٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
124
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى حكى عن مكر هؤلاء الكفار وحسدهم أنهم متى ظهرت لهم معجزة قاهرة تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: لن نؤمن حتى يحصل لنا مثل هذا المنصب من عند الله، وهذا يدل على نهاية حسدهم، وأنهم إنما بقوا مصرين على الكفر لا لطلب الحجة والدلائل، بل لنهاية الحسد. قال المفسرون: قال الوليد بن المغيرة: والله لو كانت النبوة حقاً لكنت أنا أحق بها من محمد، فإني أكثر منه مالاً وولداً، فنزلت هذه الآية. وقال الضحاك: أراد كل واحد منهم أن يخص بالوحي والرسالة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: {أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً }تفسير : [المدثر: 52] فظاهر الآية التي نحن في تفسيرها يدل على ذلك أيضاً لأنه تعالى قال: {وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ } وهذا يدل على أن جماعة منهم كانوا يقولون هذا الكلام. وأيضاً فما قبل هذه الآية يدل على ذلك أيضاً، وهو قوله: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } تفسير : [الأنعام: 123] ثم ذكر عقيب تلك الآية أنهم قالوا: {لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ } وظاهره يدل على أن المكر المذكور في الآية الأولى هو هذا الكلام الخبيث. وأما قوله تعالى: {لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ } ففيه قولان: القول الأول: وهو المشهور، أراد القوم أن تحصل لهم النبوة والرسالة، كما حصلت لمحمد عليه الصلاة والسلام، وأن يكونوا متبوعين لا تابعين، ومخدومين لا خادمين. والقول الثاني: وهو قول الحسن، ومنقول عن ابن عباس: أن المعنى، وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع النبي. قالوا: {لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتِى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ } وهو قول مشركي العرب {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } إلى قوله: {أية : حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءهُ } تفسير : [الإسراء: 90-93] من الله إلى أبي جهل، وإلى فلان وفلان كتاباً على حدة، وعلى هذا التقدير: فالقوم ما طلبوا النبوة، وإنما طلبوا أن تأتيهم آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين كي تدل على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام. قال المحققون: والقول الأول أقوى وأولى، لأن قوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } لا يليق إلا بالقول الأول، ولمن ينصر القول الثاني أن يقول: إنهم لما اقترحوا تلك الآيات القاهرة، فلو أجابهم الله إليها وأظهر تلك المعجزات على وفق التماسهم، لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة، وحينئذ يصلح أن يكون قوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } جواباً على هذا الكلام. وأما قوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } فالمعنى أن للرسالة موضعاً مخصوصاً لا يصلح وضعها إلا فيه، فمن كان مخصوصاً موصوفاً بتلك الصفات التي لأجلها يصلح وضع الرسالة فيه كان رسولاً وإلا فلا، والعالم بتلك الصفات ليس إلا الله تعالى. واعلم أن الناس اختلفوا في هذه المسألة، فقال بعضهم: النفوس والأرواح متساوية في تمام الماهية، فحصول النبوة والرسالة لبعضها دون البعض تشريف من الله وإحسان وتفضل. وقال آخرون: بل النفوس البشرية مختلفة بجواهرها وماهياتها، فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة. وبعضها خسيسة كدرة محبة للجسمانيات، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول، لم تصلح لقبول الوحي والرسالة. ثم إن القسم الأول يقع الاختلاف فيه بالزيادة والنقصان والقوة والضعف إلى مراتب لا نهاية لها، فلا جرم كانت مراتب الرسل مختلفة، فمنهم من حصلت له المعجزات القوية والتبع القليل، ومنهم من حصلت له معجزة واحدة أو اثنتان وحصل له تبع عظيم، ومنهم من كان الرفق غالباً عليه، ومنهم من كان التشديد غالباً عليه، وهذا النوع من البحث فيه استقصاء، ولا يليق ذكره بهذا الموضع وقوله تعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } فيه تنبيه على دقيقة أخرى. وهي: أن أقل ما لا بد منه في حصول النبوة والرسالة البراءة عن المكر والغدر، والغل والحسد. وقوله: {لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ } عين المكر والغدر والحسد، فكيف يعقل حصول النبوة والرسالة مع هذه الصفات؟ ثم بين تعالى أنهم لكونهم موصوفين بهذه الصفات الذميمة سيُصيبهم صَغار عند الله وعذاب شديد وتقريره أن الثواب لا يتم إلا بأمرين، التعظيم والمنفعة، والعقاب أيضاً إنما يتم بأمرين: الإهانة والضرر. والله تعالى توعدهم بمجموع هذين الأمرين، في هذه الآية، أما الإهابة فقوله: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ } وإنما قدم ذكر الصغار على ذكر الضرر، لأن القوم إنما تمردوا عن طاعة محمد عليه الصلاة والسلام طلباً للعز والكرامة، فالله تعالى بين أنه يقابلهم بضد مطلوبهم، فأول ما يوصل إليهم إنما يوصل الصغار والذل والهوان، وفي قوله: {صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ } وجوه: الأول: أن يكون المراد أن هذا الصغار إنما يحصل في الآخرة، حيث لا حاكم ينفذ حكمه سواه. والثاني: أنهم يصيبهم صغار بحكم الله وإيجابه في دار الدنيا، فلما كان ذلك الصغار هذا حاله، جاز أن يضاف إلى عند الله. الثالث: أن يكون المراد {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ } ثم استأنف. وقال: {عَندَ ٱللَّهِ } أي معدلهم ذلك، والمقصود منه التأكيد، الرابع: أن يكون المراد صغار من عند الله، وعلى هذا التقدير: فلا بد من إضمار كلمة «من» وأما بيان الضرر والعذاب، فهو قوله: {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ } فحصل بهذا الكلام أنه تعالى أعد لهم الخزي العظيم والعذاب الشديد، ثم بين أن ذلك إنما يصيبهم لأجل مكرهم وكذبهم وحسدهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ} بيّن شيئاً آخر من جهلهم، وهو أنهم قالوا لن نؤمن حتى نكون أنبياء، فنؤتَى مثل ما أوتي موسى وعيسى من الآيات؛ ونظيره «بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً». والكناية في «جاءتهم» ترجع إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم. قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النبوّة حقًّا لكنت أوْلَى بها منك؛ لأني أكبر منك سِنًّا، وأكثر منك مالا. وقال أبو جهل: والله لا نرضى به ولا نتبعه أبداً، إلا أن يأتينا وَحْيٌ كما يأتيه؛ فنزلت الآية. وقيل: لم يطلبوا النبوّة ولكن قالوا لا نصدّقك حتى يأتينا جبريل والملائكة يخبروننا بصدقك. والأوّل أصح؛ لأن الله تعالى قال: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} أي بمن هو مأمون عليها وموضع لها. و«حيث» ليس ظرفاً هنا، بل هو ٱسم نُصب نَصب المفعول به على الاتساع؛ أي اللَّهُ أعلم أهلَ الرسالة. وكان الأصل الله أعلم بمواضع رسالته، ثم حذف الحرف، ولا يجوز أن يعمل «أعلم» في «حيث» ويكون ظرفاً، لأن المعنى يكون على ذلك الله أعلم في هذا الموضِع، وذلك لا يجوز أن يوصف به الباري تعالى، وإنما موضعها نصب بفعل مضمر دَلّ عليه «أعلم». وهي اسم كما ذكرنا. والصَّغار: الضَّيْم والذل والهوان، وكذلك الصُّغر (بالضم). والمصدر الصَّغَر (بالتحريك). وأصله من الصِّغَر دون الكبر؛ فكأنّ الذلّ يصغّر إلى المرء نفسه، وقيل: أصله من الصَّغَر وهو الرضا بالذل؛ يقال منه: صَغَر يَصْغُر بفتح الغين في الماضي وضمها في المستقبل. وصَغِر بالكسر يصْغَر بالفتح لغتانِ، صَغَراً وصَغاراً، واسم الفاعل صاغِر وصغير. والصاغر: الراضي بالضيم. والمَصْغُوراء الصِّغار. وأرض مُصْغِرَة: نبتها لم يَطُل؛ عن ٱبن السِّكّيت. {عِندَ ٱللَّهِ} أي من عند الله، فحذف. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي سيصيب الذين أجرموا عند الله صغار. الفراء: سيصيب الذين أجرموا صغار من الله. وقيل: المعنى سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله. قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال؛ لأن «عند» في موضعها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ } أي أهل مكة {ءَايَةٌ } على صدق النبي صلى الله عليه وسلم {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ } به {حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ } من الرسالة والوحي إلينا لأننا أكثر مالاً وأكبر سنّاً. قال تعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} بالجمع والإفراد، و(حيث) مفعول به لفعل دلّ عليه «أعلم» أي يعلم الموضع الصالح لوضعها فيه فيضعها، وهؤلاء ليسوا أهلاً لها { سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } بقولهم ذلك {صَغَارٌ } ذل {عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ } أي بسبب مكرهم.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية آية ذم للكفار وتوعد لهم، يقول وإذا جاءتهم علامة ودليل على صحة الشرع تشططوا وتسحبوا وقالوا إنما يقلق لنا البحر إنما يحيي لنا الموتى ونحو ذلك، فرد الله عز وجل عليهم بقوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} أي فيمن اصطفاه وانتخبه لا فيمن كفر وجعل يتشطط على الله، قال الزجاج: قال بعضهم: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل المبعث مطاعين في قومهم، و {أعلم} معلق العمل، والعامل في {حيث} فعل تقديره: يعلم حيث، ثم توعد تعالى بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند الله صغار وذلة، و {عند الله} متعلقة بـ {سيصيب} ، ويصح أن تتعلق بـ {صغاراً} لأنه مصدر، قال الزجّاج: التقدير صغار ثابت عند الله، قال أبو علي: وهو متعلق بـ {صغار} دون تقدير ثابت ولا شيء غيره، وقوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام}، الآية، "من" أداة شرط، و {يشرح} جواب الشرط، والآية نص في أن الله عز وجل يريد هدى المؤمن وضلال الكافر، وهذا عند جميع أهل السنة بالإرادة القديمة التي هي صفة ذاته تبارك وتعالى، و "الهدى" في هذه الآية هو خلق الإيمان في القلب واختراعه، و "شرح الصدر" هو تسهيل الإيمان وتحبيبه وإعداد القلب لقبوله وتحصيله، والهدى لفظة مشتركة تأتي بمعنى الدعاء كقوله عز وجل: {أية : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} تفسير : [الشورى:52] وتأتي بمعنى إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق والأعمال المقصية إليها، كقوله تعالى: {أية : فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم} تفسير : [محمد:5] وغير ذلك، إلا أنها في هذه الآية وفي قوله {أية : من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} تفسير : [الأعراف:178]، وفي قوله {أية : إنك لا تهدي من أحببت} تفسير : [القصص:56] ونحوها لا يتجه حملها إلا على خلق الإيمان واختراعه، إذ الوجوه من الهدى تدفعها قرائن الكلام مما قبل وبعد، وقوله {يشرح صدره} ألفاظ مستعارة ها هنا إذ الشرح التوسعة والبسط في الأجسام وإذا كان الجرم مشروحاً موسعاً كان معداً ليحل فيه، فشبه توطئة القلب وتنويره وإعداده للقبول بالشرح والتوسيع، وشبه قبوله وتحصيله للإيمان بالحلول في الجرم المشروح، و "الصدر" عبارة عن القلب وهو المقصود هنا الإيمان فقط بدليل قرينة الشرح والهدى، ولكنه عبر بالإسلام إذ هو أعم وأدنى الهدى حب الأعمال وامتثال العبادات، وفي {يشرح} ضمير عائد على الهدى، قال: وعوده على الله عز وجل أبين. قال القاضي أبو محمد: والقول بأن الضمير عائد على المهدي قول يتركب عليه مذهب القدرية في خلق الأفعال وينبغي أن يعتقد ضعفه وأن الضمير إنما هو عائد على اسم الله عز وجل فإن هذا يعضده اللفظ والمعنى، وروي عن النبي عليه السلام أنه لما نزلت هذه الآية، "قالوا يا رسول الله، كيف يشرح الصدر؟ قال: " حديث : إذا نزل النور في القلب انشرح له الصدر وانفسح، قالوا وهل لذلك علامة يا رسول الله؟ قال: نعم: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل الفوت" تفسير : . والقول في قوله {ومن يرد أن يضله} كالقول في قوله {فمن يرد الله أن يهديه} ، وقوله {يجعل صدره ضيقاً حرجاً} ألفاظ مستعارة تضاد شرح الصدر للإسلام ويجعل في هذا الموضع تكون بمعنى يحكم له بهذا الحكم، كما تقول هذا يجعل البصرة مصراً أي يحكم لها بحكمها. قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى يقرب من صير، وحكاه أبو علي الفارسي، وقال أيضاً يصح أن يكون "جعل" بمعنى سمى، كما قال تعالى {أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثاً} تفسير : [الزخرف:19] أي سموهم، قال وهذه الآية تحتمل هذا المعنى. قال القاضي أبو محمد: وهذا الوجه يضعف في هذه الآية، وقرأ جمهور الناس والسبعة سوى ابن كثير " ضيِّقاً " بكسر الياء وتشديدها، وقرأ ابن كثير "ضيْقاً" بسكون الياء وكذلك قرأ في الفرقان، قال أبو علي وهما بمنزلة الميِّت والميْت، قال الطبري وبمنزلة الهيِّن والليِّن والهيْن والليْن، قال ويصح أن يكون الضيق مصدراً من قولك ضاق والأمر يضيق ضيقاً وضيقاً، وحكي عن الكسائي أنه قال الضِّيق بشد الضاد وكسرها في الأجرام والمعاش، والضَّيِق بفتح الضاد: في الأمور والمعاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي "حرَجاً" بفتح الراء وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر "حرِجاً" بكسرها، قال أبو علي فمن فتح الراء كان وصفاً بالمصدر كما تقول رجل قمَن بكذا وحرَى بكذا ودنَف، ومن كسر الراء فهو كدِنف وقمِن وفرِق، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأها يوماً بفتح الراء فقرأها له بعض الصحابة بكسر الراء، فقال: ابغوني رجلاً من كنانة وليكن راعياً من بني مدلج، فلما جاءه قال له: يا فتى ما الحرجة عندكم، قال: الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية. قال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير، وقوله تعالى: {كأنما يصعد في السماء} أي كأن هذا الضيق الصدر يحاول الصعود في السماء حتى الإيمان أو فكر فيه ويجد صعوبته عليه كصعوبة الصعود في السماء، قال بهذا التأويل ابن جريج وعطاء الخراساني والسدي، وقال ابن جبير: المعنى لا يجد مسلطاً إلا صعداً من شدة التضايق، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي "يصعد" بإدغام التاء من يتصعد في الصاد، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر "يصّاعد" بإدغام التاء من يتصاعد في السماء، وقرأ ابن كثير وحده "يصعد"، وقرأ ابن مسعود والأعمش وابن مصرف "يتصعد" بزيادة تاء، و {في السماء} يريد من سفل إلى علو في الهواء، قال أبو علي: ولم يرد السماء المظلة بعينها، وإنما هو كما قال سيبويه والقيدود: الطويل في غير سماء، يريد في غير ارتفاع صعداً قال ومن هذا قوله عز وجل: {أية : قد نرى نقلب وجهك في السماء} تفسير : [البقرة:144] أي في وجهة الجو. قال القاضي أبو محمد: وهذا على غير من تأول تقلب الوجه أنه الدعاء إلى الله عز وجل في الهداية إلى قبلة فإن مع الدعاء يستقيم أن يقلب وجهه في السماء المظلة حسب عادة الداعين إذ قد ألفوا مجيء النعم والالآء من تلك الجهة، وتحتمل الآية أن يكون التشبيه بالصاعد في عقبة كؤود كأنه يصعد بها الهواء، و {يصعد} معناه يعلو، و {يصعد} معناه يتكلف من ذلك ما يشق عليه. ومنه قول عمر بن الخطاب: "ما تصعدني شيء كما تصعدني خطبة النكاح"، إلى غير ذلك من الشواهد، "ويصاعد" في المعنى مثل "يصعد" وقوله تعالى: {كذلك يجعل الله الرجس} أي وكما كان هذه كله من الهدى والضلال بإرادة الله عز وجل ومشيئته كذلك يجعل الله الرجس، قال أهل اللغة {الرجس} يأتي بمعنى العذاب ويأتي بمعنى النجس، وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال: {الرجس} كل ما لا خير فيه وقال بعض الكوفيين: الرجس والنجس لغتان بمعنى، "ويجعل" في هذا الموضع يحسن أن تكون بمعنى يلقي كما تقول جعلت متاعك بعضه على بعض، وكما قال عز وجل {أية : ويجعل الخبيث بعضه على بعض} تفسير : [الأنفال:37]. قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى في جعل حكاه أبو علي الفارسي، ويحسن أن تكون {يجعل} في هذه الآية بمعنى يصير ويكون المفعول الثاني في ضمن {على الذين لا يؤمنون} ، كأنه قال قرين الدين أو لزيم الذين ونحو ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {صَغَارٌ} ذل، لأنه يصغر إلى الإنسان نفسه عند الله في الآخرة فحذف أو أنفتهم من الحق صغار عند الله وإن كان عندهم عزاً وتكبراً.
ابن عادل
تفسير : قال المفسِّرُونَ: إنَّ الوليدَ بن المغيرةِ قال: والله لو كانت النُّبُوة حقاً لكنتُ أوْلَى بها مِنْك؛ لأني أكبرُ مِنْك سِنَّا، وأكثرُ مِنْك مَالاً، وولداً؛ فنزلت الآيةُ الكريمةُ. وقال الضحاكُ: أرَادَ كُلُّ واحدٍ منهم أنْ يخصَّ بالوْحِي، والرسالةِ؛ كما أخبر تعالى عنهم: {أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} تفسير : [المدثر:52] فظاهر هذه الآية الكريمة التي نحن في تَفْسِيرها يدُلُّ على ذلك أيضاً، وهذا يدلُّ على أنَّ جماعةً منهم كانوا يَقُولُونَ هذا الكلام. وقال مُقَاتِلٌ: نزلَتْ في أبِي جَهْلٍ؛ وذلك أنَّه قال: زَاحَمَنَا بنُو عَبْدِ منافٍ في الشرف؛ حَتَّى إذَا صِرْنًا كَفَرسَيْ رهانٍ، قالوا مِنَّا نَبِيٌّ يُوحَى إليه، والله لَنْ نُؤمِنَ به، ولن نَتِّبعَهُ أبَداً؛ إلاَّ أنْ يَأتِينَا وحي، كما يَأتيه؛ فأنْزَل اللَّهُ - تبارك وتعالى - الآية. وقوله: {لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ}. فيه قولان: أشهرهما: أن القومَ أرادُوا أنْ تحصُلَ لهم النبوةُ، والرِّسَالَةُ، كما حَصَلَتْ لمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وأنْ يكُونُوا مَتْبُوعِينَ لا تَابِعِينَ. والوقول الثاني: نُقِل عن الحسن، وابن عبَّاس أن المعنى: وإذا جاءتُهْم آيةٌ من القرآنِ تأمُرهم باتباع النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} تفسير : [الإسراء:90] إلى قوله: {أية : حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} تفسير : [الإسراء:93] مِنَ اللَّهِ - عزَّ وجلَّ - إلى أبي جَهْلٍ، وإلى فلانٍ وفُلانٍ، كتاباً على حدَةٍ؛ وعلى هذا فالتقديرُ ما طلبوا النبوة وإنَّما طلَبُوا أنْ يَأتِيهُمْ بآياتٍ قَاهِرَةٍ مثل مُعْجزاتِ الأنْبياءِ المتقدمين؛ كي تدل على صِحًّة نبوّة محمدٍ - عليه الصَّلاة والسَّلام -. قال المحقِّقُون: والأوَّلُ أقْوَى لأنَّ قولهُ تبارك وتعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} لا يَلِيقُ إلاَّ بالقولِ الأوَّلِ. وقوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} فيه تنبيهٌ على أنَّ أقلَّ ما لا بُدَّ مِنْهُ في حُصُولِ النُّبُوةِ، والرسالةِ؛ البراءةُ عن المكْر، والخَدِيعَةِ، والغَدْر، والغِلِّ، والحَسَدِ وقولهم {لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} عينُ المكرِ، والغل والحسد؛ فكيف تحصلُ النبوةُ، والرسالةُ مع هذه الصفات الذَّمِيمة؟. قوله تعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}. في "حَيْثُ" هذه وجهان: أحدهما: أنَّها خرجتْ عن الظرفيَّة، وصارَتْ مَفْعُولاً بها على السَّعَةِ، وليس العامِلُ "أعْلَمُ" هذه؛ لما تقدَّم مِنْ أنَّ أفْعَلَ لا تنصبُ المفعول به. قال أبُو عَلِيّ: "لا يجوزُ أنْ يكُونَ العامِلُ في "حَيْثُ": "أعْلَمُ" هذه الظاهرة, ولا يجوزُ أن تكُون "خَيْثُ ظرفاً؛ لأنه يصيرُ التقديرُ: "اللهُ أعْلَمُ في هذا الموضع" ولا يوصفُ اللَّهُ تعالى بأنه أعْلَمُ في مواضعَ, وأوْقَاتٍ؛ لأن علمه لا يختلفُ باختلافِ الأمْكِنَةِ, والأزْمِنَةِ, وإذا كان كذلك, كان العامِلُ في "حَيْثُ" يدُلُّ عليه "أعْلَمُ" و "حَيْثُ" لا يكونُ ظَرْفاً، بل يكونُ اسْماً، وانتصابُه على المفعول به على الاتِّساعِ, ومثلُ ذلك في انتصابِ "حَيْثُ" على المفعولِ به اتساعاً قولُ الشَّمَّاخِ: [الطويل] شعر : 2304- وحَلأهَا عَنْ ذِي الأرَاكَةِ عَامِرٌ أخُو الخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّوَاجِزُ تفسير : فـ "حَيْثُ" مفعولةٌ، لأنه ليس يُريدُ أنه يَرْمِي شَيْئاً حيث تكون النواجِز، إنما يريدُ أنه يرمي ذلك الموضع". وتبع الناسُ الفَارسيَّ على هذا القول. فقال الحوفِيُّ: "لَيْسَتْ ظَرْفاً؛ لأنه تعالى لا يكُون فِي مكانٍ أعْلمَ منه في مكانِ آخر، وإذَا لم تكن ظَرْفاً، كان مَفْعُولاً بها؛ على السَّعَةِ، وإذا كانت مَفْعُولاً، لم يعملْ فيها "أعْلَمُ"؛ لأن "أعْلَمُ" لا يعملُ في المفعولِ بهِ فيقدّرُ لها فِعْلٌ" وعبارةُ ابْنِ عطيَّة، وأبِي البَقَاءِ نحو مِنْ هذا. وأخذ التبرِيزيُّ كلام الفارسيِّ [فنقله]، وأنْشدَ البيتَ المتقدِّمَ. والثاني: أنَّها باقيةٌ على ظَرْفِيَّتِهَا بطريق المجاز، وهذا القولُ لَيْسَ بشيءٍ، ولكنْ أجَازَهُ أبُو حيَّان مختاراً له على ما تقدم. فقال: "وما أجازُوه مِنْ أنَّهُ مفعولٌ به على السعة أو مفعولٌ به على غيْرِ السعة - تَأبَاهُ قواعِدُ النَّحْو؛ لأن النحويِّينَ نَصُّوا على أنَّ "حَيْثُ" مِنَ الظرُوفِ التي لا تتصرفُ، وشذَّ إضافةُ "لَدى" إليها، وجرِّها "بالياء"، وبـ "في"، ونصُّوا على أن الظرف المتوسَّعَ فيه لا يكونُ إلاَّ مُتَصرِّفاً، وإذا كان كذلك، امتنع نصبُ "حَيْثُ" على المفعُولِ به، لا على السَّعَة، ولا على غَيْرها. والذي يَظْهَرُ لِي إقْرارُ "حَيْثُ"على الظَّرفيةِ المجازيَّةِ، على أنْ يُضَمَّنَ "أعْلَمُ" مَعْنَى ما يتعدِّى إلى الظرفِ، فيكون التقديرُ: "اللَّهُ أنْفَذُ عِلْماً حَيْثُ يجعلُ رِسَالاته" أي: "هو نافِذُ العلم في الموضع الذي يجعل فيه رسالاته، والظرف هنا مجازٌ كما قلنا". قال شهابُ الدِّين: قد ترك ما قاله الجمهورُ، وتتابعوا عليه، وتأوَّل شَيْئاً هو أعْظَم مما فَرَّ مِنْه الجمهورُ، وذلك أنه يلزمه على ما قدَّر أنَّ عِلْمَ الله في نَفْسِه يتفاوت بالنسْبَة إلى الأمْكِنَةِ، فيكونُ في مكانٍ أبْعَدَ مِنْه في مكانٍ، ودعواه مجازُ الظرفيَّةِ لا ينفعهُ؛ فيما ذكرته من الإشْكَال، وكيف يُقَالُ مِثْلُ هذا؟ وقوله: "نَصَّ النحاةُ على عدم تصرُّفها" هذا معارضٌ - أيضاً - بأنهم نصُّا على أنها قد تتصرَّفُ بغير ما ذكر هو مِنْ كونها مجرورةً بـ "لَدَى" أو "إلى" أو "فِي" فمنه: أنها جاءت اسماً لـ "إنَّ" في قوله الشاعر: [الخفيف] شعر : 2305- إنَّ حَيْثُ اسْتَقَرَّ مَنْ أنْتَ رَاجيـ ـهِ حِمًى فِيه عِزَّةٌ وأمَان تفسير : فـ "حيثُ" اسمُ "إن"، و"حِمًى" خبرُها، أيْ: إنَّ مكاناً استقرَّ من أنت راعية مكانٌ يحمى فيه العزُّ والأمانْ ومِنْ مَجِيئها مجرورةً بـ "إلى" قول القائل في ذلك: [الطويل] شعر : 2306- فَشَدَّ وَلَمْ يُنْظِرْ بُيُوتاً كَثِيرةً إلَى حَيْثُ ألْقَتْ رَحْلَهَا أمُّ قَشْعَمِ تفسير : وقد يجابُ عن الإشْكال الذي أوْرَدْتُه عليه، بأنه لم يُرِدْ بقوله "أنْفَذُ عِلْماً" التفضيل، وإنْ كان هو الظاهِرُ بل يُريد مُجَردَ الوصْفِ؛ ويدلُّ على ذلك قوله: أي هُوَ نَافِذُ العلم في الموضع الذي يَجْعَلُ فيه رِسَالاته، ولكن كان يَنْبَغِي أنْ يصرِّحَ بذلك، فيقول: ولَيس المراد التفضيل. وروي "حَيْثَ يَجْعَلُ" بفتح الثاء، وفيها احتمالان: أحدهما: أنها فتحةُ بناءٍ؛ طَرْداً للباب. والثاني: أنها فتحةُ إعرابٍ؛ لأنها معربةٌ في لغةِ بَنِي فَقْعس، حكاها الكسَائِيُ. [وفي "حَيْثُ" سِتُّ لُغَاتِ: حَيْثُ: بالياء بتَثْلِيث الثاءِ، وحَوْثُ: بالواو، مع تَثْلِيث الثاء]. وقرأ ابنُ كثير، وحَفْصٌ عن عَاصم "رسالَتَه" بالإفراد، والباقون: "رِسَالاتِهِ" بالجمع، وقد تقدَّم توجيهُ ذلك في المائدة؛ إلا أن بَعْضَ مَنْ قرأ هُناك بالجمْع - وهوحَفْصٌ - قرأ هنا بالإفْرادِ، وبعضُ مَنْ قرأ هناك بالإفْرَادِ - وهو أبو عَمْرو، والأخوانِ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصم - قرأ هنا بالجمع، ومعنى الكلام: "اللهُ أعْلَمُ بمَنْ هُوَ أحَقُّ بالرِّسالةِ". قوله: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ} قِيلَ: المرادُ بالصِّغَارِ ذل وهوان يحصلُ لهم في الآخرة. وقيل: الصغارُ في الدنيا، وعذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة. قوله: "عِنْدَ اللًّهِ" يجوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بـ "يُصِيب" ويجوز أن ينتصبَ بـ "صَغَار"؛ لأنه مصدرٌ، وأجازُوا أن يكون صِفَةً لـ "صغار"؛ فيتعلق بمحذوفٍ، وقدَّره الزجاجُ فقال: "ثَابِتٌ عن الله تعالى". والصَّغارُ: الذلُّ والهوان، يقالُ منه: صَغُر يَصْغُر صُغْراً وصَغْراً وصَغاراً, فهو صَاغِرٌ. وأمَّا ضِدُّ الكِبَرِ فيقلُ منه: صَغَر يَصْغَر صِغْراً فهو صغِيرٌ، هذا قولُ اللَّيْثِ، فوقع الفرقُ بين المعْنَيَيْنِ بالمصدرِ، والفعلِ. وقال غيره: إنه يُقالُ: صَغُر، وصغَر من الذل. والعِنْديَّةُ هنا: مجازٌ عن حَشْرِهم يوم القيامةِ، أو عَنْ حُكمه وقضائه بذلك؛ كقولك: ثَبَتَ عند فلانٍ القاضِي، أيْ: في حكمه، ولذلك قدَّم الصَّغار على العذاب؛ لأنه يُصيبهُمْ في الدنيا. و "بما كانوا" الباء للسببيّة أي: إنما يُصيبهم ذلك بسبب مَكْرِهم، وكَيْدِهم، وحَسَدِهم و "مَا" مصدرية، ويجوز أن تكون بمعنى الذي.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتيَ رسل الله} وذلك أنهم قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه من الحق: لو كان هذا حقاً لكان فينا من هو أحق أن يأتي به من محمد {أية : وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}تفسير : [الزخرف: 31]. أما قوله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} . أخرج أحمد عن ابن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيء . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي حسن قال: أبصر رجل ابن عباس وهو يدخل من باب المسجد، فلما نظر إليه راعه فقال: من هذا؟ قالوا: ابن عباس ابن عم رسول الله. قال {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {سيصيب الذين أجرموا} قال: أشركوا {صغار} قال: هوان . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {صغار} قال: ذلة . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {بما كانوا يمكرون} قال: بدين الله ونبيه وعباده المؤمنين .
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَةٌ} رجوعٌ إلى بـيان حالِ مجرمي أهلِ مكةَ بعد ما بُـيِّن بطريق التسليةِ أن حالَ غيرِهم أيضاً كذلك وأن عاقبةَ مكرِ الكلِّ ما ذُكر، فإن العظيمةَ المنقولةَ إنما صدَرت عنهم لا عن سائر المجرمين، أي إذا جاءتهم آيةٌ بواسطة الرسولِ عليه الصلاة والسلام {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ تُؤْتىَٰ مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: حتى يوحيَ إلينا ويأتيَنا جبريلُ عليه السلام فيخبرَنا أن محمداً صادق كما قالوا: {أية : أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةِ قَبِيلاً }تفسير : [الإسراء، الآية 92] وعن الحسن البصْري مثلُه. وهذا كما ترى صريحٌ في أن ما عُلّق بإيتاء ما أوتيَ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام هو إيمانُهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه إيماناً حقيقياً كما هو المتبادَرُ منه عند الإطلاقِ خلا أنه يستدعي أن يُحمل ما أوتيَ رسلُ الله على مطلق الوحي ومخاطبةِ جبريلَ عليه السلام في الجملة وأن تُصرفَ الرسالةُ في قوله تعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} عن ظاهرها، وتُحملَ على رسالة جبريلَ عليه السلام بالوجه المذكور، ويُرادَ بجعلها تبليغُها إلى المرسَل إليه لا وضعُها في موضعها الذي هو الرسول ليتأتّى كونُه جواباً عن اقتراحهم ورداً له بأن يكونَ معنى الاقتراحِ: لن نؤمنَ بكون تلك الآيةِ نازلةً من عند الله تعالى إلى الرسول حتى يأتيَنا بالذات عِياناً كما يأتي الرسولُ فيخبرُنا بذلك، ومعنى الردّ: الله أعلم مَنْ يليقُ بإرسال جبريلَ عليه السلام إليه لأمر من الأمور إيذاناً بأنهم بمعزل من استحقاق ذلك التشريفِ، وفيه من التمحُّل ما لا يخفى. وقال مقاتلٌ: نزلت في أبـي جهلٍ حين قال: زاحَمْنا بني عبدِ منافٍ في الشرف حتى إذا صِرْنا كفرَسَيْ رهانٍ قالوا: منا نبـيٌّ يوحىٰ إليه، والله لا نرضىٰ به ولا نتّبعه أبداً حتى يأتيَنا وحيٌ كما يأتيه. وقال الضحاك: سأل كلُّ واحد من القوم أن يُخَصّ بالرسالة والوحي كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: {أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً }تفسير : [الإسراء، الآية 92] ولا يخفى أن كلَّ واحد من هذين القولين وإن كان مناسباً للرد المذكورِ لكنه يقتضي أن يراد بالإيمان المُعلَّقِ بإيتاء ما أوتيَ الرسلُ مجردُ تصديقِهم برسالته عليه الصلاة والسلام في الجملة من غير شمولٍ لكافة الناس وأن تكون كلمةُ حتى في قول اللعينِ حتى يأتيَنا وحيٌ كما يأتيه الخ، غايةً لعدم الرضا لا لعدم الاتباعِ فإنه مقررٌ على تقديرَيْ إيتاءِ الوحي وعدمِه، فالمعنى لن نؤمنَ برسالته أصلاً حتى نُؤتىٰ نحن من الوحي والنبوة مثلَ ما أوتي رسلُ الله، أو إيتاءِ رسلِ الله، وأما ما قيل من أن الوليدَ بنَ المغيرةِ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كانت النبوةُ حقاً لكنتُ أولى بها منك لأني أكبرُ منك سناً وأكثرُ منك مالاً وولداً، فنزلت فلا تعلُّقَ له بكلامهم المردودِ إلا أن يرادَ بالإيمان المعلَّقِ بما ذكر مجردُ الإيمانِ بكون الآيةِ النازلةِ وحياً صادقاً لا الإيمانِ بكونها نازلةً إليه عليه الصلاة والسلام. فيكون المعنى وإذا جاءتهم آيةٌ نازلةٌ إلى الرسول قالوا: لن نؤمنَ بنزولها من عند الله حتى يكونَ نزولُها إلينا لا إليه، لأنا نحن المستحقون دونه، فإن مُلخّصَ معنى قولِه: لو كانت النبوةُ حقاً الخ: لو كان ما تدّعيه من النبوة حقاً لكنتُ أنا النبـيَّ لا أنت، وإذا لم يكن الأمرُ كذلك فليست بحق وما له تعليقُ الإيمانِ بحقية النبوةِ بكون نفسِه نبـياً. و{مثلَ ما أُوتيَ} نُصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ، وما مصدريةٌ أي حتى نؤتاها إيتاءً مثلَ إيتاءِ رسلِ الله وإضافةُ الإيتاءِ إليهم لأنهم منكِرون لإيتائه عليه الصلاة والسلام، و(حيث) نُصب على المفعولية توسعاً لا بنفس (أعلمُ) لما عرفتَ من أنه لا يعمل في الظاهر بل بفعل دلَّ هو عليه أي هو أعلمُ يعلم الموضِعَ الذي يضعها فيه والمعنى أن منصِبَ الرسالةِ ليس مما ينال بكثرة المالِ والولدِ وتعاضُدِ الأسبابِ والعدد، وإنما يُنال بفضائلَ نفسانيةٍ يخُصّها الله تعالى بمن يشاء من خُلّص عبادِه، وقرىء رسالاتِه {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} استئنافٌ آخرُ ناعٍ عليهم ما سيلقونه من فنون الشرِّ بعد ما نعىٰ عليهم حِرمانَهم مما أمّلوه، والسين للتأكيد، ووضعُ الموصول موضعَ الضمير للإشعار بأن إصابةَ ما يصيبهم لإجرامهم المستتبِعِ لجميع الشرورِ والقبائحِ، أي يصيبهم البتةَ مكانَ ما تمنَّوْه وعلّقوا به أطماعَهم الفارغةَ من عزة النبوة وشرفِ الرسالة {صَغَارٌ} أي ذلة وحقارة بعد كِبْرِهم {عَندَ ٱللَّهِ} أي يوم القيامة وقيل: من عند الله {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} في الآخرة أو في الدنيا {بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ} أي بسبب مكرِهم المستمرِّ أو بمقابلته، وحيث كان هذا من معظم موادِّ إجرامِهم صُرّح بسببـيته.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الآية: 124]. قال النصرآباذى: الله أعلم بالأوعية التى تصلح لسره ومنازلاته ومكاشفاته فيزينها لخواص الأنوار ويقدسها بلطائف الاطلاع.
القشيري
تفسير : بعد إزاحة العلة، وبيان الحجة، وزوال الشبهة (فالتعلُّل) باستزادة البصيرة إعلام عن سوء الأدب، وذلك منهم من التعدي؛ لمساواة مَنْ جاء بالاستحقاق بمَنْ جاء بنوع من تسويلات النَّفْس يوجب مقاساة الهوان. وملازمةُ الحدود. وتركُ التعدي على الحقِّ قضيةُ التوفيق.
البقلي
تفسير : بقوله {ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} وبين انه يعلم من بطنان ضميم الفواد والارواح والاسرار فى الملكوت القلوب فتنظر من نفسه الى نفسه فاشرق نور صفاته وذاته وسطع ضياء مشاهدته ثم عكس ذلك الى غيب غيبه فاظهر منه ارواح القدسية الملكوتية الاهويته فوضع فى نفوسها انوار الولاية والرسالة والنبوة وافردها بتلك الخاصية عن جميع الخلائق تفض وكرما ما اعتريه فى ذلك علة الحوائج لكن جعلهم سبل الخلق والمناهج بهم تهتدوا الى عبوديته خالقهم وعرفان ربوبيته سيدهم ومن خصه الله بذلك لا يضره حسد الحاسدين ولا كيدا الكائدين بل يزيد شرفه ابدا الابدين والحمد لله الذى خص نبينا بذلك صلى الله عليه وأله وسلم ارغام الانوف عواديه وانصار المواليه وقال النصر ابادى الله وانتصار المواليه وقال النصر ابادى الله يعلم الاوعية التى تصلح لسره ومنازلاته ومكاشفاته فيرينها بخواص الانوار ويطلفها بلطائف الاطلاع قال ابو بكر الوراق كما ان الملوك يعلمون مواضع جواهرهم وخزاينهم ويجعلونها فى اشرف مكان وارواحها واخصها فالله يعلم حيث يجعل ويضع نبوته وارسالته وولايته ثم ان الله سبحانه اذا اراد ان يضع جوهر معرفته فى وعاء قلب عبده يفسحه نور تجلاه وكسيبه لباس نور كسوة ربوبيته ليطيق حمل اثقال امانته من المعرفة المحبة والولاية يسهل عليه حمل عظيم ودائع اسراره فوادى طوارق انواره بقوله {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} اى من يرد الله ان يهديه الى نفسه ويعرفه صفاته ويره جلال ذاته توسع صدره بلطيف انوار قربه وحلاوة خطابه حتى يعرفه به لا بسواه ويراه بنور لابنفسه قال النهر جورى صفة المراد خلوة مماله وقبلوه مما عليه وسعة صدره بمراد الحق عليه قال الله فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام يقال فى هذه الاية نور وصاحب العمل مع البيان وصاحب المعرفة فى حكم العيان وفى تفسير هذه الأية اخبر نبينا صلى الله عليه وأله وسلم من كيفية وامراته فيما روى ابن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام قالوا يا رسول الله ما هذا الشرح قال نور يقذف فى القلب فيفسح له القلب فقيل له لذلك من امارة يعرف بها قال نعم وقيل وما هى قال الانابة الى دار الخلود والتجافى عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل النزول بين عليه السلام بوقوع نور التجلى فى القلب فسحته بانتشار سناه فيه بعد ما خلال بالله من بوادى اسراره والباسه ضياء قربه ووصاله وذلك محض الجذب بنعت العناية الى مشاهدته فنعته فى ذلك التسارع فى عبوديته وسرعة انقياده لظهور ربوبيته وغلبة شوق جماله عليه عند تجافيه عن كل مالوف ومحبوب وهذا احسن الصراط الى الله المسقيم عن الاضطراب من جهة النفس والاعوجاج بالقاء العدو بقوله {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} الصراط المسقيم بالحقيقة طريق الصفات الى الذات بنعت المعارف والكواشف والاشارة فى قوله هذا صراط ربك مستقيما دليل قولى لان هذا اشارة الى القرأن والقرأن صفة القديم وهو طريق الى ذلك القديم بنعت مباشره التجلى ووجدانه بوصف المحبة والمعرفة قال ابن مسعود صراط ربك هو القرأن لذك ارتضى لنفسه لانه صفته وهو صراط ممهد لسير الارواح من معادن الاشباح الى عالم الافراح مستقيم لقوامه بذاته القديم لا ينقطع المعتصم بحبله والمقتدى باسوته وايضا فيه نكتة شرفة وهى ان قوله هذا صراط ربك خصة لنفسه اى هويانى بنعت تجلاه وظهور الصفات والذات بهذا الطريق الى اصفيائه واوليائه واحبائه هذا صراطكم الى بل قال هذا صراط ربك الذى اكشف فيه نقاب الخمسة عن جمال وجهى حتى ينظر الى من يتمسك بحبلى المقبل الى بصراطى قال ابو عثمان اهدى الطرق واقومها طريقة المتابعة وادهى السبل واصلها طرق الدعاوى بالمخالفة قال سهل التوحيد والاسم صراط ربك مستقيما ولما هداهم الى صراط المسقيم ومنهجه القويم الذى ينكشف جلال وجماله ليسالكه الذى لم يكن لاقباله ادبار ولم يكن لهفوانه اصرار وصفهم بالسلامة فى دار رضوان ومربع غفرانه وجعل لهم هناك منازل الرفاهية وفتح فيها عليهم روازق العافية التى هى مشاهدته بلا حجاب بقول تعالى {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} دار السلام ساحة جلاله وخطائر قدس صفاته ومساقط وقوع انوار الجلال التى منزهه عن خطر الحجاب وعلة العتاب وظرفان العذاب حاشا منها عند تكريم الوهاب الذى هو وليهم بنعت رعايتهم وكشف جماله لهم بالعوافى الابدية والسلامة السرمدية وايضا السلام هو الله سبحانه الذى وصف نفسه بالسلام لئلا يفرق منه قلوب العارفين ولا يقرع من جماله ارواح المحبين ولا يخاف من جلاله اسرار الواصلين لانه معدن سلامة المقبلين اليه بنعت المحبة وداره قلوب عشاقه التى هى محل كنوز اسارره ومواهب انواره ومعدن انبائه العجيبة ولطائفه الغريبة وفواتح لوامع سبحانه بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وهو وليهم تعالى يحفظها ورعاتيها حتى لا يدخلها هو اجس النفسانية وغرمات وساوس الشيطانية ما احسن مناظرها وما الطف مطالعها وما اكرم لطائفها وما انعم بهجتها وما اطيب حلاوة محبتها وايضا علقهم بالدار الكرامة الجار ولو عقلهم بالجار لم يبق فى البين لحديث الدار لكن بقى فى القوم بعض ازاغة ابصارهم بنعت الالتفات عند الامتحان الى غير وجه الرحمن من النعيم والجنان فعلقهم بها لوقوع علة الحدثان لكن بفضله ماخلاهم فيها حين قال وهو وليهم يعنى يرفعهم عن رؤية الغير فى البين قال تعالى {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : اى كل حادث مضمحل عند انكشاف وجه القدم واذا كان تعالى نبفسه دعاهم فان جميع المنازل طابت ما فى الدنيا واما فى الاخرة لان بحفظه طابت الاكوان وبسحن جواره تلذذت الحدثان وانشد فى معناه شعر : سلام على سلمى وان شط دارها سلام على الارض قديم بها العهد سلام على جاراتها لجوازها سلام جزين وامق شفه الصد اذا نزلت سلمى بواد فماؤها زلال وسلسال وشيحانها ورد يا عارفك لو تراه فى وسط النار رد او سلاما وتكون جمراتها ورد او ريحانا تفسير : الا ترى الى قوله سبحانه فى وصف خليفه صلى الله عليه وسلم حين ادخله فى دار سلامته يا نار كونى برد وسلاما انظر الى شان البدوى العاشق كيف يقول فى حاله حبيبه شعر : يكون اجاجا دونكم فاذا انتهى اليكم تلقى طيبكم فيطيب وماذاك الا حين خبرت انه يمر بواد انت منه قريب تفسير : وايضا شعر : هوى هواها لمن كان ساكنها وليس بالدار لى هم ولا خطر تفسير : وايضا شعر : انى حسد جاركم بجواركم طوف اضحى لدارك جارا يا ليت جارك باعنى من داره شبرا فاعطيه بشر دارا تفسير : قال سهل دار السلام هو الذى فيه من هواجس نفسه ووساوس عدوه قال بعضم دار السلام هو محل السلامة من القطعية قال بعضهم دار السلام هو الذى كرمهم الله فيه بالسلام عليهم وهو قوله {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ }.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا جاءتهم} لما بين ان فساق كل قرية يكونون رؤساءها المتميزين بكثرة المال والجاه بين ما كان من رؤساء مكة من الجرم والفسق وهو انه اذا جاءتهم {آية} دالة على صحة النبوة {قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما اوتى رسل الله} من الوحى والكتاب لما روى ان ابا جهل قال زاحمنا بنى عبد مناف فى الشرف حتى اذا صرنا كفرسى رهان قالوا منا نبى يوحى اليه والله لا نرضى به الا ان يأتينا وحى كما يأتيه فارادوا اى قوم مكة ان تحصل لهم النبوة والرسالة كما حصلتا لمحمد عليه السلام وان يكونوا متبوعين لا تابعين. قال صاحب التيسير وهذه غاية السفه ان يقال لرجل آمن فيقول لا اومن حتى يجعلنى الله نبيا. قال الامام الثعلبى المراد برسل الله هو حضرة النبى عليه السلام كما انه المخاطب فى قوله تعالى {أية : يا أيها الرسل} تفسير : [المؤمنون: 51] وصيغة الجمع للتعظيم. وفى شرح التعرف ان الله تعالى لم يجمع شمائل جميع الانبياء الا فى النبى صلى الله عليه وسلم خاطبه بقوله {يا أيها الرسل} شعر : هرجه خوبان همه دارند توتنها دارى تفسير : واعلم ان ما بين الجلالتين من هذه السورة من الاماكن التى يرجى فيها استجابة الدعاء فليحافظ على ذلك {الله اعلم} من كل شئ يعلم {حيث يجعل رسالته} اى الموضع الصالح لوضعها فيه ويضعها وهؤلاء ليسوا اهلالها لان الاهلية بالفضائل النفسانية لا بالنسب والمال فحيث نصب على المفعولية بيعلم المقدر توسعا {سيصيب الذين اجرموا} اى يصيبهم البتة مكان ما تمنوه من عز النبوة وشرف الرسالة {صغار} اى ذلة وحقارة بعد كبرهم {عند الله} اى يوم القيامة فهو منصوب بقوله سيصيب مجاز عن حشرهم يوم القيامة {وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} اى بسبب مكرهم المستمر وحيث كان هذا من معظم مواد اجرامهم صرح بسببيته. واعلم ان النبوة اختصاص الهى عطائى غير كسبى كالسلطنة فلا ينالها المجاهد وان اتى بجميع الشرائط والاسباب وكذا الولاية لكنها كالوزارة فيجوز ان ينالها بعض المجاهدين فليس كل مجاهد واصلا وقد يكون الوصول بدون المجاهدة ايضا اذا كمل الاستعداد وسبقت العناية ـ كما روى ـ عن بعض شيوخ اليمن انه خرج يوما من زبيد الى نحو الساحل المعروف بالاهواز ومعه تلميذ له فمر فى طريقه على قصب ذرة كبار فقال للتلميذ خذ معك من هذا القصب ففعل المريد وتعجب فى نفسه وقال ما مراد الشيخ بهذا ولم يقل له الشيخ شيئاً حتى اذا بلغ الى محله لعبيد يقال لهم السناكم يأكلون الميتات ويشربون المسكرات ولا يعرفون الصلوات واذا بهم يشربون ويلعبون ويلهون ويطربون ويغنون ويضربون فقال الشيخ للتلميذ ائتنى بهذا الشيخ الطويل الذى يضرب الطبل فاتاه التلميذ فقال له اجب الشيخ فرمى الطبل من رقبته ومشى معه الى الشيخ فلما وقف بين يديه قال الشيخ للتلميذ اضربه فضربه حتى استوفى منه الحد ثم قال له الشيخ امش قدامنا فمشى حتى بلغوا البحر فامره الشيخ ان يغسل ثيابه ويغتسل وعلمه كيفية ذلك وكيفية الوضوء ففعل ثم علمه كيف يصلى وتقدم الشيخ فصلى بهما الظهر فلما فرغوا من الصلاة قام الشيخ ووضع سجادته على البحر وقال له تقدم فقام ووضع قدميه على السجادة ومشى على الماء حتى غاب عن العين فالتفت التلميذ الى الشيخ وقال وامصيبتاه واحسرتاه لى معك كذا وكذا سنة ما حصل لى من هذا شئ وهذا فى ساعة واحدة حصل له هذا المقام وهذه الكرامات العظام فبكى الشيخ قال يا ولدى وايش كنت انا هذا فعل الله تعالى قيل لى فلان من الابدال توفى فاقم فلانا مقامه فامتثلت الامر كما يمتثل الخدام وودت انه حصل لى هذا المقام فظهر ان الله تعالى اعلم حيث يجعل ولايته ايضا: قال الحافظ شعر : جون حس عاقبت نه برندى وزاهديست آن به كه كارخود بعنايت رها كنند تفسير : والاشارة {أية : وكذلك جعلنا فى كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} تفسير : [الأنعام: 123]. ان القرية هى القالب. واكابر مجرميها اى مفسدى حسن الاستعداد بقبول الشقاوة هى النفس والهوى والشيطان يمكرون فيها بمخالفات الشرع وموافقات الطبع {أية : وما يمكرون إلا بأنفسهم} تفسير : [الأنعام: 123]. لا فساد استعدادهم عائد الى انفسهم بحصول الشقاوة وفوات السعادة {أية : وما يشعرون} تفسير : [الأنعام: 123]. ولا شعور لهم على ما يفعلون بانفسهم وان مرجعهم الى النار {واذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن} اى النفس والهوى والشيطان من دأبهم ان لا يؤمنوا برؤية الآيات اذ جبلوا على التمرد والاباء والانكار ولسان حالهم يقول لن نؤمن {حتى نؤتى مثل ما اوتى رسل الله} اى القلب والسر والروح لانهم مهبط اسرار الحق والهاماته {الله اعلم حيث يجعل رسالته} يخص بها القلب والسر والروح ونفسا تطمئن بذكر الله فتستحق رسالة ارجعى الى ربك {سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله} يعنى اصحاب النفس الامارة بالسوء لهم ذلة البعد من عند الله {وعذاب شديد} وهو عذاب الفرقة والانقطاع {بما كانوا يمكرون} اى بما افسدوا استعداد الوصلة وهو جزاء مكرهم وكيدهم كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {حيث}: مفعول بفعل مقدر، لا بأعلم؛ لأن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به، أي: يعلم حيث يجعل رسالته، أي: يعلم المكان الذي يصلح للرسالة، إلا إن أوِّلَ أفعل بما لا تفضيل فيه، فينتصب المفعول به، ويحتمل أن يكون هذا منه، قال أبو حيان: ويحتمل أن تكون حيث على بابها من الظرفية المجازية، ويُضَمَّنُ أعلم معنى يتعدى إلى الظرف، والتقدير: الله أنفذ علمًا حيث يجعل رسالته. انظر المحشي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإذا جاءتهم} أي: هؤلاء المجرمين الأكابر، {آية} نزلت على نبي، {قالوا لن نؤمن} بها {حتى نُؤتى} من النبوة {مثل ما أُوتي رسلُ الله}، فنكون أنبياء مثلهم، والقائل لهذه المقالة أبو جهل، قال: تزاحمنا: بنو عبد مناف الشرف مع بني هاشم، حتى إذا صِرنا كَفَرَسَى رهان، قالو: منا نبي يوحى إليه، والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت الآية. وقيل: في الوليد بن المغيرة، قال: أنا أولى بالنبوة من محمد. فرد الله على من قال ذلك بقوله: {اللهُ أعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتَهُ}. فَعَلِم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أهل للرسالة، فخصه بها، وعلم أنهم ليسوا بأهل لها، فحرمهم إياها، فإن النبوة ليست بمجرد النسب والمال، وإنما هي بفضائل نفسانية يَخُصُّ الله بها من يشاء من عباده، بل بمحض الفضل والكرم، فيجتبى لرسالته من علم أنه يصلح لها، وهو أعلم بالمكان الذي فيه يضعها. ثم ذكر وعيد المنكرين، فقال: {سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله} أي: ذل وحقارة يوم القيامة، بعد تكبرهم وارتفاعهم في الدنيا. رُوِي " أنهم يُبعثون في صورة الذَّرِّ، يطؤهم الناس في المَحشَر". {و} يصيبهم {عذاب شديد بما كانوا يمكرون} أي: بسبب مكرهم، أو جزاء مكرهم. كما تدين تدان. الإشارة: ما حَرَم الناسَ من الخير إلا خصلتان: التكبر والحسد، فمن طهر قلبه من الحسد، وتواضع لكل أحد، نال الرفعة والشرف عند الله في الدنيا والآخرة، ولا يضع الله سر الخصوصية إلا في قلب طاهر متواضع، يحط صاحبه رأسه لأقدام الرجال، ويذل نفسه لأهل الصفاء والكمال، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : يا مَن يَلُوم خمْرَة المحَبَّة قُولُوا له عَنِّي هَيَ حَلالْ ومَن يُرِدْ يُسْقَى منها غِبَّا خَدّ يضَع لأقدام الرَجالْ رأسِي حطَطت بكُلِّ شَيبه هُم المَوالِي سَقَونِي زلالْ تفسير : فكما أن الحق تعالى علم حيث يجعل رسالته، علم حيث يجعل سر ولايته، وهي النفوس المتواضعة المتطهرة من رذائل النفوس؛ كالحسد والكبر وسائر الأوصاف المذمومة. ثم ذكر علامة الهداية والشقاء، فقالِ: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وحفص رسالته على التوحيد ونصب التاء. الباقون على الجمع. ومن وحد، فلأن الرسالة تدل على القلة والكثرة لكونها مصدرا. ومن جمع، فلما تكرر من رسل الله وتحميله اياهم رسالة بعد أخرى فاتى بلفظ الجمع. أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنه اذا جاءتهم آية ودلالة من عند الله تدل على توحيد الله وصدق انبيائه ورسله {قالوا لن نؤمن} اي لا نصدق بها {حتى نؤتي} أي نعطى آية مثل ما أعطي رسل الله حسدا منهم للانبياء (عليهم السلام). ثم أخبر تعالى على وجه الانكار عليهم بأنه تعالى أعلم منهم ومن جميع الخلق حيث يجعل رسالاته، لان الرسالة تابعة للمصلحة، ولا يبعث الله تعالى الا من يعلم ان مصلحة الخلق تتعلق ببعثه دون من لا يتعلق ذلك به. ومن يعلم انه يقوم بأعباء الرسالة دون من لا يقوم بها. وتوعدهم فقال: {سيصيب الذين أجرموا} أي سينال الذين انقطعوا الى القبيح وأقدموا عليه {صغار عند الله} والصغار الذل الذي يصغر الى الانسان نفسه يقال: صغر يصغر صغارا وصغرا، وقيل في معنى الصغار عند الله ثلاثة اقوال: اولها - صغار أي ذلة من عند الله، ولا يجوز على هذا أن يقال: زيد عند عمر بمعنى من عنده، لان حذف (من) تلبيس - ها هنا -. الثاني - قال الفراء اكتسب من ترك اتباع الحق صغارا عند الله. الثالث - قال الزجاج يعني صغار في الآخرة، وهو أقواها، لقوله {وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} في دار الدنيا، و {عند الله} يتعلق بقوله {سيصيب الذين أجرموا صغار} ويجوز أن يكون متعلقا بـ {صغار}، وتقديره سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت لهم عند الله. ومعنى الآية الانكار لما طلبوا الاحتجاج عليهم فيما جهلوا، والوعيد على ما فعلوا. وقوله {رسل الله} اللام مفخمة في {الله} ولا تفخم من قوله {الله أعلم} لان ما وقع بعد فتح وضم صح تفخيمه، كقولك من الله، لانه بمنزلة تفخيم الالف مع هاتين الحركتين في نحو كامل وعالم وترك التفخيم في الثاني كما ترك في الالف مع الكسرة في نحو عائد، وانما فخمت اللام في تلك المواضع لتعظيم الاسم من غير اخلال بالخروج عن نظيره.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ} بيان لمكرهم او تعنّت آخر لهم {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} وهذا ردٌّ عليهم بانّ الرّسالة ليست بالآية ولا بالنّسب والحسب والمال بل بعلم الله بمحلّه وصلاح محلّه وبمشيّته وحيث مفعولٌ به ليعلم المقدّر، او بتقدير افعل التّفضّل بمعنى اسم الفاعل لعدم جواز تعدية اسم التّفضيل الى المفعول به {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ} فى الدّنيا اى ذلّة وهو ان كما اصابهم يوم بدرٍ ويوم فتح مكّة {عِندَ ٱللَّهِ} اى عند مظاهره او فى الآخرة عنده {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} فى الآخرة {بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ} الى الرّسالة الّتى جعلها حيث يشاء {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} الصّدر محلّ الاسلام ومحلّ قبول الرّسالة واحكامها باعتبار وجهه الى القلب كما انّه محلّ الكفر وقبول احكام الشّيطان باعتبار وجهه الى الحيوانيّة والطّبع، وشرحه عبارة عن استعداده لقبول احكام كلّ من الطّرفين بجهتيه فشرحه للاسلام كمال استعداده لقبول ما يرد عليه ممّا يوجّهه الى القلب، وشرحه للكفر عبارة عن كمال استعداده لقبول ما يرد عليه ممّا يوجّهه الى الشّيطان والى اهويتها، وارادة الله للهداية والاضلال مسبوقة بحسن استعداد العبد واختياره او سوء استعداده واختياره فلا جبر كما انّه لا تفويض، وقد سبق تحقيق هذا المطلب فى سورة البقرة عند قوله {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} تفسير : [البقرة: 253] ولمّا كان شرح الصّدر للاسلام عبارة عن توجّه النّفس الى القلب وانصرافها عن جهة الدّنيا ورد عن النّبىّ (ص) "حديث : حين سئل: هل لذلك ما امارة يعرف بها؟ - انّه قال: نعم، الانابة الى دار الخلود، والتّجافى عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت"تفسير : {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} عن قبول ما يوجّهه الى جهة القلب، والضّيق الّذى بقى له منفذ والحرج وقرء بكسر الحاء الّذى لا منفذ فيه كما فى الخبر {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ} فى قبول الرّسالة والاسلام {كَذٰلِكَ} كما يجعل الشّكّ والضّيق على من يريد ان يضلّه {يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ} بكسر الرّاء وفتحها وكسر الجيم وبالتّحريك القذر والمأثم وكلّ ما استقذر من العمل والشّكّ والعقاب {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَهَـٰذَا} الّذى ذكر من جعل صدر بعضٍ منشرحاً للاسلام وبعضٍ ضيّقاً {صِرَاطُ رَبِّكَ} سنّة ربّك {مُسْتَقِيماً} غير منحرف فى الارادتين عن ميزان الاستعدادين فانّ الارادتين بقدر استعدادهما واستحقاقهما، او هذا الّذى انت عليه من الولاية الّتى هى روح نبوّتك ورسالتك صراط ربّك مستقيماً فانّه لا افراط فيها ولا تفريط {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ} التّدوينيّة فى بيان الآيات التّكوينيّة الواردة فى صدور النّاس بحسب استعداداتهم المختلفة او الآيات التّكوينيّة مطلقة بالآيات التدوينيّة {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} يتذكّرون اشارة الى انّ الذّاكر بااللّسان فقط لا يتنبّه لتلك الآيات بل الذّاكر باللّسان والراّجع الى الجنان يتنبّه لها فانّ الانسان ما لم يرجع الى باطنه ولم ينظر ببصيرته الى حالاته الواردة عليه لا يميّز بين ضيق الصّدر وشرحه او بين مطلق الآيات العلويّة والسّفليّة، والراّجع الى نفسه يميّز بين الواردات فيتوب عمّا يؤذيه وينيب الى ما ينفعه فيكون {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ}
فرات الكوفي
تفسير : {الله أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ124} فرات قال: حدثنا جعفر بن أحمد معنعناً: عن زيد بن علي [عليه السلام. ر] قال: [يا. أ] أيها الناس إن الله بعث في كل زمان خيرة ومن كل خيرة منتجباً خيرة [ر: حيوة. ظ: حبوة] منه قال: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} فلم يزل يتناسخ خيرته حتى خرج محمد [ر: محمداً] صلى الله عليه وآله وسلم من أفضل تربة وأطهر عترة أخرجت للناس، فلما قبض الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ولا عارف امخركم [ن: انجزكم] بعد زخورها وحصن [ن: وحصرت] حصونكم بعد بأورها [ن: منعتها] وافتخرت قريش على سائر الأحياء بأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [ر: عليهم الصلاة والسلام] كان قرشياً، ودانت العجم للعرب بأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان عربياً حتى ظهرت الكلمة وتمت النعمة فاتقوا الله عباد الله وأجيبوا إلى الحق وكونوا أعواناً لمن دعاكم إليه ولا تأخذوا سنة بني إسرائيل كذبوا أنبياءهم وقتلوا أهل بيت نبيهم. ثم أنا أذكركم أيها السامعون لدعوتنا [ر: لدعوته] المتفهمون لمقالتنا بالله العظيم الذي لم يذكر المذكرون بمثله، إذا ذكر [تمـ] ـوه وجلت قلوبكم واقشعرت لذلك جلودكم، ألستم تعلمون أنا ولد نبيكم المظلومون المقهورون، فلا سهم وُفِّينا ولا تراث أُعطينا، وما زالت بيوتنا تهدم وحرمتنا تنتهك وقائلنا يعرف [2: يقهر]، يولد مولودنا في الخوف، وينشأ ناشئنا بالقهر ويموت ميتنا بالذل. ويحكم أن الله قد فرض عليكم جهاد أهل البغي والعدوان من أمتكم على بغيهم وفرض نصرة أوليائه الداعين إلى الله وإلى كتابه قال: {أية : ولينصرن الله من ينصره إنّ الله لقوي عزيز} تفسير : [40/ الحج]. ويحكم إنّا قوم غضبنا لله ربنا، ونقمنا الجور المعمول به في أهل ملتنا، ووضعنا من توارث الإمامة والخلافة وحكم [ن: ويحكم] بالهوى [ن: بالهواء] ونقض العهد، وصلى الصلاة لغير وقتها، وأخذ الزكاة من غير وجهها ودفعها إلى غير أهلها، ونسك المناسك بغير هديها، وأزال الأفياء والأخماس والغنائم ومنعها الفقراء والمساكين وابن السبيل، وعطل الحدود وأخذ منه [خ: بها. ب، ر: وأخدمة] الجزيل، وحكم بالرشا والشفاعات والمنازل، وقرب الفاسقين وميل [ب: ومثل بـ] الصالحين، واستعمل [أهل] الخيانة وخوّن أهل الأمانة، وسلط المجوس وجهز الجيوش وخلّد في المحابس وجلد المبين وقتل الوالد [ب: الولد 20: الولدان] وأمر بالمنكر ونهى عن المعروف بغير مأخوذٍ [ر: عن] كتاب الله وسنة نبيه. ثم زعم زاعمكم الهزاز على قلبه يطمع خطيئته أن الله استخلفه يحكم بخلافته [ب: بخلافه] ويصد عن سبيله وينتهك محارمه ويقتل [ن: يقبل] من دعا إلى أمره، فمن أشرّ عند الله منزلة من [ر، ب: من] افترى على الله كذباً أو صدّ عن سبيله أو بغاه عوجاً، ومن أعظم عند الله أجراً ممن [ر: من] أطاعه وأدان بأمره وجاهد في سبيله وسارع في الجهاد، ومن أشر عند الله منزلة ممن يزعم أن بغير ذلك يحق عليه ثم يترك ذلك استخفافاً بحقه وتهاوناً في أمر الله وإيثاراً لدنياه، {أية : ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} تفسير : [32/ فصلت].
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} أي الذين أشركوا {صَغَارٌ عِندَ اللهِ} أي ذلة عند الله {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} أي في الآخرة {بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} أي: يشركون. قوله: {فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ} أي يوسع صدره {لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدِ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} والحرج الضيق، وهو كلام مثنى وهو الشك {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} أي يثقل عليه ما يُدْعَى إِليه من الإِيمان. وفي تفسير الحسن: كأنما يكلّف أن يصعّد في السماء. قال الله: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ} يعني رجاسة الكفر {عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}. قوله: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ} أي الإِسلام {مُسْتَقِيماً} مستقيماً إلى الجنة. وإنما انتصب لأنه من باب المعرفة، كقولك: هذا عبد الله مقبلاً. قوله: {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ} أي بَيَّنَّا الآيات {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي إنما يتذكر المؤمن كقوله: (أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) تفسير : [يس:11] أي: إنما يقبل نذارتك من اتبع الذكر. قوله: {لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ} والسلام هو الله وداره الجنة. قال: {عِندَ رَبِّهِمْ} كقوله: (أية : فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ) تفسير : [الغاشية:10] أي في السماء. وكقول امرأة فرعون: (أية : رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ)تفسير : [التحريم:11] أي في السماء، وكقوله: (أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) تفسير : [القمر:55] أي في السماء. يقول: إن الجنة في السماء عند الله، ولو كانت الجنة في الأرض لكانت أيضاً عند الله، ولكنه أخبر بموضع الجنة أنها في السماء عند الله كما أن النار في الأرض عند الله. وفيما يؤثر أن أربعة أملاك التقوا فتساءلوا فيما بينهم من أين جاءوا. فقال أحدهم: جئت من السماء السابعة من عند ربي، وقال الآخر: جئت من الأرض السفلى من عند ربي، وقال الآخر: جئت من المشرق من عند ربي. وقال الآخر: جئت من المغرب من عند ربّي. ذكروا أن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : السلام اسم من أسماء الله . تفسير : قال: {وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
اطفيش
تفسير : {وإذا جاءتْهُم} أى رؤساء قريش المرادون بأكابر مجرميها أو كفار قريش {آيةٌ} دالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم {قالُوا} أى رؤساء أو كفار قريش، والقائل حقيقة رؤساؤهم {لَنْ نُؤمنَ} بمحمد وبما يقول {حتَّى نُؤتى مِثْل ما أوتىَ رُسُل اللهِ} الماضون من النبوة والرسالة، فنكون أنبياء رسلا مثلهم، وقال مقاتل: الآية فى قول أبى جهل المذكور آنفاً، وقال الفخر عن المفسرين فى قول الوليد، واستحسن بعض ما روى عن ابن عباس أنهم لم يطلبوا أن يكونوا رسلا، بل المعنى حتى ينزل الله علينا جبريل يصدقك، والصحيح الأول من أنهم طلبوا أن يكونوا رسلا، لأنه ظاهر قوله: {حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله} ولقوله تعالى ردا عليهم: {الله أعْلمُ حيثُ يَجْعل رِسالتَه} فإنهُ ظاهر فى أن المعنى أنهُ تعالى أعلم ممن يتأهل لأن يكون رسولا، وهذا إنما يصح رداً على من يزعم منهم أنهُ أهل للرسالة، لا على من طلب نزول الملك بتصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أى لستم أهلا لها، لأنكم تطلبونها، ولأنكم أهل إجرام ومكر، ولأنكم أهل شرك ومعاص، ولا نبوة لأهلها، ولأنكم مطاعون فى قومكم، فلو أوتيتموها قيل إنكم رؤساء مطاعون فاتبعكم الناس لذلك لا لصحة النبوة، بخلاف محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يتيم من أبيه وأمه معا، وليست الرسالة بالمال والسن، ولا من أجل النسب، ومع ذلك يبعث الله الرسل من أشراف أقوامهم، كما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل بالفضائل النفسانية من حيث الدين بلا كسب لها، أعنى بدون أن يدوم العمل فيترقى إلى رتبتها لا بقصده إليها، ولا بدون قصده إليها، وقيل: بالكسب بدون قصده. وحيث مفعول لمحذوف أى يعلم، أى يعلم يجعل رسالته، هذا على جواز تصرف حيث إلى المفعولية، وأن ما لم يجعل مفعولا به لأعلم، لأن أعلم اسم تفضيل، اللهم إلا أن يقال: إنه بمعنى عالم أو عليم، فنصب المفعول وهو حيث، وعلى نصبه لمحذوف يكون المعنى الله أعلم بكل شئ يعلم حيث، والأظهر أن حيث تتعلق بأعلم وهى ظرف، أى أعلم فى موضع جعل الرسالة، أى هو أعلم فى هذا المعنى ولا حصر مراد فى ذلك، بل هو أعلم فى كل شئ وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم: رسالته بالإفراد وفتح التاء. {سَيُصيبُ الَّذين أجْرمُوا صَغارٌ عنْد اللهِ وعَذابٌ شَديدٌ} سيصيب الذين أتوا الله بذنوب عظام، ذل وحقارة وعذاب شديد بعد كبرهم مجازاة بعد مطلوبهم الذى هو العز والكرامة، إذ حاولوهما بمعصية الله، وتلك الإصابة بالآخرة كما قال عند الله، أى فى الآخرة عند الله، لأن الناس يحضرون فيه للحساب، كمن يحضر الملك للحساب، فعند متعلق بيصيب، وقيل: عند الله متعلق بمحذوف نعت لصغار، وإن الإصابة فى الدنيا، فالعذاب على هذا القتل والأسر والسلب، وفيه هوانهم وذلهم. وقيل: يتعلق بمحذوف نعت لصغار، وهو فى الدنيا بالقتل والأسر والسلب، والعذاب الشديد فى الآخرة، ولذلك أخره، وقيل: إن الصغار والعذاب الشديد كليهما فى الدنيا والآخرة معا، وإن عذاب شديد فى نية التقديم على عند الله، وقيل: معنى أجرموا قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله. {بما كانُوا} بسبب كونهم {يمْكُرونَ} أو على مكرهم أى جزاء لمكرهم.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ} أَى كفار قريش {آيَةٌ} تتلى ومعجزة لا تتلى {قَالُوا لَنْ نُؤمِنَ} بها أَنها من الله ولا بمضمونها ولا برسالته صلى الله عليه وسلم ولا بتوحيد الله جل وعلا {حَتَّى نُؤتَى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ اللهِ} من الوحى والرسالة لنا إِلى خلقه فنكون كالرسل المتقدمين أَنبياءَ رسلا إِلى الناس كما ادعى محمد لنفسه، ومر قريباً عن أَبى جهل: والله لا نرضى بمحمد نبياً إِلا أَن يأتينا وحى كما يأتيه، ونكون متبوعين لا تابعين، زاحمنا بنو عبد مناف فى الشرف حتى إِذا صرنا إِلخ. وكما قال الوليد بن المغيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لم كانت النبوءة حقاً لكنتُ أَولى بها منك؛ لأَنى أَكبر منك سناً، وأَكثر منك مالا وولداً، وفى ذلك نزلت الآية هذه والأُخرى، "أية : بل يريد كل امرئ أَن يؤتى صحفاً منشرة"تفسير : [المدثر: 52] وقيل: لم يطلبوا أَن يكونوا أَنبياءَ ورسلا، بل طلبوا أَن تنزل عليهم صحف وملائكة وآيات قاهرات كآيات الرسل المتقدمين فى أَن محمداً رسول الله: كتاب إِلى أَبى جهل، وكتاب إِلى الوليد، وكتاب إِلى أَبى لهب، وهكذا أَن محمدا رسول الله، كما فسر بعض به آية الصحف المنشرة، "أية : بل يريد كل امرئ منهم أَن يؤتى صحفاً منشرة"تفسير : وما ذكرته أَولى لأَنه ظاهر الآية، أَو لقوله تعالى {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} وهؤلاء ليسوا موضعاً للرسالة، ومن غاية السفه أَن يقول الرجل إِذا قيل له آمن: لا أُومن حتى يجعلنى الله نبياً رسولا. وتقدم الكلام على عمل اسم التفضيل إِلا أَن حيث لا يكون مضافاً إِليه ولا يكون مفعولا به، فلا يجوز أَن يقال مفعول به ليعلم محذوف دل عليه أَعلم وأَجازه الفارسى وابن هشام، ولا إِشكال فى جعلها ظرفاً متعلقاً بأَعلم أَى الله عظيم العلم فى موضع جعل الرسالة، وليس ذلك حصراً فإِنه أَعظم علماً فى كل شئ، ولا إِشكال فى الظرفية لأَنها ليست حقيقة لأَن المعنى أَعلم فى شأن جعل الرسالة، وقد قال الله تعالى: " أية : كل يوم هو فى شأن" تفسير : [الرحمن: 29] قال بعض: سن الوقف فى قوله تعالى {رسل الله} قال بعض: يوقف ويدعى بقولك: اللهم من الذى دعاك فلم تجبه، ومن الذى استجارك فلم تجره، ومن الذى سأَلك فلم تعطه ومن الذى استعان بك فلم تعنه، ومن الذى توكل عليك فلم تكفه؟ يا غوثاه يا غوثاه بك أَستغيث فأَغثنى يا مغيث واهدنى هداية من عندك، واقض حوائجنا واشف مرضانا واقض ديوننا واغفر لنا ولآبائنا ولأُمهاتنا بحق القرآن العظيم والرسول الكريم برحمتك يا أَرحم الراحمين، ثم يقرأ {الله أَعلم حيث يجعل رسالته} ولم أَر ذلك فى كتب الحديث لكنه حسن {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} إِجرامهم هو قولهم لن نؤمن حتى نؤتى، وغير ذلك من معاصيهم، فمقتضى الظاهر سيصيبهم لكن أَظهر ليصفهم بالإِجرام، والصغار الذل والهوان، والعذاب الشديد عذاب الدنيا كقتل بدر وعذاب الآخرة. ومعنى عند الله يوم حشرهم أَو قضاؤه، والعندية شاملة لذلك كله مطلقاً لا بقيد تقدير من عند الله كما قيل عن الفراء، إِذ لا يقال بحذف الجار بلا دليل، لا يقال جئت عند زيد، ويراد من عند زيد، ويجوز أَن يكون المعنى أَن ذلك ذخيره عند الله لهم على التهكم، وهو متعلق بيصيب أَو بمحذوف نعت صغار، أَو بصغار لما تكبروا عن الحق ومالوا إِلى التلذذ بالمعاصى والدنيا جوزوا بالذل والعذاب مضادة لذلك أَى بسبب كونهم يمكرون، أَو بدل كونهم يمكرون والذل بعد الرتبة أَشد.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ} رجوع إلى بيان حال مجرمي أهل مكة بعدما بين بطريق التسلية حال غيرهم فإن العظيمة المنقولة إنما صدرت عنهم لا عن سائر المجرمين أي وإذا جاءتهم آية بواسطة الرسول عليه الصلاة والسلام. {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ } قال شيخ الإسلام: «قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل عليه السلام فيخبرنا أن محمداً عليه الصلاة والسلام صادق كما قالوا { أية : أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً } تفسير : [الإسراء: 92]. وعن الحسن البصري مثله، وهذا كما ترى صريح في أن ما علق بإيتاء ما أوتي الرسل عليهم السلام هو إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه إيماناً حقيقياً كما هو المتبادر منه عند الإطلاق خلا أنه يستدعي أن يحمل ما أوتي رسل الله على مطلق الوحي ومخاطبة جبريل عليه السلام في الجملة وأن يصرف الرسالة في قوله سبحانه: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} عن ظاهرها وتحمل على رسالة جبريل عليه السلام بالوجه المذكور، ويراد بجعلها تبليغها إلى المرسل إليه لا وضعها في موضعها الذي هو الرسول ليتأتى كونه جواباً عن اقتراحهم ورداً له بأن كون معنى الاقتراح لن نؤمن بكون تلك الآية نازلة من عند الله تعالى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يأتينا جبريل بالذات عياناً كما يأتي الرسل فيخبرنا بذلك، ومعنى الرد الله أعلم بمن يليق بإرسال جبريل عليه السلام إليه لأمر من الأمور إيذاناً بأنهم بمعزل من استحقاق ذلك التشريف، وفيه من التمحل ما لا يخفى». وأنت تعلم أنه لا تمحل في حمل ما أوتي رسل الله على مطلق الوحي بل في العدول عن قول لن نؤمن حتى نجعل رسلاً إلى ما في النظم الكريم نوع تأييد لهذا الحمل، نعم صرف الرسالة عن ظاهرها وحمل الجعل على التبليغ لا يخلو عن بعد، ولعل الأمر فيه سهل. ويفهم من كلام البعض أن مطلق الوحي ومخاطبة جبريل عليه السلام في الجملة وإن لم يستدع تلك الرسالة إلا أنه قريب من منصبها فيصلح ما ذكر جواباً بدون حاجة إلى الصرف والحمل المذكورين، وفيه ما فيه. وقال مقاتل: نزلت في أبـي جهل حين قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبـي يوحى إليه والله لا نرضى به ولا نتبعه أبداً حتى يأتينا وحي / كما يأتيه. وقال الضحاك: سأل كل واحد من القوم أن يخص بالرسالة والوحي كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله سبحانه: { أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مّنْهُمْ أَن يُؤْتِى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } تفسير : [المدثر: 52] قال الشيخ: «ولا يخفى أن كل واحد من هذين القولين وإن كان مناسباً للرد المذكور لكنه يقتضي أن يراد بالإيمان المعلق بإيتاء مثل ما أوتي الرسل مجرد تصديقهم برسالته صلى الله عليه وسلم في الجملة من غير شمول لكافة الناس، وأن يكون كلمة حتى في قول اللعين. حتى يأتينا وحي كما يأتيه إلخ غاية لعدم الرضى لا لعدم الاتباع فإنه مقرر على تقديري إتيان الوحي وعدمه، فالمعنى لن نؤمن برسالته أصلاً حتى نؤتى نحن من [الوحي و ] النبوة مثل ما أوتي رسل الله أو إيتاء مثل إيتاء رسل الله»، ولا يخفى أنه يجوز أن تكون حتى في كلام اللعين غاية للاتباع أيضاً على أن المراد به مجرد الموافقة وفعل مثل ما يفعله صلى الله عليه وسلم من توحيد الله تعالى وترك عبادة الأصنام لا قفو الأثر بالائتمار، على أن اللعين إنما طلب إتيان وحي كما يأتي النبـي صلى الله عليه وسلم وليس ذلك نصاً في طلب الاستقلال المنافي للاتباع. ولعل مراده عليه اللعنة المشاركة في الشرف بحيث لا ينحط عنه عليه الصلاة والسلام بالكلية؛ ويمكن أن يدعي أيضاً أن هؤلاء الكفرة لكون كل منهم أبا جهل بما يقتضيه منصب الرسالة لا يأبون كون الرسولين يجوز أن يبعث أحدهما إلى الآخر ويلزم أحدهما امتثال أمر الآخر واتباعه وإن كان مشاركاً له في أصل الرسالة فليفهم، وقيل: إن الوليد بن المغيرة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كانت النبوة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر مالاً وولداً فنزلت هذه الآية. وتعقبه الشيخ قدس سره «أنه لا تعلق له بكلامهم المردود إلا أن يراد بالإيمان المعلق بما ذكر مجرد الإيمان بكونه الآية النازلة وحياً صادقاً لا الإيمان بكونها نازلة إليه عليه الصلاة والسلام فيكون المعنى وإذا جاءتهم آية نازلة إلى الرسول قالوا: لن نؤمن بنزولها من عند الله حتى يكون نزولها إلينا لا إليه لأنا نحن المستحقون دونه فإن ملخص معنى قوله: (لو كانت النبوة حقاً) الخ لو كان ما تدعيه من النبوة حقاً لكنت أنا النبـي لا أنت وإذا لم يكن الأمر كذلك فليست بحق، ومآله تعليق الايمان بحقية النبوة بكون نفسه نبياً». وأنت تعلم أن إطلاق النبوة وقولهم {رُسُلُ ٱللَّهِ } ليس بينهما كمال الملاءمة بحسب الظاهر كما لا يخفى، فالحق سقوط هذا القول عن درجة الاعتبار وإن روي مثله عن ان جريج لما في تطبيقه على ما في الآية من مزيد العناية. و {مِثْلَ مَا أُوتِىَ } نصب على أنه نعت لمصدر محذوف و (ما) مصدرية أي حتى نؤتاها إيتاء مثل إيتاء رسل الله، وإضافة الإيتاء إليهم لأنهم منكرون لإيتائه عليه الصلاة والسلام، و {حَيْثُ} مفعول لفعل مقدر أي يعلم وقد خرجت عن الظرفية بناء على القول بتصرفها ولا عبرة بمن أنكره، والجملة بعدها كما نص عليه أبو علي في «كتاب الشعر» صفة لها، وإضافتها إلى ما بعدها حيث استعملت ظرفاً. وقال الرضي: الأولى: أن حيث مضافة ولا مانع من إضافتها وهي اسم إلى الجملة، وبحث فيه، ولا يجوز فيها هنا عند الكثير أن تكون مجرورة بالإضافة لأن أفعل بعض ما يضاف إليه، ولا منصوبة بأفعل نصب الظرف لأن علمه تعالى غير مقيد بالظرف وممن نص على ذلك ابن الصائغ، وجوز بعضهم الثاني ورد ما علل به المنع منه بأن يجوز جعل تقييد علمه تعالى بالظرف مجازياً باعتبار ما تعلق به بل ذلك أولى من إخراج حيث عن الظرفية فإنه إما نادر أو ممتنع. وجملة {ٱللَّهُ أَعْلَمُ } الخ استئناف بياني، والمعنى أن منصب الرسالة ليس مما ينال بما يزعمونه من كثرة المال والولد وتعاضد الأسباب والعدد وإنما ينال بفضائل نفسانية ونفس قدسية أفاضها الله تعالى بمحض الكرم والجود على من / كمل استعداده، ونص بعضهم على أنه تابع للاستعداد الذاتي وهو لا يستلزم الايجاب الذي يقوله الفلاسفة لأنه سبحانه إن شاء أعطى ذلك وإن شاء أمسك وإن استعد المحل، وما في «المواقف» من أنه لا يشترط في الإرسال الاستعداد الذاتي بل الله تعالى يختص برحمته من يشاء محمول على الاستعداد الذاتي الموجب، فقد جرت عادة الله تعالى أن يبعث من كل قوم أشرفهم وأطهرهم جبلة، وتمام البحث في موضعه. وقرأ أكثر السبعة {رسالاته} بالجمع، وعن بعضهم أنه يسن الوقف على {رُسُلُ ٱللَّهِ } وأنه يستجاب الدعاء بين الآيتين ولم أر في ذلك ما يعول عليه. {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } استئناف آخر ناع عليهم ما سيلقونه من فنون الشر بعدما نعى عليهم حرمانهم مما أملوه، والسين للتأكيد، ووضع الموصول موضع الضمير لمزيد التشنيع، وقيل: إشعاراً بعلية مضمون الصلة أي يصيبهم البتة مكان ما تمنوه وعلقوا به أطماعهم الفارغة من عز النبوة وشرف الرسالة {صَغَارٌ } أي ذل عظيم هوان بعد كبرهم {عَندَ ٱللَّهِ } يوم القيامة. وقيل: من عند الله وعليه أكثر المفسرين كما قال الفراء، واعترضه بأنه لا يجوز في العربية أن تقول جئت عند زيد وأنت تريد من عند زيد، وقيل: المراد أن ذلك في ضمانه سبحانه أو ذخيرة لهم عنده وهو جار مجرى التهكم كما لا يخفى {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} في الآخرة أو في الدنيا {بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ } أي بسبب مكرهم المستمر أو بمقابلته، وحيث كان هذا من أعظم مواد إجرامهم صرح بسببه.
ابن عاشور
تفسير : {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ}. عطف على جملة: { أية : جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها } تفسير : [الأنعام: 123] لأنّ هذا حديث عن شيء من أحوال أكابر مجرمي مكّة، وهم المقصود من التّشبيه في قوله: {وكذلك جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها. ومكّة هي المقصود من عموم كلّ قرية كما تقدّم، فالضّمير المنصوب في قوله: جاءتهم} عائدٌ إلى { أية : أكابر مجرميها } تفسير : [الأنعام: 123]، باعتبار الخاصّ المقصود من العموم، إذ ليس قولُ: {لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله} بمنسوب إلى جميع أكابر المجرمين من جميع القرى. والمعنى: إذا جاءتهم آية من آيات القرآن، أي تُليت عليهم آية فيها دعوتهم إلى الإيمان. فعبّر بالمجيء عن الإعلام بالآية أو تلاوتها تشبيها للإعلام بمجيء الدّاعي أو المرسل. والمراد أنَّهم غير مقتنعين بمعجزة القرآن، وأنَّهم يطْلبون معجزات عَيْنية مثل معجزة موسى ومعجزة عيسى، وهذا في معنى قولهم: { أية : فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون } تفسير : [الأنبياء: 5] لجهلهم بالحكمة الإلهيّة في تصريف المعجزات بما يناسب حال المرسل إليهم، كما حكى الله تعالى: { أية : وقَالوا لولا أنزل عليه آيات من ربّه قل إنَّما الآيات عند الله وإنَّما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إنّ في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } تفسير : [العنكبوت: 50، 51]؛ وقال النّبيء صلى الله عليه وسلم « حديث : ما من الأنبياء نبيء إلاّ أعطي من الآيات ما مِثْلُه آمنَ عليه البشر، وإنَّما كان الّذي أوتيتُ وحياً أوحى الله إليّ » تفسير : الحديث. وأطلق على إظهار المعجزة لديهم بالإيتاء في حكاية كلامهم إذ قيل: {حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله} لأنّ المعجزة لمّا كانت لإقناعهم بصدق الرّسول عليه الصّلاة والسلام أشبهت الشّيء المعطى لهم. ومعنى: {مثل ما أوتى رسل الله} مثل ما أتَى اللَّهُ الرّسلَ من المعجزات الّتي أظهروها لأقوامهم. فمرادهم الرّسل الّذين بَلغتهم أخبارهم. وقيل: قائل ذلك فريق من كبراء المشركين بمكّة، قال الله تعالى: { أية : بل يريد كل امرىء منهم أن يُؤتى صحفاً مُنَشَّرة } تفسير : [المدثر: 52]. روي أنّ الوليد بن المغيرة، قال للنّبيء صلى الله عليه وسلم لو كانت النّبوءةُ لكنتُ أولى بها منكَ لأنّي أكبرُ منك سِنّا وأكثر مالاً وولداً؛ وأنّ أبا جهل قال: زاحمَنا (يعني بني مخزوم) بنو عبد مناف في الشّرف، حتّى إذا صرنا كفَرسَيْ رِهاننٍ قالوا: مِنّا نبيء يُوحى إليه، والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبداً إلاّ أن يأتينا وحي كما يأتيه. فكانت هذه الآية مشيرة إلى ما صدر من هذين، وعلى هذا يكون المراد حتّى يأتينا وَحْي كما يأتي الرّسلَ. أو يكون المراد برسل الله جميع الرّسل، فعدلوا عن أن يقولوا مثل ما أوتي محمّد صلى الله عليه وسلم لأنّهم لا يؤمنون بأنّه يأتيه وحي. ومعنى {نؤتى} على هذا الوجه نعطى مثل ما أعطي الرّسل، وهو الوحي. أو أرادوا برسل الله محمّداً صلى الله عليه وسلم فعبّروا عنه بصيغة الجمع تعريضاً، كما يقال: إنّ ناساً يقولون كذا، والمراد شخص معيّن، ومنه قوله تعالى: { أية : كذبت قوم نوح المرسلين } تفسير : [الشعراء: 105] ونحوه، ويكون إطلاقهم عليه: {رسل الله} تهكّماً به صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله عنهم في قوله: { أية : وقالوا يا أيُّها الذي نُزِّل عليه الذكر إنَّك لمجنون } تفسير : [الحجر: 6] وقوله: { أية : إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } تفسير : [الشعراء: 27]. {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}. اعتراض للردّ على قولهم: {حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله} على كلا الاحتمالين في تفسير قولهم ذلك. فعلى الوَجه الأوّل: في معنى قولهم: {حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله} يكون قوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} ردّاً بأنّ الله أعلم بالمعجزات اللائقة بالقوم المرسَل إليهم؛ فتكون {حيث} مجازاً في المكان الاعتباري للمعجزة، وهم القوم الذين يُظهرها أحد منهم، جُعلوا كأنَّهم مكان لظهور المعجزة. والرّسالات مطلقة على المعجزات لأنَّها شبيهة برسالة يرسلها الله إلى النّاس، وقريب من هذا قول علماء الكلام: وجهُ دلالة المعجزة على صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم أنّ المعجزة قائمة مقام قول الله: « حديث : صدق هذا الرسولُ فيما أخبر به عني »تفسير : ، بأمارةِ أنِّي أخرق العادة دليلاً على تصديقه. وعلى الوجه الثّاني: في معنى قولهم: {حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله}، يكون قوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} ردّاً عليهم بأنّ الرّسالة لا تُعطى بسؤال سائِلها، مع التّعريض بأنّ أمثالهم ليسوا بأهل لها، فما صْدَقُ {حيث} الشّخصُ الّذي اصطفاه الله لرسالته. و{حيث} هنا اسم دالّ على المكان مستعارة للمبعوث بالرّسالة، بناء على تشبيه الرّسالة بالوديعة الموضوعة بمكان أمانة، على طريقة الاستعارة المكنيّة. وإثباتُ المكان تخييل، وهو استعارة أخرى مصرّحة بتشبيه الرّسل بمكان إقامة الرّسالة. وليست {حيث} هنا ظرفاً بل هي اسم للمكان مجرّد عن الظرفية، لأنّ {حيث} ظرف متصرّف، على رأي المحقّقين من النّحاة، فهي هنا في محلّ نصب بنزع الخافض وهو الباء، لأن {أعلم} اسم تفضيل لا ينصب المفعول، وذلك كقوله تعالى: { أية : إنّ ربّك هو أعلم من يضلّ عن سبيله } تفسير : [الأنعام: 117] كما تقدّم آنفاً. وجملة {يجعل رسالته} صفة لــــ{حيث} إذا كانت {حيث} مجرّدة عن الظرفية. ويتعيّن أن يكون رابط جملة الصّفة بالموصوف محذوفاً، والتّقدير: حيث يجعل فيه رسالاته. وقد أفادت الآية: أنّ الرّسالة ليست ممّا يُنال بالأماني ولا بالتشهّي، ولكن الله يعلم مَن يصلح لها ومن لا يصلح، ولو علم من يصلح لها وأراد إرساله لأرسله، فإنّ النّفوس متفاوتة في قبول الفيض الإلهي والاستعداد له والطّاقة على الاضطلاع بحمله، فلا تصلح للرّسالة إلاّ نفس خُلقت قريبة من النّفوس الملكيّة، بعيدة عن رذائل الحيوانية، سليمة من الأدواء القلبية. فالآية دالّة على أنّ الرّسول يُخلق خِلقة مناسبة لمراد الله من إرساله، والله حين خلقه عالم بأنّه سَيرسله، وقد يخلق الله نفوساً صالحة للرّسالة ولا تكون حكمةٌ في إرسال أربابها، فالاستعداد مهيِّيء لاصطفاء الله تعالى، وليس موجِبا له، وذلك معنى قول بعض المتكلّمين: إنّ الاستعداد الذّاتي ليس بموجب للرّسالة خلافاً للفلاسفة، ولعلّ مراد الفلاسفة لا يبعد عن مراد المتكلّمين. وقد أشار ابنُ سينا في «الإشارات» إلى شيء من هذا في النّمط التّاسع. وفي قوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} بيان لعظيم مقدار النبي صلى الله عليه وسلم وتنبيه لانحطاط نفوس سادة المشركين عن نوال مرتبة النّبوءة وانعدام استعدادهم، كما قيل في المثل «ليس بعُشِّككِ فادْرُجي». وقرأ الجمهور: {رسالاته} ــــ بالجمع ــــ وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم ــــ بالإفراد ــــ ولمّا كان المراد الجنس استوى الجمع والمفرد. {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ}. استئناف ناشىء عن قوله: { أية : ليمكروا فيها } تفسير : [الأنعام: 123] وهو وعيد لهم على مكرهم وقولهم: {لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله}. فالمراد بالّذين أجرموا أكابر المجرمين من المشركين بمكّة بقرينة قوله: {بما كانوا يمكرون} فإنّ صفة المكر أثبتت لأكابر المجرمين في الآية السّابقة، وذكرهم بــــ{الّذين أجرموا} إظهار في مقام الإضمار لأنّ مقتضى الظاهر أنّ يقال: سيصيبهم صغار، وإنَّما خولف مقتضى الظاهر للإتيان بالموصول حتّى يوميء إلى علّة بناء الخبر على الصّلة، أي إنَّما أصابهم صغار وعذاب لإجرامهم. والصّغَار ــــ بفتح الصّاد ــــ الذلّ، وهو مشتقّ من الصِّغَر، وهو القماءة ونقصان الشيء عن مقدار أمثاله. وقد جعل الله عقابهم ذلاّ وعذاباً: ليناسب كِبْرهم وعُتُوّهم وعصيانهم الله تعالى. والصّغار والعذاب يحصلان لهم في الدّنيا بالهزيمة وزوال السّيادة وعذاب القتل والأسر والخوف، قال تعالى: { أية : قُل هل تربصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين ونحن نتربّص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } تفسير : [التوبة: 52] وقد حصل الأمران يوم بدر ويوم أحُد، فهلكت سادة المشركين، وفي الآخرة بإهانتهم بين أهل المحشر، وعذابهم في جهنم. ومعنى {عند الله} أنَّه صغار مقدّر عند الله، فهو صغار ثابت محقّق، لأنّ الشّيء الّذي يجعله الله تعالى يحصل أثره عند النّاس كلّهم، لأنَّه تكوين لا يفارق صاحبه، كما ورد في الحديث: « حديث : إنّ الله إذا أحبّ عبداً أمر جبريل فأحبّه ثمّ أمر الملائكة فأحبّوه ثمّ يوضع له القبول عند أهل الأرض »تفسير : ، فلا حاجة إلى تقدير (مِنْ) في قوله: {عند الله}، ولا إلى جعل العندية بمعنى الحصول في الآخرة كما درج عليه كثير من المفسّرين. والباء في: {بما كانوا يمكرون} سببيّة. و(ما) مصدريّة: أي بسبب مكرهم، أي فعلهم المكر، أو موصولة: أي بسبب الّذي كانوا يمكرونه، على أنّ المراد بالمكر الاسم، فيقدر عائدٌ منصوبٌ هو مفعول به محذوف.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ}. يعنون أنهم لن يؤمنوا حتى تأتيهم الملائكة بالرسالة، كما أتت الرسل، كما بينه تعالى في آيات أخر، كقوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} تفسير : [الفرقان: 21] الآية. وقوله: {أية : أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 92] الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
القطان
تفسير : الصَّغار: الذل والهوان. يبين الله تعالى هنا تعنُّت المشركين وعنادَهم وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم فيقول: إن هؤلاء الكبارَ من المجرمين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من علم ونبوة وهداية، فإذا جاءتهم حجّةٌ قاطعة تتضمن صدقَ الرسول الكريم لا يذعنون لها. بل يقولون: لن نؤمن بها حتى ينزل علينا الوحيُ كما ينزِلُ على الرسل. هكذا قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النبوة حقاً لكنتُ أَولى بها من محمد، فأنا أكبر منه سنّاً، واكثر منه مالاً وولدا. وقال ابو جهل: والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبدا، الا ان يأتينا وحي كما يأتيه. وقد رد الله عليهم جهالتهم وبين لهم خطأهم بقوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}. فالله تعالى وحده هو الذين يعلم من يستحق الرسالة، وهي فضلٌ من الله يمنحه من يشاء، لا ينالها أحد يكسْب، ولا يتّصل إليها بسببٍ ولا نسب وهي أمرٌ لا يورث حتى ينتقل من والد الى ولد، ولا فضل لقرابة او اشتراك في الدم. وقد جعلها سبحانه حيث عَلِم، واختار لها اكرم خلقه وأخلصهم، محمدا خير الخلق وخاتم النبيين. ثم أوعد الله المكابرين وبين سوء عاقبتهم لعدم استعدادهم للإيمان فقال: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ}. اذا كان هؤلاء يطلبون الرياسة بهذا العناد، فسينالهم الصغار والذل في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة، جزاء مكرهم وتدبيرهم السيء. وقد عذّب الله أكبر مجرمي مكة الذين تصدَّوا لإيذاء النبي عليه الصلاة والسلام، فقُتل منهم من قتل في بدر، ولحق الصغارُ والهوانُ بالباقين، وسينالهم العذاب الشديد في الآخرة، والعاقبة للمتقين. قراءات: قرأ ابن كثير وحفص (رسالته)، والباقون (رسالاته) بالجمع.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَةٌ} (124) - وَإِذَا جَاءَ أُولئِكَ المُشْرِكِينَ آيةٌ مِنَ القُرْآنِ تَتَضَمَّنُ صِدْقَ الرَّسُولِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِ، مِنَ التَّوْحِيدِ وَالهُدَى، قَالُوا: لَنْ نَذْعَنَ لِلْحَقِّ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْنَا الوَحْيُ، كَمَا يَنْزِلُ عَلَى الرُّسُلِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاَءِ قَائلاً: الرِّسَالَةُ فَضْلٌ مِنَ اللهِ يَمُنُّ بِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، لاَ يَنَالُهُ أَحَدٌ بِكَسْبٍ، وَلاَ يُعْطِيهِ اللهُ إِلاَّ مَنْ كَانَ أَهْلاً لَهُ. ثُمَّ يَتَوَعَّدُ اللهُ المُجْرِمِينَ المُتَكَبِّرِينَ عَنِ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ، وَالانْقِيَادِ لَهُمْ فِيمَا جَاؤُوا بِهِ، بِأَنَّهُمْ سَيُصِيبُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ صَغَارٌ وَذِلَّهٌ دَائِمَيْنِ بَيْنَ يَدَي اللهِ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى اسْتِكْبَارِهِمْ فِي الدُّنْيا، وَسَيَنَالُهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ فِي الآخِرَةِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ وَخَدِيعَتِهِمْ. صَغَارٌ - ذُلٌّ عَظِيمٌ وَهَوَانٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكأن الآية التي أرسلها الله مع رسوله وهي القرآن لتثبت لهم صدقه في البلاغ عن الله لم تقنعهم، ولم يكتفوا بها، بل طالبوا بآيات أخرى، فهم قد قالوا: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 90-92] هم لا يريدون أن يؤمنوا بل إنهم يدخلون في اللجاج، والتماس سبل الفرار من الإيمان؛ لذلك تجد أن كل الحجج التي وقفوا بها أمام دعوة الرسول هي أكاذيب؛ فقالوا إنه ساحر يفرق بين المرء وزوجه، وبين الولد وأبيه، ويدخل بما جاء به- ويزعم أنه من عند الله- الفتنة في الأسرة الواحدة. لكن لماذا لم يتساءلوا: مادام قد سحر غيرنا فلماذا لم يسحرنا؟. وهل تأبوا هم على السحر؟. وهل للمسحور رغبة أو خيار مع الساحر؟. إنهم في ذلك كاذبون. ثم قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم شاعر. ولو أن أحداً غيرهم قال مثل هذا الكلام لكان مقبولاً لأنه يجهل رسول الله، ولأنه ليس من قوم هم أهل فصاحة وأهل بلاغة وأهل بيان، إنهم يعرفون الشعر، والنثر، والخطابة والكتابة. فلو كان هذا الأمر من غيرهم لكان القول مقبولاً، ولذلك نجد منهم من تصفو نفسه يقول: والله ما هو بقول كاهن ولا بقول شاعر. ويطلب الحق منهم ألا يقولوا رأيا جماهيريا؛ ففي الرأي الجماهيري يختلط ويلتبس الحق بالباطل. بل كان يطلب منهم أن يكون الكلام محدداً بحيث تنسب كل كلمة إلى قائلها فيقول الحق: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ..} تفسير : [سبأ: 46] أي لا تأتوا في أثناء هياج الناس وتتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنون؛ لأن قولكم في الهياج الجماهيري غير محسوب على أحد لكن المطلوب أن تقوموا لله مثنى أي اثنين اثنين، وكل اثنين يقولان: هيا بنا نستعرض أمر هذا الرسول ونرى قضاياه: أهو كاهن؟. أهو ساحر؟. أهوشاعر؟ فبين الاثنين لا يضيع الحق أبداً لأن كلاًّ منهما يناقش الآخر، وحين يجلس اثنان للنقاش، إذا انهزم منهما واحد أمام الآخر لا يُفضح أمام الغير، لكن حين يتناقش ثلاثة أو أربعة فكل منهم يخاف أن ينهزم أمام غيره، ونجد كل واحد يدافع عن نفسه. ولذلك حين يجلس اثنان معاً ليتناقشا، ويبحثا أي أمر لا يخشى أحدهما الهزيمة؛ لذلك يأتي الأمر من الله أن يقوموا لله مثنى أو فرادى، ويتذكر كل واحد منهم أمر هذا الرسول: أهو مجنون؟. إن أفعال المجنون وأعماله تكون متقطعة غير مستقيمة. ومحمد على خلق عظيم، وهل يقال للمجنون: إنه على خلق عظيم؟؛ لأن الإِنسان منا لا يعرف كيف سيقابله المجنون، أيضربه، أيشتمه، أيقطع له ملابسه؟. أمّا الخلق العظيم فمعناه الخلق المضبوط بالقيم، وخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مضبوط بالقيم حتى صار ملكة وليس أمرًا افتعاليًّا. وحين يقول الناس عن إنسان إن خلقه الكرم أي تأصلت فيه صفة الكرم تأصلاً بحيث أصبحت تصدر عنه أفعال البذل بيسر وسهولة، وفي أعمال المعاني نسميها خلقاً، وفي أعمال المادة نسميها آلية. وكلنا يعرف أن الإِنسان إن أراد أن يتعلم قيادة سيارة فهو يتعلم قيادة الأفعال التي تؤدي إلى سير السيارة حتى يكتسب المهارة ويؤديها بيسر وبدون صعوبة، وكذلك الشأن في الخلق حين تصدر وعنه الأفعال بدُربة ومهارة، ونجد- على سبيل المثال- من يتعلم الفقه، فيسأله إنسان عن الحكم في الأمر المعين، فيستعرض الأمر من أوجهه في وقت طويل، لكن من يتدرب يصبح الفقه بالنسبة إليه ملكة، فلا يتعب في استنباط الحكم. كذلك الخلق. ويوضح لهم الحق: أنتم تقولون عن الرسول: إنه مجنون، فاجلسوا مثنى مثنى أو فرادى وادرسوا تصرفاته ستجدون أنها تصرفات منطقية مبنية على خلق كامل مكتمل، وهو سلوك يختلف بالتأكيد عن سلوك المجنون؛ لأن المجنون لا ضابط له في حركاته ولا في سكناته ولا فيما يدع. وكذلك لا يمكن أن يكون شاعراً؛ لأنكم أنتم أهل شعر، وكذلك ليس بكاهن؛ فالكهنة قد يستبدلون بآيات الله ثمنا قليلا، وهو الذي أعلن لكم رفض الملك والثروة والجاه. لكنهم قالوا: {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ..} [الأنعام: 124] وقد حدث الوليد بن المغيرة نفسه بذلك، وكان من ناحية السن أسنّ من رسول الله، ومن ناحية المال كان غنّيا، ومن ناحية الأولاد عنده العزوة والولد، وقال: لو كانت الرسالة بكل هذه الأمور لكنت أنا أولى بهذا لأنني أسنّ ولأنني أكثر مالاً ولأنني أكثر ولداً. وهو قد قاسها بمقاييس البشر، وكأن الوليد لم يكن يعلم أن الرسالة ليست رئاسة، فإذا كنت أنت دون غيرك عندك المال وعندك الأولاد وعندك الزروع وغير ذلك لكنك لست على خلق محمد صلى الله عليه وسلم، الذي فطره الله عليه وأعده واصطفاه ليكون رسولا، ولكن مع هذا قال بعضهم: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] ولنسمع رد القرآن: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ..} تفسير : [الزخرف: 32] ويوضح لهم الحق: نحن قسمنا بينهم الأمور الحياتية، لكنكم تريدون تقسيم رحمة الله، وفرق بين الرحمة في الرسالات وبين امتداد الحياة بالأقوات والمال؛ لأن هذه عطاءات ربوبية. لكن الرحمة هي عطاءات ألوهية، انكم تميزتهم في دنياكم بالمال والبنين والبساتين لا لخصوصية فيكم ولكن لأن نظام الكون كله إنما يحتاج إلى مواهب متكاملة لا إلى مواهب متكررة، ولو امتلك كل الناس مثل ما عندك يا وليد من أرض ومال لما وجدت من يفلح لك الأرض، ولما كان عندك من يسرج لك الفرس. ولهذا جعل الحق مسألة الثروة دولاً، أي يقلب سبحانه هذه الأمور لتكون متداولة بين الناس؛ تكون لهذا في زمن ولآخر في وقت وزمن آخر ولا تدوم لأحد. وحين جاء الناس إلى أبي جهل يحدثونه في الرسالة قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف؛ أطعموا فأطعمنا، كسوا فكسونا، ذبحوا فذبحنا. حتى صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه والله لا نرضى به ولا نتبعه أبداً الا أن يأتينا بوحي كما يأتيه، ومعنى كفرسي رهان، أي فحين تنطلق الخيل في السباق في وقت واحد كانوا يدقون عوداً في الأرض عند نهاية السباق ومن يجذبه من الأرض يقال له: حاز قصب السبق، وعود القصبة هو غاية المشوار، حتى لا يقولن أحد لقد سبقني بخطوة أو غير ذلك. وهنا يقول الحق: {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ}. وانظر إلى كلمة {جَآءَتْهُمْ آيَةٌ}، فمرة يقول: {أية : قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} تفسير : [طه: 47]، ومرة يقول: {جَآءَتْهُمْ آيَةٌ}، فكأن الآية بلغت من وضوحها ومن استقلالها ومن ذاتيتها وخصوصيتها أنها تجيء. {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ..} [الأنعام: 124] ويقول الله لهم رداً عليهم: لا تقترحوا ذلك على الله؛ لأن {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}؛ لأن الرسالة إنما تجيء لتنشر خيراً في الجميع، ولكنها تعف نفسها عن آثار الانتفاع من ذلك الخير. والغير يريد أن تأتي له الخير ثم يترك بعضاً من الخير للناس. والرسول قد جاء لينشر خيره للآخرين، وهو نفسه لا ينال من هذا الخير إلا البلاغ به. ويأمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت ألا يأخذ أهله الزكاة، أمّا ما تركه فقد صار صدقة للناس، أي أنه لم ينتفع به في الدنيا؛ لذلك هو مأمون على الرسالة، ولم يردُ أن يأخذ الدنيا ليرثها أهله من بعده. وقد أراده الله كذلك ليكون خيره لكل الناس. فالرسالة تكليف، والنبوة ليس جزاؤها هنا، بل من عظمة الجزاء أنه في الآخرة، حديث : ولذلك حينما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة وقالوا: اشترط لنفسك. قال: تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وتعملون كذا وتعملون كذا. تفسير : قالوا له: فما لنا؟ أنت اشترطت لنفسك، فما لنا إن نحن وفينا؟. ماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم؟. قال: لكم الجنة. هذا هو الثمن الذي عنده، فمن يريد الجنة يأتي إلى الإيمان، ومن يريد ما هو دون الجنة فليس مكانه مع أهل الإيمان. مع أنه قال لهم فيما بعد ستركبون السفن وتفرشون الزرابي والوسائد وتجلسون عليها، وبشرهم بالكثير، لكنه لم يقل لهم ذلك من البداية لأن من هؤلاء من لا يدرك خيراً في الدنيا مع الإسلام؛ بل يموت والإسلام ضعيف واتباعه في قلة، لذلك أعطاهم الجزاء المضمون لهم جميعاً حين قالوا له: ماذا إن نحن وَفَّيْنا؟. قال: لكم الجنة. وكأنه صلى الله عليه وسلم يعلمهم أن الدنيا أهون من أن تكون جزاءً على العمل الصالح، فجزاء العمل الصالح خالد لا يفوتك ولا تفوته. {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ ..} [الأنعام: 124] وحين نتأمل قولهم: {لَن نُّؤْمِنَ} نجد أن في هذا القول إصراراً على عدم الإيمان، أي لن نؤمن حتى في المستقبل إنهم تحكموا في المستقبل. ثم يفضحهم الله فيموت بعضهم على الكفر، ومن بقي منهم يأتون مؤمنين بعد الفتح. ومن العجيب أن العبارة التي ينطقون بها هي عبارة مهزوزة لا تستقيم مع منطق الكفر منهم، قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، كأنهم قد عرفوا أن هناك رسلا من الله، والأصل في الآية أن يؤمنوا برسل الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، وهذا القول يدل على مجرد المعارضة المقترنة بالغباء، فما دمتم تعرفون أن لله رسلاً يصطفيهم، فكيف تحاولون أنتم تحديد إرادة الله في الاختيار؟. إن رسل الله كانت لهم آيات كونية، حسية مرئية، وهي وإن كانت فيها قوة المشهد الملزم، إلا إنه لا ديمومة لها، فمن رأى سيدنا موسى وهو يضرب البحر فينفلق لن يكذب هذه الآية الكونية، إلا أنها أصبحت خبراً والخبر مناسب لمحدودية رسالة موسى، كذلك رسالة عيسى عليه السلام حيث أبرأ الأكمة والأبرص بإذن الله. وهذه الرسالات لزمن محدود وفي قوم محدودين، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ومعه المنهج المعجزة الباقي إلى قيام الساعة، فإن كانت المعجزة حسيّة فلن يراها إلى أن تقوم الساعة. فلا بد له من آية باقية إلى قيام الساعة؛ لذلك كانت الآية في المعنويات والعقليات التي لا تختلف فيها الأمم ولا تختلف فيها الأزمان، لكنهم أرادوا معجزة حسية، وأخرى عقلية، حتى إذا جاءت واحدة فقط أنكروا الثانية، فحسم الحق الأمر وقال: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه}. ولو نظروا إلى كلمة {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}، فكلمة {أَعْلَمُ} تدل على أنه قد يمكّن الله بعضاً من خلقه ليعلموا لماذا اختار الله محمداً صلى الله عليه وسلم؛ لأن الذين واجههم صلى الله عليه وسلم بأمر الدعوة، هل انتظروا منه أن تكون له آية أو معجزة، أو آمنوا به بمجرد الإخبار؟. لقد آمنوا بمجرد الإخبار؛ لأن تجربتهم معه أكدت أنه صادق وأمين على خبر الأرض، ولابد أن يكون مأموناً على خبر السماء؛ لأنه لم يكذب عليهم في أمر الأرض، فكيف يكذب في أمر السماء؟ إننا نجد أن سيدنا أبا بكر، بمجرد أن علم بأمر الرسالة قال: صدقت، وسيدتنا خديجة صدقته من فور أن قال، وأخذت صدق بلاغه من مقدمات حياته، وقالت أول استنباط فقهي في الإسلام. وكذا ذلك لسيدتنا أم المؤمنين خديجة قبل أن يعرف الفقه بمعناه الإصطلاحي الحديث، مما يدل على أن الاستنباطات للأدلة هي استنباطات للعقل الفطري السليم البعيد عن الأهواء. إنه يقدر أن يستقرئ الأمر ولابد أن يهتدي، فحين أعلن لها أنه خائف أن يكون الذي أصابه مرض أو مسٌ من الجن رفضت ذلك لأنه يصل الرحم، ويحمل الكلّ، ويعين على نوائب الدهر، وقال له: والله لا يخزيك الله أبداً. إذن فقد جاءت بالمقدمات التي ترشح أن ربنا لا يمكن أن يخذله، وكل المقدمات مفاخر، كلها خلق عظيم، وكلها التقاءات إنسانية قبل أن يأتي منهج السماء، التقاءات إنسانية بالفطرة دون تقدير أو تدبير، وكان هذا أول استنباط فقهي في الإسلام. ولذلك نعرف السر لماذا جعل الله لرسوله أم المؤمنين خديجة أو زوجة له؟ لأنه ستمر به فترة لا يحتاج فيها إلى زوجة فقط. بل إلى ناضجة، ذلك النضج الكامل الذي تستقبل به مسائل النبوة، ولذلك حين يخرج إلى الغار تأتي له حكمة خديجة في الاستنباط قبل أن يوجد فقه الإسلام؟ {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه}؟، وهم قد أصروا على ألا يعلموا على الرغم من أنهم وجدوا منه خصالاً وأشياءً حكموا بوجودها فيه وأنها صفات رسول. {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ} [الأنعام: 124] هنا نجد فجوة انتقالية في الأداء، فمن قبل يتحدث سبحانه عمن يظنون أنهم كبار، فيأتي ليقول: إن الصِّغار سيصيبهم، وليس معنى الصغار الذل والهوان لدى الناس، لا، بل صغار وذل وهوان عند نفس كل منهم ذاتيًّا، فكل منهم سيشعر بالذل أمام نفسه ويستصغر نفسه. كأن الصغار منسوباً إلى عندية الله فهو لا يزول أبداً؛ لأنه لا توجد قوة ثانية تقول لله إن قدرك لن يتحقق. فالصغار والذل والهوان سينزل بهم هم مع كونهم أكابر المجرمين فلن يستطيعوا دفعه عن أنفسهم، وسيصيبهم مع ذلك عذاب شديد. لماذا العذاب الشديد؟ لقد قلنا من قبل: إن العذاب يوصف مرة بأنه أليم، ويوصف مرة أخرى بأنه مهين، ويوصف هنا بأنه شديد. والعذاب المهين الذي تكون فيه ذلة النفس. والعذاب الأليم الذي يكون في البنية؛ لأن الإِنسان له بنية وله معنويات قيمية، فمن ناحية البنية يصيبه العذاب، ومن ناحية المعاني النفسية تصيبه الإِهانة، فهناك من يتعذب لكنك لا تملك أن تهينه ويتحمل المشقة برجولة، ومهما تلقى من الإِهانة فلا تزال نفسه كريمة عليه، مصدقاً لقول الشاعر: شعر : وتجلدي للشامتين أريهمو أني لريب الدهر لا أتضعضعُ تفسير : لذلك ينزل قدر الله بالعذاب على نوعين: عذاب بنية وعذاب قيم، وهذا هو الصغار، والعذاب الشديد، وهو الذي لا يقوى الإِنسان على تحمله، ولم يُنزل الحق العذاب بهؤلاء جزافاً، لكنه بسبب ما كانوا يمكرون، فسبحانه هو القائل: {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [النحل: 118] والحق سبحانه وتعالى حينما عرض هذه القضية عرضها ليبين لنا أنه لم يرغم بقدره خلقاً من خلقه على مسائل الاختيار في التكليف بل أوجد ذلك في إطار: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ..} تفسير : [الكهف: 29] ولكن الإرغام من الحق جاء للأمور القهرية القدرية الكونية الخارجة عن نطاق التكليف، أما أمر التكليف فالله سبحانه وتعالى قال فيمن يرفضون الطاعة: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ} وسبحانه قد أوضح لنا: نحن لم نجعل ذلك قهراً منا لهم دون عمل عملوه باختياره بل إن العذاب والصغار كانا جزاءً لمكرهم. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى لنا بقضية يقع فيها الجدل التبريري لبعض الناس الذين أسرفوا على أنفسهم، ويريدون أن يجعلوا إسرافهم على أنفسهم في الذنوب خاضعا لأن الله أراد منهم ذلك؛ فيقول سبحانه: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ..}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ} وهو أَشَدُّ الذُّلِّ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من غاية جهلهم ونهاية قسوتهم {إِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ} هادية لهم إلى سبيل الرشاد {قَالُواْ} من غاية بغضهم وعنادهم: {لَن نُّؤْمِنَ} بها {حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ} من يدعي أنهم {رُسُلُ ٱللَّهِ} إذ نحن وهم سواء في البشرية وأولى منهم في الرئاسة والنسب، فكيف يؤتى لهم ولم يؤتَ إلينا؟ قل لهم يا أكمل الرسل: الوحي والإيتاء بيد الله يؤتي من يشاء ويمنع ممن يشاء؛ إذ {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} لا يعتبر عنده الرئاسة والنسب بلا تفضلاً على من تفضل من عباده بلا التفات إلى نسبه وحسبه يقدر قابليته واستعداده، المقدر له من عنده في سابق علمه، {أية : وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ}تفسير : [النمل: 70] ويقولون إذ {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} مغرورين على رئاستهم وجهلهم ونسبهم {صَغَارٌ} مذلة وهوان {عِندَ ٱللَّهِ} حين إحضارهم الحساب والجزاء {وَ} بعدما كشف حالهم وحسابهم لهم {عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ} [الأنعام: 124]. وإذا كان الأمر بيد الله من عنده {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ} إلى توحيده {يَشْرَحْ صَدْرَهُ} أي: يفسحه ويوسعه {لِلإِسْلَٰمِ} أي: التفويض والاستسلام إلى حيث رضي بجميع ما قضي له، ومتى رضي بالقضاء يسع الحق فيه فيستولي عليه فيغنيه عن هويته ويبقيه ببقائه السرمدي {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ} عن فسحة توحيده {يَجْعَلْ صَدْرَهُ} الذي من شأنه أن يسع الحق فيه {ضَيِّقاً} ضنكاً {حَرَجاً} في غاية الضيف باستيلاء لوازم الإمكان عليه، إلى حيث تضيق الأرض عليه فيتمنى الصعود إلى عالم الأسباب {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ} أي: يطلب الصعود إلى السماء، ومن غاية احتياجه واضطراره، وهذا مثل يضرب به لمن ضاق عليه طرق معاشه {كَذٰلِكَ} أي: كحال من اضطر إلى الصعود نحو السماء {يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ} أي: خذلان الإمكان والحرمان في النشأة الأخرى {عَلَى} القوم {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] بتوحيد الله وسعة لطفه وجوده. {وَهَـٰذَا} أي: ما أنزلنا إليك يا أكمل الرسل من القرآن المبين لطريق المعرفة والإيقان {صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} لا عوج فيها أصلاً موصلاً إلى توحيده {قَدْ فَصَّلْنَا} وأوضحنا فيما أنزلناه إليك {ٱلآيَاتِ} الدالة على توحيدنا {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [الأنعام: 126] يتعظون بها ويتذكرون مبدأهم الذي ينشئون منه ويظهرون عنه وهو الوحدة الذاتية. {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ} أي: مقام التفويض والاستسلام {عِندَ رَبِّهِمْ} بعدما تحققوا بتوحيده {وَهُوَ} بذاته {وَلِيُّهُمْ} ومولى أمورهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 127] أي: بجميع ما كانوا يعملون من الأعمال؛ إذ هو سمعهم وبصرهم ويدهم ورجلهم وجميع جوارحهم التي صدرت عنها أعمالهم على ما نطق الحديث القدسي صلوات الله وسلامه على قائله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):