٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
123
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: «الكاف» في قوله: {وَكَذٰلِكَ } يوجب التشبيه، وفيه قولان: الأول: وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها. الثاني: أنه معطوف على ماقبله، أي كما زينا للكافرين أعمالهم، كذلك جعلنا. المسألة الثانية: الأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم، والآية على التقديم والتأخير تقديره: جعلنا مجرميها أكابر، ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة، فإنه لا يتم المعنى، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل، لأنك إذا قلت: جعلت زيداً، وسكت، لم يفد الكلام حتى تقول رئيساً أو ذليلاً أو ما أشبه ذلك، لاقتضاء الجعل مفعولين، ولأنك إذا أضفت الأكابر، فقد أضفت الصفة إلى الموصوف، وذلك لا يجوز عند البصريين. المسألة الثالثة: صار تقدير الآية: جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر ليمكروا فيها، وذلك يقتضي أنه تعالى إنما جعلهم بهذه الصفة، لأنه أراد منهم أن يمكروا بالناس، فهذا أيضاً يدل على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى. أجاب الجبائي عنه: بأن حمل هذه اللام على لام العاقبة. وذكر غيره أنه تعالى لما لم يمنعهم عن المكر صار شبيهاً بما إذا أراد ذلك، فجاء الكلام على سبيل التشبيه، وهذا السؤال مع جوابه قد تكرر مراراً خارجة عن الحد والحصر. المسألة الرابعة: قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر، لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة المال وقوة الجاه تحمل الإنسان على المبالغة في حفظهما، وذلك الحفظ لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة من الغدر والمكر، والكذب، والغيبة، والنميمة، والأيمان الكاذبة، ولو لم يكن للمال والجاه عيب سوى أن الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الصفات الذميمة من كان له مال وجاه، لكفى ذلك دليلاً على خساسة المال والجاه. ثم قال تعالى: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } والمراد منه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى، وهي قوله: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } تفسير : [فاطر: 43] وقد ذكرنا حقيقة ذلك في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ }تفسير : [البقرة: 15] قالت المعتزلة: لا شك أن قوله: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } مذكور في معرض التهديد والزجر، فلو كان ما قبل هذه الآية يدل على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس، فكيف يليق بالرحيم الكريم الحكيم الحليم أن يريد منهم المكر، ويخلق فيهم المكر، ثم يهددهم عليه ويعاقبهم أشد العقاب عليه؟ واعلم أن معارضة هذا الكلام بالوجوه المشهورة قد ذكرناها مراراً.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا} المعنى: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل قرية. {مُجَرِمِيهَا} مفعول أوّل لجعل {أَكَابِرَ} مفعول ثاني على التقديم والتأخير. وجعل بمعنى صير. والأكابر جمع الأكبر. قال مجاهد: يريد العظماء. وقيل: الرؤساء والعظماء. وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد. والمكر الحيلة في مخالفة الاستقامة، وأصله الفتل؛ فالماكر يَفْتِل عن الاستقامة أي يصرف عنها. قال مجاهد: كانوا يجلسون على كل عَقَبَةٍ أربعةً ينفروّن الناس عن ٱتباع النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما فعل من قبلهم من الأمم السالفة بأنبيائهم. {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ} أي وبَالُ. مكرهم راجعٌ إليهم. وهو من الله عز وجل الجزاء على مكر الماكرين بالعذاب الأليم. {وَمَا يَشْعُرُونَ} في الحال؛ لفرط جهلهم أن وبال مكرهم عائد إليهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين، ورؤساء ودعاة إلى الكفر، والصد عن سبيل الله، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك، ثم تكون لهم العاقبة، كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الفرقان: 31] الآية، وقال تعالى: {أية : وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} تفسير : [الإسراء: 16] الآية، قيل: معناه: أمرناهم بالطاعة، فخالفوا، فدمرناهم، قيل: أمرناهم أمراً قدرياً؛ كما قال ههنا: {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} وقوله تعالى: {أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: {أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} قال: سلطنا شرارهم، فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك، أهلكناهم بالعذاب. وقال مجاهد وقتادة: {أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا}: عظماؤها، قلت: وهكذا قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَٰلاً وَأَوْلَـٰداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } تفسير : [سبأ: 34 - 35] وقال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}تفسير : [الزخرف: 23] والمراد بالمكر ههنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال؛ كقوله تعالى إخباراً عن قوم نوح: {أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً } تفسير : [نوح: 22] وكقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} تفسير : [سبأ: 31 - 33] الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، قال: كل مكر في القرآن فهو عمل، وقوله تعالى: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} أي: وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، كما قال تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13] وقال: {أية : وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} تفسير : [النحل: 25]. وقوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ} أي: إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة، قالوا {لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ} أي: حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة؛ كما تأتي إلى الرسل، كقوله جل وعلا: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} تفسير : [العنكبوت: 21] الآية. وقوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} أي: هو أعلم حيث يضع رسالته، ومن يصلح لها من خلقه؛ كقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} تفسير : [الزخرف: 31 - 32] الآية، يعنون: لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير جليل مبجل في أعينهم {أية : مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ} تفسير : [الزخرف: 31] أي: من مكة والطائف، وذلك أنهم، قبحهم الله، كانوا يزدرون بالرسول صلوات الله وسلامه عليه؛ بغياً وحسداً، وعناداً واستكباراً؛ كقوله تعالى مخبراً عنه: {أية : وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 36] وقال تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} تفسير : [الفرقان: 41] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} تفسير : [الأنعام: 10] هذا وهم معترفون بفضله وشرفه ونسبه، وطهارة بيته ومرباه، ومنشئه، صلى الله وملائكته والمؤمنون عليه، حتى إنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه «الأمين» وقد اعترف بذلك رئيس الكفار أبو سفيان حين سأله هرقل ملك الروم: وكيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب، قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. الحديث بطوله، الذي استدل ملك الروم بطهارة صفاته عليه السلام على صدق نبوته، وصحة ما جاء به. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن شداد أبي عمار، عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إِن الله اصطفى من ولد إبراهيم إِسماعيل، واصطفى من بني إِسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» تفسير : انفرد بإخراجه مسلم، من حديث الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام، به نحوه، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: قال العباس: بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس، فصعد المنبر، فقال: «حديث : من أنا؟»تفسير : قالوا: أنت رسول الله، فقال: «حديث : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إِن الله خلق الخلق، فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فريقين، فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتاً، فجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً وخيركم نفساً»تفسير : صدق صلوات الله وسلامه عليه. وفي الحديث أيضاً، المروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال لي جبريل: قلبت الأرض مشارقها ومغاربها، فلم أجد رجلاً أفضل من محمد، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها، فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم» تفسير : رواه الحاكم والبيهقي. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر، حدثنا عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً، فهو عند الله سيىء. وقال أحمد: حدثنا شجاع بن الوليد، قال: ذكر قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن سلمان، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا سلمان لا تبغضني، فتفارق دينك» تفسير : قلت: يا رسول الله كيف أبغضك، وبك هدانا الله؟ قال: «حديث : تبغض العرب، فتبغضني»تفسير : وذكر ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية: ذكر عن محمد بن منصور الجواز، حدثنا سفيان عن أبي حسين قال: أبصر رجل ابن عباس وهو داخل من باب المسجد، فلما نظر إليه، راعه، فقال: من هذا؟ قالوا: ابن عباس ابن عم رسول لله صلى الله عليه وسلم فقال: {الله أعلم حيث يجعل رسالته}. وقوله تعالى: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} الآية، هذا وعيد شديد من الله، وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله، والانقياد لهم فيما جاؤوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله صغار، وهو الذلة الدائمة، لما أنهم استكبروا، فأعقبهم ذلك ذلاً يوم القيامة لما استكبروا في الدنيا؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} تفسير : [غافر: 60] أي: صاغرين ذليلين حقيرين، وقوله تعالى: {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ} لما كان المكر غالباً إنما يكون خفياً، وهو التلطف في التحيل والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة؛ جزاء وفاقاً، {أية : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} تفسير : [الكهف: 49] كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ } تفسير : [الطارق: 9] أي: تظهر المستترات والمكنونات والضمائر، وجاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان » تفسير : والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفياً لا يطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علماً منشوراً على صاحبه بما فعل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ } كما جعلنا فساق مكة أكابرها {جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } بالصدّ عن الإِيمان {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } لأن وباله عليهم {وَمَا يَشْعُرُونَ } بذلك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ} يعني علامة تدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته. {قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ} يحتمل وجهين: أحدهما: لن نؤمن بالآية. والثاني: لن نؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم. {حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: مثل ما أوتي رسل الله من الكرامة. الثاني: مثل ما أوتوا من النبوة. {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} قصد بذلك أمرين: أحدهما: تفرد الله تعالى بعلم المصلحة فيمن يستحق الرسالة. والثاني: الرد عليهم في سؤال ما لا يستحقونه، والمنع مما لا يجوز أن يسألوه. {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجرَمُواْ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ} الصَّغَار: الذل سمي صَغَاراً لأنه يصغر إلى الإنسان نفسه. وفي قوله: {عِنْدَ اللَّهِ} ثلاثة أوجه: أحدها: من عند الله، فحذف "من" إيجازاً. والثاني: أن أنفتهم من اتباع الحق صَغَار عند الله وذل إن كان عندهم تكبراً وعزاً، قاله الفراء. والثالث: صَغَار في الآخرة، قاله الزجاج.
الخازن
تفسير : وقوله تعالى: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} يعني وكما جعلنا في مكة أكابر، وعظماء جعلنا في كل قرية أكابر وعظماء، وقيل: هو معطوف على ما قبله. ومعناه: كما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل قرية أكابر جمع الأكبر ولا يجوز أن يكون مضافاً لأنه لا يتم المعنى في بل الآية تقديم وتأخير تقديره: وكذلك جعلنا كل قرية أكابر "مجرميها" وإنما جعل المجرمين أكابر لأنهم أقدر على المكر والغدر وترويج الباطل بين الناس من غيرهم، وإنما حصل ذلك لأجل رياستهم وذلك سنة الله أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم وجعل فسَّاقهم أكابرهم {ليمكروا فيها} قال أبو عبيدة: المكر، الخديعة والحيلة والغدر والفجور. زاد بعضهم والغيبة والنميمة والأيمان الكاذبة وترويج الباطل. قال ابن عباس: معناه ليقولوا فيها الكذب. وقال مجاهد: جلس على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويقولوا هو كذاب ساحر كاهن فكان هذا مكرهم {وما يمكرون إلا بأنفسهم} يعني ما يحيق هذا المكر إلا بهم لأن وبال مكرهم يعود عليهم {وما يشعرون} يعني أن وبال ذلك المكر يعود عليهم ويضرهم. قوله عز وجل: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} يعني النبوة وذلك أن الوليد بن المغيرة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لو كانت النبوة حقاً لكنت أنا أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً، فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبداً إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فأنزل الله هذه الآية. وإذا جاءتهم آية، يعني حجة بينة ودلالة واضحة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم. قالوا: يعني الوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام أو كل واحد من رؤساء الكفر ويدل عليه الآية التي قبلها وهي قوله وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها فكان من مكر كفار قريش أن قالوا لن نؤمن لك حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله يعني النبوة وإنما قالوا هذه المقالة الخبيثة حسداً منهم للنبي صلى الله عليه وسلم وفي قولهم لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله قولان: أحدهما: وهو المشهور أن القوم أرادوا أن تحصل لهم النبوة والرسالة كما حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأن يكونوا متبوعين لا تابعين. القول الثاني: وهو قول الحسن ومنقول عن ابن عباس أن المعنى: وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: لن نؤمن لك يعني لن نصدقك حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله يعني حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل بصدقك بأنك رسول الله، فعلى هذا القول لم يطلبوا النبوة وإنما طلبوا أن تخبرهم الملائكة بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله تعالى. وعلى القول الأول أنهم طلبوا أن يكونوا أنبياء ويدل على صحة هذا القول سياق الآية وهو قوله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} يعني أنه تعالى يعلم من يستحق الرسالة فيشرفه بها ويعلم من لا يستحقها ومن ليس بأهل لها، وأنتم لستم لها بأهل وأن النبوة لا تحصل لمن يطلبها، خصوصاً لمن عنده حسد ومكر وغدر. وقال أهل المعاني: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل البعثة مطاعين في قومهم، لأن الطعن كان يتوجه عليهم فيقال إنما كانوا رؤساء مطاعين فاتبعهم قومهم لأجل ذلك فكان الله تعالى أعلم بمن يستحق الرسالة فجعلها ليتيم أبي طالب دون أبي جهل والوليد وغيرهما من أكابر قريش ورؤسائها وقوله تعالى: {سيصيب الذين أجرموا صَغار} أي ذلة وهوان. وقيل الصغار هو الذل الذي تصغر إلى المرء نفسه فيه {عند الله} يعني هذا من عند الله وقيل إن هذا الصغار ثابت لهم عند الله فعلى هذا القول إنما يحصل لهم الصغار في الآخرة وقيل معناه سيصيبهم صغار بحكم الله حكم به عليهم في الدنيا {وعذاب شديد} يعني في الآخرة {بما كانوا يمكرون} يعني إنما حصل لهم هذا الصغار والعذاب بسبب مكرهم وحسدهم وطلبهم ما لا يستحقون.
ابن عادل
تفسير : قيل "كذلك" نَسَقٌ على "كَذَلِكَ" قبلها ففيها ما فيها. وقدَّرَهُ الزَّمْخَشَرِيُّ بأنّ معناه: "وكما جعلنا في مكَّةَ المشرفةِ صَنَاديدَهَا لِيَمْكُرُوا فيها, كذلك جعلْنَا في كل قريةٍ أكابرَ مجْرِميها" واللامُ في "لِيَمْكُرُوا" يجوزُ أن تكون للعاقبة؛ وأنْ تكونَ للعلَّة مَجَازاً، و "جَعَلَ" تَصْييريَّة، فتتعدَّى لاثنَيْنِ، واختُلِف في تقديرهما: والصحيحُ أنْ تكُونَ {فِي كُلِّ قَرْيةٍ} مَفْعُولاً ثايناً قُدِّم على الأوَّل، والأولُ "أكابِر" مُضَافاً لمجرميها. الثاني: أنَّ {فِي كُلَّ قَرْيَةٍ} مفعولٌ - أيضاً - مقدَّمٌ، و "أكَابِر" هو الأول، و"مُجْرِمِيهَا" بدلٌ من "أكَابِر"؛ ذكر ذلك أبُو البقاء. الثالث: أن يكُون "أكَابِر" مفعولاً ثانياً قُدِّم، و "مُجْرِميها" مَفْعُولٌ أول أخِّر، والتقديرُ: جَعَلْنا في كُلِّ قريةٍ مجرميها أكَابِرَ، فيتعلق الجارُّ بنفسِ الفِعْلِ قبله؛ ذكر ذلك ابنُ عَطِيَّة. قال أبُو حيَّان: "وما أجَازَاهُ - يعني: أبَا البَقَاءِ، وابنُ عَطيَّةَ - خطأٌ وذهولٌ عن قاعدةٍ نَحْويَّةٍ، وهي أنَّ أفْعَلَ التفضيلِ إذا كانت بـ "مِنْ" مَلْفُوظاً بها، أو مقدرةً، أو مُضَافة إلى نِكَرَة كانت مُفردةً على كُل حالٍ، سواءٌ كانت لمذكر، أم مؤنث، مُفْرَدٍ أم مُثَنى أمْ مَجْمُوعٍ، وإذا ثُنِّيَتْ أو جُمِعَتْ أو أنِّثَتْ وطابَقَتْ ما هي له، لَزِمَها أحَدُ أمْرَيْنِ: إمَّا الألف واللام، وإمَّا الإضافة لمعرفة. وإذا تقرَّرَ ذلك، فالقولُ بكوْنِ "مُجْرِميهَا" بدلاً، أو بكونه مفعولاً أول، و "أكابر" مَفعولٌ ثانٍ - خَطَأٌ؛ لاسْتلْزام أنْ يبقى "أكَابِرَ" مَجْمُوعاً وليست في ألِفٌ ولامٌ، ولا هِيَ مُضَافة لمعرفةٍ". قال: "وقد تنبِّه الكرمَانِيُّ إلى هذه القاعدة فقال: أضَاف "أكَابِر" إلى "مُجْرِميها" لأن أفْعَلَ لا يُجْمَعُ إلاَّ مع الألفِ واللامِ، أو مع الإضافة". قال أبُو حيَّان: "وكان يَنْبَغِي أنْ يُقَيَّد بالإضافة إلى معرفةٍ". قال شهابُ الدِّين: أما هذه القاعدةُ فمسلمة، ولكن قد ذكر مكِّي مِثْلَ ما ذُكِر عن ابْن عَطيَّة سواء، وما أظُنّه أخذ إلاَّ منه، وكذلك الواحديُّ أيضاً، ومنع أنْ تُجوَّز إضافةُ "أكَابر" إلى مجرميها"؛ قال رحمه الله: "والآيةُ على التَّقْديمِ، والتأخير تقديرُه: "جَعَلْنَاه مُجْرِميها أكَابر" ولا يجوز أن تكون الأكَابِر مضافةً؛ لأنه لا يتمُّ المعنى، ويحتاجُ إلى إضْمار المفعول الثاني للجعل؛ لأنك إذا قلت: "جعلتُ زَيْداً" وسكتَّ لم يُفِد الكلامُ حتى تقول: رَئِيساً أو دَلِيلاً، أو ما أشبه ذلك، ولأنَّك إذا أضَفْتَ الأكَابِر، فقد أضَفْتَ النعتَ إلى المنعوت؛ وذلك لا يجوزُ عند البَصْريِّين". قال شهابُ الدِّين: هذان الوجْهَانِ اللذان ردَّ بهما الواحديُّ لَيْسَا بِشَيْءٍ. أمَّا الأولُ فلا نسلم أنا نُضْمِرُ المفعول الثاني، وأنه يَصِيرُ الكلامُ غيرَ مُفِيد، وأمَّا ما أوْرَده من الأمْثِلَةِ، فليس مُطَابِقاً؛ لأنَّا نقولُ: إنَّ المفعول الثَّانِي - هنا - مذكورٌ مصرّحٌ به، وهو الجارُّ والمجرورُ السابقُ. وأما الثاني: فلا نُسَلِّم أنه مِنْ بابِ إضافة الصِّفة لموصُوفِها؛ لأن المجْرِمينَ أكابرُ وأصَاغِرُ, فأضاف للبيانِ لا لِقَصْدِ الوَصْفِ. الرابع: أنَّ المفعول الثَّانِي محذوفٌ، قالوا: وتقديرُه: "جعلنا في كُلِّ قرية أكَابر مُجْرميها فُسَّاقاً لِيَمْكُرُوا" وهذا لَيْس بِشَيءٍ؛ لأنه لا يحذفُ شيء إلاَّ لدليلٍ، والدليلُ على ما ذكروه غيرُ واضحٍ. وقال ابنُ عطيَّة: "ويقالُ أكابرة كما يقالُ أحْمر وأحَامِرةَ"؛ قال الشاعر: [الكامل] شعر : 2303 - إنَّ الأحَامِرَة الثَّلاثةَ أتْلَفَتْ مَالِي وَكُنْتُ بِهِنَّ قِدْماً مُوْلَعَا تفسير : قال ابو حيان: "ولا أعْلَمُ أحَداً أجاز في جَمْع أفْضَل أفَاضِلَة، بل نَصَّ النحويون على أن: أفْعَل التَّفْضِيل يجمعُ للمذكَّرِ على الأفضَلِين، أو على الأفاضل". قال شهابُ الدين: وهذه التاءُ يذكرها النحويونُ أنها تكون دَالَّةً على النسب في مِثْلِ هذه البنية، قالوا: الأزَارَقَة، والأشاعِثَة، وفي الأزْرَقِ ورهطه، والأشْعَث وبنيه، وليس بقياسٍ، ولَيْس هذا مِنْ ذلك في شَيْءٍ. والجمهورُ على "أكَابِرَ" جَمْعاً. وقرأ ابنُ مُسْلِم: "أكبر مجرميها" بالإفْرَادِ، وهو جائِزٌ، وذلك أنَّ أفعل التفضيل إذا أضيفت لمعرفة وأُريد بها غيرُ الإفْرَادِ، والتذكير؛ جاز أنْ يُطابِق، كالقراءةِ المشهُورةِ هنا، وفي الحديث: "أحَاسنكم أخلاقاً" وجاز أن يُفْرَدَ، وقد أُجْمِعَ على ذلك في قوله: {أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة:96]. فصل قال الزجاجُ: إنما جعل المجرمينَ أكَابر لأنهم لأجْل رياستهم أقْدَر على المكْرِ [والغدْرِ]، وترويج الأبَاطيل على الناسِ مِنْ غيرهم، ولأن كثرة المالِ، والجاهِ تحمل الناسَ على المبالغةِ في حِفْظها, وذلك الحفظُ لا يتمُّ إلاَّ بجميع الأخلاقِ الذَّميمَةِ: من الغَدْرِ، والمكْرِ، والكَذِب، والغَيْبةِ، والنمِيمَةِ، والأيْمانِ الكَاذِبَة، ولو لم يكُنْ للمالِ والجَاهِ سِوَى أنَّ اللَّه - تبارك وتعالى - وصف بهذه الصفاتِ الذَّميمةِ مَنْ كان له مالٌ وجاه لكفى ذلك دَلِيلاً على خَسَاسَةِ المال والجاه. قوله: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}. والمرادُ ما ذكره الله تعالى في قوله: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} تفسير : [فاطر:43]. واعلَمْ أنَّ سُنّة الله [- تبارك و] تعالى - أنه يجعلُ في كُلِّ قريةٍ اتباعَ الرسل ضعافهم لقوله في قصة نُوح - عليه الصلاة والسلام -: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} تفسير : [الشعراء:111] وجعل فساقهم أكابرهم ليمْكُروا فيها، وذلك أنهم أجْلَسُوا في كُلِّ طَريقٍ من طُرُقِ مكَّةَ [المشرفَة] أرْبَعَةً نَفَرٍ لِيصْرِفُوا النَّاسَ عن الإيمانِ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم يقولُونَ لكل مَنْ يقدَمُ: إياكم وهذا الرجُلَ، فإنه كَاهِنٌ، ساحِرٌ، كذََّابٌ. وقولُه: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ} [لأنَّ وبال مَكْرِهمْ عليهم وهم ما يشعرون أنه كذلك. قال المعتزلة: {وما يَمْكُرونَ إلاَّ بِأنْفُسِهمْ}] مذكورٌ في مَعْرض التهديد، والزَّجْرِ، فلو كان ما قبل هذه الآيةِ الكريمةِ، يدلُّ على أنه تعالى أرادَ مِنْهم أنْ يمكرُوا بالناسِِ - فكَيْفَ يلِيقُ بالرَّحيم الحَكِيم أنْ يُريد منهم المَكْرَ، ويخلقه فيهم، ثُمَّ يُهَدِّدُهُمْ عليه، ويعاقِبُهُمْ أشَدَّ العِقابِ، ومعارضتُهم تقدَّمَتْ مِرَاراً.
البقاعي
تفسير : ولما كان معلوماً أن عداوتهم له صلى الله عليه وسلم المشار إليها بقوله {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً} الآية، لا يقوم بها إلا أكابر الناس، لما كان عليه صلى الله عليه وسلم من جلالة المنصب وشرف العشيرة وكثرة الأقارب وأنه لا يتمادى عليها إلا جاهل مطموس البصيرة مزين له قبيح أعماله، عطف تعالى على التزيين للكافرين قوله: {وكذلك} أي مثل ما زينا للكافرين سوء أعمالهم، فكان أكابر أهل مكة يمكرون فيتبع غيرهم مكرهم {جعلنا} أي بما لنا من العظمة في إقامة الأسباب لما يعلي كلمة الإنسان أو يجعله حقير الشأن {في كل قرية} أي بلد جامع، ولما كان الكبر مختلف الأنواع باختلاف أشخاص المجرمين، طابق بأفعال التفضيل المقصودين لها في الجمع على إحدى اللغتين، وعبر بصيغة منتهى الجمع دلالة على تناهيهم في الكثرة فقال: {أكابر مجرميها} أي القاطعين لما ينبغي أن يوصل. ولما كان من شأن الإنسان استجلاب أسباب الرفعة لنفسه، وكان لا يصل إلى ذلك في دار ربط المسببات بحكمة الأسباب إلا بالمكر، وكان الأكابر أقدر على إنفاذ المكر وترويج الأباطيل بما لأغلب الناس من السعي في رضاهم طمعاً فيما عندهم، وكان الإنسان كلما تمكن من ذلك أمعن فيه، وكان الكبير إنما يصل إلى ما قدر له من ذلك بتقدير الله له؛ كان بما قدر له من ذلك كأنه خلقه له، فقال معبراً بالجعل لما فيه من التصيير والتسبيب: {ليمكروا فيها} أي يخدعوا أصاغرهم ويغروهم بما يلبسون عليهم من الأمور حتى يتبعوهم فيعادوا لهم حزب الله. ولما كان ذلك موجعاً وغائظاً محزناً، قال تصغيراً لشأنهم وتحقيراً لأمرهم: {وما} أي والحال أنهم ما {يمكرون إلا بأنفسهم} لأن عملهم بالمكر وبال عليهم موبق لهم، ولأن مكرهم بأولياء الله إنما هو مكر بالله، وذلك غير متأت ولا كائن بوجه من الوجوه، وكيف يتأتى مكر من لا يعلم شيئاً من الغيب بمن يعلم جميع الغيب! {وما يشعرون *} أي وما لهم نوع شعور بأن مكرهم عائد على نفوسهم، لأن الله تعالى الذي يعلم سرهم وجهرهم يجعل بما يزين لهم تدميرهم في تدبيرهم، وإنما أجرى سنته الإلهية بذلك لما يشتمل عليه من أعلام النبوة، فإن غلبة شخص واحد - بمفرده أو باتباع كثير منهم ممن لا يؤبه لهم مع قلة العدد وضعف المدد لرؤساء الناس وأقويائهم مع طول مكثه بينهم منابذاً لهم منادياً عليهم بأن دينكم يمحى وديني يظهر وإن كرهتم - من خوارق العادات وبواهر الآيات تصديقاً لقوله تعالى: {أية : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي}تفسير : [المجادلة: 21] {أية : وإن جندنا لهم الغالبون} تفسير : [الصافات: 173] - في أمثال ذلك. ولما قرر هذا، أتبعه بمقالة لهم تدل على تعظيمهم وتكبرهم فقال عاطفاً على {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم}تفسير : [الأنعام: 109] تعجيباً من حالهم فيما زين لهم من ضلالهم، وتصديقاً لما تقدم من الإخبار بأنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية إلاّ أن يشاء الله؛ وتحقيقاً لما في الآية السالفة من مكرهم لغيرهم وعوده على أنفسهم: {وإذا جاءتهم} أي الكافرين من أكابر المجرمين وأتباعهم {آية قالوا} حسداً لمن خصه الله بالنبوة لكونهم أكابر مؤكدين للنفي لما لمعجزات الأنبياء عليهم السلام من العبر الموجب لظن الإذعان لأعتى أهل الكفران {لن نؤمن} أي أبداً {حتى نؤتى} لما لنا من العلو والعظمة المقتضية لأن لا يختص أحد عنا بشيء {مثل ما}. ولما كان نظرهم مقصوراً على عالم الحس من غير نظر إلى جانب الله لكونه غيباً بنوا للمفعول قولهم: {أوتي رسل الله} يجوز أن يكون المراد: حتى يوحي إلينا لئلا يكونوا أعظم منا كما قال تعالى {أية : بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتي صحفاً منشرة} تفسير : [المدثر: 52] وكما تقدم في أول السورة عن أبي جهل أنه قال: تنازعنا نحن وبنو عد مناف الشرف حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، ويحك! متى ندرك هذا والله لا نؤمن به أبداً. وأن يكون المراد إتيانه صلى الله عليه وسلم بمثل آيات الأولين من شق البحر واليد والعصا وإحياء الموتى ونحوها، وسموهم تنزلاً واستهزاء، وعبروا بالجلالة إشارة إلى القدرة التامة فلا عذر. ولما ذكر اسم الجلالة إيذاناً بعظيم ما اجترؤوا عليه لعماهم - بما طمس على أنوار قلوبهم من ظلمات الهوى - عما للرسل من الجلال الذي يخضع له شوامخ الأنوف، أعادها أيضاً تهويلاً للأمر وتنبيهاً على ما هناك من عظيم القدر، فقال رداً عليهم فيما تضمن قولهم من دعوى التعلم بالحكمة والاعتراض على الله عز وجل: {الله} أي بما له من صفات الكمال {أعلم} أي من كل من يمكن منه علم {حيث يجعل} أي يصير بما يسبب من الأمور {رسالته} أي كلها بالنسبة إلى كل فرد من أفراد الخلق فهو لا يضع شيئاً منها بالتشهي. ولما كشف هذا النظم عن أنهم اجترؤوا عليه، وأنهم أصروا على أقبح المعاصي الكفر، لا لطلب الدليل بل لداء الحسد؛ تاقت النفس إلى معرفة ما يحل بهم فقال جواباً: {سيصيب} أي بوعد لا خلف فيه، وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {الذين أجرموا} أي قطعوا ما ينبغي أن يوصل {صغار} أي رضى بالذل لعدم الناصر؛ ولما كان الشيء تعظم بعظمة محله ومن كان منه ذلك الشيء قال: {عند الله} أي الجامع لصفات العظمة {وعذاب} أي مع الصغار {شديد} أي في الدنيا بالقتل والخزي وفي الآخرة بالنار {بما} أي بسبب ما {كانوا يمكرون}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} قال: نزلت في المستهزئين . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} قال: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {أكابر مجرميها} قال: عظماؤها .
ابو السعود
تفسير : {وَكَذٰلِكَ} قيل: معناه كما جعلنا في مكةَ أكابرَ مجرميها ليمكروا فيها {جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ} من سائر القرى {أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} ومفعولا جعلنا أكابرَ مجرميها على تقديم المفعولِ الثاني والظرفُ لغو أو هما الظرفُ وأكابرَ على أن مجرميها بدلٌ أو مضافٌ إليه فإن أفعل التفضيل إذا أُضيف جاز الإفرادُ والمطابقةُ ولذلك قرىء أكبرَ مجرميها وقيل: أكابرَ مجرميها مفعولُه الأولُ والثاني ليمكروا فيها، ولا يخفى أن أيَّ معنى يراد من هذه المعاني لا بد أن يكون مشهورَ التحققِ عند الناسِ معهوداً فيما بـينهم حتى يصلُحَ أن تُصرَفَ الإشارةُ عن سباق النظمِ الكريمِ وتوجَّهَ إليه ويُجعلَ مقياساً لنظائره بإخراجه مُخرجَ المصدرِ التشبـيهيِّ وظاهرٌ أنْ ليس الأمرُ كذلك ولا سبـيلَ إلى توجيهها إلى ما يفهم من قوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ زُيّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنعام، الآية 122] وإن كان المرادُ بهم أكابرَ مكةَ لأن مآلَ المعنىٰ حينئذ بعد اللتيا والتي كما جعلنا أعمالَ أهلِ مكةَ مزينةً لهم جعلنا في كل قرية أكابرَ مجرميها الخ، فإذن الأقربُ أن ذلك إشارةٌ إلى الكفَرة المعهودين باعتبار اتصافِهم بصفاتهم، والإفرادُ بتأويل الفريقِ أو المذكور، ومحلُّ الكافِ النصبُ على أن المفعولُ الثاني لجعلنا قدم عليه لإفادة التخصيصِ كما في قوله تعالى: {أية : كَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ }تفسير : [النساء، الآية 94]، والأولُ أكابرَ مجرميها، والظرف لغة أي ومثلَ أولئك الكفرةِ الذين هم صناديدُ مكةَ ومجرموها جعلنا في كل قريةٍ أكابرَها المجرمين أي جعلناهم متصفين بصفات المذكورين مزيَّناً لهم أعمالُهم مُصِرّين على الباطل مجادلين به الحقَّ ليمكروا فيها أي ليفعلوا المكرَ فيها، وهذا تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ} اعتراضٌ على سبـيل الوعدِ لرسول الله عليه الصلاة والسلام والوعيدِ للكفرة أي وما تحيقُ غائلةُ مكرِهم إلا بهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} حال من ضمير يمكرون مع اعتبار ورودِ الاستئناءِ على النفي أي إنما يمكرون بأنفسهم والحالُ أنهم ما يشعُرون بذلك أصلاً بل يزعُمون أنهم يمكرون بغيرهم.
القشيري
تفسير : لبَّسنا عليهم حقائق التوحيد، وسوَّلت لهم ظنونهم أن بهم شظية من المحو والإثبات؛ فانهمكوا ظانين أنهم يَمْكرون، وهم في التحقيق مخادعون، وسيعلمون حين لا ينفعهم علم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكذلك} اى كما صيرنا فى مكة فساقها اكابر {جعلنا فى كل قرية} متعلق بالفعل {اكابر} مفعول ثان جمع اكبر بمعنى عظيم {مجرميها} مفعول اول جمع مجرم. بالفارسية [كنهكار] {ليمكروا فيها} اى ليفعلوا المكر فى تلك القرية لانهم لاجل رياستهم اقدر على المكر والغدر وترويج الاباطيل على الناس من غيرهم وكان صناديد قريش ومجرموها اجلسوا على كل طريق من طرق مكة اربعة نفر ليصرفوا الناس عن الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يقولون لكل من تقدم اياك وهذا الرجل فانه كاهن ساحر كذاب. قال البغوى وذلك سنة الله تعالى ان جعل فى كل قرية اتباع الرسل ضعفاءهم كما قال فى قصة نوح {أية : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} تفسير : [الشعراء: 111]. وجعل فساقهم اكابرها ليمكروا فيها والمكر السعى بالفساد فى خفية ومداجاة والآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم {وما يمكرون الا بانفسهم} لان وباله عليهم {وما} والحال انهم لا {يشعرون} بذلك اصلا بل يزعمون انهم يمكرون بغيرهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {جعلنا} بمعنى صيَّرنا، يتعدى إلى مفعولين، و {مجرميها}: مفعول أول، مؤخر، و {أكابر}: مفعول ثان، وفيه ضعف من جهة الصناعة؛ لأن أكابر جمع أكبر، وهو من أفعل التفضيل، فلا يستعمل إلا بالإضافة، أو مقرونًا بمن. قاله ابن جزي. قلت: ويُجاب بأنه لم يقصد به المفاضلة، وإنما المراد مطلق الوصف، أي: جعلناهم كبراء، فلا يلزم إفراده ولا اقترانه بمن. فتأمله. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وكذلك} أي: كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها، ليمكروا فيها بأهلها، {جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} أي: مجرميها أكابر، {ليمكروا فيها} بمن فيها، فيمكروا بالناس فيتبعوهم على ذلك المكر، لأنهم أكابر تصعب مخالفتهم، فيحملونهم على الكفر والعصيان، ويخذلونهم عن الإسلام والإيمان، {وما يمكرون إلا بأنفسهم}؛ لأن وبال مكرهم راجع إليهم، {وما يشعرون} بذلك. الاشارة: إذا أراد الله بقومٍ خيرًا جعل الخير في أكابرهم: فيجعل أُمراءهم عُدولاً حُلَماء، وعلماءهم زهَّادًا أعفَّاءً، وأغنياءهم رحماء أسخياء، وصُلحاءهم قانعين أغنياء، وإذا أراد بهم شرًا جعل الشر في كبرائهم، فيجعل أمراءهم فجارًا يحكمون بالهوى، وعلماءهم حراصًا جامعين للدنيا، وأغنياءهم أشحاء قاسية قلوبهم، وصلحاءهم طماعين في الناس، منتظرين لما في أيديهم، فبهؤلاء يصلح الدين إذا صلحوا، ويفسد إذا فسدوا، وفي ذلك يقول ابن المبارك رحمه الله: شعر : وَهَل أفسَدَ الدِّينَ إلا المُلُوكُ وأحبارُ سُوءٍ وَرُهبَانُها تفسير : وقد تقدم تمامه في تفسير سورة البقرة. وبالله التوفيق. ثم بيَّن حال تلك الأكابر المجرمين، فقال: {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ}.
الطوسي
تفسير : معنى قوله {كذلك جعلنا} أي جعلنا ذا المكر من المجرمين، كما جعلنا ذا النور من المؤمنين، فكلما فعلنا بهؤلاء فعلنا بأولئك الا أن أولئك اهتدوا بحسن اختيارهم وهؤلاء ضلوا بسوء اختيارهم، لان كل واحد منهما جعل بمعنى صار به كذا الا أن الاول باللطف، والثاني بالتمكين من المكر، فصار كأنه جعل كذا. وموضع الكاف في {وكذلك} نصب بالعطف على قوله {كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} والمعنى مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم. ومثل ذلك {جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} وانما خص أكابر المجرمين بهذا المعنى دون الاصاغر، لانه أحسن في الاقتدار على الجميع، لان الاكابر اذا كانوا في قبضة القادر فالاصاغر بذلك أجدر. والاكابر جمع الاسماء، والكبر جمع الصفات تقول: كبير وأكابر ويجوز أن يكون جمع أكبر على أكابر. وقد قالوا: الاكابرة والاصاغرة، كما قالوا: الاساورة والاحامرة قال الشاعر: شعر : ان الاحامرة الثلاثة أهلكت ما لي وكنت بهن قدما مولعا الخمر واللحم السمين أحبه والزعفران فقد أبيت مودعا تفسير : وقوله {ليمكروا فيها} اللام لام العاقبة ويسمى لام الصيرورة، كما قال{أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}تفسير : وقال الشاعر: شعر : فاقسم لو قتلوا مالكا لكنت لهم حية راصدة وام سماك فلا تجزعي فللموت ما تلد الوالدة تفسير : وليس المراد بها لام الغرض، لانه تعالى لا يريد أن يمكروا، وقد قال {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : وإِرادة القبيح قبيحة. والتقدير وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليطيعوني ويمتثلوا أمري، وكان عاقبتهم أن مكروا بالمؤمنين وخدعوهم، فقال الله تعالى {وما يمكرون إلا بأنفسهم} لان عقاب ذلك يحل بهم. والمكر هو فتل الشيء الى خلاف الرشد على وجه الحيلة في الامر. والمكر والختل والغدر نظائر. وأصل المكر القتل. ومنه جارية ممكورة أي مفتولة البدن. ووجه مكر الانسان بنفسه أن وبال مكره يعود عليه، كأنه قال وما يضرون بذلك المكر الا أنفسهم، وما يشعرون انهم يمكرون بها، ولا يصح أن يمكر الانسان بنفسه على الحقيقة، لانه لا يصح أن يخفي عن نفسه معنى ما يحتال به عليها ويصح أن يخفي ذلك عن غيره. وفائدة الآية ان أكابر المجرمين لم يمكروا بالمؤمنين على وجه المغالبة لله، اذ كأنه جعلهم ليمكروا مبالغة في انتفاء صفة المغالبة.
الجنابذي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ} اى مثل ما جعلنا فى قريتك اكابر مجرميها {جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} لتخليص المؤمنين وتميز المنافقين عنهم {وَمَا يَمْكُرُونَ} فى مكر الانبياء والمؤمنين {إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ} لانّهم فى مكرهم يخرجون اوّلاً انفسهم من حدّ الاعتدال والتّوجّه الى كمالها الى حدّ التّفريط والتّوجّه الى نقصانها {وَمَا يَشْعُرُونَ} انّ المكر فى الحقيقة بأنفسهم.
الهواري
تفسير : قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا}. قال بعضهم: أكابر مجرميها: جبابرتها. وقال مجاهد: عظماؤها، وهو واحد. قال: {لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} أنهم إنما يمكرون بأنفسهم، وهم المشركون الذين كذبوا رسلهم.
اطفيش
تفسير : {وكَذلكَ} كما جعلنا فى مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها، كذلك {جَعَلنا فى كلِّ قريةٍ أكابر مُجْرميها ليمكُروا فيها} فى كل قرية مفعول ثان، وأكابر مفعول أول مضاف لمجرميها، وتقديم المفعول الثانى هنا واجب ليعود إليه الضمير للمجرمين من مجرميها، وإلا عاد الضمير المتأخر لفظاً ورتبة، لا يصح أن يجعل مجرميها مفعولا أول وأكابر مفعولا ثانيا، لأن أكابر جمع أكبر، واسم التفضيل يلزم الإفراد والتذكير إذا لم يضف أو أضيف لنكرة، وأجاز بعضهم هذا الإعراب، وعلق فى كل يجعلنا، وأجاز هذا البعض أن يكون فى كل قرية مفعولا ثانيا وأكابر مفعول أول ومجرميها بدل أكابر، وهذا لا يجوز كالذى قبله للزوم جمع اسم التفضيل فيه مع عدم إضافته، إلا أن يقال: هو خارج من باب التفضيل، على أن يكون أكبر بمعنى كبير. وقرئ أكبر مجرميها، فحينئذ يجوز تلك الأوجه كلها لا فى إفراده لأنه إذا أضيف لمعرفة جاز الإفراد والمطابقة، ويجوز فى القراءتين أن يكون أكابر أو أكبر حالا من مجرميها، أو من ضمير الاستقراء فى قوله: {فى كل قرية} ويجوز جعل الجعل بمعنى التمكين، فيكون له مفعول واحد هو أكابر أو أكبر مضاف لمجرميها، أو هو مجرميها، وأكابر وأكبر حال من مجرميها، أو هو أكابر على التأويل بكبيرين أو أكبر، ومجرمى بدل وإذا لم تجعل فى كل مفعولا ثانيا كان متعلقاً بجعلنا، سواء بمعنى صيرنا أو بمعنى مكنا. {ليمْكُروا فيها} يصدوا فيها الناس عن الدين باحتيال وخدع، ويفسد فيها بنميمة وغيبة وبيمين كاذبة، وتزويج الباطل، والكذب، والضعفاء، لا يقدرون على المكر والغدر، ولذلك جعل المجرمين أكابر فيها، وذلك ابتلاء كما خلق إبليس، وعن مجاهد: معنى مكرهم أنهم أجلسوا على كل طريق من طريق مكة أربعة نفر يقولون: محمد كاهن، محمد ساخر، محمد مجنون، محمد علمه بشر، ونحو ذلك ليصدوا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك عادة فى أقوام الأنبياء، وكثرة المال والجاه يحملان الإنسان على حفظهما، فكانوا يتمنونها ويحافظون عليهما بأنواع الحيل والغدر. {وما يمْكُرونَ إلاَّ بأنفُسهِم} لأن عاقبة مكرهم دائرة عليهم بعد دنيا وأخرى {وما يشْعُرونَ} أن دائرته عليهم، قيل: لما قال أبو جهل: زاحمنا بنو عبد مناف فى الشرف، حتى إذا صرنا نحن وهم كفرسى رهان قالوا: منَّا نبى يوحى إليه، والله لا نؤمن به إلا أن يأتينا وحى كما يأتيه، وقال الوليد بن المغيرة للنبى صلى الله عليه وسلم: لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أولى بها منك، لأنى أكبر منك سناً، وأكثر منك مالا، واستحب كل رئيس من رؤساء الكفار النبوة لنفسه، أما ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده كما قال مقاتل أراد كل واحد منهم أن يخص بالرسالة والوحى، وخرج عليه قوله تعالى: {أية : بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشَّرة}تفسير : عاب الله تعالى عليهم بأن أنزل فى جملة الأنعام قوله تعالى:
اطفيش
تفسير : {وَكَذَلِكَ} كما جعلنا فى مكة أَكابر مجرميها ليمكروا فيها، أَو كما جعلنا فساق أَهل مكة أَكابرها أَو كما جعلنا أَعمال أَهل مكة مزينة لهم، وما قبل هذا أَولى لتقدم هذا ولمعلوميته ولتبادر ما قبله من اسم الإِشارة أَنه جعل فى مكة رؤساءَها ماكرين، مع أَن المراد من الكافرين الذين زين لهم أَعمالهم أَكابرهم، وعلى كل حال سنة الله جعل الأَكابر كفرة أَقوياءَ على ترويج الباطل، وأَتباع الرسل ضعفاءَ {جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا} فى كل قرية متعلق بجعلنا واجب التقديم ليعود عليه ضمير مجرميها، وأَكابر مفعول ثان مؤخر وجمع مع أَن مفرده اسم تفضيل منكر لخروجه عن التفضيل ومجرميها مفعول أَول، وكذلك وجب تقديم فى كل قرية ليعود عليها الضمير إِذا جعلناه مفعولا ثانياً وأَكابر مفعول أَول مضاف لمجرميها، وساغ الجمع ولو بقى على التفضيل لأَنه أضيف لمعرفة، ويجوز أَن يكون أَكابر مفعولا أَولا ومجرميها بدلا فجمع أَكابر لخروجه عن التفضيل ولم يظهر هذا البعض فقال إِنه جمع لأَنه خرج عن شأن الوصف وجعل اسماً للرؤساء، وأَما الأحامرة فى قوله: شعر : إِن الأَحامرة الثلاثة أَتلفت مالى وكنت بهن قدماً مولعاً تفسير : فهو صفة مشبهة جمع لا اسم تفضيل، وتحقيقاً أَنه لم يجز أَحد من النحاة جمع اسم التفضيل على أَفعالة، ولا يخفى أَن الإِخبار بالتعليل ضعيف فكيف يحسن جعل ليمكروا مفعولا ثانياً ولا يجوز أَن يكون الثانى محذوفاً أَى فساقاً، إِذ لا دليل عليه، وكذلك أَن يكون فاسقاً مفعولاً أَولاً، وإِن قلنا جعلنا بمعنى مكنا فله مفعول به هو أَكابر، ومجرمى بدل، أَو مجرمى مفعول به وأَكابر حال منه، وعلى كل حال قيض فى كل قرية المجرمين الأَكابر لأَنهم أَقدر على الصد عن دينه، وأَكثر أَتباعاً، وذلك تعليل كما هو ظاهر قوله {لِيَمْكُرُوا فِيهَا} ولله أَن يفعل ما شاءَ، وذلك فى المعنى كثير لأَن حاصله التزيين والخذلان وخلق الأَفعال، أَو اللام للصيرورة {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ} لأَن عاقبة مكرهم عائدة عليهم بالهلاك فى الدنيا والأخرى {وَمَا يَشْعُرُونَ} بأنَه عليهم، ومكرهم هو صدهم الناس عن الدين بمنع منافعهم إِن أَسلموا والإِضرار بمن أَسلم وقولهم شاعر أَو ساحر أَو مجنون، أَو أَساطير الأَولين أَو يعلمه بشر، أَو كاذب أَو كاهن، والغيبة والنميمة والأَيمان الكاذبة وتزيين الباطل، من ذلك أَنهم أَجلسوا على كل طرق مكة أَربعة يصرفون الناس عن الإِيمان، ويقولون كاذب ساحر كاهن ونحو ذلك كما قال مجاهد، وأَنهم يتصنعون فى لباسهم وأَولادهم وعبيدهم ليرى الناس أَنهم أَحسن فيتبعوهم، وكلما جاءَتهم معجزة قابلوها بنوع من الإِنكار ولو بعناد محض. قال الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ} قيل أي كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها {جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ} من سائر القرى {أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} أو كما جعلنا أعمال أهل مكة مزينة لهم جعلنا في كل قرية إلخ، وإلى الاحتمالين ذهب الإمام الرازي. وجعل غير واحد جعل بمعنى صير المتعدية لمفعولين. واختلف في تعيينهما فقيل: {فِي كُلِّ قَرْيَةٍ} مفعول ثان، و {أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا} بالإضافة هو الأول، وقيل: {أَكَـٰبِرَ } مفعول ثان و {مُجْرِمِيهَا } مفعول أول لأنه معرفة فيتعين أنه المبتدأ بحسب الأصل، والتقدير جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر فيتعلق الجار والمجرور بالفعل. واعترض أبو حيان كون {مُجْرِمِيهَا } بدلاً من {أَكَـٰبِرَ } أو مفعولاً بأنه خطأ وذهول عن قاعدة نحوية وهي أن أفعل التفضيل يلزم إفراده وتذكيره إذا كان بمن ظاهرة أو مقدرة أو مضافاً إلى نكرة سواء كان لمفرد مذكر أو لغيره فإن طابق ما هو له تأنيثاً وجمعاً وتثنية لزمه أحد الأمرين: إما الألف واللام أو الإضافة إلى معرفة و{أَكَـٰبِرَ } في التخريجين باق على الجمعية وهو غير معرف بأل ولا مضاف لمعرفة وذلك لا يجوز. وتعقبه الشهاب فقال: إنه غير وارد لأن أكابر وأصاغر أجري مجرى الأسماء لكونه بمعنى الرؤساء ـ كما نص عليه راغب ـ وما ذكره إنما هو إذا بقي على معناه الأصلي. ويؤيده قول ابن عطية: أنه يقال أكابرة كما يقال أحمر وأحامرة كما قال: شعر : إن الأحامرة الثلاث تعولت تفسير : وإن رده أبو حيان بأنه لم يعلم أن أحداً من أهل اللغة والنحو أجاز في جمع أفضل أفاضلة وفيه نظر. وأما الجواب بأنه على حذف المضاف المعرفة للعلم به أي أكابر الناس أو أكابر أهل القرية فلا يخفى ضعفه اهـ. وظاهر كلام الزمخشري أن الظرف لغو و {أَكَـٰبِرَ} أول المفعولين مضاف لمجرميها و {لِيَمْكُرُواْ } المفعول الثاني. وجوز بعضهم كون جعل متعدياً لواحد على أن المراد بالجعل التمكين بمعنى الإقرار في المكان والإسكان فيه ومفعوله {أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا } بالإضافة، ويفهم من كلام البعض أن احتمال الإضافة لا يجري إلا على تفسير جعلناهم بمكناهم ولا يخلو ذلك عن دغدغة. وقال العلامة الثاني بعد سرد عدة من الأقوال: والذي يقتضيه النظر الصائب أن {فِي كُلّ قَرْيَةٍ } لغو و {أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا } مفعول أول و {لِيَمْكُرُواْ } هو الثاني؛ ولا يخفى حسنه بيد أنه مبني على جعل الإشارة لأحد الأمرين اللذين أشير فيما سبق إليهما. وناقش في ذلك شيخ الإسلام وادعى / أن الأقرب جعل المشار إليه الكفرة المعهودين باعتبار اتصافهم بصفاتهم والإفراد باعتبار الفريق أو المذكور، ومحل الكاف النصب على أنه المفعول الثاني لجعلنا قدم عليه لإفادة التخصيص كما في قوله سبحانه: { أية : كَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } تفسير : [النساء: 94] والأول: {أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا }، والظرف لغو أي ومثل أولئك الكفرة الذين هم صناديد مكة ومجرموها جعلنا في كل قرية أكابرها المجرمين أي جعلناهم متصفين بصفات المذكورين مزيناً لهم أعمالهم مصرين على الباطل مجادلين به الحق ليمكروا فيها أي ليفعلوا المكر فيها اهـ. ولا يخفى بعده. وتخصيص الأكابر لأنهم أقوى على استتباع الناس والمكر بهم. وقرىء {أَكَـبر مُجْرِمِيهَا } وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله سبحانه: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } اعتراض على سبيل الوعد له عليه الصلاة والسلام والوعيد للكفرة الماكرين أي وما يحيق غائلة مكرهم إلا بهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} حال من ضمير {يَمْكُرُونَ} أي إنما يمكرون بأنفسهم والحال أنهم ما يشعرون بذلك أصلاً بل يزعمون أنهم يمكرون بغيرهم.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: { أية : كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون } تفسير : [الأنعام: 122] فلها حكم الاستئناف البياني، لبيان سبب آخر من أسباب استمرار المشركين على ضلالهم، وذلك هو مكر أكابر قريتهم بالرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين وصرفهم الحيل لصدّ الدهماء عن متابعة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشار إليه بقوله: {وكذلك} أولياء الشياطين بتأويل {كذلك} المذكور. والمعنى: ومِثْل هذا الجعل الذي جعلناه لمشركي مكّة جعَلنا في كلّ قرية مضت أكابرَ يصدّون عن الخير، فشبّه أكابر المجرمين من أهل مكّة في الشرّك بأكابر المجرمين في أهل القرى في الأمَممِ الأخرى، أي أنّ أمر هؤلاء ليس ببدع ولا خاصّ بأعداء هذا الدّين، فإنَّه سنّة المجرمين مع الرسل الأوّلين. فالجَعل: بمعنى الخلق ووضععِ السّنن الكونيّة، وهي سنن خلق أسباب الخير وأسباب الشرّ في كلّ مجتمع، وبخاصّة القُرى. وفي هذا تنبيه على أنّ أهل البداوة أقرب إلى قبول الخير من أهل القرى، لأنَّهم لبساطة طباعهم من الفطرة السّليمة، فإذا سمعوا الخير تقبّلوه، بخلاف أهل القرى، فإنَّهم لتشبّثهم بعوائدهم وما ألفوه، ينفرون من كلّ ما يغيّره عليهم، ولهذا قال الله تعالى: { أية : وممنّ حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النّفاق } تفسير : [التوبة: 101] فجعل النّفاق في الأعراب نفاقاً مجرّداً، والنّفاق في أهل المدينة نفاقاً مارداً. وقد يكون الجَعل بمعنى التّصيير، وهو تصيير خَلْق على صفة مخصوصة أو تصيير مخلوق إلى صفة بعد أن كان في صفة أخرى، ثمّ إنّ تصارع الخير والشرّ يكون بمقدار غلبة أهل أحدهما على أهل الآخر، فإذا غلب أهل الخير انقبض دعاة الشرّ والفساد، وإذا انعكس الأمر انبسط دعاة الشرّ وكثروا. ومن أجل ذلك لم يزل الحكماء الأقدمون يبذلون الجهد في إيجاد المدينة الفاضلة الّتي وصفها (أفلاطون) في «كتابه»، والّتي كادت أن تتحقّق صفاتها في مدينة (أثينة) في زمن جمهوريتها، ولكنّها ما تحقّقت بحقّ إلاّ في مدينة الرّسول صلى الله عليه وسلم في زمانه وزمان الخلفاء الرّاشدين فيها. وقد نبّه إلى هذا المعنى قوله تعالى: { أية : وإذَا أردْنا أن نهلك قرية أمَّرْنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمرناها تدميراً } تفسير : [الإسراء: 16] على قراءة تشديد ميم: {أمَّرنا}. والأظهر في نظم الآية: أنّ {جعلنا} بمعنى خلقنا وأوجدنا، وهو يتعدّى إلى مفعول واحد كقوله: { أية : وجعل الظّلمات والنّور } تفسير : [الأنعام: 1] فمفعوله: {أكابر مجرميها}. وقوله: {في كل قرية} ظرف لغو متعلّق بــــ {جعلنا} وإنَّما قدّم على المفعول مع أنّه دونه في التعلّق بالفعل، لأنّ كون ذلك من شأن جميع القرى هو الأهمّ في هذا الخبر، ليَعلم أهل مكّة أنّ حالهم جرى على سُنن أهل القرى المرسل إليها. وفي قوله: {أكابر مجرميها} إيجاز لأنَّه أغنى عن أن يقول جعلنا مُجرمين وأكابر لهم وأن أولياء الشياطين أكابر مجرمي أهل مكة، وقوله: {ليمكروا} متعلّق بــــ {جعلنا} أي ليحصُل المكر، وفيه على هذا الاحتمال تنبيه على أنّ مكرهم ليس بعظيم الشأن. ويحتمل أن يكون {جعلنا} بمعنى صيّرنا فيتعدّى إلى مفعولين هما: {أكابر مجرميها} على أنّ {مجرميها} المفعول الأوّل، و{أكابر} مفعول ثان، أي جعلنا مجرميها أكابر، وقدم المفعول الثّاني للاهتمام به لغرابة شأنه، لأنّ مصير المجرمين أكابر وسادة أمر عجيب، إذ ليسوا بأهل للسؤدد، كما قال طفيل الغنوي: شعر : لا يصلح النّاس فَوضى لا سَراة لهم ولا سَراة إذا جُهَّالهم سادوا تُهدَى الأمورُ بأهل الرأي ما صَلُحت فإنْ تولَّتْ فبالأشرار تَنْقَادُ تفسير : وتقديم قوله: {في كل قرية} للغرض المذكور في تقديمه للاحتمال الأوّل. وفي هذا الاحتمال إيذان بغلبة الفساد عليهم، وتفاقم ضرّه، وإشعار بضرورة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك القرية، وإيذان باقتراب زوال سيادة المشركين إذ تولاها المجرمون لأنّ بقاءهم على الشّرك صيّرهم مجرمين بين مَن أسلم منهم. ولعلّ كلا الاحتمالين مراد من الكلام ليفرض السّامعون كليهما، وهذا من ضروب إعجاز القرآن كما تقدّم عند قوله تعالى: { أية : والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنَّه منزل من ربّك بالحقّ فلا تكوننّ من الممترين } تفسير : [الأنعام: 114]. واللاّم في {ليمكروا} لام التّعليل، فإنّ من جملة مراد الله تعالى من وضع نظام وجود الصّالح والفاسد، أن يعمل الصّالح للصلاح، وأن يعمل الفاسد للفساد، والمكرُ من جملة الفساد، ولام التّعليل لا تقتضي الحصر، فللّه تعالى في إيجاد أمثالهم حِكَم جمّة، منها هذه الحكمة، فيظهر بذلك شرف الحقّ والصّلاح ويسطع نوره، ويظهر انْدِحاض الباطل بين يديه بعد الصّراع الطّويل؛ ويجوز أن تكون اللام المسماةَ لام العاقبة، وهي في التحقيق استعارة اللام لمعنى فاء التفريع كالتي في قوله تعالى: { أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً } تفسير : [القصص: 8]. ودخلت مكّة في عموم: {كل قرية} وهي المقصود الأول، لأنَّها القرية الحاضرة الّتي مُكِر فيها، فالمقصود الخصوص. والمعنى: وكذلك جعلنا في مكّة أكابر مجرميها ليمكروا فيها كما جعلنا في كلّ قرية مثلَهم، وإنَّما عُمّم الخبرُ لقصد تذكير المشركين في مكّة بما حلّ بالقرى من قبلها، مثل قرية: الحِجر، وسَبا، والرّس، كقوله: { أية : تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبيّنات فما كانوا ليؤمنوا } تفسير : [الأعراف: 101]، ولقصد تسلية الرّسول صلى الله عليه وسلم بأنَّه ليس ببدع من الرّسل في تكذيب قومه إيَّاه ومكرهم به ووعده بالنّصر. وقوله: {أكابر مجرميها} أكابر جمع أكبر. وأكبر اسم لعظيم القوم وسيّدهم، يقال: ورثوا المجد أكْبَر أكْبَر، فليست صيغة أفعل فيه مفيدة الزّيادة في الكبر لا في السِنّ ولا في الجسم، فصار بمنزلة الاسم غير المشتقّ، ولذلك جمع إذا أخبر به عن جمع أو وُصف به الجمع ولو كان معتبراً بمنزلة الاسم المشتقّ لكان حقّه أن يلزم الإفراد والتّذكير. وجمع على أكابر، يقال: ملوك أكابر، فوزن أكابر في الجمع فَعال مثل أفاضل جمع أفضل، وأيامِنَ وأشَائِمَ جمع أيَمن وأشأم للطّير السوانح في عرف أهل الزجر والعيافة. وأعلم أنّ اصطلاح النّحاة في موازين الجموع في باب التّكسير وفي باب ما لا ينصرف أن ينظروا إلى صورة الكلمة من غير نظر إلى الحروف الأصليّة والزائدة بخلاف اصطلاح علماء الصّرف في باب المُجرّد والمزيد. فهمزة أكبر تعتبر في الجمع كالأصلي وهي مزيدة. وفي قوله: {أكابر مجرميها} إيجاز لأنّ المعنى جعلنا في كلّ قرية مجرمين وجعلنا لهم أكابر فلمّا كان وجود أكابر يقتضي وجود من دونهم استغنى بذكر أكابر المجرمين. والمكر: إيقاع الضرّ بالغير خُفية وتحيُّلاً، وهو من الخداع ومن المذام، ولا يغتفر إلاّ في الحرب، ويغتفر في السّياسة إذا لم يمكن اتّقاء الضرّ إلاّ به، وأمّا إسناده إلى الله في قوله تعالى: { أية : ومكرَ الله واللَّهُ خير الماكرين } تفسير : [آل عمران: 54] فهو من المشاكلة لأنّ قبلهُ { أية : ومكروا } تفسير : [آل عمران: 54]، أي مكروا بأهل الله ورسله. والمراد بالمكر هنا تحيّل زعماء المشركين على النّاس في صرفهم عن النّبيء صلى الله عليه وسلم وعن متابعة الإسلام، قال مجاهد: كانوا جلسوا على كلّ عقبة ينفّرون النّاس عن اتّباع النّبيء صلى الله عليه وسلم. وقد حذف متعلِّق: {ليمكروا} لظهوره، أي ليمكروا بالنَّبيء عليه الصلاة والسلام ظنّاً منهم بأنّ صدّ النّاس عن متابعته يضرّه ويحزنه، وأنَّه لا يعلم بذلك، ولعلّ هذا العمل منهم كان لما كثُر المسلمون في آخر مدّة إقامتهم بمكّة قبيل الهجرة إلى المدينة، ولذلك قال الله تعالى: {وما يمكرون إلا بأنفسهم}، فالواو للحال، أي هم في مكرهم ذلك إنَّما يضرّون أنفسهم، فأطلق المكر على مآله وهو الضرّ، على سبيل المجاز المرسل، فإنّ غاية المكر ومآله إضرار الممكور به، فلمّا كان الإضرار حاصلا للماكرين دون الممكور به أطلق المكر على الإضرار. وجيء بصيغة القصر: لأنّ النّبيّء صلى الله عليه وسلم لا يلحقه أذى ولا ضرّ من صدّهم النّاس عن اتِّباعه، ويَلحق الضرّ الماكرين، في الدّنيا: بعذاب القتل والأسر، وفي الآخرة: بعذاب النّار، إنْ لم يؤمنوا فالضرّ انحصر فيهم على طريقة القصر الإضافي، وهو قصر قلب. وقوله: {وما يشعرون} جملة حال ثانية، فهم في حالة مكرهم بالنّبيء متّصفون بأنَّهم ما يمكرون إلاّ بأنفسهم وبأنَّهم ما يشعرون بلحاق عاقبة مكرهم بهم، والشّعور: العلم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه جعل في كل قرية أكابر المجرمين منها ليمكروا فيها، ولم يبين المراد بالأكابر هنا، ولا كيفية مكرهم، وبين جميع ذلك في مواضع أخر: فبين أن مجرميها الأكابر هم أهل الترف، والنعمة في الدنيا، بقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}تفسير : [سبأ: 34]، وقوله: {أية : وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 23]. ونحو ذلك من الآيات. وبين أن مكر الأكابر المذكور: هو أمرهم بالكفر بالله تعالى، وجعل الأنداد له بقوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} تفسير : [سبأ: 33]، وقوله: {أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ}تفسير : [نوح: 22-23] الآية. وأظهر أوجه الإعراب المذكورة في الآية عندي اثنان: أحدهما: أن "أكابر" مضاف إلى "مجرميها" وهو المفعول الأول لجعل التي بمعنى صير، والمفعول الثاني هو الجار والمجرور، أعني في كل قرية. والثاني: أن "مجرميها" مفعول أول. و "أَكَابِرَ" مفعول ثان، أي جعلنا مجرميها أكابرها، والأكابر جمع الأكبر.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَكَابِرَ} (123) - وَكَمَا جَعَلْنَا فِي قَرْيَتِكَ أَكَابِرَ مِنَ المُجْرِمِينَ الذِينَ يَدْعُونَ إِلَى الكُفْرِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَيَدْعُونَ إِلى مُخَالَفَتِكَ وَمُعَادَاتِكَ .. كَذَلِكَ كَانَتِ الرُّسُلُ قَبْلَكَ يُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ. وَيَقُومُ هَؤُلاَءِ المُجْرِمُونَ بِالدَّعْوَةِ إِلى الضَّلالَةِ بِزُخْرُفٍ مِنَ القَوْلِ وَالفِعْلِ (يَمْكُرُونَ). وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّهُمْ لاَ يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ، لأَِنَّ مَكْرَهُمْ يَعُودُ وَبَالاً عَلَيْهِمْ، لأَِنَّ اللهَ يُهْلِكُهُمْ بِالعَذَابِ، وَيُبْطِلُ مَكْرَهُمْ، وَيَنْصُرُ رُسُلَهُ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بِأَنَّهُمْ يَمْكُرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ. المَكْرُ - هُوَ صَرْفُ الإِنْسَانِ عَمَّا يُرِيدُ إِلى غَيْرِهِ بِضُرُوبٍ مِنَ الحِيلةِ وَالخِدَاعِ وَزُخْرُفِ القَوْلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقول الحق سبحانه: {وَكَذٰلِكَ} تدل على أن شيئاً شبِّه بشيء، فكما وُجد في مكة من يناصبك العداء ويناهضك ويقاومك في أمر الدعوة إلى الله، ويصدّ عن سبيل الحق؛ إن تلك قضية لست فيها بدعاً من الرسل؛ لأن هذه المسألة قضية سائدة مع كل رسول في موكب الإيمان، و"كذلك" أي كما جعلنا في مكة مجرمين يمكرون جعلنا في كل قرية سبقت مع رسول سبق هذه المسألة، فلم تكن بدعاً من الرسل. وحيث إنك لم تكن بدعاً من الرسل فلتصبر على ذلك كما صبر أولو العزم من الرسل. وأنت أولى منهم بالصبر؛ لأن مشقاتك على قدر مهمتك الرسالية في الكون كله، فكل رسول إنما جاء لأمة محدودة ليعالج داءً محدوداً في زمان محدود. وأنت قد جئت للأمر العام زماناً ومكاناً إلى أن تقوم الساعة، فلابد أن تتناسب المشقات التي تواجهك مع عموم رسالتك التي خصك الله بها. {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا} [الأنعام: 123] والإجرام هو مأخوذ من مادة "الجيم" و"الراء" و"الميم"، الجرْم والجُرْم والجريمة. فيها معنى القطع. و"مجرميها" جمع مجرم، ومجرم من أجرم، وأجرم أي ارتكب الجُرم والجريمة، ومعنى ذلك أنه قطع نفسه بالجريمة عن مجتمعه الذي يعايشه، فهو يعزل نفسه لا لمصلحة لأحد إلا لمصلحته هو، فكأنه قام بعملية انعزال اجتماعي، وجعل كل شيء لنفسه، ولم يجعل نفسه لأحد؛ لأنه يريد أن يحقق مرادات نفسه غير مهتم بالنتائج التي تترتب على ذلك. إذن فالإجرام هو الإقدام على القبائح اقداماً يجعل الإنسان عازلاً نفسه عن خير مجتمعه؛ لأنه يريد كل شيء لنفسه. ومادام كل شيء لنفسه فعامل التسلط موجود فيه، ويرتكب الرذائل. ولأنه يرتكب الرذائل فهو يريد من كل المجتمع أن تنتشر فيه مثل هذه الرذائل؛ لكي لا يشعر أن هناك واحداً أحسن منه. {..لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123] والمكر- كما نعرف- مأخوذ من التفاف الأغصان بعضها على بعض التفافاً بحيث لا تستطيع إذا أمسكت ورقة من أعلى أن تقول هذه الورقة من هذا الفرع؛ لأن الأغصان والفروع ملفوفة ومتشابكة ومجدولة بعضها مع بعض. والماكر يصنع ذلك لأنه يريد أن يلف تبييته حتى لا يُكشف عنه، ومادام يفعل ذلك فاعلم من أول الأمر أنه ضعيف التكوين؛ لأنه لو لم يعلم ضعف تكوينه لما مكر لأن القوي لا يمكر أبداً، بل يواجه، ولذلك يقول الشاعر: شعر : وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت كذلك قدرة الضعفاء تفسير : والضعيف عندما يملك فهو يحدث لنفسه بأن هذه الفرصة لن تتكرر، فيجهز على خصمه خوفاً من الا تأتي له فرصة أخرى، لكن القوي حين يأتي لخصمه فيمسكه ثم يحدث نفسه بأن يتركه، وعندما يرتكب هذا الخصم حماقة جديدة فيعاقبه. إذن فلا يمكر الا الضعيف. والحق سبحانه وتعالى في هذه المسألة يتكلم عن المجرمين من أكابر الناس، أي الذين يتحكمون في مصائر الناس، ويفسدون فيها ولا يقدر أحد أن يقف في مواجهتهم. وهناك كثير من الآيات تتعلق بهذه المسألة، وبعضها وقع فيه الجدل والخلاف، ومن العجيب أن الخلاف لم يُصفَّ، وكل جماعة من العلماء يتمسكون برأيهم. وهذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها تلتقي مع القول الحق: {أية : وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} تفسير : [الإسراء: 16] وهذه الآية فيها اشكال، وقامت بسببها معركة بين العلماء؛ فنجد منهم من يقول: وكيف يأمر الله أناساً بالفسق؟. وحاولوا أن يجدوا تأويلا لذلك فقالوا: إن الحق قد قسر وأجبر أكابر هؤلاء الناس على الفسق. والجانب الثاني من العلماء قالوا: لا، إن الحق لا يقسر البشر على الفسق، بل على الإنسان حين يقرأ كلمة أمر الله في المنهج فلابد أن يعرف أن هذا الأمر عرضة لأن يطاع وعرضة لأن يعصى؛ لأن المأمور- وهو المكلف- صالح أن يفعل، وصالح الا يفعل، وأن الآمر قد أمر بشيء، والمأمور له حق الاختيار؛ وبذلك تجد أكابر القوم إنما استقبلوا أمر الله بالعصيان؛ لأن الحق هو القائل: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ..} تفسير : [البينة:5] والفسق- إذن- مترتب على اختيار المأمور. وحين نتأمل نحن بالخواطر معنى: "أمر الله" نجد أن أمر الله يتمثل في التكوينات الطبيعية الكونية ولا يوجد لأحد قدرة على مخالفة الله في ذلك، فهو القائل:{إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. ويتمثل أيضاً أمر الله في التشريعات، وللبشر الذين نزلت لهم هذه التشريعات أن يختاروا بين الطاعة أو العصيان، وسبحانه القائل عن الأمر بالتشريع: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ}. وحين يقول الحق: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا}. فسبحانه لا يهلك هذه القرية ظلماً، وإنما يرسل إليها المنهج، فإن أطاعوا فأهلاً وسهلاً، وإن عصوا فلابد لهم من العقاب بالدمار. وهكذا نرى أن العلماء الذين ظنوا أن الفسق مترتب على الأمر من الله لم يلتفتوا إلى أن ورود الأمر في القرآن الكريم جاء على لونين: أولا: أمر التكوين بالقهريات فلا يستطيع المأمور أن يتخلف عنه، ويمثل الأمر القهري قوله الحق: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] فالأمر جاهز في عالم الأزل ليبرز حين يشاء الحق. والأمر الثاني: هو الأمر التشريعي وهو صالح لأن يختار المكلف بين أن يطيع أو يعصي، وفي هذا الإِطار نفهم قوله الحق: {أية : وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} تفسير : [الإسراء: 16] فلا تقل: إن الله يأمر بالفسق؛ فالحق قد أمر المؤمنين بالمنهج لأنه سبحانه لا يأمر بالفحشاء. بل جاء الأمر لكل البشر أن يعبدوا الله مخلصين له الدين، لكن كبار أهل هذه القرية أخذوا البديل للطاعة وهو الفسق والمعصية، فلما أمرهم ففسقوا ماذا يصنع بهم؟، هو سبحانه يدمرهم تدميرا, فإن كان في الكونيات فلا أحد من خلق الله مكلف في الكونيات، إنما أمره الثاني في اتباع المنهج فلنا أن نفهم أنه الاختيار. وهكذا نعلم ونفهم معنى هذه الآية لتلتقي مع الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: أي وإذا أردنا أن نهلك قرية أنزلنا منهجاً فأكابرها كانوا أسوة سيئة ففسقوا فيها بعدم إطاعة منهج الله فحق عليها القول فدمرناها تدميرا. وكذلك - أيضاً - نفهم قوله الحق: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} لأن المكر إنما يريد به الماكر أن يحقق شيئاً من طريق ملتوٍ لأنه ضعيف لا يمكن أن يواجه الحقائق، وهذه الحقائق تستقبلها الفطرة السليمة، وهو يريد تزييف المسألة على هذه الفطرة لذلك يلتوي. ولمثل هذا الماكر نقول: أنت تريد أن تحقق لنفسك خيراً عاجلاً وشهوة موقوتة، ولكنك إن استحضرت العقوبة التي تنشأ من هذا الأمر بالنسبة لك. وكذلك عقوبتك على أنك أضللت الآخرين لرأيت كيف يأتي الشر. {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123] أي لا يعلمون، لأنهم لا يوازنون الأمور بدقة تؤدي إلى النفع الحقيقي. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} معناه يَخْدَعَوا ويحتَالُوا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):