Verse. 910 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَلَاتَاْكُلُوْا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللہِ عَلَيْہِ وَاِنَّہٗ لَفِسْقٌ۝۰ۭ وَاِنَّ الشَّيٰطِيْنَ لَيُوْحُوْنَ اِلٰۗي اَوْلِيٰۗـــِٕــہِمْ لِيُجَادِلُوْكُمْ۝۰ۚ وَاِنْ اَطَعْتُمُوْہُمْ اِنَّكُمْ لَمُشْرِكُوْنَ۝۱۲۱ۧ
Wala takuloo mimma lam yuthkari ismu Allahi AAalayhi wainnahu lafisqun wainna alshshayateena layoohoona ila awliyaihim liyujadilookum wain ataAAtumoohum innakum lamushrikoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه» بأن مات أو ذبح على اسم غيره وإلا فما ذبحه المسلم ولم يسم فيه عمدا أو نسيانا فهو حلال قاله ابن عباس وعليه الشافعي «وإنه» أي الأكل منه «لفسق» خروج عما يحل «وإن الشياطين ليوحون» يوسوسون «إلى أوليائهم» الكفار «ليجادلوكم» في تحليل الميتة «وإن أطعتموهم» فيه «إنكم لمشركون».

121

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أنه يحل أكل ما ذبح على اسم الله، ذكر بعده تحريم ما لم يذكر عليه اسم الله، ويدخل فيه الميتة، ويدخل فيه ما ذبح على ذكر الأصنام، والمقصود منه إبطال ما ذكره المشركون. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر عليه اسم الله من طعام أو شراب، فهو حرام، تمسكاً بعموم هذه الآية. وأما سائر الفقهاء فإنهم أجمعوا على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فقال مالك: كل ذبح لم يذكر عليه اسم الله فهو حرام، سواء ترك ذلك الذكر عمداً أو نسياناً. وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إن ترك الذكر عمداً حرم، وإن ترك نسياناً حل. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: يحل متروك التسمية سواء ترك عمداً أو خطأ إذا كان الذابح أهلاً للذبح، وقد ذكرنا هذه المسألة على الاستقصاء في تفسير قوله: {أية : إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ }تفسير : [المائدة: 3] فلا فائدة في الإعادة، قال الشافعي رحمه الله تعالى: هذا النهي مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب، ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } وأجمع المسلمون على أنه لا يفسق أكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية. وثانيها: قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ } وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة، روي أن ناساً من المشركين قالوا للمسلمين: ما يقتله الصقر والكلب تأكلونه، وما يقتله الله فلا تأكلونه. وعن ابن عباس أنهم قالوا: تأكلون ما تقتلونه ولا تأكلون ما يقتله الله، فهذه المناظرة مخصوصة بأكل الميتة، وثالثها: قوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } وهذا مخصوص بما ذبح على اسم النصب، يعني لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم إلهية الأوثان، فقد رضيتم بإلهيتها وذلك يوجب الشرك. قال الشافعي رحمه الله تعالى: فأول الآية وإن كان عاماً بحسب الصيغة، إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد من ذلك العموم هو هذا الخصوص، ومما يؤكد هذا المعنى هو أنه تعالى قال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } فقد صار هذا النهي مخصوصاً بما إذا كان هذا الأمر فسقاً، ثم طلبنا في كتاب الله تعالى أنه متى يصير فسقاً؟ فرأينا هذا الفسق مفسراً في آية أخرى، وهو قوله: {أية : قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لغير الله به}تفسير : [الأنعام: 145] فصار الفسق في هذه الآية مفسراً بما أهل به لغير الله، وإذا كان كذلك كان قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } مخصوصاً بما أهل به لغير الله. والمقام الثاني: أن نترك التمسك بهذه المخصصات، لكن نقول لم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا؟ والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل»تفسير : ، ويحمل هذا الذكر على ذكر القلب. والمقام الثالث: وهو أن نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن سائر الدلائل المذكورة في هذه المسألة توجب الحل، ومتى تعارضت وجب أن يكون الراجح هو الحل، لأن الأصل في المأكولات الحل، وأيضاً يدل عليه جميع العمومات المقتضية لحل الأكل والانتفاع كقوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 29] وقوله: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } تفسير : [البقرة: 60] لأنه مستطاب بحسب الحس فوجب أن يحل لقوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ }تفسير : [المائدة: 4] ولأنه مال لأن الطبع يميل إليه، فوجب أن لا يحرم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن إضاعة المال، فهذا تقرير الكلام في هذه المسألة ومع ذلك فنقول: الأولى بالمسلم أن يحترز عنه لأن ظاهر هذا النص قوي. المسألة الثانية: الضمير في قوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: أن قوله {لاَ تَأْكُلُواْ } يدل على الأكل، لأن الفعل يدل على المصدر، فهذا الضمير عائد إلى هذا المصدر. والثاني: كأنه جعل ما لم يذكر اسم الله عليه في نفسه فسقاً، على سبيل المبالغة. وأما قوله: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ } ففيه قولان: الأول: أن المراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده، وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أكل الميتة. والثاني: قال عكرمة: وإن الشياطين، يعني مردة المجوس، ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش، وذلك لأنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس، فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة، أن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال وما يذبحه الله حرام. فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثم قال: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } يعني في استحلال الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحلَّ شيئاً مما حرم الله تعالى، أو حرم شيئاً مما أحل الله تعالى فهو مشرك، وإنما سمي مشركاً لأنه أثبت حاكماً سوى الله تعالى، وهذا هو الشرك. المسألة الثالثة: قال الكعبي: الآية حجة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات وإن كان معناه في اللغة التصديق، كما جعل تعالى الشرك اسماً لكل ما كان مخالفاً لله تعالى، وإن كان في اللغة مختصاً بمن يعتقد أن لله شريكاً، بدليل أنه تعالى سمى طاعة المؤمنين للمشركين في إباحة الميتة شركاً. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من الشرك ههنا اعتقاد أن الله تعالى شريكاً في الحكم والتكليف؟ وبهذا التقدير يرجع معنى هذا الشرك إلى الاعتقاد فقط.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} فيه خمس مسائل: الأولى: روى أبو داود قال: جاءت اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله عز وجل {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} إلى آخر الآية. وروى النَّسائي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} قال: خاصمهم المشركون فقالوا: ما ذبح الله فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم أكلتموه؛ فقال الله سبحانه لهم: لا تأكلوا؛ فإنكم لم تذكروا ٱسم الله عليها. وتنشأ هنا مسألة أصولية، وهي: الثانية: وذلك أن اللفظ الوارد على سبب هل يُقصر عليه أم لا؛ فقال علماؤنا: لا إشكال في صحة دعوى العموم فيما يذكره الشارع ابتداء من صِيَغ ألفاظ العموم. أما ما ذكره جواباً لسؤال ففيه تفصيل، على ما هو معروف في أصول الفقه؛ إلا أنه إن أتى بلفظ مستقل دون السؤال لَحِق بالأوّل في صحة القصد إلى التعميم. فقوله: «لا تأكلوا» ظاهر في تناول الميتة، ويدخل فيه ما ذُكر عليه غير ٱسم الله بعمومِ أنه لم يذكر عليه ٱسم الله، وبزيادة ذكر غير اسم الله سبحانه عليه الذي يقتضي تحريمه نصًّا بقوله: {أية : وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 173]. وهل يدخل فيه ما ترك المسلم التسمية عمداً عليه من الذبح، وعند إرسال الصيد. اختلف العلماء في ذلك على أقوال خمسة، وهي المسألة: ـ الثالثة: (القول) الأوّل: إن تركها سهواً أكِلا جميعاً؛ وهو قول إسحاق ورواية عن أحمد بن حنبل. فإن تركها عمداً لم يؤكلا؛ وقاله في الكتاب مالكٌ وابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابِه والثوريّ والحسن بن حيّ وعيسى وأَصْبَغَ، وقاله سعيد بن جُبير وعطاء، وٱختاره النحاس وقال: هذا أحسن؛ لأنه لا يُسَمَّى فاسقاً إذا كان ناسياً. الثاني: إن تركها عامداً أو ناسياً يأكلهما. وهو قول الشافعي والحسن، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن المسيّب وجابر بن زيد وعِكرمة وأبي عِياض وأبي رافع وطاوس وإبراهيم النَّخَعِيّ وعبد الرحمن بن أبي لَيْلى وقتادة. وحكى الزَّهْرَاوِيّ عن مالك بن أنس أنه قال: تؤكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمداً أو نسياناً. وروى عن ربيعة أيضاً. قال عبد الوهاب: التسمية سنة؛ فإذا تركها الذابح ناسياً أكلت الذبيحة في قول مالك وأصحابه. الثالث: إن تركها عامداً أو ساهياً حَرُم أكلها؛ قاله محمد بن سِيرين وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عمر ونافع وعبد الله بن زيد الخَطْمِيّ والشعبيّ؛ وبه قال أبو ثور وداود بن عليّ وأحمد في رواية. الرابع: إن تركها عامداً كُره أكلها؛ قاله القاضي أبو الحسن والشيخ أبو بكر من علمائنا. الخامس: قال أشهب: تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمداً إلا أن يكون مستخِفًّا، وقال نحوه الطبري. أدلة قال الله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} وقال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} فبيّن الحالين وأوضح الحكمين. فقوله: «لا تأكلوا» نهيٌ على التحريم لا يجوز حمله على الكراهة؛ لتناوله في بعض مقتضياته الحرام المحض، ولا يجوز أن يتبعّض، أي يراد به التحريم والكراهة معاً؛ وهذا من نفيس الأصول. وأما النَّاسي فلا خطاب توجّه إليه إذ يستحيل خطابه؛ فالشرط ليس بواجب عليه. وأما التارك للتسمية عمداً فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يتركها إذا أضجع الذبيحة ويقول: قلبي مملوء من أسماء الله تعالى وتوحيده فلا أفتقر إلى ذكرٍ بلساني؛ فذلك يجزئه لأنه ذكر الله جلّ جلاله وعظمه. أو يقول: إن هذا ليس بموضع تسْمية صريحة، إذ ليست بقربة؛ فهذا أيضاً يجزئه. أو يقول: لا أسمي، وأيّ قدر للتسمية؛ فهذا متهاون فاسق لا تؤكل ذبيحته. قال ابن العربيّ: وأعجب لرأس المحققين أمامِ الحرمين حيث قال: ذِكر الله تعالى إنما شُرع في القُرَب، والذّبح ليس بقُرْبة. وهذا يعارض القرآن والسنة؛ قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح: «حديث : ما أنهر الدّمَ وذُكر ٱسم الله عليه فَكُلْ»تفسير : . فإن قيل: المراد بذكر ٱسم الله بالقلب؛ لأن الذكر يضادّ النسيان ومحل النسيان القلب فمحل الذكر القلب، وقد روى البَرَاء بن عازب: ٱسم الله على قلب كل مؤمن سَمَّى أو لم يسمّ. قلنا: الذكر باللسان وبالقلب، والذي كانت العرب تفعله تسمية الأصنام والنُّصُب باللسان، فنسخ الله ذلك بذكره في الألسنة، وٱشتهر ذلك في الشريعة حتى قيل لمالك: هل يُسَمِّي الله تعالى إذا توضأ فقال: أيريد أن يذبح. وأما الحديث الذي تعلّقوا به من قوله: «حديث : ٱسم الله على قلب كل مؤمن»تفسير : فحديث ضعيف. وقد استدلّ جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة ليست بواجبة؛ لـحديث : قوله عليه السلام لأناس سألوه، قالوا: يا رسول الله، إنّ قوماً يأتوننا باللّحم لا ندري أذكروا ٱسم الله عليه أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَمّوا الله عليه وكلوا»تفسير : . أخرجه الدّارقطنيّ عن عائشة ومالك مرسلاً عن هشام بن عروة عن أبيه، لم يُختلف عليه في إرساله، وتأوّله بأن قال في آخره: وذلك في أوّل الإسلام. يريد قبل أن ينزل عليه «وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ». قال أبو عمر: وهذا ضعيف، وفي الحديث نفسِه ما يردّه، وذلك أنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل؛ فدلّ على أن الآية قد كانت نزلت عليه. ومما يدلّ على صحة ما قلناه أن هذا الحديث كان بالمدينة، ولا يختلف العلماء أن قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}. نزل في سورة «الأنعام» بمكة. ومعنى {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي لمعصية؛ عن ابن عباس. والفِسْق: الخروج؛ وقد تقدّم. الرابعة: قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} أي يُوَسْوِسُون فيُلقون في قلوبهم الجدال بالباطل. روى أبو داود عن ابن عباس في قوله: «وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم» يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكُلُوه، فأنزل الله {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} قال عِكرمة: عنى بالشياطين في هذه الآية مَرَدة ٱلإنس من مَجُوس فارس. وقال ابن عباس وعبد الله بن كثير: بل الشياطين الجنُّ، وكفرة الجن أولياء قريش. ورُوي عن عبد الله بن الزبير أنه قيل له: إن المختار يقول: يُوحَى إليّ فقال: صدق، إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم. وقوله: «ليجادلوكم). يريد قولهم: ما قتل الله لم تأكلوه وما قتلتموه أكلتموه. والمجادلة: دفع القول على طريق الحجة بالقوّة؛ مأخوذ من الأجدل، طائر قوِيّ. وقيل: هو مأخوذ من الجَدالة، وهي الأرض؛ فكأنه يغلِبه بالحجة ويقهره حتى يصير كالمجدول بالأرض. وقيل: هو مأخوذ من الجدْل، وهو شدّة الفَتْل؛ فكأن كلّ واحد منهما يفتل حجة صاحبه حتى يقطعها، وتكون حقاً في نصرة الحق وباطلاً في نصرة الباطل. الخامسة: قوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} أي في تحليل الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}. فدلّت الآية على أن من ٱستحلّ شيئاً مما حرّم الله تعالى صار به مُشرِكاً. وقد حرَّم الله سبحانه الميتة نصًّا؛ فإذا قَبل تحليلها من غيره فقد أشرك. قال ابن العربيّ: إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركاً إذا أطاعه في الاعتقاد؛ فأما إذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاصٍ؛ فافهموه. وقد مضى في «المائدة».

البيضاوي

تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} ظاهر في تحريم متروك التسمية عمداً أو نسياناً، وإليه ذهب داود وعن أحمد مثله، وقال مالك والشافعي بخلافه لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليـه» تفسير : وفرق أبو حنيفة رحمه الله بين العمد والنسيان وأوله بالميتة أو بما ذكر غير اسم الله عليه لقوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} فإن الفسق ما أهل لغير الله به، والضمير لما ويجوز أن يكون للأكل الذي دل عليه لا تأكلوا. {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ} ليوسوسون. {إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ} من الكفار. {لِيُجَـٰدِلُوكُمْ} بقولهم تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله الله، وهو يؤيد التأويل بالميتة. {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} في استحلال ما حرم. {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} فإن من ترك طاعة الله تعالى إلى طاعة غيره واتبعه في دينه فقد أشرك، وإنما حسن حذف الفاء فيه لأن الشرط بلفظ الماضي.

ابن كثير

تفسير : استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلماً، وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة، على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال: لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمداً أو سهواً، وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل، نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي؛ من متأخري الشافعية، في كتابه «الأربعين»، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد: {أية : فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} تفسير : [المائدة: 4] ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد؛ كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة: «حديث : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه، فكل ما أمسك عليك» تفسير : وهما في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج: «حديث : ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه» تفسير : وهو في الصحيحين أيضاً، وحديث ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجن: «حديث : لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه» تفسير : رواه مسلم، وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح، حتى صلينا، فليذبح باسم الله» تفسير : أخرجاه، وعن عائشة رضي الله عنها: أن ناساً قالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: «حديث : سموا عليه أنتم، وكلوا» تفسير : قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر. رواه البخاري، ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك؛ لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل؛ لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح، إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد، والله أعلم. والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمداً أو نسياناً لا يضر، وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل نقلت عنه. وهو رواية عن الإمام مالك، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم. وحمل الشافعي الآية الكريمة: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى: {أية : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} تفسير : [الأنعام: 145] وقال ابن جريج عن عطاء: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل الواو في قوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقاً، ولا يكون فسقاً حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة؛ لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية، على جملة فعلية طلبية، وهذا ينتقض عليه بقوله: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} فإنها عاطفة لا محالة، فإن كانت الواو التي ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال، امتنع عطف هذه عليها، فإن عطفت على الطلبية، ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن الواو حالية، بطل ما قال من أصله، والله أعلم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في الآية: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} قال: هي الميتة. ثم رواه عن أبي زرعة، عن يحيى بن بكير، عن ابن لهيعة، عن عطاء، وهو ابن السائب، به، وقد استدل لهذا المذهب، بما رواه أبو داود في المراسيل من حديث ثور بن يزيد، عن الصلت السدوسي مولى سويد بن منجوف، أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله، أو لم يذكر، إنه إن ذكر، لم يذكر إلا اسم الله» تفسير : وهذا مرسل، يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: «حديث : إذا ذبح المسلم، ولم يذكر اسم الله، فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله» تفسير : واحتج البيهقي أيضاً بحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم: أن ناساً قالوا: يا رسول الله إن قوماً حديثي عهد بجاهلية، يأتوننا بلحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «حديث : سموا أنتم وكلوا» تفسير : قال: فلو كان وجود التسمية شرطاً، لم يرخص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم. المذهب الثالث في المسألة: إن ترك البسملة على الذبيحة نسياناً، لم يضر، وإن تركها عمداً، لم تحل، هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ونقل الإمام أبو الحسن المرغيناني، في كتابه «الهداية» الإجماع قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمداً، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه، لم ينفذ؛ لمخالفة الإجماع، وهذا الذي قاله غريب جداً، وقد تقدم نقل الخلاف عمن قبل الشافعي، والله أعلم. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: من حرم ذبيحة الناسي، فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، يعني: ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المسلم يكفيه اسمه، إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله» تفسير : وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزري، فإنه، وإن كان من رجال مسلم، إلا أن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي، روياه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، من قوله، فزادا في إسناده: أبا الشعثاء، ووقفاه، وهذا أصح، نص عليه البيهقي وغيره من الحفاظ، ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسياناً، والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيراً، والله أعلم، إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفاً لقول الجمهور، فيعده إجماعاً، فليعلم هذا، والله الموفق. قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير بن يزيد، قال: سئل الحسن، سأله رجل: أتيت بطير كذا، فمنه ما قد ذبح، فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير، فقال الحسن: كله كله، قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجة عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذر، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» تفسير : وفيه نظر، والله أعلم، وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح، وينسى أن يسمي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اسم الله على كل مسلم» تفسير : ولكن هذا إسناده ضعيف، فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي ضعيف؛ تكلم فيه غير واحد من الأئمة، والله أعلم. وقد أفردت هذه المسألة على حدة، وذكرت مذاهب الأئمة ومأخذهم وأدلتهم ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات، والله أعلم. قال ابن جرير: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عنيت به، وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم، وروي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال الله: {أية : فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِئَايَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأنعام: 118] وقال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} فنسخ واستثنى من ذلك، فقال: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} تفسير : [المائدة: 5] وقال ابن أبي حاتم: قرئ على العباس بن الوليد بن يزيد، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان، يعني: ابن المنذر، عن مكحول، قال: أنزل الله في القرآن: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} ثم نسخها الرب، ورحم المسلمين فقال: {أية : ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ} تفسير : [المائدة: 5] فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب. ثم قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض، بين حل طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا، فإنما أراد التخصيص، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: قال رجل لابن عمر: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، قال: صدق، وتلا هذه الآية: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} وحدثنا أبي: حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، قال: كنت قاعداً عند ابن عباس وحج المختار بن أبي عبيد، فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة، فقال ابن عباس: صدق، فنفرتُ، وقلت: يقول ابن عباس: صدق؟ فقال ابن عباس: هما وحيان: وحي الله، ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ووحي الشيطان إلى أوليائه، ثم قرأ: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} وقد تقدم عن عكرمة في قوله: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} نحو هذا. وقوله: {لِيُجَـٰدِلُوكُمْ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عمران بن عيينة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} هكذا رواه مرسلاً، ورواه أبو داود متصلاً، فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله فأنزل الله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} الآية، وكذا رواه ابن جرير عن محمد بن عبد الأعلى، وسفيان بن وكيع، كلاهما عن عمران بن عيينة به. ورواه البزار عن محمد بن موسى الحرشي، عن عمران بن عيينة به، وهذا فيه نظر، من وجوه ثلاثة: [أحدها]: أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا [الثاني]: أن الآية من الأنعام، وهي مكية [الثالث]: أن هذا الحديث رواه الترمذي عن محمد بن موسى الحرشي، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ورواه الترمذي بلفظ: أتى ناس النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وقال: حسن غريب، وروي عن سعيد بن جبير مرسلاً، وقال الطبراني: حدثنا علي بن المبارك حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا موسى بن عبد العزيز، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لما نزلت: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أرسلت فارس إلى قريش، أن: خاصموا محمداً، وقولوا له: فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح الله عز وجل بشمشير من ذهب، يعني: الميتة، فهو حرام؟ فنزلت هذه الآية: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ} أي: وإن الشياطين من فارس، ليوحون إلى أوليائهم من قريش. وقال أبو داود: حدثنا محمد ابن كثير، أخبرنا إسرائيل، حدثنا سماك عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل الله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} ورواه ابن ماجه وابن أبي حاتم، عن عمرو بن عبد الله، عن وكيع، عن إسرائيل به، وهذا إسناد صحيح، ورواه ابن جرير من طرق متعددة، عن ابن عباس، وليس فيه ذكر اليهود، فهذا هو المحفوظ؛ لأن الآية مكية، واليهود لا يحبون الميتة، وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} إلى قوله: {لِيُجَـٰدِلُوكُمْ} قال: يوحي الشياطين إلى أوليائهم: تأكلون مما قتلتم، ولا تأكلون مما قتل الله؟ وفي بعض ألفاظه، عن ابن عباس: أن الذي قتلتم ذكر اسم الله عليه، وأن الذي قد مات، لم يذكر اسم الله عليه. وقال ابن جريج: قال عمرو بن دينار عن عكرمة: إن مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم، وكاتبتهم فارس، فكتبت فارس إليهم: إن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، فما ذبح الله بسكين من ذهب، فلا يأكلونه، وما ذبحوه هم، يأكلونه، فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ونزلت: {أية : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً}تفسير : [الأنعام: 112] وقال السدي في تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، فما قتل الله فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم تأكلونه؟ فقال الله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} في أكل الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} وهكذا قاله مجاهد، والضحاك، وغير واحد من علماء السلف. وقوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كقوله تعالى: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 31] الآية، وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم، أنه قال: يا رسول الله ما عبدوهم، فقال: «حديث : بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } بأن مات أو ذبح على اسم غيره، وإلا فما ذبحه المسلم ولم يسم فيه عمدا أو نسياناً فهو حلال: قاله ابن عباس وعليه الشافعي {وإِنَّهُ } أي الأكل منه {لَفِسْقٌ } خروج عما يحل {وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ } يوسوسون {إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ } الكفار {لِيُجَٰدِلُوكُمْ } في تحليل الميتة {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } فيه {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }.

الشوكاني

تفسير : نهى الله سبحانه عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، بعد أن أمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه، وفيه دليل على تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه. وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب ابن عمر، ونافع مولاه، والشعبي، وابن سيرين وهو رواية عن مالك وعن أحمد بن حنبل، وبه قال أبو ثور، وداود الظاهري أن ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح حرام من غير فرق بين العامد والناسي لهذه الآية. ولقوله تعالى في آية الصيد: {أية : فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ }تفسير : [المائدة: 4] ويزيد هذا الاستدلال تأكيداً قوله سبحانه في هذه الآية: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ }. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة، الأمر بالتسمية في الصيد وغيره. وذهب الشافعي وأصحابه، وهو رواية عن مالك، ورواية عن أحمد: أن التسمية مستحبة لا واجبة، وهو مرويّ عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، وحمل الشافعي الآية على من ذبح لغير الله، وهو تخصيص للآية بغير مخصص. وقد روى أبو داود في المرسل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر»تفسير : . وليس في هذا المرسل ما يصلح لتخصيص الآية، نعم حديث عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوماً يأتوننا بلحمان لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال:حديث : سموا أنتم وكلوا» تفسير : يفيد أن التسمية عند الأكل تجزىء مع التباس وقوعها عند الذبح. وذهب مالك، وأحمد في المشهور عنهما، وأبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، أن التسمية إن تركت نسياناً لم تضرّ، وإن تركت عمداً لم يحلّ أكل الذبيحة. وهو مرويّ عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء وطاووس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، واستدلوا بما أخرجه البيهقي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المسلم إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله" تفسير : وهذا الحديث رفعه خطأ، وإنما هو من قول ابن عباس. وكذا أخرجه من قوله عبد الرزاق، وسعيد ابن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر؛ نعم يمكن الاستدلال لهذا المذهب بمثل قوله تعالى:{أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}تفسير : [البقرة: 286] كما سبق تقريره، وبقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» تفسير : وأما حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن عديّ أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمى؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : اسم الله على كل مسلم» تفسير : فهو حديث ضعيف، قد ضعفه البيهقي وغيره. قوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } الضمير يرجع إلى "مَا" بتقدير مضاف، أي وإن أكل ما لم يذكر لفسق، ويجوز أن يرجع إلى مصدر تأكلوا، أي فإن الأكل لفسق، وقد تقدّم تحقيق الفسق. وقد استدلّ من حمل هذه الآية على ما ذبح لغير الله بقوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } ووجه الاستدلال أن الترك لا يكون فسقاً، بل الفسق الذبح لغير الله. ويجاب عنه بأن إطلاق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ممتنع شرعاً {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ } أي يوسوسون لهم بالوساوس المخالفة للحق، المباينة للصواب، قاصدين بذلك أن يجادلكم هؤلاء الأولياء بما يوسوسون لهم {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } مثلهم. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والطبراني وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، قال: قال المشركون، وفي لفظ: قال اليهود: لا تأكلوا مما قتل الله وتأكلوا مما قتلتم أنتم، فأنزل الله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ }. وأخرج ابن جرير، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عنه قال لما نزلت: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمداً، فقالوا له: ما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح الله بشمشار من ذهب يعني الميتة فهو حرام؟ فنزلت: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ } قال: الشياطين من فارس وأولياؤهم من قريش. وقد روى نحو ما تقدّم في حديث ابن عباس الأوّل من غير طريق. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه أيضاً في قوله: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ } قال: إبليس أوحى إلى مشركي قريش. وأخرج أبو داود، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عنه أيضاً في قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } فنسخ، واستثنى من ذلك فقال: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ }تفسير : [المائدة: 5]. وأخرج عبد بن حميد، عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: كلوا ذبائح المسلمين وأهل الكتاب مما ذكر اسم الله عليه. وروى ابن أبي حاتم عن مكحول نحو قول ابن عباس في النسخ.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: المراد بها ذبائح كانت العرب تذبحها لأوثانها، قاله عطاء. والثاني: أنها الميتة، قاله ابن عباس. والثالث: أنه صيد المشركين الذين لا يذكرون اسم الله، ولا هم من أهل التسمية، يَحْرُمُ على المسلمين أن يأكلوه حتى يكونوا هم الذين صادوه، حكاه ابن بحر. والرابع: أنه ما لم يُسَمَّ اللَّهُ عند ذبحه. وفي تحريم أكله ثلاثة أقاويل: أحدها: لا يحرم [سواء] تركها عامداً أو ناسياً، قاله الحسن، والشافعي. والثاني: يحرم إن تركها عامداً، ولا يحرم إن تركها ناسياً، قاله أبو حنيفة. والثالث: يحرم سواء تركها عامداً أو ناسياً، قاله ابن سيرين، وداود. {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} فيه تأويلان: أحدهما: أن المراد به المعصية، قاله ابن عباس. والثاني: المراد به الإِثم. {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوْحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} يعني المجادلة في الذبيحة، وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عنى بالشياطين قوماً من أهل فارس كتبوا إلى أوليائهم من قريش أن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، ولا يأكلون ما ذبح الله يعني الميتة، ويأكلون ما ذبحوه لأنفسهم، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، قاله عكرمة. والثاني: أن الشياطين قالوا ذلك لأوليائهم من قريش، قاله ابن عباس. والثالث: أن قوماً من اليهود قالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مروي عن ابن عباس. وفي وحيهم إليهم وجهان: أحدهما: أنها إشارتهم. والثاني: رسالتهم. {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} يعني في أكل الميتة، إنكم لمشركون إن استحللتموها.

ابن عطية

تفسير : المقصد بهذه الآية النهي عن الميتة إذ هي جواب لقول المشركين تتركون ما قتل الله، والنهي أيضاً عما ذبح للأنصاب، ومع ذلك فلفظها يعم ما تركت التسمية عليه من ذبح الإسلام، وبهذا العموم تعلق محمد بن سيرين وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عمر ونافع وعبد الله بن يزيد الخطمي والشعبي وغيرهم فما تركت التسمية عليه نسياناً أو عمداً لم يؤكل، وقالت طائفة عظيمة من أهل العلم: يؤكل ما ذبح ولم يسم عليه نسياناً، ولا يؤكل ما لم يسم عليه عمداً، وهذا قول الجمهور، وحكى الزهراوي عن مالك بن أنيس أنه قال: تؤكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمداً أو نسياناً، وعن ربيعة أيضاً قال عبد الوهاب: التسمية سنة فإذا تركها الذابح ناسياً أكلت الذبيحة في قول مالك وأصحابه، وإذا تركها عمداً فقال مالك لا تؤكل، فحمل بعض أصحابه قوله لا تؤكل على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة، وقال أشهب: تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمداً إلا أن يكون مستخفاً، وقال نحوه الطبري، وذبائح أهل الكتاب عند جمهور العلماء في حكم ما ذكر اسم الله عليه من حيث لهم دين وتشرع، وقال قوم نسخ من هذه الآية ذبائح أهل الكتاب، قاله عكرمة والحسن بن أبي الحسن، والضمير في {إنه} في قوله: {وإنه لفسق} عائد على الأكل الذي تضمنه الفعل في قوله {ولا تأكلوا} ويحتمل أن يعود على ترك الذكر الذي يتضمنه قوله {لم يذكر}، والفسق الخروج عن الطاعة، هذا عرْفه في الشرع، وقوله تعالى: {وإن الشياطين} الآية، قال عكرمة عنى بالشياطين في هذه الآية مردة الإنس من مجوس فارس، وذلك أنهم كانوا يوالون قريشاً على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم فخاطبوهم منبهين على الحجة التي ذكرناها في أمر الذبح من قولهم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله، فذلك من مخاطبتهم هو الوحي الذي عنى به، "والأولياء" قريش، "والمجادلة" هي تلك الحجة، وقال ابن عباس وعبد الله بن كثير: بل {الشياطين} الجن واللفظة على وجهها وكفرة الجن أولياء الكفرة قريش، ووحيهم إليهم كان بالوسوسة حتى ألهموهم لتلك الحجة أو على ألسنة الكهان، وقال أبو زميل: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال إن إسحاق يعني المختار زعم أنه أوحي إليه الليلة. فقال ابن عباس صدق، فنفرت فقال ابن عباس: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} ثم نهى الله عز وجل عن طاعتهم بلفظ يتضمن الوعيد وعرض أصعب مثال في أن يشبه المؤمن بمشرك، وحكى الطبري عن ابن عباس قولاً: إن الذين جادلوا بتلك الحجة هم قوم من اليهود. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن اليهود لا تأكل الميتة، أما أن ذلك يتجه منهم على جهة المغالطة كأنهم يحتجون عن العرب.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الميتة، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ، أو ذبائح كانوا يذبحونها لأوثانهم، أوما لم يسم الله عليه عند ذبحه، ولا يحرم أكله بتركها، أو يحرم، أو إن تركها عامداً حرم وإن تركها ناسياً فلا يحرم. {لَفِسْقٌ} معصية، أو كفر. {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ} قوم من أهل فارس بعثوا إلى قريش أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه ـ رضي الله تعالى عنهم ـ يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ـ تعالى ـ ولا يأكلون ما ذبح الله يعنون الميتة ويأكلون ما ذبحوه لأنفسهم، أو الشياطين قالوا ذلك لقريش، أو اليهود قالوا ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم. {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} في استحلال الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}.

الخازن

تفسير : {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} مخصوصاً بما {أية : أهلَّ لغير الله به} تفسير : [الأَنعام: 145] والله أعلم. وقوله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} يعني أن الشياطين يوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم ويخاصمون محمداً صلى الله عليه وسلم، وذلك حديث : أن المشركين قالوا يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: الله قتلها. قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتله الكلب والصقر حلال وما قتله الله حرام فأنزل الله عز وجلّ هذه الآيةتفسير : ، وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية في تحريم الميتة كتبت فارس، وهم المجوس، إلى مشركي قريش أنْ خاصموا محمداً وقولوا له إن ما ذبحت فهو حلال، وما ذبحه الله فهو حرام فأنزل الله: وأن الشياطين، يعني مردة الإنس وهم المجوس، ليوحون إلى أوليائهم، يعني مشركي قريش، وكان بين فارس والعرب مولاة ومكاتبة على الروم، فعلى هذا يكون المراد بالوحي المكاتبة في خفية {وإن أطعتموهم} يعني في أكل الميتة، وما حرم الله عليكم {إنكم لمشركون} يعني أنكم إذاً مثلهم في الشرك، قال الزجاج: فيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك إنما سمي مشركاً لأنه أثبت حاكماً غير الله عز وجل ومن كان كذلك فهو مشرك. قوله عز وجل: {أو من كان ميتاً فأحييناه} يعني أو من كان ميتاً بالكفر فأحييناه بالإيمان وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جعل الإيمان حياة لأن الحي صاحب بصر يهتدي به إلى رشده ولما كان الإيمان يهدي إلى الفوز العظيم والحياة الأبدية شبهه بالحياة {وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} يعني وجعلنا له نوراً يستضيء به في الناس ويهتدي به إلى قصد السبيل، قيل: النور هو الإسلام لأنه يخلص من ظلمات الكفر لقوله: يخرجهم من الظلمات إلى النور. وقال قتادة: هو كتاب الله القرآن لأنه بينة من الله مع المؤمنين بما يعمله {كمن مثله في الظلمات} يعني كمن هو في ظلمة الكفر وظلمة الجهالة وظلمة عمى البصيرة {ليس بخارج منها} يعني من تلك الظلمات وهذا مثل ضربه الله تعالى لحال المؤمن والكافر فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً فأحياه وأعطاه نوراً يهتدي به في مصالحه وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس فيها ليس بخارج منها فيكون متحيراً على الدوام، ثم اختلف المفسرون في هذين المثالين هل هما مخصوصان بإنسانين معينين أو هما عامّان في كل مؤمن وكافر؟ فذكروا في ذلك قولين: أحدهما أن الآية في رجلين معينين ثم اختلفوا فيهما فقال ابن عباس في قوله وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس يريد حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم كمن مثله في الظلمات يريد بذلك أن أبا جهل بن هشام وذلك أبا جهل رمى النبي صلى الله عليه وسلم بفرث فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل، وكان حمزة قد رجع من صيد وبيده قوس وحمزة لم يؤمن بعد فأقبل حمزة غضبان حتى علا أبا جهل وجعل يضربه بالقوس، وجعل أبو جهل يتضرع إلى حمزة ويقول: يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به سفَّه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا؟ فقال حمزة: ومن أسفه منكم عقولاً تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فأسلم حمزة يومئذ فأنزل الله هذه الآية. وقال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل. وقال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل، وقال مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل وذلك أن أبا جهل قال زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا نحن وهم كفرسي رهان، قالوا منا نبي يوحى إليه والله لا نؤمن حتى يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية. والقول الثاني: وهو قول الحسن في آخرين أن هذه الآية عامة في حق كل مؤمن وكافر وهذا هو الصحيح لأن المعنى إذا كان حاصلاً في الكل دخل فيه كل أحد. وقوله تعالى: {كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} قال أهل السنة، المزين هو الله تعالى ويدل عليه قوله زينّا لهم أعمالهم ولأن حصول الفعل يتوقف على حصول الدواعي وحصوله لا يكون إلا بخلق الله تعالى فدل ذلك على أن المزين هو الله تعالى، وقالت المعتزلة المزين هو الشيطان ويرده ما تقدم.

ابن عادل

تفسير : لما بين حِلَّ كُلِّ ما ذُبِح على اسْم اللَّه - تعالى - ذكر بعده تَحْرِيم ما لَمْ يُذْكَر اسْم اللَّه عليه، ويَدْخُل فيه المَيْتَة، وما ذُبح على ذِكْر الأصْنَام. قال عطاء: كُل مَا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللَّه عليه من طعامٍ أو شرابٍ، فهو حرام؛ لعُمُوم الآية: وقال ابنُ عبَّاسٍ: الآية الكريمة في تَحْرِيم الميتات وما فِي مَعْناها، ونُقِل عن عَطَاء الآية الكريمة، وفي تَحْرِيم الذَّبَائح الَّتي كانُوا يَذْبحونها على اسْم الأصْنَام، واخْتَلف العُلماء - رضي الله عنهم - في ذَبِيحَة المُسْلِم، إذا لَمْ يُذْكَر اسم اللَّه علَيه. فذهب قَوْمٌ إلى تَحْرِيمها سواءً ترك التَّسْمِيةَ عامداً أوْ نَاسِياً، وهُوَ قَوْل ابن سيرين، والشَّعْبِي, وأحمد في رواية، وطائفة من المُتَكَلِّمين لِظَاهر الآية الكريمة. وذه قَوْم إلى تَحْلِيلها، يُرْوَى ذلك عن ابْن عبَّاس، وهُو قول مَالِك، والشَّافِعي، وأحْمَد في رِوَاية. وذهب قوم إلى أنه إنْ ترك التَّسْمِية عامداً، لم يحلَّ، وإن تركها سَهْواً، أحلت، وهُو قَوْل الثَّوْري، وأصْحاب الرَّأي، ومَذْهَب أحمد. ومن أبَاحَهَا، قال: المُرَاد من الآية الكريمة: وما ذُبِح على غَيْر اسْم اللَّه؛ لقوله: "وإن لفسق" والفسق في غَيْر ذِكْر اسْم اللَّه؛ كما قال في آخر السُّورَة العَظِيمة: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ...} تفسير : [الأنعام:145] إلى قوله {أية : أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام:145] وأجمع المُسْلِمُون على أنَّه لا يُفَسَّق آكل ذَبيحَةِ المُسْلِم الذي ترك التَّسْمِية، وأيضاً: وقوله - تعالى ـ: {وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} وهذه المُنَاظَرَة إنَّما كانت في مَسْألة المَيْتَة على أنَّ المُشْركين قَالُوا للمسلمين: ما يَقْتله الصَّقْر والكَلْبُ تَأكُلُونَه، وما يَقْتُله الله فلا تَأكُلُونَهُ، وعن ابن عباسٍ: إنَّهم قالُوا: تأكلون ما تَقْتُلُونَه، ولا تَأكُلُون ما يَقْتُله اللَّه - تعالى -، وهذه المناظرات مَخْصُوصة بأكل المَيْتَة، وقال - تبارك وتعالى -: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} وهذا مَخْصُوص بِمَا ذُبِح على اسْم النُّصُب، يعني: لو رَضِيتُم بهذه الذَّبيحة الَّتِي ذُبِحَت على اسْم الهديَّة للأوثان، فقد رَضِيتُم بإلهيَّتِها فذلك يُوجِب الشِّرْك. قال الشَّافعي: فأوَّل الآية الكريمة، وإن كان عامًّا بحسب الصِّيغَة، إلاَّ أن آخِرَها لمَّا حَصَلتْ فيه هذه القُيُود الثلاثة، علمنا أن المُرَاد من العموم: الخصوص، و حديث : عن عائشة: رضي الله عنها - قالوا:يا رسول الله إن هُنَا أقْوَاماً حَدِيثٌ عَهْدهم بِشِرْكٍ يأتُونَنَا باللَّحْم، لا يُدْرَى يَذْكُرون اسْم اللَّه عليها أمْ لا، قال: "اذْكُروا أنْتم اسْم اللَّه، وكلوا" تفسير : ولو كانت التَّسْمِية شَرْطاً للإبَاحَة، كان الشكُّ في وُجودها مَانِعاً كالشكِّ في أصْل الذَّبْح. قوله: "وإنَّه لَفِسْقٌ" هذه الجُمْلَة فيها أرْبَعَة أوْجُه: أحدها: أنَّها مُسْتأنَفة، قالوأ: ولا يَجُوز أن تكُون مَنْسُوقة على ما قَبْلَها؛ لأن الأولَى طلبيَّة، وهي خَبَرِيَّة، وتُسَمَّى هذه الواوُ، واو الاسْتِئْنَافِ. والثاني: أنَّها مَنْسُوقة على ما قَبْلَها، ولا يُبَالَى بِتَخَالُفِهِما، وهو مَذْهَبُ سيبوَيْه، وقد تقدَّم تَحْقِيق ذلك، [وقد أوْرَدْتُ من ذَلِك شَواهِد صالِحَة من شِعْرِ وغيره]. الثالث: أنَّها حاليَّة، أي: "لا تَأكُلوه، الحالُ: أنَّه فِسْق" وقد تبجَّح الإمام الرَّازي بهذا الوَجْه على الحَنَفيَّة، حيث قَلَب دَليلَهُم عليهم بهذا الوَجْه، وذلك أنَّهم يَمْنِعُون من أكْل مَتْروك التَّسْمِيَة، والشَّافعيَّة لا يَمْنعَون منه استدل عيهم الحَنَفِيَّة بِظَاهِر هذه الآية. فقال الرَّازي: هذه الجُملَة حاليَّة، ولا يَجُوز أن تَكُون مَعْطُوفة لِتخَالُفِهَمَا طَلَباً وخبراً، فتعيَّن أن تكون حاليَّة، وإذا كان حاليَّة، كان المعنى: "لا تَكُلُوه حال كَوْنهِ مُفَسَّقاً"، ثم هذا الفِسْق مُجْمَل قد فَسَّره اللَّه تعالى في مَوْضِع آخرَ, فقال: {أية : أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} تفسير : [الأنعام:145] يعني: أنه إذَا ذُكِر على الذَّبيحة غَيْر اسم اللَّه، فإنَّه لا يَجُوز أكْلُها؛ لأنَّه فِسقٌ. ونحن نقُول به، ولا يَلْزَم من ذَلِك أنَّه إذا لم يُذْكر اسْم اللَّه، ولا اسْم غيره، أن تكون حَرَاماً؛ لأنه لَيْس بالتَّفْسِير الذي ذَكْرنَاه، والنِّزاع فيه مُحَال من وُجُوه: منها: أنّنا لا نُسَلِّم امْتِناع عَطْفِ الخَبَر على الطَّلَب، والعَكْس، كما قدَّمتُه عن سِيبوَيْه، وإن سُلِّم، فالواو للاسْتِئْنَاف، كما تقدم، وما بَعْدَها مُسْتأنفُ، وإن سُلِّم أيضاً، فلا نسلم أن "فِسْقاً" في الآية الأخرى مُبَيَّن للفِسْق في هذه الآية، فإن هذا لَيْس من بابِ المُجْمَل والمُبَيَّن؛ لأن له شُرُوطاً لَيْسَت مَوجُودَة هُنَا. وهذا الذي قاله مُشْتَمِلٌ من كلام الزَّمَخْشَرِي: فإنه قال: فإن قُلْت: قد ذَهَبَ جماعة من المُجْتَهِدين إلى جَوازِ أكْل ما لَمْ يُذْكَر اسْم اللَّه عليه بِنِسْيَان أوْ عَمْد. قلت: قد تأوَّله هؤلاء بالمَيْتَة، وبما ذُكِر غَيْر اسْم الل‍َّه عليه؛ كقوله: {أية : أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} تفسير : [الأنعام:145] فهذا أصْل ما ذكره ابن الخَطِيب وتبجَّح به والضَّمير في "أنَّه" يُحْتَمل أن يعُود على الأكْل المَدْلُول عليه بـ "لا تأكُلُوا"، وأن يعُود على الموصُول، وفيه حينئذٍ تأويلان: أن تَجْعَل الموصُول نَفْس الفِسْق مبالغة. أو على حَذْفِ مُضَافٍ، أي: "وإنَّ أكله لَفِسْق" أو على الذكْر المَفْهُوم من قوله: "ذكر" قال أبوُ حيَّان: "والضَّمِير في "إنَّه": يعُوج على الأكْل، قاله الزَّمَخْشَرِي، واقْتَصَر عليه". قال شهاب الدِّين - رحمه الله -: لم يَقْتَصِرْ عليه بل ذَكَر: أنَّه يجُوز أن يَعُود على المَوصُول، وذكر التَّأويلين المُتقدِّمين، فقال: "الضَّمير راجع على مَصْدر الفِعْل الدَّاخل عليه حَرْف النَّهْي، بمعنى: وإنَّ الأكل منه لَفِسْق، أو على الموصُول على أنَّ أكْلَه لِفِسْق، أو جعل ما لَمْ يُذكَر اسْمُ اللَّه عليه في نفسهِ فِسْقاً". قوله: {وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} من المُشْركين لِيُخَاصِموا مُحمَّداً وأصحابه في أكْل المَيْتَة. وقال عِكْرِمة: المراد بالشَّيَاطِين: مَرَدة المجُوس، ليُوحون إلى أوْلِيَائِهم من مُشْرِكي قُرَيْش، وذلك لأنَّه لما نزل تَحْريم المَيْتَة، سَمِعه المجُوسُ من أهْل فَارِس، فكتَبُوا إلى قُرَيش - وكانت بَيْنَهُم مُكَاتبة - أنَّ محمَّداً وأصحابه يَزْعُمون أنَّهم يَتْبَعُون أمْ اللَّه - تعالى - ثم يَزعُمُون أن ما يَذْبَحُونه حلالاً، وما يَذْبَحُه اللَّه حرامٌ فوقع في نَفْس ناسٍ من المُسْلِمين من ذلك، فأنْزَل اللَّه هذه الآية الكَرِيمة. قوله: {لِيُجَادِلُوكُمْ} متعلِّق بـ "يُوحُون" أي: "يُوحُون لأجْل مُجَادَلَتِكم"، وأصْل "يُوحُون" يُوحِيُون؛ فأعِلّ. قوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} قيل: إنَّ التَّوْطِئة للقسم، فلذلك أجيب القسم المُقَدَّر بقوله: {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} وحذف جواب الشَّرْط؛ لسدِّ جواب القسم مَسَدَّه. وجاز الحَذْفُ؛ لأن فِعْل الشَّرط ماض. وقال أبُو البقاء: حذف الفاء من جواب الشَّرْط, وهو حسن إذا كان الشَّرط بِلَفْظِ الماضِي، وهو ههنا كذلك، وهو قوله: {وإنْ أطَعْتُمُوهُم}. قال شهاب الدِّين: كأنه زعم: أنَّ جواب الشَّرْط هو الجُمْلَة من قوله: {إِنَّكُم لَمُشْرِكُونَ} والأصل: "فإنكُم" بالفاء؛ لأنَّها جُمْلَة اسميَّة، ثم حُذِفَت الفاء؛ لكون فِعْل الشَّرْط بِلَفْظِ المُضِيِّ، وهذا لَيْس بِشَيء؛ فإن القَسَم مُقدَّر قَبْل الشَّرْط ويدُل على ذلك حَذْف اللاَّم المُوَطِّئَة قبل "إن" الشَّرْطية، ولَيْس فِعْل الشَّرْط مَاضِياً؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ} تفسير : [الأعراف:23] فَهَهُنَا لا يُمْكنه أن يقُول: إن الفاء مَحذُوفة؛ لأن فِعْل الشَّرْط مُضارعٌ، وكأن أبا البقاء - والله أعلم - أخذ هذا من الحُوفيِّ؛ فإني رَأيْتُه فيه كما ذَكَرَهُ أبُو البقاء، ورَدَّه أبُو حيَّان بنحو ما تقدم. فصل في معنى الآية والمَعْنَى: وإنْ أطعتُمُوهُم في استِحْلال المَيْتَة، إنكم لَمُشْرِكُون، وإنَّما سُمِّي مُشْرِكاً؛ لأنه أثْبَت حَاكِماً سِوَى اللَّه، وهذا هو الشِّرك. وقال الزَّجَّاج: وفيه دَلِيل على أنَّ كُلَّ مَنْ أحَلَّ شيئاً مما حرَّم اللَّه، وحرَّم ما أحَلَّ اللَّه، فهو مُشْرِك.

السيوطي

تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: المشركون. وفي لفظ قالت اليهود: لا تأكلون مما قتل الله وتأكلون مما قتلتم أنتم، فأنزل الله {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك قال: قال المشركون لأصحاب محمد: هذا الذي تذبحون أنتم تأكلونه، فهذا الذي يموت من قتله؟ قالوا: الله... قالوا: فما قتل الله تحرمونه وما قتلتم أنتم تحلونه؟ فأنزل الله {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم عليه وإنه لفسق} .الآية . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمداً. فقالوا له: ما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح الله بمسمار من ذهب ـ يعني الميته ـ فهو حرام، فنزلت هذه الآية {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} قال: الشياطين من فارس وأوليائهم من قريش . وأخرج أبو داود في ناسخه عن عكرمة " أن المشركين ليجادلوكم" قال: الشياطين من فارس وأولياؤهم قريش . وأخرج أبو داود في ناسخه عن عكرمة "أن المشركين دخلوا على نبي الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ قال: الله قتلها. قالوا: فتزعم أن ما قَتَلْتَ أنت وأصحابك حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} يعني الميتة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: يوحي الشياطين إلى أوليائهم من المشركين أن يقولوا تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ فقال: إن الذي قتلتم يذكر اسم الله عليه، وإن الذي مات لم يذكر اسم الله عليه . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال "قالوا: يا محمد أما ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه، وأما ما قتل ربكم فتحرمونه؟ فأنزل الله {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم} في كل ما نهيتكم عن أنكم إذاً لمشركون" . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال: عمد عدو الله إبليس إلى أوليائه من أهل الضلالة فقال لهم: خاصموا أصحاب محمد في الميتة فقولوا: أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل الله فلا تأكلون، وأنتم زعمتم أنكم تتبعون أمر الله؟ فأنزل الله {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} وأنا والله ما نعلمه كان شركاً قط إلا في إحدى ثلاث: أن يدعى مع الله إلهاً آخر، أو يسجد لغير الله، أو تسمى الذبائح لغير الله . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} قال: إبليس أوحى إلى مشركي قريش . وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: من ذبح فنسي أن يسمي فليذكر اسم الله عليه وليأكل ولا يدعه للشيطان إذا ذبح على الفطرة، فإن اسم الله في قلب كل مسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك. في الرجل يذبح وينسى أن يسمي قال: لا بأس به. قيل: فأين قوله {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال: إنما ذبحت بدينك. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال: نهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش على الأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس . وأخرج عبد بن حميد عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ذبيحة المسلم حلال سمى أو لم يسم ما لم يتعمد، والصيد كذلك " . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عروة قال:حديث : كان قوم أسلموا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقدموا بلحم إلى المدينة يبيعونه، فتحنثت أنفس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منه، وقالوا: لعلهم لم يسموا. فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال "سموا أنتم وكلوا" . تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: إذا ذبح المسلم ونسي أن يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله . وأخرج ابن عدي والبيهقي وضعَّفه عن أبي هريرة قال:حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت لرجل من يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلمم "اسم الله على كل مسلم" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاوس قال: مع المسلم ذكر الله، فإن ذبح ونسي أن يسمي فليسم وليأكل، فإن المجوسي لو سمى الله على ذبيحته لم تؤكل. وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه وابن مردويه عن ابن عباس {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} فنسخ واستثنى من ذلك فقال {أية : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم}تفسير : [المائدة: 5]. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: كلوا ذبائح المسلمين وأهل الكتاب مما ذكر اسم الله عليه . وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين. في الرجل يذبح وينسى أن يسمي. قال: لا يأكل. وأخرج النحاس عن الشعبي قال: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : قال إبليس: يا رب كل خلقك بينت رزقه ففيم رزقي؟ قال: فيما لم يذكر اسمي عليه " . تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن معمر قال: بلغني أن رجلاً سأل ابن عمر عن ذبيحة اليهودي والنصراني؟ فتلا عليه {أية : أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب}تفسير : [المائدة: 5] وتلا {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} وتلا عليه {أية : وما أهلَّ به لغير الله}تفسير : [البقرة: 173] قال: فجعل الرجل يردد عليه فقال ابن عمر: لعن الله اليهود والنصارى وكفرة الأعراب فان هذا وأصحابه يسألوني، فإذا لم أوافقهم انشأوا يخاصموني . وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال: أنزل الله في القرآن {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} ثم نسخها الرب عز وجل ورحم المسلمين {أية : اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم}تفسير : [المائدة: 5] فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {وإن أطعتموهم} يعني في أكل الميتة استحلالاً {إنكم لمشركون} مثلهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي أنه سئل عن قوله {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} فقيل تزعم الخوارج إنها في الأمراء؟ قال: كذبوا إنما أنزلت هذه الآية في المشركين، كانوا يخاصمون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: أما ما قتل الله فلا تأكلوا منه ــ يعني الميتة ــ وأما ما قلتم أنتم فتأكلون منه. فأنزل الله {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} إلى قوله {إنكم لمشركون} قال: لئن أكلتم الميتة وأطعتموهم إنكم لمشركون . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه قيل له: أن المختار يزعم أنه يوحى إليه قال: صدق {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي زميل قال: كنت قاعداً عند ابن عباس وحج المختار بن أبي عبيد، فجاء رجل فقال: يا أبا عباس زعم أبو إسحق أنه أوحي إليه الليلة؟ فقال ابن عباس: صدق. فنفرت وقلت: يقول ابن عباس صدق...! فقال ابن عباس: هما وحيان، وحي الله ووحي الشيطان، فَوَحَى الله إلى محمد وَوَحَى الشيطانُ إلى أوليائه، ثم قرأ {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} .

السلمي

تفسير : قوله تعالى وتقدس: {وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} [الآية: 121]. قال أبو عثمان المغربى فى هذه الآية: يلقون على ألسنة المدعين ما يقطعون به الطرق على المتحققين.

القشيري

تفسير : ما كانت (....) من الأحوال عاصياً ولربِّه ناسياً فتوقِّيه شرط عند أصحاب (...). ثم قال: {وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} فهذا يدل على أنَّ مَنْ توقَّى ذلك اتحدت لله خواطِرُه، وانقطعت عنه خواطر الشيطان. وأصلُ كل قسوةٍ متابعةُ الشهوات، ومَنْ تعوَّد مُتَابَعَتها فليودِّعْ صفوةَ القلب.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} بين الله سبحانه من الناس خلق على طبع الشياطين لقوله شياطين الانس والجن وهم الله السالوس والناموس والمقشفين بزى الظاهر المدعين مقامات اولياء اله ياخذون مزخرفات الشياطين بقلوبهم ويترفعون بالفاظ الظلمات وغزون بها من لا يعرف الحق من الباطل قال ابو عثمان المغربى فى هذه الأية يلقون عن السنة المدعين ما يقطعون به الطريق على المتحققين ولما ذم الله المدعين الذين ماتت قلوبهم يلقون على السنة المدعين ما يقطون به الطريق على المتحققين ولماذم الله المدعين الذين ماتت قلوبهم فى ظلمات الطغيان واحتجبت بها عن انوار العرفان وصف بعد ذلك احياء المعارف بانوار الكواشف بعد ان كانوا محجوبين بالعدم عن نور القدم {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} اى او من كان ميتا بالعدم فاحيينا بنور القدم وايضا او من كان ميتا المجاهدات وايضا او من كان ميتا بشهوات النفس فاوحييناه بصفاء القلب ومن كان ميتا بالخليقة فاحييناه برؤية الحقيقة وايضا من كان ميتا برؤية التواب فاحيينا برؤية الماب الى الوهاب وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس اعطيناه نور الفراسة يحكم باستشراق قلبه على الهموم بنور الفراسات فى قلوبا لناس وايضا البسانه انوار الغيب فيكون سراجا بين الناس لهداية الناس بانقاذهم من وثائق الوسواس وايضا كسينا روحه نور مشاهدتنا وعلقه نور ذاتنا وصورته نور حضرتنا وجعلنا جميع وجوده نورا بين الخلائق ليهتدى به كل ضال من سبيل الرشاد هذا كالذى فى ظلمات طبيعته ونفسه وهاوية هواه متحيرة لا يهتدى الى طريق الحق لانه فى حجاب القهر ابدا وصف امتنانه على المريدين الصادقين وتفضله على المقلبين وقهر المفلسين واضاف الهداية والضلالة الى عنايته الازلية وكفايته الابدية وقهره السابق فى المشية وسمى المريد الصادق ميتا قبل وجدان نوره وروح حيوة قربه لانه كان من المقصرين وان كان بعد ذلك من التوفرين لان اكابر المعرفة كانوا احياء فى بساتين لطف مشاهدته تحت اذيال الطاف قربه احياء من الازل الى الابد قال جعفر عليه السلام فى قوله او من كان ميتا عنا فاحيينا بنا وجعلناه اماما يهتدى بنور الاجانب ويرجع اليه الضلال كمن مثله فى الظلمات كن يرى مع شهوته وهواه فلم يؤيد بروائح القرب ووانسة الحضرة قال احمد بن عطا او من كان ميتا بحيوة نفسه وموت قلبه فاحييناه باماته نفسه وحيوة قلبه سهلنا عليه سبل التوفيق وكحلناه بانورا لقرب فلا يرى غيرنا ولا يلتفت الى سوانا قال الجريرى اذا احيا عبد بانوار لا يموت ابدا واذا اماته بخذلانه لا يحيى بادا وقال جعفر عليه السلام ومن كان ميتا باعماد على الطاعات فاحييناه وعلناه نور التضرع والاعتذار وقال بعضهم ميتا برؤية الافعال فاحييناه برؤية الانتقار قال القاسم احيا اولياءه بنرو الانتباه كما احيا الاجساد بالارواح قال سهل من كان يمتا بالجهل فاحييناه بالعلم وقال ابن عطا او من كان ميتا بالانقطاع عنا فاحيناه بالاتصال بنا وجعلنا له نور ايضا لا كمن تركناه فى ظلمة الانقطاع وقال الاستاد الايمان عند هؤلاء القوم حيوة القلب بالله واهل الغفلة اذا الهو الذكر فقد صاروا احياء بعد ما كانوا مواتا وارباب الذكر اعتريهم نسيان فقد ماتوا بعد الحياة والذى هو فى انوار القرب وتحت شعاع العرفان وفى روح الاستبصار لا بدانه من هو فى اسرار الظلمات ولا يساويه من هو رهين الأفات وقد وجد خاطرى خاصية لطيفة فى حقيقة تفسير الأية ان المراد بالميت الفانى فى عالم نكرة التوحيد حيث بداله صواعق سطوات الكبرياء والعظمة فاحياه بروح بقائه ومشاهدة ابدايته حيث انتعش من بيداء النكرة بانوار المعرفة يمشى بالاسرار والارواح فى انوار البقاء لا يحتجب عن انوار جمال وجهه ابدا فيحيى له كل قلب ميت وتطمئن برؤية كل نفس مفتترة عن طاعة ربها فمتونة بظلمات شهواتها ولما استاثر احياء ميتة واعطاء نوره لنفسه ومدحه بذلك وبين مزيته على المدبرين حصن نفسه بالعمل الالهيى بوضع ولايته ورسالته فى الاماكنم المستعدة لقبول نوره وهدايته.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} اى عمدا اذ الناسى حال نسيانه لا يكون مكلفا وذكر الله تعالى فى قلب كل مؤمن واما العامد فلأنه لما ترك التسمية عمدا فكأنه نفى ما فى قلبه ويدخل فيه الميتة لانها مما لم يذكر اسم الله عليه وكذا ما ذبح على اسم غيره تعالى {وإنه} اى الاكل منه او عدم ذكر التسمية {لفسق} اى خروج لما لا يحل فان من ترك التسمية عامدا حال الذبح لا يحل اكل ذبيحته عند الامام الاعظم. واعلم ان المشركين جادلوا المسلمين فقالوا أتأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتله الله فانزل الله الآية واجاب بجواب اعم وبنى الحرمة على وصف يشمل الكل وهو ترك الذكر {وان الشياطين} اى ابليس وجنوده {ليوحون الى اوليائهم} اى يوسوسون الى المشركين. والوحى القاء المعنى الى النفس مع الخفية {ليجادلوكم} ايها المؤمنون فى تحليل الميتة بالوساوس الشيطانية {وان اطعتموهم} فى استحلال الحرام وساعدتموهم على اباطيلهم {إنكم لمشركون} ضرورة ان من ترك طاعة الله الى طاعة غيره واتبعه فى دينه فقد اشرك به تعالى بل آثره عليه سبحانه. والاشارة لا تأكلوا طعاما الا بامر الله وعلى ذكر الله وفى طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته وان ظلمة الطعام وشهوته مؤدية الى الفسق الذى هو الخروج من النور الروحانى الى الظلمة النفسانية وفى الحديث "حديث : ان الشيطان يستحل الطعام الا بذكر اسم الله عليه " .تفسير : اى لانه لا يذكر اسم الله عليه بعد الشروع وما لم يشرع فيه احد لا يتمكن الشيطان من استحلاله وفيه اشارة الى انه ان سمى واحد من الآكلين حصل اصل السنة ومن نسى التسمية فى اول الطعام فانه يقول حين يذكر بسم الله اوله وآخره فاذا قال ذلك فقد تدارك تقصيره وهذا بخلاف الوضوء فان التسمية سنة فى اوله بحيث لو نسيها فى اوله ثم تذكر فى وسطه لم يكن هذا تداركاً لسنة التسمية وذلك لان الوضوء كله عمل واحد بخلاف الاكل فان كل لقمة اكلة "حديث : وكان رجل يأكل فلم يسم حتى لم يبق من طعامه الا لقمة فلما رفعها الى فيه قال بسم الله اوله وآخره فضحك النبى عليه السلام ثم قال "ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله تعالى استقاء ما فى ما بطنه" " .تفسير : وهذا الحديث يدل على ان الشيطان يأكل بمضغ وبلغ كما ذهب اليه قوم وقال آخرون اكل الشيطان صحيح لكنه تشمم واسترواح وانما المضغ والبلع لذوى الحثث والشياطين اجسام رقاق. قال فى آكام المرجان كل ما لم يسم عليه من طعام او شراب او لباس او غير ذلك مما ينتفع به فللشيطان تصرف واستعمال اما باتلاف عينه كالطعام واما مع بقاء عينه. قال ثعلبة بن سهيل كنت اصنع شرابا لى اشربه فى السحر فاذا جاء السحر جئت فلا اجد شيئا فوضعت شرابا آخر وقرأت عليه يس فلما كان السحر جئت فاذا الشراب على حاله واذا شيطان اعمى يدور حول البيت وفى الحديث "حديث : ان الشيطان حساس لحاس فاحذروه على انفسكم من بات وفى يده ريح غمر فاصابه شئ فلا يلومنّ الا نفسه " .تفسير : قال بعض ارباب الاشارة انما حرم اكل ما لم يذكر اسمه عليه لان العارف حبيب الله والحبيب لا يذبح ولا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يفرش ولا يفعل شيئاً الا باسم حبيبه ألا ترى ان يعقوب عليه السلام كان يقول فى جميع احواله يوسف وانما وجبت التسمية عند الذبائح لان مرارة النزع شديدة وذكر اسم الله تعالى احلى من كل شئ فامرنا بالتسمية عند الذبائح كى تسمع الشاة ذكر الله عند الموت فلا تشتد مرارة النزع مع حلاوة اسم الله ولذلك قال عليه السلام "حديث : لقنوا موتاكم بشهادة ان لا اله الا الله يسهل عليكم سكرات الموت " .تفسير : فلما كان الاحياء والاماتة من الله تعالى وحده لم يجز ان يذبح باسم غيره تعالى ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اكل ما ذبح للجن وعلى اسمها واستنبط بعض الخلفاء عينا واراد اجراءها وذبح للجن عليها لئلا يغور ماؤها فاطعم ذلك ناسا فبلغ ذلك ابن شهاب فقال اما انه قد ذبح ما لم يحل له واطعم الناس ما لا يحل لهم وكان من عادة الجاهلية قبل الاسلام تزيين جارية حسناء والباسها احسن ثيابها والقاءها فى النيل حتى يطلع ثم قطع تلك السنة الجاهلية على يدى من اخاف الجن وقمعها عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهكذا هذه العين لو حفرها رجل عمرى لم يذبح لهم عصفورا فما فوقه ولكن لكل زمان رجال فول داوم انسان على اسم الله لاتحرقه النار ولا تغرقه البحار ولا تنهشه الحيات ولا تضره السموم لان كل مضر خلق مخوفا لمن يخاف الله فاذا خاف العبد من الله بكماله فله التسخير والتأثير شعر : توهم كردن از حكم داور مييج كه كردن نييجد زحكم توهيج محالست جون دوست دارد ترا كه در دست دشمن كذارد ترا تفسير : وقد ظهر لك من هذا كله ان احراق البخور والقاء ماء الورد ورشه وذبح شئ من مكان يتوهم فيه الجن كله شرك يجب ان يترز عنه وكذا من ذبح دجاجة لتصويتها مثل الديك او ذبح ديكا لتصويته قبل الوقت وهو السحر والقاها فى مكان فقد ذبح ذلك للجن فى اعتقاده لانه اراد به صيانة نفسه واهله واولاده وماله من اصابة الجن والبلاء ولو كان لله تعالى لأكلها بل لو كان مخلصا لما فعل مثل هذا.

الطوسي

تفسير : نهى الله تعالى في هذه الآية عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وذلك صريح في وجوب التسمية على الذبيحة، لانها لو لم تكن واجبة، لكان ترك التسمية غير محرم لها. فأما من ترك التسمية ناسيا، فمذهبنا أنه يجوز أن تؤكل ذبيحته بعد أن يكون معتقدا لوجوبها. وكان الحسن يقول: يجوز له أن يأكل منها. وقال ابن سيرين: لا يجوز أن يأكل منها. وبه قال الجبائي. فأما اذا تركها متعمدا فعندنا لا يجوز اكله بحال. وفيه خلاف بين الفقهاء فقال قوم: اذا كان تارك التسمية متعمدا من المسلمين جاز أكل ذبيحته. وقال آخرون لا يجوز أكلها كما قلنا. وذلك يدل على ان ما يذبحه أهل الكتاب لا يجوز أكله، لانهم لا يعتقدون وجوب التسمية ولا يذكرونها، ومن ذكر اسم الله منهم فانما يقصد به اسم من أبدى شرعهم، ولم يبعث محمدا صلى الله عليه وآله، بل كذبه، وذلك ليس هو الله، فلا يجوز اكل ذبيحتهم. ولانهم لا يعرفون الله، فلا يصح منهم القصد الى ذكر اسمه. فأما من عدا أهل الكتابين فلا خلاف في تحريم ما يذبحونه. وليست الآية منسوخة ولا شيء منها، ومن ادعى نسخ شيء منها فعليه الدلالة. وقال الحسن وعكرمة: نسخ منها ذبائح الذين أوتوا الكتاب بقوله {أية : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم}تفسير : وعندنا ان ذلك مخصوص بالحبوب دون الذبائح. وقال قوم: ليس أهل الكتاب داخلين في جملة من يذكر اسم الله على ذبيحته، وليس واحد من هؤلاء معنيا بالآية، فلا يحتاج الى النسخ. وقوله {وإنه لفسق} يعني ما لم يذكر اسم الله عليه أي أكله فسق. وحذف لدلالة الكلام عليه. وقوله {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} يعني بالشياطين علماءهم ورؤساءهم المتمردين في كفرهم يوحون ويشيرون الى أوليائهم الذين اتبعوهم من الكفار بأن يجادلوا المسلمين في استحلال الميتة. وقال الحسن يجادلونهم بقولهم: ان ما قتل الله أولى بأن يؤكل مما قتله الناس وقال عكرمة: المراد بالشياطين مردة الكفار من مجوس فارس {إلى أوليائهم} من مشركي قريش. وقال ابن عباس: المراد بالشياطين ها هنا ابليس وجنوده بأن يوسوسوا اليهم ويوحون الى أهل الشرك بذلك، وبه قال قتادة. وقال قوم: الذين جادلوا بذلك كانوا قوما من اليهود جادلوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأن ما قتله الله أولى بالاكل مما قتله الناس. ثم قال تعالى {وإن أطعتموهم} ايها المؤمنون فيما يقولونه من استحلال أكل الميتة وغيره {إنكم لمشركون} لان من استحل الميتة كافر بالاجماع. ومن اكلها محرما لها مختارا، فهو فاسق وهو قول الحسن وجماعة من المفسرين. والتقدير في قوله {إنكم} فانكم، لان جواب الشرط لا يكون بـ (أن) بلا فاء. وانما يكون ذلك جواب القسم. واختلفوا في ما عناه الله تعالى بقوله {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} فقال عطاء: ذلك يختص بذبائح كانت في الجاهلية على الاوثان كانت العرب تذبحها وقريش. وقال ابن عباس ذلك الميتة. وقال قوم: عنى بذلك كل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها. وهذا الوجه أقوى على ما بيناه. ومن حمل الآية على الميتة فقد أبعد، لان احدا من العرب ما كان يستحل الميتة. وانما ذلك مذهب قوم من المجوس، فالآية اما أن تكون مختصة بما كانت تذبح للاصنام على ما قاله عطاء، أو عامة في كل ما لم يذكر اسم الله عليه الا ما أخرجه الدليل. وقد بينا ان ذلك أعم وأولى بحمل الآية عليه.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} تصريح بالمفهوم تسجيلاً وتأكيداً {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} يعنى ما لم يذكر اسم الله عليه خارج عن الحقّ كائناً ما كان وهو عطف على محذوف، والتّقدير انّه اثم او حرام او مثل ذلك وانّه لفسق او حال {وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} من الكفّار {لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} فى قولهم انّكم تأكلون ما تقتلون بأنفسكم ولا تأكلون ما قتله الله وان اطعتموهم مطلقاً فى هذا او غيره {إِنَّكُمْ} بتقدير الفاء وانّما حسن حذفه لكون الشّرط ماضياً مضعفاً لحكم الشّرط {لَمُشْرِكُونَ} فانّ الاشراك هو طاعة غير من نصبه الله للطّاعة، والمقصود انّ شياطين الجنّ ليوحون الى اوليائهم ليجادلوكم فى علىّ (ع) او شياطين الانس ليوحون الى اتباعهم ليجادلوكم فى علىّ (ع) باظهار ما يرى انّها مثالب لعلّى (ع) وان اطعتموهم صرتم مشركين بالله بواسطة الاشراك فى الولاية.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لِفِسْقٌ} قال بعضهم: وإنه لشرك. أي: إن أكل الميتة على الاستحلال لشرك. وقال بعضهم: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي: وإنه لمعصية؛ والفسوق المعاصي. {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} أي من المشركين {لِيُجَادِلُوكُمْ} في أكل الميتة. [قال مجاهد: كان المشركون يجادلون المسلمين في الذبيحة] ويقولون: يا صِحاب محمد، أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل الله فلا تأكلونه وأنتم تزعمون أنكم تتبعون أمر الله. قال الله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} أي فاستحللتم الميتة فأكلتموها على وجه الاستحلال لها كما يستحلها المشركون {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}. وقال بعضهم: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُم} أي صدقتم المشركين فيما قالوا واحتجوا به {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} أي في تصديقكم المشركين، لأنكم إن صدقتموهم في ذلك فقد كذبتم الله، فأنتم بتصديقكم المشركين وتكذيبكم الله مشركون. قوله: {أَوَمَن كَانَ مَيْتاً} أي كافراً {فَأَحْيَيْنَاهُ} بالإِسلام في تفسير الحسن. وقال مجاهد: ضالاًّ فهديناه. وهو واحد. {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} قال مجاهد: يعني الهدى {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} أي ظلمات الكفر في تفسير الحسن. وقال مجاهد: في ظلمات الضلالة، وهو واحد. {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} أي: هو مقيم في ظلمات الكفر والضلالة. وقال بعضهم: {فَأَحْيَيْنَاهُ} هذا المؤمن معه من الله بيّنة، عليها يعمل، وبها يأخذ، [وإليها ينتهي]. قال: {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا}؛ هذا الكافر في الضلالة متحيّر فيها. قال هل يستويان مثلاً، أي هل يستويان هذان؟ على الاستفهام، أي إنهما لا يستويان. [قال بعضهم]: بلغنا أَنَّها نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام، ثم هي عامة بعدُ. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اللهم أيد الإِسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام تفسير : فأيده بعمر بن الخطاب، وأحسبه قال: وأهلك أبا جهل بن هشام أو كما قال. قال: {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

اطفيش

تفسير : {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} بأن ذكر عليه اسم الصنم أو لم يذكر عليه شيئا ومات بلا ذكاة، فلو ذبح مسلم ونسى التسمية أكلت، وقيل: لا وإن تعمد لم تؤكل، وقيل: تؤكل، ووجهه أن المراد عند هذا القائل بما لم يذكر اسم الله عليه ما ذكر للصنم، كقوله تعالى: {أية : أو فسقاً أهل لغير الله به} تفسير : فإنهُ ما ذكر عليه اسم الصنم، وقد قال فى هذا إنهُ فسق. {وإنَّهُ لفسقٌ} فالفسق هنا ما هنالك، وهو ما ذكر عليه اسم الصنم فالهاء ما لم يذكر اسم الله عليه، أى وإنه لمفسوق به، أو سمى فسقا مبالغة، والأولى ردها إلى الأكل، أى وإن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه لفسق نفاق، وقيل: المراد أكله بإباحة فالمراد فسق شرك، ودل عليه لا تأكلوا، أخذ أحمد وداود الظاهرى والشعبى وابن سيرين وابن عمرو، ونقله الفخر عن مالك بظاهر الآية، فقال: ما لم يذكر عليه اسم الله عمداً أو نسياناً حرام، وهذا فى ذكاة الحيوان، وهو قول عطاء، وزعم عطاء مع ذلك أن كل طعام أو شراب لم يذكر عليه اسم الله فهو حرام، فمن أكل أو شرب ولم يسم فقد أكل حراماً أو شرب حراماً، واختص بذلك وحده، فإن نسى فقال إذ ذكر: الحمد لله أوله وآخره حل ما أكل قبل. والمجتهد ليفسق من خالف من المقلدين اجتهاده، إلا إن أخذ بمذهب مجتهد آخر، فمن رأى أن المذبوح بلا ذكر الله ميتة حكم يفسق أكله ومبيحه من المقلدين، لا كما قيل: إن المسلمين أجمعوا أنه لا يفسق بأكل ذبيحة المؤمن الذى ترك التسمية ولو عمداً، وأما ما ذبح الكتابى بغير ذكر فقيل حلال، وقيل لا والذى عندنا أن الذبيحة بلا ذكر لله عمداً ميتة، وبلا عمد قولان، سواء من الكتابى أو من المؤمن، والظاهر أن ذبيحة أهل الكتاب أباحها الله مطلقا بديانة، والقول بأنها تحل بلا ذكر الله ولو عمداً منسوب للشافعى ومالك وأحمد فى رواية عنهم وهو رواية عن ابن عباس، ذلك ما لم يكن إن تارك مستخففا وإلا فسدت. واحتجوا بأن المؤمن على ذكر الله تعالى ما دام مؤمناً إن لم يذكر فى الذبح، وبما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليها" تفسير : وهذا عام فى الترك عمداً ونسياناً، ولو كان سبب حديث آخر النسيان حيث حديث : روى أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن تارك التسمية نسياناً فقال: "كلوا فإن تسمية الله فى قلب كل مؤمن" تفسير : فإن لفظ الجواب عام وحمله بعض على النسيان فقال: لا تفسد بالنسيان وتفسد بالعمد، وهو رواية عن أحمد، وهو قول أبى خليفة وسفيان، واحتج بأن الهاء عائدة إلى ما يدل عليه أقرب مذكور، وهو لم يذكر أى، وإن عدم الذكر لفسق، ومعلوم أن الفسق إنما هو بالعمد، وبحديث جواب السؤال عن الناسى، واعتبر سبب الحديث فحرم ما ترك عمداً فقط، ونسب هذا القول للجمهور، ومما احتج به الشافعى على حلها ولو تعمد الترك قوله: {إنَّ الشَّياطين ليوحُون إلى أوليائكم ليجُادلُوكم} وقوله تعالى: {وإنْ أطعْتُموهم إنكُم لمشْركونَ} وذلك أن الجدال قولهم: أخبرنا يا محمد عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ قال: "الله قتلها" فقالوا: كيف تحلون ما قتلتموه أنتم أو كلابكم أو صقوركم فتأكلونه وتحرمون ما قتله الله ولا تأكلونه؟ وقولهم: نأكل مما ذبح باسم إلهكم ولا تأكلون ما ذبح باسم آلهتنا، والمجوس أرسلوا إلى قريش لما نزل تحريم الميتة بهذا الجدال، وعلموهم إياه، وكانت بينهم مكاتبات على الروم، فدل على أن الكلام فى الميتة، والمذكور عليه اسم غير الله، وذكر الله الإشراك وهو بإباحة الميتة، وما ذبح باسم غير الله، وعلمت من ذلك أن الشياطين المجوس مجوس فارس، وهم الذين أوحوا أى أرسلوا بهذا الجدال إلى قريش، وهو قول عكرمة، وأن أولياءهم قريش، وأن الإيحاء هو هذا المذكور، وسأل الجدال. والظاهر أن الشياطين يعم المجوس وشياطين الجن، لأن الكل يوسوس، بل لو قيل شياطين الجن لأمكن، لأنهم الموسوسون للمجوس بالإرسال، ولقريش بالمواطأة، ثم رأيت هذا قول ابن زيد وعبد الله ابن كثير، ووحى شياطين الجن بالوسوسة وألسنة الكهان، ولما جادل قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وقع فى نفوس بعض المؤمنين فنزل: {وإن الشياطين} إلى {لمشركون} ومذهبنا ومذهب الأشعرية، ومذهب المعتزلة وغيرهم أن المعنى وإن أطعتموهم فى إباحة الميتة كنتم مشركين. وقالت الصفرية بأنواعهم: إن أطعتموهم فى أكلها ولو بدون إباحة أشركتم، والهاء فى أطعتموهم عائدة إلى الأولياء الراجع إليهم واو يجادل، والكلام محطة ذلك، ولو أمكن عودها إلى الشياطين وحدهم أو إليهم وإلى الأولياء: {وإنكم لمشركون} جواب قسم مقدر قبل إرادة الشرط يغنى عن جواب الشرط، وقيل: جواب إن حذفت منه الفاء على القلة، وقيل: لكون الشرط ماضياً، وقيل: جواب إن محذوف أى هلكتم أو فسقتم.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} وحده حين ذبحه أَو نحره أَو رميه أَو طعنه، أَو إِرسال الجارحة إِليه بأَن لم يذكر عليه اسم الله أَو ذكر اسم غيره، أَو ذكر اسمه واسم غيره، وذلك عناد ومناقضة للحق، أَو كسلا ولو من موحد، أَما موحد ذكَّى بلا ذكر لاسم الله ساهيا أَو عامدا فلا بأس بذكاته. سئل صلى الله عليه وسلم عن متروك التسمية فقال: "حديث : كلوا فإن تسمية الله فى قلب كل مؤمن"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذبيحة المسلم حلال وإِن لم يذكر اسم الله عليها"تفسير : ، رواه أَبو داود. وذلك محمول عندنا على من لم يذكر اسم الله نسيانا، وأَما العامد فكالنافى لما فى قلبه، ولفظ الحديث يشمل العامد فقد يقال ليس تركه كنفى ما فى قلبه فإِنه قد يكون تركه لوثوق قلبه به، وذلك الوثوق حاضر. ونعم، قد لا يحضر، وقد يقال إِذا لم يحضر دخل فى نحو الناسى، قيل: وقد يقال أَيضا تركه عمدا استحضار له عمدا، فذلك كذكر، وخبر الآحاد يخصصه القرآن عند الشافعى، وذلك رواية عن ابن عباس ويدل له قوله تعالى {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} لأَنه فسق لكونه أَهل به لغير الله كما يجئ فى السورة، والموحد لا يهل به لغير الله، ولإِجماع الأُمة على أَنه لا يفسق آكل ذبيحة الموحد التارك للتسمية لوجود الخلاف فى ذلك، ولأَن ذلك جملة اسمية مؤكدة بأَن واللام مع تأكيد النهى بهن الدال على عدم حل شئ ولا يليق مثله بأَكل ذبيحة الموحد، ولأَنه يشرك الإِنسان لو أَطاع المشركين فى استحلال الميتة والمذبوح على أَصنامهم لا فى متروك التسمية، ولأَن قوله وإِنه لفسق حال مقيدة للنهى، والفسق الإِهلال لغير الله، ولأَن الشياطين يوحون فى ذلك إِلى أَوليائهم المشركين ليجادلوكم أَيها الموحدون لأَن مجادلتهم فى أَنه كيف حل ماقتلتم ولم يحل ما قتل الله؟ وكيف يحل قتيل الصقر ولا يحل قتيل الله؟ وفى أَنا نأكل ما تذبحون باسم إِلهكم الواحد وأَنتم لا لا تأْكلون ما ذبح باسم آلهتنا المتعددة؟ ولما كان الجدال فى ذلك خص النهى به، وقيل: إِن ترك الموحد التسمية عمدا فسدت الذبيحة، وهو قول أَبى حنيفة، وحجته ذكر الفسوق وهو لا يحصل بالنسيان، والهاء لترك التسمية لأَنه أَقرب مذكور، وأَنه سئل صلى الله عليه وسلم عن ترك التسمية ناسياً فقال: "حديث : كلوه فإِن تسمية الله فى قلب كل مسلم"تفسير : . وقال ابن سيرين: تحرم ولو نسيانا أَخذا بعموم الآية. وأَعاد الهاءَ للآكل. وبه قال داود وأَحمد. وفى فقه الحنفية أَنه قول أَبى حنيفة. ونسب لمالك، ونسب إِليه قول أَنه لا تحرم ولو عمداً. ونسب إِليه الفخر أَنها تحرم ولو نسياناً. ونقل ابن الجوزى عن أَحمد أَنها لا تحرم ولو عمدا، وأَعادوا الهاءَ إِلى ما والفسق على ظاهره فى الكل، ولو عاد الهاء إِلى ما على تقدير مضاف، أَى أَن أَكله فسق وإِن يقدر فمعناه مفسوق به. ونسب للشافعى أَنه لا يحرم متروك التسمية عمداً. وشنع عليه قوم حتى قيل خرق للإِجماع قبله، وحرمه ابن عمر ولو ناسياً، وقال أَبو يوسف: إِن قضى قاض بحل المتروك التسمية عمداً لم ينفذ قضاؤه ولا إِفتاؤه إِن أَفتى لخرق الإِجماع، والاية فى تحريم ما ذبح على الأَصنام والسياق يدل له، وعن ابن عباس فى تحريم الميتات والمنخنقة وما معها، وما لم تفسر به الآية ففى آية أُخرى، والواو حالية فى وإِنه، أَو عطف إِخبار اسمى على طلب فعلى، والقسم محذوف، أَى والله إِن أَطعتموهم فى استحلال أَكل الميتة واستحلال ترك التسمية، وإِنكم لمشركون جواب القسم، ولو كان جواب إِن لقرن بالفاء، وقيل هو جوابها لم يقرن لأَن الشرط ماض، وليس بشئ، ونسب للمبرد ولو بلا كون شرط ماضيا، وتمسكت الصفرية بالآية على أَن فاعل الكبيرة مشرك، يقولون: وإِن أَطعتموهم فى أَكلها، وليس كذلك فإِن المعنى إِن أَطعتموهم فى استحلالها، وله فى هذا رسالة ظاهرت بها أَهل عمان على الصفرية، وقيل: المراد بالشياطين مردة المجوس وبأوليائهم مشركو قريش، سمعوا نزول تحريم الميتة فكاتبوا قريشاَ بأَن ما قتله الله أَحق بالحل فجادل قريش الصحابة فكان فى أَنفسهم شئ فنزلت الآية{وإِن الشياطين ليوحون إِلى أَوليائهم}.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أي من الحيوان كما هو المتبادر، والآية ظاهرة في تحريم متروك التسمية، عمداً كان أو نسياناً، وإليه ذهب داود. وعن أحمد والحسن وابن سيرين والجبائي مثله، وقال الشافعي بخلافه لما رواه أبو داود وعبد بن حميد عن راشد بن سعد مرسلا «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله تعالى أو لم يذكر». وعن مالك وهي الرواية المعول عليها عند أئمة مذهبه أن متروك التسمية عمدا لا يؤكل سواء كان تهاوناً أو غير تهاون، ولأشهب قول شاذ بجواز غير المتهاون في ترك التسمية عليه. وزعم بعضهم أن مذهب مالك كمذهب الشافعي، وآخرون أنه كمذهب داود ومن معه، وما ذكرناه هو الموجود في «كتب المالكية» وأهل مكة أدرى بشعابها. ومذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه التفرقة بين العمد والنسيان كالصحيح من مذهب مالك، قال العلامة الثاني: إن الناسي على مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ليس بتارك للتسمية بل هي في قلبه على ما روي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن متروك التسمية ناسياً فقال عليه الصلاة والسلام: "كلوه فإن تسمية الله تعالى في قلب كل مسلم" تفسير : ولم يلحق به العامد إما لامتناع تخصيص الكتاب بالقياس وإن كان منصوص العلة، وإما لأنه ترك التسمية عمداً فكأنه نفى ما في قلبه، واعترض بأن تخصيص العام الذي خص منه البعض جائز بالقياس المنصوص العلة وفاقاً وبأنا لا نسلم أن التارك عمدا بمنزلة النافي لما في قلبه بل ربما يكون لوثوقه بذلك وعدم افتقاره لذكره، ثم قال: فذهبوا إلى أن الناسي خارج بقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} إذ الضمير عائد إلى المصدر المأخوذ من مضمون {لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} وهو الترك لكونه الأقرب، ومعلوم أن الترك نسياناً ليس بفسق لعدم تكليف الناسي والمؤاخذة عليه فيتعين العمد. واعترض ما ذكر بأن كون ذلك فسقاً لا سيما على وجه التحقيق والتأكيد خلاف الظاهر ولم يذهب إليه أحد ولا يلائم قوله تعالى: { أية : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } تفسير : [الأنعام: 145] مع أن القرآن يفسر بعضه بعضاً سيما في حكم واحد وبأن ما لم يذكر اسم الله عليه يتناول الميتة مع القطع بأن ترك التسيمة عليها ليس بفسق، وبعضهم أرجع الضمير إلى (ما) بمعنى الذبيحة وجعلها عين الفسق على سبيل المبالغة لكن لا بد من ملاحظة كونها متروكة التسمية عمداً إذ لا فسق في النسيان وحينئذ لا يصح الحمل أيضاً ومما تقدم يعلم ما فيه. وذكر العلامة للشافعي في دعوى حل متروك التسمية عمداً أو نسياناً وحرمة ما ذبح على النصب أو مات حتف أنفه وجوهاً الأول أن التسمية على ذكر المؤمن وفي قلبه ما دام مؤمناً فلا يتحقق منه عدم الذكر فلا يحرم من ذبيحته إلا ما أهل به لغير الله تعالى./ الثاني: أن قوله سبحانه: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } على وجه التحقيق والتأكيد لا يصح في حق أكل ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه عمداً كان أو سهواً إذ لا فسق بفعل ما هو محل الاجتهاد. الثالث: أن هذه الجملة في موقع الحال إذ لا يحسن عطف الخبر على الإنشاء، وقد بين الفسق بقوله عز شأنه: {أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } فيكون النهي عن الأكل مقيد بكون ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه قد أهل به لغير الله تعالى فيحل ما ليس كذلك إما بطريق مفهوم المخالفة وإما بحكم الأصل، وإما بالعمومات الواردة في حل الأطعمة. وهذا خلاصة ما ذكره الإمام في مجلس تذكير عقده له سلطان خوارزم فيها بمحضر منه ومن جلة الأئمة الحنفية. وعليه لا حاجة للشافعية إلى دليل خارجي في تخصيص الآية. واعترض بأنه يقتضي أن لا يتناول النهي أكل الميتة مع أنه سبب النزول، وبأن التأكيد بإن. واللام ينفي كون الجملة حالية لأنه إنما يحسن فيما قصد الإعلام بتحققه البتة والرد على منكر تحقيقاً أو تقديراً على ما بين في علم المعاني والحال الواقع في الأمر والنهي مبناه على التقدير كأنه قيل: لا تأكلوا منه إن كان فسقاً فلا يحسن وإنه لفسق بل وهو فسق. ومن هنا ذهب كثير إلى أن الجملة مستأنفة. وأجيب عن الأول بأنه دخل في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } ما أهل به لغير الله وبقوله جل شأنه: {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ } الخ الميتة فيتحقق قولهم: إن النهي مخصوص بما أهل به لغير الله تعالى أو مات حتف أنفه. وأجاب العلامة عن الثاني بأنه لما كان المراد بالفسق هٰهنا الإهلال لغير الله تعالى كان التأكيد مناسباً كأنه قيل: لا تأكلوا منه إذا كان هذا النوع من الفسق الذي الحكم به متحقق والمشركون ينكرونه، ومنهم من تأول الآية بالميتة لأن الجدال فيها كما ستعلم قريباً إن شاء الله تعالى. واستظهر رجوع الضمير إلى الأكل الذي دل عليه {وَلاَ تَأْكُلُواْ } والذي يلوح من كلام بعض المحققين أن ما لم يذكر اسم الله عليه عام لما أهل به لغير الله تعالى ولمتروك التسمية عمداً أو سهواً ولما مات حتف أنفه لأنه سبب نزول الآية. والتحقيق أن العام الظاهر متى ورد على سبب خاص كان نصاً في السبب ظاهراً باقياً على ظهوره فيما عداه. وأنه لا بد لمبيح منسي التسمية من مخصص وهو الخبر المشتمل على السؤال والجواب وادعى أن هذا عند التحقيق ليس بتخصيص بل منع لاندراج المنسي في العموم مستند بالحديث المذكور. ويؤيد بأن العام الوارد على سبب خاص وإن قوي تناوله للسبب حتى ينتهض الظاهر فيه نصاً إلا أنه ضعيف التناول لما عداه حتى ينحط عن أعالي الظواهر فيه ويكتفي من معارضة ما لا يكتفي به منه لولا السبب انتهى. ولا يخفى ما فيه لمن أحاط خبراً بما ذكره العلامة قبل. وذكر كثير من أصحابنا أن قول الشافعي عليه الرحمة مخالف للإجماع إذ لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامداً وإنما الخلاف بينهم في متروكها ناسياً فمذهب ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه يحرم ومذهب علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله عنهما أنه يحل ولم يختلفوا في حرمة متروك التسمية عامداً ولهذا قال أبو يوسف والمشايخ رحمهم الله تعالى: إن متروك التسمية عامداً لا يسع فيه الاجتهاد ولو قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لكونه مخالفاً للإجماع وإن ظاهر الآية يقتضي شمولها لمتروك التسمية نسياناً إلا أن الشرع جعل الناسي ذاكراً لعذر من جهته وفي ذلك رفع للحرج فإن الإنسان كثير النسيان. وقول بعض الشافعية عليهم الرحمة: إن التسمية لو كانت شرطاً للحل لما سقط بعذر النسيان كالطهارة في / باب الصلاة مفض إلى التسوية بين العمد والنسيان، وهي معهودة فيما إذا كان على الناسي هيئة مذكرة كالأكل في الصلاة والجماع في الإحرام لا فيما إذا لم يكن كالأكل في الصيام، وهنا إن لم تكن هيئة توجب النسيان وهي ما يحصل للذابح عند زهوق روح حيوان من تغير الحال فليس هيئة مذكرة بموجودة. والحق عندي أن المسألة اجتهادية وثبوت الإجماع غير مسلم ولو كان ما كان خرقه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، واستدلاله على مدعاه على ما سمعت لا يخلو عن متانة، وقول الأصفهاني كما في «المستصفى» أفحش الشافعي حيث خالف سبع آيات من القرآن ـ ثلاث منها في سورة الأنعام، الأولى: [118] { أية : فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } تفسير : والثانية: [119] { أية : وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } تفسير : والثالثة: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } وثلاث في سورة الحج، الأولى: [82] { أية : لّيَشْهَدُواْ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ } تفسير : والثانية: [43] { أية : وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} تفسير : والثالثة: [63] { أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُمْ مّن شَعَـٰئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } تفسير : وآية [4] في المائدة { أية : فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ }تفسير : ـ من الفحش في حق هذا الإمام القرشي، ومثاره عدم الوقوف على فضله وسعة علمه ودقة نظره، وبالجملة الكلام في الآية واسع المجال وبها استدل كل من أصحاب هاتيك الأقوال. وعن عطاء وطاوس أنهما استدلا بظاهرها على أن متروك التسمية حيواناً كان أو غيره حرام، وسبب النزول يؤيد خلاف ذلك كما علمت والاحتياط لا يخفى. {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ} أي إبليس وجنوده {لَيُوحُونَ} أي يوسوسون {إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ } الذين اتبعوهم من المشركين قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: المراد بالشياطين مردة المجوس فإيحاؤهم إلى أوليائهم ما أنهوا إلى قريش حسبما حكيناه عن عكرمة {لِيُجَـٰدِلُوكُمْ } أي بالوساوس الشيطانية أو بما نقل من أباطيل المجوس {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } في استحلال الحرام {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } ضرورة أن من ترك طاعة الله تعالى إلى طاعة غيره واستحل الحرام واتبعه في دينه فقد أشركه به تعالى بل آثره عليه سبحانه. ونقل الإمام عن الكعبي أنه قال: «الآية حجة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات وإن كان معناه في اللغة التصديق كما جعل تعالى الشرك اسماً لكل ما كان مخالفاً لله عز وجل وإن كان في اللة مختصاً بمن يعتقد أن لله تعالى شأنه شريكاً بدليل أنه سبحانه سم طاعة المؤمنين للمشركين في إباحة الميتة شركاً، ثم قال: ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من الشرك هٰهنا اعتقاد أن لله تعالى شريكاً في الحكم والتكليف؟ وبهذا التقدير يرجع معنى هذا الشرك إلى الاعتقاد فقط» انتهى. والظاهر أن التعبير عن هذه الإطاعة بالشرك من باب التغليظ ونظائره كثيرة والكلام هنا كما قال أبو حيان وغيره على تقدير القسم وحذف لام التوطئة أي ولئن أطعتموهم والله أنكم لمشركون وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده. وجعل أبو البقاء ـ وتبعه بعضهم ـ المذكور جواب الشرط ولا قسم وادعى أن حذف الفاء منه حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي كما هنا واعترض بأن هذا لم يوجد في كتب العربية بل اتفق الكل على وجوب الفاء في الجملة الاسمية ولم يجوزوا تركها إلا في ضرورة الشعر وفيه أن المبرد أجاز ذلك في الاختيار كما ذكره المرادي في «شرح التسهيل».

ابن عاشور

تفسير : جملة: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} معطوفة على جملة: { أية : فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه } تفسير : [الأنعام: 118]. و(ما) في قوله: {مما لم يذكر اسم الله عليه} موصولة، وما صْدق الموصول هنا: ذَكِيَ، بقرينة السّابق الّذي ما صْدقه ذلك بقرينة المقام. ولمّا كانت الآية السّابقة قد أفادت إباحة أكل ما ذكر اسمُ الله عليه، وأفهمت النّهيَ عمَّا لم يذكر اسم الله عليه، وهو الميتة، وتَمّ الحكم في شأن أكل الميتة والتفرقةُ بينها وبين ما ذُكّي وذُكر اسم الله عليه، ففي هذه الآية أفيد النّهي والتّحذير من أكل ما ذُكر اسم غيرِ الله عليه. فمعنى: {لم يذكر اسم الله عليه}: أنَّه تُرِك ذكر اسم الله عليه قصداً وتجنّبا لذكره عليه، ولا يكون ذلك إلاّ لقصد أن لا يكون الذّبح لله، وهو يساوي كونه لغير الله، إذ لا واسطة عندهم في الذكاة بين أن يذكروا اسم الله أو يذكروا اسم غير الله، كما تقدّم بيانه عند قوله: { أية : فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه } تفسير : [الأنعام: 118]. وممّا يرشّح أنّ هذا هو المقصود قولُه هنا: {وإنه لفسق} وقوله في الآية الآتية: { أية : أو فِسْقا أهِلّ لغير الله به } تفسير : [الأنعام: 145]، فعلم أنّ الموصوف بالفسق هنا: هو الّذي وصف به هنالك، وقيد هنالك بأنَّه أُهلّ لغير الله به، وبقرينة تعقيبه بقوله: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} لأنّ الشّرك إنَّما يكون بذكر أسماء الأصنام على المذكَّى، ولا يكون بترك التّسمية. وربّما كان المشركون في تَحيّلهم على المسلمين في أمر الذكاة يقتنعون بأن يسألوهم ترك التّسمية، بحيث لا يُسمّون الله ولا يسمّون للأصنام، فيكون المقصود من الآية: تحذير المسلمين من هذا التّرك المقصود به التمويه، وأن يسمّى على الذّبائح غيرُ أسماء آلهتهم. فإن اعتددنا بالمقصد والسّياق، كان اسم الموصول مراداً به شيء معيّن، لم يذكر اسم الله عليه، فكان حكمها قاصراً على ذلك المعيّن، ولا تتعلّق بها مسألةُ وجوب التّسمية في الذكاة، ولا كونها شرطاً أو غير شرط بله حكم نسيانها. وإن جعلنا هذا المقصد بمنزلة سبب للنّزول، واعتددنا بالموصول صادقاً على كلّ ما لم يذكر اسم الله عليه، كانت الآية من العامّ الوارد على سبب خاصّ، فلا يخصّ بصورة السّبب، وإلى هذا الاعتبار مال جمهور الفقهاء المختلفين في حكم التّسمية على الذّبيحة. وهي مسألة مختلف فيها بين الفقهاء على أقوال: أحدها: أنّ المسلم إن نسي التّسمية على الذبح تؤكل ذبيحته، وإن تعمَّد ترك التّسمية استخفافاً أو تجنّبا لها لم تؤكل (وهذا مثل ما يفعله بعض الزّنوج من المسلمين في تونس وبعض بلاد الإسلام الّذين يزعمون أنّ الجنّ تمتلكهم، فيتفادَون من أضرارها بقرابين يذبحونها للجنّ ولا يسمّون اسم الله عليها، لأنَّهم يزعمون أنّ الجنّ تنفر من اسم الله تعالى خِيفة منه، (وهذا متفشّ بينهم في تونس ومصر) فهذه ذبيحة لا تؤكل. ومستند هؤلاء ظاهر الآية مع تخصيصها أو تقييدها بغير النّسيان، إعمالاً لقاعدة رفع حكم النّسيان عن النّاس. وإنْ تعمّد ترك التّسمية لا لقصد استخفاف أو تجنّب ولكنّه تثاقل عنها، فقال مالك، في المشهور، وأبو حنيفة، وجماعة، وهو رواية عن أحمد: لا تؤكل. ولا شكّ أنّ الجهل كالنّسيان، ولعلّهم استدلّوا بالأخذ بالأحوط في احتمال الآية اقتصارا على ظاهر اللّفظ دون معونة السِياق. الثّاني: قال الشّافعي، وجماعة، ومالك، في رواية عنه: تؤكل، وعندي أنّ دليل هذا القول أنّ التّسمية تكملة للقربة، والذكاة بعضها قربة وبعضها ليست بقربة، ولا يبلغ حكم التّسمية أن يكون مفسداً للإباحة. وفي «الكشاف» أنَّهم تأوّلوا ما لم يذكر اسم الله عليه بأنَّه الميتة خاصّة، وبما ذُكر غيرُ اسم الله عليه. وفي «أحكام القرآن» لابن العربي، عن إمام الحرمين: ذِكر الله إنَّما شرع في القُرَب، والذبحُ ليس بقربة. وظاهر أنّ العامد آثم وأنّ المستخفّ أشدّ إثماً. وأمّا تعمّد ترك التّسمية لأجل إرضاءِ غير الله فحكمه حكم من سمَّى لِغير الله تعالى. وقيل: إنْ ترَك التّسميةَ عمداً يُكره أكلها، قاله أبو الحسن بن القصّار، وأبو بكر الأبهري من المالكيّة. ولا يعدّ هذا خلافاً، ولكنّه بيان لقول مالك في إحدى الرّوايتين. وقال أشهب، والطبرِي: تؤكل ذبيحة تارك التّسمية عمداً، إذا لم يتركها مستخِفاً. وقال عبد الله بن عمر، وابن سيرين، ونافِع، وأحمد بن حنبل، وداودُ: لا تؤكل إذا لم يسمّ عليها عَمْداً أو نسياناً، أخذاً بظاهر الآية، دون تأمّل في المقصد والسّياق. وأرجح الأقوال: هو قول الشّافعي. والرّوايةُ الأخرى عن مالك، إنْ تعمّد ترك التّسميه تؤكل، وأنّ الآية لم يُقْصد منها إلاّ تحريم ما أهل به لغير الله بالقرائن الكثيرة التي ذكرناها آنفاً، وقد يكون تارك التّسمية عمداً آثماً، إلاّ أنّ إثمه لا يُبطل ذكاته، كالصّلاة في الأرض المغصوبة عند غير أحمد. وجملة: {وإنه لفسق} معطوفة على جملة {ولا تأكلوا} عطف الخبر على الإنشاء، على رأي المحقّقين في جوازه، وهو الحقّ، لا سيما إذا كان العطف بالواو، وقد أجاز عطف الخبر على الإنشاء بالواو بعض من منعه بغير الواو، وهو قول أبي عليّ الفارسي، واحتجّ بهذه الآية كما في «مغنى اللّبيب». وقد جعلها الرّازي وجماعة: حالاً {مما لم يذكر اسم الله عليه} بناء على منع عطف الخبر على الإنشاء. والضّمير في قوله: {وإنه لفسق} يعود على {مما لم يذكر اسم الله عليه} والإخبار عنه بالمصدر وهو {فسق} مبالغة في وصف الفعل، وهو ذكرُ اسم غير الله، بالفسق حتّى تجاوز الفسق صفة الفعل أن صار صفة المفعول فهو من المصدر المراد به اسم المفعول: كالخَلق بمعنى المخلوق، وهذا نظير جعله فسقاً في قوله بعدُ: { أية : أو فسقاً أهِلّ لغير الله به } تفسير : [الأنعام: 145]. والتّأكيد بإنّ: لزيادة التّقرير، وجعل في «الكشاف» الضّمير عائداً إلى الأكل المأخوذ من {ولا تأكلوا}، أي وإنّ أكْلَه لفسق. وقوله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} عطف على: {وإنه لفسق}، أي: واحذروا جَدَل أولياء الشّياطين في ذلك، والمراد بأولياء الشّياطين: المشركون، وهم المشار إليهم بقوله، فيما مرّ: { أية : يُوحي بعضهم إلى بعض } تفسير : [الأنعام: 112] وقد تقدّم بيانه. والمجادلة المنازعة بالقول للإقناع بالرأي، وتقدّم بيانها عند قوله تعالى: { أية : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } تفسير : في سورة النساء (107)، والمراد هنا المجادلة في إبطال أحكام الإسلام وتحبيب الكفر وشعائره، مثل قولهم: كيف نأكل ما نقتل بأيدينا ولا نأكل ما قتله الله. وقوله: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} حُذف متعلّق {أطعتموهم} لدلالة المقام عليه، أي: إن أطعتموهم فيما يجادلونكم فيه، وهو الطّعن في الإسلام، والشكّ في صحّة أحكامه. وجملة: {إنكم لمشركون} جواب الشّرط. وتأكيد الخبر بإنّ لتحقيق التحاقهم بالمشركين إذا أطاعوا الشّياطين، وإن لم يَدْعوا لله شركاء، لأنّ تخطئة أحكام الإسلام تساوي الشرك، فلذلك احتيج إلى التّأكيد، أو أراد: إنَّكم لصائرون إلى الشّرك، فإنّ الشّياطين تستدرجكم بالمجادلة حتّى يبلغوا بكم إلى الشرك، فيكون اسم الفاعل مراداً به الاستقبال. وليس المعنى: إن أطعتموهم في الإشراك بالله فأشركتم بالله إنَّكم لمشركون، لأنَّه لو كان كذلك لم يكن لتأكيد الخبر سبب، بل ولا للإخبار بأنّهم مشركون فائدة. وجملة: {إنكم لمشركون} جواب الشرط، ولم يَقترن بالفاء لأنّ الشّرط إذا كان مضافاً يحسن في جوابه التّجريد عن الفاء، قاله أبو البقاء العُكبري، وتبعه البيضاوي، لأنّ تأثير الشّرط الماضي في جزائه ضعيف، فكما جاز رفع الجزاء وهو مضارع، إذا كان شرطه ماضياً، كذلك جاز كونه جملة اسميّة غير مقترنة بالفاء. على أنّ كثيراً من محقّقي النّحويين يجيز حذف فاء الجواب في غير الضّرورة، فقد أجازه المبرّد وابن مالك في شرحه على «مشكل الجامع الصّحيح». وجعل منه قوله صلى الله عليه وسلم « حديث : إنك إنْ تَدَعْ ورثتَك أغنياء خيرُ من أن تدعهم عالة » تفسير : على رواية إنْ ــــ بكسر الهمزة ــــ دون رواية ــــ فتح الهمزة ــــ.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 121- وإذا كانت الأنعام حلالا لكم بذبحها، فلا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه عند ذبحه إذا تركت فيه التسمية عمداً، أو ذكر فيه اسم غير الله تعالى، فإن هذا فسق وخروج عن حكم الله.. وإن العتاة المفسدين من إبليس وأعوانه ليوسوسون فى صدور من استولوا عليهم، ليجادلوكم بالباطل. وليجروكم إلى تحريم ما أحل الله، وإن اتبعتموهم فإنكم مثلهم فى الإشراك بالله. 122- وإنكم بإيمانكم لستم مثل المشركين فى شئ، فليس حال مَنْ كان كالميت فى ضلاله فأنار الله بصيرته بالهداية التى هى كالحياة، وجعل له نور الإيمان والحُجج والبينات، يهتدى به ويمشى على ضوئه، كحال الذى يعيش فى الظلام المتكاثف. وكما زين الله الإيمان فى قلوب أهل الإيمان، زين الشيطان الشرك فى نفوس الظالمين الجاحدين. 123- لا تعجب - أيها النبى - إذا رأيت أكابر المجرمين فى مكة يدبرون الشر ويتفننون فيه!. فكذلك الشأن فى كل مدينة كبيرة يدبر الشر فيها الأكابر من المجرمين، وعاقبته عليهم، وهم لا يشعرون ولا يحسون بذلك. 124- وإن هؤلاء الكبار من المجرمين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من علم ونبوة وهداية، فإذا جاءتهم حُجة قاطعة لا يذعنون لها، ولكن يقولون: لن نذعن للحق حتى ينزل علينا الوحى كما ينزل على الرسل، والله - وحده - هو الذى يصطفى لرسالته من يشاء من خلقه، وإن هؤلاء المعاندين إذا كانوا يطلبون الرياسة بهذا العناد، فسينالهم الصَغار والذل فى الدنيا بسببه، وسينالهم العذاب الشديد فى الآخرة بسبب تدبيرهم السيئ.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيَاطِينَ} {أَوْلِيَآئِهِمْ} {لِيُجَادِلُوكُمْ} (121) - فَلاَ تَأْكُلُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ مِمَّا مَاتَ فَلَمْ تَذْبَحُوهُ، وَلا مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ، مِمَّا ذَبَحَهُ المُشْرِكُونَ لأَِوْثَانِهِمْ، فَإِنَّ أَكْلَ ذَلِكَ فِسْقٌ وَمَعْصِيَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ حَنْبَلٍ: إِنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ عَمْداً أَوْ سَهْواً يَجْعَلُ الذَّبِيحَةَ غَيْرَ حَلاَلٍ. وَقَالاَ الذَّبْحُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ فِسْقٌ، وَكَذَلِك الأَكْلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ التِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهَا فِسْقٌ. - وَقَالَ الشَّافِعِي: لاَ تُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، فَإِنْ تُرِكَتْ عَمْداً أَوْ سَهْواً فَلاَ ضَرَرَ فِي ذَلِكَ، وَيَحِلّ الأَكْلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ. وَقَالَ إنَّ المُحَرَّمَ هُوَ مَا ذُبِحَ لِغَيرِ اللهِ، كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ قُرَيشٌ مِنْ نَحْرِ الذَّبَائِحِ لِْلأَوْثَانِ. - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ نِسْيَاناً لاَ يَضُرُّ، أَمَّا تَرْكُها عَمْداً فَيَجْعَلُها غَيْرَ حَلاَلٍ. وَإِنَّ شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ ليُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ بِالوَسْوَسَةِ بِمَا يُجَادِلُونَكُمْ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ فَقَدْ جَادَلَتِ اليَهُودُ النَّبِيَّ: فَقَالُوا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلْنَا، وَلاَ نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللهُ (أَيْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفهِ). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، أَرْسَلَتْ فَارِسُ إِلى قُرَيْشٍ أَنْ خَاصِمُوا مُحَمَّداً، وَقُولُوا لَهُ: فَمَا تَذْبَحُ أَنْتَ بِسِكِّينٍ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَمَا ذَبَحَ اللهُ بِشَمْشِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ (أَيْ المَيْتَةَ) فَهُوَ حَرَامٌ؟ وَسَمِعَ بَعْضُ المُسْلِمينَ هَذَا القَوْلَ فَوَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ ...) ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: فَإِنْ أَطَعْتُم المُشْرِكِينَ فِي أَكْلِ المَيْتَةِ فَإِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، لأَِنَّكُمْ تَكُونُونَ قَدْ عَدَلْتُمْ عَنْ شَرْعِ اللهِ وَأَمْرِهِ، إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِ، فَقَدَّمْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا يسمى الحق ما لم يذكر اسم الله عليه بـ"الفسق" وهو ما تشرحه الآية الأخرى وتبرزه باسم مخصوص: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الأنعام: 145] إذن فـ "فسقاً" معطوفة على الميتة والدم المسفوح ولحم خنزير، لكنه سبحانه فصل بين المعطوف وهو "فسقاً"؛ والمعطوف عليه بحكم يختص بالمعطوف عليه، وهذا الحكم هو الرجس وهكذا أخذت الثلاثة المحرمات حكم الرجس. وعطف عليها ما ذبح عليه اسم غير الله كالأصنام وهو قد جمع بين الرجس والفسق. ويقول الحق: {وإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} وسبحانه يريد أن يبين لنا أن الفطرة السليمة التي لا يميلها هوى تصل إلى حقائق الخير، ولذلك نجد أن الذين يحثون ويحض بعضهم بعضا على الشر ويعلم بعضهم بخفاء إنما يأخذون مقام الشيطان بالوسوسة والتحريض على العصيان والكفر؛ لأن المسألة الفطرية تأبى هذا، وحين يرتكب إنسان موبقة من الموبقات، إنما يلف لها وبتحايل ليصل إلى ارتكاب الموبقة، وقد يوحي بذلك إلى غيره، فيدله على الفساد. ويكون بذلك في مقام الشياطين الذين يوحون إلى أوليائهم بإعلام خفي؛ لأن الفطرة السليمة تأبى الأشياء الشريرة وتقف أيضاً فيها، ولا يجعلها تتقدم إلى الشر إلى الهوى، فإذا ما أراد شيطان من الإنس أو شيطان من الجن أن يزيّن للناس فعلاً فهو لا يعلن ذلك مباشرة. إنما يلف ويدور بكلام ملفوف مزين. {وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} وفي ذلك إشارة إلى قول المشركين: تأكلون ما قتلتم أنتم ولا تأكلون ما قتل الله وأنتم أولى أن تأكلوا مما قتل الله. {..وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] وكأن مجرد الطاعة لهؤلاء المشركين لون من الشرك؛ لأن معنى العبادة امتثال وائتمار عابد لمعبود أمراً ونهياً، فإذا أخذت أمراً من غير الله فإنه يخرج بك عن صلب وقلب منهجه سبحانه وبذلك تكون قد أشركت به. ويقول الحق بعد ذلك: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ..}

الجيلاني

تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} حين ذبحه {وَإِنَّهُ} أي: أكلكم منه {لَفِسْقٌ} خروج عن حكم الله بمتابعة أهل الأهواء الضالين عن طريق الحق بوسوسة الشياطين، ولا تغفلوا من وسوستهم {وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ} يلقون ويسوسون {إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} من أهل الأهواء {لِيُجَٰدِلُوكُمْ} أيها المؤمنون حتى يضلوكم عن طريق الحق سيما في المآكل والمشارب {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] لأنه من أطاع غير الله فقد أشرك به. {أَوَ مَن كَانَ} منكم {مَيْتاً} بالجهل والكفر {فَأَحْيَيْنَٰهُ} بالمعرفة والإيمان {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} هداياً منيراً كان {كَمَن مَّثَلُهُ} وصفه وشأنه {فِي ٱلظُّلُمَٰتِ} المتراكمة والمتزاحمة وهي ظلمة الجهل والكفر والعصيان، واعتقاده أنه {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} لعدم تناهيها فأنقذه الله من ظلمة الضلالة بنور الهداية وهداء إلى صراط مستقيم هو الإسلام {كَذَلِكَ} أي: مثل تزيين الإيمان للمؤمن {زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] من الكفر والعصيان. {وَكَذٰلِكَ} أي: كما جعل في مكبة أكابر وصناديد يجرمون فيها جرائم عظيمة {جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ} أي: قدرنا فيها {أَكَٰبِرَ} كانوا {مُجْرِمِيهَا} ومترفيها {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} بأنواع المكر والحيل ليضلوا ضعفاء العوام {وَمَا يَمْكُرُونَ} هؤلاء الماكرون {إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ} لأن وبال مكرهم يعود عليهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123] لقساوة لقولبهم وشدة عمههم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]؛ أي: ولا تأكلوا طعاماً إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله؛ ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121]؛ يعني: ظلمة الطعام وشهوته؛ مؤدية إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الظلمة النفسانية، وفي قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ} [الأنعام: 121]؛ إشارة إلى: إن للشياطين مجالاً في الوسوسة، إذ كانت النفوس أوليائهم في المجادلة مع القلوب؛ ليدعوها إلى متابعة الهوى وترك طلب المولى، [وتشوف] النفس [وهم] أولياء الشياطين في هذا المعنى، ولا يكون للشيطان مجال في وسوسة القلوب ثم قال تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} [الأنعام: 121]؛ يعني: في ترك طلب المولى ومتابعة الهوى {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]؛ لأنكم تعبدون الهوى مع المولى، كما قال تعالى: {أية : أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الفرقان: 43]. ثم أخبر عن طالب المولى متابعي الهوى بقوله تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ} [الأنعام: 122]، إلى قوله: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} [الأنعام: 124]. والإشارة فيها: إن الله تعالى هو الحي القيوم الذي ما كان ميتاً ولا يموت أبداً وما سواه فهو ميت؛ لأنه كان ميتاً في الدعم وسيموت، فقوله: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً} [الأنعام: 122]؛ أي: من الحياة الحقيقية فأحييناه بالحياة الحقيقية، وهي معنى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} [الأنعام: 122]، أي: نور الوجود الحقيقي الذي صار به قيامه في جميع أحواله، كما قال تعالى: "حديث : فبي يبصر وبي يسمع ". تفسير : {كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام: 122]؛ يعني: كالذي هو باقٍ في ظلمات الوجود المجازي كالموتى في قبور القالب لا يمكنه الخروج منها، وأيضاً: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} [الأنعام: 122]: أي: بنورنا، {كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ}؛ يعني: محبوس في ظلمات وجوده ليس بخارج منها {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] من أنواع الضلالات يميت قلوبهم ويحيهم في ظلمات وجودهم المجازي {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا} [الأنعام: 123]؛ يعني: كما جعلنا في قلب من أحييناه بنا نوراً كذلك جعلنا في كل قرية كل قالب أكابر من النفوس والهوى والشيطان مجرميها؛ أي: مفسدي حسن استعداداتها لقبول السعادة {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} [الأنعام: 123] بمخالفات الشرع وموافقات الطبع، {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنعام: 123]؛ لأن فساد استعدادهم عائداً إلى أنفسهم بحصول الشقاوة وفوات السعادة، {وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123] ولا شعور لهم على ما يفعلون بأنفسهم وإن مرجعهم إلى النار. {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [الأنعام: 124]؛ أي: النفس والهوى والشياطين من دأبهم ألا يؤمنوا برؤية الآيات؛ إذ جبلوا على الإباء والتمرد والإنكار، ولسان حالهم يقول: {لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} [الأنعام: 124]؛ أي: القلب والسر والروح؛ فإنهم مهبط أسرار الحق وإلهاماته، {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] يخص بها القلب والروح والسر ونفساً تطمئن بذكر الله فيستحق رسالة {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28]، {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ} [الأنعام: 124]؛ يعني: أصحاب النفس الأمارة بالسوء لهم ذلة البعد من عند الله، {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} [الأنعام: 124] فهو عذاب الفرقة والانقطاع، {بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ} [الأنعام: 124]؛ أي: بما افسدوا استعداد الوصلة وهو جزاء مكرهم وكيدهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ويدخل تحت هذا المنهي عنه، ما ذكر عليه اسم غير الله كالذي يذبح للأصنام،وآلهتهم، فإن هذا مما أهل لغير الله به، المحرم بالنص عليه خصوصا. ويدخل في ذلك، متروك التسمية، مما ذبح لله، كالضحايا، والهدايا، أو للحم والأكل، إذا كان الذابح متعمدا ترك التسمية، عند كثير من العلماء. ويخرج من هذا العموم، الناسي بالنصوص الأخر، الدالة على رفع الحرج عنه، ويدخل في هذه الآية، ما مات بغير ذكاة من الميتات، فإنها مما لم يذكر اسم الله عليه. ونص الله عليها بخصوصها، في قوله: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } ولعلها سبب نزول الآية، لقوله { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } بغير علم. فإن المشركين -حين سمعوا تحريم الله ورسوله الميتةَ، وتحليله للمذكاة،وكانوا يستحلون أكل الميتة- قالوا -معاندة لله ورسوله، ومجادلة بغير حجة ولا برهان- أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟ يعنون بذلك: الميتة. وهذا رأي فاسد، لا يستند على حجة ولا دليل بل يستند إلى آرائهم الفاسدة التي لو كان الحق تبعا لها لفسدت السماوات والأرض، ومن فيهن. فتبا لمن قدم هذه العقول على شرع الله وأحكامه، الموافقة للمصالح العامة والمنافع الخاصة. ولا يستغرب هذا منهم، فإن هذه الآراء وأشباهها، صادرة عن وحي أوليائهم من الشياطين، الذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم،ويدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير. { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } في شركهم وتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون الله، ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين، فلذلك كان طريقكم، طريقهم. ودلت هذه الآية الكريمة على أن ما يقع في القلوب من الإلهامات والكشوف،التي يكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم، لا تدل -بمجردها على أنها حق،ولا تصدق حتى تعرض على كتاب الله وسنة رسوله. فإن شهدا لها بالقبول قبلت، وإن ناقضتهما ردت، وإن لم يعلم شيء من ذلك،توقف فيها ولم تصدق ولم تكذب، لأن الوحي والإلهام، يكون الرحمن ويكون من الشيطان،فلا بد من التمييز بينهما والفرقان، وبعدم التفريق بين الأمرين، حصل من الغلط والضلال، ما لا يحصيه إلا الله.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} [121] 191- أنا عمرو بن علي، نا يحيى، نا سفيان، حدثني هارون بن أبي وكيع، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله [عزَّ وجل] {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} قال: خاصمهم المشركون، فقالوا: ما ذبح [الله فَـ] لا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟!

همام الصنعاني

تفسير : 850- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عَنْ قتادةَ في قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ} [الآية: 121]، قال: جادلهم المشركون في الذبيحة. فقالو: أمَّا ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه، وأمَّا ما قَتَل الله فلا تَأْكُلُونه. يَعْني: الميتة، فكنت هذه مجادلتهم إياه. 852- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوْري، عن عَمْرو بن قيس، عن عَمْرو بن مُرَّةَ، عن أبي جعفر، قال: حديث : سُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ المؤمنينَ أَكْيَسُ؟ قال: "أكثرهم ذِكْراً لِلْمَوتِ، وأحْسَنُهُمْ لما بَعْدَهُ اسْتِعْداداً ".