٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
120
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أنه فصل المحرمات أتبعه بما يوجب تركها بالكلية بقوله: {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ } والمراد من الإثم ما يوجب الإثم، وذكروا في ظاهر الإثم وباطنه وجهين: الأول: أن {ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ } الإعلان بالزنا {وَبَاطِنَهُ } الاستسرار به. قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالاً ما كان سراً، فحرم الله تعالى بهذه الآية السر منه والعلانية. الثاني: أن هذا النهي عام في جميع المحرمات وهو الأصح، لأن تخصيص اللفظ العام بصورة معينة من غير دليل غير جائز، ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم، وقيل: ما عملتم وما نويتم. وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً، تريد ما أخذت منه بوجه من الوجوه، وقال آخرون: معنى الآية النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج من كونه إثماً بسبب إخفائه وكتمانه، ويمكن أن يقال: المراد من قوله: {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ } النهي عن الإقدام على الإثم، ثم قال: {وَبَاطِنَهُ } ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس. وقال آخرون: {ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ } أفعال الجوارح {وَبَاطِنَهُ } أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة السوء للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني واللوم على الخيرات، وبهذا يظهر فساد قول من يقول: إن ما يوجد في القلب لا يؤاخذ به إذا لم يقترن به عمل فإنه تعالى نهى عن كل هذه الأقسام بهذه الآية. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } ومعنى الاقتراف قد تقدم ذكره. وظاهر النص يدل على أنه لا بد وأن يعاقب المذنب، إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب، وأصحابنا زادوا شرطاً ثانياً، وهو أنه تعالى قد يعفو عن المذنب فيترك عقابه كما قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء }تفسير : [النساء: 48].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} للعلماء فيه أقوال كثيرة. وحاصلها راجع إلى أن الظاهر ما كان عملاً بالبدن مما نهى الله عنه، وباطنه ما عُقد بالقلب من مخالفَة أمر الله فيما أمر ونهى ـ وهذه المرتبة لا يبلغها إلا من ٱتقى وأحسن؛ كما قال: «ثُمَّ ٱتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ ٱتَّقوا وَأَحْسَنُوا». وهي المرتبة الثالثة حسب ما تقدّم بيانه في «المائدة». وقيل: هو ما كان عليه الجاهلية من الزنا الظاهر وٱتخاذ الحلائل في الباطن. وما قدّمنا جامع لكل إثم وموجب لكل أمر.
ابن كثير
تفسير : قال مجاهد {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}: معصيته في السر والعلانية، وفي رواية عنه: هو ما ينوي مما هو عامل، وقال قتادة: {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} أي: سره وعلانيته، قليله وكثيره، وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة والصدائق والأخدان، وقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم، والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} تفسير : [الأعراف: 33] الآية، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} أي: سواء كان ظاهراً أو خفياً، فإن الله سيجزيهم عليه، قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه، عن النواس ابن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإثم، فقال: «حديث : الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع الناس عليه».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَذَرُواْ } اتركوا {ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ } علانيته وسرّه، و(الإِثم) قيل: الزنى، وقيل: كل معصية {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإثْمَ سَيُجْزَوْنَ } في الآخرة {بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } يكتسبون.
ابن عطية
تفسير : هذا نهي عام من طرفيه لأن {الإثم} يعم الأحكام والنسب اللاحقة للعصاة عن جميع المعاصي، والظاهر والباطن يستوفيان جميع المعاصي، وقد ذهب المتأولون إلى أن الآية من ذلك في مخصص، فقال السدي: ظاهره الزنا الشهير الذي كانت العرب تفعله، وباطنه اتخاذ الأخدان، وقال سعيد بن جبير: الظاهر ما نص الله على تحريمه من النساء بقوله {أية : حرمت عليكم أمهاتكم} تفسير : [النساء:23]، وقوله {أية : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} تفسير : [النساء: 22]، والباطن الزنا، وقال ابن زيد: الظاهر التعري والباطن الزنا. قال القاضي أبو محمد: يريد التعري الذي كانت العرب تفعله في طوافها، قال قوم: الظاهر الأعمال والباطن المعتقد. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن لأنه عاد ثم توعد تعالى كسبة الإثم بالمجازاة على ما اكتسبوه من ذلك وتحملوا ثقله، و "الاقتراف" الاكتساب.
ابن عبد السلام
تفسير : {ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} سره وعلانيته، أو ظاهره: ما حرم من النكاح ذوات المحارم، وباطنه: الزنا، أو ظاهره: ذوات الرايات من الزواني، وباطنه: ذوات الأخدان، كانوا يستحلون الزنا سراً، أو ظاهره: الطواف بالبيت عراة، وباطنه: الزنا.
ابن عادل
تفسير : لما بين أنَّه فَصَّل المُحَرَّمات، أتْبَعه بما يَجِبُ تَرْكُه بالكُلِّية، والمُرَادُ به: ما يُوجِبُ الإثْمَ، وهي الذُنُونب كُلُّها. قال قتادة: المُراد "بِبَاطِنه وظَاهره" عَلانيته وسِرَّه. وقال مُجَاهِد: ظاهرة مِمَّا يَعْمَلُه الإنْسَان بالجوارح من الذُّنُوب، وباطنه: ما يَنْويه ويَقْصده بقلبه؛ كالمُصِرِّ على الذَّنْب. وقال الكَلْبِيُّ: ظاهِره: الزِّنَا، وبَاطنه المُخَالة، وأكثر المُفَسِّرين على أنَّ ظَاهِره: الإعلان بالزِّنَا، وهم أصْحاب الرَّايَات، وباطنه: الاسْتِسْرَار، وكانت العرب يُحِبُّون الزِّنَا، وكان الشَّرِيف يَسْتَسِرُّ به، وغير الشَّريف لا يُبِالي به، فَيُظْهره. وقال سعيد بن جُبَيْر: ظاهر الإثْم: نكاح المحارم، وباطنه الزِّنا. وقال ابن زَيْد: ظاهره: التَّعرِّي من الثياب في الطَّواف والباطِن: الزِّنَا، وروى حيَّان عن الكَلْبِي - رحمه الله - ظَاهِر الإثْم: طَواف الرِّجَال بالبّيْت نَهَاراً عُرَاةً، وباطنه، طَوَاف النِّسَاء باللَّيْل عُرَاة. وقيل هذا النَّهي عامٌ في جميع المُحَرَّمات، وهو الأصحُّ؛ لأن تَخْصِيص اللَّفظ العام بصُورة مُعَيَّنة من غَيْر دليل، غير جائز، ثم قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} والاقْتِرَاف: الاكِتسَاب كما تقدَّم، وظاهر النَّصِّ يدلُّ على أنَّه لا بُدَّ وأنْ يُعَاقب المُذنب على الذَّنب، إلا أنَّ المُسْلِمين أجْمَعُوا على أنَّه إذا تاب، لم يُعاقب، وأهْل السُّنَّة زادُوا شَرْطاً، وهو أنَّه - تبارك وتعالى - قد يَعْفُو عن المُذْنِب؛ لقوله - تبارك وتعالى -: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء:48] الآية.
البقاعي
تفسير : >ولما كان مما يقبل في نفسه في الجملة أن يذكر اسم الله عليه ما يحرم لكونه ملكاً للغير أو فيه شبهة، نهى عنه على وجه يعم غيره، فقال عطفاً على "فكلوا" {وذروا} أي اتركوا على أيّ حالة اتفقت وإن كنتم تظنونها غير صالحة {ظاهر الإثم} أي المعلوم الحرمة من هذا وغيره {وباطنه} من كل ما فيه شبهة من الأقوال والأفعال والعقائد، فإن الله جعل له في القلب علامة، وهو أن يضطرب عنده ولا يسكن كما قال صلى الله عليه وسلم: حديث : والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر تفسير : - أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن الذين يكسبون الإثم} أي ولو بأخفى أنواع الكسب، بما دل عليه تجريد الفعل، وهو الاعتقاد للاسم الشريف. ولما كان العاقل من خاف من مطلق الجزاء بني للمفعول قوله {سيجزون} أي بوعد لا خلف فيه {بما} أي بسبب ما {كانوا} بفاسد جبلاتهم {يقترفون *} أي يكتسبون اكتساباً يوجب الفرق وهو أشد الخوف ويزيل الرفق، وصيغة الافتعال للدلالة على أن أفعال الشر إنما تكون بمعالجة من النفس للفطرة الأولى السليمة. ولما أمرهم بالأكل مما ينفعهم ويعينهم على شكره محذراً من أكل ما يعيش مرأى بصائرهم، أتبعه نهيهم نهياً جازماً خاصاً عن الأكل مما يضرهم في أبدانهم وأخلاقهم، وهو ما ضاد الأول في خلوه عن الاسم الشريف فقال {ولا تأكلوا مما لم يذكر} أي مما لا يقبل أن يذكر {اسم الله} أي الذي لا يؤخذ شيء إلا منه، لأن له الكمال كله فله الإحاطة الكاملة، وأشار بأداة الاستعلاء إلى الإخلاص ونفي الإشراك فقال: {عليه} أي لكون الله قد حرمه فصار نجس العين أو المعنى، فصار مخبثاً للبدن والنفس مما ذكر عليه غير اسمه سبحانه بما دل عليه من تسميته فسقاً، وتفسير الفسق في آية أخرى بما أهل به لغير الله وكذا ما كان في معناه مما مات أو كان حراماً بغير ذلك، واسمه تعالى منزه عن أن يذكر على غير الحلال، فإن ذكر عليه كان ملاعباً فلم يطهره، وأما ما كان حلالاً ولم يذكر عليه اسم الله ولا غيره فهو حلال - كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قالوا: يا رسول الله! إن هنا أقواماً حديث عهد بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله أم لا! قال: "حديث : اذكروا أنتم اسم الله وكلوا" تفسير : قال البغوي: ولو كانت التسمية شرطاً للإباحة لكان الشك في وجودها مانعاً من أكلها كالشك في أصل الذبح - انتهى. ولما كان التقدير: فإنه خبيث في نفسه مخبث، عطف عليه قوله: {وإنه} أي الأكل منه أو هو نفسه لكونه السبب {لفسق} فجعله نفس الفسق - وهو الخروج عما ينبغي إلى ما لا ينبغي - لأنه عريق جداً في كونه سببه لما تأصل عندهم من أمره وانتشر من شره، وهذا دليل على ما أولت به لأن النسيان ليس بسبب الفسق، والذي تركت التسمية عليه نسياناً ليس بفسق، والناسي ليس بفاسق - كما قاله البخاري، وإلى ذلك الإشارة بما رواه عن عائشة رضي الله عنها أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوماً يأتونّا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا! فقال: حديث : سموا عليه أنتم وكلوهتفسير : ، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر - انتهى. فهذا كله يدل على أن المراد إنما هو كونه مما يحل ذبيحته، وليس المراد اشتراط التسمية بالفعل. ولما كانت الشبه ربما زلزلت ثابت العقائد، قال محذراً منها: {وإن الشياطين} أي أخابث المردة من الجن والإنس البعيدين من الخير المهيئين للنشر المحترقين باللعنة من مردة الجن والإنس {ليوحون} أي يوسوسون وسوسة بالغة سريعة {إلى أوليائهم} أي المقاربين لهم في الطباع المهيئين لقبول كلامهم {ليجادلوكم} أي ليفتلوكم عما أمركم به بأن يقولوا لكم: ما قتله الله أحق بالأكل مما قتلتموه أنتم وجوارحكم - ونحو ذلك، وأهل الحرم لا ينبغي أن يقفوا في غيره، والغريب لا ينبغي أن يساويهم في الطواف في ثيابه، والنذر للأصنام كالنذر للكعبة، ونحو هذا من خرافاتهم التي بنوا أمرهم فيها على الهوى الذي هم معترفون بأنه مضل مضر، ومبالغون في الذم باتباعه والميل إليه، ويكفي في هدم جميع شبههم إجمالاً أن صاحب الدين ومالك الملك منع منها. ولما كان التقدير: فإن أطعتموهم تركتم الهدى وتبعتم الهوى، وكان من المعلوم أن الهوى يعود إلى الشرك، عطف على هذا قوله: {وإن أطعتموهم} أي المشركين تديناً بما يقولونه في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه والأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، أو في شيء مما جادلوكم فيه {إنكم لمشركون *} أي فأنتم وهم في الإشراك سواء كما إذا سميتم غير الله على ذبائحكم على وجه العبادة، لأن من اتبع أمر غير الله فقد اشركه بالله كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه في قوله تعالى {أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} تفسير : [التوبة: 31] من أن عبادتهم لهم تحليلهم ما أحلوا وتحريمهم ما حرموا، فنبه صلى الله عليه وسلم بذلك على أن الأسماء تتبع المعاني؛ قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي الشافعي في باب الضحايا من كتاب الروضة: حكي في الشامل وغيره عن نص الشافعي أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها باسم غير الله كالمسيح لم تحل؛ وفي كتاب القاضي ابن كنج أن اليهودي لو ذبح لموسى والنصراني لعيسى عليهما السلام أو للصليب حرمت ذبيحته، وأن المسلم لو ذبح للكعبة أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فينبغي أن يقال: تحرم، لأنه ذبح لغير الله تعالى، قال: وخرّج أبو الحسن وجهاً آخر أنها تحل لأن المسلم يذبح لله ولا يعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعتقده النصراني في عيسى عليه السلام. قال: وإذا ذبح للصنم لم تؤكل ذبيحته سواء كان الذابح مسلماً أو نصرانياً، وفي تعليقه للشيخ إبراهيم المروزي أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقرباً إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله، واعلم أن الذبح للمعبود باسمه نازل منزلة السجود له. وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم، العبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة، فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحل ذبيحته، وكان فعله كفراً كمن سجد لغيره سجدة عبادة، وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه، فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه - بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيماً لها لأنها بيت الله تعالى أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة، وإلى هذا المعنى يرجع قول القائل: أهديت للحرم أو للكعبة، ومن هذا القبيل الذبح عند استقبال السلطان، فإنه استبشار بقدومه نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب الكفر، وكذا السجود لغير الله تذللاً وخضوعاً، فعلى هذا إذا قال الذابح: بسم الله واسم محمد، وأراد: أذبح باسم الله وأتبرك باسم محمد، فينبغي أن لا يحرم، وقول من قال: لا يجوز ذلك، يمكن أن يحمل على أن اللفظ مكروه، لأن المكروه يصح نفي الجواز والإباحة المطلقة عنه، وحكى الرافعي أنه وقعت في هذا منازعة بين أهل قزوين أفضت إلى فتنة في أنه تحل ذبيحته وهل يكفر بذلك! قال: والصواب ما بينا؛ قال الشيخ محيي الدين: ومما يؤيد ما قاله - أي الرافعي - ما ذكره الشيخ إبراهيم المروزي في تعليقه: قال: حكى صاحب التقريب عن الشافعي رحمه الله أن النصراني إذا سمى غير الله كالمسيح لم تحل ذبيحته، قال صاحب التقريب: معناه أن يذبحها له. فأما إن ذكر المسيح على معنى الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجائز، قال: وقال الحليمي: تحل مطلقاً وإن سمى المسيح - والله أعلم، ثم قال في المسائل المنثورة: الثالثة: قال ابن كج: من ذبح شاة وقال: أذبح لرضى فلان، حلت الذبيحة، لأنه لا ينصرف إليه بخلاف من تقرب بالذبح إلى الصنم؛ وقال الروياني: إن من ذبح للجن وقصد به التقرب إلى الله تعالى ليصرف شرهم عنه فهو حلال، وإن قصد الذبح لهم فحرام؛ ومما يوضح لك سر هذا الانتظام ويزيده حسناً أن هذه الآيات كلها من قوله تعالى {أية : إن الله فالق الحب والنوى} تفسير : [الأنعام: 100] إلى آخر السورة تفصيل لقوله تعالى في أول السورة {أية : قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض} تفسير : [الأنعام: 14]، فلما ذكر إبداعه السماوات والأرض بقوله {أية : إن الله فالق الحب والنوى} تفسير : [الأنعام: 95] ونحوه، وأنكر اتخاذ من دونه بقوله {أية : وجعلوا لله شركاء الجن} تفسير : [الأنعام: 100] وما نحا نحوه، قال {أية : فكلوا} تفسير : [الأنعام: 118] إشارة إلى {أية : وهو يطعم ولا يطعم}تفسير : [الأنعام: 14] وقوله {أو من كان ميتاً فأحييناه} [الأنعام: 122] وقوله {أية : فمن يرد الله أن يهديه} تفسير : [الأنعام: 125] ونحوهما إشارة إلى قوله {أية : قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} تفسير : [الأنعام: 14]، وقوله {أية : ويوم نحشرهم جميعاً} تفسير : [الأنعام: 22] ونحوه مشير إلى {أية : إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} تفسير : [الأنعام: 15]. ولما انقضى التفصيل عند قوله {فسوف يعلمون} شرع في تفصيلها ثانياً بقوله: {أية : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً} تفسير : [الأنعام: 136] إلى آخرها، والسر في الإعادة أن الشيء إذا أثبت أو نفي، وأقيمت الدلائل على إثبات ما ثبت منه ونفي ما نفي، ثم أعيد ذلك في أسلوب آخر، كان أثبت في النفس وألصق بالقلب، لا سيما إن كان في الأسلوب الثاني - كما هي عادة القرآن - زيادة في البيان وتنبيه على ما لم يتقدم أولاً، ولا سيما إن كانت العبارة فائقة والألفاظ عذبة رائقة وأنت خبير بأن هذا كله دأب القرآن في أساليب الافتنان؛ قال الغزالي في أوائل كتاب الجواهر في الفصل الذي فيه اشتمال الفاتحة على ثمانية أقسام: وقوله ثانياً {الرحمن الرحيم} إشارة إلى الصفة مرة أخرى، ولا تظن أنه مكرر، فلا مكرر في القرآن، إذ حد المكرر ما لا ينطوي على مزيد فائدة، وذكر الرحمة بعد ذكر {العالمين}، وقبل ذكر {العالمين}، وقبل ذكر {مالك يوم الدين} ينطوي على فائدتين عظيمتين في تفصيل مجاري الرحمة ثم ذكر ما حاصله أن إحداهما ملتفت إلى خلق كل عالم من العالمين على أكمل أنواعه وأفضلها وإيتائه كل ما احتاج إليه، والثانية ملتفت إلى ما بعده بالإشارة إلى الرحمة في المعاد يوم الجزاء عند الإنعام بالملك المؤبد، قال: وشرح ذلك يطول والمقصود أنه لا مكرر في القرآن، وإن رأيت شيئاً مكرراً من حيث الظاهر فانظر إلى سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة في إعادته - انتهى. وفي ذلك نكتة أخرى، وهي أن الرحمن مشير إلى ما قال من جهة الربوبية في الإيجادين: الأول والثاني، والرحيم مشير بخصوصه بما ترضاه الإلهية إلى الإيجاد الثاني والإبقاء الثاني بالرحمة الجزائية وإلى ما يفهمه الخصوص من النعمة بمن لم يخصه الرحمة - كما مضت الإشارة إليه في الفاتحة. ولما كان معنى التحذير من طاعة المشركين أنكم إن فعلتم كنتم قد رددتم أنفسكم إلى ظلام الضلال بعد أن منحتم نور الهداية، فكان التقدير: أفمن كان هكذا كان كمن نصح لنفسه باتباع الأدلة وتوقي الشبه، عطف عليه قوله: {أو من كان ميتاً} أي بالغرق في أمواج ظلام الكفر، ليس لهم من ذواتهم إلا الجمادية بل العدمية {فأحييناه} أي بما لنا من العظمة بإشراق أنوار الإيمان على قبله الذي إن صلح صلح الجسد كله، وإن فسد فسد الجسد كله {وجعلنا} أي بعظمتنا على وجه الخصوص {له نوراً} أي بالهداية إلى كل خير {يمشي} مستضيئاً {به في الناس} فيعرفون أفعاله وأخلاقه وأقواله {كمن مثله} أي الذي يمثل به، وهو ما ينكشف بوجه الشبه روح لبه وخلاصة حال قلبه، حال قلبه، أو يكون المعنى: صفته أنه {في الظلمات} أي ما له من نفسه من ظلمة الجهل وظلمة ما ينشأ عنه من الهوى وظلمة ما نشأ عن الهوى من الكفر، وإذا كان المثل الذي هو الأعلى من الممثول في شيء كان الممثول عريقاً فيه بطريق الأولى، فلذلك قال: {ليس بخارج} أي ذلك المثل {منها} أي الظلمات بما زين له من سوء أعماله حتى صارت أحب إليه من نفسه وماله، وإذا لم يخرج المثل من شيء لم يخرج الممثول منه وإلا لم تكن بينهما مماثلة، وذلك لأنه زين له عمله، وهي ناظرة إلى قوله أول السورة {أية : إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله}تفسير : [الأنعام: 36] وقوله: {أية : والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات}تفسير : [الأنعام: 39]. ولما كان إيحاء الشياطين إلى أوليائهم مما يوجب لزوم العمى ليس إلاّ تزييناً للقبائح، فكان حالهم مما يشتد العجب منه، كان كأنه قيل: لولا رؤيتنا لحالهم ما صدقنا أن عاقلاً يرضى ما فعلوه بأنفسهم، فهل وقع لأحد قط مثل حالهم؟ فقيل: نعم {كذلك} أي مثل ما زين لهم سوء أعمالهم {زين للكافرين} أي كلهم {ما كانوا} بما جبلناهم عليه {يعملون *} فهم أبداً في الظلمات، فالآية من الاحتباك: أثبت أولاً كونه في الظلمات دليلاً على تقديره ثانياً، وثانياً التزيين دليلاً على تقديره أولاً.
ابو السعود
تفسير : {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} أي ما يُعلن من الذنوب وما يُسَرّ أو ما يعمل منها بالجوارح وما بالقلب، وقيل: الزنا في الحوانيت واتخاذُ الأخذان {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإثْمَ} أي يكتسبونه من الظاهر والباطن {سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} كائناً ما كان فلا بد من اجتنابهما، والجملةُ تعليلٌ للأمر. {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} ظاهرٌ في تحريم متروكِ التسميةِ عمْداً كان أو نسياناً، وإليه ذهب داودُ، وعن أحمدَ بنِ حنبل مثلُه، وقال مالك والشافعي بخلافه لقوله عليه السلام: «حديث : ذبـيحةُ المسلم حلالٌ وإن لم يذكر اسمَ الله عليها»تفسير : وفرق أبو حنيفة بـين العمْد والنسيانِ وأوّله بالميتة أو بما ذكر عليه اسمُ غيرِه تعالى لقوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} فإن الفسقَ ما أُهل به لغير الله والضميرُ لما، ويجوز أن يكون للأكل المدلولِ عليه بلا تأكلوا، والجملةُ مستأنفةٌ وقيل: حالية {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ} المرادُ بالشياطين إبليسُ وجنودُه فإيحاؤهم وسوستُهم إلى المشركين، وقيل: مرَدةُ المجوسِ فإيحاؤهم إلى أوليائهم ما أَنْهَوا إلى قريشٍ بالكتاب أن محمداً وأصحابَه يزعُمون أنهم يتبعون أمرَ الله ثم يزعُمون أن ما يقتلونه حلالٌ وما يقتله الله حرام {لِيُجَـٰدِلُوكُمْ} أي بالوساوس الشيطانيةِ أو بما نقل من أباطيلِ المجوسِ وهو يؤيد التأويلَ بالميتة {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} في استحلالِ الحرامِ وساعدتموهم على أباطيلهم {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ضرورةَ أن من ترك طاعةَ الله إلى طاعة غيرِه واتبعه في دينه فقد أشركه به تعالى، بل آثرَه عليه سبحانه. {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا} وقرىء ميِّتاً على الأصل {فَأَحْيَيْنَـٰهُ} تمثيلٌ مَسوقٌ لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين إثرَ تحذيرِهم عنها بالإشارة إلى أنهم مستضيئون بأنوار الوحي الإلٰهيِّ والمشركون خابطون في ظلمات الكفرِ والطغيانِ فكيف يُعقل إطاعتُهم لهم؟ والهمزةُ للإنكار والنفي، والواوُ لعطف الجملةِ الاسميةِ على مثلها الذي يدل عليه الكلامُ، أي أأنتم مثلُهم ومَنْ كان ميتاً فأعطيناه الحياةَ وما يتبعُها من القوى المُدْرِكة والمحرِّكة؟ {وَجَعَلْنَا لَهُ} مع ذلك من الخارج {نُوراً} عظيماً {يَمْشِي بِهِ} أي بسببه، والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: فماذا يصنع بذلك النورِ؟ فقيل: يمشي به {فِى ٱلنَّاسِ} أي فيما بـينهم آمِناً من جهتهم أو صفةٌ له {كَمَن مَّثَلُهُ} أي صفتُه العجيبةُ وهو مبتدأ وقوله تعالى: {فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ} خبرُه على أن المرادَ بهما اللفظُ لا المعنى كما في قولك: زيدٌ صفتُه اسمرُ، وهذه الجملةُ صلةٌ لمن وهي مجرورةٌ بالكاف وهي مع مجرورها خبرٌ لمن الأولى وقوله تعالى: {لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا} حالٌ من المستكن في الظرف وقيل: من الموصول أي غيرُ خارجٍ منها بحال، وهذا كما ترى مثلٌ أريد به من بقي في الضلالة بحيث لا يفارقها أصلاً كما أن الأولَ مثَلٌ أريد به من خلقه الله تعالى على فطرة الإسلامِ وهداه بالآيات البـينةِ إلى طريق الحقِّ يسلُكه كيف يشاء لكن لا على أن يدل على كل واحدٍ من هذه المعاني بما يليق به من الألفاظ الواردةِ في المثَلين بواسطة تشبـيهِه بما يناسبه من معانيها، فإن ألفاظَ المثَلِ باقيةٌ في معانيها الأصلية، بل على أنه قد انتُزعت من الأمور المتعددةِ المعتبرةِ في كل واحدٍ من جانبـي المَثَلين هيئةٌ على حِدَة فشُبِّهت بهما الأُوليان ونُزّلتا منزلتيهما فاستُعمل فيهما ما يدل على الأُخْريـين بضرب من التجوّز، وقد أشير في تفسير قوله تعالى: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [البقرة، الآية 7] ، إلى أن التمثيلَ قسمٌ برأسه لا سبـيل إلى جعله من باب الاستعارةِ حقيقةً وأن الاستعارةَ التمثيليةَ من عبارات المتأخرين. نعم قد يجري ذلك على سنن الاستعارةِ بأن لا يُذكرَ المشبّه كهذين التمثيلين ونظائرِهما وقد يجري على منهاج التشبـيه كما في قوله: [الطويل] شعر : وما الناسُ إلا كالديار وأهلُها بها يوم حلُّوها وغَدْواً بلاقعُ تفسير : {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك التزيـينِ البليغ {زُيّنَ} أي من جهة الله تعالى بطريق الخلق عند إيحاءِ الشياطينِ أو من جهة الشياطينِ بطريقة الزخرفةِ والتسويلِ {لِلْكَـٰفِرِينَ} التابعين للوساوس الشيطانيةِ الآخذين بالمُزخْرَفات التي يوحونها إليهم {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ما استمرّوا على عمله من فنون الكفرِ والمعاصي التي من جملتها ما حُكيَ عنهم من القبائح فإنها لو لم تكن مُزينةً لهم لما أصروا عليها ولما جادلوا بها الحقَّ، وقيل: الآية نزلت في حمزةَ رضي الله عنه، وأبـي جهلٍ وقيل: في عمرَ أو عمارٍ رضي الله عنهما وأبـي جهل.
التستري
تفسير : وقوله: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}[120] يعني اتركوا المعاصي بالجوارح، ومحبتها بالقلب، وبالإصرار عليها.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الآية: 120]. قال بعضهم: ظاهر الإثم: رؤية الأفعال وباطنه الركون إليها فى السر باطنًا. وقال النهرجورى: إن الله أمر الخلق ونهاهم فى الظاهر والباطن فقال: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ} وجعل حد الأمر والنهى فى العلم لقيام الحجة على من يتخلف عن أمر الله، فإذا بلغ العبد ذلك الحد، فقد بلغ حد الكمال من حيث السر والعلانية. قال بعضهم: {ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ} طلب الدنيا، وباطن الإثم طلب الجنة والنعيم، وهما جميعًا يشغلان عن الحق وما شغل عن الحق فهو إثم. وقيل: {ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ} حظوظ النفس وباطن الإثم حظوظ القلب. وقال سهل: اتركوا المعاصى الجوارح وحبها بالقلب.
القشيري
تفسير : ظاهر الإثم ما للأغيار عليه اطلاع، وباطن الإثم هو سرٌ بينك وبين الله، لا وقوفَ لمخلوقٍ عليه. ويقال باطن الإثم خَفِيُّ العقائد و (....) الألحاظ. ويقال باطن الإثم ما تمليه عليك نفسك بنوع تأويل. ويقال باطن الإثم - على لسان أهل المعرفة - الإغماض عَمَّا لَك فيه حظ، ويقال باطن الإثم - على لسان أهل المحبة - دوام التغاضي عن مطالبات الحب؛ وإنَّ بِناءَ مطالبات الحب على التجني والقهر، قال قائلهم: شعر : إذا قلتُ: ما أذنبتُ؟ قالت مجيبةً: حياتُك ذنبٌ لا يقاس به ذنبُ تفسير : ويقال أسبغتُ عليكم النِّعم ظاهراً وباطناً، فذروا الإثم ظاهراً وباطناً، فإنَّ من شرط الشكر ترك استعمال النعمة فيما يكون إثماً ومخالفة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} ظاهر الاثم ما ذمه الكتاب والسنة وباطن الاثم ما ذمه باطن علم الكتاب والسنة وايضا ما لم يوافقه العقول وباطن الاثم ما لم يوافقه القلوب وايضا ظاهر الاثم ما يعوج الجوارح عن طريق السنة وباطن الاثم ما يشوش القلوب عن رؤية المشاهدة وايضا ظاهر الاثم حب الدنيا وباطن الاثم حب الجاه وايضا ظاهر الاثم ما يغرك برؤسها من الاعمال وباطن الاثم ما يسكن اليه قلبك من الاحوال قال بعضهم ظاهر الاثم رؤية الافعال وباطنه الركون اليها فى السر باطنا قال سهل اتركوا المعاصى بالجوارح وحبها بالقلوب قال الشبلى ظاهر الاثم الغفلة وباطنه لسان المطابعة عن السوابق وقيل باطن الاثم خفى العقائد ومسترقات الا لحاظ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وذروا} اى اتركوا ايها المؤمنون {ظاهر الاثم وباطنه} من اضافة الصفة الى الموصوف اى الاثم الظاهر والاثم الباطن والمراد بالاثم ما يوجب الاثم وهو المعاصى كلها لانها لا تخلو من هذين الوجهين فيدخل فيه ما يعلن وما يسر سواء كان من اعمال القلوب او الجوارح فاعمال الجوارح ظاهرة كالاقوال والافعال واعمال القلوب باطنة كالعقائد الفاسدة والعزائم الباطلة وحقيقة ظاهر الاثم طلب نعم الدنيا وباطنه الميل الى نعم العقبى لان كلا منهما يصير سببا للبعد عن حضرة المولى شعر : ظاهر وباطن خود باك كن ازلوث كناه تاكه باكيزه شوى درصف مردان اله تفسير : {إن الذين يكسبون الإثم} اى يعملون المعصية ظاهرا وباطنا {سيجزون} سيعاقبون فى الآخرة {بما كانوا يقترفون} اى يكسبون فى الدنيا كائنا ما كان فلا بد من اجتنابهما شعر : جمله دانند اين اكر تونكروى هرجه ميكاريش روزى بد روى تفسير : والاشارة ان الله تعالى كما خلق للانسان ظاهرا هو بدن جسمانى وباطنا هو قلب روحانى فكذلك جعل للاثم ظاهرا هو كل قول وفعل موافق للطبع مخالف للشرع وباطنا هو كل خلق حيوانى وسبعى وشيطانى جبلت النفس عليه {وذروا ظاهر الاثم وباطنه} اى اتركوا الاعمال الطبيعة باستعمال الاعمال الشرعية واتركوا الاخلاق الذميمة النفسانية بالتحلق بالاخلاق الملكية الروحانية {ان الذين يكسبون الاثم} ظاهره وباطنه بالافعال والاخلاق {سيجزون بما كانوا يقترفون عاجلا} وآجلا اما عاجلا فلكل فعل وقول طبيعى ظلمة تصدأ مرآة القلب بها فينحرف مزاج الاخلاق القلبية الروحانية ويتقوى مزاج الاخلاق النفسانية الظلمانية وبه يغلب الهوى ويميل الى الدنيا وشهواتها فباظهار كل خلق منها على وفق الهوى يزيد رينا وقسوة فى القلب فيحتجب به عن الله تعالى كما قال تعالى {أية : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} تفسير : [المطففين: 14]. واما آجلا فبهذه الموانع والحجب ينقطع العبد عن الله ويبقى محجوبا معذبا فى النار خالدا مخلدا كما قال تعالى {أية : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} تفسير : [المطففين: 15]. كذا فى التأويلات النجمية. اعلم ان العصاة كلهم فى خطر المشيئة بل الطائعون لا يدرون بماذا يختم لهم فيا ايها العاصى لا تغتر فان العناية لا تحصل لكل عاص ولا تدرى انك ممن اراد الله تعالى عفوه فان المعفو من اول الامر وقع قليلا ـ كما حكى ـ عن مالك بن دينار قال رأيت بالبصرة قوما يحملون جنازة وليس معهم احد ممن يشيع الجنازة فسألتهم عنه قالوا هذا رجل من كبار المذنبين قال فصليت عليه وانزلته فى قبره ثم انصرفته الى الظل فنمت فرأيت ملكين قد نزلا من السماء فشقا قبره ونزل احدهما اليه وقال لصاحبه اكتبه من اهل النار فما فيه جارحة سلمت من المعاصى والاوزار فقال له صاحبه يا اخى لا تعجل عليه اختبر عينيه قال قد اختبرتها فوجدتهما مملوءتين بالنظر الى محارم الله قال فاختبر سمعه قال قد اختبرته فوجدته مملوأ بسماع الفواحش والمنكرات قال فاختبر لسانه قال قد اختبرته فوجدته مملوأ بالخوض فى المحظورات وارتكاب المحرمات قال فاختبر يديه قال قد اختبرتهما فوجدتهما مملوءتين بتناول الحرام وما لا يحل من الشهوات واللذات قال فاختبر رحليه قال فاختبر رحليه قال قد اختبرتهما فوجدتهما مملوءتين بالسعى فى النجاسات والامور المذمومات قال يا اخى لا تعجل عليه ودعنى انزل اليه فنزل اليه الملك الثانى واقام عنده ساعة وقال يا اخى قد اختبرت قلبه فوجدته مملوأ ايمانا فاكتبه مرحوما سعيدا ففضل الله تعالى يستغرق ما عليه من الذنوب والخطايا: قال السعدى قدس سره شعر : عروسى بود نوبت ما تمت كرت نيك روزى بود خاتمت تفسير : يعنى يوم وفاتك يكون يوم فرح وسرور ان كنت ممن قبض على الايمان تسأل الله عفوه ورجاه شعر : الهى بحق بنى فاطمه كه برقول ايمان كتم خاتمه
الطوسي
تفسير : الواو في قوله {وذروا}، واو العطف ولا يستعمل "وذر" لما مضى ولا "واذر" لاسم الفاعل واستغني عنه بـ (ترك) وانما يستعمل منه يذر و (ذر) وامثاله ومثله (يدع) لم يستعمل منه (فَعَل) ولا (فاعل) استغنوا أيضا بـ (ترك) و (تارك) وأشعروا بذلك كراهية الواو في الابتداء حتى لم يزيدوها هناك أصلا مع زيادتهم أخواتها. والظاهر هو الكائن على وجه يمكن ادراكه. والباطن هو الكائن على وجه يتعذر ادراكه. أمر الله تعالى في هذه الآية بترك الاثم مع قيام الدلالة على كونه اثما، ونهى عن ارتكابه سرا وعلانية، وهو قول قتادة والربيع بن أنس ومجاهد، لان الجاهلية كانت ترى ان الزنا اذا أظهر واعلن كان فيه اثم، فاذا اسْتَسَرَّ به صاحبه لم يكن اثما - ذكره الضحاك - وقال الجبائي الظاهر أفعال الجوارح، والباطن أفعال القلوب. وقال غيره: الظاهر الطواف بالبيت عريانا والباطن الزنا. والاول أعم على ما قلناه - ذكره ابن زيد - وقال قوم: ظاهر الاثم الزنا، وباطنه اتخاذ الاخدان - ذكره السدي والضحاك - وقال سعيد بن جبير ظاهر الاثم امرأة الاب وباطنه الزنا. أمر الله تعالى باجتناب الاثم على كل حال، ثم أخبر أن الذين يكسبون الاثم يعني المعاصي والقبائح وسيجازيهم الله يوم القيامة بما كانوا يرتكبونه. وقد بينا أن معنى الاقتراف هو معنى الاكتساب. والكسب هو فعل ما يجتلب به نفع الى نفسه أو يدفع به ضرر، ولذلك يوصف الواحد منا بأنه مكتسب ولا يوصف الله تعالى به، والكواسب الجوارح من الطير، لانها تكسب ما ينتفع به.
الجنابذي
تفسير : {وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} من قبيل اضافة الصّنف الى النّوع او اضافة جهتى الشّيء الواحد اليه او جزئى الشّيء المركّب اليه. اعلم، انّ الانسان اعنى اللّطيفة السّيّارة الانسانيّة واقع بين عالمى النّور والظّلمة والاطلاق والتّقييد والوحدة والكثرة والملائكة والجنّة، ووجوده يكون دائماً فى الخروج من القوّة الى الفعل مثل سائر الكائنات، وهذا معنى قولهم: الكون فى التّرقّى فاذا كان افعاله واقواله وعلومه وعقائده وخطراته وخيالاته ناشئةً من توجّهه الى عالم النّور، او قرينة لذلك التّوجّه كان خروجه من القوّة الى فعليّة النّور ومن التّقييد الى الاطلاق ومن الظّلمة الى النّور وكانت هذه منه طاعة ومرضيّة وعبادة، واذا كانت تلك ناشئة من توجّهه الى عالم الظّلمة او قرينة لغفلته عن الله تعالى وعن عالم النّور كان خروجه من القوّة الى فعليّة الظّلمة ومن الاطلاق الى التّقييد ومن النّور الى الظّلمة، وكانت هذه منه اثماً وذنباً ومعصية سواء كانت بصورة الطّاعات او لم تكن، والى هذا اشارة الصّادق (ع) بقوله: من كان ذاكراً لله على الحقيقة فهو مطيع ومن كان غافلاً عنه فهو عاصٍ، والطّاعة علامة الهداية والمعصية علامة الضّلالة واصلهما من الذّكر والغفلة وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة:257] (الى آخر الآية) اشارة الى انّ الايمان يقتضى التّوجّه الى عالم النّور، وذلك التّوجّه يقتضى الخروج من القوّة الى فعليّة النّور، والكفر بعكس ذلك، وانّ الانسان اذا تمكّن من التّوجّه الى عالم الظّلمة صار متجوهراً بالظّلمة واصلاً لكلّ الظّلمات ومتحقّقاً بالاثم واصلاً لكلّ الآثام، واذا تمكّن فى التّوجّه الى عالم النّور صار متجوهراً بالنّور واصلاً لكلّ الانوار بعد نور الانوار، ولذلك كان محمّد (ص) وعلىّ (ع) اصلاً لكلّ حسن واليهما يرجع حسن كلّ حسن، واذا لم يتمكّن فى شيءٍ منهما فامّا ان ينضّم بتوجّهه الفطرىّ الى التّوجّه الاختيارىّ بالبيعة العامّة او الخاصّة الصّحيحة او الفاسدة او لا ينضمّ، وكلٌّ من الثّلاثة ما صدر منه من حيث التّوجّه الفطرىّ او الاختيارىّ الى عالم النّور كان حسناً وصواباً، وما صدر منه من حيث التّوجّه الى عالم الظّلمة كان اثماً وذنباً، اذا عرفت هذا، فصحّ تفسير ظاهر الاثم بمخالفة علىّ وباطنه بالنّفاق معه وبالزّنا الظّاهر والزّنا الخفىّ وبنكاح زوجة الأب والزّنا وبأعمال الجوارح السّيئّة والعقائد والرّذائل والخيالات والخطرات والعزمات والنّيّات، وباتّباع مخالفى علىٍّ (ع) والمنافقين معه وبالسّيئّات الشّرعيّة وصور الحسنات الشّرعيّة الفاسدة، والمقصود منه النّهى عن متابعة المخالفين والمنافقين وعن ارتكاب ما ينشأ عن متابعتهما كائناً ما كان كما انّ المقصود ممّا يأتى الامر بمتابعة محمّد (ص) وعلىّ(ع) المشار اليه بقوله تعالى فمن كان ميتاً فأحييناه (الآية) {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ} يحصّلون ما ينشأ من متابعتهما {سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} الاقتراف الاكتساب او فعل الاثم وهو فى موضع تعليل للاوّل.
اطفيش
تفسير : {وذَرُوا} عطف على كلوا داخل فى تسببه، أو معترض بين كلوا أو لا تأكلوا {ظَاهِر الإثْم وباطِنهُ} اتركوا الإثم كله، والإثم الذنب شرك أو كبيرة أو صغيرة، وظاهر الإثم ما كان على اللسان متحركاً به، ولو لم يسمع أحد، ولو لم يكن هناك إنسان، لكن لا يخلو من الملك والجن، وما كان على الجوارح، ولو لم يحضر أحد كذلك، فإن الظاهر من الأشياء ما برز حتى أنه لو كان أحد لأحس به، فمن خرج من بيته سمى ظاهراً منه ولو لم يره أحد، وباطنه ما كان فى القلب، ووجه آخر ظاهر الإثم ما يعلم أنه ذنب، وباطنه ما لا يعلم أنه ذنب إلا بتدقيق النظر كدسائس النفس والشيطان، فكم معصية فى صورة مباح أو طاعة، هذان ما ظهر من الوجوه بالتأمل. وأما بالنقل فقال سعيد بن جبير: الظاهر تزوج ما لا يحل تزوجه، والباطن الزنى بمن لا يحل تزوجه، أو بمن يحل، وقال السدى: الظاهر الزنى بمن شهرن للزنى، والباطن اتخاذ الصاحبة للزنى سراً، ومثله للضحاك قائلا: كانوا فى الجاهلية يرون الزنى سراً حلالا، فحرم الله سره وعلانيته، وعن ابن زيد: الظاهر التعرى فى الطواف، والباطن الزنى، وقال الكلبى: الظاهر تعرى الرجل فيه نهاراً، والمرأة ليلا، وكانوا يفعلون ذلك، وقيل: الظاهر فعل الذنب ولو فى القلب أو سرا، والباطن تركه خوفاً من الناس لا من الله. {إنَّ الذِينَ يكسبُون الإثْم} ويصرّون عليه ولو صغيراً {سيُجْزون} فى الآخرة {بما كانُوا يقْتَرفُون} يكسبون فى الدنيا من الإثم.
اطفيش
تفسير : {وَذَرُوا} اتركوا {ظَاهِرَ الإِثْمِ} الإِثم الظاهر من إِضافة النعت إِلى المنعوت، أَو إِضافة العام للخاص إِضافة تبعيض، وذلك كالغصب والزنى جهرا والتطفيف جهرا، أَو غير ذلك مما يشاهده الناس من المعاصى مطلقا {وَبَاطِنُهَ} كالإِضافة قبله إِلا أَن الضمير لا ينعت وأَصله ظاهر منعوت، أَى والإِثم الباطن وذلك كالسرقة والزنى سرا أَو التطفيف سرا وغير ذلك مما لا يشاهد من المعاصى، ومثل الزنى جهرا أَن يخلو فى حضرة غيره بامرأَة شهرت بالزنى، والآية ناهية عن المعاصى كلها، جهرا أَو سرا، ودخل فى الباطن الإِثم الذى هو من أَعمال القلب وما يتضمنه العمل الظاهر ولا يفطن به مشاهده ككلام ظاهره الحل أَشار به إِلى حرام، أَو الظاهر أَعمال الجوارح والباطن أَعمال القلب كالرياءِ والكبر واعتقاد حل ما حرم أَو تحريم ما حل، وكان أَشراف العرب يسرون بالزنى حياء، ويتخذون الأَخدان وغيرهن لا يبالون، وقال الضحاك: كان الجاهلية يرون الزنى سرا حلالا، فنزل: {وذروا ظاهر الإِثم وباطنه}، وقيل ظاهر الإِثم كالزنى وباطنه كنكاح ما نكح الأَب {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ} ولو صغيرا إِن أَصروا عليه {سَيُجْزَوْنَ} فى الآخرة {بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} يكتسبون، ذكر الإِثم هنا بالكسب، وفى البقرة بالاكتساب الدال على العلاج، لأَنه فيها مقرون بذكر كسب الطاعة، والله أَعلم.
الالوسي
تفسير : {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} أي ما يعلن وما يسر كما قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس أو ما بالجوارح وما بالقلب ـ كما قاله الجبائي ـ أو نكاح ما نكح الآباء ونحوه والزنا بالأجنبيات كما روي عن ابن جبير أو الزنا في الحوانيت واتخاذ الأخدان كما / روى عن الضحاك والسدي وقد روي أن أهل الجاهلية كانوا يرون أن الزنا إذا ظهر كان إثماً وإذا استسر به صاحبه فلا إثم فيه. قال الطيبي: وهو على هذا الوجه مقصود بالعطف مسبب عن عدم الاتباع، وعلى الأول معترض توكيداً لقوله سبحانه: { أية : فَكُلُواْ } تفسير : [الأنعام: 118] أولاً و { أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ } تفسير : [الأنعام: 121] ثانياً وهو الوجه، ولعل الأمر على الوجه الذي قبله مثله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإثْمَ } أي يعملون المعاصي التي فيها الإثم ويرتكبون القبائح الظاهرة أو الباطنة {سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } أي يكسبون من الإثم كائناً ما كان فلا بد من اجتناب ذلك، والجملة تعليل للأمر.
ابن عاشور
تفسير : {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}. جملة معترضة، والواو اعتراضيّة، والمعنى: إنْ أردتم الزّهد والتقرّب إلى الله فتقرّبوا إليْه بترك الإثم، لا بترك المباح. وهذا في معنى قوله تعالى: { أية : ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البرّ من آمن بالله } تفسير : [البقرة: 177] الآية. وتقدّم القول على فعل (ذَر) عند قوله تعالى: { أية : وذرِ الذين اتَّخذوا دينهم لعباً ولهواً }. تفسير : في هذه السّورة (70). والإثم تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : قل فيهما إثم كبير} تفسير : في سورة [البقرة: 219]. والتّعريف في الإثم: تعريف الاستغراق، لأنَّه في المعنى تعريف للظاهر وللباطن منه، والمقصود من هذين الوصفين تعميم أفراد الإثم لانحصارها في هذين الوصفين، كما يقال: المَشرق والمغرب والبَرّ والبحر، لقصد استغراق الجهات. وظاهر الإثم ما يراه النّاس، وباطنُه ما لا يطّلع عليه النّاس ويقع في السرّ، وقد استوعب هذا الأمر ترك جميع المعاصي. وقد كان كثير من العرب يراءون النّاس بعمل الخير، فإذا خلوا ارتكبوا الآثام، وفي بعضهم جاء قوله تعالى: { أية : ومن النّاس مَن يعجبك قوله في الحياة الدّنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام وإذا تولَّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لا يحبّ الفساد وإذا قيل له اتَّق الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنّم ولبئس المهاد } تفسير : [البقرة: 204، 206]. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ}. تعليل للأمر بترك الإثم، وإنذارٌ وإعذار للمأمورين، ولذلك أكَّد الخبر بــــ (إنّ)، وهي في مثل هذا المقام، أي مقام تعقيب الأمر أو الإخبار تفيد معنى التّعليل، وتغني عن الفاء، ومثالها المشهور قول بشار: شعر : إنّ ذاك النّجاحَ في التّبكير تفسير : وإظهار لفظ الإثم في مقام إضماره إذ لم يقل: إنّ الّذين يكسبونه لزيادة التّنديد بالإثم، وليستقرّ في ذهن السّامع أكمل استقرار، ولتكون الجملة مستقلّة فتسير مسير الأمثال والحكم. وحرف السّين، الموضوع للخبر المستقبل، مستعمل هنا في تحقّق الوقوع واستمراره. ولمّا جاء في المذنبين فعلُ يكسبون المتعدي إلى الإثم، جاء في صلة جَزائهم بفعل (يقترفون)، لأنّ الاقتراف إذا أطلق فالمراد به اكتساب الإثم كما تقدّم آنفاً في قوله تعالى: { أية : وليقترفوا ما هم مقترفون } تفسير : [الأنعام: 113].
القطان
تفسير : ذروا: اتركوا. الاثم: كل ما حرمه الله ظاهر الاثم ما تعلق بالجوارح من الاعمال، والباطن ما تعلق باعمال القلوب، كالكبر والحسد وتدبير المكايد الضارة بالناس. يقترفون: يكتسبون. اتركوا أيها المؤمنون جميع الاعمال المحرمة وابتعدوا عنها، فالتقوى الحقيقة هي في ترك الاثم ظاهره وباطنه، أما الذين يكسبون الإثم فسيُجزَون بما اقترفوا من سيئات. وإذا كانت الأنعام حلالاً لكم بذبحها، فلا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله تعالى عليه عند ذبحه. إن ذلك فسقٌ وخروج عن حكم الله، وإن المفسدين من شياطين الإنس والجن ليُوَسْوِسون في عقول من استولوا عليهم ليجادلوكم بالباطل، علّهم يُقنعونكم بأكل الذبائح التي يذكرون عليهم اسم آلهتهم، او ينحرونها للميسر. ومثل ذلك شأن الميتة، فقد كان المشركون يجادلون المسلمين في تحريمها، ويقولون إن الله ذبحها، فكيف يأكل المسلمون مما ذبحوا بأيديهم، ولا يأكلون مما ذبح الله؟ ان هذا من السخف، فإن قبلتموه وأطعتموهم كنتم مثلهم في الشرك بالله. ونجد الأئمة رحمهم الله قد اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة اقوال: فبعهضم يقول: ان كل ذبيحة لم يُذكر اسم الله عليها عمداً او سهواً لا يحِلُّ أكلها مطلقا. وهذا القول مرويُّ عن ابنِ عُمَرَ ومولاه نافع، ورواية عن مالك، وعن احمد بن حنبل ومذهب ابي ثور، وداود الظاهري. والقول الثاني: ان التسمية على الذبيحة ليست شرطاً بل هي مستحبة... فإن تركَها عمداً أو نسياناً لا يضر. وهذا مذهب الإمام الشافعي وجميع أصحابه. وروي ذلك عن ابن عباس وابي هريرة، وعطاء بن رباح، وقالوا: إن النهي كان عن الذبائح التي تذبحها قريش لآلهتهم، أما ترك التسمية فلا يضر. والقول الثالث: إن تَرَكَ التسمية سهواً لا يضر، وان تركها عمداً لم تحل. وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأحمد بن حنبل، وبه يقول ابو حنيفة واصحابه، وهو مروي عن سيدنا عليّ وابن عباس والحسن البصري وغيرهم. قال ابن جرير في تفسيره: اختلف أهل العلم في هذه الآية، هل نُسخ من حكمها شيء ام لا؟ فقال بعضهم: إنها مُحكَمة ولم يُنسخ منها شيء، وقال بعضهم: إنها نُسخت بقوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ}. ثم قال ابن جرير: والصواب: انه لا تنعارُضَ بين حِل طعام أهل الكتاب وبين تحريم ما يُذكر اسم الله عليه. وهذا هو الصحيح. وبعض العلماء يرى أن ما يُذبح عند استقبال مَلِك او أمير حرامٌ، ولا يجوز أكلُه وفي هذا تشديد وتزمُّت، فإن مثل هذه الذبائح حلال، وليست محرّمة، لأن الناس لا يعبدون هؤلاء الذين ذبحوا لهم عند قدومهم. وليس هذا الاستبشار بقدومهم إلا كذبح العقيقةِ للمولود وغير ذلك...
د. أسعد حومد
تفسير : {ظَاهِرَ} (120) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِتَرْكِ المَحَارِمِ وَالمَآثِمِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا (مِمَّا تَعَلَّقَ بِالجَوَارِحِ وَأَفْعَالِهَا)، وَمَا بَطَنَ مِنْهَا (مِمَّا تَعَلَّقَ بِالقَلْبِ وَأَعْمَالِهِ كَالكِبْرِ وَالحَسَدِ، وَتَدْبِيرِ المَكَائِدِ، وَالاعْتِدَاءِ فِي أَكْلِ المُحَرَّمَاتِ فِي أَكْثَرَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ الضَّرُورَاتُ)، وَالذِينَ يَكْسِبُونَ الآثَامَ الظَّاهِرَةَ وَالبَاطِنَةَ سَيَلْقَوْنَ جَزَاءَ إِثْمِهِمْ، وَعَاقِبَةَ كَسْبِهِمْ. الإِثْمُ - لُغَةً مَا قَبُحَ، وَشَرْعاً مَا حَرَّمَهُ اللهُ. وَعَرَّفَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: "حديث : هُوَ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ"تفسير : . ذَرُوا - اتْرُكُوا. يَقْتَرِفُونَ - يَكْتَسِبُونَ مِنَ الإِثْمِ.
الثعلبي
تفسير : {وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} يعني الذنوب كلها لا يخلو من هذين الوجهين. واختلفوا فيها فقال قتادة: سرّه وعلانيته، عطاء: قليله وكثيره. ومجاهد: ما ينوي وما هو عامله. الكلبي: ظاهر الإثم الزنا وباطنه المخالة. السدي: الزواني الذي في الحوانيت وهو بيت أصحاب الرايات وباطنه الصديقة يتخذها الرجل فيأتيها سرّاً. وقال مرّة الهمذاني: كانت العرب تجوز الزنا وكان الشريف إن يزني يستر ذلك وغيره لا يبالي إذا زنا ومتى زنا فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وقال الضحاك: كان أهل الجاهلية يسترون الزنا ويرون ذلك حلالا ما كان سرّاً، فحرم اللّه تعالى لهذه الأمة السرّ منه والعلانية. وروى حيان عن الكلبي: ظاهر الإثم طواف الرجال بالنهار عراة وباطنه طواف النساء بالليل عراة. وقال سعيد بن جبير: الظاهر ما حرم اللّه تعالى بقوله {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 22] وقوله {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} تفسير : [النساء: 23] الآية والباطن منه الزنا. وقال ابن زيد: ظاهر الإثم التعرّي والتجرّد من الثياب في الطواف والباطن الزنا. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ} في الآخرة {بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} بما يكسبون في الآخرة {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} فاقد [التسمية] ولم يدرك ذكاته أو ذبح لغير اللّه {وَإِنَّهُ} يعني الأكل {لَفِسْقٌ وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ} ليوسوسون {إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} من المشركين. وذلك حديث : إن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ قال: اللّه قتلها. قالوا: فتزعم إن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الصقر والكلب حلال وما قتله اللّه حرام؟ فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية . تفسير : وقال عكرمة: معناه ولي الشياطين يعني مردة المجوس ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش وكانوا أولياءهم في الجاهلية وذلك أن المجوس من أهل فارس لما أنزل اللّه تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش وكانت بينهم مكاتبة إن محمداً وأصحابه يزعمون إنهم يتبعون أمر اللّه ثم يزعمون إن ما ذبحوا فهو حلال، وما ذبحه اللّه فهو حرام ولا يأكلونه، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء فأنزل اللّه تعالى هذه الآية {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} في أكل الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} قوله تعالى {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} هو ألف الإستفهام والتقدير دخلت على واو النسق فبقيت على فتحها يعني أومن كان كافراً ميتاً بالضلالة فهديناه واجتبيناه بالإيمان {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً} يستضيء به و {يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} على قصد السبيل ومنهج الطريق. قال ابن زيد: يعني بهذا النور الإسلام نيابة قوله {أية : يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257]. وقال قتادة: هذا المؤمن معه من الله نوراً وبينة يعمل بها ويأخذ وإليها ينتهي كتاب الله { كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ}. قال بعضهم: المثل زائد تقديره كمن في الظلمات. وقال بعضهم: معناه كن أو شبه بشيء كان يشبهه من في الظلمات من ظلمة الكفر والجهل والضلالة والمسير. {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} لا يبصر شيئاً ولا يعرف طريقاً كالذي ضل طريقه في ظلمة الليل فهو لا يجد مخرجاً ولا يهتدي طريقاً. وقيل: إن هذه الآية نزلت في رجلين بأعيانهما، ثم اختلفوا فيهما. فقال ابن عباس: أومن كان [ميتاً] فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس. يريد حمزة بن عبد المطلب كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها. أبو جهل، وذلك إن أبا جهل رمى النبي صلى الله عليه وسلم بالحجارة وحمزة لم يؤمن بعد فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع كعبد مسكين يقول: يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به سفّه عقولنا وسبّ آلهتنا وخالف أبانا. فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون اللّه، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وقال الضحاك [ويمان]: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل. قال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل. {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الكفر والمعصية {وَكَذٰلِكَ} أي وكما زيّنا للكافرين أعمالهم كذلك جعلنا. وقيل: وكما جعلنا فسّاق مكة أكابرها كذلك {جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ} يعني عظماء، جمع أكبر مثل أفضل وأحمر وأحامر وأسود وأساود {مُجَرِمِيهَا} إن شئت نصبته على التقديم تقديره وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، كما تقول: جعلت زيداً رئيسها وإن شئت خفضته على الإضافة {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ} لأن وبال مكرهم وجزاءه راجع إليهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} إنه كذلك {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} من النبوة، وذلك إن الوليد بن المغيرة قال: واللّه لو كانت النبوة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل بن هشام وذلك أنه قال: زاحمنا عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه، واللّه لا نؤمن به ولا نتبعه أبداً إلاّ أن يأتينا وحي كما يأتيه وأنزل اللّه تعالى {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ} آية حجة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وصحت نبوته. {قَالُوا}: يعني أبو جهل. قالوا: {لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} يعني محمداً رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثم قال {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} فخص بها محمداً صلى الله عليه وسلم {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ} ذل وهوان {عِندَ ٱللَّهِ} أي من عند اللّه نصب بنزع حرف الصفة. قال النحاس: سيصيب الذين أجرموا صغار عند اللّه على التقديم والتأخير {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ}. وقال أبو روق: صَغَار في الدنيا وهذا العذاب في الآخرة. {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} أي يوسّع عقله أو ينوّره ليقبل الإسلام فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. حديث : سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر ما هو؟ قال: "نور يقذفه اللّه تعالى في قلب المؤمن فينشرح له صدره وينفسح" قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت . تفسير : {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} قرأ ابن كثير: ضيقاً بالتخفيف. والباقون: بالتشديد وهي لغتان مثل هين وهيّن، ولين وليّن، حرجاً كسر أهل المدينة، راءه وفتحها الباقون وهما لغتان مثل الأنف والأنف، والفرد والفرد، والوعد والوعد. وقال سيبويه: الحرج بالفتح المصدر كالصلب والحلب ومعناه ذا حرج، والحرج بالكسر الإسم وهو أشد الضيق، يعني قلبه ضيقاً لا يدخله الإيمان. وقيل: أثيماً لقول العرب: حرج عليك ضلمي أي ضيق وأثم. وقال السدي: حرجها شاكاً. وقال قتادة: ملتبساً. وقال النضر بن شميل: ملقاً. وقال ليس للخير فيه منفذ. وقال عبيد بن عمير. قرأ ابن عباس: هذه الآية، فقال: هل هاهنا أحد من بني بكر؟ فقال رجل: نعم، قال: ما الحرج فيكم؟ قال: الوادي الكثير الشجر المتمسك الذي لا طريق فيه. قال ابن عباس: كذلك قلب الكافر. وقال أبو الصلت الثقفي وعمر بن الخطاب (رضي الله عنه): هذه الآية ضيقاً حرجاً بنصب الراء. وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حرجاً بالكسر. فقال عمر: ابعثوا إلى رجل من كنانة وجعلوه راعياً فأتوه به فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال الحرجة فينا الشجرة التي تكون بين الأشجار التي لا يصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء. فقال عمر (رضي الله عنه): كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ} يعني يشق عليه الإيمان، ويمتنع ويعجز عنه كما يشق عليه صعود السماء. واختلف القراء في ذلك، فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وحمزة والكسائي: يصعّد بتشديد الصاد والعين بغير ألف أي يصعد فأدغمت التاء في الصاد. فاختاره أبو حاتم وأبو عبيد (إعتزازاً) بقراءة عبد اللّه كأنما يتصعد في السماء. وقرأ طلحة وعاصم وأبو عبيد والنخعي ومجاهد: بالألف مشدداً بمعنى تصاعد. وقرأ ابن كيسان وابن (محيصن)، والأعرج وأبو رجاء: يصعد حقيقة. {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} قال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه. ابن زيد: الرجس العذاب مثل الرجز. وقال ابن عباس: هو الشيطان الذي يسلطه عليه. وقال الكلبي: هو المأثم، وقيل: هو النجس. ويقال: رجس رجاسة ونجس نجاسة. وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: "حديث : اللهم إني أعوذ بك من نجس منجس الخبث المخبث الشيطان الرجيم ". تفسير : {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} أي هذا الذي بيّنا طريق ربّك والذي ارتضاه لنفسه ديناً وجعله مستقيماً لا عوج فيه وهو الإسلام. وقال ابن مسعود: هو القرآن. وقال: إن الصراط محتضر يحضره الشياطين ينادون: يا عبد اللّه هلم هذا الطريق ليصدوا عن سبيل اللّه فاعتصموا بحبل اللّه وهو كتاب اللّه {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه تقنينات السماء التي تحمي المجتمع من بعضه وذلك في ألا تقع عين أحد على مخالفة من أحد، وإذا وقعت عينك على مخالفة من غيرك تكون المخالفة مما يدرك لكنها ليست كل الفساد في المجتمع؛ ففساد المجتمع يأتي من أشياء كثيرة لا تقع تحت دائرة الإِدراكات. وهناك أشياء تكون في منابع النفس البشرية التي تصدر عنها عوامل النزوع؛ فقبل أن يوجد إثم ظاهر يوجد إثم باطن، والإِِثم الباطن سابق على الإِثم الظاهر. والتقنينات البشرية كلها تحمينا من ظاهر الإِثم، ولكن منهج السماء يحمينا من فساد ظاهر الإِثم وباطن الإثِم. ويوضح لنا الحق الفرق بين تقنين البشر للبشر وتقنين الإِله، فسبحانه رقيب على مواجيدكم ووجداناتكم وسرائركم، فإياكم أن تفعلوا باطن الإِثم، ولا يكفي أن تحمي نفسك من أن يراك القانون؛ لأن قصارى ما يعمل القانون أن يمنع الناس من أن يتظاهروا بالجريمة ويقترفوها علانية، والفرق بين تشريع السماء وتشريع الأرض أن تشريع الأرض يحمي الناس من ظاهر الإِثم، ولكن تشريع السماء يحمي الناس من ظاهر الإِثم وباطن الإِثم، وباطن الإِثم هو أعنف أنواع الإِثم في الأرض. وبعض أهل الاكتساب في الشر برياضتهم على الشر يسهل عليهم فعل الشر وكأنهم يفعلون أمراً قد تعودوا عليه بلا افتعال. و"كسب"- كما نعلم- تأتي بالاستعمال العام للخير، و"اكتسب" تأتي للشّر لأن الخير يكون فيه الفعل العملي رتيباً مع كل الملكات، ولا افتعال فيها، فمن يريد- مثلاً- أن يشتري من محل ما فهو يذهب إلى المحل في وضح النهار ويشتري. لكن من يريد أن يسرق فهو يرتب للسرقة ترتيباً آخر، وهذا افتعال، لكن الافتعال قد يصبح بكثرة المران والدربة عليه لا يتطلب انفعالاً، لأنه قد أضحى لوناً من الكسب. و"يكسبون" تدل على الربح؛ لأن "كسب" تدل على أنك أخذت الأصل والزيادة على الأصل، والإنسان حين يصنع الخير إنما يعطي لنفسه مقومات الحياة ويأخذ أجر الآخرة زائداً، وهذا هو قمة الكسب. ويريد الحق سبحانه وتعالى من العبد في حركته أن يحقق لذاته نفعاً هو بصدد الحاجة إليه، ولكن الإنسان قد يحقق ما ينفعه وهو بصدد الحاجة إليه، ثم ينشأ من ذلك الفعل ضرر بعد ذلك؛ لذلك يحمي الله الإنسان المؤمن بالمنهج حتى يمييز بين ما يحقق له الغرض الحالي ويحقق نفعاً ممتداً ولا يأتي له بالشر وما يحقق له نفعاً عاجلاً ولكن عاقبته وخيمة ونهايته أليمة، إننا نجد الذين يصنعون السيئات ويميلون للشهوات - مثلاً - يحققون لأنفسهم نفعاً مؤقتاً، مثل التلميذ الذي لا يلتقفت إلى دروسه، والذي ينام ولا يستيقظ، والذي إن أيقظوه وأخرجوه من البيت ذهب ليتسكع في الشوارع، هي في ظاهر الأمر يحقق لنفسه راحة، لكن مآله إلى الفشل. بينما نجد أن من اجتهد وجدَّ وتعب قد حقق لنفسه النفع المستمر الذي لا تعقبه ندامة.{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 120] ففي الدنيا نجد أن الجزاء من بشر لبشر، ولكن ماذا عن لحظة العرض أمام الله وهو العليم بظاهر الإثم وباطن الإثم؟ فالذي يصون المجتمع- إذن- هو التقنين السماوي، فالمنهج لا يحمي الإنسان ممن حوله فحسب ولكنه يقنن لحركة الإنسان لتكون صحيحة. ويعود الحق بعد ذلك إلى قضية الطعام فيقول: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ..}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : المراد بالإثم: جميع المعاصي، التي تؤثم العبد، أي: توقعه في الإثم، والحرج،من الأشياء المتعلقة بحقوق الله، وحقوق عباده. فنهى الله عباده، عن اقتراف الإثم الظاهر والباطن، أي: السر والعلانية، المتعلقة بالبدن والجوارح،والمتعلقة بالقلب، ولا يتم للعبد، ترك المعاصي الظاهرة والباطنة، إلا بعد معرفتها، والبحث عنها، فيكون البحث عنها ومعرفة معاصي القلب والبدن،والعلمُ بذلك واجبا متعينا على المكلف. وكثير من الناس، تخفى عليه كثير من المعاصي، خصوصا معاصي القلب،كالكبر والعجب والرياء، ونحو ذلك، حتى إنه يكون به كثير منها، وهو لا يحس به ولا يشعر، وهذا من الإعراض عن العلم، وعدم البصيرة. ثم أخبر تعالى، أن الذين يكسبون الإثم الظاهر والباطن، سيجزون على حسب كسبهم، وعلى قدر ذنوبهم، قلَّت أو كثرت، وهذا الجزاء يكون في الآخرة،وقد يكون في الدنيا، يعاقب العبد، فيخفف عنه بذلك من سيئاته.
همام الصنعاني
تفسير : 851- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الآية: 120] قال: سِرَّهُ وعلانيته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):