٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
125
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله تعالى. واعلم أن هذه الآية كما أن لفظها يدل على قولنا، فلفظها أيضاً يدل على الدليل القاطع العقلي الذي في هذه المسألة، وبيانه أن العبد قادر على الإيمان وقادر على الفكر، فقدرته بالنسبة إلى هذين الأمرين حاصلة على السوية، فيمتنع صدور الإيمان عنه بدلاً من الكفر أو الكفر بدلاً من الإيمان، إلا إذا حصل في القلب داعية إليه، وقد بينا ذلك مراراً كثيرة في هذا الكتاب، وتلك الداعية لا معنى لها إلا علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملاً على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة، فإنه إذا حصل هذا المعنى في القلب دعاه ذلك إلى فعل ذلك الشيء، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن بكون ذلك الفعل مشتملاً على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه، وبينا بالدليل أن حصول هذه الدواعي لا بد وأن يكون من الله تعالى، وأن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل. إذا ثبت هذا فنقول: يستحيل أن يصدر الإيمان عن العبد إلاإذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة زائد المصلحة، وإذا حصل في القلب هذا الاعتقاد مال القلب، وحصل في النفس رغبة شديدة في تحصيله، وهذا هو انشراح الصدر للإيمان. فأما إذا حصل في القلب اعتقاد أن الإيمان بمحمد مثلاً سبب مفسدة عظيمة في الدين والدنيا، ويوجب المضار الكثيرة فعند هذا يترتب على حصول هذا الاعتقاد نفرة شديدة عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، وهذا هو المراد من أنه تعالى يجعل صدره ضيقاً حرجاً، فصار تقدير الآية: أن من أراد الله تعالى منه الإيمان قوى دواعيه إلى الإيمان، ومن أراد الله منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان، وقوى دواعيه إلى الكفر ولما ثبت بالدليل العقلي أن الأمر كذلك، ثبت أن لفظ القرآن مشتمل على هذه الدلائل العقلية، وإذا انطبق قاطع البرهان على صريح لفظ القرآن، فليس وراءه بيان ولا برهان. قالت المعتزلة: لنا في هذه الآية مقامان: المقام الأول: بيان أنه لا دلالة في هذه الآية على قولكم. المقام الثاني: مقام التأويل المطابق لمذهبنا وقولنا. أما المقام الأول: فتقريره من وجوه: الوجه الأول: أن هذه الآية ليس فيها أنه تعالى أضل قوماً أو يضلهم، لأنه ليس فيها أكثر من أنه متى أراد أن يهدي إنساناً فعل به كيت وكيت، وإذا أراد إضلاله فعل به كيت وكيت، وليس في الآية أنه تعالى يريد ذلك أو لا يريده. والدليل عليه أنه تعالى قال: {أية : لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ }تفسير : [الأنبياء: 17] فبين تعالى أنه يفعل اللهو لو أراده، ولا خلاف أنه تعالى لا يريد ذلك ولا يفعله. الوجه الثاني: أنه تعالى لم يقل: ومن يرد أن يضله عن الإسلام، بل قال: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ } فلم قلتم إن المراد ومن يرد أن يضله عن الإيمان. والوجه الثالث: أنه تعالى بين في آخر الآية أنه إنما يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء على كفره، وأنه ليس ذلك على سبيل الابتداء، فقال: {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }. الوجه الرابع: أن قوله: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً } فهذا يشعر بأن جعل الصدر ضيقاً حرجاً يتقدم حصوله على حصول الضلالة، وأن لحصول ذلك المتقدم أثراً في حصول الضلال وذلك باطل بالإجماع. أما عندنا: فلا نقول به. وأما عندكم: فلأن المقتضى لحصول الجهل والضلال هو أن الله تعالى يخلقه فيه لقدرته فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن هذه الآية لا تدل على قولكم. أما المقام الثاني: وهو أن تفسير هذه الآية على وجه يليق بقولنا، فتقريره من وجوه: الأول: وهو الذي اختاره الجبائي، ونصره القاضي، فنقول: تقدير الآية: ومن يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة، يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه، ولا يزول عنه، وتفسير هذا الشرح هو أنه تعالى يفعل به ألطافاً تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه، وفي هذا النوع ألطاف لا يمكن فعلها بالمؤمن، إلا بعد أن يصير مؤمناً، وهي بعد أن يصير الرجل مؤمناً يدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } تفسير : [التغابن: 11] وبقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }تفسير : [العنكبوت: 69] فإذا آمن عبد وأراد الله ثباته فحينئذ يشرح صدره، أي يفعل به الألطاف التي تقتضي ثباته على الإيمان ودوامه عليه فأما إذا كفر وعاند، وأراد الله تعالى أن يضله عن طريق الجنة، فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج. ثم سأل الجبائي نفسه وقال: كيف يصح ذلك ونجد الكفار طيبي النفوس لا غم لهم البتة ولا حزن؟ وأجاب عنه: بأنه تعالى لم يخبر بأنه يفعل بهم ذلك في كل وقت فلا يمتنع كونهم في بعض الأوقات طيبي القلوب. وسأل القاضي نفسه على هذا الجواب سؤالاً آخر فقال: فيجب أن تقطعوا في كل كافر بأنه يجد من نفسه ذلك الضيق والحرج في بعض الأوقات. وأجاب عنه بأن قال: وكذلك نقول ودفع ذلك لا يمكن خصوصاً عند ورود أدلة الله تعالى وعند ظهور نصرة الله للمؤمنين، وعند ظهور الذلة والصغار فيهم، هذا غاية تقرير هذا الجواب. والوجه الثاني: في التأويل قالوا لم لا يجوز أن يقال: المراد فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام؟ أي يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة، لأنه لما رأى أن بسبب الإيمان وجد هذه الدرجة العالية، والمرتبة الشريفة يزداد رغبة في الإيمان، ويحصل في قلبه مزيد انشراح وميل إليه، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة، ففي ذلك الوقت يضيق صدره، ويحرج صدره بسبب الحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنة والدخول في النار قالوا: فهذا وجه قريب واللفظ محتمل له، فوجب حمل اللفظ عليه. والوجه الثالث: في التأويل أن يقال: حصل في الكلام تقديم وتأخير، فيكون المعنى من شرح صدر نفسه بالإيمان فقد أراد الله أن يهديه أي يخصه بالألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان، أو يهديه بمعنى أنه يهديه إلى طريق الجنة، ومن جعل صدره ضيقاً حرجاً عن الإيمان، فقد أراد الله أن يضله عن طريق الجنة، أو يضله بمعنى أنه يحرمه عن الألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان، فهذا هو مجموع كلامهم في هذا الباب. والجواب عما قالوه أولاً: من أن الله تعالى لم يقل في هذه الآية أنه يضله، بل المذكور فيه أنه لو أراد أن يضله لفعل كذا وكذا. فنقول: قوله تعالى في آخر الآية: {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } تصريح بأنه يفعل بهم ذلك الإضلال لأن حرف «الكاف» في قوله: {كَذٰلِكَ } يفيد التشبيه، والتقدير: وكما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره، فكذلك نجعل الرجس على قلوب الذين لا يؤمنون. والجواب عما قالوه ثانياً وهو قوله: ومن يرد الله أن يضله عن الدين. فنقول: إن قوله في آخر الآية: {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } تصريح بأن المراد من قوله: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ } هو أنه يضله عن الدين. والجواب عما قالوه ثالثاً: من أن قوله: {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } يدل على أنه تعالى إنما يلقي ذلك الضيق والحرج في صدورهم جزاء على كفرهم. فنقول: لا نسلم أن المراد ذلك، بل المراد كذلك يجعل الله الرجس على قلوب الذين قضى عليهم بأنهم لا يؤمنون، وإذا حملنا هذه الآية على هذا الوجه، سقط ما ذكروه. والجواب عما قالوه رابعاً: من أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون ضيق الصدر وحرجه شيئاً متقدماً على الضلال وموجباً له. فنقول: الأمر كذلك، لأنه تعالى إذا خلق في قلبه اعتقاداً بأن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب الذم في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فهذا الاعتقاد يوجب إعراض النفس ونفور القلب عن قبول ذلك الإيمان ويحصل في ذلك القلب نفرة ونبوة عن قبول ذلك الإيمان وهذه الحالة شبيهة بالضيق الشديد، لأن الطريق إذا كان ضيقاً لم يقدر الداخل على أن يدخل فيه، فكذلك القلب إذا حصل فيه هذا الاعتقاد امتنع دخول الإيمان فيه، فلأجل حصول هذه المشابهة من هذا الوجه، أطلق لفظ الضيق والحرج عليه، فقد سقط هذا الكلام. وأما الوجه الأول: من التأويلات الثلاثة التي ذكروها. فالجواب عنه: أن حاصل ذلك الكلام يرجع إلى تفصيل الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر، وهذا بعيد، لأنه تعالى ميز الكافر عن المؤمن بهذا الضيق والحرج، فلو كان المراد منه حصول الغم والحزن في قلب الكافر، لوجب أن يكون ما يحصل في قلب الكافر من الغموم والهموم والأحزان أزيد مما يحصل في قلب المؤمن زيادة يعرفها كل أحد، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك، بل الأمر في حزن الكافر والمؤمن على السوية، بل الحزن والبلاء في حق المؤمن أكثر. قال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } تفسير : [الزخرف: 33] وقال عليه السلام: «حديث : خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل»تفسير : . وأما الوجه الثاني: من التأويلات الثلاثة فهو أيضاً مدفوع، لأنه يرجع حاصله إلى إيضاح الواضحات لأن كل أحد يعلم بالضرورة أن كل من هداه الله تعالى إلى الجنة بسبب الإيمان فإنه يفرح بسبب تلك الهداية وينشرح صدره للإيمان مزيد انشراح في ذلك الوقت. وكذلك القول في قوله: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ } المراد من يضله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت فإن حصول هذا المعنى معلوم بالضرورة، فحمل الآية عليه إخراج لهذه الآية من الفائدة. وأما الوجه الثالث: من الوجوه الثلاثة، فهو يقتضي تفكيك نظم الآية، وذلك لأن الآية تقتضي أن يحصل انشراح الصدر من قبل الله أولاً، ثم يترتب عليه حصول الهداية والإيمان، وأنتم عكستم القضية فقلتم العبد يجعل نفسه أولاً منشرح الصدر، ثم إن الله تعالى بعد ذلك يهديه بمعنى أنه يخصه بمزيد الألطاف الداعية له إلى الثبات على الإيمان، والدلائل اللفظية إنما يمكن التمسك بها إذا أبقينا ما فيها من التركيبات والترتيبات فأما إذا أبطلناها وأزلناها لم يمكن التمسك بشيء منها أصلاً، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يمكن التمسك بشيء من الآيات، وإنه طعن في القرآن وإخراج له عن كونه حجة، فهذا هو الكلام الفصل في هذه السؤالات، ثم إنا نختم الكلام في هذه المسألة بهذه الخاتمة القاهرة، وهي أنا بينا أن فعل الإيمان يتوقف على أن يحصل في القلب داعية جازمة إلى فعل الإيمان وفاعل تلك الداعية هو الله تعالى، وكذلك القول في جانب الكفر ولفظ الآية منطبق على هذا المعنى، لأن تقدير الآية فمن يرد الله أن يهديه قوى في قلبه ما يدعوه إلى الإيمان ومن يرد أن يضله ألقى في قلبه ما يصرفه عن الإيمان ويدعوه إلى الكفر، وقد ثبت بالبرهان العقلي أن الأمر يجب أن يكون كذلك، وعلى هذا التقدير: فجميع ما ذكرتموه من السؤالات ساقط، والله تعالى أعلم بالصواب. المسألة الثالثة: في تفسير ألفاظ الآية، أما شرح الصدر ففي تفسيره وجهان: الوجه الأول: قال الليث: يقال شرح الله صدره فانشرح أي وسع صدره لقبول ذلك الأمر فتوسع. وأقول: إن الليث فسر شرح الصدر بتوسيع الصدر، ولا شك أنه ليس المراد منه أن يوسع صدره على سبيل الحقيقة، لأنه لا شبهة أن ذلك محال، بل لا بد من تفسير توسيع الصدر فنقول: تحقيقه ما ذكرناه فيما تقدم ولا بأس بإعادته، فنقول إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إليه، وقويت رغبته في حصوله وحصل في القلب استعداد شديد لتحصيله، فتسمى هذه الحالة بسعة النفس، وإذا اعتقد في عمل من الأعمال أن شره زائد وضرره راجح عظمت النفرة عنه وحصل في الطبع نفرة ونبوة عن قبوله، ومعلوم أن الطريق إذا كان ضيقاً لم يتمكن الداخل من الدخول فيه، وإذا كان واسعاً قدر الداخل على الدخول فيه فإذا حصل اعتقاد أن الأمر الفلاني زائد النفع والخير وحصل الميل إليه، فقد حصل ذلك الميل في ذلك القلب، فقيل: اتسع الصدر له وإذا حصل اعتقاد أنه زائد الضرر والمفسدة لم يحصل في القلب ميل إليه فقيل إنه ضيق فقد صار الصدر شبيهاً بالطريق الضيق الذي لا يمكن الدخول فيه، فهذا تحقيق الكلام في سعة الصدر وضيقه. والوجه الثاني: في تفسير الشرح يقال: شرح فلان أمره إذا أظهره وأوضحه وشرح المسألة إذا كانت مشكلة فبينها. واعلم أن لفظ الشرح غير مختص بالجانب الحق، لأنه وارد في الإسلام في قوله: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ }تفسير : [الزمر: 22] وفي الكفر في قوله: {أية : وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } تفسير : [النحل: 106] قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل له: كيف يشرح الله صدره؟ فقال عليه السلام: «حديث : يقذف فيه نوراً حتى ينفسح وينشرح» تفسير : فقيل له وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ فقال عليه السلام: «حديث : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت» تفسير : وأقول هذا الحديث من أدل الدلائل على صحة ما ذكرناه في تفسير شرح الله الصدر، وتقريره أن الإنسان إذا تصور أن الاشتغال بعمل الآخرة زائد النفع والخير، وأن الاشتغال بعمل الدنيا زائد الضرر والشر، فإذا حصل الجزم بذلك إما بالبرهان أو بالتجربة أو التقليد لا بد وأن يترتب على حصول هذا الاعتقاد حصول الرغبة في الآخرة، وهو المراد من الإنابة إلى دار الخلود والنفرة عن دار الدنيا، وهو المراد من التجافي عن دار الغرور، وأما الاستعداد للموت قبل نزول الموت فهو مشتمل على الأمرين، أعني النفرة عن الدنيا والرغبة في الآخرة. إذا عرفت هذا فنقول: الداعي إلى الفعل لا بد وأن يحصل قبل حصول الفعل، وشرح الصدر للإيمان عبارة عن حصول الداعي إلى الإيمان، فلهذا المعنى أشعر ظاهر هذه الآية بأن شرح الصدر متقدم على حصول الإسلام، وكذا القول في جانب الكفر. أما قوله: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً } ففيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن كثير {ضَيّقاً } ساكنة الياء وكذا في كل القرآن، والباقون مشددة الياء مكسورة، فيحتمل أن يكون المشدد والمخفف بمعنى واحد، كسيد وسيد، وهين وهين ولين ولين، وميت وميت، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم {حَرَجاً } بكسر الراء، والباقون بفتحها قال الفراء: وهو في كسره ونصبه بمنزلة الوجل والوجل، والقرد والقرد، والدنف والدنف. قال الزجاج: الحرج في اللغة أضيق الضيق ومعناه: أنه ضيق جداً، فمن قال: إنه رجل حرج الصدر بفتح الراء فمعناه: ذو حرج في صدره، ومن قال: حرج جعله فاعلاً، وكذلك رجل دنف ذو دنف، ودنف نعت. البحث الثاني: قال بعضهم: الحرج، بكسر الراء الضيق، والحرج بالفتح جمع حرجة، وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية. وحكى الواحدي في هذا الباب حكايتين: إحداهما: روى عن عبيد بن عمير عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال: هل ههنا أحد من بني بكر. قال رجل: نعم. قال: ما الحرجة فيكم. قال: الوادي الكثير الشجر المشتبك الذي لا طريق فيه. فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر. والثانية: روى الواحدي عن أبي الصلت الثقفي قال: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية، ثم قال: ائتوني برجل من كنانة جعلوه راعياً فأتوا به، فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم. قال: الحرجة فينا الشجرة تحدق بها الأشجار فلا يصل إليها راعية ولا وحشية. فقال عمر: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير. أما قوله تعالى: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَاء } ففيه بحثان: البحث الأول: قرأ ابن كثير {يَصْعَدُ } ساكنة الصاد وقرأ أبو بكر عن عاصم {يصاعد} بالألف وتشديد الصاد بمعنى يتصاعد، والباقون { يَصْعَدُ } بتشديد الصاد والعين بغير ألف، أما قراءة ابن كثير {يَصْعَدُ } فهي من الصعود، والمعنى: أنه في نفوره عن الإسلام وثقله عليه بمنزلة من تكلف الصعود إلى السماء، فكما أن ذلك التكليف ثقيل على القلب، فكذلك الإيمان ثقيل على قلب الكافر وأما قراءة أبي بكر {يصاعد} فهو مثل يتصاعد. وأما قراءة الباقين {يَصْعَدُ } فهي بمعنى يتصعد، فأدغمت التاء في الصاد ومعنى يتصعد يتكلف ما يثقل عليه. البحث الثاني: في كيفية هذا التشبيه وجهان: الأول: كما أن الإنسان إذا كلف الصعود إلى السماء ثقل ذلك التكليف عليه، وعظم وصعب عليه، وقويت نفرته عنه، فكذلك الكافر يثقل عليه الإيمان وتعظم نفرته عنه. والثاني: أن يكون التقدير أن قلبه ينبو عن الإسلام ويتباعد عن قبول الإيمان، فشبه ذلك البعد ببعد من يصعد من الأرض إلى السماء. أما قوله: {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } ففيه بحثان: البحث الأول: الكاف في قوله: {كَذٰلِكَ } يفيد التشبيه بشيء، وفيه وجهان: الأول: التقدير أن يجعل الله الرجس عليهم كجعله ضيق الصدر في قلوبهم. والثاني: قال الزجاج التقدير: مثل ما قصصنا عليك، يجعل الله الرجس. البحث الثاني: اختلفوا في تفسير {ٱلرّجْسَ } فقال ابن عباس: هو الشيطان يسلطه الله عليهم وقال مجاهد: {ٱلرّجْسَ } مالا خير فيه. وقال عطاء: {ٱلرّجْسَ } العذاب. وقال الزجاج: {ٱلرّجْسَ } اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة. ولنختم تفسير هذه الآية بما روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال تذاكرنا في أمر القدرية عند ابن عمر. فقال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً، منهم نبينا صلى الله عليه وسلم. فإذا كان يوم القيامة نادى مناد، وقد جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله، فتقوم القدرية وقد أورد القاضي هذا الحديث في تفسيره. وقال: هذا الحديث من أقوى ما يدل على أن القدرية هم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله تعالى قضاء وقدراً وخلقاً، لأن الذين يقولون هذا القول، هم خصماء الله، لأنهم يقولون لله أي ذنب لنا حتى تعاقبنا، وأنت الذي خلقته فينا وأردته منا، وقضيته علينا، ولم تخلقنا إلا له، وما يسرت لنا غيره، فهؤلاء لا بد وأن يكونوا خصماء الله بسبب هذه الحجة أما الذين قالوا: إن الله مكن وأزاح العلة، وإنما أتى العبد من قبل نفسه، فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة، فلا يكونون خصماء الله، بل يكونون منقادين لله هذا كلام القاضي وهو عجيب جداً وذلك لأنه يقال له يبعد منك أنك ما عرفت من مذاهب خصومك أنه ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه، وأن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب، وليس للعبد على الرب اعتراض ولا مناظرة، فكيف يصير الإنسان الذي هذا دينه واعتقاده خصماً لله تعالى. أما الذين يكونون خصماء لله فهم المعتزلة وتقريره من وجوه: الأول: أنه يدعي عليه وجوب الثواب والعوض، ويقول: لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولاً عن الربوبية وصرت من جملة السفهاء، فهذا الذي مذهبه واعتقاده ذلك هو الخصم لله تعالى. والثاني: أن من واظب على الكفر سبعين سنة، ثم إنه في آخر زمن حياته قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب، ثم مات، ثم إن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة والدرجات الزائدة ألف ألف سنة، ثم أراد أن يقطع تلك النعم عنه لحظة واحدة، فذلك العبد يقول: أيها الإله إياك، ثم إياك أن تترك ذلك لحظة واحدة، فإنك إن تركته لحظة واحدة صرت معزولاً عن الإلهية والحاصل: أن إقدام ذلك العبد على ذلك الإيمان لحظة واحدة أوجب على الإله إيصال تلك النعم مدة لا آخر لها، ولا طريق له البتة إلى الخلاص عن هذه العهدة، فهذا هو الخصومة. أما من يقول إنه لا حق لأحد من الملائكة والأنبياء على الله تعالى وكل ما يوصل إليهم من الثواب فهو تفضل وإحسان من الله تعالى، فهذا لا يكون خصماً. والوجه الثالث: في تقرير هذه الخصومة ما حكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن يوماً من الأيام عقد الجبائي مجلس التذكير وحضر عنده عالم من الناس، وذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس، وجلس في بعض الجوانب مختفياً عن الجبائي، وقال لبعض من حضر هناك من العجائز إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد كان في غاية الدين والزهد، والثاني كان في غاية الكفر والفسق، والثالث كان صبياً لم يبلغ، فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم. فقال الجبائي: أما الزاهد، ففي درجات الجنة، وأما الكافر، ففي دركات النار، وأما الصبي، فمن أهل السلامة. قال قولي له: لو أن الصبي أراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد هل يمكن منه. فقال الجبائي: لا لأن الله يقول له إنما وصل إلى تلك الدرجات العالية بسبب أنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذاك فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الصبي حينئذ يقول: يا رب العالمين ليس الذنب لي، لأنك أمتني قبل البلوغ ولو أمهلتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد والدين. فقال الجبائي: يقول الله له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوحب النار، فقبل أن تصل إلى تلك الحالة راعيت مصلحتك وأمتك حتى تنجو من العقاب، فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار، فقال: يا رب العالمين، ويا أحكم الحاكمين، ويا أرحم الراحمين، كما علمت من ذلك الأخ الصغير أنه لو بلغ كفر علمت مني ذلك، فلم راعيت مصلحته وما راعيت مصلحتي؟ قال الراوي: فلما وصل الكلام إلى هذا الموضع انقطع الجبائي. فلما نظر رأى أبا الحسن، فعلم أن هذه المسألة منه، لا من العجوز، ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار أو أكثر من بعد الجبائي فأراد أن يجيب عن هذا السؤال، فقال: نحن لا نرضى في حق هؤلاء الأخوة الثلاثة بهذا الجواب الذي ذكرتم، بل لنا ههنا جوابان آخران سوى ما ذكرتم، ثم قال: وهو مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها، وهي أنه هل يجب على الله أن يكلف العبد أم لا؟ فقال البصريون: التكليف محض التفضل والإحسان، وهو غير واجب على الله تعالى. وقال البغداديون: إنه واجب على الله تعالى. قال: فإن فرعنا على قول البصريين، فلله تعالى أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد، وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلاً على أخيك الزاهد بهذا الفضل أن أكون متفضلاً عليك بمثله وأما إن فرعنا على قول البغداديين فالجواب أن يقال: إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف عليه كان إحساناً في حقه، ولم يلزم منه عود مفسدة إلى الغير فلا جرم فعلته وأما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك كان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك، فلهذا السبب ما فعلت ذلك في حقك فظهر الفرق. هذا تلخيص كلام أبي الحسين البصري سعياً منه في تخليص شيخه المتقدم عن سؤال الأشعري، بل سعياً منه في تخليص إلهه عن سؤال العبد، وأقول قبل الخوض في الجواب عن كلام أبي الحسين صحة هذه المناظرة الدقيقة بين العبد وبين الله، إنما لزمت على قول المعتزلة وأما على قول أصحابنا رحمهم الله فلا مناظرة البتة بين العبد وبين الرب، وليس للعبد أن يقول لربه، لم فعلت كذا؟ أو ما فعلت كذا. فثبت أن خصماء الله هم المعتزلة، لا أهل السنة، وذلك يقوي غرضنا ويحصل مقصودنا، ثم نقول: أما الجواب الأول: وهو أن إطالة العمر وتوجيه التكليف تفضل، فيجوز أن يخص به بعضاً دون بعض. فنقول: هذا الكلام مدفوع، لأنه تعالى لما أوصل التفضل إلى أحدهما، فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح من الله تعالى، لأن الإيصال إلى هذا الثاني، ليس فعلاً شاقاً على الله تعالى، ولا يوجب دخول نقصان في ملكه بوجه من الوجوه، وهذا الثاني يحتاج إلى ذلك التفضل ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد ألا ترى أن من منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجدار لعامة الناس قبح ذلك منه، لأنه منع من النفع من غير اندفاع ضرر إليه، ولا وصول نفع إليه فإن كان حكم العقل بالتحسين والتقبيح مقبولاً، فليكن مقبولاً ههنا، وإن لم يكن مقبولاً لم يكن مقبولاً ألبتة في شيء من المواضع، وتبطل كلية مذهبكم فثبت أن هذا الجواب فاسد. وأما الجواب الثاني: فهو أيضاً فاسد، وذلك لأن قولنا تكليفه يتضمن مفسدة ليس معناه أن هذا التكليف يوجب لذاته حصول تلك المفسدة، وإلا لزم أن تحصل هذه المفسدة أبداً في حق الكل وأنه باطل، بل معناه: أن الله تعالى علم أنه إذا كلف هذا الشخص، فإن إنساناً آخر يختار من قبل نفسه فعلاً قبيحاً، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله تكليفه، فكذلك قد علم من ذلك الكافر أنه إذا كلفه فإنه يختار الكفر عند ذلك التكليف، فوجب أن يترك تكليفه، وذلك يوجب قبح تكليف من علم الله من حاله أنه يكفر، وإن لم يجب ههنا لم يجب هنالك، وأما القول بأنه يجب عليه تعالى ترك التكليف إذا علم أن غيره يختار فعلاً قبيحاً عند ذلك التكليف، ولا يجب عليه تركه إذا علم تعالى أن ذلك الشخص يختار القبيح عند ذلك التكليف، فهذا محض التحكم. فثبت أن الجواب الذي استخرجه أبو الحسين بلطيف فكره، ودقيق نظره بعد أربعة أدوار ضعيف، وظهر أن خصماء الله هم المعتزلة، لا أصحابنا، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} أي يوسعه له، ويوفّقه ويزيّن عنده ثوابه. ويقال: شرح شقّ، وأصله التوسعةُ. وشرح الله صدره وسّعه بالبيان لذلك. وشرحت الأمر: بيّنته وأوضحته. وكانت قريش تَشْرَح النساء شَرحاً، وهو مما تقدّم: من التوسعة والبَسْط، وهو وَطْءُ المرأة مستلقِيَةً على قفاها. فالشّرح: الكشف؛ تقول: شرحت الغامض؛ ومنه تشريح اللحم. قال الراجز:شعر : كَمْ قَد أكلتُ كَبِداً وإنْفَحَهْ ثم ٱدّخَرتُ إِلْيَةً مُشَرَّحَهْ تفسير : والقطعة منه شَريحة. وكل سمين من اللحم ممتدّ فهو شريحة. {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ} يُغوِيه {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} وهذا ردّ على القدرية. ونظير هذه الآية من السُّنَّة قوله عليه السلام: «حديث : مَنْ يُرِد الله به خيراً يفقهه في الدِّين»تفسير : أخرجه الصحيحان. ولا يكون ذلك إلا بشرح الصدر وتنويره. والدين العبادات؛ كما قال: {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}تفسير : [آل عمران: 19]. ودليل خطابه أن مَن لم يُرد الله به خيراً ضيّق صدره، وأبعد فهمه فلم يفقهه. والله أعلم. وروي حديث : أن عبد الله بن مسعود قال: يا رسول الله، وهل ينشرح الصدر؟ فقال: «نعم يدخل القلبَ نورٌ» فقال: وهل لذلك من علامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «التَّجَافِي عن دار الغُرورِ والإنابةُ إلى دار الخلود والاستعدادُ للموت قبل نزول الموت»تفسير : . وقرأ ابن كثير «ضَيْقاً» بالتخفيف؛ مثل هَيْن ولَيْن لغتان. ونافع وأبو بكر «حَرِجاً» بالكسر، ومعناه الضيق. كرر المعنى، وحسن ذلك لاختلاف اللفظ. والباقون بالفتح. جمع حرجة؛ وهو شدّة الضيق أيضاً، والحَرجَة الغَيْضَة؛ والجمع حَرَج وحَرَجات. ومنه فلان يتحرَّج أي يضيِّق على نفسه في تركه هواه للمعاصي؛ قاله الهَرَوِيّ. وقال ٱبن عباس: الحَرَج موضع الشجر الملتف؛ فكأنّ قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي ٱلتفّ شجره. ورُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا المعنى؛ ذكره مكيّ والثعلبِي وغيرهما. وكل ضيّق حَرِجٌ وحَرَج. قال الجوهَرِي: مكان حرِج وحَرَج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية. وقرىء «يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً» و«حَرِجاً». وهو بمنزلة الوَحَد والوَحِد والفَرَد والفَرِد والدنَف والدّنِف؛ في معنًى واحد، وحكاه غيره عن الفراء. وقد حَرِج صدره يَحْرَج حرجاً. والحَرَج الإثم. والحرج أيضاً: الناقة الضامرة. ويقال: الطويلة على وجه الأرض؛ عن أبي زيد، فهو لفظ مشترك. والحَرَج: خشب يُشدّ بعضه إلى بعض يُحمل فيه الموتى؛ عن الأصمعيّ. وهو قول ٱمرىء القيس:شعر : فإمّا تَرَيْنِي في رِحالة جابرٍ على حَرَج كالقَرِّ تَخفقُ أكفانِي تفسير : وربما وضع فوق نعش النساء؛ قال عنترة يصف ظلِيماً:شعر : يتْبَعْن قُلَّةَ رأسِه وكأنّه حَرَج على نَعْش لهنّ مُخَيّم تفسير : وقال الزجاج: الحَرَج: أضيق الضِّيق. فإذا قيل: فلان حَرَج الصدر، فالمعنى ذو حَرَج في صدره. فإذا قيل: حَرِج فهو فاعل. قال النحاس: حرِج ٱسم الفاعل، وحَرَج مصدر وصف به؛ كما يقال: رجل عَدْلٌ ورِضاً. قوله تعالى: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ} قرأه ٱبن كثير بإسكان الصاد مخفَّفاً، من الصعود وهو الطلوع. شبه الله الكافر في نفوره من الإيمان وثِقله عليه بمنزلة من تكلّف ما لا يُطيقه؛ كما أن صعود السماء لا يطاق. وكذلك يصّاعد وأصله يَتَصاعد، أدغمت التاء في الصاد، وهي قراءة أبي بكر والنخَعِي؛ إلا أن فيه معنى فعِل شيء بعد شيء، وذلك أثقل على فاعله. وقرأ الباقون بالتشديد من غير ألف، وهو كالذي قبله. معناه يتكلف ما لا يطيق شيئاً بعد شيء؛ كقولك: يتَجرّع ويتفوّق. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ «كأنما يَتَصَعّد». قال النحاس: ومعنى هذه القراءة وقراءةِ من قرأ يصّعد ويصّاعد واحد. والمعنى فيهما أن الكافر من ضيق صدره كأنه يريد أن يصعد إلى السماء وهو لا يقدِر على ذلك؛ فكأنّه يستدعي ذلك. وقيل: المعنى كاد قلبه يصعد إلى السماء نَبْواً عن الإسلام. {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ} عليهم؛ كجعله ضيق الصدر في أجسادهم. وأصل الرِّجس في اللغة النتن. قال ٱبن زيد: هو العذاب. وقال ٱبن عباس: الرِّجس هو الشيطان؛ أي يسلطه عليهم. وقال مجاهد: الرّجس ما لا خير فيه. وكذلك الرجس عند أهل اللغة هو النتن. فمعنى الآية والله أعلم: ويجعل اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ} أي: ييسره له، وينشطه، ويسهله لذلك، فهذه علامات على الخير؛ كقوله تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} تفسير : [الزمر: 22] الآية، وقال تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} تفسير : [الحجرات: 7] وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ} يقول تعالى: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به، وكذا قال أبو مالك وغير واحد، وهو ظاهر. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المؤمنين أكيس؟ قال: «حديث : أكثرهم ذكراً للموت، وأكثرهم لما بعده استعداداً»تفسير : قال: وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ} قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: «حديث : نور يقذف فيه، فينشرح له، وينفسح» تفسير : قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: «حديث : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت» تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا قبيصة عن سفيان، يعني: الثوري، عن عمرو بن مرة، عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ}، فذكر نحو ما تقدم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفرات القزاز، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا دخل الإيمان القلب، انفسح له القلب وانشرح» تفسير : قالوا: يا رسول الله هل لذلك من أمارة؟ قال: «حديث : نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت» تفسير : وقد رواه ابن جرير عن سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن مرة، عن أبي جعفر، فذكره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن المسوِّر، قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ} قالوا: يا رسول الله ما هذا الشرح؟ قال: «حديث : نور يقذف به في القلب» تفسير : قالوا: يا رسول الله فهل لذلك من أمارة تعرف؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قالوا: وما هي؟ قال: «حديث : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت»تفسير : وقال ابن جرير أيضاً: حدثني هلال بن العلاء، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله: «حديث : إذا دخل النور القلب، انفسح وانشرح» تفسير : قالوا: فهل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: «حديث : الإنابة إلى دار الخلود، والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت» تفسير : وقد رواه من وجه آخر عن ابن مسعود متصلاً مرفوعاً، فقال: حدثني ابن سنان القزاز، حدثنا محبوب ابن الحسن الهاشمي، عن يونس، عن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ} قالوا: يا رسول الله وكيف يشرح صدره؟ قال: «حديث : يدخل فيه النور فينفسح» تفسير : قالوا: وهل لذلك علامة يا رسول الله؟ قال: «حديث : التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت» تفسير : فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يشد بعضها بعضاً، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيقاً حَرَجاً} قرىء بفتح الضاد وتسكين الياء، والأكثرون ضَيَّقاً بتشديد الياء وكسرها، وهما لغتان كهَيْن وهَيِّن، وقرأ بعضهم: حَرِجاً، بفتح الحاء وكسر الراء، قيل: بمعنى آثم، قاله السدي، وقيل: بمعنى القراءة الأخرى: حَرَجاً، بفتح الحاء والراء، وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إليه شيء ما ينفعه من الإيمان، ولا ينفذ فيه. وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً من الأعراب من أهل البادية من مدلج عن الحرجة، فقال: هي الشجرة تكون بين الأشجار، لا تصل إليها راعية، ولا وحشية، ولا شيء، فقال عمر رضي الله عنه: كذلك قلب المنافق، لا يصل إليه شيء من الخير. وقال العوفي عن ابن عباس: يجعل الله عليه الإسلام ضيقاً، والإسلام واسع، وذلك حين يقول: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78] يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق، وقال مجاهد والسدي: ضيقاً حرجاً شاكّاً، وقال عطاء الخراساني: {ضيقاً حرجاً}، أي: ليس للخير فيه منفذ، وقال ابن المبارك عن ابن جريج: ضيقاً حرجاً بلا إله إلا الله، حتى لا تستطيع أن تدخله، {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ} من شدة ذلك عليه. وقال سعيد بن جبير: يجعل صدره ضيقاً حرجاً، قال: لا يجد فيه مسلكاً إلا صعداً. وقال السدي: كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ من ضيق صدره. وقال عطاء الخراساني: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ} يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ} يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه، حتى يدخله الله في قلبه، وقال الأوزاعي: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ}: كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقاً أن يكون مسلماً؟ وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه، يقول: فمثله في امتناعه من قبول الإيمان، وضيقه عن وصوله إليه، مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء، وعجزه عنه؛ لأنه ليس في وسعه وطاقته، وقال: في قوله: {كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} يقول: كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقاً حرجاً، كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله؛ ممن أبى الإيمان بالله ورسوله، فيغويه، ويصده عن سبيل الله، وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: الرجس: الشيطان، وقال مجاهد: الرجس: كل مالا خير فيه، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرجس: العذاب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ } بأن يقذف في قلبه نوراً فينفسح له ويقبله كما ورد في حديث {وَمَن يُرِدْ } الله {أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً } بالتخفيف والتشديد عن قبوله {حَرَجاً } شديد الضيق بكسر الراء صفة، وفتحها مصدر وُصِفَ فيه مبالغة {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ } وفي قراءة «يصَّاعد» وفيهما إدغام التاء في الأصل في الصاد، وفي أخرى بسكونها {فِى ٱلسَّمَاءِ } إذ كُلِّفَ الإِيمان لشدّته عليه {كَذٰلِكَ } الجعل {يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ } العذاب أو الشيطان أي يسلّطه {عَلَى ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ}.
الشوكاني
تفسير : قوله: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } الشرح: الشق وأصله التوسعة، وشرحت الأمر بينته وأوضحته، والمعنى: من يرد الله هدايته للحق يوسع صدره حتى يقبله بصدر منشرح، {وَمَن يُرِدِ } إضلاله {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً } قرأ ابن كثير "ضَيقاً" بالتخفيف مثل هين ولين. وقرأ الباقون بالتشديد وهما لغتان. وقرأ نافع "حَرَجاً" بالكسر، ومعناه الضيق، كرر المعنى تأكيداً، وحسن ذلك اختلاف اللفظ. وقرأ الباقون بالفتح، جمع حرجة، وهي شدة الضيق، والحرجة الغيظة، والجمع حرج وحرجات، ومنه فلان يتحرج: أي يضيق على نفسه. وقال الجوهري: مكان حرج وحرج، أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية، والحرج الإثم. وقال الزجاج: الحرج أضيق الضيق. وقال النحاس: حرج اسم الفاعل، وحرج مصدر وصف به كما يقال: رجل عدل. قوله: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَاء } قرأ ابن كثير بالتخفيف من الصعود، شبه الكافر في ثقل الإيمان عليه، بمن يتكلف ما لا يطيقه كصعود السماء. وقرأ النخعي «يصاعد» وأصله يتصاعد. وقرأ الباقون {يصعد} بالتشديد وأصله يتصعد، ومعناه: يتكلف ما لا يطيق مرة بعد مرة، كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء. وقيل: المعنى على جميع القراءات: كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوّاً على الإسلام، و"ما" في {كأنما} هي المهيئة لدخول كأن على الجمل الفعلية. قوله: {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي مثل ذلك الجعل الذي هو جعل الصدر ضيقاً حرجاً يجعل الله الرجس. والرجس في اللغة: النتن، وقيل هو العذاب، وقيل: هو الشيطان يسلطه الله عليهم. وقيل: هو ما لا خير فيه؛ والمعنى الأوّل هو المشهور في لغة العرب، وهو مستعار لما يحلّ بهم من العقوبة وهو يصدق على جميع المعاني المذكورة. والإشارة بقوله: {وَهَـٰذَا صِرٰطُ رَبّكَ} إلى ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المؤمنين، أي هذا طريق دين ربك لا اعوجاج فيه. وقيل الإشارة إلى ما تقدّم مما يدل على التوفيق والخذلان، أي: هذا هو عادة الله في عباده يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وانتصاب {مُّسْتَقِيماً } على الحال كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدّقًا } تفسير : [البقرة: 91]، {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا } تفسير : [هود: 72] {وَقَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ } أي بيناها وأوضحناها {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } ما فيها، ويتفهمون معانيها. {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبّهِمْ } أي لهؤلاء المتذكرين الجنة، لأنها دار السلامة من كل مكروه، أو دار الرب السلام مدخرة لهم عند ربهم، ويوصلهم إليها {وَهُوَ وَلِيُّهُم} أي ناصرهم، والباء في {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } للسببية أي بسبب أعمالهم. قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } الظرف منصوب بمضمر يقدر متقدماً، أي واذكر يوم نحشرهم أو {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } نقول: { يَامَعْشَر ٱلْجِنَّ } والمراد حشر جميع الخلق في القيامة، والمعشر الجماعة: أي يوم الحشر نقول، يا جماعة الجن {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مّنَ ٱلإنْسِ } أي من الاستمتاع بهم، كقوله: {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} وقيل: استكثرتم من إغوائهم وإضلالهم حتى صاروا في حكم الأتباع لكم فحشرناهم معكم، ومثله قوله: استكثر الأمير من الجنود، والمراد التقريع والتوبيخ، وعلى الأوّل، فالمراد بالاستمتاع: التلذذ من الجن بطاعة الإنس لهم ودخولهم فيما يريدون منهم {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } أما استمتاع الجن بالإنس: فهو ما تقدم من تلذذهم باتباعهم لهم، وأما استمتاع الإنس بالجن فحيث قبلوا منهم تحسين المعاصي، فوقعوا فيها وتلذذوا بها. فذلك هو استمتاعهم بالجن؛ وقيل: استمتاع الإنس بالجن: أنه كان إذا مرّ الرجل بواد في سفره وخاف على نفسه قال: أعوذ بربّ هذا الوادي من جميع ما أحذر، يعني ربه من الجن، ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ ٱلْجِنّ فَزَادوهُمْ رَهَقاً } تفسير : [الجن: 6] وقيل: استمتاع الجن بالإنس: أنهم كانوا يصدقونهم فيما يقولون من الأخبار الغيبية الباطلة، واستمتاع الإنس بالجن: أنهم كانوا يتلذذون بما يلقونه إليهم من الأكاذيب، وينالون بذلك شيئاً من حظوظ الدنيا كالكهان {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا ٱلَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا } أي يوم القيامة اعترافاً منهم بالوصول إلى ما وعدهم الله به مما كانوا يكذبون به. ولما قالوا هذه المقالة أجاب الله عليهم فـ {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ } أي موضع مقامكم. والمثوى: المقام، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر. قوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } المعنى الذي تقتضيه لغة العرب في هذا التركيب أنهم يخلدون في النار في كل الأوقات، إلا في الوقت الذي يشاء الله عدم بقائهم فيها. وقال الزجاج: إن الاستثناء يرجع إلى يوم القيامة، أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدّتهم في الحساب، وهو تعسف، لأن الاستثناء هو من الخلود الدائم، ولا يصدق على من لم يدخل النار، وقيل: الاستثناء راجع إلى النار، أي إلا ما شاء الله من تعذيبهم بغيرها في بعض الأوقات كالزمهرير. وقيل: الاستثناء لأهل الإيمان، و"ما" بمعنى من، أي إلا من شاء الله إيمانه فإنه لا يدخل النار. وقيل المعنى: إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب. وكل هذه التأويلات متكلفة، والذي ألجأ إليها ما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من خلود الكفار في النار أبداً، ولكن لا تعارض بين عام وخاص، لا سيما بعد وروده في القرآن مكرراً كما سيأتي في سورة هود {أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ }تفسير : [هود: 107] ولعله يأتي هنالك إن شاء الله زيادة تحقيق. وقد أخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد الرزاق والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي جعفر المدائني رجل من بني هاشم، وليس هو محمد ابن علي قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: "حديث : نور يقذف فيه فينشرح صدره له وينفسح له"تفسير : ، قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: حديث : الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، عن فضيل نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن الحسن نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، من طرق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله حين نزلت هذه الآية فذكر نحوه. وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً من طريق أخرى. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن النجار في تاريخه عن عبد الله بن المستورد، وكان من ولد جعفر بن أبي طالب قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فذكر نحوه. وهذه الطرق يقوّي بعضها بعضاً، والمتصل يقوّي المرسل، فالمصير إلى هذا التفسير النبويّ متعين. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، كذلك لا يقدر على أن يدخل الإيمان والتوحيد قلبه حتى يدخله الله في قلبه. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه في الآية يقول: من أراد أن يضله يضيق عليه حتى يجعل الإسلام عليه ضيقاً، والإسلام واسع وذلك حين يقول: {أية : وَمَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78] يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ } قال: الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن جابر بن زيد قال: السلام هو الله. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ قال: الله هو السلام، وداره الجنة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مّنَ ٱلإنْسِ } يقول: من ضلالتكم إياهم، يعني: أضللتم منهم كثيراً، وفي قوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } قال: إن هذه الآية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، لا ينزلهم جنة ولا ناراً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فَمَن يُرِِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ} فيه قولان: أحدهما: يهديه إلى نيل الثواب واستحقاق الكرامة. والثاني: يهديه إلى الدلائل المؤدية إلى الحق. {يَشْرَحْ صدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} يعني بشرح الصدر سعته لدخول الأسلام إيه وثبوته فيه كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَشَرْحْ لَكَ صَدْرَك} تفسير : [الشرح: 1]. روى عمرو بن مرة عن أبي جعفر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المؤمنين أكْيَس؟ قال: "حديث : أَكْثَرُهُم ذِكْراً لِلْمَوتِ وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْـتِعْدَاداً " تفسير : قال: وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: "> {فَمَن يُردِ اللَّهُ يَهْدِيَهُ يَشرَحْ صَدْرَهُ للإِسْلاَمِ}، تفسير : قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: "حديث : نُوْرٌ يُقْذَفُ فَيَنْشَرِحُ لَهُ وَيَنفَسِحُ" تفسير : قالوا: فهل لذلك أمارة يُعْرَفُ بها؟ قال: "حديث : الإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الخُلُودِ وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرورِ وَالاسْتِعْدَادِ لِلْمَوتِ قَبْلَ لِقَاءِ المَوتِ" تفسير : وروى ابن مسعود مثل ذلك. ثم قال: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ} فيه قولان: أحدهما: يضله عن الهداية إلى الحق. والثاني: عن نيل الثواب واستحقاق الكرامة. {يَجْعَلُ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} يعني ضيقاً لا يتسع لدخول الإسلام. {حَرَجاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون شديد الصلابة حتى لا يثبت فيه شيء. والثاني: شديد الضيق حتى لا يدخله شيء. والثالث: أن موضعه مُبْيَض. {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: كأنه كُلِّف الصعود إلى السماء في امتناعه عليه وبعده منه. والثاني: كأنه لا يجد مسلكاً لضيق المسالك عليه إلا صعوداً في السماء يعجز عنه. والثالث: كأنه قلبه بالنبو عنه والنفور منه صاعداً إلى السماء. والرابع: كأن قلبه يصعد إلى السماء بمشقته عليه وصعوبته عنده. ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} في الرجس خمسة تأويلات: أحدها: أنه ما لا خير فيه، قاله مجاهد. والثاني: أنه العذاب، قاله ابن زيد. والثالث: السخط، قاله ابن بحر. والرابع: انه الشيطان، قاله ابن عباس. والخامس: أن الرجس والنجس واحد، وهو قول بعض نحويي الكوفة، وحكاه عَلِيُّ بن عيسى. وقد روى قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل الخلاء قال: "حديث : اللهم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ وَالنَّجَسِ الهَبِيثِ الخَبِيثِ الشِّيْطَانِ الرَّجِيمِ ".
ابن عبد السلام
تفسير : {أَن يَهْدِيَهُ} إلى أدلَة الحق، أو إلى نيل الثواب والكرامة {يَشْرَحْ} يوسع. {ضَيِّقاً} لا يتسع لدخول الإسلام إليه {حَرَجاً} شديداً لا يثبت فيه. {أَن يُضِلَّهُ} عن أدلة الحق، أو عن نيل الثواب والكرامة، {يَصَّعَّدُ} كأنما كلف صعود السماء لامتناعه عليه وبعده منه أو لا يجد مسلكاً لضيق المسالك عليه إلا صعوداً إلى السماء يعجز عنه، أو كأن قلبه يصعد إلى السماء لمشقته عليه وصعوبته، أو كأن قلبه بالنفور عنه صاعداً إلى السماء. {الرِّجْسَ} العذاب، أو الشيطان، أو ما لا خير فيه، أو النجس.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} أي الإيمان. يقال: شرح الله صدره فانشرح أي وسعه لقبول الإيمان والخير فتوسع وذلك أن الإنسان إذا اعتقد في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح وربحه ظاهر مال بطبعه إليه وقويت رغبته فيه فتسمى هذه الحالة سعة النفس وانشراح الصدر. وقيل الشرح الفتح والبين ويقال شرح فلان أمره إذا: أوضحه وأظهره. وشرح المسألة إذا كانت مشكلة فأوضحها وبينها فقد ثبت أن للشرح معنين: أحدهما: الفتح ومنه يقال شرح الكافر بالكفر صدراً أي فتحه لقبوله ومنه قوله تعالى:{أية : ولكن من شرح بالكفر صدراً}تفسير : [النحل: 106] وقوله: {أية : أفمن شرح الله صدره للإسلام}تفسير : [الزمر: 22] يعني فتحه ووسعه لقبوله. والثاني: أن الشرح نور يقذفه الله في قلب العبد فيعرف بذلك النور الحق، فيقبله وينشرح صدره له ومعنى الآية: {فمن يرد الله أن يهديه للإيمان بالله} وبرسوله وبما جاء به من عنده يوفقه له ويشرح صدره، لقبوله ويهونه عليه ويسهله له بفضله وكرمه ولطفه به وإحسانه إليه فعند ذلك يستنير الإسلام في قلبه فيضيء به ويتسع له صدره ولما نزلت هذه الآيةحديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال "نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح" قيل فهل لذلك أمارة قال: "نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت" تفسير : وأسنده الطبري عن ابن مسعود قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه هذه الآية:{أية : فمن يريد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام}تفسير : [الأَنعام: 125] قال حديث : "إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح" قالوا فهل لذلك من آية يعرف بها؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت" تفسير : وقوله تعالى: {ومن يرد} أي الله {أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً} يعني يجعل صدره ضيقاً حتى لا يدخله الإيمان، وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ، وقال ابن عباس: إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وإذا سمع ذكر الأصنام ارتاح إلى ذلك. وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية وعنده أعرابي من كنانة فقال له: ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير. وأصل الحرج الضيق وهو مأخوذ من الحرجة وهي الأشجار الملتف بعضها على بعض حتى لا يصل إليه شيء. وقرأ ابن عباس هذه الآية فقال: هل هنا أحد من بني بكر؟ قال رجل: نعم. قال: ما الحرجة فيكم؟ قال: الوادي الكثير الشجر المستمسك الذي لا طريق فيه، فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر. قال أهل المعاني: لما كان القلب محلاً للعلوم والاعتقادات وصف الله تعالى قلب من يريد هدايته بالإنشراح والانفساح ونوره فقبل ما أودعه من الإيمان بالله ورسوله ووصف قلب من يريد ضلالته بالضيق الذي هو خلاف الشرح والانفساح فدل ذلك على أن الله تعالى صير قلب الكافر بحيث لا يعي علماً ولا استدلالاً على توحيد الله تعالى والإيمان به وفي الآية دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة الله وإرادته حتى إيمان المؤمن وكفر الكافر. وقوله تعالى: {كأنما يصعد في السماء} يعني أن الكافر إذا دعي إلى الإسلام كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء ولا يقدر على ذلك، وقيل: يجوز أن يكون المعنى كأن قلب الكافر يصعد إلى السماء نبواً عن الإسلام وتكبراً، وقيل: ضاق عليه المذهب فلم يجد إلا أن يصعد إلى الماء وليس يقدر على ذلك، وقيل: هو من المشقة وصعوبة الأمر فيكون المعنى أن الكافر إذا دعي إلى الإسلام فإنه يتكلف مشقة وصعوبة في ذلك كمن يتكلف إلى السماء وليس يقدر على ذلك {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} الكاف في كذلك تفيد التشبيه وفيه وجهان: الأول معناه أن جعله الرجس عليهم كجعله صدورهم ضيقة حرجة والمعنى كما جعلنا صدورهم ضيقة حرجة كذلك يجعل الله الرجس عليهم. والوجه الثاني: قال الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك كذلك يجعل الله الرجس. قال ابن عباس: الرجس الشيطان أي فيسلطه الله عليهم، وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه. وفي رواية عن ابن عباس أن الرجس العذاب، وقال الزجاج: الرجس في الدنيا اللعنة وفي الآخرة العذاب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ...} الآية: {مَنْ}: شَرْطٌ، و {يَشْرَحْ} جوابُ الشرط. والآيةُ نصٌّ في أن اللَّه تعالى يريدُ هدى المؤمن، وضلالَ الكافر، وهذا عند جميعِ أهْل السنَّة بالإرادةِ القديمةِ التي هي صفةُ ذاته تبارك وتعالَىٰ، والهُدَىٰ هنا: هو خَلْق الإيمان في القَلْبِ، وشَرْحُ الصدرِ: هو تسهيلُ الإيمان، وتحبيبُه، وإعدادُ القَلْبِ لقبولِهِ وتحصيلِهِ، والصَّدْر: عبارةٌ عن القلب، وفي {يَشْرَحْ} ضمير يعود على اسم اللَّهِ عزَّ وجلَّ يَعْضُدُهُ اللفظ والمعنَىٰ، ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، والقولُ بأنه عائدٌ على «المَهْدِيِّ» ـــ قولٌ يتركَّب عليه مذهب القَدَريَّة في خَلْق الأعمال، ويجبُ أن يُعتقد ضَعْفُهُ، والحَذَرُ منه، ورُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم «حديث : أنه لَمَّا نزلَتْ هذه الآية، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُشْرَحُ الصَّدْرُ؟ قَالَ: إذَا نَزَلَ النُّورُ فِي القَلْبِ، ٱنْشَرَحَ لَهُ الصَّدْرُ، وٱنْفَسَحَ، قَالُوا: وَهَلْ لِذَلِكَ عَلاَمَةٌ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمِ، الإنَابَةُ إلَىٰ دَارِ الخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ، قَبْلَ المَوْتِ»تفسير : ، والقول في قوله: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ} كالقول في قوله: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ}، وقرأ حمزة وغيره: «حَرَجاً» ـــ بفتح الراء ـــ، وروي أن عمر بن الخطاب (رضي اللَّه عنه) قرأها يوماً بفتح الراء، فقرأها له بعضُ الصَّحابة بكَسْر الراء، فقال: ٱبْغُونِي رجُلاً من كِنَانَةَ، وليكنْ رَاعياً، وليكُنْ من بني مدلج، فلما جاء، قال له: يَا فَتَىٰ، مَا الحَرِجَةُ عنْدَكُمْ؟ قال الشَّجَرَةُ تكُونُ بَيْن الأشجار لا تَصِلُ إليها راعيَةٌ ولا وَحْشِيَّة، قال عمر: كذلِكَ قَلْبُ المنافق لا يَصِلُ إليه شَيْءٌ من الخير. وقوله سبحانه: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَاءِ}، أي: كأنَّ هذا الضَّيِّقَ الصَّدْرِ متَىٰ حاول الإيمان أو فكَّر فيه، يجد صعوبته عليه، والعياذُ باللَّه، كصعوبةِ الصُّعود في السماء، قاله ابن جُرَيْج وغيره، و {فِي ٱلسَّمَاءِ}، يريد: مِنْ سفل إلى علوٍ، وتحتمل الآية أنْ يكون التشبيهُ بالصاعدِ في عَقَبَةٍ كَئُود؛ كأنه يَصْعَدُ بها في الهواء، ويَصْعَدُ: معناه: يعلو، ويَصَّعَّدُ: معناه: يتكلَّف من ذلك ما يشقُّ عليه. وقوله: {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ}، أي: وكما كان الهدَىٰ كله من اللَّه، والضلال بإرادته تعالَىٰ ومشيئته؛ كذلك يجعل اللَّه الرجْسَ، قال أهل اللغة: الرجْسُ يأتي بمعنى العَذَابِ، ويأتي بمعنى النَّجَس. وقوله تعالى: {وَهَـٰذَا صِرٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} الآية: هذا إشارة إلى القرآن والشرْعِ الذي جاء به نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ قاله ابن عباس، و {فَصَّلْنَا}، معناه: بيَّنا وأوضحنا. وقوله سبحانه: {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}، أي: للمؤمنين، والضمير في قوله: {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ} عائد عليهم، والسَّلام: يتجه أن يكون ٱسماً من أسماء اللَّه عزَّ وجلَّ، ويتجه أن يكون مصدراً بمعنى السلامة. وقوله تعالى: {عِندَ رَبِّهِمْ} يريد في الآخرة بعد الحشر، ووليُّهم، أي: وليُّ الإنعام عليهمْ، و {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، أي: بسَبَبِ ما كانوا يُقَدِّمون من الخير، ويفعلون من الطاعة والبر. وقوله سبحانه: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلإنْسِ}، والمعنى: وٱذكر يَوْمَ، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره: نقول: يا معشر الجنِّ، وقوله: {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم}: معناه: أفرطتم، و {مِّنَ ٱلإنْسِ}: يريد: في إضلالهم وأغوائهم؛ قاله ابن عباس وغيره، وقال الكُفَّار من الإنْس، وهم أولياء الجنِّ الموبَّخين؛ على جهة الاعتذار عن الجنِّ: {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}، أي: انتفع؛ وذلك كٱستعاذتهم بالجنِّ؛ إذ كان العربيُّ إذا نزل وادياً، ينادي: يا رَبَّ الوادِي، إنِّي أستجيرُ بك في هذه الليلة، ثم يَرَىٰ سلامته إنما هي بحفْظِ جَنِّيِّ ذلك الوادِي، ونحو ذلك، وبلوغُ الأجَلِ المؤجَّلِ: هو الموتُ، وقيل: هو الحشر. وقوله تعالى: {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ...} الآية: إخبارٌ من اللَّه تعالَىٰ عما يقولُ لهم يوم القيامة إثْرَ كلامهم المتقدِّم، و {مَثْوَاكُمْ}، أي: مَوْضِعُ ثَوَائكُمْ؛ كَمُقَامِكُمُ الذي هو مَوْضِعُ الإقامة؛ قاله الزَّجَّاج، والاستثناءُ في قوله: {إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ} قالتْ فرقة: «مَا» بمعنى «مَنْ»، فالمراد: إلا مَنْ شاء اللَّه مِمَّنْ آمن في الدنيا بعد، إن كان مِنْ هؤلاء الكَفَرة، وقال الطبريُّ: إن المستثنَىٰ هي المُدَّة التي بَيْنَ حشرهم إلى دخولهم النار، وقال الطبريُّ، عن ابن عباس: إنه كان يتأوَّل في هذا الاستثناء؛ أنه مبلغ حالِ هؤلاء في علْمِ اللَّه، ثم أسند إليه أنه قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحَدٍ أنْ يحكم على اللَّه في خَلْقه لا يُنْزِلُهم جنَّةً ولا ناراً. قال * ع *: والإجماع على التخليد الأبديِّ في الكُفَّار، ولا يصحُّ هذا عن ابن عباس (رضي اللَّه عنه). قال * ص *: {إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ}: قيل: ٱستثناء منقطعٌ، أي: لكِنْ ما شاء اللَّه مِنَ العذابِ الزائِدِ على النَّار، وقيل: متصلٌ، واختلفوا في تقديره، فقيل: هو ٱستثناءٌ مِنَ الأشخاصِ، وهم مَنْ آمن في الدنيا، ورُدَّ بأنه يختلف زمان المستثنَىٰ والمستثنَىٰ منه، فيكون منقطعاً لا متصلاً؛ لأنَّ مِنْ شرط المتصل ٱتِّحادَ زمانَيِ المُخْرَجِ والمُخْرَجِ منه. انتهى، وقيل غير هذا. وقوله سبحانه: {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً}، قال قتادة: معناه: نجعل بعضهم وليَّ بعض في الكفر والظلم، وقال أيضاً: المعنى نجعلُ بعضهم يَلِي بعضاً في دخول النار، وقال ابن زيد: معناه: نسلِّط بعض الظالمين علَىٰ بعض، ونجعلهم أولياء النقمة منهم. قال * ع *: وقد حفظ هذا في ٱستعمال الصحابة والتابعين؛ كقول ابن الزُّبَيْر: أَلاَ إنَّ فَمَ الذِّبَّانِ قَتَلَ لَطِيمَ الشَّيْطَانِ؛ وَ{كَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.
ابن عادل
تفسير : قال المفَسِّرُون: لمَّا نزلت هذه، حديث : سُئِل رسُول الله صلى الله عليه وسلم عن شَرْح الصَّدر، قال: "نُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ - تعالى - في قَلْبِ المُؤمِن، فَيَنْشَرحُ لهُ ويَنْفَسِحُ" قيل: فَهْل لذلك أمَارَةٌ. قال: "نَعَم، الإنَابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجَافِي عن دَارِ الغُرُور، والاسْتِعْداد للموت قبل نُزُولِهِ" ". تفسير : قوله: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ} كقوله: {أية : مَنْ يَشإِ اللهُ يُضْلِلْه} تفسير : [الأنعام:39] و "مَنْ" يَجُوزُ أن تكُون مَرْفُوعة بالابتداء، وأن تكون مَنْصُوبَةً بمقدَّرٍ بَعْدَهَا على الاشْتِغَال، أي: مَنْ يُوَفِّق اللَّه يُرِدْ أن يَهْدِيَهُ، وأنْ تكون مَنْصُوبَةً بمقدَّرٍ بَعْدَهَا على الاشْتِغَال، أي: مَنْ يُوَفِّق اللَّه يُرِدْ أن يَهْدِيَهُ، و "أنْ يَهْدِيَهُ" مَفْعُول الإرادَة، والشَّرْح: البَسْطُ والسَّعَة، قاله الليث. وقال ابن قُتَيْبَة: "هو الفَتْحُ, ومنه: شَرَحْتُ اللًّحم، أي: فَتَحْتُه" وشرح الكلام: بَسَطَهَ وفتح مغْلَقَه، وهو استِعَارةٌ في المَعانِي، حَقِيقَةٌ في الأعْيَان. و "للإسْلام" أي: لِقُبُولِهِ. قوله: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً}. يجُوز أن يَكُون الجَعْلُ هنا بمعْنَى التَّصْيير، وأن يَكُون بمَعْنَى الخَلْقِ، وأن يكون يمعنى سَمًّى، وهذا الثًّالثُ ذهب إليه المعتزلة، كالفارسي وغيره من مُعْتَزِلَة النُّحَاةِ؛ لأن الله - تعالى - لا يُصَيِّر ولا يَخْلُق أحَداً كذا، فعلى الأوًّلِ يكون "ضَيِّقاً" مَفْعُولاً ثانياً عند مَنْ شدًّدَ يَاءَهُ، وهم العَامَّة غَيْر ابن كثير، وكذلك عند مَنْ خَفًّفَها سَاكِنَةً، ويكون فِيهِ لُغتانِ: التًّثقيل والتَّخْفِيفُ؛ كميِّت ومَيْت، وهيِّن وهَيْن. وقيل: المخَفًّف مصدرُ ضاقَ يَضِيقُ ضيقاً، كقوله - تعالى -: {أية : وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ} تفسير : [النحل:127]، يقال: ضَاقَ يضيقُ وضِيْقاً بفتح الضًّادِ وكَسْرِها. وبالكَسْر قرأ ابن كثير في النحل والنَّمْل، فعلى جعله مصدراً يَجِيءُ فيه الأوْجُه الثلاثة في المصدرِ الواقع وَصْفاً لـ "جُثًّة"، نحو: "رجُلٌ عَدْلٌ" وهي حَذْفُ مُضَافٍ، والمُبَالغَة، أوْ وُقُوعه مَوْقع اسْم الفاعل، أي: يَجْعَلُ صدره ذا ضيق، أو ضَائِقاً، أو نَفْس الضِّيق؛ مُبالغةً، والذي يَظْهَرُ من قراءة ابن كثير: أنه عِنْدهُ اسم صِفَةٍ مخَفًّف مِن "فَيْعل" وذلك أنَّه اسْتَغْرَب قراءَتَهُ في مَصْدَر هذا الفِعْلِ، دُون الفَتْح في سُورة النًّحْل والنًّمْل، فَلَوْ كان هذا عِنْدَهُ مَصْدَراً، لكان الظَّاهرُ في قراءته الكَسْرَ كالموضِعَيْنِ المُشَارِ إليْهما، وهذا من مَحَاسِنِ علم النَّحْو والقراءاتِ، والخلافُ الجَارِي هُنَا جارٍ في الفُرقَانِ. وقال الكسائي: "الضَّيِّق بالتًّشْديد في الأجْرَام، وبالتًّخْفيف في المَعَانِي". ووزن ضيِّق: "فَيْعل" كميِّت وسيِّد عند جُمْهُور النَّحْويِّين ثم أدْغِم، ويجوز تَخْفِيفُه كما تقدَّم تَحْريرُه. قال الفَارِسي: "والياءُ مثل الواوِ في الحَذْفِ وإن لم تَعْتَلَّ بالقَلْبِ كما اعتَلَّتِ الواوُ، أتْبعَتِ اليَاءُ الواو في هذا؛ كما أتبعت في قولهم: "أتَّسَرَ" من اليُسْر، فجُعِلَتْ بمنزلة اتَّعَدَ". وقال ابن الأنْبَاريّ: "الذي يُثَقِّل اليَاء يقول: وَزْنُه من الفِعْل "فَعِيل" والأصْل فيه ضَييق على مِثَال كَريم" و "نَبِيل" فجعلُوا اليَاءَ الأولى ألِفاً؛ لتحرُّكِها وانْفِتَاح ما قَبْلَها من حَيْثُ أعَلُّوا ضَاقَ يَضِيقُ، ثم أسْقَطُوا الألِفَ بِسُكُونها وسُكُون ياء "فَعِيل" فأشْفَقُوا مِنْ أنْ يَلْتَبِس "فَعِيل" بـ "فَعْل" فزادوا ياء على الياءِ ليكمل بها بِنَاء الحَرْفِ، ويقعُ فيها فَرْقٌ بين "فَعِيل" و "فَعْل". والذين خَفًّفُوا اليَاءَ قالوا: "أمِن اللَّبس؛ لأنَّه قد عُرِفَ أصْلُ هذا الحرفِ، فالثِّقَةُ بمعْرِفته مَانِعَةٌ من اللَّبْسِ". وقال البصريون [وزنه من الفِعْل "فَيْعِل"، فأدْغِمَت الياءُ في الَّتِي بَعْدَهَا، فَشُدِّدَ ثم جَاءَ التَّخْفِيفُ، قال: وقد ردَّ الفَرَّاءُ وأصْحَابَهُ هذا على الَبصْريِّين] وقالوا: "لا يُعْرَفُ في كلام العربِ اسمٌ على وَزن "فَيْعِل" يَعْنُون: بكسر العيْنِ، إنما يُعْرَف "فَيْعَل" يعنون: بفتحها، نحو: "صَيْقَل" و "هَيْكَل" فمتى ادّعَى مُدَّع في اسْم مُعْتَل ما لا يُعْرَفُ في السَّالِم، كانت دَعْوَاهُ مردُودَةً" وقد تقدَّم تحْرِيرُ هذه الأقوال عِنْد قوله - تبارك وتعالى -: {أية : أَوْ كَصَيِّبٍ} تفسير : [البقرة:19] فليُراجَعْ ثَمًّةَ. وإذا قُلْنَا: إنَّهُ مُخَفًّفٌ من المشدَّدِ؛ فهل المَحْذُوفُ اليَاء الأولى أو الثَّانِيَة" خِلافٌ مرَّت له نَظَائِرُهُ. وإذا كانت "يَجْعَل" بمعنى: يَخْلُق، فيكون "ضَيِّقاً" حالاً، وإن كانَتْ بمعنى "سَمًّى"، كانَتْ مفعُولاً ثانياً، والكلام عليه بالنِّسْبَة إلى التَّشْدِيد والتَّخْفِيف، وتقدير المَعَانِي كالكلام عليه أوّلاً. و"حَرَجاً" و "حَرِجاً" بفتح الرَّاء وكَسْرها: هو المُتزايد في الضِّيق، فهُو أخَصُّ من الأوَّل، فكل حَرَج من غير عَكْس، وعلى هَذَا فالمَفْتُوح والمكْسُور بمَعْنًى واحد، يقال "رَجُل حَرِجٌ وحَرَجٌ" قال الشَّاعر: [الرجز] شعر : 2307- لا حَرِجُ الصَّدْرِ ولا عَنِيفُ تفسير : قال الفراء - رحمه الله -: هو في كَسْرِه ونَصْبِه بمَنْزِلَة "الوَحَد" و "الوحِد"، و "الفَرَد" و "الفَرِد" و "الدَّنَف" و "الدَّنِف". وفرَّق الزَّجَّاج والفارسيَّ بينهُمَا فقالا: "المَفْتُوح مَصْدر، والمكْسُور اسْمُ فَاعِل". قال الزَّجَّاج: "الحَرَجُ أضْيَقُ الضِّيقِ، فَمَنْ قال: رَجُلٌ حَرَجٌ - يعني بالفَتْح - فمعناه: ذُو حَرَجٍ في صَدْرِهِ، ومن قال حَرِجٌ - يعني بالكَسْر - جعله فَاعِلاً، وكذلك دنَف ودَنِف". وقال الفارسي: "مَنْ فتح الرَّاء، كان وصْفاً بالمصدر، نحو: قَمَنْ وحَرَى ودنَف، ونحو ذلك من المصادرِ التي يُوصَفُ بها، ولا تكُون "كَبَطَل" لأن اسْم الفاعل في الأمْر العَام إنَّما على فَعِل". ومن قرأ "حَرِجاً" - يعني بكسْر الرَّاء - فهو مثل "دَنِف وفَرِق بكَسْر العَيْن". وقيل: "الحَرَجُ" بالفَتْح جمع حَرَجَة؛ كقَصَبَة وقَصَب، والمكْسُور صِفَة؛ كدَنِف وأصل المادَّة من التَّشَابُك وشِدَّة التَّضَايُقِ، فإنَّ الحَرَجة غَيْضَة من شَجَر السَّلَم ملتفة لا يَقْدِرُ أحَدٌ أن يَصِل إليها. قال العجَّاج: [الرجز] شعر : 2308 - عَايَنَ حَيًّا كَالحِرَاجِ نَعَمُهْ تفسير : الحِراج: جَمْع حِرْج، وحِرْج جَمْع حَرَجَة، ومن غَريب ما يُحكَى: أن ابْن عَبَّاسٍ قرأ هذه الآية، فقال: هل هُنَا أحَدٌ من بَنِي بَكْرِ؟ فقال رَجُلٌ: نعم، قال: ما الحَرَجَة فِيكُم؟ قال: الوَادِي الكَثِير الشًّجَر المسْتَمْسِكُ؛ الذي لا طريقَ فيه. فقال ابن عبَّاس: "فَهَكَذَا قَلْبُ الكَافِرِ" هذه رواية عُبَيْد بن عُمَيْر. وقد حَكَى أبو الصَّلْت الثَّقْفِي هَذِهِ الحِكَايَة بأطْوَل مِنْ هذا، عن عُمَر بن الخطابِ، فقال: قرأ عُمِر بن الخطَّابِ هذه الآية فقال: "ابْغُونِي رَجُلاً من بَنِي كِنَانَة، واجْعَلُوه راعِياً" فأتوهُ به، فقال لَهُ عُمر: "يا فتى ما الحَرَجَةُ فِيكُم"؟ قال: "الحَرَجَةُ فِينَا الشًّجَرةُ تُحْدِقُ بها الأشْجَارٌ فلا تَصِلُ إليها رَاعِيةٌ ولا وَحْشيَّةٌ". فقال عُمَر - رضي الله عنه -: "وكذلك قُلْبُ الكافر لا يَصِلُ إليه شيءٌ من الخَيْرِ". وبعضهُم يحْكِي هذه الكاية عن عُمر - رضي الله عنه - كالمُنْتَصِر لمن قَرأ بالكَسْرِ قال: قرَأهَا بَعْضُ أصْحَاب عُمَر له بالكَسْر، فقال: "ابْغُوني رجلاً من كِنَانَة رَاعِياً، وليَكُن من بني مُدْلج". فأتوه به، فقال: "يا فَتَى، ما الحَرَجَةُ تكُون عِنْدكُم"؟ فقال: "شَجَرَةٌ تكُون بيْن الأشْجَار لا يَصِلُ إلَيْهَا رَاعِيَة ولا وَحِشِيَّة". فقال: كذلِك قَلْبُ الكَافِر، لا يَصلُ إليه شيءٌ [من الخَيْرِ]. قال أبو حيَّان: "وهذا تَنْبِيه - والله أعلم - على اشْتِقَاقِ الفِعْل من اسْم العَيْن "كاسْتَنْوقَ واستَحَجَر". قال شهاب الدين: لَيْس هذا من بابِ اسْتَنْوَقَ واسْتَحْجَرَ في شَيْءٍ؛ لأن هذا مَعْنًى مستَقِلٌّ، ومادَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُتَصَرِّفَة، نحو: "حَرِجَ يَحْرَجُ فهو حَرِجٌ وحَارِجٌ" بخلاف تِيكَ الألفاظ، فإنَّ معناها يُضْطَرُّ فيه إلى الأخْذِ من الأسْمَاء الجَامِدَة، فإن مَعْنَى قولك: استَنْوَقَ الجمل، أي: "صار كالنَّاقِة"، واسْتَحْجر الطِّين, أي: "صار كاحجر", وليس لنا مادَّة مُتصرِّفَة إلى صِيَغ الأفْعَالِ من لَفْظِ الحَجَر والنَّاقَةِ، وأنْتَ إذا قُلْتَ: حَرِج صَدْرُه لَيْس بِكَ ضَرورَة أن تَقُول: "صار كالحَرَجَةِ" بل مَعْنَاه: "تَزايد ضِيقُه"، وأما تَشْبِيهُ عُمَر بن الخطَّاب، فلإبْرَازه المَعَانِي في قوالِبِ الأعْيَانِ؛ مبالغة في البيانِ. وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم: "حَرِجاً" بكَسْر الراء والباقون: بفتحها وقد عُرِفَا، فأمّا على قراءةِ الفَتْح، فإن كان مَصْدراً، جاءت فيه الأوْجُهُ الثلاثة المتقدِّمَة في نَظَائِرِه، وإن جُعِلَ صِفَة فلا تأويلَ. ونَصْبُه على القراءتَيْن: إمَّا على كونِهِ نَعْتاً لـ "ضَيِّقاً"، وإمَّا على كَوْنه مَفْعُولاً به تعدَّد، وذلك أنَّ الأفْعَال النَّواسِخَ إذا دَخَلَت على مُبْتَدأ وخبر، كان الخبرانِ على حَالِهما، فكما يَجُوز تعدُّدُ الخبر مُطْلقاً أو بتَأويل في المبتدأ والخبَرِ الصَّريحَيْن، كذلك في المَنْسُوخَيْن حين تَقُول: "زَيْدٌ كَاتِبٌ شَاعِرٌ فقيهٌ" ثم تقُول: ظنَنْتُ زيداً كِاتِباً شاعراً فِقِيهاً، فتقول: "زَيْداً" مَفْعُول أوَّل، "كاتباً" مَفْعُول ثانٍ، "شَاعِراً" مفعول ثالث، "فَقِيهاً" مَفْعُول رَابع؛ كما تَقُول: خبر ثانٍ وثالث ورابع ولا يَلْزَمُ من هذا أن يتعدًّى الفِعْل لثلاثة ولا أرْبَعَة؛ لأن ذلك بالنِّسْبَة إلى تَعَدُّد الألْفَاظِ، فلِيْس هذا كقولك في: أعْلَمْتُ زيداً عمراً فاضلاً، إذ المَفْعُول الثُّالِثُ هناك لَيْس متكَرِّراً لشَيْء واحِدٍ؛ وإنما بَيًّنْتُ هذا لأن بَعْضَ النَّاسِ وهم في فَهْمِه، وقد ظَهَر لك ممَّا تقدَّم أن قوله: "ضيِّقاً حَرَجاً" ليس في تكْرَار. وقال مَكِّي: "ومعنى حَرِجٌ - يعني بالكَسْرِ- كمعنى ضيِّق، كرِّر لاخْتِلاف لفْظِه للتأكيد". قال شهاب الدِّين: إنما يكون للتَّأكيد حيث لم يَظْهَر بَيْنَها فَارِقٌ فَتَقُول: كُرِّر لاخْتِلاف اللًّفْظِ؛ كقوله: {أية : صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} تفسير : [البقرة:157] وكقوله: [الوافر] شعر : 2309- ................... وَألْقَى قَوْلَهَا كَذِباً ومَيْنَا تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 2310- .................... وهِنْدٌ أتَى مِنْ دُونهَا النَّأيُ والبُعْدُ تفسير : وأما هُنَا فقد تقدَّم الفَرْقُ بالعُمُوم والخُصُوصِ أو غير ذَلِك. وقال أبُو البقاء: "وقيل: هو جَمْع "حَرَجَة" مثل قصبة وقَصَب، والهاءُ فيه للمُبالغَة". قال شهاب الدين: "ولا أدْري كَيْفَ توهَّم كَوْنَ هذه الهاء الدَّالَّة على الوَحْدَةِ في مُفْرِدَ أسْمَاء الأجْنَاسِ؛ كثمرة وبُرَّة ونَبِقَة للمُبالغة، كَهِي في رَاويةٍ ونَسَّابَة وفرُوقة؟ فصل في الدلالة من الآية تمسَّك أهل السُّنَّةِ بهذه الآية الكَريمة في أن الهِدَاية والضَّلال مِنَ اللَّه - تعالى -؛ لأن لَفْظَهَا يدلُّ على المسألةِ، ويدل على الدَّليلِ العَقْلِيّ المقتدّم في المسألةِ وهو العِلْمُ والدَّاعِي، وبيانُه أن العَبْد قَادِرٌ على الإيمانِ والكُفْر، وقُدْرَتُه بالنِّسْبَة إلى هَذَيْن الأمْرَيْن على السَّويَّة، فيمتنع صُدُور الإيمان عَنْهُ بدلاً من الكُفْر، أو الكُفْر بدلاً من الإيمانِ، إلاَّ إذا حَصَلَ في القَلْبِ دَاعِيَةٌ إلَيْه، وتلك الدَّاعِيَةُ لا مَعْنَى لها، إلاَّ عِلْمُه أو اعتِقَادُه أو طَنُّه بِكَون ذلك الفِعْلِ مُشْتِمَلاً على مَصْلَحةٍ زائدة، ومَنْفَعَةٍ رَاجَحَة، فإذا حصل هذا المَعْنَى في قِلْبِهِ، دَعَاه ذَلِكَ إلى فِعْل ذلك الشَّيْء، وإن حَصَلَ في القَلْب عِلْمٌ أو اعْتِقَادٌ أوْ ظَنٌّ بكون ذلك الفِعْلِ مُشْتَملاً على مَفْسَدة رَاجِحَةٍ وصُور زَائِدَة، دَعَاه ذَلِك إلى تركه، وثبت أن حُصُولَ هذه الدًّواعِي لا بُدَّ وأن تَكُون من اللَّهِ - تعالى -، وإذا ثَبَتَ ذَلِك فنقول: يَسْتحِيلُ أن يَصْدُر إيمانُ عن العبْد إلاَّ إذا خَلَق اللَّهُ في قَلْبِهِ اعْتِقَاد أنَّ الإيمان رَاجِح المَنْفَعَةِ، زائد المَصْلَحَةِ، فحينئذٍ يميل قَلْبُهُ وتَرْغَب نَفْسُه في تَحْصِيله، وهذا هو انْشِرَاحُ الصَّدرِ للإيمان، فإن حَصَلَ في القَلْبِ أنَّه مَفْسدةٌ عَظِيمَةٌ في الدِّين والدُّنْيَا، وأنه يُوجِب المَضَارّ الكَثِيرَة، فحينئذ يَتَرتَّب على هذا الاعْتِقَاد نَفْرَة عَظِيمةَ عن الإيمانِ، وهذا هُوَ المُرَادُ من أنَّه - تبارك وتعالى - يَجْعَل صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً. قالت المعتزلة: لنا هَهُنَا مَقَامَان: الأوَّل: في بَيَان أنَّهُ لا دلالة لَكُم في هَذِه الآية الكريمة. الثاني: التَّأويل المُطابق لمذْهَبنا. أما المقام الأول: فتَقْرِيرُه من وُجُوه: أحدها: أن هذه الآية الكريمة لَيْسَ فيها أنه - تبارك وتعالى - أضَلَّ قَوْماً أوْ يُضِلُّهم؛ لأنَّه لَيْسَ فِيَهَا إلاَّ أنه [مَتَى أرَاد أن يَهْديَ إنْساناً، فعل به كَيْتَ وكَيْتَ، وإذا أرَادَ إضْلالهُ فعل به كَيْتَ كَيْتَ، ولَيْست الآيةُ أنَّه] - تعالى - يُريد ذَلِكَ أو لا يُريدُ ذلك، ويدُلُّ عليه قولُه - تبارك وتعالى -: {أية : لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ} تفسير : [الأنبياء:17]، فبين أنه - تبارك وتعالى- كَيْفَ يفْعَل اللَّهْو لو أرَادَهُ، ولا خِلاف أنَّه - تبارك وتعالى - لا يُرِيُد ذلك ولا يَفْعَلُه. وثانيها: أنه - تعالى - لم يَقُل: ومن يُرد أن يُضِلَّه عن الإسلام، بل قال: "ومَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ" فلم قُلْتُم: إن المُرَادَ: ومَنْ يُرِد أنْ يُضْلِلْهُ عن الإيمان. وثالثها: أنه - تبارك وتعالى - بيَّن في آخرِ الآية الكريمة، أنه إنَّما يَفْعَلُ هذا الفِعْلَ بهذا الكَافِرَ جَزاءً على كُفْرِه، وأنَّه ليس ذلك على سَبيل الابْتِدَاء، فقال: {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}. ورابعها: أنّ قوله - تبارك وتعالى-: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} يدلُّ على تقدم الضِّيق والحَرَج على حُصُول الضِّلالِ، وأن لِحُصُول ذَلِك المتقدِّم أثَرٌ في حُصُول الضِّلالِ، وذلك بَاطِلٌ بالإجْمَاعِ، أما عِنْدَنا، فلا نَقُول بِهِ وأمَّا عندكم؛ فلأن المقْتَضي لِحُصُول الجَهْلِ والظِّلالِ هو الله - تبارك وتعالى - يَخْلُقُه فيه بِقُدْرَتِهِ. وأما المقام الثاني: فهو تَفْسير الآية الكريمة على ما يُطَابِقُ مَذِهَبَنا، وذلك من وُجُوهٍ: الأول: وهو اخْتِيارُ الجُبَّائي، ونَصَرَهُ القَاضِي أن تَقْدِير الآية الكَرِيمة: فمن يُرِدِ اللَّهُ أن يَهْدِيَه إلى طََرِيق الجَنَّةِ، يَشْرَح صَدْرَه للإسْلامِ، حتى يَثْبُت عَلَيْه ولا يَزُولُ عنه، وتَفْسِيره هذا الشَّرْح: هو أنَّه - تعالى - يَفْعَلُ به ألْطَافاً تَدْعُوه إلى البقاءِ على الإيمانِ والثَّبَاتِ علَيْه, وهَذِه الألطَافُ لا يُمْكِن فِعلُها بالمؤمِنِ, إلاَّ بعد أن يُصَيِّرَهُ مُؤمِناً حَتَّى يَدْعُوه إلى البقاءِ على الإيمانِ والثباتِ عليه، وإليه الإشارةُ بقوله - تبارك وتعالى -: {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} تفسير : [التغابن:11] وبقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} تفسير : [العنكبوت:69]، فإذا آمن العَبْد وأراد ثَبَاتَهُ على الإيمانِ، فحينئذٍ يَشْرَح صَدْرَه، أي: يَفْعَلُ به الألْطَافَ الَّتِي تَقْتَضِي ثَبَاتَهُ على الإيمان ودَوامَهُ عليه، وأمَّا إذا كَفَر وعَانَد وأراد اللَّه - تبارك وتعالى - أن يُضِلَّهُ عن طَرِيق الجنَّة، فعند ذلك يُلْقِي في صَدْرِه الضِّيق والحَرَجَ، ثم سَألَ الجُبَّائِي نَفْسَه، فقال: كَيْف يصِحُّ ذلك ونَجِد الكُفَّار طَيِّبي النُّفُوس، ولا غَمَّ لهم ألْبَتَّة ولا حُزْنَ. وأجاب عنه: بأنَّه - تبارك وتعالى - لم يُخْبِر بأنَّه؛ يَفْعَلُ بِهم ذَلِك في كُلِّ وقْتٍ، فلا يُمْتَنَع كَوْنهم في بَعْضِ الأوْقاتِ طيِّبي القُلُوب، وسأل القَاضِي نفْسَه ذلك الضيِّق في بَعْضِ الأوْقَاتِ. وأجاب عنه: بأنَّه قال: وَكَذَلِكَ نَقوُل ودَفْع ذَلِك لا يُمْكِن خُصُوصاً عند ورُودِ أدلَّة اللَّه - تبارك وتعالى -، وعند ظُهُورِ نُصْرَة الله للمُؤمنين، وعِنْد ظُهُور الذِّلَّة والصِّغَار فيهم. التَّأويل الثاني: أن المراد: فَمَنْ يُرد اللَّه أن يَهْدِيه إلى الجَنَّةِ، فَيَشْرَح صَدْره للإسْلام [أي: يشرح صَدْرَه للإسْلام] في ذلك الوَقْتِ الَّذِي يَهْدِيه فيه إلى الجَنَّةِ؛ لأنه لما رَأى أنَّ بسبب الإيمان وجد هذه الدَّرجة العَالِيَة، يزدْادُ رغْبَتُه في الإيمان، ويَحْصُل مَزيدُ انْشراح [في صَدْرِهِ]، ومن يُرِدْ أن يُضِلِّه يَوْم القيامةِ عن طريق الجنَّة، فَفِي ذلك الوَقْتِ يَضِيقُ صَدْرُه؛ بسبَبِ الحُزْن الَّذِي نَالَهُ عن الحِرْمَانِ من الجَنَّةِ والدُّخُول في النَّارِ. التأويل الثالث: أن في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، والمعنى: من شَرَح صَدْر نَفْسِهِ بالإيمانِ، فقد أراد اللَّه أن يَهْدِيَهُ، أي: يَخُصه بالألْطَافِ الدَّاعِيَة إلى الثَّبَات على الإيمانِ، هذا مَجْمُوع كَلامِهِم. والجواب عن قَوْلِهِم أولاً: أنه لم يَقُل في هَذِه الآية أنه يُضِلُّه، بل قال: إنَّه أو أرَادَ أن يُضلَّهُ، لفعل كذا وكذا، فنَقُولُ، إن قَوْلَهُ في آخر الآية الكريمة: {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تَصْرِيحٌ بأنَّه يَفْعَلُ بهم ذلك الضَّلال، لأن حَرْف "الكَافِ" في قوله: "كَذَلِك" يُفِيدُ التَّشْبيه، والتَّقْدِير: وكما جَعَلْنا ذلك الضِّيق والحَرَجِ في صَدْرِه، فكذلك يَجْعَلُ اللَّه الرِّجْس على قُلُوب الَّذِين لا يُؤمِنُون. والجواب عن الثَّانِي: وهو أن قوله: {ومَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلًّهُ} لَيْس فيه بِيَانُ أنْ يُضِلَّه عن الدِّين، فَنَقُول: إن قَولَهُ في آخر الآية: {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تصريح بأن المراد من قوله: {ومَنْ يُرِدْ أنْ يُضلَّه} هو أن يُضِلَّه عن الدِّين. والجواب عن الثالث: وهو أنَّه - تبارك وتعالى - إنَّما يُلْقِي الضِّيق والحَرَجَ في صَدُورهم جزاء على كُفْرِهِم فنقول: لا نُسْلِّم أن المُراد ذلِك، بل المُرَاد: كذلك يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ على قُلُوبِ الَّذين قضى عليهم بأنهم لا يُؤمِنُون، وإذا جَعَلْنَا الآية على هذا الوَجْهِ، سقط ما ذكَرُوهُ. والجواب عن قولهم: إنَّ ظاهِر الآية الكريمة يَقْتَضِي أن يكُون ضِيقُ الصَّدْرِ وحَرَجْه شيئاً متقدِّماً على الضَّلالِ، أو مُوجباً لَهُ، فنقول: والأمْر كذلك؛ لأنه - تبارك وتعالى- إذا خَلَق في قَلْبِه اعْتِقَاداً بأنَّ الإيمان بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم يُوجِبُ الذَّم في الدُّنْيَا، والعُقُوبَة في الآخِرَة، فهذا الاعتِقَادُ يوجبُ اعراض النَّفْس عن قُبُول ذلك الإيمانِ، وهذه الحَالَةُ شَبيهَةٌ بالطَّريق الضَّيِّق؛ لأن الطَّريق إذا كان ضيِّقاً، لم يَقْدِر الدَّاخِل أنْ يَدْخُل فيه فذلك القَلْبُ إذا حَصَل فيه ذلك الاعتِقَاد، امْتَنع دُخُول الإيمان فيهِ فلأجل حُصُول المُشابَهة من هذا الوَجْهِ، جاز إطلاقُ لَفْظِ الضِّيقِ والحَرَجِ عَلَيْه. وأما الجوابُ عن التَّأويلات الثلاثة فَنَقُول: أما الأوَّل: فإن حَاصِلَ ذلك الكلام يَرْجَعُ إلى تَفْسير الضيق والحَرَجَ، فلمَّا كان المُرَادُ منه حُصُول الغَمِّ والحُزْنِ في قَلْبِ الكَافِر، فذلك يُوجِبُ أن يكُون ما يَحْصُل في قَلْبِ المُؤمِن زِيَادة يَعْرِفُها كُلُّ أحَد, ومعلوم أن الأمْرَ ليس كَذلك، بل الأمْرُ في حُزْنِ الكَافِر والمؤمِنِ على السَّويَّة، بل كان الحُزْن والبلاء في حقِّ المؤمن أكْثَر، قال - تبارك وتعالى -: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} تفسير : [الزخرف:33] وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : خُصَّ البلاءُ بالأنْبيَاءِ ثُمَّ بالأمْثَلِ فالأمْثل ". تفسير : والجوابُ عن الثُّاني: أنه مَدْفُوع؛ لأنه يَرْجِعُ حاصلة إلى إيضاح الواضِحَاتِ؛ لأن كل أحَدٍ يعْلَمُ بالضَّرُورةِ، أن كُلَّ من هَدَاه اللّهُ إلى الجَنَّةِ بسبب الإيمانِ يَفْرَحُ بسبَبِ تِلْكَ الهداية، ويَنْشَرح صَدْرُهُ للإيمان مَزِيد انْشِرَاح في ذلك الوقْتِ، وكذلك القَوْلُ في قوله: المُرَادُ: ومن يُضلُّه عن طريق الجنَّةِ بأنه يضيقُّ قَلْبُه في ذلكِ الوقْتِ، فحُصُول هذا المَعْنَى معلُوم بالضَّرُورة، وحمْلُ الآية الكريمة عليه إخْرَاجٌ للآيةِ عن الفَائِدةِ. والجواب عن التَّأويل الثالث: فهو يَقْتَضِي تَفْكِيك نَظْم الآية؛ لأن الآية الكريمة تقْتَضِي أن يَحْصُل انْشِرَاح الصَّدْر من قِبَل اللَّه - تبارك وتعالى - أولاً، ثم يَتَرتَّب عليه حُصُول الهدايةِ والإيمانِ، وأنتم عَكَسْتُم القَضِيَّة، فقلتم: العَبْدُ يجعل نفسه أولاً مُنْشَرح الصَّدْر، ثم إن الله - تبارك وتعالى - أوَّلاً بعد ذلك يَهْدِيه، بمعنى أنه يَخُصُّه بمزيد الألْطَاف الدَّاعية لَهُ إلى الثَّبَاتِ على الإيمانِ، والدَّلائل اللّفْظِية، إنما يمكِنُ التَّمَسُّك [بِهَا إذَا أبْقَيْنَا ما فيها من التركِيبَات والترتيبَات، فأمَّا إذا أبْطَلْنَاهَا وأزَلْنَاهَا، لم يمكن التَّمَسُّك] بشيء مِنْهَا أصْلاً، وفَتْحُ هذا الباب يُوجِبُ ألاَّ يُمْكِن التَّمَسُّك بشَيءٍ من الآيَات، ولكن طَعْن في القُرآنِ العَظِيم، وإخْراجٌ له عن كَوْنِهِ حُجَّةً. قوله: "كَانَّمًا" "مَا" هذه مُهَيِّئَة لِدُخُول كأنَّ على الجمل الفعلية؛ كَهِي في {أية : وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ} تفسير : [آل عمران: 185]. قوله: "يَصَّعَّدُ" وقرأ ابن كثير: "يَصْعَدُ" ساكن الصَّادِ، مخَفِّف العَيْن، مضارع "صَعِد" أي: ارتفع، وأبُو بكْرٍ عن عاصم: "يصَّاعَدُ" بتشديد الصَّاد بعدها ألِفٌ، وأصْلُها يتصاعَدُ، أي: "يتعَاطى الصُّعُود ويَتَكَلَّفه" فأدْغم التَّاءً في الصَّادِ تَخْفيفاً، والباقون: "يَصَّعَّد" بتَشْديد الصَّادِ والعَيْن دون ألِفٍ بَيْنَهُما، مِنْ "يصَّعَّد" أي: يَفْعَل الصُّعُود ويُكَلَّفه، والأصْل: "يَتَصَعَّد" فأدغم كما في قِراءَة شُعْبَة وهذه الجُمْلَة التشبيهيَّة يحتمل أن تكُونَ مُسْتَأنفة، شبَّه فيها حَالَ مَنْ جَعَل اللَّهُ صدْرهُ ضيِّقاً حَرَجاً، بأنه بِمَنْزِلَة من يَطْلُب الصُّعُود إلى السَّماءِ المظللة أو إلى مكان مرتفع [وعْرٍ] كالعَقَبَةِ الكَؤود. والمعنى: أنه يَسْبِقُ عليه الإيمانُ كما يَسْبقُ عليه صُعُود السَّماء، وجوَّزوا فيها وَجْهَيْن آخرين: أحدهما: أن يكون مَفْعُولاً آخر تعدَّد كما تعدَّد ما قَبْلَها. والثاني: ان يكُون حالاً وفي صاحبها احتمالان: أحدهما: هو الضَّمِيرُ المسْتَكِنُّ في "ضَيِّقاً". والثاني: هو الضَّمِير في "حَرَجاً"، و "في السَّماءِ" متعلِّقٌ بما قَبْلَه. قوله: "كَذَلِكَ يَجْعَلُ" هو كنظائره, وقدَّره الزَّجَّاج: "مثل ما قَصَصْنَا علَيْك يَجْعَل" أي: فيكون مُبْتَدأ وخبراً، أو نَعْت مَصْدر مَحْذُوف، فلَكَ أن تَرْفَعَ "مِثْل" وأن تَنْصِبَها بالاعْتِبَاريْن عِنده، والأحسن أن يُقَدَّر لها مَصْدَر مُنَاسِبٌ كما قدره النَّاسُ، وهو مِثْل ذلك الجَعْل - أي: جَعْلِ الصَّدر ضَيِّقاً حَرَجاً - "يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ" كذا قدَّره مكي وغيره، و "يَجْعَل" يحتمل أن تكُونَ بمعْنَى "ألْقَى" وهو الظَّاهِرُ، فتتعدَّى لواحدٍ بنَفْسِها وللآخر بحَرْف الجرِّ، ولذلك تعدَّتْ هُنَا بـ "عَلَى" والمَعْنَى: "كذلِكَ يُلْقي الله العذابَ على الَّذِين لا يُؤمِنُون". ويجوز ان تكُون بمعْنَى صَيَّر أي: "يُصَيِّره مُسْتعْلياً عليهم مُحِيطاً بِهِم"، والتَّقْدير الصِّناعي: مستَقِرّاً عليهم. فصل في بيان معنى الرجس قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه -: الرِّجْسُ هو الشَّيْطَان. وقال الكَلْبِي: هو المأثم. وقال مُجَاهِد: الرِّجْس: ما لا خَيْرَ فيه. وقال عطاء: الرِّجْس العذاب مثل الرِّجْزِ. وقيل هو النَّجِس؛ رُوِي أنه - عليه الصلاة والسلام - كان إذَا دخل الخلاء قال: "حديث : اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْس والنَّجِسِ ". تفسير : وقال الزَّجَّاج: الرِّجْس: اللَّعْنَة في الدُّنْيَا، والعذاب في الآخرَة.
البقاعي
تفسير : ولما تقدم أنه تعالى أعلم بمن طبع على قلبه فلا ينفك عن الضلال، ومن يقبل الهداية في الحال أو المآل، وأن مكر المجرمين إنما هو بإرادته ونافذ قدرته، علم أن الأمر أمره، والقلوب بيده، فتسبب عن ذلك قوله: {فمن يرد الله} أي الذي له جميع الجلال والإكرام {أن يهديه} أي يخلق الهداية في قلبه من أكابر المجرمين أو غيرهم {يشرح صدره} أي يوسعه بأن يجعله مهيئاً قابلاً بالنور {للإسلام} قال الإمام أبو جعفر النحاس: روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حديث : يا رسول الله! وهل ينشرح الصدر؟ فقال: نعم، يدخل القلب نور، فقال: وهل لذلك من علامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل الموتتفسير : ، وفي رواية: الفوت {ومن يرد} أي الله، ولم يظهر هنا إشارة إلى أن الضلال على مقتضى الطبع {أن يضله} أي يخلق الضلال ويديمه في قلبه {يجعل صدره} أي الذي هو مسكن قلبه الذي هو معدن الأنوار {ضيقاً حرجاً} أي شديد الضيق فيكون مرتجساً أي مضطرباً، روي أن عمر رضي الله عنه أحضر أعرابياً من كنانة من بني مدلج فقال له: ما الحرجة؟ فقال: شجرة لا تصل إليها وحشية ولا راعية، وساق البغوي القصة ولفظه: وقال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية لا وحشية ولا شيء - ثم اتفقا - فقال عمر رضي الله عنه: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الإيمان و الخير؛ وزاد البغوي: يقال سيبويه: الحرج - بالفتح المصدر، ومعناه: ذا حرج، وبالكسر الاسم وهو أشد الضيق، وقال المهدوي: هنا الحرج الشديد الضيق وقد تقدم القول فيه، وقال في النساء في قوله تعالى {أية : ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت} تفسير : [النساء: 65] أي ضيقاً، وإلى هذا المعنى يرجع قول مجاهد: إنه الشك، وقول الضحاك: إنه الإثم، كأنه ضيق شك أو ضيق إثم؛ وقال النحاس: {حرجاً مما قضيت} أي شكاً وضيقاً، وأصل الحرج الضيق - انتهى. وتحقيق ذلك أن الآية هنا فيها - بعد التأكيد بالإتيان بصيغة فعيل دون فاعل - تأكيد أخر إما بالمصدر أو باسم الفاعل، فأفاد زيادة على أصل الفعل وهي الشدة فيه، فمعنى الفتح: ضيقاً - بكسر الضاد وإسكان الياء ومعناه - إن كسرتَ حرجاً - ضيقاً بإعادة اسم الفاعل، ومادة حرج بخصوص هذا الترتيب تدور على المكان الضيق الكثير الشجر، ويلزمه الشخوص على وجه الأرض والارتفاع والجمع والمنع والشدة والحيرة والحر والبرد، وهي - بأي ترتيب كان وهي خمسة: حرج جحر رجح حجر جرح - تدور على الحجر الذي هو الجسم المعروف، ويلزمه الثقل والمنع والحدة والشخوص والصلابة التي هي القسوة ويلزمها الضيق، فيرجع إلى الصلابة الحرجُ بمعنى الضيق، والحرجة للغيضة، ولحرج للقلادة من الودع، والحرجوج للريح الشديدة الباردة، والناقة الحرجوج للوقادة القلب، ويجوز رجوعها إلى الحدة، والجرح لسرير الموتى لضيق الصدر من ذكره، ولضيقه عن أسرّة الأحياء، ومنه أيضاً جحر الضب ونحوه للثقب المحتفر في الأرض، ويرجع إلى الثقل الحرجُ بمعنى الإثم، وينشأ عن ذلك البعث المفضي إلى الحيرة، ومنه حرجت عينه، أي حارت فلا تطرف، ويلزم الثقل أيضاً الجرحُ بمعنى الطعن النافذ في البدن، ومن ذلك اجترح - إذا اكتسب مالاً، لأنه من آثاره، ومنه الرجحان بمعنى الثقل، والحكم الراجح الذي يوجب رزانة صاحبه، ومنه الأرجوحة لأن كلاًّ من طرفيها يرجح بالآخر، ويرجع إلى المنع الحجرُ بمعنى العقل وبمعنى الحضن والحرام والفرس الأنثى لأنها قد تمنع من الركوب للحمل أو الولد، والحجر في المال، والحجرة للناحية القريبة لأن الشيء إذا بعد عنك - ولو قدر باع - امتنع منك، وكان التأنيث فيه لقربه، ويرجع إلى الشخوص الحرجُ للناقة الطويلة؛ وقال الإمام أبو الفتح بن جني رحمه الله في كتابه "المحتسب في توجيه القراءات الشواذ" عند قوله تعالى في هذه السورة "وحرث حرج" فيمن قرأ بتقديم الراء: إن جميع تراكيب هذه المادة الخمسة تلتقي معانيها في الضيق والشدة والاجتماع، وإذا أنعمت النظر وتركت الملل والضجر وجدت الأمر كما قال - والله أعلم - نحو الحجر واستحجر الطين والحجرة وبقيته، وكله إلى التماسك والضيق، ومنه الحرج للضيق والجرح مثله، والحرجة ما التف من الشجر فلم يمكن دخوله، ومنه الحجر وبابه لضيقه، ومنه الجرح لمخالطة الحديد للحم وتلاحمه عليه، ومنه رجح الميزان - لأنه مال أحد شقيه نحو الأرض فقرب منها وضاق ما كان واسعاً بينه وبينها، فإن قلت: فإنه إذا مال أحدهما إلى الأرض فقد بعد الآخر؟ قيل: كلامنا على الراجح والراجح هو الذي إلى الأرض، فأما الآخر فلا يقال له: راجح، وإذا ثبت ذلك - وقد ثبت - فكذلك قوله تعالى {وحرث حجر} في معنى حجر، معناه عندهم أنها ممنوعة محجورة لن يطعمها إلاّ من يسألون أن يطعموه إياها بزعمهم - انتهى. ولما كان صاحب هذا الصدر لا يكاد الهداية تصل إليه، وإن وصل إليه شيء منها على لسان واعظ ومن طريق مرشد ناصح لم تجد مسلكاً فنكصت، وهكذا لا تزال في اضطراب وتردد أبداً؛ كانت ترجمته قوله: {كأنما يصعد} أي يتكلف هذا الشخص في قبول الهداية الصعود {في السماء} في خفاء حياء من مزاولة ما لا يمكن، بما أشار إليه قراءة من أدغم التاء في الصاد، فكلما أصعدته حركته الاختيارية أهبطته حركته الطبيعية القسرية، كما نرى بعض الحشرات يحمل شيئاً ثقيلاً ويصعد به في جدار أملس، فيصير يتكلف ذلك فيقع، ثم يتكلف الصعود ايضاً فربما وصل إلى مكانه الأول وسقط، وربما سقط دونه، فهو مما يمتنع عادة، فلا يزال مرتجساً أي مضطرباً ومجامع الاضطراب عقبه بما بعده كما يأتي. ولما كان ما وصف به صدر الضال مما ينفر منه، وكان الرجس في الأصل لما يستقذر، والمستقذر ينفر منه، وكان هذا الكلام ربما أثار سؤالاً، وهو أن يقال: هل هذا - وهو جعل الضال على هذه الصفة - خاص بأهل هذا الزمان، أجيب بما حاصله: لا، {كذلك} أي مثل ما جعل الله الرجس على من أراد ضلاله من أهل هذا الزمان {يجعل الله} أي بما له من القدرة التامة والعظمة الباهرة {الرجس} أي الاضطراب والقذر {على الذين لا يؤمنون} من أهل كل زمان لإرادته سبحانه دوام ضلالهم، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً الضلال دليلاً على حذفه ثانياً، وذكر الرجس ثانياً دليلاً على حذفه أولاً، والآية نص في أن الله يريد هدى المؤمن وضلال الكافر. ولما ذكر ما ألزمه لأهل الضلال بلفظ ما يستقذر، كان في غاية الحسن تعقيبه بالصراط، فإنه مما يعشق لاستقامته وإضافته إلى الرب الذي له - مع استجماع الكمالات كلها - صفة العطف والإحسان واللطف، وإضافة الرب إلى هذا الرسول الذي يعشق خلقه وخلقه كلُ من يراه أو يسمع به، وأحسن من ذلك وأمتن أن مادة "رجس" تدور على الاضطراب الملزوم للعوج الملزوم للضلال المانع من الإيمان، فلما مثل سبحانه حال الضال بحال المضطرب، وأخبر أنه ألزم هذا الاضطراب كل من لا يؤمن، أتبعه وصف سبيله بالاستقامة التي هي أبعد شيء عن الاضطراب الملزوم للعوج، وكان التقدير: فهذا حال أهل الضلال، فعطف عليه قوله: {وهذا} أي الذي ذكرناه من الشرائع الهادية في هذا القرآن التي ختمناها بأن الهادي المضل هو الله وحده، لا الإتيان بالمقترحات ولو جاءت كل آية {صراط} أي طريق {ربك} أي المحسن إليك حال كون هذا الصراط {مستقيماً} أي لا عوج فيه أصلاً، بل هو على منهاج الفطرة الأولى التي هي في أحسن تقويم بالعقل السليم الذي لم يشبه هوى ولم يشبه خلل في أن الأمر كله بيد الله لكيلا يزال الإنسان خائفاً من الله وراجياً له لأنه القادر على كل شيء، وأما غيره فلا قدرة له إلاّ بتقديره لأنه خلق القوى والقدر عندنا وعند المعتزلة، فلتكن الجزئيات كذلك لأن الخلق لا يتصور بغير علم، وليس غير الله محيط العلم؛ قال الإمام: فالآية التي قبلها من المحكمات، فيجب إجراؤها على ظاهرها، ويحرم التصرف فيها بالتأويل. ولما كان جميع ما في هذا الصراط على منهاج العقل ليس شيء منه خارجاً عنه وإن كان فيه ما لا يستقل بإدراكه العقل، بل لا بد له فيه من إرشاد الهداة من الرسل الآخذين على الله، قال مبيناً لمدحه مرشداً إلى انتظامه مع العقل: {قد فصلنا} أي غاية التفصيل بما لنا من العظمة {الآيات} أي كلها فصلاً فصلاً بحيث تميزت تميزاً لا يختلط واحد منها بالآخر {لقوم يذكرون} أي يجهدون أنفسهم في التخلص من شوائب العوائق للعقل من الهوى وغيره - ولو على أدنى وجوه الاجتهاد بما يشير إليه الإدغام - ليذكروا أنه قال: ما من شيء ذكرناه إلاّ وقد أودعنا في عقولهم شاهداً عليه. ولما كان التذكر - عند الآيات لا يكون إلاّ من أهل العنايات في طرق الهدايات، قال مرغباً في التذكر فإنه سبب الفيض الإلهي على القلوب المهيأة له: {لهم} أي المتذكرين {دار السلام} أي الجنة، أضافها سبحانه إليه زيادة في الترغيب فيها، وخص هذا الاسم الشريف لأنه لا يلم بها شيء من عطب ولا خوف ولا نصب؛ ثم زاد الترغيب فيها بقوله: {عند ربهم} أي في ضمان المحسن إليهم وحضرته بما هيأهم له ويسره لهم {وهو} أي وحده {وليهم} أي المتكفل بتولي أمورهم، لا يكلهم إلى أحد سواه، وهذا يدل على قربه منهم، والعندية تدل على قربهم منه لما شرح من صدورهم بالتوحيد؛ ولما كان ذلك ربما قصر على التذكر، بين أن المراد منه التأدية إلى الأعمال فإنها معيار الصدق وميزانه فقال: {بما} أي بسبب ما {كانوا} أي كما جبلهم عليه، فما كان ذلك إلاّ بفضله {يعملون}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي جعفر المدائني رجل من بني هاشم وليس هو محمد بن علي قال: حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي المؤمنين أكيس؟ قال: "أكثرهم ذكراً للموت وأحسنهم لما بعده استعداداً. قال: وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام} قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح له. قالوا فهل لذلك من إمارة يعرف بها؟ قال: الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الفضيل " حديث : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله {من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام} فكيف الشرح؟ قال: إذا أراد الله بعبد خيراً قذف في قلبه النور فانفسح لذلك صدره ، فقال: يا رسول الله هل لذلك من آية يعرف بها؟ قال: نعم. قال: فما آية ذلك؟ قال: التجافي عن دار الغرور، والإِنابة إلى دار الخلود، وحسن الإِستعداد للموت قبل نزول الموت " . تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذكر الموت عن الحسن قال: حديث : لما نزلت هذه الآية {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام} قام رجل إلى رسول الله صلى الله وسلم فقال: هل لهذه الآية علم تعرف به؟ قال "نعم، الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل أن ينزل" . تفسير : وأخرج ابن شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} قال "حديث : إذا أدخل الله النورَ القلبَ انشرحَ وانفسحَ. قالوا: فهل لذلك من آية يعرف بها؟ قال: الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والإِستعداد للموت قبل نزول الموت " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رجل:حديث : يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ قال "أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً. ثم تلا رسول الله صلى الله وعليه وسلم {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام} قلت: وكيف يشرح صدره للإِسلام؟ قال: هو نور يقذف فيه، إن النور إذا وقع في القلب انشرح له الصدر وانفسح. قالوا: يا رسول الله هل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: نعم، الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والإِستعداد للموت قبل الموت. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس القوم لا يقومون لله بالقسط، بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط" . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن المسور ــ وكان من ولد جعفر بن أبي طالب ــ قال: حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام} قالوا: يا رسول الله ما هو هذا الشرح؟ قال: نور يقذف به في القلب ينفسح له القلب. قالوا: فهل لذلك من إمارة يعرف بها؟ قال: نعم، الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور والإِستعداد للموت قبل الموت " . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام} يقول يوسع قلبه للتوحيد والإِيمان به {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً} يقول: شاكاً {كأنما يصّعَّد في السماء} يقول: كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يقدر على أن يدخل التوحيد والإِيمان قلبه حتى يدخله الله في قلبه . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي الصلت الثقفي. أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً} بنصب الراء، وقرأها بعض من عنده من أصحاب رسول الله {حرجاً} بالخفض. فقال عمر: أبغوني رجلاً من كنانة وأجعلوه راعياً، ولكن مدلجيا. فأتوه به فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا: الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء. فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم. أنه قرأ {ضيقاً حرجاً} بكسر الراء. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {ضيقاً حرجاً} أي ملتبساً. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج {ضيقاً حرجاً} أي بلا إله إلا الله لا يستطيع أن يدخلها في صدره، لا يجد لها في صدره مساغاً . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد {كأنما يصعد في السماء} من شدة ذلك عليه . وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً} يقول: من أراد الله أن يضله يضيق عليه حتى يجعل الإِسلام عليه ضيقاً والإِسلام واسع، وذلك حين يقول: {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج}تفسير : [الحج: 78] يقول: ما في الإِسلام من ضيق. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء الخرساني في قوله {يجعل صدره ضيقاً حرجاً} قال: ليس للخير فيه منفذ {كأنما يصعد في السماء} يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد في السماء . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {كذلك يجعل الله الرجس} قال: الرجس ما لا خير فيه .
ابو السعود
تفسير : {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ} أي يُعرِّفه طريقَ الحقِّ ويوفِّقَه للإيمان {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ} فيتسعَ له وينفتح، وهو كنايةٌ عن جعل النفس قابلةً للحق مُهيأة لحلوله فيها مصفّاةً عما يمنعه وينافيه، وإليه أشار عليه الصلاة والسلام حين سئل فقال: «حديث : "نورٌ يقذِفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفتح" فقالوا: هل لذلك من أمارة يُعرف بها؟ فقال: "نعم، الإنابةُ إلى دار الخلود والإعراضُ عن دار الغرورِ والاستعدادُ للموت قبل نزوله"» تفسير : {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ} أي يخلُقَ فيه الضلالَ بصرف اختيارِه إليه {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً} بحيث ينبو عن قَبول الحقِّ فلا يكاد يدخله الإيمانُ، وقرىء ضَيْقاً بالتخفيف، وحرِجاً بكسر الراء أي شديد الضيق والأولُ مصدرٌ وُصف به مبالغة. {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ} (ما) هذه مُهيِّئةٌ لدخول كأنّ على الجمل الفعلية {فِى ٱلسَّمَاء} شِبْهٌ للمبالغة في ضيق صدرِه بمن يزاول ما لا يكاد يُقدر عليه فإن صعودَ السماءِ مثلٌ فيما هو خارجٌ عن دائرة الاستطاعة، وفيه تنبـيه على أن الإيمانَ يمتنع منه كما يمتنع منه الصعودُ وقيل: معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبُوّاً عن الحق وتباعداً في الهرب منه، وأصلُ يصعّد يتصعّد وقد قرىء به وقرىء يصّاعد وأصله يتصاعد {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك الجعلِ الذي هو جعلُ الصدرِ حرِجاً على الوجه المذكور {يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرّجْسَ} أي العذابَ أو الخِذلانَ. قال مجاهدٌ: الرجسُ ما لا خيرَ فيه. وقال الزجاج: الرجسُ اللعنةُ في الدنيا والعذابُ في الآخرة {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي عليهم، ووضعُ المفعولِ موضعَ المضمر للإشعار بأن جعلَه تعالى معلَّلٌ بما في حيز الصلةِ من كمال نبُوِّهم عن الإيمان وإصرارِهم على الكفر.
التستري
تفسير : وقوله: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}[125] قال سهل: إن الله ميز بين المريد والمراد في هذه الآية، وإن كان الجميع من عنده، وإنما أراد أن يبين موضع الخصوص من العموم، فخص المراد في هذه السورة وغيرها، وذكر المريد وهو موضع العموم في هذه السورة أيضاً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} [الآية: 125]. قال سهل: فمن يرد الله أن يهديه إلى قوله حرجًا قال: الهداية: المعونة على ما أمر والعصمة عما نهى عنه. قوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} [الآية: 125]. قيل: الضلالة ها هنا هى الترك من العصمة مع الهوى. قال النهرجورى: صفة المراد خلوه مما له، وقبوله ما عليه، وسعة صدره لموارد الحق عليه. قال الله تعالى: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}. قال سهل: إن الله ينظر فى القلوب والقلوب عنده فما كان أشد تواضعًا خصه بما شاء، ثم بعد ذلك ما كان أسرع رجوعًا وهما هاتان الخصلتان. وقال النهرجورى: مِنَّةً مِنَ الله ولطفًا منه، وإن لم يستأهل العبد ذلك. وسئل النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: نورٌ يقذف في القلوب فيُشرح به الصدر. قال ابن عطاء: ما بلاءٌ أشد من بلاء من أظلم عليه قلبه والتبس عليه أمره وخفى عليه قدر مولاه فهو يتردد فى أمره متمردًا على مولاه، لفقدان نور الهداية عن قلبه، وطلب النجاة من غير وجهه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ}. المُسْلِمُ لا يتحرك في باطنه عِرْقٌ للمنازعة مع التقدير، فإن الإسلام يقتضي تسليم الكل بلا استئثار، ومَنْ استثقل شيئاً من التكليف أو بقي منه نَفَسٌ لكراهية شيء فيعدُّ غير مستسلمٍ لحُكْمِه. ويقال نورٌ في البداية هو نور العقل، ونورٌ في الوسائط هو نور العلم ونور في النهاية هو نور العرفان؛ فصاحب العقل مع البرهان، وصاحب العلم مع البيان، وصاحب المعرفة حكم العيان. ويقال مَنْ وَجَدَ أنوار الغيب ظهرت له خفايا الأمور فلا يشكل عليه شيء من ذوات الصدور عند ظهور النور، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى ". تفسير : ويقال أول أثر لأنوار الغيب في العبد يُنَبِّهه إلى نقائص قَدَرِه ومساوئ غيِّه، ثم يشغله عن شهود نفسه مما يلوح لقلبه من شهود ربه، ثم غَلَباتُ الأنوار على سِرِّهِ حتى لا يشهد السرَّ بعد ما كان يشهد؛ كالنَّاطِر في قُرصِ الشمس تُسْتَهْلَكُ أنوار بصره في شعاع الشمس كذلك تستهلك أنوار البصيرة في حقائق الشهود، فيكون العبد صاحب الوجود دون الشهود ثم بعده خمود العبد بالكلية، وبقاء الأحدية بنعت السرمدية. قوله جلّ ذكره: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}. وذلك حتى لا يسعى في غير مراد الحق سبحانه، وحدُّ البشرية ضيق القلب، وصاحبه في أسْرِ الحدثان والأعلال، ولا عقوبةَ أشدُّ من عقوبة الغفلة عن الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {فمن يرد الله} معناه بالفارسية [يس هركرا خواهد خداى] {ان يهديه} اى يعرفه طريق الحق ويوفقه للايمان {يشرح صدره للاسلام} فيتسع له وينفسح وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة بحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه فالمعنى من اراد الله منه الايمان قوى صوارفه عن الكفر ودواعيه الى الايمان وجعل قلبه قابلا لحلول الايمان مهيئا لتحليه به صافيا خاليا عما ينافيه ويمنعه ولما نزلت هذه الآية "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال "نور يقذفه الله فى قلب المؤمن فينشرح له وينفسح" فقالو هل لذلك امارة يعرف بها فقال "نعم الانابة الى دار الخلود والتجافى عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله " .تفسير : واعلم ان العلم علمان علم المعاملة وعلم المكاشفة فالاول هو العلم بما يقرب اليه تعالى وما يبعد عنه وهو مقدم على الثانى الذى هو نور يظهر فى القلب فيشاهد به الغيب لانه الشرط له قال تعالى {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} تفسير : [العنكبوت: 69]. لا ينفك عنه لان الحديث المذكور صرح بان الانابة والتجافى والاستعداد التى هى من علم المعاملة علامة ذلك النور وفى فضل المكاشفة ورد قوله عليه السلام "حديث : فضل العالم على العابد كفضلى على امتى " .تفسير : اذغير المكاشفة تبع للعمل لثبوته شرطا له. قال فى التأويلات النجمية كلما كان الحجاب ارق كان الايمان اقوى والقلب انور واصفى الى ان يصير الايمان ايقانا لكمال رقة الحجاب وتنور القلب الى ان يصير الايقان عيانا عند رفع الحجاب وتجلى الحق بصفة جماله الى ان يصير العيان عينا بتجلى صفة جلاله {ومن يرد ان يضله} اى يخلق فيه الضلال لصرف اختياره اليه {يجعل صدره ضيقا} بالفارسية [تنك] {حرجا} بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الايمان اى من اراد الله منه الكفر قوى صوارفه عن الايمان وقوى دواعيه الى الكفر. والحرج بالفتح مصدر وصف به مبالغة وبالكسر اسم الفاعل وهو المتزايد فى الضيق فهو اخص من الاول فكل حرج ضيق من غير عكس قيل الحرج موضع الشجر الملتف يعنى ان قلب الكافر لا يصل اليه الايمان كما لا تصل الراعية الى الموضع الذى التف فيه الشجر {كأنما يصعد فى السماء}. قال الامام فى كيفية هذا التشبيه وجهان الاول كما ان الانسان اذا كلف الصعود الى السماء نقل ذلك التكليف عليه وعظم وقعه عليه وقويت نفرته منه فكذلك الكافر يثقل عليه الايمان وتعظم نفرته منه. والثانى ان يكون التقدير ان قلبه يتباعد عن الاسلام ويتباعد عن قبول الايمان فشبه ذلك البعد ببعد من يصعد من الارض الى السماء انتهى كما قال الكاشفى فى تفسيره الفارسى [كويى بالا ميرود در آسمان يعنى ميكريزد از قبول حق ميخواهدكه بآسمان رود]. واعلم ان القلوب متفاوتة. فمنهما ما يشق عليه الايمان وهى قلوب الكفرة. ومنها ما يشق عليه الذوق والوجدان وهى قلوب اهل النقصان من اهل الايمان فان بعض الناس منهم من يتباعد عن الكلمات العرفانية بل ينكر احوال اصحاب الفضائل النفسانية وهذا لان من انهمك فى الصفات الحيوانية وحكم عليه الصفات السبعية والشيطانية لا يسوغ له الشرب من المشارب الروحانية ولذا يوصى بكتم ما يتعلق بالاسرار عن الاغيار شعر : جرا صدف نكند جاك سينه را صائب درين زمانه كه جوهر شناس نايابست تفسير : {كذلك} اى مثل الجعل المذكور {يجعل الله الرجس} اى العذاب والخذلان او اللعنة او الشيطان اى يسلطه {على الذين لا يؤمنون} اى عليهم فوضع الظاهر موضع المضمر للاشعار بان جعله تعالى معلل بما فى حيز الصلة من كمال نبوهم عن الايمان واصرارهم على الكفر والطغيان.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ {حرَجًا}؛ بالفتح، فهو مصدر وُصف به للمبالغة، ومن قرأ بالكسر، فوصف، أي: شديد الضيق، ومن قرأ {يَصَّعَّد}؛ بالشد والقصر، فأصله: يتصعد، أدغم التاء في الصاد، ومن قرأ: {يصّاعد}؛ فأصله: يتصاعد، فأدغم أيضًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فمن يُرد الله أن يهديه} أي: يعرِّفه طريق الحق ويوفقه للإيمان {يشرح صدرَه} أي: يوسعه {للإسلام}، فيتسع له، ويقبله، ويغتبط به، ويبتهج، فرحًا وسرورًا. والشرح: كناية عن جعل النفس قابلة للحق، مهيأة لحلوله فيها، مصفاة عما يمنعها منه، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم، حين سُئل عنه، فقال: "حديث : نُورٌ يقذفه الله في قَلبِ المؤمن، فينشرح له وينفسح" تفسير : قالوا: هل لذلك أمارة يعرف بها؟ قال" حديث : نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول ". تفسير : ثم ذكر ضدَّه، فقال: {ومن يُرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا}؛ شديد الضيق، بحيث ينبو عن قبول الحق، فلا يدخله الإيمان، ولا ينشرح صدره له، بل يفر منه، ويثقل عليه {كأنما يصَّعَّد في السماء} أي: يتكلف الصعود فيه. شَبَّههُ ـ على وجه المبالغة ـ بمن يُحاول ما لا يقدر عليه، فإن صعود السماء غاية فيما يبعد عن الاستطاعة، تنبيهًا على أن الإيمان تَمَنَّع عليه كما يمتنع عليه الصعود إلى السماء، {كذلك} أي: كما يضيق صدر الكافر ويبعد قلبه عن الحق، {يجعل الله الرجس} أي: العذاب والخذلان، {على الذين لا يؤمنون}، ووضع الظاهر موضع المضمر للتعليل. {وهذا} البيان الذي جاء به القرآن، أو ما سبق من التوفيق والخذلان، {صراط ربك} أي: الطريق الذي ارتضاه، إن قلنا: الإشارة للبيان، أو عادته وطريقه الذي اقتضته حكمته، إن قلنا ما سبق من التوفيق والخذلان، حال كونه {مستقيمًا} لا عوج فيه، أو عادلاً مطردًا لا جور فيه، {قد فصَّلنا الآيات} أي: بينَّاها {لقوم يذكَّرون} فيعلمون أن الفاعل هو الله وحده، وأن كل ما يحدث من خير وشر، أو إيمان وكفر، بقضائه وخلقه، فإنه عالم بأفعال العباد، حكيم عادل فيما يفعل بهم من تقريب أو إبعاد. الإشارة: فمن يُرد الله أن يهديه لسر الخصوصية ونور الولاية يشرح صدره للدخول في طريقها، ويوفقه لبذل نفسه وروحه في تحصيلها، ويصبَّرُه على حمل لأوائها، وينهضه إلى السير في ميدانها، بعد أن يسقطه على شيخ كامل عارف بطريقها، فيحققه بخصوصيته، ويطلعه على سر ولايته، حتى يُلقى القياد إليه بكليته، فلا يَزَالُ يُسَايره حتى يقول له: ها أنت وربك. ومن يريد أن يضله عنها يجعل صدره ضيقًا عن قبولها، حرجًا عن الدخول فيها، حتى يثقل عليه حمل أعبائها، أو ينكر وجود أهلها، كذلك يجعل الله رجس حجابه على الذين لا يؤمنون بطريق الخصوص، فإنه طريق مستقيم يُوصل إلى حضرة النعيم في الدنيا والآخرة. وبالله التوفيق. ثم أعدَّ لأهل التوفيق، فقال: {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير {ضيقا} بتخفيف الياء وسكونها - ها هنا - وفي الفرقان. الباقون بتشديدها وكسرها. وقرأ أهل المدينة وأبو بكر "حرجا" بكسر الراء. الباقون بفتحها. وقرأ ابن كثير {يصعد} بتخفيف الصاد والعين وسكون الصاد من غير الف، ورواه أبو بكر بتشديد الصاد وألف بعدها وتخفيف العين. الباقون بتشديد الصاد والعين وفتح الصاد من غير الف. قال ابو علي النحوي: الضيِّق والضيق مثل الميِّت والميت في أن معناهما واحد. والياء والواو يشتركان في الحذف، وان لم تعل الياء بالقلب كما أعلت الواو به فاتبعت الياء الواو في هذا، كما اتبعتها في قولهم أيسر، قالوا في أيسار الجزور اتسر، فجعلت بمنزلة اتعد. وقال غيره: يجوز أن يكون من ضاق الامر يضيق ضيقا. وقد قرأه من قرأ {ولا تك في ضيق}. ومن فتح الراء من (حرج) جعلها وصفا للمصدر، لان المصادر قد توصف بمثل ذلك، كقولهم رجل دنف أي ذو دنف ولا يكون كبطل لان اسم الفاعل في الاكثر من (فَعَّل) انما يجيء على (فَعَل). ومن كسر الراء فهو مثل دنِف، وفرق. قال ابو زيد وحرج عليه السحور والسحر: اذا أصبح قبل أن يتسحر وحرج عليه حرجا وهما واحد، وحرجت على المرأة الصلاة تحرج حرجا، وحرمت عليها الصلاة تحرم حرما بمعنى واحد، ويقال حرج فلان يحرج اذا هاب ان يتقدم على الامر أو قاتل فصبر وهو كاره. وقال غيره: هما بمعنى واحد كالدنَف والدنِف، والوحِد والوَحد، والفرِد والفرَد وقيل: الحرج الاثم والحرج الضيق الشديد. ومن قرأ {يصعد} من الصعود، فالمعنى أنه في نفوره عن الاسلام، وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يستطاع. ومن قرأ {يصعد} بتشديد الصاد والعين بلا الف أراد يتصعد فادغم. والمعنى كأنه يتكلف ما يثقل عليه. وكأنه تكلف شيئا بعد شيء كقولك يتصرف ويتحرج وغير ذلك مما يتعاطى فيه الفعل شيئا بعد شيء ويصاعد مثل يصعد ومثل ضاعف وضعف وناعم ونعم. والضمير في قوله {يشرح صدره للإسلام} يحتمل ان يكون راجعا الى (من) وتقديره ان المهدي يشرح صدر نفسه، وهو جيد ويكون تقديره: من أراد الله أن يثيبه ويهديه الى طريق الجنة فليطعه. ومن أراد ان يعاقبه فليعصه فالارادة واقعة على فعل العبد بقلبه بالاحراج والضيق. ويقوي ذلك قوله {أية : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله}تفسير : فان الطمأنينة الى الايمان فعلهم لا محالة، لانه ايمان. ثم نسب تعالى شرح صدورهم بالكفر اليهم. والثاني - أن يكون الضمير فيه عائدا أبدا الى اسم الله تعالى وهو الاقوى لقوله {فمن شرح الله صدره للإسلام} وقوله {أية : ألم نشرح لك صدرك} تفسير : وكذلك يكون الضمير في قوله {يشرح صدره للإسلام} عائدا لاسم الله تعالى. والمعنى ان الفعل مستند الى اسم الله في اللفظ وفي المعنى للمشروح صدره، وانما نسبه الى ضمير اسم الله لانه بقدرته كان وتوفيقه، كما قال{أية : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}تفسير : ويدل على ان المعنى لفاعل الايمان اسناد هذا الفعل الى الكافر في قوله {ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله} فكما اسند الفعل الى فاعل الكفر كذلك يكون اسناده في المعنى الى فاعل الايمان، ومعنى شرح الصدر اتساعه للايمان أو الكفر وأنقياده له وسهولته عليه، بدلالة وصف خلاف المؤمن بخلاف الشرح الذي هو اتساع. وقوله {ومن يرد أن يضله} يعني يعاقبه أو يعدل به عن طريق الجنة يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يفعل ما يعجز عنه ولا يستطيعه لثقله عليه وتكاؤده عليه. وقوله {يصعد} ويصاعد من المشقة وصعوبة الشيء. ومن ذلك قوله {أية : يسلكه عذابا صعدا}تفسير : وقوله {أية : سأرهقه صعودا}تفسير : اي سأغشيه عذابا صعودا أي شاقا. ومن ذلك قول عمر: ما يصعدني شيء كما يصعدني خطبة النكاح أي ما يشق علي مشقتها، فكان معنى يصعد يتكلف مشقة في ارتقاء صعودا. وعلى هذا قالوا: عقبة عنوت وعنتوت، وعقبة كؤد، ولا يكون السماء في هذا الموضع - على هذا القول - هي المظلة للارض لكن كما قال سيبويه: القيدود الطويل في غير سمائه يريد في غير ارتفاع صعدا، ومثله {أية : قد نرى تقلب وجهك في السماء}تفسير : واما قوله {يجعل صدره ضيقا حرجا} فانه يحتمل امرين: احدهما - التسمية كقوله {أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا}تفسير : اي سموهم بذلك فلذلك يسمى القلب ضيقا لمحاولته الايمان وحرجا عنه والآخر - الحكم كقولهم اجعل البصرة بغداد، وجعلت حسني قبيحا أي حكمت بذلك ولا يكون هذا من الجعل الذي يراد به الخلق ولا الذي يراد به الالقاء كقولك جعلت متاعك بعضه على بعض. وقوله{أية : ويجعل الخبيث بعضه على بعض} تفسير : وقيل في معنى الهداية والاضلال في الآية قولان: احدهما أنه يريد بالهدى تسهيل السبيل الى الاسلام بالدلائل التي يشرح بها الصدر، والاضلال تصعيب السبيل اليه بالدلائل التي يضيق بها الصدر، لان حاله أوجبت تغليظ المحنة عليه من غير أن يكون هناك مانع له ولا تدبير غيره أولى منه، وانما هو حض على الاجتهاد في طلب الحق حتى ينشرح بالدلائل الصدر، ولا يضيق بدعائها الى خلاف ما سبق من العقد، والهدى الى ما طلبه طالب الحق، والاضلال عما طلبه طالب تاكيد الكفر. والثاني - ان يراد بالهداية الهداية الى الثواب وبالاضلال الإِضلال عن الثواب والسلوك به الى العقاب، ويكون التقدير من يرد الله أن يهديه للثواب في الآخرة فيشرح صدره للاسلام في الدنيا بأن يفعل له اللطف الذي يختار عنده الاسلام، ومن يرد أن يعاقبه ويعدل به عن الثواب الى النار يجعل صدره ضيقا حرجا بما سبق من سوء اختياره للكفر جزاء على فعله ويخذله ويخلي بينه وبين ما يريده من الكفر أو يحكم على قلبه بالضيق والحرج، أو يسميه بذلك على ما فسرناه. وهذا الاضلال لا يكون الا مستحقا كما أن تلك الهداية لا تكون الا مستحقة، وقد سمى الله تعالى الثواب هداية في قوله {أية : الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله}تفسير : وقال {أية : والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم}تفسير : والهداية بعد القتل انما هي الثواب في الجنة، وقال تعالى {أية : والذين اهتدوا زادهم هدى} تفسير : وقال {أية : ومن يؤمن بالله يهد قلبه} {أية : يهدي به الله من اتبع رضوانه} تفسير : وقال{أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}تفسير : وكل ذلك يراد به الثواب وقد سمى العقاب ضلال في قوله {أية : ويضل الله الظالمين} تفسير : وقوله {أية : وما يضل به إلا الفاسقين}تفسير : وهذه الجملة معنى قول أبي علي الجبائي والبلخي، والاول قول الرماني وقيل أيضا: انما يشرح قلب المؤمن بالآيات والدلائل لكونه طالب للحق، ولم يفعل ذلك بالكافر لكونه طالبا لتأكيد الكفر وفي هذا الوجه حض على طلب الحق. والحرج الضيق الشديد، وقال ابن عباس: أصله الحرجة، وهي الشجرة الملتفة بالشجر حولها، فلا يصل اليها الراعي، فكذلك قلب هذا لا يصل اليه خير - في قول عمر - وقال ابن عباس لا يصل اليه حكمة. وقوله {كأنما يصعد في السماء} قيل في معناه قولان: أحدهما - كأنما كلف الصعود الى السماء بالدليل الذي يدعوه الى خلاف مذهبه. وقال سعيد بن جبير: كأنه لا يجد مسلكا الا صعدا. والثاني - كأنما ينزع قلبه الى السماء نبوا عن الحق بأن يتباعد في الهرب. وفى معنى الرجس قولان: احدهما - قال مجاهد: كلما لا خير فيه. وقال ابن زيد وغيره من أهل اللغة: هو العذاب. ويقال الرجس والنجس لما كان رجسا، ولقد رجس رجاسة ونجس نجاسة. ووجه التشبيه في قوله {أية : كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}تفسير : أنه يجعل الرجس على هؤلاء كما يجعل ضيق الصدر في قلوب أولئك وان كل ذلك على وجه الاستحقاق. ولا يجوز أن يكون المراد بالآية ان الله تعالى يجعل سبب الايمان الذي يكون به الايمان، وسبب الكفر الذي يكون به الكفر، وانهما جميعا من فعل الله على ما يقوله المجبرة، وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن حجة له على عباده، لا حجة للعباد عليه، فلو كان كما قالوه لكانت الحجة عليه لا له على انه لا يجوز أن يكون في كلام الله تعالى مناقضة، وقد ذكره الله تعالى في مواضع أنه هدى للكفار نحو قوله {أية : وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}تفسير : وقال {أية : وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة}تفسير : وقال {أية : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى}تفسير : وقال {أية : قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها}تفسير : فبين بجميع ذلك انه تعالى هدى الكفار كما هدى المؤمنين، فكيف ينفي ذلك في موضع آخر، وهل ذلك الا مناقضة وكلام الله منزه عنها؟! ومتى حملنا الآيات على ما قلناه ووفقنا بينها لم يؤد الى المناقضة ولا التضاد، ويقوي ذلك ان الله اخبر انه يجعل قلب الكافر ضيقا حرجا ونحن نجد كثيرا من الكفار غير ضيقي الصدر بما هم فيه من الكفر بل هم في غاية السرور والفرح بذلك، فكيف يقال ان الله تعالى ضيق صدورهم بالكفر؟! ولا يلزمنا ذلك اذا قلنا ان الله يفعل ذلك بهم على وجه العقوبة لانه تعالى اذا كان يفعل بهم ذلك عقوبة يجوز أن يفعل بهم ذلك اذا أراد عقابهم لا في جميع الاحوال، ولا يلزم ان يجدوا نفوسهم على ذلك في كل وقت. وأيضا فان سبب القبيح لا يكون الا قبيحا فعلى هذا سبب الكفر يجب ان يكون قبيحا، لانه موجب له لا يصلح لضده من الايمان، لانه لو صلح لذلك لم يكن سببا، والله تعالى لا يفعل القبيح. وانما ذكر الله ضيق صدر الكافر، وهو مما يصح ان يدعا به الى الايمان في بعض الاحوال، كما يصح ان يدعا بانشراحه في غير تلك الحال. ويقوي ما قلناه قوله {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} وانما أريد بذلك ما يفعله بهم من العقاب والبراءة واللعنة والشتم والاسماء القبيحة مع ما أعد لهم من العقاب. وقال الحسن: معناه انه يكون مقبول الايمان منشرح الصدر، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، ومعناه انه يثقل عليه ما يدعا اليه من الايمان كانما يصعد الى السماء، فبذلك صار ضيق الصدر عن الايمان. {ويجعل الله الرجس} يعني رجاسة الكفر على الذين لا يؤمنون. ووجه آخر في الآية، وهو أن نحملها على التقديم والتأخير كأنه قال: من يشرح الله صدره للاسلام يرد الله أن يهديه، ومن يجعل صدره ضيقا حرجا يرد الله أن يضله. ووجه آخر وهو أن يكون الله تعالى لما دعاهم الى الايمان وأمرهم ففعلوه انشرحت صدورهم، فنسب شرح ذلك الى الله تعالى، ولما ضاقت صدور الكفار عند دعاء الله واقامة الحجج عليهم وامره اياهم بذلك فضلوا عند ذلك، صح ان ينسب اضلالهم اليه، كما يقولون: أضل فلان بعيره اذا ضل عنه، وهو لم يرد ذلك. واللام في قوله {للإسلام} يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون الله تعالى هداه بالالطاف التي ينشرح بها صدره للتمسك بالاسلام والاستبصار فيه، ولا يكون فعل ذلك بالكفار وان لم يخل بينهم وبين الايمان ولا منعهم منه، لانه تعالى قد اعطى الكافر الصحة والسلامة والقوة، وجميع ما يتمكن به من فعل ما أمره به، وانما لم يفعل بهم اللطف الذي يؤمنون عنده، لانهم لما عدلوا عن النظر في آيات الله وحججه خرجوا من أن يكون لهم لطف يختارون عنده الايمان وصاروا مخذولين، فخلى الله تعالى بينهم وبين اختيارهم، فعبر عن ذلك بأنه جعل صدر الكافر ضيقا حرجا. والثاني - ان يكون اللام بمعنى لأجْل الشيء وبسببه كما يقول القائل: انما قلت هذا الكلام لزيد ولمراعات عمرو، المعنى من أجله وبسببه، فيكون المعنى انه شرح صدره من أجل الاسلام، لانه فعل اسلاما استحق به شرح الصدر.
اطفيش
تفسير : {فَمَن يُرد اللهُ أنْ يَهْديه يَشْرح صَدْره للإسْلامِ} الفاء تعليل للإصابة، لأن الإصابة تختص بمن لم يشرح صدره وقام التعليل بمفهوم هذا الكلام وبما بعده، ومعنى الهداية، والشرح هنا واحد وهو توفيق القلب لقبُول الحق، والرغبة فيه، والصدر القلب، سمى صدرا لأنه فيه، والشرح التوسيع بأن يقبل الحق ويرغب فيه، وينبسط له، ولا ينفر عنه لما فيه من رضا المحبوب سبحانه وتعالى، والفوز بالجنَّة والنجاة من النار، وذلك توفيق، ولما نزلت الآية حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال: "نور يقذفه الله فى قلب المؤمن وينشرح له وينفسح قيل: فهل لذلك أمارة؟ قال: "نعم الإنابة إلى دار الخلود، والتجافى عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله". تفسير : {ومَنْ يُردْ أن يُضلَّه} عن الحق {يجْعَل صَدْره ضيِّقاً} عن الحق نافراً عنه غير منفسح، غير راغب فيه، ولا منبسط لهُ إذ لا يرى داعية إليه محبوبه سبحانه وتعالى، ولا يعتقد فيه خيراً يصيبه كفوز بالجنة عن النار، وذلك لجعل ضيقاً هو نفس الإضلال، وكلاهما هو الخذلان، وضد الشرح المذكور وعلامته الركون إلى الدنيا بحيث لا تنشط جوارحه للاستعداد للآخرة، ولا يستنشطها، بل يتركها ويهملها وقرأ ابن كثير ضيقاً بإسكان الياء وهو وصف مخفف من ضيق بالتشديد أو مصدر أو خبر به عن الجثة مجاز مبالغة كأنه نفس الضيق لعظم ضيقه، أو بتقدير مضاف، أى ذا ضيق، أو تأويله بالوصف، أى ضائقا، وكونه وصفاً مخففا أولى. {حَرجاً} صفة مشبهة، أى متعطلا لا يصل إليه الحق ولا يتأثر به، ولا منفذ فيه للحق، قاله الكلبى وعن ابن عباس: إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، وإذا سمع ذكر الأصنام ارتاح لها، قرأ عمر الآية وعنده أعرابى من كنانة فقال له: ما الحرجة فيكم؟ قال: الشجرة التى لا تصل إليها الدابة ترعاها، ولا الإنسان يقطعها لمنفعة، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شئ من الخير، وروى أن عمر رضى الله عنه قرأها يوما بفتح الراء فقرأها بعض الصحابة بكسرها، فقال: ابغونى رجلا من كنانة وليكن راعياً، وليكن من بنى مدلج، فلما جاءه قال له: يا فتى ما الحرجة عندكم؟ قال: الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية، قال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شئ من الخير. وقرأ ابن عباس فقال: هل ها هنا أحد من بنى بكر؟ قال رجل: نعم، قال: ما الحرجة فيكم؟ قال: الوادى الكثير الشجر المشتبك الذى لا طريق فيه، فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر، يعنى لا يعى علماً ولا دليل التوحيد، وصف الله جل جلاله صدره بأنه ضيق نافر عن الحق، ثم بأنه متعطل شبيه بذلك الشجر لا مطمع فيه، ولو فسرنا ضيقاً بما فسرنا به حرجا، وحرجا بما فسرنا به ضيقا لجاز، لأن الحرج الضيق، والجمع بينهما تأكيد، والآية نصت أن الإيمان والضلال بمشيئة الله، وكسر رائه قراءة نافع وعاصم من رواية أبى بكر عنه، وقرأه الباقون بفتحها مصدراً أخبر به عن الجثة المبالغة كأنه نفس الضيق، أو بتقدير مضاف، أى إذا حرج أو بمعنى الوصف، وقيل المفتوح والمكسور كلاهما وصف، والأظهر ما ذكرته، وحرجاً مفعول ثان بعد مفعول ثان، ومن أجاز وصف الصفة أجاز كونه نعتاً لضيقاً. {كأنَّما يصَّعَّدُ} يتصعد يتفعل من الصعود لتكلف، أبدلت التاء صاداً وسكنت وأدغمت فى الصاد، أى يعالج ويتكلف الصعود بجسده {فى السَّماء} أى فى جهة السماء، فهى على ظاهره لأنه يوقع تكلف الصعود فى تلك الجهة، والدخول فيها، والمعنى أن متابعة الحق عنده صعبة شديدة متعذرة كصعوبة وشدة، وتعذر الصعود إلى السماء فى الهواء بلا درج، فهو لا يؤمن كما لا يصعد فى السماء، ويجوز كون فى بمعنى إلى، ويجوز أن يراد بالسماء جهتها بلا استشعار وصولها، وأن يراد بالتصعد فى السماء التصعد إلى أعلى عقبة كئود صعبة لا تتيسر. ويجوز أن يكون المعنى أنه ليس يستشعر أن الإسلام صعب متعذر كالصعود للسماء، بل مجرد أنه بعيد عن الإيمان كبعد الصعود إلى السماء، وقرأ شعبة وابن مسعود يتصعد بفتح التاء والصاد وتشديد العين، وهى أصل القراءة الأولى، وقرأ عاصم من رواية أبى بكر عنه يصاعد ألف بعد الصاد المشددة، وتخفيف العين، أصله يتصاعد بتاء قلبت صاداً، وأدغمت فى الصاد، وهؤلاء القراءات الثلاث فيها مبالغة والصيغة فيهن لتكلف الشئ. وقرأ ابن كثير يصعد بإسكان الصاد، وهو مضارع الثلاثى، وقرئ يصعد بضم الياء وإسكان الصاد وكسر العين مضارع أصعد بمعنى صعد، وكأن للتشبيه، وما صلة لتأكيد التشبيه مسبقة لدخولها على الجملة الفعلية، وبطلان عملها، والجملة مستأنفة، أو مفعول لمفعول ثان، أى مفعولا فيه كأنما يصَّعد فى السماء، والتحقيق أن الشرح والتضييق لم يرد بهما شأن التوحيد والشرك فقط، بل شأنهما وشأن العمل، وفسوق الموحد، فإن الموحد الفاسق قد جعل صدره ضيقا حرجاً أيضا كأنما يصَّعد فى السماء. {كَذلكَ} أى كما يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعد فى السماء {يَجْعل اللهُ الرِّجْس} العذاب فى الدنيا والآخرة {على الَّذين لا يؤمنُونَ} لأجل عدم إيمانهم، إذ ضاقت صدورهم عنه باختيارهم، فجازاهم الله بالرجس على ذلك وهو العذاب كما رأيت، وهو قول ابن عباس، وقيل: يحتمل أن يكون الرجس فى الدنيا، فيكون بمعنى اللعنة أو فى الآخرة، فيكون بمعنى العذاب، قال الزجاج: الرجس فى الدنيا اللعنة، وفى الآخرة العذاب، قلنا، لا يلزم ذلك، لأن الرجز وهو الرجس قد ورد فى القرآن بمعنى عذاب الدنيا كقوله تعالى: {وأنزل عليهم من السماء} الآية. وقال مجاهد: الرجس أعم من العذاب، فهو يعم كل ما فيه شر، وعن ابن عباس: الرجس الشيطان، وجعله عليهم تصديقه عليهم، فإنهم لما اختاروا الضلال ازداد عليهم أطاعوا الشيطان وأنفسهم أولا، فعوقبوا بالازدياد من الضلال، وقيل: الرجس الخذلان، وليس كذلك، لأن جعل الصدر ضيقا حرجا خذلان، ولعل المراد زيادة لخذلان، فإن كل معصية خذلان.
اطفيش
تفسير : {فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ} الفاء عطفت الجملة الاسمية على قوله سيصيب إِلخ، عطف قصة على أُخرى بل بينهما مناسبة باعتبار مفهوم الكلام من أَن المجرمين يصيبهم الذل والعذاب، والمؤمنين لا يصيبهم ذلك بل العز والإِنعام، ففى كل من الجمل وعد ووعيد، أَلا ترى إِلى قوله {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} فإِنه ناظر إِلى مفهوم الذين أَجرموا، وقوله {وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ} فإِنه ناظر إِلى ظاهر قوله سيصيب والهداية هنا هداية عصمة وتوفيق مترتبة على هدى البيان، أَى يبين لهم الحق فيؤمنوا فيوفقهم بشرح صدورهم وهو جعلها متسعة للحق قابلة له ليس فيها ما يزاحم الإِيمان من السوء. لما نزلت الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال: حديث : هو نور يقذفه الله فى قلب المؤمن فيشرح له وينفسحتفسير : ، فقالوا: هل لذلك من أَمارة يعرف بها، قال: حديث : نعم، الإِنابة إِلى دار الخلود، والتجافى عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزولهتفسير : . فشرح الصدر كناية عن تقوية الدواعى إِلى قبول الإِيمان وحلوله فى القلب وإِلى النفرة عن شأن الدنيا وذلك توفيق، وهو ضد الخذلان، الذى هو منع ذلك القلب فيضيق عن أَلفة الحق وقبوله فلا يتسع للإِيمان وتوابعه فيتعسر عليه ويستحيل كما يستحيل الصعود إِلى السماء ويصعب أَو يبعد عن الحق نفرة عنه ويبعد عنه كبعد الصعود إِليها، وجملة كأَنما مستأنفة أو حال من ضمير حرجاً لقربه أَو ضمير ضيقاً لبناء الكلام عليه، أَو مفعول ثان بعد مفعول ثان، يتصعد أَبدلت التاء صاداً وأُدغمت فى الصاد، وفى بمعنى إِلى، أَو على ظاهرها أَى كأنه يعالج الدخول فى السماء بعلاج الصعود الممتنع، والمراد ضيقاً عن قبول الحق، والحرج الذى هو أَشد ضيقاً فهو أَخص من الضيق. وقرأَ صحابى عند عمر الاية فقال عمر: ابغونى رجلا من كنانة واجعلوه راعياً وليكن مدلجيا، فأتوه به فقال عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون من الأَشجار التى لا تصل إِليها راعية ولا وحشية ولا شئ، فقال عمر رضى الله عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إِليه شئ من الخير {كَذَلِكَ} كما جعلنا صدره ضيقاً حرجاً، أَو مثل القصة أَى جعلا مثل ذلك الجعل مفعولا مطلقاً لما بعده، أَو مفعول ثانيا مقدماً لا خبر لمحذوف أَى الأَمر كذلك، لأَنه يتعطل عنه قوله {يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ} أَى العذاب فى الدنيا والآخرة ولفظ الزجاج: اللعنة فى الدنيا والعذاب فى الآخرة، أَو الرجس الخذلان أَو الشيطان، وأَصله الشئ القذر، والجعل تصيير فالمفعول الثانى هو قوله {عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} أَو الجعل إِنقاء فيتعلق بيجعل، والذين لا يؤمنون أَهل الضلال المذكورون ذكرهم بالظاهر ليذمهم بعدم الإِيمان، أَو ليذكر أَنه علة للرجس، أَو المراد مطلق من لا يؤمن فيدخل هؤلاء أَولا.
الالوسي
تفسير : {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ} أي يعرفه طريق الحق ويوفقه للإيمان، وقالت المعتزلة؛ المراد يهديه إلى الثواب أو إلى الجنة أو يثيبه على الهدى أو يزيده ذلك {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ} فيتسع له وينفسح وهو مجاز أو كناية عن جعل النفس مهيأة لحلول الحق فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم حين قال له: كيف الشرح يا رسول الله؟ فقال: حديث : نور يقذف في الصدر فينشرح له وينفسح فقيل: هل لذلك من آية يعرف بها يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت تفسير : . {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ } أي يخلق فيه الضلالة (لسوء اختياره)، وقيل: المراد يضله عن الثواب أو عن الجنة أو عن زيادة الإيمان أو يخذله ويخلي بينه وبين ما يريده {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً} بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يكاد (يكون فيه للخير منفذ) وقرأ ابن كثير {ضيقاً} بالتخفيف، ونافع وأبو بكر عن عاصم {حرجاً} بكسر الراء أي شديد الضيق والباقون بفتحها وصفاً بالمصدر للمبالغة «وأصل معنى الحرج ـ كما قال الراغب ـ مجتمع الشي [وتُصوِّر منه ضيق ما بينهما]، ومنه قيل: للضيق حرج»، وقال بعض المحققين: أصل معناه شدة الضيق فإن الحرجة غيضة أشجارها ملتفة بحيث يصعب دخولها. وأخرج ابن حميد وابن جرير وغيرهما عن أبـي الصلت الثقفي أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ {حَرَجاً} بفتح الراء وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {حرجاً} بكسرها فقال عمر: أبغوني رجلاً من كنانة واجعلوه راعياً وليكن مدلجياً فأتوه به فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء فقال عمر رضي الله تعالى عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير. {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَاء} استئناف أو حال من ضمير الوصف أو وصف آخر، والمراد المبالغة في ضيق صدره حيث شبه بمن يزاول ما لا [يكاد] يقدر عليه فإن صعود السماء مثل فيما هو خارج عن دائرة / الاستطاعة، وفيه تنبيه على أن الإيمان يمتنع منه كما يمتنع منه الصعود، والامتناع في ذلك عادي. وعن الزجاج معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبواً عن الحق وتباعداً في الهرب منه، وأصل {يَصْعَدُ} يتصعد وقد قرىء به فادغمت التاء في الصاد. وقرأ ابن كثير {يصعد} وأبو بكر عن عاصم {يصاعد} وأصله أيضاً يتصاعد ففعل به ما تقدم. {قَالَ كَذٰلِكَ} إشارة إلى الجعل المذكور بعده على ما مر تحقيقه أو إشارة إلى الجعل السابق أي مثل ذلك الجعل أي جعل الصدر حرجاً على الوجه المذكور {يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ} أي العذاب أو الخذلان. وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أنه قال: الرجس ما لا خير فيه. وقال الراغب: «الرجس الشيء القذر»، وقال الزجاج: هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة. وأصله ـ على ما قيل ـ من الارتجاس وهو الاضطراب {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي عليهم. ووضع الظاهر موضع المضمر للتعليل.
ابن عاشور
تفسير : الفاء مُرتِّبة الجملةَ الّتي بعدها على مضمون ما قبلها من قوله: { أية : أو من كان ميّتاً فأحييناه } تفسير : [الأنعام: 122] وما ترتَّب عليه من التّفاريع والاعتراض. وهذا التّفريع إبطال لتعلّلاتهم بعلّة { أية : حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } تفسير : [الأنعام: 124]، وأنّ الله منعهم ما علّقوا إيمانَهم على حصوله، فتفرّع على ذلك بيان السّبب المؤثّر بالحقيقة إيمانَ المؤمن وكُفْرَ الكافر، وهو: هداية الله المؤمنَ، وإضلالُه الكافرَ، فذلك حقيقة التّأثير، دون الأسباب الظّاهرة، فيعرف من ذلك أنّ أكابر المجرمين لو أوتوا ما سألوا لما آمنوا، حتّى يريد الله هدايتهم إلى الإسلام، كما قال تعالى: { أية : إنّ الذين حقّت عليهم كلمت ربّك لا يؤمنون ولو جاءتهم كلّ آية حتّى يَروا العذاب الأليم } تفسير : [يونس: 96، 97] ــــ وكما قال: { أية : ولو أنَّنا نزّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى وحشَرْنا عليهم كلّ شيء قِبَلاً ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله } تفسير : [الأنعام: 111]. والهدى إنَّما يتعلّق بالأمور النّافعة: لأنّ حقيقته إصابة الطريق الموصّل للمكان المقصود، ومجازَه رشاد العقل، فلذلك لم يحتج إلى ذكر متعلِّقه هنا لظهور أنَّه الهدى للإسلام، مع قرينة قوله: {يشرح صدره للإسلام}، وأمّا قوله: { أية : فاهْدُوهم إلى صراط الجحيم } تفسير : [الصافات: 23] فهو تهكّم. والضّلال إنَّما يكون في أحوال مضرّة لأنّ حقيقته خطأ الطّريق المطلوب، فلذلك كان مُشعراً بالضرّ وإن لم يذكر متعلّقه، فهو هنا الاتّصاف بالكفر لأنّ فيه إضاعة خير الإسلام، فهو كالضّلال عن المطلوب، وإن كان الضّالّ غير طالب للإسلام، لكنّه بحيث لو استقبَلَ من أمره ما استدبَر لطلبه. والشّرْح حقيقته شقّ اللّحم، والشّريحة القطعة من اللّحم تشقّ حتّى ترقّق ليقع شَيُّها. واستعمل الشّرح في كلامهم مجازاً في البيان والكشف، واستعمل أيضاً مجازاً في انجلاء الأمر، ويقين النّفس به، وسكون البال للأمر، بحيث لا يتردّد فيه ولا يغتمّ منه، وهو أظهر التّفسيرين في قوله تعالى: { أية : ألم نشرح لك صدرك } تفسير : [الشرح: 1]. والصّدر مراد به الباطن، مجازاً في الفهم والعقل بعلاقة الحلول، فمعنى {يشرح صدره} يجعل لنفسه وعقله استعداداً وقبولاً لتحصيل الإسلام، ويُوطّنه لذلك حتّى يسكن إليه ويرضى به، فلذلك يشبَّه بالشّرح، والحاصل للنّفس يسمّى انشراحاً، يقال: لم تنشرح نفسي لكذا، وانشرحتْ لكذا. وإذا حلّ نور التّوفيق في القلب كان القلب كالمتّسع، لأنّ الأنوار توسّع مناظر الأشياء. روى الطّبري وغيره، عن ابن مسعود: « حديث : أنّ ناساً قالوا: يا رسول الله كيف يشرحُ الله صدره للإسلام ــــ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل فيه النّور فينفسح ــــ قالوا ــــ وهل لذلك من علامة يعرف بها ــــ قال ــــ الإنابة إلى دار الخلود، والتنحّي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الفوت » تفسير : . ومعنى: {ومن يرد أن يضله} من يُرد دوام ضَلاله بالكفر، أو من يُرد أن يضلّه عن الاهتداء إلى الإسلام، فالمراد ضلال مستقبل، إمَّا بمعنى دَوام الضلال الماضي، وإمَّا بمعنى ضلال عن قبول الإسلام، وليس المراد أن يضلّه بكفره القديم، لأنّ ذلك قد مضى وتقرّر. والضيِّقُ ــــ بتشديد الياء بوزن فَيْعِل ــــ مبالغة في وصف الشّيء بالضيّق، يقال ضاق ضِيقاً ــــ بكسر الضاد ــــ وضَيقاً ــــ بفتحها ــــ والأشهر كسر الضاد في المصدر والأقيس الفتح؛ ويقال بتخفيف الياء بوزن فَعْل، وذلك مثل مَيِّت ومَيْت، وهما وإن اختلفت زنتهما، وكانت زنة فَيْعِل في الأصل تفيد من المبالغة في حصول الفعل ما لا تفيده زنة فَعْل، فإنّ الاستعمال سوّى بينهما على الأصحّ. والأظهر أنّ أصل ضيِّق: بالتخفيف وصف بالمصدر، فلذلك استويا في إفادة المبالغة بالوصف. وقرىء بهما في هذه الآية، فقرأها الجمهور: بتشديد الياء، وابن كثير: بتخفيفها. وقد استعير الضيِّق لضدّ ما استعير له الشّرح فأريد به الّذي لا يستعدّ لقبول الإيمان ولا تسكن نفسه إليه، بحيث يكون مضطرب البال إذا عُرض عليه الإسلام، وهذا كقوله تعالى: { أية : حصرت صدورهم } تفسير : وتقدّم في سورة النّساء (90). والحَرِج بكسر الراء صفة مشبّهة من قولهم: حَرِج الشّيء حرَجاً، من باب فرح، بمعنى ضاق ضيقاً شديداً، فهو كقولهم: دَنِف، وقَمِن، وفَرِق، وحَذِر، وكذلك قرأه نافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو جعفر، وأمّا الباقون فقرأوه بفتح الراء على صيغة المصدر، فهو من الوصف بالمصدر للمبالغة، فهو كقولهم: رجل دَنَف بفتح النّون وفَرَد بفتح الراء. وإتْباع الضيِّق بالحرج: لتأكيد معنى الضيق، لأنّ في الحرج من معنى شدّة الضّيق ما ليس في ضيق. والمعنى يجعل صدره غير متّسع لقبول الإسلام، بقرينة مقابلته بقوله: {يشرح صدره للإسلام}. وزاد حالة المضلَّل عن الإسلام تبيينا بالتّمثيل، فقال: {كأنما يصعد في السماء}. قرأه الجمهور: {يصّعَّد} ــــ بتشديد الصاد وتشديد العين ــــ على أنَّه يَتفعَّل من الصعود، أي بتكلّف الصعود، فقلبت تاء التفعّل صاداً لأنّ التاء شبيهة بحروف الإطباق، فلذلك تقلب طاء بعد حروف الإطباق في الافتعال قلباً مطّرداً ثمّ تدغم تارة في مماثلها أو مقاربها، وقد تقلب فيما يشابه الافتعال إذا أريد التّخفيف بالإدغام، فتدغم في أحد أحرف الإطباق، كما هنا، فإنَّه أريد تخفيف أحد الحروف الثّلاثة المتحرّكة المتوالية من (يَتصعّد)، فسُكنت التاء ثمّ أدغمت في الصّاد إدغام المقارب للتخفيف. وقرأه ابن كثير: {يَصْعَد} ــــ بسكون الصّاد وفتح العين، مخفّفاً. وقرأه أبو بكر، عن عاصم: {يصّاعد} ــــ بتشديد الصّاد بعدها ألف ــــ وأصله يتصاعد. وجملة {كأنما يصعد} في موضع الحال من ضمير: {صدْرَه} أو من صَدره، مُثِّل حال المشرك حين يدعى إلى الإسلام أو حين يخلو بنفسه، فيتأمل في دعوة الإسلام، بحال الصّاعد، فإنّ الصّاعد يضيق تنفّسه في الصّعود، وهذا تمثيل هيئة معقولة بهيئة متخيَّلة، لأنّ الصّعود في السّماء غير واقع. والسّماء يجوز أن يكون بمعناه المتعارف، ويجوز أن يكون السّماء أطلق على الجوّ الّذي يعلو الأرض. قال أبو عليّ الفارسي: «لا يكون السّماء المُظلةَ للأرض، ولكن كما قال سيبويه القيدود الطويل في غير سماء ــــ أي في غير ارتفاع صعداً» أراد أبو عليّ الاستظهار بكلام سيبويه على أنّ اسم السّماء يقال للفضاء الذّاهب في ارتفاع (وليست عبارة سيبويه تفسيراً للآية). وحرف {في} يجوز أن يكون بمعنى (إلى)، ويجوز أن يكون بمعنى الظرفية: إمَّا بمعنى كأنّه بلغ السّماء وأخذ يصعد في منازلها، فتكون هيئة تخييلية، وإمّا على تأويل السّماء بمعنى الجوّ. وجملة: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} تذييل للتي قبلها، فلذلك فصلت. والرجس: الخبث والفساد، ويطلق على الخبث المعنوي والنّفسي. والمراد هنا خبث النّفس وهو رجس الشّرك، كما قال تعالى: { أية : وأمّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم } تفسير : [التوبة: 125] أي مرضاً في قلوبهم زائداً على مرض قلوبهم السّابق، أي أرسخت المرض في قلوبهم، وتقدّم في سورة المائدة (90) { أية : إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشّيطان } تفسير : فالرجس يعمّ سائر الخباثات النّفسيّة، الشّاملة لضيق الصّدر وحرجه، وبهذا العموم كان تذييلاً، فليس خاصّا بضيق الصدر حتّى يكون من وضع المظهر موضع المضمر. وقوله: {كذلك} نائب عن المفعول المطلق المراد به التّشبيه والمعنى: يجعل الله الرجس على الّذين لا يؤمنون جَعْلا كهذا الضيق والحرج الشّديد الّذي جعله في صدور الّذين لا يؤمنون. و{على} في قوله: {على الذين لا يؤمنون} تفيد تمكّن الرجس من الكافرين، فالعُلاوة مجاز في التمكّن، مثل: { أية : أولئك على هدى من ربّهم } تفسير : [البقرة: 5] والمراد تمكّنه من قلوبهم وظهور آثاره عليهم. وجيء بالمضارع في {يَجعل} لإفادة التّجدّد في المستقبل، أي هذه سنّة الله في كلّ من ينصرف عن الإيمان، ويُعرض عنه. و{الّذين لا يؤمنون} مَوصول يومىء إلى علّة الخبر، أي يجعل الله الرجس متمكّناً منهم لأنَّهم يعرضون عن تلقّيه بإنصاف، فيجعل الله قلوبهم متزائدة بالقساوة. والموصول يعمّ كلّ من يُعرض عن الإيمان، فيشمل المشركين المخبر عنهم، ويشمل غيرهم من كلّ من يُدعى إلى الإسلام فيُعرض عنه، مثل يهود المدينة والمنافقين وغيرهم. وبهذا العموم صارت الجملة تذييلاً، وصار الإتيان بالموصول جارياً على مقتضى الظاهر، وليس هو من الإظهار في مقام الإضمار.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} الآية. جاء حديث : عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية الكريمة، فقيل: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ - صلى الله عليه وسلم - قال: "نور يقذف فيه، فينشرح له، وينفسح". قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت" تفسير : ويدل لهذا قوله تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} تفسير : [الزمر: 22].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 125- إذا كان أولئك قد ضلوا واهتديتم، فبإرادة الله تعالى وقضائه، فمن يُكْتَب له الهداية يتسع صدره لنور الإسلام، ومن يكتب عليه الضلال يكن صدرُه ضيقاً شديد الضيق، كأنه من الضيق كمن يصعد إلى مكان مرتفع بعيد الارتفاع كالسماء، فتتصاعد أنفاسه ولا يستطيع شيئاً، وبهذا يكتب الله الفساد والخذلان على الذين ليس من شأنهم الإيمان. 126- وهذا الذى بيَّناه هو طريق الحق المستقيم، قد فصَّلناه ووضَّحناه للناس، ولا ينتفع به إلا الذين من شأنهم التذكر وطلب الهداية. 127- ولهؤلاء المتذكرين المؤمنين دار الأمن، وهى الجنة، وهم فى ولاية الله ومحبته ونصرته، بسبب ما عملوا فى الدنيا من خير. 128- وإذا كان الذين سلكوا صراط الله المستقيم لهم الأمْن وولاية الله، فالذين سلكوا طريق الشيطان لهم جزاء ما ارتكبوا، حين يحشر الجميع يوم القيامة، ويقول - جل جلاله - للآثمين من الجن والإنس: أيها المجتمعون من الجن قد أكثرتم من إغواء الإنس حتى تبعكم منهم عدد كثير!. فيقول الذين اتبعوهم من الإنس: يا خالقنا والقائم علينا، قد انتفع بعضنا ببعض، واستمتعنا بالشهوات، وبلغنا أجلنا الذى حددته لنا. فيقول - جل جلاله -: مقركم النار خالدين فيها إلا مَنْ شاء الله أن ينقذهم ممن لم ينكروا رسالة الله. وإن أفعال الله دائماً على مقتضى الحكمة والعلم. 129- وكما متَّعنا عصاة الإنس والجن بعضهم ببعض، فجعل بعض الظالمين أولياء لبعض بسبب ما يكتسبون من كبائر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: شرح صدره: شرح الصدر توسعته لقبول الحق وتحمل الوارد عليه من أنوار الإِيمان وعلامة ذلك، الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله. حرجاً: ضيقاً لا يتسع لقبول الحق، ولا لنور الإِيمان. كأنما يصعد: يصعب عليه قبول الإِيمان حتى كأنه يتكلف الصعود إلى السماء. الرجس: النَّجس وما لا خير فيه كالشيطان. فصلنا الآيات: بيناها وأوضحناها غاية البيان والتوضيح. يذكرون: يذكرون فيتعظون. دار السلام: الجنة، والسلام اسم من أسماء الله تعالى فهي مضافة إلى الله تعالى. استكثرتم: أي من إضلال الإِنس وإغوائهم. استمتع بعضنا ببعض: انتفع كل منَّا بصاحبه أي تبادلنا المنافع بيننا حتى الموت. أجلنا الذي أجلت لنا: أي الوقت الذي وقت لنا وهو أجل موتنا فمتنا. مثواكم: مأواكم ومَقر بقائكم وإقامتكم. حكيم عليم: حكيم في وضع كل شيء في موضعه فلا يخلد أهل الإِيمان في النار، ولا يخرج أهل الكفر منها، عليم بأهل الإِيمان وأهل الكفران. معنى الآيات: بعد ذلك البيان والتفصيل لطريق الهداية في الآيات من أول السورة إلى قوله تعالى حكاية عن المدعوين إلى الحق العادلين به الأصنام إذ قالوا: {لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ}. أعلم تعالى عباده أن الهداية بيده وأن الإِضلال كذلك يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بعدله، وأن لكل من الهداية والإِضلال سنناً تتبع في ذلك فمن طلب الهداية ورغب فيها صادقاً علم تعالى منه وسهل له طرقها وهيأ له أسبابها، ومن ذلك أنه يشرح صدره لقبول الإِيمان وأنواره فيؤمن ويسلم ويحسن فيكمل ويسعد، ومن طلب الغواية ورغب فيها صادقاً علم الله تعالى ذلك منه فهيأ له أسبابها وفتح له بابها فجعل صدره ضيقا حرجاً لا يتسع لقبول الإِيمان وحلول أنواره فيه حتى لكأنه يتكلف الصعود إلى السماء وما هو بقادر هذه سنته في الهداية والإِضلال، وقوله تعالى {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي كذلك الفعل في الهداية والإِضلال يجعل الله الرجس أي يلقي بكل ما لا خير فيه على قلوبهم من الكبر والحسد والشرك والكفر والشيطان لقبول المحل لكل ذلك نتيجة خلوه من الإِيمان بالله ولقائه. وقوله تعالى {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى ما بيّنه من الهدى وهذا طريق ربك مستقيماً فاسلكه والزمه فإنه يفضي بك إلى كرامة ربك وجواره في جنات النعيم. وقوله: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} يمتن تعالى وله الحمد والمنة بما أنعم به على هذه الأمة من تفصيل الآيات حججاً وبراهين وشرائع ليهتدي طالبوا الهدى المشار إليهم بقوله {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} فيذكرون فيؤمنون ويعملون فيكملون ويسعدون في دار السلام إذ قال تعالى {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} أي متوليهم بالنصر والتأييد في الدنيا والإِنعام والتكريم في الآخرة {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الصالحات. هذا ما دلت عليه الآيات الأولى والثانية والثالثة أما الآية الرابعة [128] فقد تضمنت عرضاً سريعاً ليوم القيامة الذي هو ظرف للجزاء على العمل في دار الدنيا فقال تعالى: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} إنسهم وجنهم ويقول سبحانه وتعالى {يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ} أي في إغوائهم وإضلالهم، {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ} أي الذين كانوا يوالونهم على الفساد والشر والشرك والكفر {رَبَّنَا} أي يا ربنا {ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} أي كل منا تمتع بخدمة الآخر له وانتفع بها، يريدون أن الشياطين زينت لهم الشهوات وحسنت لهم القبائح وأغرتهم بالمفاسد فهذا انتفاعهم منهم وأما الجن فقد انتفعوا من الإِنس بطاعتهم والاستجابة لهم حيث خبثوا خبثهم وضلا ضلالهم. وقولهم {وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا} أي واستمر ذلك منا إلى أن انتهينا إلى أجلنا الذي أجلته لنا وهو نهاية الحياة الدنيا وها نحن بين يديك، كأنهم يعتذرون بقولهم هذا فرد الله تبارك وتعالى عليهم بإصدار حكمه فيهم قائلا: {ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} ومعنى مثواكم: مقامكم الذي تقيمون فيه أبداً. ومعنى قوله {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} هو استثناء لبيان إرادة الله المطلقة التي لا يقيدها شيء، إذ لو شاء أن يخرجهم من النار لأخرجهم أي ليس هو بعاجز عن ذلك، ومن الجائز أن يكون هذا الاستثناء المراد به من كان منهم من أهل التوحيد ودخل النار بالفسق والفجور وكبير الذنوب بإغواء الشياطين له فإنه يخرج من النار بإيمانه، ويكون معنى (ما) (من) أي إلا من شاء الله. والله أعلم بمراده، وقوله في ختام الآية، {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ}، ومن مظاهر حكمته وعلمه إدخال أهل الكفر والمعاصي النار أجمعين الإِنس والجن سواء. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله تعالى في الهداية والإِضلال. 2- بيان صعوبة وشدة ما يعاني الكافر إذا عرض عليه الإِيمان. 3- القلوب الكافرة يلقى فيها كل ما لا خير فيه من الشهوات والشبهات وتكون مقراً للشيطان. 4- فضيلة الذكر المنتج للتذكر الذي هو الإِتعاظ فالعمل. 5- ثبوت التعاون بين أخباث الإِنس والجن على الشر والفساد. 6- إرادة الله مطلقة يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فلا يؤثر فيها شيء.
القطان
تفسير : شرح الصدر: توسيعه، ويراد به جعل النفس مهيأة لتقبل الحق. الضيَّيِّقِ والضَّيْق (بالتشديد والتخفيف) ضد الواسع. الحرج: شدة الضيق. الحرجة: الشجر الكثير الملتف بعضه ببعض بحيث يصعب الدخول فيه يصعد في السماء: يرتفع الى أعلى فيضيق نفسه الرجس: كل ما يُستقذر، واللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة. يوازن الله تعالى في هذه الآية بين الضالِّين المستكبرين، وبين المستعدّين للايمان بما جاء به الرسول الكريم. فيقول: اذا كان أولئك الاشرار قد ضلّوا واهتديتم، فبارادة الله تعالى وقضائه، فمن يكتُب له الهداية يتسع صدرهُ لنور الاسلام، ويستقبله في يسر ورغبة.ومن يكتُب عليه الضلال يجعل صدره ضيّقا شديد الضيق، كأنه من شدة الضيق كمن يصعد الى مكان شديد الارتفاع فتنقطع أنفاسه. بهذا يكتب الله الخذلان على الذين لم يهتدوا. وقد اثبتت الدراسات العلمية أنه كلّما ارتفع الانسان أخذ التنفس يضعُف ويضيق لقلّة الاوكسجين في الهواء. وذلك أن الطبقات العليا من الهواء اقل كثافةً من الطبقات التي هي أدنى منها. ولذلك نرى الطائرات الحديثة الآن مكيفةً ومجهّزة بأحدث الاجهزة لوقاية الركاب فيها. {عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. قراءات: قرأ ابن كثير: "ضَيْقاً" والباقون: "ضّيِقاً" بالتشديد. وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم: "حرجا" بكسر الراء، والباقون "حرجا" بفتح الحاء والراء. وقرأ ابن كثير "يصْعَد" بسكون الصاد وفتح العين بدون تشديد، وابو بكر عن عاصم: "يصاعد" بمعى يتصاعد.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِلإِسْلاَمِ} (125) - إِذَا أَرَادَ اللهُ هِدَايَةَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ يُيَسِّرُهُ لِلإِسْلاَمِ، وَيُوَسِّعُ قَلْبَهُ لِلتَّوْحِيدِ، وَالإِيمَانِ بِهِ، وَيَقْذِفُ اللهُ فِي قَلْبِهِ نُوراً يَنْشَرِحُ لَهُ وَيَنْفَسِحُ، كَمَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُضِلَّ أَحَداً يَجْعَلُ صَدْرَهُ ضَيِّقاً لاَ يَتَّسِعُ لِشَيءٍ مِنَ الهُدَى وَلاَ يَخْلُصُ إِليهِ شَيءٌ مِنَ الإِيمَانِ، فَإِذَا طُلِبَ إِلَيْهِ التَّأَمُّلُ فِيمَا يُدْعَى إِلَيْهِ مِنْ دَلاَئِلِ التَّوْحِيدِ وَالنَّظَرِ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ. وَجَدَ فِي صَدْرِهِ ضِيقاً عَنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مِثْلُهُ فِي ضِيقِ الصَّدْرِ مَثَلُ مَنْ يَصْعَدُ إِلى الطَّبَقَاتِ العُلْيا مِنَ السَّمَاءِ إِذْ يَشْعُرُ بِضِيقٍ فِي التَّنَفُّسِ، وَكُلَّمَا تَزَايَدَ صُعُودُهُ تَزَايَدَ شُعُورُهُ بِضِيقٍ فِي التَّنَفُّسِ. وَكَمَا يَجْعَلُ اللهُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ إِضْلاَلَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً، كَذَلِكَ يُسَلِّطُ اللهُ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْثَالِهِ مِمَّنْ أَبَوا الإِيمَانَ، فَيَغْوِيهِ، وَيَصُدُّهُ عَنْ سَبِيلِ اللهِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرِّجْسُ هُنَا هُوَ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ مَا لاَ خَيْرَ فِيهِ). وَالرِّجْسُ لُغَةً - كُلُّ مَا هُوَ مُسْتَقْذَرٌ عَقْلاً أَوْ شَرْعاً أَوْ حِسّاً وَهُوَ هُنَا العَذَابُ. حَرَجاً - شَدِيدَ الضِّيقِ. يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ - يَتَكَلَّفُ صُعُودَهَا فَلاَ يَسْتَطِيعُهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نجد من يقول إن ربنا حين يريد لإنسان أن يشرح صدره للإسلام فذلك من إرادة الله وما ذنب المكلف إذن؟. وللرد على هذا نقول: لقد عرفنا من قبل أن الهداية لها معنيان: المعنى الأول: الدلالة وهي أمر وارد وواجب حتى للكافر. فإن هُدى الله للكافر أن يدلّه إلى طريق الخير، ولكن هناك هداية من نوع آخر وهي للذي آمن، ويصبح أهلاً لمعونة الله بأن يخفف عنه أعباء التكاليف وييسرها له ويجعله يعشق كل الأوامر ويعشق البغض والتجافي عن كل النواهي. يقول بعض الصالحين:" اللهم إني أخاف ألا تثيبني على طاعة، لأني أصبحت أشتهيها" كأنه عشق الطاعة بحيث لم يعد فيها مشقة أو تكليقاً، لذلك فهو خائف، وكأنه قد فهم أنه لابد ان توجد مشقة، ولمثل هذا لإنسان الصالح نقول: لقد فقدت الإحساس بمشقة التكليف لأنك عشقته فألفت العبادة كما ألفتك وعشقتك، وحدث الانجذاب بينك وبين الطاعة، وجعلت رسول الله مثلاً لك وقدوة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يرى أنه إذا نودي إلى الصلاة يقوم الناس إليها كسالى لكنه "حديث : صلى الله عليه وسلم يقول لبلال حينما يأتي وقت الصلاة:أرحنا بها يا بلال ". تفسير : وهذا غير ما يقوله بعض ممن يؤدون الصلاة الآن حيث يقول الواحد منهم: هيا نصل لنزيحها من على ظهورنا، وهؤلاء يؤدونها بالتكليف لا بالمحبة والعشق. أما الذين ألفوا الراحة بالصلاة حينما يحزبهم ويشتد عليهم أمر خارج عن نطاق أسبابهم، ويقول الواحد منهم: مادامت الصلاة تريح القلب، فلأذهب إليها وألقى ربي زائداً على أمر تكليفه لى متقربا إليه بالنوافل، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة. ومعنى حزبه أن الأسباب البشرية لا تنهض به. فيقوم إلى الصلاة، وهذا أمر منطقي، لله المثل الأعلى. كان الإنسان منا وهو طفل إذا ما ضايقه أمر يذهب إلى أبيه، فما بالنا إذا ما ضايقنا أمر فوق الأسباب المعطاة لنا من الله فلمن نروح؟ إننا نلجأ لربنا ولقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة. إذن فعشق التكليف شيء يدل على أنك ذقت حلاوة الطاعة، وقد يجوز أنه شاق عليك؛ لأنه يخرجك أولاً عما ألفت من الاعتياد. فعندما يأتيك أمر فيه مشقة تقول: إن هذه المشقة إنما يريد بها لي حسن الجزاء، فإذا ما عشقت الصلاة صارت حبًا لك، وكان واحد من الصالحين - كما قلت - يخاف ألا يثاب على الصلاة لأنها أصبحت شهوة نفس،ـ والإنسان مطالب بأن يحارب نفسه في شهواتها لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لنا المثل فقال: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يصبح هواه تبعاً لما جئت به" تفسير : أي يصبح ما يشتهيه موافقاً لمنهج الله، فإذا وصل وانتهى المؤمن إلى هذه المنزلة فهو نعم العبد السوي. وهكذا عرفنا أن الهداية قسمان: هداية بمعنى الدلالة، وهداية بمعنى المعونة. فإذا ما اقتعنت بهداية الدلالة وآمنت بالحق فسبحانه يخفف عليك أمور التكليف ويجعلك عاشقاً لها، ولذلك يقول أهل الصلاح: ربنا قد فرض علينا خمس صلوات، وسبحانه يستحق منا الوقوف بين يديه أكثر من خمس مرات، وفرض علينا ربنا نصاب الزكاة وهو اثنان ونصف بالمائة، وسبحانه يستحق منا أكثر من ذلك لأنه واهب كل شيء، وهذا عشق التكليف، وهذا هو معنى قوله: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}. {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ} أي يدلّه سبحانه كما دل كل العباد إلى المنهج، لكن الذي اقتنع بالدلالة وآمن يسهل عليه تبعات التكليف مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} تفسير : [مريم: 76] فهذه هداية المعونة، وفيه فرق هنا بين الإِسلام والإِيمان لأن الإِيمان لا يحتاج فقط إلى الاعتقاد؛ إنما هو حمل النفس على مطلوبات الإِيمان. ولذلك نجد أن كبار رجال قريش رفضوا أن يقولوا: "لا إله إلا الله"؛ لأنهم علموا أنها ليست مجرد كلمة تقال، ولكن لها مطلوبات تتعب في التكاليف الناتجة عنها بـ"افعل" و"لا تفعل". فالتكليف يقول لك: "افعل" لشيء هو صعب عليك، ويقول لك: "لا تفعل" في شيء من الصعب أن تتركه، لذلك يقول سبحانه: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} [الأنعام: 125] وسبحانه يشرح صدره للإِسلام بعد أن علم أنه قد اعتقد شريعة التوحيد ورضيها واطمأن بها، فيأتي إلى فهم التكاليف؛ لأن صحيح الإِسلام يقتضي الانقياد لأمور التكاليف، فمن أخذ الهداية الأولى وآمن بربه، يوضح له سبحانه: آمنت بي وجئتني؛ لذلك أخفف عنك تبعات العمل، ويشرح صدره للإِسلام، وشرح الصدر قد يكون جزاءً. فسبحانه هو القائل: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1] فقد جازاه ربنا بذلك؛ لأنه أدّى ما عليه وصمد. كأن الله يريد بالإِيمان من المؤمن أن يقبل على الحق، وحينما يقبل على الحق، يبحث العبد ليتعرف على المراد والمطلوب منه فيعلم أنها التكاليف، فإذا رأى الله منك الاستعداد المتميز لقبول التكاليف، فإنّه يخففها عنك لا بالتقليل منها، ولكن بأن يجعلك تشتهيها، وقد تلزم نفسك بأشياء فوق ما كلفك الله؛ لتكون من أهل المودة ومن أهل التجليات ومن الذين يدخلون مع الله في ود، وتلتفت لنفسك وأنت تقول: لقد كلفني الله بالقليل وسبحانه يستحق الكثير. فتزيد من طاعتك وتجد أمامك دائماً الحديث القدسي. "حديث : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. " تفسير : أي بالأمور التي تزيد على ما كلفه في الصلاة والزكاة والصيام والحج. إذن فمعنى {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} أي يجعل الأمور التي يظن بعض من الناس أنها متعبة فإنه بإقباله عليها وعشقه لها يجدها مريحة ويقبل عليها بشوق وخشوع. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يترك في خلقه مُثُلاً للناس. فنجد المال عزيزاً على النفس حريصة عليه لأنه إن كان المال قد جاء بطريق شرعه الله وأحله فهو يأتي بتعب وبكدّ؛ لذلك يحرص عليه الإِنسان، فيحنن الله العبد من أجل البذل والعطاء. إننا نجد المؤمن يعطي للسائل لأن السائل هو الجسر الذي يسير عليه المسلم إلى الثواب من الله، فيقول العبد المؤمن للسائل: مرحباً بمن جاء ليحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة، ولذلك عندما جاء مسلم إلى الإِمام عليّ- رضي الله عنه وكرّم الله وجهه-، قال المسلم: أنا أريد أن أعرف أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ واختار الإمام عليّ مقياساً للإِيمان في نفس كل مؤمن، وقال له: إن جاءك من يطلب منك، وجاء من يعطيك، فإن كنت تهش لمن يعطيك فأنت من أهل الدنيا، وإن كنت تهش لمن يأخذ منك فأنت من أهل الآخرة؛ لأن الإنسان يحب من يعمر له ما يحب. إذن فـ"يشرح صدره للإسلام" أي يخفف عنه متاعب التكليف بحيث لا توجد مشقة، ثم يرتقي بعد ذلك ارتقاءًَ آخر بأن يعشقه في التكليف. ويهديه الله إلى طريق الجنة، لأن هناك هداية إلى المنهج وهداية إلى الجزاء على المنهج، ولذلك نجد القرآن يقول؛ عمن ضلوا: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} تفسير : [النساء: 168-169] كأن هناك هداية إلى العمل وهداية إلى الجزاء، ونجد الحق يقول: {أية : وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} تفسير : [محمد: 4-6] وقد يتساءل إنسان: كيف يهدي الله من قتل، وهل هناك تكليف بعد القتل؟. نقول: انظر إلى الهداية، إنها هداية الجزاء "سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم". وهكذا نعرف أن هناك هداية الجزاء، من يحسن العمل يُجزِه الله الجنة، أما من يسيء فله عذاب في الدنيا والآخرة. {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] وهل هذا تجن من الله على خلقه؟ لا، لأنه مادام دعاهم للإيمان فآمن بعضهم وصاروا أهلاً للتجليات، وكفر بعضهم فلم يؤمنوا، فصاروا أهلاً للحرج وضيق الصدر. ومعنى الضيق أن الشيء يكون حجمه أقل مما يؤدي به مهمته، فحين يقال: ضاق البيت بي وبعيالي، فهذا يعني أن الرجل وزوجه في البداية عاشا في غرفتين، وكان البيت متسعاً. ثم انجبا عيالاً كثيرة فضاق بهم البيت. وهكذا نعلم أنه لم يطرأ شيء على الجدران ومساحة البيت، لكن حين زاد عدد الأفراد شعر رب الأسرة بضيق المنزل. ويقال: صدره ضيّق أوضيْق فقد ورد في القرآن لفظ ضيق على لغتين: فالحق يقول: {أية : ..وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 127] وهناك في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها توجد كلمة ضَيّق، والحق يقول: {أية : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ..} تفسير : [هود: 12] فما المراد من "ضائق"، و"ضيَق"، و"ضيْق"؟. نعرف أن الصدر هو مكان الجارحتين الأساسيتين في التكوين: القلب والرئة، والرئة هي الجارحة التي لا تستمر الحياة الا بعملها؛ فقد تبطئ الأمعاء مثلا، أو تتوقف قليلا عن عملها، ويتغذى الإنسان على خزينته من الدهن أو اللحم ولذلك يصبر الإنسان على الجوع مدة طويلة، ويصبر على الماء مدة أقل، لكنه لا يصبر على افتقاد الهواء لدقائق، ولا صبر لأحد على ترك الشهيق والزفير. ولقد قلنا من قبل: إن الحق سبحانه وتعالى قد يملكّ بعضاً قوت بعض. وأقل منه أن يملِّك بعضا ماء بعض، لكن أيملّك أحداً هواء أحد؟ لا؛ لأن الرضا والغضب أغيار في النفس البشرية. فإذا غضب إنسان على إنسان، وكان يملك الهواء وحبسه عنه فالإنسان يموت قبل أن يرضى عنه هذا الآخر، ولذلك لم يملّك الله الهواء لأحد من خلقه أبداً. إذن كل المسألة المتعلقة بقوله: {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} نعلم عنها أن الصدر هو محل التنفس، والرئة تأخذ الأوكسجين وتطرد ثاني أوكسيد الكربون، وعندما يصاب الإنسان بنوبة برد نراه وهو يجد صعوبة في التنفس، كأن حيّز الصدر صار ضيقاً، فلا يدخل الهواء الكافي لتشغيل الرئتين، ويحاول الإنسان أن يعوض بالحركة ما فاته فينهج. ويشخص الأطباء ذلك بأن المريض يريد أن يأخذ ما يحتاجه إليه من الهواء فينهج؛ لأن الحيّز قد ضاق، وكذلك عندما يصعد الإنسان سلماً، ينهج أيضاً؛ لأن الصعود يحتاج إلى مجهود، لمعاندة جاذبية الأرض، فالأرض لها جاذبية تشد الإنسان، ومن يصعد إنما يحتاج إلى قوة ليتحرك إلى أعلى ويقاوم الجاذبية. إننا نجد نزول السلم مريحاً؛ لأن في النزول مساعدة للجاذبية، لكن الصعود يحتاج إلى جهد أكثر، فإذا ضاق الصدر فمعنى ذلك أن حيز الصدر لم يعد قادراً على أن يأخذ الهواء بالتنفس بطريقة تريح الجسم، ولذلك يقال: "فلان صدره ضيق" أي أن التنفس يجهده إجهاداً بحيث يحتاج إلى هواء أكثر من الحجم الذي يسعه صدره. {ومَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} والحرج معناه الحجز عن الفعل، كأن نقول حرًَّجت على فلان أن يفعل كذا، أي ضيقت عليه ومنعته من أن يؤدي هذا العمل. "كأنما يصعّد في السماء". وعلمنا أن الصعود لأعلى هو امتداد لفعل الجسم إلى جهة من جهاته. فالجهات التي تحيط بأي شيء ست: هي فوق وتحت، ويمين، شمال، وأمام، وخلف، وعرفنا أن الهبوط سهل؛ لأن الجاذبية تساعد عليه، والمشي ماذا يعني؟ المشي إلى يمين أو إلى شمال أو إلى أمام أو إلى خلف، فهو فعل في الاستواء العادي الظاهر، والذي يتعب هو أن يصعد الإنسان، لأنه سيعاند الجاذبية، وهو بذلك يحتاج إلى قوتين: قوة للفعل في ذاته، والقوة الثانية لمعاندة الجاذبية. {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ} وذلك بسبب مشقات التكليف؛ لأنه لم يدخلها بعشق، فلا يدخل إلى مشقات التكليف بعشق إلا المؤمن فهو الذي يستقبل هذه التكاليف بشرح صدر وانبساط نفس وتذكر بما يكون له من الجزاء على هذا العمل، والذي يسهل مشقة الأعمال حلاوة تصور الجزاء عليها؛ فالذي يجتهد في دروسه إنما يستحضر في ذهنه لذة النجاح وآثار هذا النجاح في نفسه مستقبلاً وفي أهله. أما الذي لا يستحضر نتائج ما يفعل فيكون العمل شاقاً عليه. {ومَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ..} [الأنعام: 125] والسماء هي كل ما علاك فأظلك، فالجو الذي يعلوك هو سماء، وكذلك السحابة، وأوضح لنا ربنا أنه أقام السمٰوات السبع، وهنا أراد بعض العلماء الذين يحبون أن يظهروا آيات القرآن كمعجزات كونية إلى أن تقوم الساعة، أرادوا أن يأخذوا من هذا القول دليلاً جديداً على صدق القرآن، وتساءلوا: من الذي كان يدرك أن الذي يصعد في الجو يتعب ويحتاج إلى مجهودين: الأول للعمل والثاني لمناهضة الجاذبية ولذلك يضيق صدره لأنه لا يجد الهواء الكافي لإمداده بطاقة تولد وقوداً. ونقول لهؤلاء العلماء: لا يوجد ما يمنع استنباط ما يتفق في القضية الكونية مع القضية القرآنية بصدق، ولكن لنحبس شهوتنا في أن نربط القرآن بكل أحداث الكون حتى لا نتهافت فنجعل من تفسيرنا لآية من آيات القرآن دليلاً على تصديق نظرية قائمة، وقد نجد من بعد ذلك من يثبت خطأ النظرية. إنه يجب على المخلصين الذي يريدون أن يربطوا بين القرآن لما فيه من معجزات قرأنية مع معجزات الكون أن يمتلكوا اليقظة فلا يربطوا آيات القرآن إلا بالحقائق العلمية، وهناك فرق بين النظرية وبين الحقيقة؛ فالنظرية افتراضية وقد تخيب. لذلك نقول: أنبعد القرآن عن هذه حتى لا تعرضه للذبذبة. ولا تربطوا القرآن إلا بالحقائق العلمية التي أثبتت التجارب صدقها. وقائل القرآن هو خالق الكون، لذلك لا تتناقض الحقيقة القرآنية مع الحقيقة الكونية؛ لذلك لا تحدد أنت الحقيقة القرآنية وتحصرها في شيء وهي غير محصورة فيه. وتنبه جيداً إلى أن تكون الحقيقة القرآنية حقيقة قرآنية صافية، وكذلك الحقيقة الكونية. {..كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] والرجس وهو العذاب، إنما يأتيهم بسبب كفرهم وعدم إقبالهم على التكليف. ويقول الحق بعد ذلك: {وَهَـٰذَا صِرَاطُ..}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} وهو العَذَابُ. والرِجْزُ مِثلُهُ.
الأندلسي
تفسير : {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ} قال مقاتل: نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل. والهداية هنا مقابلة الضلال، والشرح كناية عن جعله قابلاً للإِسلام متوسعاً لقبول تكاليفه. والضمير في يجعل عائد على الله تعالى ومعنى يجعل يصير لأن الإِنسان يخلق أولاً على الفطرة وهي كونه متهيئاً لما يلقى إليه ولما يجعل فيه، فإِذا أراد الله تعالى إضلاله أضله وجعله لا يقبل الإِيمان. وقرىء: {ضَيِّقاً} بحذف الياء التي هي عين الكلمة، إذ وزنه قبل الحذف فيعل وبعد الحذف فيل كقولهم: ليّن ولين. {حَرَجاً} إسم فاعل من حرج يحرج فهو حرج. ومن قرأ حرجاً فهو وصف بالمصدر. {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ} هذه الجملة التشبيهية معناها أنه كما يزاول أمراً غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يقصد ويمتنع من الاستطاعة وتضيق عنه المقدرة. وقرىء: يصّاعد ويصعّد ويصعد. {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ} الإِشارة بذلك إلى المصدر المفهوم من قوله: يجعل. {ٱلرِّجْسَ} بمعنى العذاب، قاله أهل اللغة. وتعدية يجعل بعلى يحتمل أن يكون معناها يلقى كما تقول: جعلت متاعك بعضه على بعض، وأن يكون بمعنى يصيّر، وعلى في موضع المفعول الثاني. {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} الإشارة بقوله: وهذا، إلى القرآن والشرع الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. وانتصب مستقيماً على أنه حال مؤكدة، لأن صراطه تعالى لا يكون إلا مستقيماً. و{قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ} أي بيناها ولم نترك فيها إجمالاً ولا التباساً. {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي يتدبرون بعقولهم. {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ} أي الجنة. والسلام من أسماء الله تعالى كما قيل في الكعبة بيت الله، وأضيفت إليه تشريفاً، قاله ابن عباس. {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} أي مواليهم وناصرهم على أعدائهم، ومتوليهم بالجزاء على أعمالهم. {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} أعرب بعضهم يوم مفعول باذكر محذوفة والأولى أن يكون الظرف معمولاً لفعل القول المحكي به النداء، أي ويوم نحشرهم نقول: يا معشر الجن وهو أولى مما أجاز بعضهم من نصبه باذكر مفعولاً به لخروجه عن الظرفية. وقال الزمخشري: ويوم نحشرهم منصوباً بفعل مضمر غير فعل القول واذكر تقديره عندهم ويوم نحشرهم. وقلنا: يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظاعته. "انتهى". وما ذكره يستلزم حذف جملتين: جملة وقلنا، وجملة العامل. ويجوز أن يكون يا معشر في موضع الحال لقول محذوف تقديره قائلين على سبيل التوبيخ لهم ويكون قوله: وقال أولياؤهم مقولهم ربنا على سبيل الاعتذار. والعامل في يوم قال: النار مثواكم: والضمير في نحشرهم عائد على الثقلين. وجميعاً: توكيد. ومعنى الاستكثار هنا إضلالهم منهم كثيراً وجعلهم اتباعهم، كما تقول: استكثر فلان من الجنود واستكثر فلان من الاشياع. {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ} الآية، أي وقال أولياء الجن أي الكفار. من الإِنس {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ} انتفع. {بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} فانتفاع الإِنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وعلى التوصلات إليها وانتفاع الجن بالإِنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم من إغوائهم، روي هذا المعنى عن ابن عباس. والأجل الذي بلغوه هو الموت. {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ} أي مكان ثوائكم أي إقامتكم. وقال أبو علي: هو عندي مصدر لا موضع وذلك لعمله في الحال التي هي خالدين. والموضع ليس فيه معنى فعل، فيكون عاملاً والتقدير النار ذات ثوائكم. {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} اضطربت أقوال المفسرين في هذا الاستثناء ولا أراه يصح منها شىء ونظيره الاستثناء الذي في سورة هود وسيأتي الكلام في ذلك. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} هذه صفتان مناسبتان لهذه الآية لأن تخليد هؤلاء الكفرة في النار صادر عن حكمته. {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً} الآية، لما ذكر تعالى أنه ولى المؤمنين يعني أنه يحفظهم وينصرهم بيّن أن الكافرين بعضهم أولياء بعض في الظلم والخزي. قال قتادة: نجعل بعضهم ولي بعض في الكفر والظلم، يريد ما تقدم من ذكر الجن والإِنس واستمتاع بعضهم ببعض.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أهل الهداية والضلالة بقوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ} [الأنعام: 125]، إلى قوله: {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 127]، الإشارة فيها: إن انشراح الصدر لمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام إنما يكون من وقع النور في القلب؛ وذلك لأن الله تعالى إذا أراد أن يهدي عبداً إلى حضرة جلاله ينظر إلى قلبه بنظر العناية؛ فينوره بنور جماله لينظر ببصيرة القلب من رؤية السر؛ فيهديه نور جماله إلى حضرة جلاله؛ فينشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب، وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام؛ لقوله تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} تفسير : [الزمر: 22]، والنور الواقع في القلب: هو المسمى بنور الإيمان مهما يكون من وراء الحجب الرقاق؛ أي: الحجب الروحانية، كلما كان الحجاب أرق يكون الإيمان والقلب أنور وأرق وأصفى إلى أن يصير الإيمان إيقاناً وكمال رقة بالحجاب، وتنور القلب إلى أن يصير الإيقان عياناً ضدد رفع الحجاب، وتجلي الحق تبارك وتعالى بصفة جماله إلى أن يصير العيان عيناً تجلي صفة جلاله. {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} [الأنعام: 125] يعني: ظلمات طبيعته وميلان هوى نفسه وطبعه، فيبقى في ضيق صفات بشريته، وحرج تعلقاته بالدنيا، وما فيها وتتبع شهواته ولذاته ظلمات بعضها فوق بعض حتى لا يبقى فيه الرجوع إلى الخالق من التمادي في الباطل، فلا يسوغه الشرب من المشارب الروحانية الربانية لإستهلاكه في الصفات الحيوانية النفسانية، وإن حكم عليه بإتباع الحق ليشق عليه. {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ} [الأنعام: 125]؛ لأنه سفلي الطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر، {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ} [الأنعام: 125] الضلالة والبعد والطرد، {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] لا يصدق الأنبياء والأولياء فيما أتاهم من فضله ولا يتبعونهم. {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} [الأنعام: 126]؛ أي: هذا الذي بيناه من الهداية والضلالة للسعداء والأشقياء طريق مستقيم لربك باللطف والقهر، فبجذبات اللطف كما ذكرنا يهدي السعيد إلى حضرة الربوبية بإقامة العبودية، وبخذلان القهر يضل الشقي عن الحضرة بإتباع الهوى والقطيعة، {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ} [الأنعام: 126] بين السعيد والشقي، {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [الأنعام: 126] يتعظون ويتبعون سبيل الأنبياء والأولياء، ويتركون سبيل الشيطان والهوى، {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 127] أي: وراء السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج من ظلمات الإثنينية. {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 127]؛ يعني: هو الذي يتولاهم بالإخراج عن ظلمات اثنينتهم والإيصال إلى نور ربوبيته، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257]، فافهم جيداً. ثم أخبر عن الجن والإنس وما بينهما من الوحشية والأنس بقوله تعالى: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ} [الأنعام: 128]، وقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً}تفسير : [الأنعام: 22]، يشير إلى أنه تعالى حشر وجمع الجن وهي صفة الشيطانية والإنس، وهي النفس وصفاتها في موفق القالب البشري بحكمة بالغة وقدرة كاملة ويحيطها بقوله: يا معشر الجن وإلى الصفات الشيطانية قد استكثرتم من الإنس؛ أي: قبلتم على الصفات الإنسانية، وأضللتموهم عن طلب الحق وهو الصراط المستقيم إلى الله الذي خلق الإنسان للعبور عليه والوصول إلى الحق، ومن شأنه إقعاد الإنسان عن هذا الصراط، كما قال: {أية : فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الأعراف: 16]، {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ} [الأنعام: 128]؛ أي: النفس الإنسانية التي من حسنها ودناءة نفسها التي هي أمارة بالسوء وهي من أولياء الشياطين، {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا} [الأنعام: 128]، واستمتاع النفس الإنسانية بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره وخديعته وكيده وحيلته وتكبره وتمرده على تحصيل شهواتها الدنيوية ومستلذاتها واستيفاء حظوظها منها وتكبراً للحق تعالى موافقة هواها، وأمَّا استمتاع الشيطان بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائهم عند عجزه عن إغوائهم، كما استعان بحواء على آدم عليه السلام في أكل الشجرة، {أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا} [الأنعام: 128]؛ يعني: مدة استمتاع بعضنا ببعض وكميته الذي قدرت لنا، أشاروا بهذا: إلى أن ما جرى منهم إنما كان مقتضى ارتضائه وقدره، فأجابهم الله تعالى: {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} [الأنعام: 128]؛ يعني: كما قدَّرنا لكم الاستمتاع قدَّرنا أن النار تكون مثواكم وأنتم فيها خالدون، إلاَّ من شاء الله أن يتوب ويرجع إلى الله؛ فلا تكون النار مثواه؛ فلا استثناء راجع إلى أهل التوبة في الدنيا لا إلى أهل الخلود في النار. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} [الأنعام: 128]، فيما يجعل بعض أهل الاستمتاع أهل النار وبعضهم أهل الجنة، {عَلِيمٌ} [الأنعام: 128]، إنهم لا يهمهم خلقوا للنار أم الجنة، {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً} [الأنعام: 129]، يعني: حعلنا مرده الجن والإنس، بعضهم أولياء بعض، كذلك يجعل الضالّين بعضهم أولياء بعض؛ ليعين بعضهم ببعض على الظالم والفساد، كما يعين الشيطاني النفس على المعاصي، {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129]؛ يعني: سبب أن الظالمين كانوا يفسدون استعدادهم الفطري الروحاني القابل للفيض الربّاني؛ يوضع المعاملات النفسانية الحيوانية موضعها، التي هي ممانعة عن قبول الفيض.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى -مبينا لعباده علامة سعادة العبد وهدايته، وعلامة شقاوته وضلاله-: إن من انشرح صدره للإسلام، أي: اتسع وانفسح، فاستنار بنور الإيمان، وحيي بضوء اليقين، فاطمأنت بذلك نفسه، وأحب الخير، وطوعت له نفسه فعله، متلذذا به غير مستثقل، فإن هذا علامة على أن الله قد هداه، ومَنَّ عليه بالتوفيق، وسلوك أقوم الطريق. وأن علامة من يرد الله أن يضله، أن يجعل صدره ضيقا حرجا. أي: في غاية الضيق عن الإيمان والعلم واليقين، قد انغمس قلبه في الشبهات والشهوات، فلا يصل إليه خير، لا ينشرح قلبه لفعل الخير كأنه من ضيقه وشدته يكاد يصعد في السماء، أي: كأنه يكلف الصعود إلى السماء، الذي لا حيلة له فيه. وهذا سببه، عدم إيمانهم، هو الذي أوجب أن يجعل الله الرجس عليهم، لأنهم سدوا على أنفسهم باب الرحمة والإحسان، وهذا ميزان لا يعول، وطريق لا يتغير، فإن من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، يسره الله لليسرى، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى، فسييسره للعسرى.
همام الصنعاني
تفسير : قال: وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن هذه الآية: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ}: [الآية: 125]، قالوا: كيف يشرح صدره يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: "حديث : نُورٌ يُقْذَفُ فيهِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ، ويَنْفَسِحُ". تفسير : قَالُوا: فهل لذلك مِن أَمَارَة يعرف بها؟ قَالَ: الإمارة الإنابة لدَارِ الخلودِ، والتجافي عَنْ دَار الغرورِ، والاستعداد للموت، قبل لقاءِ الْموتِ. 853- حدثنا عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَر، عن عطاء الخراساني، والكلبي في قوله تعالى: {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً}: [الآية: 125]، قالا: ليس للخير فيه مَنْفَذٌ. { كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ}: [الآية: 125]، يقولان: مَثَلُه كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد في السَّمَاءِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):