكل الميتة فقط {وقد فصل لكم} اى والحال انه تعالى قد بين لكم {ما حرم عليكم} مما لم يحرمه بقوله تعالى فى هذه السورة {أية : قل لا أجد فى ما أوحى الىّ محرما} تفسير : [الأنعام: 145] الآية. فبقى ما عدا ذلك على الحل لا بقوله تعالى {أية : حرمت عليكم الميتة والدم} تفسير : [المائدة: 3]. الآية لانها مدنية وهذه السورة مكية فان قلت قوله تعالى {أية : قل لا أجد} تفسير : [الأنعام: 145] الآية. مذكور بعده هذه الآية وصيغة فصل تقتضى التقدم قلت ان التأخر فى التلاوة لا يوجب التأخر فى النزول ويجوز ان يحمل على التفصيل بالوحى الغير المتلو كما ذهب اليه سعدى جلبى المفتى وجعله اولى عنده {الا ما اضطررتم اليه} مما حرم عليكم فانه ايضا حلال حال الضرورة فالاستثناء متصل والمستثنى منه ما حرم وما مصدرية بمعنى المدة اى وقد فصل لكم الاشياء التى حرمت عليكم فى جميع الاوقات الا وقت الاضطرار اليها وان جعلت موصولة تعين ان يكون الاستثناء منقطعة لان ما اضطر اليه حلال فلا يدخل تحت ما حرم عليهم {وان كثيرا} من الكفار {ليضلون} الناس {باهوائهم} بما تهواه انفسهم من تحليل الميتة وغيرها {بغير علم} مقتبس من الشريعة الشريفة مستند الى الوحى {ان ربك هو اعلم بالمعتدين} المتجاوزين الحق الى البالط والحلال الى الحرام. اعلم ان اهل الهوى على انواع فالمعتزلة والشيعة ونحوهما من اهل القبلة اهل هوى لانهم يخالفون اهل السنة والجماعة بتأويل الكتاب والسنة على حسب هواهم فيضلون الناس بهواهم كما يضل الكفار واهل الشرك. واما اخذ الاشارة من الآيات والاحاديث على وجه يطابق الشرع الشريف فذلك ليس بهو بل هو عرفان محض: قال فى المثنوى شعر : توزقر آن اى بسر ظاهر مبين ديو آدم را نبيند جزكه طين ظاهر قرآن جو شخص آدميست كه نقوشش ظاهر وجانش خفيست تفسير : فالتقليد لاصحاب الاشارات ليس كالتقليد لاصحاب الضلالات لانهم بنوا امرهم على العيان واليقين لا على الظن والتخمين وكذا اهل الدنيا اهل هوى بالنسبة الى اهل العقبى فان الكون كله خيال وتابع الخيال لا يعد من العقلاء والرجال. وعن بهلول رحمه الله قال بينما انا ذات يوم فى بعض شوارع البصرة اذا الصبيان يلعبون بالجوز واللوز واذا انا بصبى ينظر اليهم ويبكى فقلت هذا صبى يتحسر على ما فى ايدى الصبيان ولا شئ معه فيلعب به فقلت له اى بنى ما يبكيك اشترلك من الجوز واللوز ما تلعب به مع الصبيان فرفع بصره الىّ وقال يا قليل العقل ما للعب خلقنا فقلت اى بنى فلما ذا خلقنا فقال للعلم والعبادة فقلت من اين لك ذلك بارك الله فيك قال من قول الله عز وجل {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} تفسير : [المؤمنون: 115] وكذا اهل العقبى اهل هوى بالنسبة الى اهل المولى فاهل المولى تجردوا عن تعلق الكونين وتجاوزوا عن اعتبار الوصل والبين وما نظروا الى شئ غيره: قال صاحب المحمدية شعر : سالكان دركهت را هردو عالم يك نفس والهان حضرتت را ازحور جنت ملال تفسير : وقد حرم الله الدنيا على اهل الآخرة والآخرة على اهل الدنيا وحرم كلا منهما على اهل الله تعالى لكن من تناول من الدنيا قدر ما يسد به جوعته ويستر به عورته فانه ليس من اهل الدنيا لان ذلك من الضرورات البشرية وفيه اذن الله تعالى لمحافظة الدائرة البدنية التى هى الاس. والاشارة فى قوله تعالى {أية : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين} تفسير : [الأنعام: 118]. يعنى ان من امارات الايمان ان تأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع وتذيبوه بذكر الله كما قال عليه السلام "حديث : اذيبوا طعامكم بذكر الله " .تفسير : فان الاكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان والحرمان من الجنان وفى هذا الحديث اشارة الى مشروعية الجهر اذ ذوبان الطعام فى صورة الجهر اظهر ويدل عليه ما ورد ايضا من الركعتين بعد الطعام او من تلاوة عشر آيات من القرآن اذ الحركة البدنية تفضى الى استمراء الطعام وانهضامه الذى به تحصل قوة البدن وبقوة البدن يقوى المرء على العبادة وفى العبادة بعد الطعام شكر للنعمة والشكر اما بالقلب او باللسان او بالاعضاء والجوارح.
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وحفص عن عاصم {وقد فصل لكم ما حرم} بفتح الفاء والصاد والحاء والراء. وقرأ ابن كثير، وابو عمرو، وابن عامر (فصل) و (حرم) بضم الفاء والحاء. وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر (فصل) بفتح الفاء و (حرم) بضم الحاء. وقرأ أهل الكوفة {ليضلون} بضم الياء وكسر الضاد. الباقون بفتح الياء. من ضم الفاء والحاء، فلقوله{أية : حرمت عليكم الميتة والدم} تفسير : فهنا تفصيل هذا العام بقوله (حرم) وكذلك (فصل) لان هذا المفصل هو ذلك المحرم الذي حل في هذه الآية. ومن فتحهما فلقوله{أية : أتل ما حرم ربكم}تفسير : وقوله {أية : فصلنا الآيات} تفسير : وكذلك قوله {أية : الذين يشهدون أن الله حرم هذا}تفسير : ولانه قال {وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل} فينبغي أن يكون الفعل مبنيا للفاعل لتقدم ذكر اسم الله. ومن فتح الفاء وضم الحاء، فلقوله {فصلنا الآيات} وقوله {حرمت عليكم الميتة والدم} وقوله {وما لكم} خطاب للمؤمنين الذين ذكرهم في الآية الاولى ومعناه لم لا تأكلوا، وقيل بينهما فرق، لان (لم لا تفعل) أعم من حيث انه قد يكون لحال يرجع اليه وقد يكون لحال يرجع الى غيره، فأما (ما لك أن لا تفعل) فلحال يرجع اليه. وقيل في معنى {لا} في قوله {أن لا تأكلوا} قولان: احدهما - انها للجحد، وتقديره أي شيء لكم في أن لا تأكلوا، اختاره الزجاج وغيره من البصريين. والثاني - أن يكون صلة، والمعنى ما منعكم ان تأكلوا، لان (ما لك ان لا تفعل) (وما لك لا تفعل) بمعنى واحد. وقال قوم: معناه ليس لكم ان لا تأكلوا مما أمرناكم بأكله على الوصف الذي امرناكم بفعله، ويجوز حذف (في) من {ما لكم إلا تأكلوا} ولا يجوز حذفها من ما لكم في ترك الاكل لان (ان) تلزمها الصلة فهي أحق بالاستحقاق من المصدر، لان المصدر لا تلزمه الصلة، كما حسن حذف الهاء من صلة (الذي) ولم يحسن من الصفة. وقوله {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} يعني ما ذكره في مواضع من قوله {أية : حرمت عليكم الميتة}تفسير : الآية وغيرها. وقوله {إلا ما اضطررتم إليه} معناه الا اذا خفتم على أنفسكم الهلاك من الجوع وترك التناول، فحينئذ يجوز لكم تناول ما حرمه الله في قوله {أية : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} تفسير : وما حرمه في هذه الآية. واختلفوا في مقدار ما يسوغ له حينئذ تناوله، فعندنا لا يجوز له ان يتناول الا ما يمسك الرمق. وفي الناس من قال: يجوز له أن يشبع منه اذا اضطر اليه وان يحمل منها معه حتى يجد ما يأكله. وقال الجبائي: في الآية دلالة على أن ما يكره عليه من أكل هذه الاجناس أنه يجوز له أكله، لان المكره يخاف على نفسه مثل المضطر. ومن قرأ {ليضلون} بفتح الياء ذهب الى ان المعنى ليضلون بأهوائهم أي يضلون باتباع أهوائهم، كما قال {أية : واتبع هواه}تفسير : أي يضلون في انفسهم من غير أن يضلوا غيرهم من أتباعهم بامتناعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه وغير ذلك. ومن قرأ بضم الياء اراد انهم يضلون أشياعهم، فحذف المفعول به، وحذف المفعول كثير، ويقوي ذلك قوله {أية : وما أضلنا إلا المجرمون} تفسير : وقوله {أية : ربنا هؤلاء أضلونا}. تفسير : وقوله {وإن كثيرا} أوقع (ان) على النكرة، لان الكلام اذا طال احتمل ودل بعضه على بعض.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} اىّ فائدة لكم فى ان لا تأكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه {وَقَدْ} اباحه لكم {فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} بالّذات ممّا سبق فى اوّل سورة المائدة فى آية تحريم الدّم والميتة (الى آخرها) وما حرّم عليكم بالعرض من الصّيد حين الاحرام وما لم يذكر اسم الله عليه وما ذكر اسم غير الله عليه، وقرئ فصّل بالبناء للفاعل وحرّم بالبناء للمفعول، وقرئ فيهما بالبناء للفاعل وبالبناء للمفعول {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} استثناء من المستتر فى حرّم او من المقدّر بعده عائد للموصول {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} عطف على ما حرّم باعتبار جواز تعليق الفعل الغير القلبىّ او بتضمين فصّل معنى اعلم او حال متعلّق باجزاء جملة ما لكم ان لا تأكلوا (الى آخرها) او باجزاء جملة قد فصّل (الى آخرها) {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} استيناف جواب للّسؤال عن علمه تعالى بهم ووضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار بأنّهم فى اضلالهم معتدون وانّه تعالى كما يعلمهم يعلم اعتداءهم وتجاوزهم عن حدود الله وقد أخبركم بتجاوزهم فلا تبالوا بما قالوا فى حرمة الّذبيحة والميتة وحلّيّتهما وائتمروا بأمر الله.
الهواري
تفسير : ثم قال: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} أي: فكلوه فهو لكم حلال {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} من الميتة والدم ولحم الخنزير... إلى آخر الآية {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} أي من تلك الأشياء التي حرّم. وقال بعضهم: إلا ما اضطررتم إليه من الميتة. قال: {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} يعني المشركين، بغير علم أتاهم من الله ولا حجة. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} فهو يعلم أنكم أيها المشركون أنتم المعتدون، تعتدون أمر الله. قال الكلبي: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} فلما حرّم الله الميتة قال المشركون للمؤمنين: ما قتل الله لكم أحق أن تأكلوه أو ما قتلتم بسكاكينكم وأنتم زعمتم أنكم تعبدون الله ولا تأكلون ما ذبح لكم وتأكلون أنتم ممّا ذكرتم عليه اسم الله. فقال الله للمؤمنين: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ}، أي بيّن لكم ما حرّم عليكم. قوله: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}. قال الحسن: علانيته وسرّه. وقال بعضهم: قليلَه وكثيرَه وسرّه وعلاَنيّتَه. قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ} أي يعملون الإِثم {سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} أي يكتسبون، أي يعملون.
اطفيش
تفسير : {ومَا لكُم ألاَّ تأكلُوا ممَّا ذُكر اسْم اللهِ عليهِ} فإن المتحرجين عما ذبح باسم الله هم المشركون لا المؤمنون، أى أى شئ لكم من النفع أو الديانة الصحيحة فى أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، بأن ذبح مثلا، وذكر اسم الله، اللهم إلا أن يقال: المعنى وما لكم أيها المؤمنون ألا تقصروا أكلكم على ما ذكر اسم الله عليه، ولا تخلطوا معه أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، فإن مثل هذا قد يقال لمن لا يخلط معه، لكن أؤكد عليه بترك الخلط أو عرض بغيرهم كقوله: {أية : وما لى لا أعبد الذى فطرنى} تفسير : وما مبتدأ استفهامية إنكارية وأن لا تأكلوا على تقدير الجار كما رأيت، وهذا أولى مما قيل: إن زائدة للتأكيد ناصبة، والجملة بعدها حال من الكاف، ولا يقدر الجار، ويدل لهذا الوجه الذى هو أن المعنى ما لكم أيها المؤمنون ألا تقصروا أكلكم على ما ذكر اسم الله عليه قوله: {وقَد فصَّل لكُم ما حرَّم عَليْكم} أى كيف لا تقصرون الأكل على ما ذكر عليه اسم الله، وتتركون ما حرم عليكم، وقد بينه الله لكم فلا عذر فى ترك الاقتصار، وأما على أن الخطاب فى ذلك كله للمشركين، فالمعنى كيف تتحرجون مما ذكر اسم الله عليه، وهو غير محرم، والمحرم هو ما فصَّل الله لكم تحريمه بقوله: {أية : حرمت عليكم الميتة}تفسير : الخ فى المائدة، أو قوله فى الأنعام: {أية : قل لا أجد فيما أوحى إلىَّ محرماً} تفسير : الخ نفى أن يقال كيف قال، وقد فصل، وهو عند قراءة الآية التى هنا لم يفصل، بل سيفصل بعد فى هذه السورة بقوله: {قل لا أجد} الخ أو سيفصل بعد الهجرة فى المائدة إذ هى مدنية من آخر ما نزل، فيجاب والله أعلم بأن المعنى قد فصل لكم فى اللوح المحفوظ، أو فى الغيب عنده، أو فيما سينزل من القرآن ما حرم عليكم فى ذلك أيضا، فلا يحل لكم أن تحرموا من عندكم شيئا أحلوا ما أحل الله، وانتظروا ما ينزل الله من الأحكام مطلقا، فمهما وجدتم فيها فاعملوا به. أو يجاب بأن المعنى قد فصَّل لكم فى آخر هذه السورة ما حرم عليكم، فالسورة مضت وتمت عند الله ولو قبل نزولها، فصحت صيغة الماضى، وهذان الجوابان أحسن ما استخرجته بفكرى والماضى فيهما على أصله، وظهر لى وجه ثالث هو أن فصَّل بمعنى يفصل، أى وقد يفصل بعد عليكم، فالماضى بمعنى المضارع، وهذا وجه ثالث لى. ووجه رابع أن الآية يحتمل أنها نزلت بعد نزول المائدة، وجعلت فى الأنعام بأمر الله، وأما ما فى تفسير من تقدم قبلى، فقال الفخر: المراد التفصيل لما حرم بقوله: {لا أجد} لقلة هذا التأخير، وهو مقدار تلاوة ما بين الآيتين، وتلاوة الأخيرة وإتمام السورة ومضيتها قبل نزول جبريل بها، وهذا والحمد لله بعض الأوجه التى ذكرت، لكن باعتبار قوله: وإتمام الخ، وقد حكيت كلامه بالمعنى. وانظر هذا الوجه الذى أذكره الآن وهو أن ترتيب السو فى اللوح المحفوظ هو على ترتيبها فى المصحف، فالمائدة قبل سورة الأنعام فى اللوح المحفوظ، ولو تأخر نزولها عن الأنعام، فالمعنى باعتبار ترتيب اللوح المحفوظ والله أعلم، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وابن كثير فصل بالبناء للمفعول، وغير نافع ويعقوب وحفص حرم بالبناء للفعول. {إلاَّ ما اضْطررْتم إليه} فإنه حلال أيضا ولو كان مما فصل لكم تحريمه بأن تشارفوا الموت أو ذهاب حاسة بالجوع ولم تجدوا سواه والذى اضطرهم هو الله، والفعل مبنى للمفعول وهو مفتعل من الضر، والطاء عن تاء، والاستثناء منقطع، أى لكن ما اضطررتم إليه يحل لكم، وما موصول اسمى أو نكرة منعوتة، ولا تصح أن تكون ما فى قوله: {ما حرم عليكم} حرف مصدر لضعف قولك: قد فصل لكم تحريمه عليكم، وهب أنه لا ضعف فيه، لكن لا يكون الاستثناء به متصلا ولو ضمنا الظرفية إلى مصدريتها، لأن المعنى حينئذ قد فصل لكم مدة التحريم عليكم، فإذا ضمت إليها الظرفية فالظرف مفعول، أو المفعول الأشياء محذوفا، أى قد فصل لكم الأشياء التى حرم عليكم مدة تحريمها، وليس ما اضروا إليه زماناً فيكون مستثنى من المدة استثناء متصلا. نعم رأيت بعض المتأخرين من الترك، حاول الاستثناء المتصل بأن جعل ما فى قوله تعالى: {ما حرم عليكم} اسماً وما فى قوله: {ما اضطررتم} ظرفية مصدرية، والظرف مستثنى استثناء متصلا من ظرف المحذوف، أى وفصل لكم ما حرم عليكم فى جميع الأوقات إلا وقت اضطراركم إليه، وهذا إنما يتم له على قول ابن الحاجب بجواز حذف الظرف المستثنى فى التفريع تسميته حال الإثبات، وفى تسميتها ظرفية مصدرية فى الآية، لأنها ليست ظرفية، بل المصدر هو ظرف الزمان لنيابته عن اسم الزمان، وإنما يقال: الظرفية إذا كان المعنى بأدام كذا سواء مع لفظ الدوام أو غيره، لكن سماها ظرفية، لأن المصدر المشتبك بها نائب عن الظرف، وذكر أيضا وجها آخر للأشياء المتصل، على أن ما فى الموضعين اسم، وأن معنى ما حرم هو الميتة والدم ونحوهما تعتبر هذه الأشياء بقطع النظر عن تحريمها، فيدخل فيها ما اضطررتم إليه. {وإن كثيراً ليضلُّونَ} فى أنفسهم بتحليل الحرام، وتحريم الحلال، وقراءة الكوفيين بضم الباء أى يضلون غيرهم {بأهوائهم} بتشبيههم فإنهم يحللون ويحرمون بأهوائهم كتحليل الميتة، وتحريم ما ذبح باسم الله والبحيرة ونحوها، فتقديرى بتحليل قبل بأهوائهم تقدير معنى، وإن شئت فقدر بتشريع أهوائهم الحلال والحرام. {بغَيْرِ علمٍ} بدل اشتمال من بأهوائهم أو متعلق بأهوائهم لتأكيد لأنهم يتشبهون بغير علم يجيئهم من الله أن هذا حلال أو حرام أو بغير دليل يفيد العلم، أو حال من أهواء، ومن الهاء أو من الواو مؤكدة، ووجه التأكيد أن العمل بالهواء مجرد عن علم، وإنما يقال: وافق الحق الهوى، إذا وافق لا عمل بهوى، ووافق الحق، وهذا حيث وافق {إنَّ ربَّك هو أعْلم} من غيره {بالمعْتَدِين} المجاوزين الحق إلى الباطل، ثم رأيت القاضى قال: المجاوزين الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام.
اطفيش
تفسير : {وَمَا لَكُمْ} أَيها المسلمون {أَلا تَأْكُلُوا} فى أَن لا تأكلوا متعلق بلكم لنيابته عن ثابت أَو ثبت أَو بهذا المقدر، {مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} حين ذكاته، والمسلمون والمشركون لا يمتنعون من أكل ما ذكر اسم الله عليه، لكن المراد مالكم لا تقتصرون على الأَكل مما ذكر اسم الله عليه وحده، بأَن لا تأكلوا مما لم يذكر عليه اسمه ولا مما ذكر عليه اسمه واسم غيره، ويجوز أَن يكون ذلك إِنكارا على من أَراد من المسلمين اجتناب اللذات، وعلى الوجهين، وقيد ذلك بحاليته قوله {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ} بين {مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} مما أُحل {إِلاَّ ما اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} فيحل لسده المخمصة فى الآية بعد فى هذه السورة، ولو كان متأَخراً عن هذه الآية لأَن السورة نزلت بمرة فأَولها وأَوسطها وآخرها متقرر، فهى كورقة كتب فيها وقال كاتبها فى أَولها أَو وسطها قد ذكرت فى هذه الورقة مشيراً إِلى ما يأتى فيها، أَو أَراد فصله فى اللوح المحفوظ تفصيلا شملته هذه السورة، أَو فصَّله فى المائدة باعتبار ترتيب السور فى اللوح المحفوظ كترتيبها فى مصاحفنا من كون المائدة قبل الأَنعام فيه ولو تأَخر نزولها عن الأَنعام، ففى المائدة: "أية : حرمت عليكم الميتة"تفسير : [المائدة: 3] وما مصدرية والمصدر ظرف زمان وهاء إِليه عائدة إِلى ما الأُولى، أَى ما حرم عليكم فى جميع الأَوقات إِلا اضطراركم إِليه، والاستثناء تفريغ متصل والتفريغى أَبدا متصل، وإِن جعلنا ما اسما موصولا فالهاء عائدة إِليه والاستثناء تام منقطع لأَن ما اضطر إِليه حلال غير داخل فيما حرم إِلا أَن يعتبر نفس الأَشياء المحرمة فى ذاتها الشاملة لما لم يضطر إِليه فتبقى على التحريم، ولما اضطر إِليه فتخرج إِلى الحل فيكون متصلا {وإِنَّ كَثِيراً} من المشركين {لَيُضِلُّونَ} عن الحق بتحليل الميتة وتحريم البحيرة ونحوها كعمرو بن لحى، وبغير ذلك من تحليل الحرام وتحريم الحلال وزيادة على ضلالهم بالشرك، وغيره، قال الزجاج: المراد بالكثير الذين ناظروا فى الميتة {بِأَهْوَائِهِمْ} بسبب تشهيهم {بِغِيْرِ عِلْمٍ} ثابتين بغير علم بدليل {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالمعْتَدِينَ} المتجاوزين إِلى مالا يحل شرعا بفعله أَو قوله أَو تشريعه أَو اعتقاده، وذلك عام، أَو أَريد الكثير المذكور فوضع اسم التصريح باعتدائهم ذما لهم مكان ضميرهم.
الالوسي
تفسير : {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} إنكار لأن يكون لهم شيء يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذكر اسم الله تعالى عليه، فما للاستفهام الإنكاري وليست نافية كما قيل وهي مبتدأ و {لَكُمْ} الخبر وأن تأكلوا بتقدير حرف الجر أي في أن تأكلوا، والخلاف في محل المنسبك بعد الحذف مشهور. وجوز أن يكون ذلك حالا، ورد بأن المصدر المؤول من أن والفعل لا يقع حالا كما صرح به سيبويه لأنه معرفة ولأنه مصدر بعلامة حرف الاستقبال المنافية للحالية إلا أن يؤول بنكرة أو يقدر مضاف أي / ذوي أن لا تأكلوا ومفعول {تَأْكُلُواْ} كما قال أبو البقاء: محذوف أي شيئاً مما الخ، قيل: وظاهر الآية مشعر بأنه يجوز الأكل مما ذكر اسم الله تعالى عليه وغيره معا وليست من التبعيضية لإخراجه بل لإخراج ما لم يؤكل كالروث والدم وهو خارج بالحصر السابق فلا تغفل، وسبب نزول الآية ـ على ما قاله الإمام أبو منصور ـ أن المسلمين كانوا يتحرجون من أكل الطيبات تقشفاً ونزهداً فنزلت. {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } بقوله تعالى: { أية : قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } تفسير : [الأنعام: 145] الآية فبقي ما عدا ذلك على الحل، وقيل بقوله تعالى: { أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ } تفسير : [المائدة: 3] واعترضه الإمام بأن سورة المائدة من أواخر ما نزل بالمدينة وهذه مكية كما علمت فلا يتأتى ذلك وأما التأخر في التلاوة فلا يوجب التأخر في النزول فلا يضر تأخر {قُل لا أَجِدُ } الخ عن هذه الآية في هذه السورة، وقيل: التفصيل بوحي غير متلو، والجملة حالية مؤكدة للإنكار السابق. وقرأ أهل الكوفة غير حفص «فصل... ما حرم» ببناء الأول للفاعل والثاني للمفعول. وقرأ أهل المدينة وحفص ويعقوب وسهل «فصل» «وحرم» كليهما بالبناء للفاعل. وقرأهما الباقون بالبناء للمفعول. {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة، وظاهر تقرير الزمخشري ـ كما قال العلامة الثاني ـ يقتضي أن (ما) موصولة فلا يستقيم غير جعل الاستثناء منقطعاً أي لكن الذي اضطررتم إلى أكله مما هو حرام عليكم حلال لكم حال الضرورة، وجوز عليه الرحمة جعله استثناء من ضمير «حرم» و (ما) مصدرية في معنى المدة أي فصل لكم الأشياء التي حرمت عليكم إلا وقت الاضطرار إليها، واعترض بأنه لا يصح حينئذ الاستثناء من الضمير بل هو استثناء مفرغ من الظرف العام المقدر كأنه قيل: حرمت عليكم كل وقت إلا وقت الخ، ومن الناس من أورد هنا شيئاً لا أظنه مما يضطر إليه حيث قال بعد كلام: والمهم في هذا المقام بيان فائدة {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ }، وقد أعني عنه قوله سبحانه: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } لأن تفصيل ما حرم يتضمن قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } وكأن الفائدة فيه والله تعالى أعلم المبالغة في النهي عن الامتناع عن الأكل بأن ما حرم يصير مما لا يؤكل بخلاف ما حل فإنه لا يصير مما لا يؤكل فكيف يجتنب عما يؤكل فتأمل. {وَإِنَّ كَثِيراً} من الكفار {لَّيُضِلُّونَ} الناس بتحريم الحلال وتحليل الحرام كعمرو بن لحي وأضرابه الذين اتخذوا البحائر والسوائب وأحلوا أكل الميتة، وعن الزجاج إن المراد بهذا الكثير الذين ناظروا في الميتة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب {لَّيُضِلُّونَ} بفتح الياء {بِأَهْوَائِهِم} الزائغة وشهواتهم الباطلة {بِغَيْرِ عِلْمٍ } مقتبس من الشريعة مستند إلى الوحي أو بغير علم أصلا ـ كما قيل ـ وذكر ذلك للإيذان بأن ما هم عليه محض هوى وشهوة، وجوز أن يكون من قبيل قوله تعالى: { أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ } تفسير : [آل عمران: 112]. {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ } المتجاوزين [لحدود] الحق إلى الباطل والحلال إلى الحرام فيجازيهم على ذلك، ولعل المراد بهم هذا الكثير، ووضع الظاهر موضع ضميرهم لوسمهم بصفة الاعتداء.
ابن عاشور
تفسير : {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}. عطف على قوله: { أية : فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه } تفسير : [الأنعام: 118]. والخطاب للمسلمين. و{مَا} للاستفهام، وهو مستعمل في معنى النّفي: أي لا يَثبت لكم عدم الأكل ممّا ذُكر اسم الله عليه، أي كلوا ممّا ذكر اسم الله عليه. واللام للاختصاص، وهي ظرف مستقرّ خبر عن (ما)، أي ما استقرّ لكم. و{أن لا تأكلوا} مجرور بـــ (في) محذوفة. مع (أنْ). وهي متعلّقة بما في الخبر من معنى الاستقرار، وتقدّم بيان مثل هذا التّركيب عند قوله تعالى: { أية : قالوا وما لَنا أَلاَّ نقاتل في سبيل الله } تفسير : في سورة البقرة (246). ولم يفصح أحد من المفسّرين عن وجه عطف هذا على ما قبله، ولا عن الدّاعي إلى هذا الخطاب، سوى ما نقله الخفاجي في حاشية التّفسير ــــ عمّن لقَّبه علم الهدى ولعلّه عنى به الشّريف المرتضى: أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ المسلمين كانوا يتحرّجون من أكل الطيّبات، تقشّفاً وتزهّداً اهــــ، ولعلّه يريد تزهّداً عن أكل اللّحم، فيكون قوله تعالى: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} استطراداً بمناسبة قوله قبله: { أية : فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه } تفسير : [الأنعام: 118]، وهذا يقتضي أنّ الاستفهام مستعمل في اللّوم، ولا أحسب ما قاله هذا الملقّب بعلم الهدى صحيحاً ولا سند له أصلاً. قال الطّبري: ولا نعلم أحداً من سلف هذه الأمّة كفّ عن أكل ما أحلّ اللَّه من الذّبائح. والوجه عندي أنّ سبب نزول هذه الآية ما تقدّم آنفاً من أنّ المشركين قالوا للنّبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، لمّا حَرّم الله أكل الميتة: « حديث : أنأكل ما نَقتل ولا نَأكل ما يقتلُ اللَّهُ » تفسير : يعنون الميتة، فوقع في أنفس بعض المسلمين شيء، فأنزل الله {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} أي فأنبأهم الله بإبطال قياس المشركين المُموّهِ بأنّ الميتة أولى بالأكل ممّا قتله الذّابح بيده، فأبدى الله للنّاس الفرق بين الميتة والمذكّى، بأنّ المذكّى ذُكر اسم الله عليه، والميتة لا يذكر اسم الله عليها، وهو فارق مؤثّر. وأعرض عن محاجة المشركين لأنّ الخطاب مسوق إلى المسلمين لإبطال محاجّة المشركين فآل إلى الرد على المشركين بطريق التعريض. وهو من قبيل قوله في الردّ على المشركين، في قولهم: { أية : إنَّما البيعُ مثل الرّبا } تفسير : [البقرة: 275]، إذ قال: { أية : وأحلّ الله البيع وحرّم الرّبا } تفسير : [البقرة: 275] كما تقدّم هنالك، فينقلب معنى الاستفهام في قوله: {وما لكم أن لا تأكلوا} إلى معنى: لا يسوِّلْ لكم المشركون أكل الميتة، لأنّكم تأكلون ما ذكر اسم الله عليه، هذا ما قالوه وهو تأويل بعيد عن موقع الآية. وقوله: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} جملة في موضع الحال مبيّنة لما قبلها، أي لا يصدّكم شيء من كلّ ما أحلّ الله لكم، لأنّ الله قد فصّل لكم ما حرّم عليكم فلا تعدوه إلى غيره. فظاهر هذا أنّ الله قد بيّن لهم، من قَبْلُ، ما حرّمه عليهم من المأكولات، فلعلّ ذلك كان بوحي غير القرآن، ولا يصحّ أن يكون المراد ما في آخر هذه السّورة من قوله: { أية : قُل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّما } تفسير : [الأنعام: 145] الآية، لأنّ هذه السّورة نزلت جملة واحدة على الصّحيح، كما تقدّم في ديباجة تفسيرها، فذلك يناكِد أن يكون المتأخّر في التّلاوة متقدّماً نزولهُ، ولا أن يكون المراد ما في سورة المائدة (3) في قوله: { أية : حُرّمت عليكم الميتة } تفسير : لأنّ سورة المائدة مدنيَّة بالاتّفاق، وسورة الأنعام هذه مكّيّة بالاتِّفاق. وقوله: {إلا ما اضطررتم إليه} استثناء من عائد الموصول، وهو الضّمير المنصوب بـــ {حرّم}، المحذوف لكثرة الاستعمال، و{ما} موصولة، أي إلاّ الّذي اضطُررتم إليه، فإنّ المحرّمات أنواع استثني منها ما يضطرّ إليه من أفرادها فيصير حلالاً. فهو استثناء متّصل من غير احتياج إلى جعل {ما} في قوله: {ما اضطررتم} مصدريّة. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وعاصم، وأبو جعفر، وخلف: {وقد فصل} ببناء الفعل للفاعل. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بالبناء للمجهول. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر: {ما حرم} بالبناء للفاعل، وقرأه الباقون: بالبناء للمجهول. والمعنى في القراءات فيهما واحد. والاضطرار تقدّم بيانه في سورة المائدة. {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ}. تحذير من التشبّه بالمشركين في تحريم بعض الأنعام على بعض أصناف النّاس. وهو عطف على جملة: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه}، ويجوز أن يكون الواو للحال، فيكون الكلام تعريضاً بالحذر من أن يكونوا من جملة من يضلّهم أهل الأهواء بغير علم. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب: {ليَضِلُّون} ــــ بفتح الياء ــــ على أنّهم ضالّون في أنفسهم، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: ــــ بضمّ الياء ــــ على معنى أنَّهم يُضلّلون النّاس، والمعنى واحد، لأنّ الضالّ من شأنه أن يُضلّ غيره، ولأنّ المُضلّ لا يكون في الغالب إلاّ ضالاً، إلاّ إذا قصد التّغرير بغيره. والمقصود التّحذير منهم وذلك حاصل على القراءتين. والباء في {بأهوائهم} للسببيّة على القراءتين. والباء في {بغير علم} للملابسة، أي يضلّون مُنقَادِين للهوى، مُلابسين لعَدم العلم. والمراد بالعلم: الجزم المطابق للواقع عن دليل، وهذا كقوله تعالى: { أية : إن يتَّبعون إلاّ الظن وإن هم إلاّ يَخْرصون } تفسير : [الأنعام: 116]. ومن هؤلاء قادة المشركين في القديم، مثل عَمْرو بن لُحَيّ، أوّللِ من سنّ لهم عبادة الأصنام وبَحَّر البحيرة وسيَّب السائبة وحَمَى الحامِي، ومَن بعده مثل الّذين قالوا: (ما قتل اللَّهُ أولى بأن نأكله ممّا قتلنا بأيدينا). وقوله: {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} تذييل، وفيه إعلام للرّسول صلى الله عليه وسلم بتوعّد الله هؤلاء الضالّين المضلين، فالإخبار بعلم الله بهم كناية عن أخذه إيَّاهم بالعقوبة وأنَّه لا يفلتهم، لأنّ كونه عالماً بهم لا يُحتاج إلى الإخبار به. وهو وعيد لهم أيضاً، لأنَّهم يسمعون القرآن ويُقرَأ عليهم حين الدّعوة. وذِكْرُ المعتدين، عقب ذكر الضالّين، قرينة على أنَّهم المراد وإلاّ لم يكن لانتظام الكلام مناسبة، فكأنَّه قال: إنّ ربّك هو أعلم بهم وهم معتدون، وسمّاهم الله معتدين. والاعتداء: الظلم، لأنَّهم تقلّدوا الضّلال من دون حجّة ولا نظر، فكانوا معتدين على أنفسهم، ومعتدين على كلّ من دَعوه إلى موافقتهم. وقد أشار هذا إلى أنّ كلّ من تَكلَّم في الدّين بما لا يعلمه، أو دعا النّاس إلى شيء لا يعلم أنّه حق أو باطل، فهو معتد ظالم لنفسه وللنّاس، وكذلك كلّ ما أفتى وليس هو بكفء للإفتاء.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} الآية. التحقيق أنه فصله لهم بقوله: {أية : قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلآَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً} تفسير : [الأنعام: 145] الآية، ومعنى الآية: أي شيء يمنعكم أن تأكلوا ما ذكيتم، وذكرتم عليه اسم الله، والحال أن الله فصل لكم المحرم أكله عليكم في قوله: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ} الآية، وليس هذا منه. وما يزعمه كثير من المفسرين من أنه فصله لهم بقوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} تفسير : [المائدة: 3] الآية. فهو غلط. لأن قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} من سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة، وقوله: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] من سورة الأنعام، وهي مكية. فالحق هو ما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} عند الذَّبح {وقد فصَّل} بيَّن {لكم ما حرَّم عليكم} في قوله: {أية : حُرِّمت عليكم الميتة...} تفسير : الآية. {إلاَّ ما اضطررتم إليه} دعتكم الضَّرورة إلى أكله ممَّا لا يحلُّ عند الاختيار {وإنَّ كثيراً ليضلون بأهوائهم} أَيْ: الذين يُحلُّون الميتة، ويناظرونكم في إحلالها ضلُّوا باتِّباع أهوائهم {بغير علمٍ} إنَّما يتَّبعون فيه الهوى، ولا بصيرة عندهم ولا علم {إنَّ ربك هو أعلم بالمعتدين} المتجاوزين الحلال إلى الحرام. {وذروا ظاهر الإِثم وباطنه} سرَّه وعلانيته، ثمَّ أوعد بالجزاء فقال: {إن الذين يكسبون الإِثم سيجزون بما كانوا يقترفون}. {ولا تأكلوا ممَّا لم يذكر اسم الله عليه} ممَّا لم يُذَكَّ ومات {وإنه} وإنَّ أكله {لفسقٌ} خروجٌ عن الحقِّ {وإنَّ الشياطين} يعني: إبليس وجنوده وسوسوا {إلى أوليائهم} من المشركين ليخاصموا محمداً وأصحابه في أكل الميتة {وإن أطعتموهم} في استحلال الميتة {إنكم لمشركون} لأنَّ مَنْ أحلَّ شيئاً ممَّا حرَّمه الله فهو مشركٌ. {أَوْ مَنْ كان ميتاً فأحييناه} ضالاًّ كافراً فهديناه {وجعلنا له نوراً} ديناً وإيماناً {يمشي به في الناس} مع المسلمين مُستضيئاً بما قذف الله في قلبه من نور الحكمة والإِيمان {كمَنْ مثله} كمَن هو {في الظلمات} في ظلمات الكفر والضَّلالة {ليس بخارجٍ منها} ليس بمؤمن أبداً. نزلت في أبي جهلٍ وحمزة بن عبد المطلب {كذلك} كما زُيِّن للمؤمنين الإِيمان {زين للكافرين ما كانوا يعملون} من عبادة الأصنام. {وكذلك جعلنا في كلِّ قرية أكابر مجرميها} يعني: كما أنَّ فسَّاق مكَّة أكابرها، كذلك جعلنا فسَّاق كلِّ قرية أكابرها. يعني: رؤساءَها ومترفيها {ليمكروا فيها} بصدِّ النَّاس عن الإِيمان {وما يمكرون إلاَّ بأنفسهم} لأنَّ وبال مكرهم يعود عليهم {وما يشعرون} أنَّهم يمكرون بها. {وإذا جاءتهم آية} ممَّا أطلع الله عليه نبيَّه عليه السَّلام ممَّا يخبرهم به {قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل فنصدِّق [به]، وذلك أنَّ كلَّ واحدٍ من القوم سأل أن يُخصَّ بالوحي، كما قال الله: {أية : بل يريد كلُّ امرىءٍ منهم أَنْ يُؤتى صحفاً مُنشَّرة} تفسير : فقال الله سبحانه: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} يعني: أنَّهم ليسوا بأهل لها، هو أعلم بمَنْ يختصُّ بالرِّسالة {سيصيب الذين أجرموا صغار} مذلَّةٌ وهوانٌ {عند الله} أَيْ: ثابت لهم عند الله ذلك. {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام} يوسِّعْ قلبه ويفتحه ليقبل الإِسلام {ومن يرد أن يضلَّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً} شديد الضِّيق {كأنما يصَّعد في السماء} إذا كُلَّف الإِيمان لشدَّته وثقله عليه {كذلك} مثل ما قصصنا عليك {يجعل الله الرجس} العذاب {على الذين لا يؤمنون}.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِأَهْوَائِهِم} (119) - وَمَا الذِي يَمْنَعُكُمْ مِنْ أَنْ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَليهِ مِنَ الذَّبَائِحِ التِي أَحَلَّ لَكُم اللهُ الأَكْلَ مِنْهَا؟ وَقَدْ بَيَّنَ لَكُمُ اللهُ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ (المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ ... الخ) إِلاّ مَا دَعَتْكُمُ الضَّرُورَةُ المُلِحَّةُ إِلى أَكْلِهِ مِنْ هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ، فَإِنَّ اللهَ أَبَاحَ لَكُمُ الأَكْلَ مِنْهَا بِمِقْدَارِ الحَاجَةِ، وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يُضِلُّونَ غَيْرَهُمْ بِأَهْوَائِهِمْ الزَّائِفَةِ، وَشَهَواتِهِم الفَاسِدَةِ، مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ يَقِينِيٍّ أُوتُوهُ بِصِحَّةِ مَا يَقُولُونَ، وَلاَ بُرْهَانٍ عَلَيْهِ، وَهُمْ إِنَّمَا يُطِيعُونَ الشَّيَاطِينَ فِي ذَلِكَ، وَيَعْصُوْنَ اللهَ به. (كَالذِينَ اتَّخَذُوا السَّوَائِبَ وَالبَحَائِرَ .. وَأَحَلُّوا أَكْلَ المَيْتَةِ وَلَحْمِ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ..) وَاللهُ أَعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ الذِينَ يَتَجَاوَزُونَ مَا أَحَلَّهُ اللهُ إِلَى مَا حَرَّمَهُ عَلَيهِمْ.
همام الصنعاني
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ}: الآية: 119] يقول: قد بين لكم ماحرم عليكم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):