Verse. 911 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

اَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَاَحْيَيْنٰہُ وَجَعَلْنَا لَہٗ نُوْرًا يَّمْشِيْ بِہٖ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُہٗ فِي الظُّلُمٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْہَا۝۰ۭ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكٰفِرِيْنَ مَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۱۲۲
Awa man kana maytan faahyaynahu wajaAAalna lahu nooran yamshee bihi fee alnnasi kaman mathaluhu fee alththulumati laysa bikharijin minha kathalika zuyyina lilkafireena ma kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل في أبي جهل وغيره: «أو من كان ميتا» بالكفر «فأحييناه» بالهدى «وجعلنا له نورا يمشي به في الناس» يتبصر به الحق من غيره وهو الإيمان «كمن مثله» مثل زائدة أي كمن هو «في الظلمات ليس بخارج منها» وهو الكافر؟ لا «كذلك» كما زيِّن للمؤمنين الإيمان «زيِّن للكافرين ما كانوا يعلمون» من الكفر والمعاصى.

122

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المشركين يجادلون المؤمنين في دين الله ذكر مثلاً يدل على حال المؤمن المهتدي، وعلى حال الكافر الضال، فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً، فجعل حياً بعد ذلك وأعطى نوراً يهتدى به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها، فيكون متحيراً على الدوام. ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ زُيّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وعند هذا عادت مسألة الجبر والقدر فقال أصحابنا: ذلك المزين هو الله تعالى، ودليله ما سبق ذكره من أن الفعل يتوقف على حصول الداعي وحصوله لا بد وأن يكون بخلق الله تعالى، والداعي عبارة عن علم أو اعتقاد أو ظن باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد وصلاح راجح، فهذا الداعي لا معنى له إلا هذا التزيين، فإذا كان موجد هذا الداعي هو الله تعالى كان المزين لا محالة هو الله تعالى، وقالت المعتزلة: ذلك المزين هو الشيطان، وحكوا عن الحسن أنه قال: زينه لهم والله الشيطان. واعلم أن هذا في غاية الضعف لوجوه: الأول: الدليل القاطع الذي ذكرناه. والثاني: أن هذا المثل مذكور ليميز الله حال المسلم من الكافر فيدخل فيه الشيطان فإن كان إقدام ذلك الشيطان على ذلك الكفر لشيطان آخر، لزم الذهاب إلى مزين آخر غير النهاية وإلا فلا بد من مزين آخر سوى الشيطان. الثالث: أنه تعالى صرح بأن ذلك المزين ليس إلا هو فيما قبل هذه الآية وما بعدها، أما قبلها فقوله: {أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } تفسير : [الأنعام: 108] وأما بعد هذه الآية فقوله: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا}تفسير : [الأنعام: 123]. المسألة الثانية: قوله: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } قرأ نافع {مَيْتًا } مشدداً، والباقون مخففاً قال أهل اللغة: الميت مخففاً تخفيف ميت، ومعناهما واحد ثقل أو خفف. المسألة الثالثة: قال أهل المعاني: قد وصف الكفار بأنهم أموات في قوله: {أية : أَمْوٰتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ }تفسير : [النحل: 21] وأيضاً في قوله: {أية : لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً } تفسير : [يۤس: 70] وفي قوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ }تفسير : [النمل: 80] وفي قوله: {أية : وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ... وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَحْيَاءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ } تفسير : [فاطر: 19 و22] فلما جعل الكفر موتاً والكافر ميتاً، جعل الهدى حياة والمهتدي حياً، وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جهل، والجهل يوجب الحيرة والوقفة، فهو كالموت الذي يوجب السكون، وأيضاً الميت لا يهتدي إلى شيء، والجاهل كذلك، والهدى علم وبصر، والعلم والبصر سبب لحصول الرشد والفوز بالنجاة، وقوله: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ } عطف على قوله {فَأَحْيَيْنَـٰهُ } فوجب أن يكون هذا النور مغايراً لتلك الحياة والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى أن الأرواح البشرية لها أربع مراتب في المعرفة. فأولها: كونها مستعدة لقبول هذه المعارف وذلك الاستعداد الأصلي يختلف في الأرواح، فربما كانت الروح موصوفة باستعداد كامل قوي شريف، وربما كان ذلك الاستعداد قليلاً ضعيفاً، ويكون صاحبه بليداً ناقصاً. والمرتبة الثانية: أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية، وهي المسماة بالعقل. والمرتبة الثالثة: أن يحاول ذلك الإنسان تركيب تلك البديهيات: ويتوصل بتركيبها إلى تعرف المجهولات الكسبية، إلا أن تلك المعارف ربما لا تكون حاضرة بالفعل، ولكنها تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها، يقدر عليه. والمرتبة الرابعة: أن تكون تلك المعارف القدسية والجلايا الروحانية حاضرة بالفعل، ويكون جوهر ذلك الروح مشرقاً بتلك المعارف مستضيئاً بها مستكملاً بظهورها فيه. إذا عرفت هذا فنقول: المرتبة الأولى: وهي حصول الاستعداد فقط، هي المسماة بالموت. والمرتبة الثانية: وهي أن تحصل العلوم البديهية الكلية فيه فهي المشار إليها بقوله: {فَأَحْيَيْنَـٰهُ }. والمرتبة الثالثة: وهي تركيب البديهيات حتى يتوصل بتركيباتها إلى تعرف المجهولات النظرية، فهي المراد من قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا }. والمرتبة الرابعة: وهي قوله: {يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ } إشارة إلى كونه مستحضراً لتلك الجلايا القدسية ناظراً إليها، وعند هذا تتم درجات سعادات النفس الإنسانية، ويمكن أن يقال أيضاً الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح، والنور عبارة عن إيصال نور الوحي والتنزيل به. فإنه لا بد في الإبصار من أمرين: من سلامة الحاسة، ومن طلوع الشمس، فكذلك البصيرة لا بد فيها من أمرين: من سلامة حاسة العقل، ومن طلوع نور الوحي والتنزيل، فلهذا السبب قال المفسرون: المراد بهذا النور، القرآن. ومنهم من قال: هو نور الدين، ومنهم من قال: هو نور الحكمة، والأقوال بأسرها متقاربة، والتحقيق ما ذكرناه. وأما مثل الكافر {فَهُوَ كَمَنْ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } وفي قوله: {لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } دقيقة عقلية، وهي أن الشيء إذا دام حصوله مع الشيء صار كالأمر الذاتي والصفة اللازمة له. فإذا دام كون الكافر في ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت تلك الظلمات كالصفة الذاتية اللازمة له يعسر إزالتها عنه، نعوذ بالله من هذه الحالة. وأيضاً الواقف في الظلمات يبقى متحيراً لا يهتدي إلى وجه صلاحه فيستولي عليه الخوف والفزع، والعجز والوقوف. المسألة الرابعة: اختلفوا في أن هذين المثلين المذكورين هل هما مخصوصان بإنسانين معينين أو عامان في كل مؤمن وكافر. فيه قولان: الأول: أنه خاص بإنسانين على التعيين، ثم فيه وجوه: الأول: قال ابن عباس: إن أبا جهل رمى النبي صلى الله عليه وسلم بفرث وحمزة يومئذ لم يؤمن، فأخبر حمزة بذلك عند قدومه من صيد له والقوس بيده، فعمد إلى أبي جهل وتوخاه بالقوس، وجعل يضرب رأسه، فقال له أبو جهل: أما ترى ما جاء به؟ سفه عقولنا، وسب آلهتنا، فقال حمزة: أنتم أسفه الناس، تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فنزلت هذه الآية. والرواية الثانية: قال مقاتل: نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل وذلك أنه قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف، حتى إذا صرنا كفرسى رهان، قالوا منا نبي يوحى إليه. والله لا نؤمن به، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية. والرواية الثالثة: قال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل. والرواية الرابعة: قال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل. والقول الثاني: إن هذه الآية عامة في حق جميع المؤمنين والكافرين، وهذا هو الحق، لأن المعنى إذا كان حاصلاً في الكل، كان التخصيص محض التحكم، وأيضاً قد ذكرنا أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، فالقول بأن سبب نزول هذه الآية المعينة، كذا وكذا مشكل، إلا إذا قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن مراد الله تعالى من هذه الآية العامة، فلان بعينه. المسألة الخامسة: هذه الآية من أقوى الدلائل أيضاً على أن الكفر والإيمان من الله تعالى، لأن قوله: {فَأَحْيَيْنَـٰهُ } وقوله: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ } قد بينا أنه كناية عن المعرفة والهدى، وذلك يدل على أن كل هذه الأمور إنما تحصل من الله تعالى وبإذنه، والدلائل العقلية ساعدت على صحته، وهو دليل الداعي على ما لخصناه، وأيضاً أن عاقلاً لا يختار الجهل والكفر لنفسه، فمن المحال أن يختار الإنسان جعل نفسه جاهلاً كافراً، فلما قصد تحصيل الإيمان والمعرفة، ولم يحصل ذلك، وإنما حصل ضده وهو الكفر والجهل، علمنا أن ذلك حصل بإيجاد غيره. فإن قالوا إنما اختاره لاعتقاده في ذلك الجهل أنه علم. قلنا: فحاصل هذا الكلام أنه إنما اختار هذا الجهل لسابقة جهل آخر، فإن كان الكلام في ذلك الجهل السابق كما في المسبوق لزم الذهاب إلى غير النهاية، وإلا فوجب الانتهاء إلى جهل يحصل فيه لإيجاده وتكوينه، وهو المطلوب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} قرأ الجمهور بفتح الواو، دخلت عليها همزة الاستفهام. وروى المُسَيَّبي عن نافع بن أبي نعيم «أَوْ مَنْ كَانَ» بإسكان الواو. قال النحاس: يجوز أن يكون محمولاً على المعنى، أي ٱنظروا وتدبروا أغير اللَّهِ أبتغي حكماً. «أَوْ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ» قيل: معناه كان ميتاً حين كان نطفة فأحييناه بنفخ الروح فيه؛ حكاه ابن بحر. وقال ابن عباس: أو من كان كافراً فهديناه. نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل. وقال زيد بن أسْلم والسُّدّي: «فَأَحْيَيْنَاهُ» عمر رضي الله عنه. «كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ» أبو جهل لعنه الله. والصحيح أنها عامّة في كل مؤمن وكافر. وقيل: كان ميتاً بالجهل فأحييناه بالعلم. وأنشد بعض أهل العلم ما يدل على صحة هذا التأويل لبعض شعراء البصرة:شعر : وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهله فأجسامهم قبل القبور قبورُ وإنّ ٱمرأ لم يَحْيَ بالعلم ميّتٌ فليس له حتى النشور نشورُ تفسير : والنُّور عبارة عن الهُدَى والإيمان. وقال الحسن: القرآن. وقيل: الحكمة. وقيل: هو النور المذكور في قوله: {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} تفسير : [الحديد: 12]، وقوله: {أية : ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}تفسير : [الحديد: 13]. {يَمْشِي بِهِ} أي بالنور {فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} أي كمن هو؛ فمثل زائدة. تقول: أنا أُكرم مثلك؛ أي أكرمك. ومِثله {أية : فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ}تفسير : [المائدة: 95]، {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]. وقيل: المعنى كمن مَثَله مَثَل من هو في الظلمات. والمَثَل والمثل واحد. {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي زين لهم الشيطان عبادة الأصنام، وأوهمهم أنهم أفضل من المسلمين.

البيضاوي

تفسير : {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ} مثل به من هداه الله سبحانه وتعالى وأنقذه من الضلال وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء، فيميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل. وقرأ نافع ويعقوب {مَيْتًا} على الأصل. {كَمَن مَّثَلُهُ} صفته وهو مبتدأ خبره. {فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ} وقوله: {لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } حال من المستكن في الظرف لا من الهاء في مثله للفصل، وهو مثل لمن بقي على الضلالة لا يفارقها بحال. {كَذٰلِكَ} كما زين للمؤمنين إيمانهم. {زُيّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} والآية نزلت في حمزة وأبي جهل وقيل في عمر أو عمار وأبي جهل. {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } أي كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها، و {جَعَلْنَا} بمعنى صيرنا ومفعولاه {أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا} على تقديم المفعول الثاني، أو في كل قرية {أَكَـٰبِرَ } و {مُجْرِمِيهَا} بدل ويجوز أن يكون مضافاً إليه إن فسر الجعل بالتمكين، وأفعل التفضيل إذا أضيف جاز فيه الإفراد والمطابقة ولذلك قرىء «أكبر مجرميها»، وتخصيص الأكابر لأنهم أقوى على استتباع الناس والمكر بهم. {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } لأن وباله يحيق بهم. {وَمَا يَشْعُرُونَ} ذلك. {وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ} يعني كفار قريش لما روي: أن أبا جهل قال زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحي إليه والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} استئناف للرد عليهم بأن النبوة ليست بالنسب والمال وإنما هي بفضائل نفسانية يخص الله سبحانه وتعالى بها من يشاء من عباده فيجتبي لرسالاته من علم أنه يصلح لها، وهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم {رِسَالَتَهُ} {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ} ذل وحقارة بعد كبرهم. {عَندَ ٱللَّهِ} يوم القيامة وقيل تقديره من عند الله. {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ} بسبب مكرهم أو جزاء على مكرهم. {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ} يعرفه طريق الحق ويوفقه للإيمان. {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } فيتسع له وينفسح فيه مجاله، وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة لحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه، وإليه أشار عليه أفضل الصلاة والسلام حين سئل عنه فقال «حديث : نور يقذفه الله سبحانه وتعالى في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح فقالوا: هل لذلك من أمارة يعرف بها فقال: نعم الإِنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله». تفسير : {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً} بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الإِيمان. وقرأ ابن كثير {ضَيّقاً} بالتخفيف ونافع وأبو بكر عن عاصم حرجاً بالكسر أي شديد الضيق، والباقون بالفتح وصفاً بالمصدر. {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَاء} شبهه مبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه، فإن صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة، ونبه به على أن الإِيمان يمتنع منه كما يمتنع الصعود. وقيل معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبواً عن الحق وتباعداً في الهرب منه، وأصل يصعد يتصعد وقد قرىء به وقرأ ابن كثير {يَصْعَدُ} وأبو بكر عن عاصم يصاعد بمعنى يتصاعد. {كَذٰلِكَ} أي كما يضيق صدره ويبعد قلبه عن الحق. {يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} يجعل العذاب أو الخذلان عليهم، فوضع الظاهر موضع المضمر للتعليل. {وَهَـٰذَا} إشارة إلى البيان الذي جاء به القرآن، أو إلى الإسلام أو ما سبق من التوفيق والخذلان. {صِرٰطُ رَبّكَ} الطريق الذي ارتضاه أو عادته وطريقه الذي اقتضته حكمته. {مُّسْتَقِيماً}لا عوج فيه، أو عادلاً مطرداً وهو حال مؤكدة كقوله {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدّقًا}، أو مقيدة والعامل فيها معنى الإشارة. {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} فيعلمون أن القادر هو الله سبحانه وتعالى وأن كل ما يحدث من خير أو شر فهو بقضائه وخلقه، وأنه عالم بأحوال العباد حكيم عادل فيما يفعل بهم. {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ} دار الله أضاف الجنة إلى نفسه تعظيماً لها، أو دار السلامة من المكاره أو دار تحيتهم فيها سلام. {عِندَ رَبّهِمْ} في ضمانه أو ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنهها غيره. {وَهُوَ وَلِيُّهُم } مواليهم أو ناصرهم. {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بسبب أعمالهم أو متوليهم بجزائها فيتولى إيصاله إليهم. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} نصب باضمار اذكر أو نقول، والضمير لمن يحشر من الثقلين. وقرأ حفص عن عاصم وروح عن يعقوب {يَحْشُرُهُمْ} بالياء. {كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} يعني الشياطين. {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مّنَ ٱلإنْسِ} أي من إغوائهم وإضلالهم، أو منهم جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم كقوله استكثر الأمير من الجنود. {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ ٱلإِنْسِ} الذين أطاعوهم. {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} أي انتفع الإنس بالجن بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها، والجن بالإِنس بأن أطاعوهم وحصلوا مرادهم. وقيل استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز وعند المخاوف، واستمتاعهم بالإنس اعترافهم بأنهم يقدرون على إجارتهم. {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا ٱلَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا} أي البعث وهو اعتراف بما فعلوه من طاعة الشيطان واتباع الهوى وتكذيب البعث وتحسر على حالهم. {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ } منزلكم أو ذات مثواكم. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال والعامل فيها مثواكم إن جعل مصدراً، ومعنى الإضافة إن جعل مكاناً {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ} إلا الأوقات التي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير وقيل {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ} قبل الدخول كأنه قيل: النار مَثْوَاكُمْ أبداً إلا ما أمهلكم. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} في أفعاله. {عَلِيمٌ} بأعمال الثقلين وأحوالهم. {وَكَذٰلِكَ نُوَلّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً} نكل بعضهم إلى بعض، أو نجعل بعضهم يتولى بعضاً فيغويهم أولياء بعض وقرناءهم في العذاب كما كانوا في الدنيا. {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من الكفر والمعاصي. {يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنّ وَٱلإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ} الرسل من الإِنس خاصة، لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك ونظيره {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } تفسير : [الرحمن: 22] والمرجان يخرج من الملح دون العذب وتعلق بظاهره قوم وقالوا بعث إلى كل من الثقلين رسل من جنسهم. وقيل الرسل من الجن رسل الرسل إليهم لقوله تعالى: {أية : وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ }تفسير : [الأحقاف: 29] {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَـٰتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} يعني يوم القيامة. {قَالُواْ} جواباً. {شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} بالجرم والعصيان وهو اعتراف منهم بالكفر واستيجاب العذاب. {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسهم أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ} ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المخدجة، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذير للسامعين مثل حالهم.

ابن كثير

تفسير : هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً، أي: في الضلالة هالكاً حائراً، فأحياه الله، أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له، ووفقه لاتباع رسله، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} أي: يهتدي كيف يسلك وكيف يتصرف به، والنور هو القرآن؛ كما رواه العوفي، وابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وقال السدي: الإسلام، والكل صحيح {كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ} أي: الجهالات، والأهواء والضلالات المتفرقة، {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} أي: لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه، وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل» تفسير : كما قال تعالى: { أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} تفسير : [البقرة: 57] وقال تعالى: {أية : أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الملك: 22] وقال تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [هود: 24] وقال تعالى: { أية : وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ } تفسير : [فاطر: 19 - 23]، والآيات في هذا كثيرة، ووجه المناسبة في ضرب المثلين ههنا بالنور والظلمات ما تقدم في أول السورة: {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ}، وزعم بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان، فقيل عمر بن الخطاب، هو الذي كان ميتاً، فأحياه الله، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وقيل: عمار بن ياسر، وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام، لعنه الله، والصحيح أن الآية عامة، يدخل فيها كل مؤمن وكافر. وقوله تعالى: {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي: حَسَّنَّا لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة، قدراً من الله وحكمة بالغة، لا إله إلا هو وحده لا شريك له.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في أبي جهل وغيره {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا } بالكفر {فَأَحْيَيْنَٰهُ } بالهدى {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ } يتبصر به الحق من غيره وهو الإِيمان {كَمَن مَّثَلُهُ } (مثل) زائدة: أي كمن هو {فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا } وهو الكافر؟ لا {كَذٰلِكَ } كما زين للمؤمنين الإِيمان {زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الكفر والمعاصي.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } قرأ الجمهور بفتح الواو بعد همزة الاستفهام. وقرأ نافع، وابن أبي نعيم بإسكانها، قال النحاس: يجوز أن يكون محمولاً على المعنى، أي انظروا وتدبروا {أَفغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَماً أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } والمراد بالميت هنا الكافر، أحياه الله بالإسلام. وقيل معناه: كان ميتاً حين كان نطفة، فأحييناه بنفخ الروح فيه. والأوّل أولى، لأن السياق يشعر بذلك لكونه في تنفير المسلمين عن اتباع المشركين، وكثيراً ما تستعار الحياة للهداية وللعلم، ومنه قول القائل: شعر : وفي الجهل قبل الموت موت لأهله فأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرأ لم يحيـي بالعلم ميت فليس له حتى النشور نشور تفسير : والنور: عبارة عن الهداية والإيمان. وقيل هو القرآن. وقيل الحكمة. وقيل هو النور المذكور في قوله تعالى: {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم } تفسير : [الحديد: 12] والضمير في "به" راجع إلى النور {كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ } أي كمن صفته في الظلمات، ومثله مبتدأ والظلمات خبره، والجملة صفة لمن. وقيل مثل زائدة، والمعنى: كمن في الظلمات، كما تقول: أنا أكرم من مثلك، أي منك، ومثله: {أية : فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ } تفسير : [المائدة: 95] {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11]. وقيل المعنى: كمن مثله مثل من هو في الظلمات، و {لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } في محل نصب على الحال، أي حال كونه ليس بخارج منها بحال من الأحوال. قوله: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } أي مثل ذلك الجعل جعلنا في كل قرية. والأكابر جمع أكبر، قيل: هم الرؤساء والعظماء، وخصهم بالذكر؛ لأنهم أقدر على الفساد، والمكر: الحيلة في مخالفة الاستقامة، وأصله الفتل، فالماكر يفتل عن الاستقامة: أي يصرف عنها {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } أي وبال مكرهم عائد عليهم {وَمَا يَشْعُرُونَ } بذلك لفرط جهلهم {وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَةٌ } من الآيات، {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ } يريدون أنهم لا يؤمنون حتى يكونوا أنبياء، وهذا نوع عجيب من جهالاتهم الغريبة وعجرفتهم العجيبة، ونظيره: {أية : يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } تفسير : [المدثر: 52]. والمعنى: إذا جاءت الأكابر آية قالوا هذه المقالة، فأجاب الله عنهم بقوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه} أي إن الله أعلم بمن يستحق أن يجعله رسولاً، ويكون موضعاً لها، وأميناً عليها، وقد اختار أن يجعل الرسالة في محمد صفيه وحبيبه، فدعوا طلب ما ليس من شأنكم، ثم توعدهم بقوله: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ} أي: ذلّ وهوان، وأصله من الصغر كأنّ الذلّ يصغر إلى المرء نفسه. وقيل الصغار هو الرضا بالذلّ، روي ذلك عن ابن السكيت. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } قال: كان كافراً ضالاً فهديناه {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا } هو القرآن {كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ }: الكفر والضلالة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة في الآية قال: نزلت في عمار بن ياسر. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ } يعني عمر بن الخطاب، {كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } يعني أبا جهل بن هشام. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن زيد بن أسلم، في الآية قال: نزلت في عمر ابن الخطاب، وأبي جهل بن هشام، كانا ميتين في ضلالتهما، فأحيا الله عمر بالإسلام وأعزّه، وأقرّ أبا جهل في ضلالته وموته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا فقال: «حديث : اللهم أعزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب».تفسير : وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن عكرمة في قوله: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا } قال: نزلت في المستهزئين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال {أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا } عظماءها. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج في قوله: {وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَةٌ } الآية قال: قالوا لمحمد حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه من الحق. لو كان هذا حقاً لكان فينا من هو أحق أن يؤتي به محمد: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31]. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } قال: أشركوا {صَغَارٌ } قال: هوان.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: كان ميتاً حين كان نطفة فأحييناه بنفخ الروح [فيه]، حكاه ابن بحر. والثاني: كان ميتاً بالكفر فأحييناه بالهداية إلى الإيمان، حكاه ابن عيسى. والثالث: كان ميتاً بالجهل فأحييناه بالعمل، أنشدني بعض أهل العلم ما يدل على صحة هذا التأويل لبعض شعراء البصرة. شعر : وفي الجهل قبل الموت لأهله فأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرءا لم يحيى بالعلم ميت فليس له حتى النشور نشور تفسير : {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن النور القرآن، قاله الحسن. والثاني: انه العلم الذي يهدي إلى الرشد. والثالث: أنه حُسْنُ الإيمان. وقوله: {يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} يحتمل وجهين: أحدهما: ينشر به ذكر دينه بين الناس في الدنيا حتى يصير كالماشي. والثاني: يهتدي به بين الناس إلى الجنة فيكون هو الماشي. {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} فيه قولان: أحدهما: أن الظلمات الكفر. والثاني: الجهل، وشبهه بالظلمة لأن صاحبه في حيرة تفضي به إلى الهلكة كحيرة الماشي في الظلمة. واختلفوا في هذه الآية على قولين. أحدهما: أنها على العموم في كل مؤمن وكافر، قاله الحسن وغيره من أهل العلم. والثاني: أنها على الخصوص في مُعَيَّن. وفيمن تعين نزول ذلك فيه قولان: أحدهما: أن المؤمن عمر بن الخطاب، والكافر أبو جهل، قاله الضحاك. ومقاتل. والثاني: أن المؤمن عمار بن ياسر، والكافر أبو جهل، قاله عكرمة، والكلبي.

ابن عطية

تفسير : تقدم في هذه الآية السالفة ذكر قوم مؤمنين أمروا بترك الإثم وباطنه وغير ذلك، وذكر قوم كافرين يضلون بأهوائهم وغير ذلك، فمثل الله عز وجل في الطائفتين بأن شبه الذين آمنوا بعد كفرهم بأموات أحيوا، هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وشبه الكافرين وحيرة جهلهم بقوم في ظلمات يترددون فيها ولا يمكنهم الخروج منها ليبين عز وجل الفرق بين الطائفتين والبون بين المنزلتين. وقرأ جمهور الناس "أوَ من" بفتح الواو فهي ألف استفهام دخلت على واو عطف جملة على جملة، و {من} بمعنى الذي، وقرأ طلحة بن مصرف: "أفمن" بالفاء، والمعنى قريب من معنى الواو، والفاء في قوله {فأحييناه} عاطفة، و {نوراً} أمكن ما يعنى به الإيمان و {يمشي به} يراد به جميع التصرف في الأفعال والأقوال، قال أبو علي: ويحتمل أن يراد النور الذي يؤتاه المؤمنون يوم القيامة، و {في الناس} متعلق بـ {يمشي} ، ويصح أن يتعلق بـ {كان ميتاً} وقوله تعالى: {كمن مثله} بمنزلة كمن هو، والكاف في قوله {كذلك زين} متعلقة بمحذوف يدل ظاهر الكلام عليه، تقديره وكما أحيينا المؤمنين وجعلنا لهم نوراً كذلك زين للكافرين، ويحتمل أن يتعلق بقوله {كمن مثله} أي كهذه الحال هو التزيين، وقرأ نافع وحده "ميِّتاً" بكسر الياء وشدها، وقرأ الباقون "ميْتاً" بسكون الياء، قال أبو علي: التخفيف كالتشديد، والياء المحذوفة هي الثانية المنقلبة عن واو أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب، وقالت طائفة إن هذه الألفاظ التي مثل بها وإن كانت تعم كل مؤمن وكل كافر فإنما نزلت في مخصوصين، فقال الضحاك: المؤمن الذي كان ميتاً فأحيي عمر بن الخطاب، وحكى المهدوي عن بعضهم أنه حمزة بن عبد المطلب، وقال عكرمة: عمار بن ياسر، وقال الزجاج: جاء في التفسير أنه يعني به النبي عليه السلام. قال القاضي أبو محمد: واتفقوا على أن الذي في الظلمات أبو جهل بن هشام، إلى حاله وحال أمثاله هي الإشارة والتشبيه بقوله {وكذلك جعلنا في كل قرية} وهذه الآية تتضمن إنذاراً بفساد حال الكفرة المتقدم ذكرهم، لأنه مقتضى حال من تقدمهم من نظرائهم، وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في المستهزئين. قال القاضي أبو محمد: يعني أن التمثيل لهم، و {جعلنا} في هذه الآية بمعنى صيرنا، فهي تتعدى إلى مفعولين الأول {مجرميها} والثاني {أكابر} وفي الكلام على هذا تقديم وتأخير تقديره وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، وقدم الأهم إذ لعلة كبرهم أجرموا، ويصح أن يكون المفعول الأول {أكابر} و {مجرميها} مضاف والمفعول الثاني قوله {في كل قرية} و {ليمكروا} نصب بلام الصيرورة، والأكابر جمع أكبر كما الأفاضل جمع أفضل، ويقال أكابرة كما يقال أحمر وأحامرة، ومنهم قول الشاعر [الأعشى]: [الكامل] شعر : إنَّ الأَحَامِرَة الثّلاثة أتْلَفَتْ مالي وكنتُ بهنَّ قَِدْماً مُولَعا تفسير : يريد الخمر واللحم والزعفران، و "المكر" التخيل بالباطل والخديعة ونحوهما، وقوله {وما يمكرون إلا بأنفسهم} يريد لرجوع وبال ذلك عليهم، {وما يشعرون} أي ما يعلمون، وهي لفظة مأخوذة من الشعار وهو الشيء الذي يلي البدن، فكأن الذي لا يشعر نفي عنه أن يعلم علم حس، وفي ذلك مبالغة في صفة جهله، إذ البهائم تعلم علوم الحس وأما هذه الآية فإنما نفي فيها الشعور في نازلة مخصوصة.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَيْتاً} كافراً {فَأَحْيَيْنَاهُ} بالإيمان. {نُوراً يَمْشِى بِهِ} القرآن، أو العلم الهادي إلى الرشد. {الظُّلُمَاتِ} الكفر، أو الجهل شبه بالظلمة لتحيّر الجاهل كتحيّر ذي الظلمة، وهي عامة في كل مؤمن وكافر، أو نزلت في عمر وأبي جهل، أو في عمار وأبي جهل.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ميتاً} بالتشديد: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب {رسالته} بالنصب والتوحيد: ابن كثير وحفص والمفضل. الباقون: {رسالاته} على الجمع وبالكسر في موضع النصب {ضيقا} وبابه بالتخفيف: ابن كثير {حرجاً} بكسر الراء: أبو جعفر ونافع وسهل وأبو بكر وحماد. الباقون: بالفتح {يصعد} من الصعود: ابن كثير {يصاعد} من التصاعد بإدغام التاء في الصاد: أبو بكر وحماد. الباقون: {يصعد} بالإدغام من التصعيد. {يحشرهم} بياء الغيبة: حفص. الآخرون بالنون. الوقوف: {بخارج منها} ط {يعملون} ه {فيها} ط {وما يشعرون} ه {رسل الله} ط {رسالاته} ط {يمكرون} ه {للإسلام} ج لابتداء شرط آخر مع العطف. {في السماء} ج {لا يؤمنون} ه {مستقيماً} ط {يذكرون} ه {يعملون} ه {جميعاً} ج للحذف أي يحشرهم ويقول لهم مع اتحاد المقصود {من الإنس} الأول ج لتبدل القائل مع اتفاق الجملتين {أجلت لنا} ط قال النار يغلظ الصوت على النار إشارة إلى أن النار مبتدأ بعد القول وليست فاعله {يشاء الله} ط {عليم} ه {يكسبون} ه {يومكم هذا} ط {كافرين} ه. التفسير: إنه سبحانه بعد أن ذكر أن المشركين يجادلون المؤمنين ضرب مثلاً للفريقين فبيّن أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً فجعله الله حياً وأعطاه نوراً يهتدي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها فيكون متحيراً على الدوام، وهل هما خاصان أو عامان فيه قولان: الأول قال ابن عباس: يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل؛ وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وآله بفرث وحمزة ولم يؤمن بعد، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه ويقول: يا أبا يعلي أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا؟ فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله فنزلت الآية. وعن مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأبي جهل؛ وذلك أنه قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه. والله لا نؤمن به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت، وعن عكرمة أنها في عمار بن ياسر وأبي جهل، وعن الضحاك هي في عمر بن الخطاب وأبي جهل. والقول الثاني أنها عامة في كل مؤمن وكافر لحصول المعنى في الكل. وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جهل والجهل يوجب الحيرة والوقفة فهو كالموت الذي يوجب السكون. وأيضاً الميت لا يهتدي إلى شيء وكذلك الجاهل، والهدى علم وبصيرة وهما يوجبان الفوز بالمطالب كالحياة والنور، قال بعض العلماء: قوله: {أو من كان ميتاً} إشارة إلى أول مراتب النفس الإنسانية وهي الاستعداد المحض المسماة بالعقل الهيولاني عند الحكيم. وقوله: {فأحييناه} إشارة إلى ثانية مراتبها المسماة بالعقل بالملكة وهي أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية. وقوله {وجعلنا له نوراً} إشارة إلى ثالثة المراتب وهي التي قد حصلت لها المعقولات المكتسبة ولكنها لا تكون حاضرة بالفعل بل تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها قدر عليه ولهذا يسمى عقلاً بالفعل أي الفعل القريب، وقوله: {يمشي به في الناس} إشارة إلى رابعة المراتب وهي النهاية المسماة بالعقل المستفاد، وقد حصلت المعارف القدسية والجلايا الروحانية للنفس حاضرة بالفعل وصار جوهر الروح مشرقاً بتلك المعارف مستضيئاً بها. ويمكن أن يقال: الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح، والنور عبارة عن اتصال نور الوحي والتنزيل فإنه لا بد في الإبصار من أمرين: سلامة الحاسة والنور الخارجي من الشمس والسراج، فكذلك البصيرة لا بد لها في الإدراك من سلامة حاسة العقل ومن طلوع نور الوحي فلهذا قال جمع من المفسرين: المراد بهذا النور القرآن، ومنهم من قال: نور الدين أو نور الحكمة. والأقوال متقاربة، وأما مثل الكافر فهو {كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} وفيه أن ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت كالصفة اللازمة له لا تكاد تزول عنه فيبقى متحيراً خائفاً فزعاً نعوذ بالله من هذه الحالة. ومعنى المثل ههنا الصفة الغريبة أي كمن صفته هذه والمراد كمن هو في الظلمات. ثم قال: {كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} والمزين هو الله بالتحقيق عند الأشاعرة. والشيطان بالحقيقة أو الله مجازاً عند المعتزلة، والإضافة إلى الله بالحقيقة أو المجاز أولى بدليل قوله: {وكذلك جعلنا} أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا، أو وكما زينا للكافرين أعمالهم كذلك جعلنا {في كل قرية أكابر} وهي جمع الأكبر و {مجرميها} مضاف إليه والظرف مفعول ثانٍ قدم ليعود الضمير إلى القرية. وقيل: التقدير جعلنا مجرميها أكابر. قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة المال وقوّة الجاه تحمل الناس على المبالغة في حفظهما وذلك لا يتم إلا باستعمال بعض الأخلاق الذميمة من المكر والغدر والكذب والغيبة والنميمة والشح والأيمان الكاذبة وكفى بهذه الأمور دليلاً على خساسة المال والجاه. واللام في {ليمكروا} على أصله عند الأشاعرة، واستدلوا به على أن الشر بإرادة الله تعالى. وحمله المعتزلة على لام العاقبة مجازاً حملوا الجعل في قوله: {وكذلك جعلنا} على التخلية والخذلان. ثم قال في معرض التهديد {وما يمكرون إلا بأنفسهم} لأن وباله يعود عليهم {وما يشعرون} وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتقديم موعد بالنصرة، ثم إنه سبحانه حكى قول أبي جهل وأضرابه "زاحمنا بني عبد مناف في الشرف إلى آخره" وقول الوليد بن المغيرة "لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً" فقال: {وإذا جاءتهم آية} أي معجزة قاهرة أو وحي. {قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} قال الضحاك: أراد كل واحد منهم ذلك كما في الآية الأخرى. {أية : بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة}تفسير : [المدثر: 52] ويشبه أن يكون هذا الكلام الخبيث هو المراد بالمكر المذكور في الآية المتقدمة، وللمفسرين في مقترحهم قولان: أحدهما - وهو الأشهر - أنهم أرادوا أن تحصل لهم النبوُّة والرسالة كما حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ومخدومين لا خادمين. وثانيهما عن ابن عباس والحسن أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وآله {أية : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90] إلى قوله: {أية : حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه}تفسير : [الإسراء: 93] من الله تعالى إلى أبي جهل وفلان وفلان فالقوم ما طلبوا النبوّة وإنما طلبوا آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين تدل على صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. فقوله سبحانه في جوابهم على سبيل الاستئناف {الله أعلم حيث يجعل رسالته} على القول الأول ظاهر، وأما على القول الثاني فوجهه أن القوم إذا اقترحوا تلك الآيات فلو أظهر الله تعالى تلك المعجزات على وفق التماسهم لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة. قال بعض العقلاء: الأرواح متساوية في تمام الماهية فحصول النبوّة والرسالة لبعضها دون بعض تشريف من الله تعالى وإحسان وتفضل. وقال آخرون: بل النفوس مختلفة بجواهرها وماهياتها فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة، وبعضها خبيثة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول لم تصلح لقبول الوحي والرسالة. ومراتب الرسل مختلفة فمنهم ذو معجزة واحدة وذو معجزتين أو أكثر، ومنهم من له تبع قليل ومنهم من آمن به جم غفير، ومنهم من كان الرفق غالباً عليه ومنهم من كان مدار أمره على التغليظ والتشديد. وفي الآية تعريض بأن حصول النبوّة والرسالة لا بد فيه من قلب سليم، والمقترحون فيهم من المكر والحسد ما فيهم فكيف يعقل حصول الرسالة لهم وإنما يحصل لهم ما يناسب أخلاقهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى: {سيصيب الذين أجرموا صغار} ذل وهوان {عند الله} أي في الآخرة أو في الدنيا بحكم الله وإيجابه من الأسر والقتل. أو المراد من عند الله فحذف "من". أو قوله: {عند الله} مستأنف أي معدّ لهم ذلك، واعلم أن كمال العقاب لا بد فيه من أمرين: الضرر، والإهانة. ثم إن القوم لما تردوا عن طاعة محمد صلى الله عليه وآله طلباً للعز والكرامة فالله تعالى بيّن أنه يقابلهم بضد مقصودهم، فأول ما يوصل إليهم الذل والهوان وبعده عذاب شديد جميع ذلك بسبب مكرهم ونكرهم {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} يقال: شرح فلان أمره، إذا أظهره وأوضحه ومنه شرح المسأله إذا بينها. وقال الليث: شرح الله صدره فانشرح أي وسعه لقبول ذلك الأثر. ولا شك أن توسيع الصدر غير ممكن على سبيل الحقيقة ولكن ههنا معنى وهو أنه إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إلي وقوي طلبه ورغبته في حصوله وظهر في القلب استعداد شديد لتحصيله فسميت هذه الحالة سعة الصدر، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن يكون ذلك العمل مشتملاً على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه وحصل في النفس نبوّة عن قبوله فيقال لهذه الحال ضيق الصدر، لأن المكان إذا كان ضيقاً لم يتمكن الداخل من الدخول فيه، وإذا كان واسعاً قدر على الدخول فيه. وأكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحق والإسلام وقد ورد في الكفر أيضاً قال تعالى:{أية : ولكن من شرح بالكفر صدراً}تفسير : [النحل: 106] قال المفسرون: حديث : لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: كيف يشرح الله صدره؟ فقال صلى الله عليه وآله: يقذف الله تعالى فيه نوراً حتى ينفسخ وينشرح، فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله" تفسير : وهذا البيان مناسب لما ذكرنا فإن الإنابة إلى دار الخلود لا بد أن تترتب على اعتقاد أن عمل الآخرة زائد النفع والخير، والتجافي عن دار الغرور إنما ينبعث عن اعتقاد كون عمل الدنيا زائد الضر والضير، والاستعداد للموت قبل نزوله نتيجة مجموع الأمرين الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. أما قوله: {حرجاً} فمن قرأ بكسر الراء فعلى النعت، ومن قرأ بالفتح فعلى الوصف بالمصدر للمبالغة. قال الزجاج: الحرج في اللغة أضيق الضيق. وقيل: الحرج بالفتح جمع حرجة وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية. حكى الواحدي بإسناده عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال: هل ههنا أحد من بني بكر؟ قال رجل: نعم. قال: ما الحرجة فيكم؟ قال: الوادي الكثير الأشجار المشتبك الذي لا طريق فيه. فقال: كذلك قلب الكافر. ومعنى: {يصعد في السماء} كأنما يزاول أمراً غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يتكلف الصعود إلى السماء. وقيل: المراد أن قلبه يتباعد عن الإسلام وقبوله تباعد ما بين الأرض والسماء. {كذلك يجعل} أي كما جعل ضيق الصدر في قلوبهم كذلك يجعل الرجس عليهم. وقال الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك يجعل الله الرجس. عن ابن عباس هو الشيطان يسلطه الله عليهم. وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه. وعن عطاء: الرجس هو العذاب. وقال الزجاج: هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة. قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الهداية والضلال من الله تعالى؛ بيانه أن العبد قادرعلى الإيمان وعلى الكفر وقدرته بالنسبة إلى الأمرين سواء ولا يترجح إلا لداعية، ولا معنى للداعية إلى علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملاً على مصلحة زائدة، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل، ولا بد أن تنتهي تلك الداعية إلى تخليق الله وتكوينه دفعاً للتسلسل فإذا خلق الله تعالى في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة - وهو المراد بشرح الصدر - مال القلب إليه، وإذا خلق في قلبه اعتقاد أن الإيمان بمحمد سبب للمفسدة الدينية والدنيوية نبا طبعه عنه وبقي على الكفر. فحاصل الآية أن من أراد الله منه الإيمان قوى دواعيه إليه، ومن أراد منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان. وقالت المعتزلة: إنه لا دلالة في الآية على قولكم لأنه ليس فيها أكثر من أنه إذا أراد أن يهدي إنساناً أو يضله فعل به كيت وكيت، وليس فيها أنه أراد ذلك أو لم يرده نظيره قوله: {أية : لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا}تفسير : [الأنبياء: 17] فبيّن أنه كيف يفعل اللهو لو أراده، ثمّ إنه لم يرد ذلك بالاتفاق وأيضاً لم قلتم إنه أراد ومن يرد أن يضله عن الإيمان بل المراد من يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه، وتفسير الشرح هو أنه يفعل به ألطافاً تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه. ومن يرد أن يضله عن طريق الجنة فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج لا في كل الأوقات بل في بعضها كيلا يمكن دفعه وخصوصاً عند ظهور نصرة المؤمنين وبدوّ الذل والصغار في الكافرين. وأيضاً لم لا يجوز أن يقال: المعنى فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة لما رأى من فوائد الإيمان ونتائجه من الدرجات العالية والمراتب الشريفة فتزداد رغبته فيه، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ففي ذلك الوقت يضيق صدره للحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنّة والدخول في النار؟ وقال في الكشاف: {فمن يرد الله أن يهديه} أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف {يشرح صدره} للإسلام يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه {ومن يرد أن يضله} أي يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له {يجعل صدره ضيقاً حرجاً} يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسد فلا يدخله الإيمان. وأجيب عن قولهم "ليس في الآية أنه أراد ذلك أو لم يرده" بأن قوله في آخر الآية: {كذلك يجعل الله الرجس} تصريح بأنه فعل به ذلك الإضلال لأن الكاف للتشبيه والتقدير: كما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره كذلك يجعل. وفيه أيضاً دلالة على أن المراد من قوله: {ومن يرد أن يضله} هو أنه يضله عن الدين، وتفسير الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر بعيد لأن أكثر من يعتريه الحزن في الدنيا هو المؤمن ولهذا قال صلى الله عليه وعلى آله: "حديث : خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" تفسير : ولو خص ذلك بالآخرة كان من إيضاح الواضحات. فمن المعلوم لكل أحد أن من يضله الله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت. والجواب على قول صاحب الكشاف مما مر من أن فعل الإيمان يتوقف على أن تحصل في القلب داعية جازمة إلى الإيمان، وفاعل تلك الداعية هو الله تعالى وكذا القول في جانب الكفر، فإن سمى الداعيتين أحد باللطف والخذلان فلا مشاحة في الأسامي. قال القاضي في تفسيره: روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: تذاكرنا أمر القدرية عند ابن عمر فقال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية. قال: ولا يخفى أنهم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله قضاءً وقدراً وخلقاً لأنهم يقولون الذنب لله فأي ذنب لنا حتى تعاقبنا أنت الذي خلقته فينا وأردته منا وقضيته علينا ولم تخلقنا إلا له ولا يسرت لنا غيره، فهؤلاء لا بد أن يكونوا خصماء الله. أما الذين قالوا إن الله تعالى مكن وأزاح العلة وإنما أتى العبد من قبل نفسه فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة، فهؤلاء منقادون لله تعالى لا خصماؤه. هذا كلام القاضي وتعجب منه الأشاعرة فقالوا: كيف يكون خصم الله من يقول ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه وإن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب وليس للعبد على ربه اعتراض ولا مناظرة وكل ما يصل منه إلى عباده حتى الملائكة والأنبياء فهو تفضل منه وإحسان، لكن الخصم من يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ويقول لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولاً عن الربوبية وكنت من السفهاء وأن من واظب على الكفر سبعين سنة ثم إنه في آخر زمن حياته قال لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب ثم مات، فإن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة سنين غير محصورة، ثم إنه لو ترك لحظة واحدة قال العبد له إنك معزول عن الإلهية، يحكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله، عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن أبا علي عقد مجلس التذكير وحضر عنده جم غفير، فذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس مختفياً عن الجبائي وقال لبعض من حضر هناك من العجائز: إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ. قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد في غاية الزهد، وآخر في غاية الفسق، الثالث كان صبياً لم يبلغ فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم. فقال الجبائي: أما الزاهد ففي درجات الجنة، وأما الكافر ففي دركات النار، وأما الصبي فمن أهل السلامة. فقال: قولي له إن الصبي لوأراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد فهل يمكن منه؟ قال الجبائي: لا لأن الله تعالى يقول له إنما أخوك وصل إلى تلك الدرجات لأنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذلك. فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الصبي يقول: يا رب العالمين ليس الذنب لي لأنك أمتني قبل بلوغي، ولو أبلغتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد، فقال الجبائي: يقول الله تعالى له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوجب النار فراعيت مصلحتك. فقال لها أبو الحسن. قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار وقال: يا رب العالمين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين، لم راعيت حال الأخ الصغير وما راعيت حالي ومصلحتي؟ قال الراوي: فانقطع الجبائي فنظر فرأى أبا الحسن فعلم أن المسألة منه لا من العجوز. ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار وأكثر مجيباً عن الجبائي قائلاً: نحن لا نرضى بهذا الجواب وإنما نقول: الجواب مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها، وهي أنه هل يجب على الله تعالى أن يكلف العبد أم لا؟ فقال البصريون: إنه غير واجب ولكنه تفضل وإحسان. وقال البغداديون: إنه واجب وعلى الأول لله تعالى أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلاً على أحد بشيء أن أتفضل على غيره بمثله، وعلى قول البغداديين فله أن يقول: إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف في حقه لم يستلزم مفسدة الغير فلا جرم فعلته، أما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك فكان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك فلهذا ما فعلته وظهر الفرق. وأورد على القسم الأول أنه تعالى لما أوصل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح منه عقلاً لأنه ليس فعلاً شاقاً عليه ولا ينقص بذلك شيء من ملكه، والصبي محتاج إلى الإحسان إليه ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد كمن منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجواد لعامة الناس. فإن كان حكم العقل في التحسين والتقبيح مقبولاً فليكن ههنا أيضاً مقبولاً وإلا فلا يقبل في شيء من الصور وتبطل كلية مذهبكم. وأورد على الشق الثاني أن قولنا: "تكليفه يتضمن مفسدة" ليس معناه أن ذات التكليف تتضمن المفسدة وإلا لم ينفك تكليف عن المفسدة وأنه باطل بالاتفاق، فمعناه إذاً أنه تعالى علم أنه إذا كلف هذا الشخص فإن إنساناً آخر يختار من قبل نفسه فعلاً قبيحاً، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله تعالى تكليفه وجب أن يقبح تكليف كل من علم الله من حاله أنه يكفر وإلا لزم محض التحكم. هذا تمام مناظرة الفريقين، ولعلك قد عرفت التحقيق هنا فيما سلف فتذكر. ثم قال: {وهذا صراط ربك} في المشار إليه وجوه منها: أنه المذكور في الآية المتقدمة. أما على مذهب الأشاعرة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله تعالى فيكون الفعل من الله، ويلزم استناد الكل إلى قضائه وقدره. وأما على مذهب المعتزلة فالمراد هذا الذي قررنا طريقته التي اقتضتها الحكمة وعادته الجارية في عباده من التوفيق والخذلان. ومعنى {مستقيماً} عادلاً مطرداً. وانتصابه على الحال المؤكدة والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل. أو هو محذوف أي أحقه. وعن ابن عباس: يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك. وقال ابن مسعود: يعني القرآن: {قد فصلنا الآيات} ذكرناها فصلاً فصلاً بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر. قال في التفسير الكبير: قد بيّن الله تعالى صحة القول بالقضاء والقدر في آيات من هذه السورة متوالية متعاقبة بطرق كثيرة ووجوه مختلفة. وختم الآية بقوله: {لقوم يذكرون} لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح عن الآخر إلا لمرجح فكأنه يقول للمعتزلي: تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا لمرجح حتى تزول الشبهة عن قلبك فإن حصول الفعل عن القادر لو لم يتوقف على الداعي مع تساوي طرفيه وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات وحينئذٍ يلزم نفس الصانع وإبطال القول والفعل والفاعل والتأثير والمؤثر. ثم لما بيّن عظمة نعمته في الصراط المستقيم بيّن ما أعد وهيىء للمتذكرين فقال: {لهم دار السلام} أي دار الله يعني الجنة، والإضافة للتشريف والتعظيم كما قيل: الكعبة بيت الله: أو دار السلامة من كل آفة وكرب والسلام والسلامة مثل: الضلال والضلالة والرضاع والرضاعة كلاهما مصدر. وقيل: السلام جمع السلامة لأن أنواع السلامة حاصلة في الجنة. ومعنى {عند ربهم} أنها معدة عنده وفي ضمانه كما يقال لفلان عندي حق لا ينسى وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها وكونهم على ثقة من حصولها {وهو وليهم} أي قريب منهم بالرحمة والرضوان أو مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم، وذلك أن القوم قد عرفوا أن المدبر والمقدر ليس إلا هو جل جلاله، وأن النافع والضار ليس إلا هو سبحانه، فانقطعوا عن كل ما سواه فما كان رجوعهم إلا إليه، وما كان توكلهم إلا عليه، ولم يكن أنسهم إلا به، فلما صاروا بالكلية له لا جرم قال سبحانه: {وهو وليهم} على أنه متكفل لجميع مصالحهم ديناً ودنيا. ثم قال: {بما كانوا يعملون} أي بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون لئلا يقطعوا العمل ولا يتكلوا، وذلك أن بين النفس والبدن تعلقاً شديداً وكما أن الهيآت النفسانية قد تؤثر في البدن كحمرة الخجل وصفرة الوجل فالهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس، فإذا واظب الإنسان على أعمال الخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس فلا بد للسالك من العمل بعد كمال العلم والمعرفة. ثم لما بين حال من تمسك بالصراط المستقيم أردفها بذكر من تعلق بضده فقال: {ويوم نحشرهم} والمراد واذكر يوم كذا، أو يوم نحشرهم قلنا، أو متعلقة محذوف والتقدير: ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظاعته، والضمير إما أن يعود إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: {شياطين الإنس والجن} أو يعود إلى جميع المكلفين الذين علموا أن الله تعالى يبعثهم من الثقلين وغيرهم، ويكون القائل على تقدير حذف القول هو الله تعالى كما أنه الحاشر لجميعهم. وهذا القول منه تعالى بعد الحشر لا يكون إلا للتبكيت وإنهم وإن تمردوا في الدنيا انتهى حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف. وقال الزجاج: التقدير فيقال لهم: {يا معشر الجن} لأنه يبعد أن يتكلم الله تعالى بنفسه مع الكفار لقوله: {أية : ولا يكلمهم الله}تفسير : [البقرة: 174] {قد استكثرتم من الإنس} لا بد فيه من إضمار لأن الجن أي الشياطين لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس، فالمراد قد استكثرتم من إضلال الإنس واستتباعهم فحشر معكم منهم الجم الغفير كما يقال: استكثر الأمير من الجنود. أما قوله: {وقال أولياؤهم من الإنس} فالأقرب عند بعضهم أن فيه حذفاً فكما قال للجن تبكيتاً ناسب أن يقول للإنس أيضاً مثل ذلك توبيخاً لأنه حصل من الجن الدعاء ومن الإنس القبول. ولما بكت الله كلا الفريقين حكى جواب الإنس وهو قوله: {ربنا استمتع بعضنا ببعض} وفيه قولان: الأول أن المراد استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن وعلى هذا ففي الاستمتاع وجهان: أحدهما أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض منفرداً وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. فيبيت آمناً في نفسه. فهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيماً منهم للجن؛ وذلك الجني يقول: قد سدت الجن والإنس لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه. وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج ويعضده قوله سبحانه: {أية : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن}تفسير : [الجن: 6] وثاني الوجهين أن الإنس كانوا ينقادون للجن ويطيعون حكمهم فصار الجن كالرؤساء والإنس كالأتباع فانتفعوا بالإنس انتفاع الرئيس بالخادم، وأما انتفاع الإنس بالجن فهو أن دلوهم على الشهوات واللذات إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي أيقنوا أنه يسوء عاقبتهم وهذا اختيار الزجاج. والقول الثاني أن البعضين كليهما من الإنس لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} أي ذلك الاستمتاع كان حاصلاً إلى وقت محدود ثم جاءت الحسرة والندامة من حيث لا ينفع. وما ذلك الإجل؟ قيل: هو وقت الموت وعلى هذا فكل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله لأنهم أقروا بأنهم بلغوا أجلهم وفيهم المقتول وغير المقتول. وقيل: هو وقت التخلية والتمكين وقيل: وقت المحاسبة في القيامة {قال} الله تعالى في جوابهم {النار مثواكم} مقامكم ومقرّكم من ثوى بالمكان يثوي ثوياً إذا أقام به. قال أبو علي الفارسي: المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله تعالى: {خالدين فيها} حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فالمعنى النار أهل أن يقيموا فيها خالدين. {إلا ما شاء الله} قيل: المراد منه أوقات المحاسبة ووقت كونهم في المحشر كأنه قيل: خالدين فيها منذ يبعثون إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم. وقال ابن عباس: استثنى الله قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وآله. وعلى هذا يلزم أن يكون "ما" بمعنى "من" وفيه خلل آخر وهو أن الاستثناء إنما هو من يوم القيامة الذي يحشرون فيه، وقيل: المراد الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير. روي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد الشديد إلى حر الجحيم. وقال في الكشاف: أو يكون هذا من قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه أنيابه وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه أهلكني الله، إن نفست عنك إلا إذا شئت، فيكون قوله: "إلا إذا شئت" من أشد الوعيد مع تهكم لأن إطماع محض ويأس كلي. وقال أبو مسلم: هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم كأنهم قالوا: وبلغنا أجلنا الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى يعني الآجال الاخترامية {إن ربك حكيم} فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة. {عليم} بما يستأهله كل طائفة فكأنه تعالى يقول: إنما حكمت لهؤلاء بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك. ثم لما حكى عن الجن أن بعضهم يتولى بعضاً بين أن ذلك إنما حصل بتقديره وقضائه فقال: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً} وذلك أن القدرة صالحة للعداوة والصداقة فترجيح أحد الجانبين لا يكون إلا بداعية خلقها الله قطعاً للتسلسل، وأيضاً لما بين أنه سبحانه ولي أهل الجنة بقوله: {هو وليهم} ذكر أن أولياء أهل النار من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وأشار إليه بقوله: {بما كانوا يكسبون} أي بسبب كون ذلك البعض مكتسباً للظلم وهذه في مناسبة في غاية اللطف لأن الجنسية علة الضم فالطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين. وفي الآية دلالة على أن الرعية متى كانوا ظلمة فإن الله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم، فإن أرادوا الخلاص منه فليتركوا الظلم وعن مالك بن دينار قال: جاء في بعض الكتب السموية "أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة، لا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك لكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم". ثم بيّن أن كفار الثقلين لا يكون لهم إلى الجحود يوم القيامة سبيل وأنهم لا يعذبون إلا بالحجة فقال: {يا معشر الجن والإنس} قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة مختلطة يجمعهم أمير واحد {ألم يأتكم رسل منكم} استفهام على سبيل التقدير فلا جرم استدل الضحاك بالآية {أية : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}تفسير : [فاطر: 24] على أن من الجن رسلاً كالإنس، ولأن استئناس الجنس بالجنس أكمل ولهذا قال سبحانه: {أية : ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً}تفسير : [الأنعام: 9] والأكثرون على أنه ما كان من الجن رسول ألبتة إنما كانت الرسل من بني آدم وزعموا أن ذلك مجمع عليه. ورد بأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف؟ واستدل بعضهم على المطلوب بقوله تعالى: {أية : إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين}تفسير : [آل عمران: 33] والمراد بالاصطفاء ههنا النبوّة بالإجماع. وأجيب عن قول الضحاك بأن الآية تقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضاً من أبعاض هذا المجموع فكان هذا القدر كافياً في حمل اللفظ على ظاهره فلا يلزم إثبات رسول من الجن. وأيضاً لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا من الإنس، ثم كان من الجن نفر يستمعون من رسول الإنس وينذرون قومهم بذلك قال: {أية : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن}تفسير : [الأحقاف: 29] الآية. وقد يسمى رسول الرسول رسولاً كما أنه تعالى سمى رسل عيسى رسل نفسه فقال:{أية : إذ أرسلنا إليهم اثنين}تفسير : [يس: 14] ثم إنه سبحانه يكون قد بكت كفار الثقلين بهذه الآية لأنه أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه أرسل الرسل إليهم فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل المقصود. وقال الواحدي: أراد رسل من أحدكم وهو الإنس كقوله:{أية : يخرج منهما اللؤلؤ}تفسير : [الرحمن: 22] أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب. وعن الكلبي كانت الرسل قبل أن يبعث محمد يبعثون إلى الإنس ورسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلى الجن والإنس. أما قوله: {يقصون عليكم آياتي} فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتأويل وبالتلاوة {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا بداً من الاعتراف فلذلك {قالوا شهدنا على أنفسنا} والسبب في أنهم أقروا في هذه الآية وجحدوا في قوله:{أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : [الأنعام: 23] هو أنهم مختلفو الأحوال في يوم القيامة مضطربون؛ فتارة يقرّون وأخرى يجحدون. ومنهم من حمل هذه الشهادة على شهادة الجوارح عليهم. ثم أخبر الله تعالى عن حالهم في الدنيا بقوله: {وغرتهم الحياة الدنيا} وعن حالهم في الآخرة بقوله: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} والمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجر أمثالهم في الدنيا عن الكفر والمعصية. وقد يستدل بالآية على أن لا وجوب قبل ورود الشرع وإلا لم يكن لهذا التوبيخ والتبكيت فائدة. التأويل: {أو من كان ميتاً} في حالة العدم {فأحييناه} بالحياة الحقيقية أي بالحي الذي لا يموت {وجعلنا له} نور الوجود الحقيقي الذي {يمشي به في الناس} وبه يسمع وبه يبصر {كمن هو} محبوس {في ظلمات} الطبيعة {وكذلك جعلنا في كل قرية} أي كل قالب {أكابر مجرميها} من النفس والهوى والشيطان {ليمكروا فيها} بمخالفات الشرع وموافقات الطبع. {ما أوتي رسل الله} من القلب والسر والروح. {يشرح صدره} أي ينظر إلى قلبه بنظر العناية فينوّره بنور جماله وهو نور الإيمان، فيشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام. وهذا النور يقبل الزيادة والاشتداد إلى أن يصير الإيمان إيقاناً والإيقان عياناً والعيان عيناً. {ضيقاً} لتزاحم ظلمات صفات البشرية {حرجاً} لتعلقاته بالدنيا وشهواتها {كأنما يصعد في السماء} لأنه سفلي بالطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر. {وهذا} الذي بينا من الهداية والضلالة {صراط ربك} باللطف والقهر فبجذبات اللطف يهدي السعيد وبسطوات القهر يضل الشقي. {لهم دار السلام} أي السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج عن ظلمات الاثنينية. {ويوم يحشرهم} في موقف القالب البشري بالحكمة البالغة والقدرة الكاملة {يا معشر الجن} أي الصفات الشيطانية {قد استكثرتم من الإنس} أي غلبتم على الصفات الإنسانية {وقال أولياؤهم من الإنس} يعني النفس الأمارة {ربنا استمتع بعضنا ببعض} واستمتاع النفس الأمارة بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره على تحصيل شهواتها ولذاتها العاجلة وحظوظها، واستمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائها كما استعان بحواء على إغواء آدم. {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} يعني أن مدة الاستمتاع وما جرى بيننا إنما كان بمقتضى قضائك وقدرك فأجابهم بأن الثوى في النار أيضاً بقضاء الله {إلا أن يشاء الله} فيتوب عليهم {إن ربك حكيم} في تقدير الاستمتاع {عليم} بأهل الجنة وبأهل النار، {وكذلك} أي كما جعلنا مردة الجن والإنس بعضهم أولياء بعض فكذلك نجعل بعض الظالمين أولياء بعض بما كانوا يكسبون من إفساد الاستعداد الفطري {ألم يأتكم رسل منكم} يعني الإلهامات الربانية. وشهدوا على أنفسهم أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا صدأ مرآة قلوبهم{أية : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى}تفسير : [النجم: 39، 40] وما التوفيق إلا منه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَـٰهُ}، لما تقدَّم ذكْر المؤمنين، وذكْر الكافرين، مثَّل سبحانه في الطائفتين بأنْ شَبَّه الذين آمنوا بَعْد كفرهم بأمواتٍ أُحْيُوا، هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وشَبَّه الكافرين وحَيْرَةَ جهلهم بقَوْمٍ في ظلمات يتردَّدون فيها، ولا يمكنهم الخروجُ منها؛ ليبيِّن عزَّ وجلَّ الفرق بيْنَ الطائفتَيْن، والبَوْن بين المنزلتَيْن، و {نُوراً} أمكن ما يعني به الإيمان، قيل: ويحتمل أن يراد به النُّور الذي يُؤْتَاهُ المؤمن يوم القيامة، {وَجَعَلْنَا}؛ في هذه الآية: بمعنى صَيَّرنا، فهي تتعدَّىٰ إلى مفعولَيْن، الأول: {مُجْرِمِيهَا}، والثاني: {أَكَـٰبِرَ}، وفي الكلام؛ علَىٰ هذا: تقديمٌ وتأخير، وتقديره: وكذلك جعلنا في كلِّ قريةٍ مجرميها أَكَابِرَ، وقدَّم الأهمَّ؛ إذ لعلَّة كِبْرهم أجرموا، ويصح أن يكون المفعولُ الأول: «أكابر»، و «مجرميها»؛ مضافٌ، والمفعولُ الثانيِ: في قوله: {فِي كُلِّ قَرْيَةٍ}، و {لِيَمْكُرُواْ}: نصب بلامِ الصيرورةِ؛ والأكابر: جمع أكْبَر؛ كما الأفاضلُ جمع أفْضَل، قال الفَخْر: وإنما جعل المجرمين أكابر؛ لأنهم لأجل رياستهم أقْدَرُ على الغَدْرِ والمَكْرِ ورُكُوبِ الباطلِ من غيرهم؛ ولأن كثرة المال والجاه يَحْمِلاَنِ الإنسان على المبالغةِ في حِفْظهما؛ وذلك الحِفْظُ لا يتمُّ إلا بجميع الأخلاق الذميمةِ؛ كالغَدْر والمَكْر والكَذِب والغِيبة والنَّميمة والأَيْمَان الكاذبة؛ ولو لم يكن للمالِ والجاهِ سوَىٰ أنَّ اللَّه تعالَىٰ حَكَم بأنه إنما وصفَ بهذه الأوصافِ الذميمةِ مَنْ كان له مالٌ وجاه، لكَفَىٰ ذلك دليلاً على خَسَاسة المالِ والجَاهِ. انتهى، وما ذكره من المال والجاه هو الأغلَبُ. {ومايَشْعُرُونَ}، أي: ما يعلمون. وقوله سبحانه: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ}، أي: علامةٌ ودليلٌ علَىٰ صحَّة الشرع، تشطَّطوا، وقالوا: لَنْ نؤمن حتَّى يُفْلَقَ لنا البَحْرُ، ويَحْيَىٰ لنا الموتَىٰ، ونحْوَ ذلك، فردَّ اللَّه تعالَىٰ عليهم بقوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} فيمن ٱصطفاه، وٱنتخبه، لا فيمن كَفَرَ، وجعل يتشطَّط على اللَّه سبحانه، قال الفَخْر: قال المفسِّرون: قال الوليدُ بْنُ المُغِيرَةِ: لو كانتِ النبوَّة حقًّا، لكنْتُ أولَىٰ بها، قال الضَّحَّاك: أراد كلُّ واحد من هؤلاء الكفرة أنْ يُخَصَّ بالوحْيِ والرسالةِ؛ كما أخبر عنهم سبحانه: {أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} تفسير : [المدثر:52] انتهى. ثم توعَّد سبحانه بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند اللَّه صَغَارٌ وذلَّة.

ابن عادل

تفسير : لما ذكر تعالى في الآيَة الأولَى؛ أنَّ المُشْرِكين يُجَادِلُون المُؤمنين في دين الله - تعالى - ذكر مثلاً يدُلُّ على حَالِ المُؤمِن المهْتَدي، وعلى حَالِ الكَافرِ الضال فبَيَّن أن المؤمن بِمَنْزِلة مَنْ كَانَ مَيْتاً؛ فَجُعِل حَيّاً بعد ذلك، وأعْطِي نُوراً يَهْتَدِي به في مَصَالِحِه، وأنَّ الكَافِر بمنْزِلَة المُنْغَمِس في ظُلُمَاتٍ لا خَلاصَ له مِنْهَا، فيكون مُتَحَيِّراً دائماً. قوله: {أو مَنْ كَانَ} تقدَّم أن الهَمْزَة يَجُوز أن تكُون مقدَّمة على حرف العطْفِ، وهو رَأي الجُمْهُور، وأن تكُون على حَالِها وبَيْنها وبيْن فِعْل مُضْمَر، و "مَنْ" في محلِّ رفع بالابتداء، و "كمَنْ" خَبَرْهُ، وهي مَوْصُولة، و "يمشي" في محلِّ نَصْب صِفَة لـ "نُوراً". قال قتادة: أراد بـ "النور": كِتَاب اللَّه - تعالى - بيّنه مع المُؤمن، بها يعمل، وبها يَأخُذ، وإليها يَنْتَهِي، و "مَثَلُه" مُبْتَدأ و "فِي الظُّلُمات": خَبَرُه، والجُمْلَةُ صِلَةُ "مَنْ" و "مَنْ" مَجْرورَة بالكَافِ, والكَفُ وَمَجْرُورُها كما تقدَّم في محلِّ رفعٍ خبراً لـ "مَنْ" الأولى و "ليس بِخَارج" في محلِّ نَصْبٍ على الحَالِ من الموصُول، أي: "مِثْل الَّذي اسْتَقَرَّ في الظُّلُمات حالً كَوْنه مُقِيماً فيها". وقال أبُو البقاء: "لَيْس بِخَارج في مَوْضِع الحَالِ من الضَّمِير في "منْها" ولا يَجُوز أن يكُون حالاً من الهَاءِ في "مَثَلُه" للفَصْل بَيْنَه وبيْن الحَال بالخبر". وجعل مَكِّي الجُمْلَة حالاً من الضَّمِير المُسْتَكِنِّ في "الظُّلُمات" وقرأ طَلْحَة بن مُصْرِّف: "أفَمَنْ كَانَ" بالفَاءِ بدل الواو. فصل في المراد بالآية اخْتَلَفُوا في هذه الآية الكَرِيمة على قَوْلَيْن: أحدهما: أنَّها نزلت في رَجُلَيْن بأعْيَانِهِمَا. قال ابْن عبَّاس - رضي الله عنهما -: {جَعَلْنَا لَهُ نُوراً} يريد: حَمْزة بن عَبْد المُطَّلِب، {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} يريد: أبا جَهْل بْن هِشَام، وذلك أنَّ أبا جَهْل رَمَى رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم بفَرْثٍ، فأخْبِر حمزة بما فعل أبُو جَهْل وهو رَاجِعٌ من قُدومِهِ من صَيْدٍ، وبِيَده قَوْس وحَمْزة لَمْ يؤمن بعد، فأقبل غضْباناً حتى علا أبَا جَهْلٍ بالقَوْس، وهو يَتَضَرَّع إلَيْه، ويَقُول: أبا يَعْلى، أما ترى ما جَاءَ به، سَفَّه عُقُولنا، وسَبَّ آلهتنا، وخالف آباءنا، فقال حَمْزَة: ومن أسْفَه مِنْكُم، تَعْبُدون الحِجَارة من دُونِ اللَّه؛ أشْهَدُ ألاّ إله إلاَّ الله وأشْهَد أنَّ محمَّداً عَبْده ورَسُوله، فأنْزَل اللَّه الآية. وقال الضَّحَّاك: نَزَلَت في عُمر بن الخَطَّاب، وأبي جَهْل. وقال عِكْرِمَة، والكلبي: نزلت في عمَّار بن يَاسِر، وأبي جَهْل. وقال مُقَاتِل: نزلت في النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وأبِي جَهْل، وذلك أنَّه قال: زَاحَمَنا بنو عَبْد مَنَاف في الشَّرف، حتى إذا صِرْنا كفرسي رهان قالوا: مِنَّا يُوحى إلَيْه، والله لا نُؤمِنُ به إلاَّ أن يَأتِينَا وَحْي كما يَأتِيه، فنزلت الآية الكريمة. القول الثاني: أنَّ هذه الآية الكريمة عَامَّة في حقِّ المؤمنين والكَافِرين، وهذا هو الحَقُّ؛ لأن تَخْصِيص العَامِّ بغير دَلِيل تحكُّم؛ وأيضاً: فلقولهم إن السُّورة نزلت دَفْعَةً واحدة، فالقَوْل بأنَّ سَبَبَ هذه الآيَة الكريمة المُعَيَّنة كذا وكذا مُشْكل. قوله: "كَذَلك زُيِّن" نعتُ لِمَصْدَر، فقدَّره بَعْضُهم: "زُيِّن للكَافِرين تَزْييناً كما أحْيَيْنا المُؤمنين" وقدَّره آخَرُون: "زين لِلْكَافرين تَزْييناً لكون الكَافرين في ظُلُمات مُقِيمين فيها" والفاعل المَحْذُوف من "زُيِّن" المنُوبُ عنه هو اللَّه - تعالى - ويجُوز أنْ يَكُون الشَّيْطَان، وقد صرَّح بكُلِّ من الفَاعِليْن مَعَ لفظ "زيَّن"، قال - تعالى -: {أية : زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [النمل:4]، وقال - تعالى -: {أية : وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [العنكبوت:38] و {مَا كَانُوا يَعْمَلُون}: هو القَائِم مقام الفَاعِل، و "ما" يَجُوز أن تكُون مَوْصُولة اسميَّة أو حَرْفِيَّة أوْ نَكِرة مَوْصُوفة والعائدُ على القولِ الأولِ والثالث محذوفٌ، دون الثاني عند الجُمْهورِ، على ما عُرِفَ غير مرَّةٍ. وقال الزجاجُ: "موضعُ الكافِ رفعٌ، والمعنى: مثل ذلك الذي قَصَصْنا عليك، زُيِّن للكافرين أعمالهم". فصل في بيان خلق الأفعال دلّت هذه الآيةُ الكريمةُ على أن الكُفْر، والإيمانَ من الله تعالى؛ لأن قوله "فَأحيَيْنَاهُ" وقوله: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} كنايةٌ عن المعرفةِ، والهدى؛ وذلك يدلُّ على أنَّ هذه الأمورَ من الله - تبارك وتعالى - والدلائلُ العقليةُ ساعدت على صِحَّتِه، وهو دليلُ الداعي المتقدم. وأيضاً فالعاقُل لا يختار الجهل، والكفر لنفسه؛ فمن المحال أنْ يختارَ الإنسانُ جَعْلَ نَفْسِه كافراً جاهلاً، فلما قصد لتحصيل الإيمانِ والمعرفةِ، ولم يحصلْ له ذلك، وإنما حصل ضدُّه، وهو: الكُفْرُ، والجَهْلُ؛ علمْنَا أنَّ ذلك بإيجاد غَيْره. فإن قيل: إنَّما اختاره لاعتقاده في ذلك الجهل، أنَّه عِلْمٌ. فالجواب: أنَّ حاصِلَ هذا الكلامِ أنه إنما اختار هذا الجهْلَ لسابقَةِ جَهْل آخر، والكلام في ذلك الجَهْلِ السَّابِقِ كذلك إلى غَيْرِ نهاية، فوجب الانتهاءُ إلى جَهْل يحصل فيه لا بإيجاده، وهو المطلوبُ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {أو من كان ميتاً فأحييناه} قال: كان كافراً ضالاً فهديناه {وجعلنا له نوراً} هو القرآن {كمن مثله في الظلمات} الكفر والضلالة . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {أو من كان ميتاً} قال: ضالاً {فأحييناه} فهديناه {وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} قال: هدى {كمن مثله في الظلمات} قال: في الضلالة أبداً . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله {أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} قال: نزلت في عمار بن ياسر . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} قال: عمر بن الخطاب {كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} يعني أبا جهل بن هشام . وأخرج ابن المنذر وابي أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم في قوله {أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به الناس كمن مثله في الظلمات} قال: أنزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام، كانا ميتين في ضلالتهما فأحيا الله عمر بالإِسلام وأعزه وأقر أبا جهل في ضلالته وموته، وذلك أن رسول الله صلى عليه وسلم دعا فقال : "حديث : اللهم أعز الإِسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {أومن كان ميتاً فأحييناه} قال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه {كمن مثله في الظلمات} قال: أبو جهل بن هشام . وأخرج أبو الشيخ عن أبي سنان {أومن كان ميتاً فأحييناه} قال: نزلت في عمر بن الخطاب. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} قال: هذا المؤمن معه من الله بينة، وبها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي وهو كتاب الله {كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} قال: مثل الكافر في ضلالته متحير فيها متسكع فيها لا يجد منها مخرجاً ولا منفذاً . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس {وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} قال: القرآن.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا} [الآية: 122]. قال شاه الكرمانى: علامة الحياة ثلاثة: وجدان الأنس بفقدان الوحشة، والامتلاء من الحق بإدمان التذكرة، واستشعار الهيبة بخالص المراقبة. وقال جعفر فى قوله: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} قال: ميتًا عنا فأحييناه بنا، وجعلناه إمامًا يهتدى به وبنوره الأجانب ويرجع إليه الضلال كمن مثله فى الظلمات كمن نزل مع شهوته وهواه فلم يؤيد بروائح القرب ومؤانسة الحضرة. قال ابن عطاء: أو من كان ميتًا بحياة نفسه وموت قلبه، فأحييناه بإماتة نفسه وحياة قلبه، وسهلنا عليه سبيل التوفيق وكحلناه بأنوار القرب فلا يرى غيرنا ولا يلتفت إلى سوانا. وقال شاه: علامة النور فى القلب النظر إلى الدنيا بعين الزوال وتقرب الأجل بإبطال الأمل استعدادًا للموت، وإهمال الدمع عند ذكر الآخرة. قال أبو محمد الجريرى: فى قوله {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} قال: إذا أحيا الله عبدًا بأنواره لا تموت أبدًا، وإذا أماته بخذلانه لا يحيا أبدًا. وقال جعفر: أو من كان ميتًا بالاعتماد على الطاعات، فأحييناه: فجعلنا له نور التضرع والاعتذار. وقال بعضهم: ميتًا برؤية الأفعال فأحييناه برؤية الافتقار. وقال القاسم: أحيا أولياءه بنور الانتباه، كما أحيا الأجساد بالأرواح. قال القناء: هذه حياة المعرفة لا حياة البشرية، وقال: ميت لا ذكر له فى الفناء عن الأذكار، فأحييناه بالموت عن إدراكنا والحياة فينا. وقال سهل: من كان ميتًا بالجهل فأحييناه بالعلم. وقال ابن عطاء: أومن كان ميتًا بالانقطاع عنه، فأحييناه بالاتصال بنا وجعلنا له نورًا اتصالاً كمن تركه فى ظلمات الانقطاع.

القشيري

تفسير : الإيمان عند هؤلاء القوم حياةُ القلب بالله. وأهل الغفلة إذْ لَهُمْ الذكر فقد صاروا أحياءً بعد ما كانوا أمواتاً، وأربابُ الذكرِ لو اعتراهم نسيانٌ فقد ماتوا بعد الحياة. والذي هو في أنوار القرب وتحت شعاع العرفان وفي روْح الاستبصار لا يدانيه مَنْ هو في (أسْرِ) الظلمات، ولا يساويه مَنْ هو رهين الآفات.

اسماعيل حقي

تفسير : {أو من كان ميتا} ـ روى ـ عن ابن عباس ان ابا جهل رمى النبى عليه السلام بفرث فاخبر حمزة بما فعل ابو جهل وهو راجع من الصيد بيده قوس وكان يومئذ لم يؤمن بعد فلقى ابا جهل فضرب رأسه بالقوس فقال ابو جهل أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا فقال حمزة وانتم اسفه الناس تعبدون الحجارة من دون الله تعالى اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله فنزلت هذه الآيات والهمزة للانكار والنفى والواو لعطف الجملة الاسمية على مثلها الذى يدل عليه الكلام اى انتم ايها المؤمنون مثل المشركين ومن كان ميتا {فاحييناه} اعطيناه الحياة وما يتبعها من القوى المدركة والمتحركة {وجعلنا له} مع ذلك من الخارج {نورا} عظيما {يمشى به} اى بسببه {فى الناس} اى فيما بينهم آمنا من جهتهم {كمن مثله} اى صفته العجيبة {فى الظلمات} خبر مبتدأ محذوف اى هو فى الظلمات {ليس بخارج منها} بحال وهو حال من المستكن فى الظرف فمن الاولى موصولة مبتدأة وكمن خبرها وهى ايضا موصولة صلتها الجملة الاسمية الواقعة بعدها فالاولى تمثيل لمن هداه الله تعالى وانقذه من الضلال وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها فى الاشياء فيميز بين الحق والباطل والحق والمبطل كحمزة رضى الله عنه والثانية تمثيل لمن بقى على الضلالة لا يفارقها اصلا كأبى جهل {كذلك} اى كما زين للمؤمن من ايمانه {زين} اى من جهة الله تعالى بطريق الخلق او من جهة الشيطان بطريق الوسوسة {للكافرين ما كانوا يعملون} اى ما استمروا على عمله من فنون الكفر والمعاصى وبهذا التزيين بقوا فى ظلمات الكفر والضلالة ولم يهتدوا الى نور الايمان والهداية. قال ارباب الحقيقة الموت بهوى النفس والحياة بمحبة الحق وايضا الموت بالنكرة والحياة بالمعرفة وفرق بين حياة المعرفة وحياة البشرية فاهل العموم حى بحياة البشرية لكنه كالميت فى قبر قالبه لا يمكنه الخروج من ظلمات وجوده المجازى واهل الخصوص حى بحياة المعرفة فحياة البشرية تزول لقوله تعالى {أية : كل نفس ذائقة الموت} تفسير : [الأنبياء: 35]. بخلاف حياة المعرفة لقوله تعالى {أية : لنحيينه حياة طيبة} تفسير : [النحل: 97]. وقوله عليه السلام "حديث : المؤمن حى فى الدارين". شعر : نميرد هر كرا جانش توباشى خوشا جانى كه جانانش توباشى تفسير : قال الحافظ: شعر : هركزنميرد آنكه دلش زنده شد بعشق ثبت است بر جريده عالم دوام ما تفسير : وفى التفسير الفارسى [شاه كرمانى اين آيت برخواندكه {أو من كان ميتا فأحييناه} كفت نشان اين آبت سه جيزاست ازخلق عزلت وباحق دعوت ودوام ذكر برزبان ودل وبزركى اين معنى را نظم فرموده] شعر : برروى خلائق در صحبت مكشاى مى باش بكلى متوجه بخداى غافل مشو ازذوق دل وذكر زبان تازنده جاويد شوى دردو سراى تفسير : واعلم ان الحى الحقيقى الذى ما كان ميتا ولا يموت ابدا هو الله تعالى وما سواه فهو ميت لانه كان ميتا فى العدم وسيموت ايضا: قال الحافظ شعر : من هماندم كه وضو ساختم ازجشمه عشق جار تكبير زدم يكسره تر هرجه كه هست تفسير : يعنى شاهدت جميع الخلق موتى بسبب الوصول الى مقام العشق والفناء. قال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر من شهد الخلق لافعل لهم فاز ومن شهدهم لا حياة لهم فقد فاز ومن شهدهم عين العدم فقد وصل. وعن عبد الواحد بن زيد رحمه الله قال مررت براهب فسألته منذ كم انت فى هذا الموضع فقال منذ اربع وعشرين سنة قلت من انيسك قال الفرد الصمد قلت ومن المخلوقين قال الوحش فسألته وما طعامك قال ذكر الله تعالى قلت ومن المأكولات قال ثمار هذه الاشجار ونبات الارض قلت أفلا تشتاق الى احد قال نعم الى حبيب قلوب العارفين قلت ومن المخلوقين قال من كان شوقه الى الله تعالى سبحانه كيف يشتاق الى يره قلت فلم اعتزلت عن الخلق قال لانهم سراق العقول وقطاع طريق الهدى قلت ومتى يعرف العبد طريق الهدى قال اذا هرب الى ربه من كل شئ سواه واشتغل بذكره عن ذكر ما سواه ولكل سالك خطوة فى السلوك الى ملك الملوك ـ كما حكى ـ ايضا عن الشيخ عبد الواحد بن زيد قال قصدت بيت المقدس فضلت الطريق فاذا بامرأة اقبلت الىّ فقلت لها يا غريبة انت ضالة فقالت كيف يكون غريبا من يعرفه وكيف يكون ضالا من يحبه ثم قالت خذ رأس عصاى وتقدم بين يدى فاخذت رأس عصاها وتقتدمت بين يديها ست اقدام او اقل او اكثر فاذا انا بمسجد بيت المقدس فدلكت عينى وقلت لعل هذا غلط منى فقالت يا هذا سيرك سير الزاهدين وسيرى سير العارفين فالزاهد سيار والعارف طيار ومتى يلحق السيار بالطيار ثم غابت عنى فلم ارها بعد ذلك فظهر من هذه الحكاية ان للعارف نورا يمشى به الى حيث شاء والجاهل يبقى فى وادى الحيرة ولا يجد سبيلا الا بتوفيق الله تعالى وهدايته فكما ان الاعمى والبصير ليسا على سواء فكذلك البصير الجاهل والعالم سواء كان جهله وعلمه فى مرتبة الشريعة او الطريقة او المعرفة او الحقيقة فالله تعالى باين بين اهل الحال كما باين بين اهل المقال وعظم النور وسعته بالنسبة الى فسحة القلب ومعرفته فالقلب بيد الله تعالى يقلبه كيف يشاء ولذلك زين لاهل الايمان وجوه الخير والطاعات وزين لاهل الكفر صنوف الشر والسيآت لكن العباد ليسوا بمجبورين فلهم اختيار فى الخروج من الظلمات فاذا لم يصرفوا استعداداتهم الى ما خلقوا لاجله بقوافى ظلمات الطبيعة والنفس هذا هو الكلام بالنسبة الى ظاهر الحال واما ان نظرت الى اسناد الاحياء والجعل فى الآية المذكورة الى الله تعالى فمقتضى التوحيد ان الكل بيد الله ولا تأثير الا من عند الله فان وجدت خيرا فلتحمد الله كثيرا فقد سبقت لك العناية وساعدك التوفيق فرب تقليد يوصل الى التحقيق والله الهادى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كَمَنَ}: موصولة، و {مَّثَلُه}: مبتدأ، و {في الظلمات}: خبره، وقيل: مثل ـ هنا ـ زائدة، أي: كمن هو في الظلمات، و {ليس بخارج}: حال من الضمير في الخبر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أو من كان ميتًا} بالكفر والجهل {فأحييناه} بالإيمان والعلم، {وجعلنا له نورًا} في قلبه أي: نور الإيمان والعلم، {يمشي به في الناس}، فيذكرهم بالله، ويدلهم على الله، {كمن مثله} غريق {في الظلمات} في ظلمة الكفر والجهل والتقليد والذنوب، {ليس بخارج منها} أي: لا يفارق ضلالته بحال. {كذلك} أي: كما زُين الإيمان لهؤلاء {زُين للكافرين ما كانوا يعملون}. قال البيضاوي: مَثل به من هداه الله تعالى وأنقذه من الضلال، وجعل له نورَ الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء، فيميز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل، ثم قال: والآية نزلت في حمزة وأبي جهل، وقيل: في عمّار وعُمر وأبي جهل. هـ. ولفظها أعم، وفي الآية من أنواع البيان: الطباق؛ في قوله: {ميتًا فأحييناه}. الإشارة: الروح تكون أولاً على الفطرة التي فطرها الله عليها، من العلم والإقرار بالربوبية، فإذا بلغت قد تطرأ عليها موتات، ثم تحيا من كل واحدة على حسب المشيئة، فقد تموت بالكفر، ثم تحيا بالإيمان، وقد تموت بالذنوب والجرائم، ثم تحيا بالتوبة، وقد تموت بالحظوظ والشهوات، ثم تحيا بالزهد والورع والرياضة، وقد تموت بالغفلة والبطالة ثم تحيا باليقظة والإنابة، وقد تموت برؤية الحس وسجن الأكوان والهيكل، ثم تحيا برؤية المعاني وخروج الفكرة إلى فضاء الشهود والعيان، ثم لا موت بعد هذا إلى أبد الأبد. والله تعالى أعلم. وسبب هذه الموتات: صحبة الغافلين؛ الموتى، وطاعتهم حتى يمكروا بصاحبهم، كما قال تعالى: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا}.

الطوسي

تفسير : قرأ أهل المدينة ويعقوب {ميتا} بالتشديد. الباقون بالتخفيف. قال أبو عبيدة الميتة مخففة ومثقلة معناهما واحد، وانما خفف إِستثقالا، قال ابن الرعلاء الغساني: شعر : ليس من مات فاستراح بميت انما الميت ميت الاحياء انما الميت من يعيش كئيبا كاسفا باله قليل الرجاء تفسير : وقد وصف الله الكفار بأنهم أموات بقوله{أية : أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون}تفسير : وكذلك {أو من كان ميتا فاحييناه} والمعنى من كان ميتا بالكفر فصار حيا بالاسلام بعد الكفر، كالمصر على كفره؟! وقوله {وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} يحتمل امرين: أحدهما - أن يراد به النور المذكور في قوله يسعى {أية : نورهم بين أيديهم} تفسير : وقوله {أية : يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم} تفسير : الثاني - أن يراد بالنور الاحكام التي يؤتاها المسلم باسلامه، لانه اذا جعل الكافر بكفره في الظلمات فالمؤمن بخلافه. ومن خفف حذف الياء الثانية المنقلبة عن الواو، أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب اختلفوا في من نزلت هذه الآية، فقال ابن عباس والحسن وغيرهما من المفسرين: نزلت في كل مؤمن وكافر. وقال عكرمة: نزلت في عمار بن ياسر وابي جهل، وهو قوله ابي جعفر (ع). وقال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وقال الزجاج: نزلت في النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبي جهل. والاول أعم فائدة، لانه يدخل فيه جميع ما قالوه. بين الله تعالى أن {من كان ميتا} يعني كافرا {فأحييناه} يعني وفقناه للايمان، فآمن أو صادفناه مؤمنا بأن آمن، لان الاحياء بعد الإِماتة - ها هنا - هو الاخراج من الكفر الى الايمان عند جميع أهل العلم: كابن عباس والحسن ومجاهد والبلخي والجبائي وغيرهم. وقوله {وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} يعني جعلنا له علما، فسمى العلم نورا وحياة، والجهل ظلمة وموتا، لان العلم يهتدى به الى الرشاد، كما يهتدى بالنور في الظلمات، وتدرك به الامور كما تدرك بالحياة. والظلمة كالجهل لانه يؤدي الى الحيرة والهلكة، والموت كالجهل في أنه لا تدرك به حقيقة. وانما قال {كمن مثله في الظلمات} ولم يقل كمن هو في الظلمات، لان التقدير كمن مثله مثل من في الظلمات ويجوز أن يدل بأن مثله في الظلمات على أنه في الظلمات الا انه يزيد فائدة أنه ممن يضرب به المثل في ذلك. وقيل في المراد بالنور الذي يمشي به في الناس قولان: أحدهما - قال الحسن: وهو القرآن. وقال غيره: هو الايمان الذي لطف له به. ووجه التشبيه في قوله {كذلك زين للكافرين} أي زين لهؤلاء الكفر، فعملوه كما زين لأولئك الايمان فعملوه، فشبهت حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك فيه، كما قال{أية : كل حزب بما لديهم فرحون}تفسير : وانما زين الله تعالى الايمان عند المؤمنين، وزين الغواة من الشياطين وغيرهم الكفر عند الكافرين وهو قول الحسن وأبي علي والرماني والبلخي وغيرهم. وفي الآية دلالة على وجوب طلب العلم، لانه تعالى رغب فيه بأن جعله كالحياة في الادراك بها والنور في الاهتداء به.

الجنابذي

تفسير : {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً} عن الحيوة الانسانيّة وان كان حيّاً بالحيوة الحيوانيّة {فَأَحْيَيْنَاهُ} بالحيوة الانسانيّة بقبول الدّعوة النّبويّة والبيعة العامّة او باستعداد قبول الولاية واستحقاق البيعة الخاصّة {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً} اماماً او ايتماماً بامام منّا {يَمْشِي بِهِ} بسببه او معه {فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ} المثل بالتّحريك والمثل بالكسر والمثيل كامير الشّبيه، والمثل بالتّحريك الحجّة والحديث والصّفة والمعنى كمن هو شبيه من احييناه حال كونه {فِي ٱلظُّلُمَاتِ} او كمن شبيهه ثابت فى الظّلمات او كمن حديثه او صفته ثابتة فى الظّلمات، او كمن صفته البقاء فى الظّلمات سواء كان حيّاً بالحيوة الانسانيّة وقبول الدّعوة النّبويّة ولم يكن له نورٌ او لم يكن حيّاً فضلاً عن النّور {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} عن الباقر (ع) الميت الّذى لا يعرف هذا الشأن يعنى هذا الامر، واقول: المراد به الولاية اى الدّعوة الباطنة وقبولها والبيعة لها وقال (ع) جعلنا له نوراً اماماً يأتمّ به يعنى علىّ بن ابى طالب (ع) كمن مثله فى الظّلمات قال (ع) بيده هذا الخلق الّذين لا يعرفون شيئاً، وبهذا المضمون اخبار كثيرة، ويستفاد من هذا الخبر انّ المراد بالميّت غير العارف بأمر الولاية سواء كان عارفاً بامر النّبوّة او لم يكن، والحيوة معرفة امر الولاية بقبول الدّعوة الباطنة فانّه لا يتصوّر معرفة هذا الامر الاّ بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الولويّة، والمراد بالنّور امّا نفس قبول الدّعوة والبيعة او الامام الظّاهر عليه بشريّته، او المراد بالنّور الامر الدّاخل فى القلب بالبيعة الخاصّة او المراد به ملكوت الامام الظّاهر على السّالك فانّه به يحصل معرفة الامام بالنّورانيّة {كَذَلِكَ} التّزيين الّذى زيّنّا لمن مثله فى الظّلمات {زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فى ظلمات جهالاتهم محجوبين عن امر الولاية وضالّين عنه.

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى. ر]: {أفمن كان ميتاً فأحييناه} إلى آخر الآية أبو جهل بن هشام.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} الآية، قيل: نزلت في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحياه الله بالرسالة وأبو جهل كالميت بالكفر، وقيل: نزلت في حمزة وأبو جهل وذلك أن أبا جهل آذى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبر حمزة وهو على دين قومه فغضب ومعه قوس فضرب بها رأس أبي جهل، وآمن فنزلت الآية، وقيل: نزلت الآية في عمار بن ياسر حين آمن، وقوله: يمشي به في الناس، قيل: القرآن، وقيل: الايمان كمن مثله في الظلمات، قال بعضهم: المثل زائد تقديره كمن في الظلمات، وقال بعضهم: كمن مثله لو شبه بشيء كان يشبهه في الظلمات ظلمة الكفر والضلال ليس بخارج منها يعني لم يبصر رشداً ولم يعرف حقاً {كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون}، قيل: زينوا لأنفسهم كما يقال فلان معجب بنفسه {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} أي خلقناهم وجعلناهم كبراء عظماء بأن أنعمنا عليهم بالأموال والأولاد وأمهلناهم فصاروا مجرمين ماكرين، وقيل: معناه لئلا يمكروا فمكروا {وما يمكرون إلاَّ بأنفسهم} لأن وبال ذلك يعود عليهم {وما يشعرون} أنه كذلك {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} الآية نزلت في الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النبوة حقاً لكنت أولى بها منك لأني اكبر منك سناً وأكثر منك مالاً فنزلت، وقيل: نزلت في أبي جهل قال والله لا نؤمن به ولا نتبعه حتى يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت {سيصيب الذين أجرموا صغارٌ عند الله}، قيل: ذل وهوان، وقيل: قتل {و} في الآخرة {عذاب شديد} وقيل: صغار في الدنيا، وعذاب في الآخرة {بما كانوا يمكرون} قوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} يعني يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف وشرح صدره للإسلام فيلطف به حتى يرغب في الإِسلام {ومن يرد أن يضله} أي يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له {يجعل صدره ضيقاً حرجاً} يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه {كأنما يصَّعَّد في السماء} أي كما يحاول أمراً غير ممكن لأن صعود السماء مثل مما يبعد ويمتنع يعني يشق عليه الايمان كما يشق عليه صعود السماء {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}، قيل: أراد بالرجس العذاب في الآخرة، وقيل: فمن يرد الله أن يهديه إلى الثواب والجنة يوم القيامة جزاء على ما فعله لأنه مؤمن يستحق الثواب يشرح صدره في الدنيا بالالطاف وزيادة الهدى للإسلام أي لأجل الإِسلام، ومن يرد أن يضله عن الثواب وطريق الجنة يوم القيامة جزاء على كفره لأنه يستحق العذاب يجعل صدره ضيقاً شديد الضيق، والحرج الشديد: الضيق.

اطفيش

تفسير : {أوَ مَن كانَ مَيْتاً} شبيهاً بميت فى عدم الانتفاع لنفسه، وعدم تخليص نفسه من المهالك، وذلك مخلو قلبه عما هو كالحياة وهو الإيمان، وتشديد الباء قراءة نافع ويعقوب، وقرأ غيرهما بإسكانها {فأحْييْناه} أزلنا ما فى قلبه من الشرك الشبيه بالموت بالتوفيق للإيمان {وجَعَلنا لهُ نوراً} دلائل وبراهين توصله إلى الإيمان شبهية بالنور الذى يهتدى به إلى المطالب {يمْشِى بهِ فى النَّاسِ} يميز به أعنى بذلك النور بين الضلال والرشاد تميزا شبيهاً بمشى من يمشى فى الناس ذاهباً وراجعاً بينهم فى مصالحه. {كَمن مثلُه فى الظُّلمات} أى صفته الغريبة الشبيهة بالمثل فى الغرابة فى الظلمات مثله مبتدأ، وفى الظلمات خبره، وكمن خبر من الأولى، والهمزة مما بعد الواو أو داخلة على محذوف، ومعنى كون صفته فى الظلمات أنه مغمور بالظلمات غارق فيها، لا يجد طريقاً ولا يتيسر له التصرف فى مصالحه، والخروج عن المضار، وذلك هو إشراكه ومعاصيه الشبيهة بذلك، ويجوز فإنه بهاء بإشراكه لا ينجو من الشر ولا يفوز بالخير، ومن أجاز زيادة الأسماء قال مثل مفخم، والأصل كمن هو فى الظلمات. {لَيسَ بخَارجٍ منْها} الجملة حال من المستتر فى قوله: {فى الظلمات} حال كونه مقيماً فيها لا يفارقها، أى ليس بخارج من الظلمات، أى من الضلالات، وليست الجملة حالا من هاء مثله، ولو كان المضاف كجزء المضاف إليه هنا للفصل بالخبر، ومجموع قوله: {من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشى به فى الناس} استعارة مركبة كما رأيت بيان إفرادها ولا يشكل معى ذلك ذكر أداة التشبيه فى قوله: {كمن مثله فى الظلمات} لأن هذا لفظ آخر خارج عن تلك الاستعارة. وقيل: النور نور يوم القيامة الذى أمام المؤمن والظلمات ظلمات يوم القيامة أمام الكافر، وقال قتادة: النور القرآن، والظلمات الجهل، وعلى كل حال المراد لتمثيل المؤمن والكافر عموماً، وهو ظاهر متبادر، وبه قال الحسن وغيره، وعن ابن عباس: {من كان ميتاً فأحييناه} حمزة عم النبى صلى الله عليه وسلم {ومن مثله فى الظلمات} أبو جهل لعنه الله، رجع حمزة رضى الله عنه من الصيد، ودخل المسجد ليطوف وكانت عادته إذا رجع منه أن يطوف قيل أن يدخل بيته، فأخبر بسبّ أبى جهل لعنه الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه غضبان يضربه بقوسه، فجعل أبو جهل يتضرع ويقول: يا أبا يعلى ألا ترى ما جاء به سفَّه عقولنا، وسب آلهتنا، وخالف آباءنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم عقولا، تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فحينئذ أسلم حمزة فنزلت سورة الأنعام جملة وفيها هذه الآية فى شأنه، وهذا الإيضاح منى. قال ابن إسحاق: حدثنى رجل من اسلم كان واعية أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هناك مولاة لعبد الله بن جدعان فى مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى نادى قريش عند الكعبة فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحاً قوسه، راجعاً من قفص أى صيد، وكان صاحب قنص يرمى ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على نادٍ من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى فى قريش، وأشد شكيمة، فلما مر بالمولاة وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته قالت: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفاً من أبى الحكم بن هشام، وجده هنا جالساً، فآذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد، فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامة، وخرج يسعى لم يقف على أحد، معداً لأبى جهل إذا لقيه أن يقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا فى القوم، فأقبل نحوه حتى وقف عليه، فرفع قوسه فضربه فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه فأنا على دينه أقول ما يقول، فرد ذلك علىَّ إن استطعت. فقام رجال بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل لعنه الله: دعوا أبا عمارة فإنى والله قد سببت بن أخيه فدام حمزة على إسلامه ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفى رواية غير ابن إسحاق أن حمزة قال: لما احتملوا الغضب فقلت أنا على قوله ركبنى الندم على فراق دين آبائى وقومى، وبت من الشك أمر عظيم، فما استتممت دعائى حتى زاح عنى الباطل، وامتلأ قلبى يقيناً، فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بما كان من أمرى، فدعا لى بأن يثبتنى الله، وقال رضى الله عنه حين أسلم: شعر : حمدت الله حين هدى فؤادى إلى الإسلام والدين الحنيف لدين جاء من رب عزيز خبير بالعباد بهم لطيف إذا تليت رسائله علينا تحدر دمع ذى اللب الحصيف رسائل جاء أحمد من هداها بآيات مبينة الحروف وأحمد مصطفى فينا مطاع فلا تغشوه بالقول العنيف فلا والله نسلمه لقوم ولما نقض فيهم بالسيوف وتترك فيهم قتلى بقاع عليها الطير كالورد العكوف وقد خبرت ما صنعت ثقيف به فجزى القبائل من ثقيف تفسير : وقال الضحاك: حديث : نزلت الآية فى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وأبى جهل لعنه الله، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم أيد الإسلام بأحد العمرين" تفسير : يعنى عمرو بن هشام أبا جهل، وعمر بن الخطاب رضى الله عنه، فأيده الله عز وجل به. وقال عكرمة والكلبى: فى عمار بن ياسر رضى الله عنه وأبى جهل، وقال مقاتل بن سليمان: نزلت فى النبى صلى الله عليه وسلم وأبى جهل لعنه الله، وذلك أن أبا جهل قال: زاحمنا بنو عبد مناف فى الشرف حتى إذا صرنا نحن وهم كفرسى رهان قالوا منَّا نبى يوحى إليه، والله لا نؤمن إلا أن يأتينا وحى كما يأتيه، فنزلت الآية، ومعنى نزول الآية فى ذلك على هذه الأقوال نزول الأنعام وفيه هذه الآية فى هذا الشأن، والصحيح عموم الآية فتلمح بعمومها إلى هذه الأفراد المدعى نزه لها فيها، والله أعلم. {كَذلكَ زُيِّن للكافرِين ما كانُوا يعْمَلون} كما زين للمؤمنين ما كانوا يعملون من الإيمان، زين للكافرين ما كانوا يعملون من الكفر المزين للكفر بالله تعالى، بمعنى أنه خذلهم أو الشيطان بمعنى أنه وسوس لهم، وتزيين الله الإيمان توفيقه للمؤمنين إليه.

اطفيش

تفسير : {أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً} الجمهور على أَن الهمزة مما بعد العاطف لكمال تصدرها، وقيل: داخلة على محذوف، أَى أَيستوى المشرك والمؤمن، أَو أَأَنتم مثلهم فى استحلال الميتة ومن كان كميت فى عدم تحرزه عن المضار وعدم جلب المنافع وذلك هو من كفر {فَأَحْيَيْنَاهُ} صيرناه كمن حيى من موت بالإِيمان {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً} شيئاً ينتفع به كما ينتفع بنور الشمس والقمر والنجوم والمصباح وهو آيات القرآن وسائر الوحى، أَو هدى فى القلب بالآيات وسائر الوحى {يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ} يتبصر به فيما بينهم ولا يزل بزللهم آمنا من ضلالهم لأَنه يميز الحق من الباطل {كَمَنْ مَثَلُهُ} صفته، أَو مثل مقحم أَى كمن هو {فِى الظُّلُمَاتِ} فى المعاصى والجهالات الشبيهة فى الخسة والمضار بظلمات الليل وغيره التى لا يبتدر فيها إِلى نفع ولا إِلى دفع ضرر كقوله {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} حال من المستتر فى قوله {فى الظلمات} وهؤلاء الجمل المركبات تمثيلية لا استعارة مركبة تمثيلية لذكر أَداة التشبيه ولذكر المشبه والمشبه به ولو بلفظ غير صريح فيهما. فلا يصح ما قيل أَنها استعارة تمثيلية وأَنها لعدم ذكر المشبه صريحاً وأَن ذلك كقولك أَيكون الأَسد كالثعلب فى الاستعارة المفردة فإِن الاية كقولك أَفمن كفر وأَسلم كمن بقى فى كفر وهى على عمومها نزلت فى كل من زيد علما ولم يكفر، وقى كل من تاب وكل من أَصر. فدخل فى ذلك ما روى أَن أَبا جهل قال: زاحمنا بنو عبد مناف فى الشرف حتى إِذا صرنا نحن وهم كفرسى رهان قالوا منا نبى يوحى إِليه. والله لا نؤمن إِلا أَن يأتينا وحى كما يأتيه. ولكن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكفر قط إِلا أَنه كان خالياً عن الوحى ثم أَحياه الله به، كقوله تعالى "أية : ووجدك ضالا فهدى" تفسير : [الضحى: 7] وما روى أَنها نزلت فى عمار ابن ياسر وأَبى جهل، وما روى أَنها نزلت فى عمر وأَبى جهل كانا يسبانه صلى الله عليه وسلم فأَسلم عمر وأَصر أَبو جهل، وما روى أَن حمزة رجع من صيد، وكان قناصاً، ودخل المسجد علىعادته إِذا رجع وبيده قوس فأَخبرته مولاة له أَن أَبا الحكم كان يسب ابن أَخيك ورمى عليه فرثا وهو ساجد. فجعل يضربه بالقوس وهو يتضرع إِلى حمزة، ويقول: يا أَبا يعلى أَما ترى ما جاءَ به؟ سفهنا وسب آلهتنا وخالف آباءَنا، فقال حمزة: ومن أَسفه منكم عقولا تعبدون الحجارة من دون الله، فأَنا على دينه فاردد علىَّ إن قدرت. وأَسلم وقال: أَشهد أَن لا إِله إِلا الله وأََن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم {كَذَلِكَ} كما زين للمؤمن الإِيمان فاختاره على الضلال وقد قضاه الله فآمن، أَو كما انتفت الحجج عن هؤلاء {زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} من الشرك والمعاصى قضاه الله عليهم فاختاروه وكفروا، والمزين هو الله عز وجل كما قال زينا لهم أَعمالهم، وذلك بخلق الدواعى. ومنعت المعتزلة ذلك. وتزيين الشيطان أَمره بالفعل وتصويره فى صورة الحسن.

الالوسي

تفسير : /{أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ} تمثيل مسوق لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين إثر تحذيرهم عنها بالإشارة إلى أنهم مستضيئون بأنوار الوحي الإلٰهي والمشركون غارقون في ظلمات الكفر والطغيان فكيف يعقل طاعتهم له، فالآية ـ كما قال الطيبي ـ متصلة بقوله سبحانه، { أية : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } تفسير : [الأنعام: 121] والهمزة للإنكار. والواو ـ كما قال غير واحد ـ لعطف الجملة الاسمية على مثلها الذي يدل عليه الكلام أي أأنتم مثلهم ومن كان ميتاً فاعطيناه الحياة {وَجَعَلْنَا لَهُ } مع ذلك من الخارج {نُوراً } عظيماً {يَمْشِي بِهِ } أي بسببه {فِى ٱلنَّاسِ} أي فيما بينهم آمنا من جهتهم، والجملة إما استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: فماذا يصنع بذلك النور؟ فقيل: يمشي الخ أو صفة له. و (من) اسم موصول مبتدأ وما بعده صلته والخبر متعلق الجار والمجرور في قوله تعالى: {كَمَن مَّثَلُهُ} أي صفته العجيبة. و (من) فيه اسم موصول أيضاً و {مثله} مبتدأ. وقوله سبحانه: {فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ} خبر هو محذوف. وقوله سبحانه: {لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا} في موضع الحال من المستكن في الظرف، وهذه الجملة خبر المبتدأ أعني مثله على سبيل الحكاية بمعنى إذا وصف يقال له ذلك، وجملة {مثله} مع خبره صلة الموصول. وإن شئت جعلت (من) في الموضعين نكرة موصوفة ولم يجوز أن يكون {فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ} خبراً عن {مثله} لأن الظلمات ليس ظرفاً للمثل. وظاهر كلام بعضهم كأبي البقاء أن {فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ} هو الخبر وليس هناك هو مقدراً، ولا يلزم ـ كما نص عليه بعض المحققين ـ حديث الظرفية لأن المراد أن مثله هو كونه في الظلمات والمقصود الحكاية؛ نعم ما ذكر أولاً أولى لأن خبر {مثله} لا يكون إلا جملة تامة والظرف بغير فاعل ظاهر لا يؤدي مؤدى ذلك. وجوز كون جملة {لَيْسَ بِخَارِجٍ} حالاً من الهاء في {مثله} ومنعه أبو البقاء للفصل، قيل: ولضعف مجيء الحال من المضاف إليه وقرأ نافع ويعقوب {مَيْتًا } بالتشديد وهو أصل للمخفف والمحذوف من اليائين الثانية المنقلبة عن الواو أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب ولا فرق بينهما عند الجمهور. «ثم إن هذا الأخير ـ كما قال شيخ الإسلام ـ مثل أريد به من بقي في الضلالة بحيث لا يفارقها أصلاً كما أن الأول مثل أريد به من خلقه الله تعالى على فطرة الإسلام وهداه بالآيات البينات إلى طريق الحق يسلكه كيف شاء لكن لا على أن يدل على كل واحد من هذه المعاني بما يليق به من الألفاظ الواردة في المثلين بواسطة تشبيهه بما يناسبه من معانيها فإن ألفاظ المثل باقية على معانيها الأصلية بل على أنه قد انتزعت من الأمور المتعددة المعتبرة في كل واحد من جانب المثلين هيئة على حدة ومن الأمور المتعددة المذكورة في كل واحد من جانب المثلين هيئة على حدة فشبهت بهما الأولتان ونزلتا منزلتهما فاستعمل فيهما ما يدل على الأخيرتين بضرب من التجوز» إلى آخر ما قال، ونص القطب الرازي على أنهما تمثيلان لا استعارتان، ورد ـ كما قال الشهاب ـ بأن الظاهر بأن من كان ميتاً ومن مثله في الظلمات من قبيل الاستعارة التمثيلية إذ لا ذكر للمشبه صريحاً ولا دلالة بحيث ينافي الاستعارة والاستعارة الأولى بجملتها مشبهة والثانية مشبه به وهذا كما تقول في الاستعارة الإفرادية أيكون الأسد كالثعلب؟ أي الشجاع كالجبان وهو من بديع المعاني الذي ينبغي أن يتنبه له ويحفظ. والتفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالميت الكافر الضال وبالإحياء الهداية وبالنور القرآن وبالظلمات الكفر والضلالة، والآية على ما أخرج أبو الشيخ عنه نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه / وهو المراد بمن أحياه الله تعالى وهداه، وأبي جهل بن هشام لعنه الله تعالى وهو المراد بمن مثله في الظلمات ليس بخارج، وروي عن زيد بن أسلم مثل ذلك. وفي رواية عن ابن عباس أنها في حمزة وأبي جهل، وعن عكرمة أنها في عمار بن ياسر وأبي جهل، وأياً ما كان فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيدخل في ذلك كل من انقاد لأمر الله تعالى ومن بقى على ضلاله وعتوه. {كَذٰلِكَ } إشارة إلى التزيين المذكور على طرز ما قرر في أمثاله أو إشارة إلى إحياء الشياطين إلى أوليائهم أو إلى تزيين الإيمان للمؤمنين {زُيِّنَ} من جهته تعالى خلقاً أو من جهة الشياطين وسوسة {لِلْكَـٰفِرِينَ} كأبي جهل وأضرابه {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ما استمروا على عمله من فنون الكفر والمعاصي التي من جملتها ما حكى عنهم من القبائح.

ابن عاشور

تفسير : الواو في قوله: {أو من كان ميتاً} عاطفة لجملة الاستفهام على جملة: { أية : وإن أطعتموهم إنَّكم لمشركون } تفسير : [الأنعام: 121] لتضمّن قوله: {وإن أطعتموهم} أنّ المجادلة، المذكورة من قَبْلُ، مجادلة في الدّين: بتحسين أحوال أهل الشّرك وتقبيح أحكام الإسلام الّتي منها: تحريم الميتة، وتحريم ما ذُكر اسم غير الله عليه. فلمّا حَذر الله المسلمين من دسائس أولياء الشّياطين ومجادلتهم بقوله: { أية : وإن أطعتموهم إنَّكم لمشركون } تفسير : [الأنعام: 121] أعقَب ذلك بتفظيع حال المشركين، ووصَفَ حسن حالة المسلمين حين فارقوا الشّرك، فجاء بتمثيلين للحالتين، ونفَى مساواة إحداهما للأخرى: تنبيها على سوء أحوال أهل الشّرك وحسننِ حال أهل الإسلام. والهمزة للاستفهام المستعمل في إنكار تَماثل الحالتين: فالحالة الأولى: حالة الّذين أسلموا بعد أن كانوا مشركين، وهي المشبّهة بحال مَن كان ميّتاً مودَعاً في ظلمات، فصار حيّاً في نورٍ واضححٍ، وسار في الطّريق الموصّلة للمطلوب بين النّاس، والحالة الثّانية: حالةُ المشرك وهي المشبّهة بحالة من هو في الظلمات ليس بخارج منها، لأنَّه في ظلمات. وفي الكلام إيجازُ حذففٍ، في ثلاثة مواضع، استغناء بالمذكور عن المحذوف: فقوله: {أو من كان ميتاً} معناه: أَحَال مَن كان ميّتاً، أو صِفة مَن كان ميّتاً. وقوله: {وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} يدلّ على أنّ المشبّه به حال مَن كان ميّتاً في ظُلمات. وقوله: كمن مثله في الظلمات تقديره: كمن مثله مثَل ميّت فما صدْق (مَن) ميّت بدليل مقابلته بميّت في الحالة المشبّهة، فيعلم أنّ جزء الهيئة المشبّهة هو الميّت لأنّ المشبّه والمشبّه به سواء في الحالة الأصليّة وهي حالة كون الفريقين مشركين. ولفظ (مثَل) بمعنى حالة. ونفيُ المشابهة هنا معناه نفي المساواة، ونفي المساواة كناية عن تفضيل إحدى الحالتين على الأخرى تفضيلاً لا يلتبس، فذلك معنى نفي المشابهة كقوله: { أية : قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظّلمات والنّور } تفسير : [الرعد: 16] ــــ وقوله ــــ { أية : أفمَن كان مؤمناً كَمَن كان فاسقاً لا يستوون } تفسير : [السجدة: 18]. والكاف في قوله: {كمن مثله في الظلمات} كاف التّشبيه، وهو تشبيه منفي بالاستفهام الإنكاري. والكلام جار على طريقة تمثيل حال من أسْلَم وتخلَّص من الشرك بحال من كان ميّتا فأُحْيِي، وتمثيللِ حال من هو باق في الشرك بحال ميت باق في قبره. فتضمّنت جملة: {أو من كان ميتاً} إلى آخرها تمثيل الحالة الأولى، وجملة: {كمن مثله في الظلمات} الخ تمثيلَ الحالة الثّانية، فهما حالتان مشبّهتان، وحالتان مشبَّهٌ بهما، وحصل بذكر كاف التّشبيه وهمزة الاستفهام الإنكاري أنّ معنى الكلام نفي المشابهة بين من أسلم وبين من بَقي في الشرك. كما حصل من مجموع الجملتين: أنّ في نظم الكلام تشبيهين مركَّبين. ولكنّ وجودَ كاف التّشبيه في قوله: {كمن مثله} مع عدم التّصريح بذكر المشبَّهَيْن في التّركيبين أثارَا شُبهة: في اعتبار هذين التّشبيهين أهو من قبيل التّشبيه التّمثيلي، أم من قبيل الاستعارة التّمثيلية؛ فنحا القطب الرّازي في «شرح الكشاف» القبيلَ الأول، ونحا التفتزاني القبيلَ الثّاني، والأظهر ما نحاه التفتزاني: أنَّهما استعارتان تمثيليتان، وأمّا كاف التّشبيه فهو متوجّه إلى المشابهة المنفيّة في مجموع الجملتين لا إلى مشابهة الحالين بالحالين، فمورد كاف التّشبيه غير مورد تمثيل الحالين. وبين الاعتبارين بون خفي. والمراد: بــــ{الظّلمات} ظلمةُ القبر لمناسبته للميِّت، وبقرينة ظاهر {في} من حقيقة الظرفية وظاهر حقيقة فعل الخروج. ولقد جاء التّشبيه بديعاً: إذ جعل حال المسلم، بعد أن صار إلى الإسلام، بحال من كان عديم الخير، عديم الإفادة كالميّت، فإنّ الشرك يحول دون التّمييز بين الحقّ والباطل، ويصرف صاحبه عن السّعي إلى ما فيه خيره ونجاته، وهو في ظلمة لو أفاق لم يعرف أين ينصرف، فإذا هداه الله إلى الإسلام تغيرّ حاله فصار يميّز بين الحقّ والباطل، ويعلم الصّالح من الفاسد، فصار كالحي وصار يسعى إلى ما فيه الصّلاح، ويتنكّب عن سبيل الفساد، فصار في نور يمشي به في النّاس. وقد تبيّن بهذا التّمثيل تفضيل أهل استقامة العقول على أضدادِهم. والباء في قوله: {يمشي به} باء السّببيّة. والنّاس المصرح به في الهيئة المشبه بها هم الأحياء الّذين لا يخلو عنهم المجتمع الإنساني. والنّاس المقدّر في الهيئة المشبهة هم رفقاء المسلم من المسلمين. وقد جاء المركب التّمثيلي تاماً صالحاً لاعتبار تشبيه الهيئة بالهيئة، ولاعتبار تشبيه كلّ جزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبّهِ بها، كما قد علمته وذلك أعلى التّمثيل. وجملة: {ليس بخارج منها} حال من الضّمير المجرور بإضافة (مَثل)، أي ظلمات لا يرجى للواقع فيها تنوّر بنور ما دام في حالة الإشراك. وجملة: {كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} استئناف بياني، لأنّ التّمثيل المذكور قبلها يثير في نفس السّامع سُؤالاً، أن يقول: كيف رضوا لأنفسهم البقاء في هذه الضّلالات، وكيف لم يشعروا بالبَون بين حالهم وحال الّذين أسلموا؛ فإذا كانوا قبل مجيء الإسلام في غفلة عن انحطاط حالهم في اعتقادهم وأعمالهم، فكيف لمّا دعاهم الإسلام إلى الحقّ ونصب لهم الأدلَّة والبراهين بَقُوا في ضلالهم لم يقلعوا عنه وهمْ أهل عقول وفطنة فكان حقيقاً بأن يبيّن له السّبب في دوامهم على الضّلال، وهو أنّ ما عملوه كان تزيّنه لهم الشّياطين، هذا التّزيين العجيب، الّذي لو أراد أحد تقريبه لم يجد ضلالاً مزيَّناً أوضح منه وأعجبَ فلا يشبَّه ضلالُهم إلاّ بنفسه على حدّ قولهم: (والسّفاهة كاسمها). واسم الإشارة في قوله: {كذلك زين للكافرين} مشار به إلى التّزيين المأخوذ من فعل {زين} أي مثلَ ذلك التّزيين للكافرين العجيب كيداً ودِقَّةً زيّن لهؤلاء الكافرين أعمالهم على نحو ما تقدّم في قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً } تفسير : في سورة البقرة (143). وحُذف فاعل التّزيين فبني الفعل للمجهول: لأنّ المقصود وقوع التّزيين لا معرفة مَن أوقعه. والمزيّن شياطينهم وأولياؤهم، كقوله: { أية : وكذلك زَيَّن لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤُهم } تفسير : [الأنعام: 137]، ولأنّ الشّياطين من الإنس هم المباشرون للتّزيين، وشياطين الجنّ هم المُسَوّلون المزيّنون. والمراد بالكافرين المشركون الّذين الكلام عليهم في الآيات السّابقة إلى قوله: { أية : وإنّ الشّياطين لَيُوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم } تفسير : [الأنعام: 121].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ميتاً: الميت فاقد الروح، والمراد روح الإِيمان. أحييناه: جعلناه حياً بروح الإِيمان. مثله: صفته ونعته امرؤ في الظلمات ليس بخارج منها. قرية: مدينة كبيرة. ليمكروا فيها: بفعل المنكرات والدعوة إلى ارتكابها بأسلوب الخديعة والاحتيال. وما يمكرون إلا بأنفسهم: لأن عاقبة المكر تعود على الماكر نفسه لآية {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} تفسير : [فاطر: 43]. وإذا جاءتهم آية: أي من القرآن الكريم تدعوهم إلى الحق. صغار: الصغار: الذل والهوان. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في حرب العادلين بربهم الأصنام الذين يزين لهم الشيطان تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم فقال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} أي أطاعة هذا العبد الذي كان ميتاً بالشرك والكفر فأحييناه بالإِيمان والتوحيد وهو عمر بن الخطاب أو عمار بن ياسر كطاعة من مثله رجل في الظلمات ظلمات الشرك والكفر والمعاصي ليس بخارج من تلك الظلمات وهو أبو جهل والجواب لا، إذاً كيف أطاع المشركون أبا جهل وعصوا عمر رضي الله عنه والجواب: أن الكافرين لظلمة نفوسهم واتباع أهوائهم لا عقول لهم زُين لهم عملهم الباطل حسب سنة الله تعالى في أن من أحب شيئاً وغالى في حبه على غير هدى ولا بصيرة يصبح في نظره زيْناً وهو شيْن وحسناً وهو قبيح، فلذا قال تعالى: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} فيهلكوا أيضا. وقوله: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} هو كما قال: قوله الحق وله الملك، فالماكر من أكابر المجرمين حيث أفسدوا عقائد الناس وأخلاقهم وصرفوهم عن الهدى بزخرف القول والاحتيال والخداع، هم في الواقع يمكرون بأنفسهم إذ سوف تحل بهم العقوبة في الدنيا وفي الآخرة، إذ لا يحيق المكر السيء إلا بأهله ولكنهم لا يشعرون أي لا يدرون ولا يعلمون أنهم يمكرون بأنفسهم، وقوله تعالى في الآية الثالثة [124] {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ..} أي حجة عقلية مما تحمله آيات القرآن تدعوهم إلى تصديق الرسول والإِيمان بما جاء به ويدعو إليه من التوحيد بدل أن يؤمنوا {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} أي من المعجزات كعصا موسى وطير عيسى الذي نفخ فيه فكان طائراً بإذن الله فرد الله عليهم هذا العلو والتكبر قائلاً: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} فإنه يجعلها في القلوب المشرقة والنفوس الزكية، لا في القلوب المظلمة والنفوس الخبيثة، وقوله تعالى {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} على أنفسهم بالشرك والمعاصي وعلى غيرهم حيث أفسدا قلوبهم وعقولهم، {صَغَارٌ}: أي ذل وهوان {عِندَ ٱللَّهِ} يوم يلقونه {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} قاس لا يطاق {بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ}: أي بالناس بتضليلهم وإفساد قلوبهم وعقولهم بالشرك والمعاصي التي كانوا يجرئونهم عليها ويغرونهم بها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الإِيمان حياة، والكفر موت، المؤمن يعيش في نور والكافر في ظلمات. 2- بيان سنة الله تعالى في تزيين الأعمال القبيحة. 3- قل ما تخلو مدينة من مجرمين يمكرون فيها. 4- عاقبة المكر عائدة على الماكر نفسه. 5- بيان تعنت المشركين في مكة على عهد نزول القرآن. 6- الرسالة توهب لا تكتسب. 7- بيان عقوبة أهل الإِجرام في الأرض.

القطان

تفسير : المِثل والمَثل (بفتح الميم وكسرها) الشبهُ والنظير. الأكابر: الرؤساء اصحاب النفوذ. المجرم: فاعل الفساد والضرر. القرية: البلد المكر: الخديعة، وصرف المرء عن مقصده الى غيره بالحيلة. هنا مقارنة فبعد ان بين الله تعالى ان اكثر الناس ضالّون يتّبعون الظن، وأن كثيراً منهم يُضلون غيرهم بغير علم، وكيف أن من الشياطين متمردين على أمر ربهم، يظلّون يوسوسون الى أوليائهم، ويحاولون ان يزعزعوا ايمان المؤمنين، كما بيّن الفرق بين المؤمنين المهتدين حتى يقتدي الناس بهم، والكافرين الضالّين للنفير من طاعتهم والحذَر من غوايتهم - أراد هنا ان يقارن بين الفئتين فصوَّر لنا صورة تمثيلية بديعة ملخّصها: أفمَن كان ميتاً بالكفر والجهل فأحييناه بالإيمان، وجعلنا له نوراً يسير على هديه في علاقاته بالناس، ويكون به على بصيرة، امر دينه وآدابه - هو في حالٍ مثل حال ذلك الذي يعيش في ظلام الجهل والكفر، والتقليد الاعمى وفساد الفطرة‍‍!! كما زيّن الإيمان في قلوب المؤمنين، زين الشيطان الشِرك في نفوس الظالمين الجاحدين. {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا...} الآية. لا تعجب أيها النبيُّ اذا رأيتَ أكابر المجرمين في مكة يدبّرون الشر ويتفنّنون فيه. إن سنّة الله في الاجتماع البشري قد قضت أن يكون في كل مجتمع زعماء مجرمون يمكُرون بالرسل والمصلحين، لكن عاقبة هذا المكر والإجرام لاحقة بهم، منصّبه عليهم. {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} وإن كانوا لا يشعرون بذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَأَحْيَيْنَاهُ} {ٱلظُّلُمَاتِ} {لِلْكَافِرِينَ} (122) - هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ الذِي كَانَ مَيِّتاً فِي الكُفْرِ وَالضَّلاَلِ فَأَحْيَا اللهُ قَلْبَهُ بِالإِيمَانِ، وَهَدَاهُ وَوَفَّقَهُ إِلى اتِّبَاعِ رُسُلِهِ، وَجَعَلَ لَهُ نُوراً يَهْتَدِي بِهِ كَيْفَ يَسِيرُ، وَكَيْفَ يَتَصَرَّفُ وَالنُّورُ هُوَ القُرْآنُ وَالإِسْلاَمُ. وَيَقُولُ تَعَالَى هُلْ يَسْتَوي المُهْتدِي السَّائِرُ عَلَى هُدًى وَبَصِيرةٍ، مَعَ الضَّالِّ السَّائِرِ فِي ظُلُمَاتِ الكُفْر وَالجَهَالَةِ وَالضَّلاَلِ، وَلا يَهْتَدِي إِلى مَنْفَذٍ يَسْتَطِيعُ مِنْهُ الخُرُوجَ مِمَّا هُوَ فِيهِ؟ وَكَمَا زَيَّنَ اللهُ الإِيَمَانَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الإِيمَانِ، كَذَلِكَ زَيَّنَ الشَّيْطَانُ لِهَؤُلاَءِ الضَّالِينَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الجَهَالَةِ وَالضَّلاَلِ، وَذَبْحِ القَرَابِينِ لِغَيْرِ اللهِ، وَتَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ بِمِثْلِ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ المُتَقَدِّمِ ذِكرُهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق سبحانه وتعالى- كما عرفنا- يعرض بعض القضايا لا عرضاً إخبارياً منه، ولكن يعرضها باستفهام؛ لأنه- جل وعلا- عليم بأنه حين يأتي لك الاستفهام، ثم تدير ذهنك لتجيب فلن تجد إلا جواباً واحداً هو ما يريده الحق. إذن فالأسلوب أحياناً يكون أسلوباً خبرياً أو يكون استفهاماً بالإثبات أو استفهاماً بالنفي. وأقواها الاستفهام بالنفي. وحين يعرض سبحانه القضية التي نحن بصددها يوضح وهو العليم أنك إن أحببت أن تجيب فلن تجد إلا الجواب الذي يريده الحق. إننا نجد في الآية الكريمة موتاً وحياة، وظلاماً ونوراً. وما هي الحياة؟. الحياة هي وجود الكائن على حالة تمكنه من أداء مهمته المطلوبة منه، وما دام الشيء يكون على حالة يؤدي بها مهمته ففيه حياة، وأرقى مستوى للحياة هو ما تجتمع فيه الحركة والحس والفكر، وهذه الأمور توجد كلها في الإنسان. أمّا الحيوان ففيه حس وحركة وليس عنده فكر. غير أن الحيوان له غريزة أقوى من فكر الإنسان، فهو محكوم بالغريزة في أشياء وبالاختيار في أشياء، وليس لك في الغريزة عمل. لكن في مجال الاختيار لك عمل، تستطيع أن تعمله وتستطيع ألا تعمله. إذن فالحياة هي أن يكون الكائن على حال يؤدي به مهمته المطلوبة منه. وعلى هذا الاعتبار ففي الإنسان حياة، وفي الحياة حياة، وفي النبات حياة، وفي الجماد حياة، وكلما تقدم العلم يثبت لنا حيوات أشياء كثيرة جداً كنا نظن ألا حياة فيها، وإن ظهر لنا في التفاعلات أن بعض الأشياء تتحول إلى أشياء أخرى، فعلى سبيل المثال الحيوان فيه حياة فإذا ذبحناه وأكلناه، ورمينا عظامه، كانت فيها حياة من نوع ثم صارت أجزاؤه إلى جمادية لها حياة من نوعها، بدليل أنه حين يمر بعض من الزمن يتفتت العظم. وكنا قديماً في الريف نحلب اللبن في أوعية من الفخار وتوضع في مراقد، ويستمر اللبن أسبوعاً في المرقد، ويكون أحلى في يومه عن أمسه. ويزداد اللبن حلاوة كل يوم، ثم تأخذ زوجة الفلاح قطعة القشطة الأخيرة وتصنع منها الجبن الجميل الطعم. أو الزُّبد لكن بعد أن غلينا اللبن نجده يفسد بعد عدة ساعات؛ لأنك حين وضعته في المرقد، أخذته بالحياة فيه فظلت فيه حيوية حياته، لكن حين غليته فقد قتلت ما فيه من الحياة، فإن لم تضعه في ثلاجة لابد من أن يتعفن، ومعنى التعفن أنه لم يعد يؤدي مهمته كلبن، وإنما انتقل إلى حياة أخرى بفعل البكتريا وغيرها، ولا يُذهب الحياة إلا الهلاك وهو ما قاله الحق: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ..} تفسير : [القصص: 88] إذن، لا تأخذ الميت على أنه شيء ليس فيه حياة، ولكنه انتقل إلى حياة ثانية. {أوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ..} [الأنعام: 122] كأن للإنسان حياة في ذاته، ثم جعل الحق له نوراً يمشي به. كأن الحياة متنقلة في أشياء، ويحتاج الإنسان إلى حياة، ويحتاج إلى نور تتضح به مرائي الأشياء. وكانوا قديماً يعتقدون أن الإنسان يرى حين ينتقل شعاع من عينه إلى المرئي فيراه، إلى أن جاء العربي المسلم ابن الهيثم. وقال هذا رأي جانبه الصواب في قانون الضوء، وقال: إن الإنسان يرى؛ لأن شعاعاً من المرئي يصل إلى عين الرائي. بدليل أن المرئي إن كان في ضوء يدركه الإنسان، وإن كان في ظلمة لا يدركه الإنسان، ولو كانت الأشعة تخرج من عين الإنسان لرأى الأشياء سواء أكانت في نور أم في ظلمة، وتعدلت كل النظريات في الضوء على يد العالم المسلم، وجاءت من بعد ذلك الصور الفوتوغرافية والسينما. إذن فالنور وسيلة إلى المرئيات. ويترك الحق سبحانه وتعالى في أقضية الكون الحسية أدلة على الأقضية المعنوية؛ فالنور الحسيب الذي نراه إما ضوء الشمس وإما ضوء القمر، وإما ضوء المصباح، وإما غير ذلك، وهذا ما يجعل الإنسان يرى الأشياء، ومعنى رؤية الإنسان للأشياء أن يتعامل معها تعاملاً نفعياً غير ضار. ونحن نضيء المصباح بالكهرباء حين يغيب النور الطبيعي- نور الشمس- وعندما نضيء مصابيحنا نرى الأشياء ونتفاعل معها ولا نحطمها ولا تحطمنا، وكل واحد منا يأخذ من النور على قدر إمكاناته. إذن كل واحد يضيء المكان المظلم الذي اضطر إليه بغيبة المنير الطبيعي على حسب استطاعته، فإذا ظهرت الشمس أطفأنا جميعاً مصابيحنا؛ هذا دليل من أدلة الكون الحسيّة الملموسة لنأخذ منها دليلاً على أن الله إن فعل لقيمنا نورا فلا نأتي بقيم من عندنا، مادامت قيمُهُ موجودة. ويوضح الله أن الإنسان بدون قيم هو ميت متحرك، ويأتيه المنهج ليحيا حياة راقية. ويوضح سبحانه لكل إنسان: احرص على الحياة الثانية الخالدة التي لا تنتهي وذلك لا يتأتى الا اتباع المنهج، وإياك أن تظن أن الحياة فقط هي ما تراه في هذا الوجود لأنه إن كانت هذه هي غاية الحياة لما أحس الإنسان بالسعادة؛ لأنه لو كانت الدنيا هي غايتنا للزم أن يكون حظنا من الدنيا جميعاً واحداً وأعمارنا واحدة، وحالاتنا واحدة، والاختلاف فيها طولاً وقصراً وحالاً دليل على أنها ليست الغاية؛ لأن غاية المتساوي لا بد أن تكون متساوية. إذن فقول الله هو القول الفصل: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ..} تفسير : [العنكبوت: 64] فهذه هي الحياة التي لا تضيع منك ولا تضيع منها، ولا يفوتك خيرها ولا تفوته. إذن فالذي يحيا الحياة الحسية الأولى وهي الحركة بالنفخ في الروح هو ميت متحرك. {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ} [الأنعام: 122] أي أنه سبحانه قد أعطى لمثل هذا العبد حياة خالدة ونوراً يمشي به، ولا يحطِّم ولا يتحطم. أما من يقول: إن الحياة بمعناها الدنيوي، لا تختلف عن الحياة في ضوء الإِيمان، لمثل هذا نقول: لا، ليس بينهما تساوٍ فهما مختلفان بدليل ان الحق يقول:{أية : ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} تفسير : [الأنفال 24] فسبحانه يخاطبهم، وما دام يخاطبهم فهم أحياء بالقانون العادي، لكنه سبحانه أنزل لرسوله المنهج الذي يحيا به المؤمن حياة راقية، وافطنوا إلى أن الحق سبحانه وتعالى أعطى ومنح الروح الأولى التي ينفخها في المادة فتتحرك وتحس بالحياة الدنيا، إنّه أعطاها المؤمن والكافر. ثم يأتي بروح ثانية تعطي حياة أبدية. ولذلك سمّي منهج الله لخلقه روحاً: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52] فالمنهج يعطي حياة خالدة. إذن فقوله الحق: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} أي أَوَ من كان ضالاً فهديناه، أو من كان كافراً فجعلناه مؤمناً. ولنلحظ أن فيه "ميْتاً" بالتخفيف، وفيه ميّت بالتشديد. والميّت هو من يكون مآله الموت وإن كان حيًّا، فكل منا ميّت وإن كان حيَّا. ولكن الميْت هو من مات بالفعل وسلبت وأزهقت روحه. ولذلك يخاطب الحق نبيه صلى الله عليه وسلم فيقول له: (إنك ميّت). أي تؤول إلى الموت وإن كنت حيًّا الآن. لأن كٌلاًّ من مستمر في الحياة إلى أن يتلبس بصفة الفناء، ويقول الحق:"فأحييناه" أي بالمنهج الذي يعطيه حياة ثانية، ولذلك سمّي القرآن روحاً، وسمّي من نزل بالقرآن روحاً أيضاً. {وجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} ولماذا يمشي به في الناس فقط، وليس بين كل الأشياء؟؛ لأن الأشياء الأخرى من الممكن أن تحتاط أنت منها، ولكن كلمة الناس تعبر عن التفاعل الصعب لأنهم أصحاب أغيار. ويتابع الحق: { كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} وهذا تساؤل جوابه: لا، أي ليس كل منهما مساويا للآخر، مثلما نقول: هل يستوي الأعمى والبصير؟. والفطرة هنا تقول: لا، مثلما تؤكد الفطرة عدم استواء الظلمات والنور، أو الظل والحرور، وهنا يَأْمَنُنَا الله على الجواب؛ لأنه سبحانه - يعلم الأمر إذا طرح السؤال كسؤال وكاستفهام فلن نجد إلا جواباً واحداً هو ما يريد الحق أن يقوله خبراً. ويذيل الحق الآية: {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] والمعنى هنا أي تركناهم عرضة لأن ينفعلوا للتزيين، ولم يحمهم الحق بالعصمة في اختيارهم؛ لأنه سبحانه قد ترك الاختيار حرًّا للإنسان: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29] ويقول الحق من بعد ذلك: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي..}

الأندلسي

تفسير : {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ} قال ابن عباس: نزلت في حمزة وأبي جهل رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث فأخبر بذلك حمزة حين رجع من قنصه وبيده قوس وكان لم يسلم فغضب فعلا بها أبا جهل وهو يتضرع إليه ويقول: سفّه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله تعالى، وأسلم رضي الله تعالى عنه. ولما تقدم ذكر المؤمنين والكافرين مثل تعالى فيهما بأنه شبّه المؤمن بعد أن كان كافراً بالحي المجعول له نور يتصرف به كيف سلك، والكافر بالمختبط في الظلمات المستقر فيها دائماً ليظهر الفرق بين الفريقين، والموت والحياة والنور والظلمة مجاز، فالظلمة مجاز عن الكفر، والحياة مجاز عن الإِيمان، والموت مجاز عن الكفر. والجملة من قوله: أو من، معطوفة على ما قبلها. والأصل تقديم واو العطف وإنما قدمت الهمزة لأن الاستفهام له صدر الكلام وكان الأصل وآمن ومن مبتدأ موصول بمعنى الذي وكان ميتاً صلته ولما ذكر صفة الإِحسان إلى العبد المؤمن نسب ذلك إليه فقال فأحييناه. {وَجَعَلْنَا لَهُ} وفي صفة الكافر لم ينسبها إلى نفسه، بل قال: {كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ} وكمن في موضع خبر من المتقدمة الذكر، ومن في كمن: موصولة. ومثله في الظلمات من مبتدأ وخبر صلة لمن ومثله معناه صفته وعبر بها عن الذات كأنه قيل: كمن هو في الظلمات. وفي الناس: إشارة إلى تنويره على نفسه وعلى غيره من الناس فذكر أن منفعة المؤمن ليست مقتصرة على نفسه، وقابل تصرفه بالنور وملازمة النور له باستقرار الكافر في الظلمات، وكونه لا يفارقها، وأكد ذلك بدخول الباء في خبر ليس. {كَذَلِكَ زُيِّنَ} الإِشارة بذلك إلى إحياء المؤمن أي كما أحيينا المؤمن زين للكافرين فقابل الشىء بضده أو إشارة إلى كينونة الكافر في الظلمات زين للكافرين فقابل الشىء بمثله. {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ} الآية أي مثل ذلك الجعل جعلنا في مكة صناديدها. {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} جعلنا في كل قرية وتضمن ذلك فساد حال الكفرة المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ حالهم حال من تقدمهم من نظرائهم الكفار وجعلنا بمعنى صيرنا ومفعولها الأول أكابر مجرميها، وفي كل قرية المفعول الثاني، وأكابر على هذا مضاف إلى مجرميها. وأجاز أبو البقاء أن يكون مجرميها بدلاً من أكابر. وأجاز ابن عطية أن يكون مجرميها المفعول الأول، وأكابر المفعول الثاني والتقدير مجرميها أكابر وما أجازاه خطأ وذهول عن قاعدة نحوية وهو أن أفعل التفضيل إذا كان بمن ملفوظاً بها أو مقدراً أو مضافاً إلى نكرة كان مفرداً مذكراً دائماً سواء كان لمذكر أم لمؤنث مفرد أو مثنى أو مجموع فإِذا أنث أو ثنى أو جمع طابق ما هو له في ذلك ولزمه أحد أمرين: أما الألف واللام، أو الإِضافة إلى معرفة، وإذا تقرر هذا فالقول بأن مجرميها بدل من أكابر أو أن مجرميها مفعول أول خطأ لإِلتزامه أن يبقى أكابر مجموعاً وليس فيه ألف ولام ولا هو مضاف إلى معرفة، وذلك لا يجوز. والهاء في مجرميها عادة على قرية فلا يجوز تقديم أكابر مجرميها على قوله: في كل قرية. ولام ليمكروا: لام كي، وهي متعلقة بجعلنا وحذف الممكور به للعلم به. {وَمَا يَشْعُرُونَ} أن وباله يحيق بهم، ولا يعني نفي شعورهم على الاطلاق وهو مبالغة في نفي العلم إذ نفي عنهم شعور الذي هو يكون للبهائم. {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ} الآية، قال مقاتل: روي أن الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النبوة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر مالاً منك. وروي أن أبا جهل قال: تزاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نرضي به، ولا نتبعه أبداً، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه. فنزلت. والضمير في جاءتهم عائد على الأكابر وتغيية إيمانهم بقولهم: حتى نؤتى دليل على تمحلهم في دعواهم واستبعاد منهم أن الإِيمان لا يقع منهم البتة إذ علقوه بمستحيل عندهم. وقولهم: {رُسُلُ ٱللَّهِ} ليس فيه إقرار بالرسل من الله تعالى وإنما قالوا ذلك على سبيل التهكم والاستهزاء، ولو كانوا موقنين وغير معاندين لاتبعوا رسل الله تعالى. والمثلية كونهم تجري على أيديهم المعجزات فتحيي لهم الأموات ويفلق لهم البحر ونحو ذلك كما جرت على أيدي الرسل. {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} هذا استئناف إنكار عليهم، وأنه تعالى لا يصطفي للرسالة إلا من علم أنه يصلح لها وهو أعلم بالجهة التي يضعها فيها وقد وضعها فيمن اختاره لها وهو محمد صلى الله عليه وسلم دون أكابر مكة كأبي جهل والوليد بن المغيرة ونحوهما، وقالوا حيث لا يمكن إقرارها على الظرفية فتكون مفعولاً على السعة ولا يعمل فيه أعلم، إذ أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به فاحتاجوا إلى إضمار فعل يفسره أعلم تقديره يعلم حيث هكذا. قال الحوفي والتبريزي وابن عطية وأبو البقاء: وما أجازوه من أنه مفعول به على السعة أو مفعول به على غير السعة تأباه قواعد النحو لأن النحاة نصوا على أن حيث من الظروف التي لا تتصرف، وشذ إضافة لدى إليها وجرها بالباء وبفي. ونصوا على أن الظرف الذي يتوسع فيه لا يكون إلا متصرفاً وإذا كان الأمر كذلك امتنع نصب حيث على المفعول به لا على السعة ولا غيرها، والذي يظهر لي إقرار حيث على الظرفية المجازية على أن يضمن أعلم معنى ما يتعدى إلى الظرف فيكون التقدير الله أنفذ علماً حيث يجعل رسالاته، أي هو نافذ العلم في الموضع الذي يجعل فيه رسالته. والظرفية هنا مجاز كما قلنا. {سَيُصِيبُ} وعيد شديد. {ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} عام في الأكابر وغيرهم والصغار مقابل للأكابر وهو الهوان والذل. يقال منه: صغر يصغر، وصغر يصغر، واسم الفاعل صاغر وصغير. {عِندَ ٱللَّهِ} أي في عرصة قضاء الآخرة وقدم الصغار على العذاب لأنهم تمردوا عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكبروا طلباً للعز والكرامة فقوبلوا أولاً بالهوان والذل. {بِمَا كَانُواْ} الباء للسبب. وختمها بقوله: {يَمْكُرُونَ} مراعاة لقوله تعالى: {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { أَوَمَنْ كَانَ } من قبل هداية الله له { مَيْتًا } في ظلمات الكفر،والجهل، والمعاصي، { فَأَحْيَيْنَاهُ } بنور العلم والإيمان والطاعة، فصار يمشي بين الناس في النور، متبصرا في أموره، مهتديا لسبيله، عارفا للخير مؤثرا له، مجتهدا في تنفيذه في نفسه وغيره، عارفا بالشر مبغضا له، مجتهدا فيتركه وإزالته عن نفسه وعن غيره. أفيستوي هذا بمن هو في الظلمات،ظلمات الجهل والغي، والكفر والمعاصي. { لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } قد التبست عليه الطرق، وأظلمت عليه المسالك، فحضرها لهم والغم والحزن والشقاء. فنبه تعالى العقول بما تدركه وتعرفه، أنه لا يستوي هذا ولا هذا كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، والأحياء والأموات. فكأنه قيل: فكيف يؤثر من له أدنى مسكة من عقل، أن يكون بهذه الحالة،وأن يبقى في الظلمات متحيرا: فأجاب بأنه { زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فلم يزل الشيطان يحسن لهم أعمالهم، ويزينها في قلوبهم، حتى استحسنوها ورأوها حقا. وصار ذلك عقيدة في قلوبهم، وصفة راسخة ملازمة لهم، فلذلك رضوا بما هم عليه من الشر والقبائح. وهؤلاء الذين في الظلمات يعمهون،وفي باطلهم يترددون، غير متساوين. فمنهم: القادة، والرؤساء، والمتبوعون،ومنهم: التابعون المرءوسون، والأولون، منهم الذين فازوا بأشقى الأحوال، ولهذا قال: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا } أي: الرؤساء الذين قد كبر جرمهم، واشتد طغيانهم { لِيَمْكُرُوا فِيهَا } بالخديعة والدعوة إلى سبيل الشيطان،ومحاربة الرسل وأتباعهم، بالقول والفعل، وإنما مكرهم وكيدهم يعود على أنفسهم، لأنهم يمكرون، ويمكر الله والله خير الماكرين. وكذلك يجعل الله كبار أئمة الهدى وأفاضلهم، يناضلون هؤلاء المجرمين، ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل الله، ويسلكون بذلك السبل الموصلة إلى ذلك، ويعينهم الله ويسدد رأيهم، ويثبت أقدامهم، ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم، حتى يدول الأمر في عاقبته بنصرهم وظهورهم، والعاقبة للمتقين. وإنما ثبت أكابر المجرمين على باطلهم، وقاموا برد الحق الذي جاءت به الرسل، حسدا منهم وبغيا، فقالوا: { لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ } من النبوة والرسالة. وفي هذا اعتراض منهم على الله، وعجب بأنفسهم،وتكبر على الحق الذي أنزله على أيدي رسله، وتحجر على فضل الله وإحسانه. فرد الله عليهم اعتراضهم الفاسد، وأخبر أنهم لا يصلحون للخير، ولا فيهم ما يوجب أن يكونوا من عباد الله الصالحين، فضلا أن يكونوا من النبيين والمرسلين، فقال: { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } فيمن علمه يصلح لها، ويقوم بأعبائها، وهو متصف بكل خلق جميل، ومتبرئ من كل خلق دنيء، أعطاه الله ما تقتضيه حكمته أصلا وتبعا، ومن لم يكن كذلك، لم يضع أفضل مواهبه،عند من لا يستأهله، ولا يزكو عنده. وفي هذه الآية، دليل على كمال حكمة الله تعالى، لأنه، وإن كان تعالى رحيما واسع الجود، كثير الإحسان، فإنه حكيم لا يضع جوده إلا عند أهله، ثم توعد المجرمين فقال: { سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ } أي: إهانة وذل، كما تكبروا على الحق، أذلهم الله. { وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ } أي: بسبب مكرهم، لا ظلما منه تعالى.