Verse. 915 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَھٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِـيْمًا۝۰ۭ قَدْ فَصَّلْنَا الْاٰيٰتِ لِقَوْمٍ يَّذَّكَّرُوْنَ۝۱۲۶
Wahatha siratu rabbika mustaqeeman qad fassalna alayati liqawmin yaththakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهذا» الذي أنت عليه يا محمد «صراطُ» طريق «ربِّك مستقيما» لا عوج فيه ونصبه على الحال المؤكد للجملة والعامل فيها معنى الإشارة «قد فصّلنا» بينا «الآيات لقوم يذكَّرون» فيه إدغام التاء في الأصل في الذال أي يتعظون وخُصوا بالذكر لأنهم المنتفعون.

126

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَهَـٰذَا } إشارة إلى مذكور تقدم ذكره وفيه قولان: الأول: وهو الأقوى عندي أنه إشارة إلى ما ذكره وقرره في الآية المتقدمة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله تعالى، فوجب كون الفعل من الله تعالى، وذلك يوجب التوحيد المحض وهو كونه تعالى مبدئاً لجميع الكائنات والممكنات، وإنما سماه صراطاً لأن العلم به يؤدي إلى العلم بالتوحيد الحق، وإنما وصفه بكونه مستقيماً لأن قول المعتزلة غير مستقيم، وذلك لأن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر إما أن يتوقف على المرجح أو لا يتوقف، فإن توقف على المرجح لزم أن يقال الفعل لا يصدر عن القادر إلا عند انضمام الداعي إليه، وحينئذ يتم قولنا ويكون الكل بقضاء الله وقدره ويبطل قول المعتزلة، وإما أن لا يتوقف رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر على مرجح وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات، وحينئذ يلزم نفي الصنع والصانع وإبطال القول بالفعل والفاعل والتأثير والمؤثر فأما القول بأن هذا الرجحان يحتاج إلى المؤثر في بعض الصور دون البعض كما يقوله هؤلاء المعتزلة فهو معوج غير مستقيم، إنما المستقيم هو الحكم بثبوت الحاجة على الإطلاق، وذلك يوجب عين مذهبنا فهذا القول هو المختار عندي في تفسير هذه الآية. القول الثاني: أن قوله: {وَهَـٰذَا صِرٰطُ رَبّكَ مُسْتَقِيماً } إشارة إلى كل ما سبق ذكره في كل القرآن قال ابن عباس: يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك مستقيماً وقال ابن مسعود يعني القرآن والقول الأول أولى. لأن عود الإشارة إلى أقرب المذكورات أولى. وإذا ثبت هذا فنقول: لما أمر الله تعالى بمتابعة ما في الآية المتقدمة وجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات لأنه تعالى إذا ذكر شيئاً وبالغ في الأمر بالتمسك به والرجوع إليه والتعويل عليه وجب أن يكون من المحكمات. فثبت أن الآية المتقدمة من المحكمات وأنه يجب إجراؤها على ظاهرها ويحرم التصرف فيها بالتأويل. المسألة الثانية: قال الواحدي: انتصب مستقيماً على الحال، والعامل فيه معنى «هذا» وذلك لأن «ذا» يتضمن معنى الإشارة، كقولك: هذا زيد قائماً معناه أشير إليه في حال قيامه، وإذا كان العامل في الحال معنى الفعل لا الفعل، لم يجز تقديم الحال عليه لا يجوز قائماً هذا زيد، ويجوز ضاحكاً جاء زيد. أما قوله: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ }. فنقول: أما تفصيل الآيات فمعناه ذكرها فصلاً فصلاً بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر، والله تعالى قد بين صحة القول بالقضاء والقدر في آيات كثيرة من هذه السورة متوالية متعاقبة، بطرق كثيرة ووجوه مختلفة. وأما قوله: {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } فالذي أظنه والعلم عند الله أنه تعالى إنما جعل مقطع هذه الآية هذه اللفظة لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح على الآخر إلا لمرجح، فكأنه تعالى يقول للمعتزلي: أيها المعتزلي تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر، إلا لمرجح، حتى تزول الشبهة عن قلبك بالكلية في مسألة القضاء والقدر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} أي هذا الذي أنت عليه يا محمد والمؤمنون دين ربك لا ٱعوجاج فيه. {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ} أي بيّناها {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى طريق الضالين عن سبيله، الصادين عنها، نبه على شرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، فقال تعالى: {وَهَـٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} منصوب على الحال، أي: هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا إليك هذا القرآن هو صراط الله المستقيم؛ كما تقدم في حديث الحارث عن علي في نعت القرآن: هو صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، رواه أحمد والترمذي بطوله، {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ} أي: وضحناها وبيناها وفسرناها {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي: لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ} وهي الجنة {عِندَ رَبِّهِمْ} أي: يوم القيامة، وإنما وصف الله الجنة ههنا بدار السلام؛ لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج، أفضوا إلى دار السلام {وَهُوَ وَلِيُّهُم} أي: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: جزاء على أعمالهم الصالحة، تولاهم، وأثابهم الجنة بمنه وكرمه.

المحلي و السيوطي

تفسير : { وَهَٰذَا } الذي أنت عليه يا محمد {صِرَٰطُ } طريق {رَبِّكَ مُسْتَقِيماً } لا عوج فيه، ونصبه على الحال المؤكد للجملة، والعامل فيها معنى الإِشارة {قَدْ فَصَّلْنَا } بيَّنَّا {ٱلأَيَٰتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } فيه إدغام التاء في الأصل في الذال: أي يتعظون، وخصوا بالذكر لأنهم هم المنتفعون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَهَذا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} قد ذكرنا أن الصراط هو الطريق، ومنه قول عامر ابن الطفيل: شعر : شحنا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذل من الصراط تفسير : وفيه ها هنا قولان: أحدهما: يريد أن الإِسلام هو الصراط المستقيم إلى الله تعالى، قاله الكلبي. والثاني: يريد أن ما في القرآن من البيان هو الصراط المستقيم. {قَدْ فَصَّلْنَا} يحتمل وجهين: أحدهما: بيَّنَّا. والثاني: ميَّزنا. قوله عز وجل: {لَهُم دَارُ السَّلامِ عِندَ رَبِّهِمْ} وهي الجنة، وفي تسميتها دار السلام وجهان: أحدهما: لأنها دار السلامة الدائمة من كل آفة، قاله الزجاج. والثاني: أن السلام هو الله، والجنة داره، فلذلك سُمِّيَتْ دار السلام، وهذا معنى قول الحسن، والسدي. وفي قوله: {عِندَ رَبِّهِمْ} وجهان: أحدهما: أن دار السلام عند ربهم في الآخرة لأنها أخص به. والثاني: معناه أن لهم عن ربهم أن ينزلهم دار السلام. {وُهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: وهو ناصرهم في الدنيا على إيمانهم. والثاني: وهو المتولِّي لثوابهم في الآخرة على أعمالهم.

ابن عطية

تفسير : هذا إشارة إلى القرآن والشرع الذي جاء به محمد عليه السلام، قاله ابن عباس، و "الصراط" الطريق، وإضافة الصراط إلى الرب على جهة أنه من عنده وبأمره و {مستقيماً} حال مؤكدة وليست كالحال في قولك جاء زيد راكباً بل هذه المؤكدة تتضمن المعنى المقصود. و {فصلنا} معناه بينا وأوضحنا، وقوله {لقوم يذكرون} أي للمؤمنين الذين يعدون أنفسهم للنظر ويسلكون طريق الاهتداء، والضمير في قوله {لهم} عائد على القوم المتذكرين و {السلام} يتجه فيه معنيان، أحدهما أن السلام اسم من أسماء الله عز وجل فأضاف "الدار" إليه هي ملكه وخلقه، والثاني أنه المصدر بمعنى السلامة، كما تقول السلام عليك، وكقوله عز وجل {أية : تحيتهم فيها سلام} تفسير : [يونس:10] يريد في الآخرة بعد الحشر، و {وليهم} أي ولي الأنعام عليهم، و {بما كانوا يعملون} أي مسبب ما كانوا يقدمون من الخير ويفعلون من الطاعة والبر.

ابن عبد السلام

تفسير : {صِرَاطُ رَبِّكَ} الإسلام، أو بيان القرآن.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وهذا صراط ربك مستقيماً} يعني وهذا الذي بيَّنّا لك يا محمد في هذه السورة وغيرها من سور القرآن هو صراط ربك يعني دينه الذي شرعه لعباده ورضيه لنفسه وجعله مستقيماً لا اعوجاج فيه. قال ابن عباس: في قوله وهذا صراط ربك مستقيماً يعني الإسلام، وقال ابن مسعود: يعني القرآن لأنه يؤدي من تبعه وعمل به إلى طريق الاستقامة والسداد {قد فصلنا الآيات} يعني قد فصلنا آيات القرآن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب والحلال والحرام والأمر والنهي وغير ذلك من أحكام القرآن {لقوم يذكرون} يعني لمن يتذكر بها ويتعظ بما فيها من المواعظ والعبر. قال عطاء: يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان {لهم دار السلام عند ربهم} يعني الجنة في قول جميع المفسرين. قال الحسن والسدي: السلام هو الله تعالى وداره الجنة. معنى السلام في أسماء الله تعالى ذو السلام وهو جمع سلامة لأنه تعالى ذو السلامة من جميع الآفات والنقائص فعلى هذا القول أضيفت الدار إلى السلام الذي هو اسم الله تعالى إضافة تشريف وتعظيم كما قيل للكعبة بيت الله وللنبي صلى الله عليه وسلم عبد الله في قوله {أية : وأنه لما قام عبد الله يدعوه}تفسير : [الجن: 19]، واحتج لصحة هذا بأن في إضافة الدار إلى الله تعالى نهاية تشريفها وتعظيمها فكان ذكر الإضافة مبالغة في تعظيم أمرها. وقيل إن السلام صفة للدار لأنها دار السلامة الدائمة التي لا تنقطع فعلى هذا يكون السلام بمعنى السلامة كأنه قال دار السلامة التي لا يلقون فيها شيئاً يكرهونه. وقيل سميت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلامة كما قال تعالى في وصفها {أية : ادخلوها بسلام آمنين}تفسير : [الحجر: 46] {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم }تفسير : [الرعد: 23-24]وقال {أية : وتحيتهم فيها سلام}تفسير : [يونس: 10] وقال {أية : سلام قولاً من رب رحيم}تفسير : [يس: 58]{أية : لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً}تفسير : [مريم: 62] وقوله {عند ربهم} يعني أن الجنة معدة مهيأة لهم عند ربهم حتى يوصلهم إليها {وهو وليهم بما كانوا يعملون} يعني أنه تعالى يتولى أمرهم وإيصال المنافع إليهم ويدفع المضار عنهم. وقيل معناه أنه يتولاهم في الدنيا بالتوفيق والهداية وفي الآخرة بالجزاء والجنة. وقيل: الولي هو الناصر والقريب يعني أنه تعالى ينصرهم في الدنيا ويقربهم في الآخرة بسبب أعمالهم الصالحة التي كانوا يتقربون بها إليه في الدنيا قوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعاً} أي اذكر يا محمد يوم نحشر المعادلين بالله الأصنام مع أوليائهم من الشياطين يعني نحشر المشركين والشياطين جميعاً يوم القيامة {يا معشر الجن} فيه حذف تقديره يقول لهم يا معشر الجن والمعشر الجماعة والمراد من الجن الشياطين {قد استكثرتم من الإنس} يعني من إضلالهم وإغوائهم وقال ابن عباس: معناه أضللتم كثيراً من الإنس وهذا التفسير لا بد له من تأويل آخر لأن الجن لا يقدرون على إضلال الإنس وإغوائهم بأنفسهم لأنه لا يقدر على الإجبار أحد إلا الله لأنه هو المتصرف في خلقه بما شاء فوجب أن يكون المعنى: قد استكثرتم من الدعاء إلى الإضلال مع مصادفة القبول من الإنس {وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض} يعني استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن فأما استمتاع الإنس بالجن فقال الكلبي: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فنزل بأرض فقراء وخاف على نفسه من الجن قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في جوارهم. وأما استمتاع الجن بالإنس فهم أنهم قالوا سدنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا فيزدادون بذلك شرفاً في قومهم وعظماً في أنفسهم. وقيل: استمتاع الإنس بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم الأمور التي كانوا يهوونها وتسهيل سبيلها عليهم واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس للجن، فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي، وقيل: استمتاع الإنس بالجن فيما كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات وأصناف الطيبات ويسهلونها عليهم واستمتاع الجن بالإنس هي طاعة الإنس للجن، فيما يأمرونهم به وينقادون لحكمهم فصاروا كالرؤساء للإنس والإنس كالأتباع. وقيل: إن قوله ربنا استمتع بعضنا ببعض هو من كلام الإنس خاصة لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر نادر لا يكاد يظهر، أما استمتاع الإنس بعضهم ببعض فهو ظاهر فوجب حمل الكلام عليه {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} يعني أن ذلك الاستمتاع كان إلى أجل معين ووقت محدود ثم ذهب وبقيت الحسرة والندامة، قال الحسن والسدي: لأجل الموت. وقيل: هو وقت البعث للحساب في يوم القيامة {قال} يعني قال الله لهؤلاء الذين استمتع بعضهم ببعض من الجن والإنس {النار مثواكم} يعني أن النار مقامكم ومقركم فيه ومصيركم إليها {خالدين فيها} يعني مقيمين في نار جهنم أبداً {إلا ما شاء الله} اختلفوا في معنى هذا الاستثناء فقيل: معناه خالدين فيها إلا قدر مدة بعثهم ووقوفهم للحساب إلى حين دخولهم إلى النار فإن هذا الوقت ليسوا بخالدين فيه في النار، وقيل: المراد من الاستثناء هو أوقات نقلتهم من عذاب إلى عذاب آخر وذلك أنهم يستغيثون من النار فينقلون إلى الزمهرير ثم يستغيثون منه فينقلون إلى النار فكانت مدة نقلتهم هي المراد من هذا الاستثناء. ونقل جمهور المفسرين عن ابن عباس أنه قال: إن هذا الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم فيخرجون من النار قالوا فعلى هذا التأويل تكون ما في قوله إلا ما شاء الله، بمعنى من يعني إلا ما شاء الله ونقل الطبري عن ابن عباس أنه كان يتأول هذا الاستثناء بأن الله عز وجل جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابهم إلى مشيئته، وقال في هذه الآية: إنه لا يبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه أن لا ينزلهم جنة ولا ناراً. قال الزجاج: والقول الأول أولى لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم القيامة لأن قوله: {ويوم نحشرهم جميعاً} هو يوم القيامة ثم قال {خالدين فيها} منذ يبعثون {إلا ما شاء الله} من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدة محاسبتهم. {إن ربك حكيم} يعني في تدبير خلقه وتصريفه إياهم في مشيئته من حال إلى حال وغير ذلك من أفعاله. وقيل حكيم فيما يفعله من ثواب الطائع وعقاب العاصي وفي سائر وجوه المجازاة {عليم} يعني بعواقب أمور خلقه وما هم إليه صائرون كأنه قال إنما حكمت لهؤلاء الكفار بالخلود في النار، لعلمي بأنهم يستحقون ذلك.

ابن عادل

تفسير : "هذا" إشارةٌ إلى ما تقدَّم تَقْرِيرُه, وهو أن الفِعْل يتوقَّفُ على الدَّاعِي، وحُصُول تلك الدَّاعية من اللَّهِ - تبارك وتعالى - فوجَبَ كون الفِعْل من اللِّهِ - تعالى -، وذلك يوجب التَّوْحِيد المَحْضَ, وسماه صِرَاطاً؛ لأن العِلْمَ به يؤدِّي إلى العِلْمِ بالتَّوحيد الحق. وقيل: "هذا" إشارَةٌ إلى الَّذِي أنْتَ عليه يا مُحَمَّد طريق ربِّك ودينه الذي ارتَضَى لنَفْسِهِ, مسْتقِيماً لا عَوِجَ فيه وهُو الإسْلامُ. وقال ابن مَسْعُود - رضي الله عنهما - و "هذا" إشَارةٌ إلى القُرآن الكريم. قوله - تعالى -: "مُسْتَقِيماً" حال من "صِرَاط" والعَامِل فيه أحَد شَيْئَيْن: إمَّا "هَا" لما فيها من مَعْنَى التَّنْبيه، وإمَّا "ذَا" لما فِيهِ من مَعْنَى الإشارَةِ، وهي حَال مؤكدَةٌ لا مُبَيِّنة؛ لأن صِرَاط اللَّه لا يكُون إلاَّ كذلِك. قال الواحدي: انْتَصَب "مُسْتَقِيماً" على الحَالِ، والعَامِل فيه مَعْنَى هذا، وذلك أن "ذَا" يَتَضَمَّن مَعْنَى الإشارة؛ كقولك: هذا زَيْدٌ قَائِماً، مَعْنَاه: أشِيرُ إليه في حَالِ قِيَامِه، وإذا كان العَامِلُ في الحَالِ مَعْنَى الفِعْل لا الفِعْل، لم يَجُزْ تقديمُ الحالِ عليه، لا يَجُوز: "قَائِماً هذا زَيْد" و [يجوز] ضَاحِكَاً جَاءَ زَيْدٌ. ثم قال تبارك وتعالى: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ} أي: ذكرناها فَصْلاً فَصْلاً، بحيث لا يَخْتَلِطُ وَاحِدٌ منها بالآخَرِ, وقوله: "لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ". قال ابن الخطيب: فالَّذِي أظنه والعِلْمُ عند الله أنه - تبارك وتعالى - إنَّما جعل مَقْطَع هذه الآية الكَرِيمَة هذه اللَّفْظَة؛ لأنَّه تقرَّر في عَقْلِ كُلِّ واحدٍ أن أحَد طَرَفَي المُمْكِن لا يترَجَّحُ على الآخَرِ إلاَّ لِمُرَجِّح، فكأنَّه - تبارك وتعالى - يَقُول للمْعَتزِليّ: أيها المعتَزِلِيّ، تذكَّر ما تقرَّر في عَقْلِك أن الممْكِن؛ لا يتَرجَّحُ أحَدُ طَرَفَيْه على الآخَرِ إلاَّ لمرجِّحِ، حتَّى تزولَ الشُّبْهَة عن قَلْبِك بالكُلِّية في مَسْألة القَضَاء والقَدَرِ.

السيوطي

تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فصلنا الآيات} قال: بينا الآيات. وفي قوله {لهم دار السلام} قال: الجنة . وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد قال: السلام: هو الله . وأخرج أبو الشيخ عن السدي {لهم دار السلام} قال: الله هو السلام، وداره الجنة .

ابو السعود

تفسير : {وَهَـٰذَا} أي البـيانُ الذي جاء به القرآنُ أو الإسلامُ أو ما سبق من التوفيق والخذلان {صِرٰطُ رَبّكَ} أي طريقُه الذي ارتضاه أو عادتُه وطريقتُه التي اقتضتها حِكمتُه، وفي التعرّض لعنوان الربوبـيةِ إيذانٌ بأن تقويمَ ذلك الصراطِ للتربـية وإفاضةِ الكمال {مُّسْتَقِيماً} لا عِوَج فيه أو عادلاً مطّرداً، أو هو حالٌ مؤكدة كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدّقًا}تفسير : [البقرة، الآية 91] والعاملُ فيها معنى الإشارة {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ} بـيّناها مفصلةً {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} يتذكرون ما في تضاعيفها فيعلمون أن كلَّ ما يحدُث من الحوادث خيراً كان أو شراً فإنما يحدُث بقضاء الله تعالى وخلقِه وأنه تعالى عالمٌ بأحوال العبادِ حكيمٌ عادلٌ فيما يفعل بهم، وتخصيصُ القومِ المذكورين بالذكر لأنهم المنتفِعون بتفصيل الآيات {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ} أي للمتذكرين دارُ السلامة من كل المكاره وهي الجنة {عِندَ رَبّهِمْ} أي في ضمانه، أو ذخيرةٌ لهم عنده لا يعلم كُنهَها غيرُه تعالى {وَهُوَ وَلِيُّهُم} أي مولاهم وناصرُهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بسبب أعمالِهم الصالحةِ، أو متولِّيهم بجزائها يتولىٰ إيصالَه إليهم. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} منصوبٌ بمضمر إما على المفعولية أو الظرفية وقرىء بنون العظمة على الالتفات لتهويل الأمرِ، والضميرُ المنصوبُ لمن يُحشر من الثقلين، أي واذكر يومَ يَحشُر الثقلين قائلاً: {يَا مَعْشَرَ ٱلْجِنَّ} أو ويوم يحشُرهم يقول: يا معشرَ الجنِّ أو ويوم يحشرهم ويقول: يا معشرَ الجن يكونُ من الأحوالُ والأهوالُ ما لا يساعدُه الوصفُ لفظاعته، والمعشرُ الجماعةُ، والمرادُ بمعشر الجنِّ الشياطينُ {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مّنَ ٱلإنْسِ} أي من إغوائهم وإضلالِهم أو منهم بأن جعلتموهم أتباعَكم فحُشِروا معكم كقولهم: استكثر الأميرُ من الجنود، وهذا بطريق التوبـيخِ والتقريع {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم} أي الذين أطاعوهم، و(مِن) في قوله تعالى: {مّنَ ٱلإنْسِ} إما لبـيان الجنسِ أي أولياؤُهم الذين هم الإنسُ أو متعلقةٌ بمحذوف هو حالٌ من أولياؤهم أي كائنين من الإنس {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} أي انتفع الإنسُ بالجن بأن دلُّوهم على الشهوات وما يُتوصَّل به إليها، وقيل: بأن ألقَوْه إليهم من الأراجيف والسِّحر والكهانة والجن والإنس بأن أطاعوهم وحصّلوا مرادَهم بقَبول ما ألقَوْه إليهم، وقيل: استمتاعُ الإنسِ بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز والمخاوفِ واستمتاعُهم بالإنس اعترافُهم بأنهم قادرون على إجارتهم {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا ٱلَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا} وهو يومُ القيامة قالوه اعترافاً بما فعلوه من طاعة الشياطينِ واتباعِ الهوى وتكذيبِ البعث، وإظهاراً للندامة عليها وتحسراً على حالهم واستسلاماً لربهم، ولعل الاقتصارَ على حكاية كلامِ الضالّين للإيذان بأن المُضلِّين قد أُفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلاً. {قَالَ} استئنافٌ مبني على سؤال نشأ من حكاية كلامِهم كأنه قيل: فماذا قال الله تعالى حينئذ؟ فقيل: قال: {ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ} أي منزِلُكم أو ذاتُ ثوُائِكم كما أن دارَ السلام مثوى المؤمنين {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} حال والعاملُ مثواكم إن جُعل مصدراً، ومعنى الإضافة إن جُعل مكاناً {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: استثنى الله تعالى قوماً قد سبق في علمه أنهم يُسلمون ويصدِّقون النبـيَّ عليه الصلاة والسلام، وهذا مبنيٌّ على أن الاستثناءَ ليس من المحكيّ، و(ما) بمعنى مَنْ وقيل: المعنى إلا الأوقاتَ التي يُنقلون فيها من النار إلى الزمهرير، فقد رُوي أنهم يدخُلون وادياً فيه من الزمهرير ما يميِّزُ بعضَ أوصالِهم من بعض فيتعاوَوْن ويطلُبون الردَّ إلى الجحيم وقيل: يفتح لهم وهم في النار بابٌ إلى الجنة فيُسرعون نحوه حتى إذا صاروا إليه سُدَّ عليهم الباب. وعلى التقديرين فالاستثناءُ تهكّمٌ بهم وقيل: إلا ما شاء الله قبل الدخولِ كأنه قيل: النارُ مثواكم أبداً إلا ما أمهلكم ولا يخفى بعدُه {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} في أفاعيله {عَلِيمٌ} بأحوال الثقلين وأعمالِهم وبما يليق بها من الجزاء.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} [الآية: 126]. قال أبو عثمان: أهدى الطرق وأقومها طريقة المتابعة، وأوهن الطريق وأضلُّها طريق الدعاوى والمخادعة، قال الله تعالى: { أية : وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ } تفسير : [البقرة: 9]. قال سهل: التوحيد والإسلام صراط ربك المستقيم.

القشيري

تفسير : الصراطُ المستقيمُ إقامة العبودية عند تحقق الربوبية فهو فرق مؤيَّدٌ بجمع، وجمعٌ مقيدٌ بشرع، وإثباتٌ للعرفان بغاية الوسع، ونبو عن المخالفات بغاية الجهد، والتحقق بأنَّ المُجْرِي واحدٌ لا شريك له، ثم تركُ الاعتماد ونفي الاستناد، لا على (حركاته) يعتمد، ولا إلى سكناته يستند، (بل) ينتظر ما يفتح به التقدير، فإِن زاغَ صاحبُ الاستقامة لحظةً، والتفت يمنةً أو يسرةً سقط سقوطاً لا ينتعش.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهذا} اى البيان الذى جاء به القرآن {صراط ربك} اى طريقه الذى ارتضاه حال كونه {مستقيما} لمن يسلكه فلا يعوج به حتى يورده الى الجنة {قد فصلنا الآيات} اى ذكرناها فصلا فصلا بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر {لقوم يذكرون} اى يتعظون وخصوا بالذكر لانهم المنتفعون بتفصيل الآيات.

الطوسي

تفسير : الاشارة بقوله {وهذا صراط ربك مستقيما} يمكن ان تكون الى أحد شيئين: احدهما - ما قال ابن عباس: انه راجع الى الاسلام. والثاني - أن تكون اشارة الى البيان الذي في القرآن، وأضيف الصراط الى الله في قوله {صرط ربك مستقيما} لانه لما كانت الاضافة فيه انما هي على أنه الذي نصبه ودل به، وغلب عليه الاستعمال. ولم يجز قياسا على ذلك ان يقال: هذا طريق ربك، لانه لم تجر العادة باستعماله كما انهم استعملوا قولهم: هذا في سبيل الله، ولم يقولوا في طريق الله، لما قلناه. وقوله {مستقيما} نصب على الحال ومعناه الذي لا اعوجاج فيه. فان قيل كيف يقال: انه مستقيم مع اختلاف وجوه الادلة؟! قلنا: لانها مع اختلافها يؤدي كل واحد منها الى الحق، وكأنها طريق واحد لسلامة جميعها من التناقض والفساد، وكلها تؤدي من تمسك بها الى الثواب وقوله {قد فصلنا الآيات} أي بيناها {لقوم يذكرون} وانما أعيد ذكر تفصيل الآيات للاشعار بأن هذا الذي تقدم من الآيات التي فصلها الله عز وجل للعباد. وقوله {يذكرون} أصله يتذكرون فقلبت التاء ذالا وأدغمت الاولى في الثانية، ولم يجز قلب الذال الى الدال كما جاز في {فهل من مدكر} لانهم لما لم يجيزوا ادغام التاء في الدال، لانها أفضل منها بالجهر، قلبت الى الدال لتعديل الحروف وليس كذلك ادغام التاء في الذال. وانما خص الآيات بقوم يتذكرون لانهم المنتفعون بها وان كانت آيات لغيرهم، كما قال {هدى للمتقين}. وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: المعارف ضرورية لانها لو كانت ضرورية لم يكن لتفصيل الآيات ليتذكر بها فائدة. وقوله {لهم دار السلام} هذه لام الاضافة وانما فتحت مع المضمر وكسرت مع الظاهر لامرين: احدهما - طلبا للتخفيف، لان الاضمار موضع تخفيف، وفتحت في الاستغاثة في (يالبكر) تشبيها بالكناية، ولانه موضع تخفيف بالترخيم وحذف التنوين. والثاني - أن اصلها الفتح، وانما كسرت مع الظاهر للفرق بينها وبين لام الابتداء. وقيل في معنا {السلام} ها هنا قولان: احدهما - قال الحسن والسدي: انه الله وداره الجنة. والثاني - قال الزجاج والجبائي: انها دار السلامة الدائمة من كل آفة وبلية. وقوله {عند ربهم} قيل في معناه قولان: أحدهما - مضمون عند ربهم حتى يوصله اليهم. الثاني - في الآخرة يعطيهم اياه. وقوله {وهو وليهم} يعني الله. وفي معنى (الولي) قولان: احدهما - انه يتولى ايصال المنافع اليهم ودفع المضار عنهم. الثاني - ناصرهم على اعدائهم. وقوله {بما كانوا يعملون} يعني جزاء باعمالهم، وهو وان كان مطلقا فالمراد بما كانوا يعملونه من الطاعات، لان من المعلوم ان ما لم يكن طاعة فلا ثواب عليه. ويجوز ايضا ان يكون مقيدا لدلالة قوله {يذكرون} عليه. والموعود بهذا الوعد المتذكر لآيات الله بحقها، وهو العامل بها.

الأعقم

تفسير : {وهذا صراط ربك مستقيماً} يعني القرآن {قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون لهم دار السلام} يعني لهؤلاء الذين تدبروا الحق وعرفوه وتبعوه دار السلام يعني السلامة الدائمة الخالصة من كل آفة، وقيل: أراد الجنة سماها الله دار السلام لسلامتها من الآفات والعاهات، وقيل: لأنها سلمت من أعداء الله تعالى، قوله: {وهو وليهم بما كانوا يعملون}، قيل: في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء {ويوم نحشرهم جميعاً} يعني الجن والإِنس فيجمعهم الله تعالى في موقف القيامة فيقول: {يا معشر الجن} أي يا جماعات الجن {قد استكثرتم من الإِنس}، قيل: استكثرتم من اضلالهم وإغوائهم {وقال أولياؤهم من الانس} يعني من أطاعهم {بنا استمتع بعضنا ببعض} أي انتفع بعضنا ببعض مما حصل له من السرور، وقيل: تعاونا على ما كنا عليه من الإِضلال في الدنيا {وبلغنا أجلنا الذي أجَّلت لنا} أي وقتنا ومدتنا الذي أجلت لنا، قيل: وقت الموت، وقيل: وقت الحشر، فقال تعالى: {النار مثواكم خالدين فيها} أي دائمين، قوله تعالى: {إلا ما شاء الله} من تجديد الجلود بعد إحراقها، وقيل: إلا ما شاء الله من بعثهم ووقت الحساب الى دخول جنهم، وقيل: إلا ما شاء الله الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب إلى عذاب {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً} بمعنى نخليهم حتى يتولى بعضهم بعضاً كما فعل الشياطين وغواة الانس، ويجعل بعضهم أولياء بعض يوم القيامة، وقرناء كما كانوا في الدنيا، أو نولي بعضهم بعضاً في النار، وروى الثعلبي قال: يسلط بعضهم على بعض يدل عليه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من أعان ظالماً سلّطه الله عليه"تفسير : ، وقال مالك بن دينار: قرأت في كتب الله المنزلة أن الله تعالى قال: أفني أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم بأوليائي، قال: وروي أيضاً في تفسيره: إن الله تعالى إذا أراد بقوم خيراً ولّى أخيارهم، وإذا أراد بقوم شراً ولّى عليهم أشرارهم، وفي الخبر: أن الله تعالى يقول: أنا الله لا إله إلا أنَّا مالك الملوك، قلوبهم ونواصيهم بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة، فلا تشغلوا بسبّ الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم قوله تعالى: {يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون} يقرأون {عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا} وهو يوم القيامة واختلف العلماء في الجن هل أرسل إليهم رسولاً أم لا؟ وهل كان فيهم مؤمن قبل بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال الضحاك: ألم تسمع إلى قوله تعالى: {يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم} يعني بذلك رسلاً من الإِنس ورسلاً من الجن، وقيل: كانت الرسل قبل مبعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يبعثون إلى الإِنس والجن جميعاً، وعن مجاهد: الرسل من الإِنس والنذر من الجن، ثم قرأ قوله تعالى: {أية : ولّوا إلى قومهم منذرين} تفسير : [الأحقاف: 29] وعن ابن عباس: هم الذين استمعوا القرآن خاصة رواه في الثعلبي والله اعلم {قالوا شهدنا على أنفسنا} إقرار منهم بأن حجة الله لازمة لهم وانهم محجوجون بها {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} {ذلك ان لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} يعني من غير تذكير منه وتنبيه {وأهلها غافلون} عن الحجج، وقيل: بظلم منه حتى يبعث إليهم رسولاً.

اطفيش

تفسير : {وهذا صِراطُ ربِّك مُستقيماً} الإشارة إلى القرآن فيما روى عن ابن عباس، لأنه يؤدى من تبعه إلى طريق السداد الموصل إلى الجنة، بمعنى أن ألفاظه ومعانيه توصل إلى العمل بها، والعمل بها طريق الجنة، طريق لا عوج فيه، وعنه أيضا: الإشارة إلى الإسلام، أى الخضوع بامتثال الأوامر والنواهى، وقيل الإشارة إلى معانى القرآن، فإنها من حيث العمل بها طريق إلى الجنة كما فى الوجه الأول، ويجوز أن تكون الشارة إلى ما ذكر من شرح الصدر للإسلام، وجعل الصدر ضيقا حرجا وهما التوفيق والخذلان. ومعنى كونهما صراطا مستقيما أنهما عادته فى خلقه، كطريق يمشى فيه الناس بتكرر، وأنهما صواب واستقامة اقتضتها حكمة، ومستقيما حال من صراط، والعامل فيها الإشارة، وهى مؤكدة، لأن صراط الله لا يكون إلا مستقيما، كذا قيل، وفيه نظر بل هى مؤسسة لأن هذا من خارج، لأن صراطه مستقيم تحقيقا ولا بد، ولكن ليس لفظ صراط موضوعا لمعنى مستقيم، والجواب أنه التزم قائل ذلك أن التأكيد فيه من الخارج، وهو ما فى الحقيقة من أن صراطه تعالى أبدا مستقيم، لأن الله تعالى ولو كان قد خلق سبيل الشيطان، لكن لا يطلق أنها صراطه ولا سبيله. {قَد فَصَّلنا الآيات} بيناها شيئا فشيئا ولا يختلط بعضها ببعض {لِقومٍ يذكَّرونَ} يتعظون بها فيعلمون أنه القادر الخالق بالخير والشر، كالشرح والتضييق، العالم بالأحوال، العادل فى صنعه، وهذا لقوم هم مَنْ شرح الله صدره وخصهم بالذكر، لأنهم المنتفعون بها، وإلا فكذا فصلها لغيرهم، قال عطاء، المراد بقوم يذكرون أصحاب النبى ومن تبعهم بإحسان، وهذا مما يتعين إلا إذا جعلنا الآيات كتب الله كلها، فيشمل الكلام من تقدم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن تبعوا أنبياءهم ولم يخالفوهم.

اطفيش

تفسير : {وَهذا} أَى دين الإِسلام قولا واعتقاداً وعملا وتركاً الذى أَنت عليه يا محمد وأَصحابك الآتى به القرآن كما جاءَ عن ابن مسعود أَن الإِشارة إِلى القرآن، وكما جاءَ عن ابن عباس أَنها للإِسلام، ويضعف أَن يكون الإِشارة للتوفيق والخذلان لأَنهما فعل الله لا فعل الناس يكلفهم أَن يكون لهم صراطاً مستقيماً، أَلا ترى إِلى قوله {صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} حال من الخبر لأَن المبتدأَ اسم إشارة ناصبه اسم الإِشارة لما فيه من معنى الفعل وهو العامل فى صاحبه الذى هو الخبر أَو ناصبه ها التنبيه لما فيها من معنى الفعل، فيكون عامل الحال غير عامل فى صاحبه وهى حال مؤكدة لصاحبها لازمة لأَن صراط الله أَبداً مستقيم، وليست مؤكدة للجملة من جملة أُخرى هكذا أَحقه مستقيماً إِذ لا داعى لذلك، وقد وجدت التوكيد بلا حذف إِذا حصل بكونه صراط ربك أَنه مستقيم فزيد مستقيماً للتأْكيد، وأَضاف الصراط إِلى ربك لأَنه ارتضاه واقتضته حكمته. ومعنى استقامته أَنه يوصل إِلى هدى، كما يوصل إلى السوء ما هو معوج، أَو أَنه عدل وذلك تشبيه بطريق الأَرض المعتاد الموصل إِلى المقصود، ومن عادة الله إِجراء الأَحكام الشرعية وإِلزام الجرى عليها كالمشى فى الطريق فإِنه يوصل إِلى رضى الله وكرامته سبحانه {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ} ميزناها شيئاً فشيئاً بلا خلط {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرونَ} يتعظون فيعلمون أَن الله هو القادر، وأَنه لا حادث فى الوجود من جسم وعرض إِلا وهو عالم به قاض له خالق له بعدل، وخص المتذكرين بالذكر لأَنهم المنتفعون بالآيات، وإِلا فقد فصلها للمكلفين كلهم والآية عامة يدخل فيها الصحابة بالأَولى، وكأَن قائلاً قال: فما أَعد الله لهم فقال: {لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ} السلامة من كل مكروه الدائمة وهى الجنة لا يكون فيها مكروه ولا تنقطع. يقال السلام والسلامة كاللذاذ واللذاذة كقوله تعالى "أية : ادخلوها بسلام" تفسير : [ق: 34] أَو السلام لفظ سلام عليكم، {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} تفسير : [الرعد: 23 - 24]، {أية : وتحيتهم فيها سلام} تفسير : [يونس: 10]، {أية : سلام قولا من رب رحيم} تفسير : [يس: 58]، {أية : لا يسمعون فيها لغوا إِلا سلاماً} تفسير : [مريم: 62]. أَو السلام الله. السلام المؤمن المهيمن، أَضافها لنفسه تشريفاً لها وترغيباً. والجملة استئناف بيانى نحوى كما رأَيت، أَو حال مقدرة من الواو، أَو نعت لقوم، أَو حال، أَو لهم حال أَو نعت ودار فاعل لقوله لهم {عِنْدَ رَبِّهِمْ} متعلق بلهم أَو بمتعلقة، أَو حال من دار المجعول فاعلا لقوله لهم. ومعنى العندية أَن دار السلام فى ضمانه وكفالته لهم ووعده. أَو أَنها معدة لهم كما تكون مهيأَة حاضرة لأَصحابها كقوله {أية : جزاؤهم عند ربهم} تفسير : [البينة: 8]، أَو أَنها شئ مدخول موصوف بالقرب إِلى الله بالشرف لا بالمكان لتنزهه تعالى عنه، فلا يعرف كنهها سواه. أَو أَنها عظيمة بتعظيم الله لها كقوله تعالى أَنا عند المنكسرة قلوبهم من أَجلى ـ وقوله {أية : فى مقعد صدق عند مليك مقتدر} تفسير : [القمر: 55]، {أية : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته} تفسير : [الأنبياء: 19]، وقوله: أَنا عند ظن عبدى بى باعتبار جانب ظنه الخير {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} محبهم أَو ناصرهم بسبب ما كانوا يعملون من طاعات وترك المعصيات، أَو بدل ذلك وعوضهُ، أَو متولى أُمورهم ومصالحهم فى الدنيا والآخرة ملتبساً بجزاء ما كانوا يعملون، كما قال الحسن ابن الفضل: يتولاهم فى الدنيا بالتوفيق وفى الاخرة بالجزاء {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} واذكر يوم نحشرهم قائلين {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ} أَو نقول يوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن، أَو ويقال يوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن والإِنس. ولو قدرنا يوم نحشرهم جميعا يكون مالا تفى به العبادة لصح، لكن لا يكفى عن تقدير عند قوله يا معشر الجن إِلخ، وتقدير هذا القول يعنى عن تقدير غيره فهو أَولا، ولا مانع أَن يكلم الله الكفار كلام خزى، فإِذا قدر يقال احتمل أَنه المتكلم أَو المتكلم غيره، وإِذا قدر نقول لم يتعين أَنه القائل لجواز أَنه يقول بواسطة ملك. وهاء نحشرهم للجن والإِنس فقط، وقيل لكفارهم فقط، وقيل للشياطين ولو كانت الحيوانات كلها تحشر لأَن سائر الحيوانات لا يناسب قوله تعالى يا معشر الجن {قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ} إِلى قوله: النار مثواكم خالدين فيها إِلا ما شاءَ الله، والمعشر الجماعة التى تضبطهم جهة واحدة وتحصل بينهم مخالطة؛ ولذلك عبر به فى جانب الجن المغوين إِذا الإِغواء يقتضى التعاون، ومعنى استكثار الجن من الإِنس جعلهم أَتباعهم فيحشروا معهم كما يستكثر الأَمير الجند، أَو كما قال ابن عباس والزجاج إِكثار إِضلالهم الإِنس. والاستكثار استفعال للطلب أَو المبالغة أَى طلبتم كثرة من الإِنس ونلتموها، أَو بالغتم فى الإِكثار منهم، ويقدر مضاف أَى من إِضلال الإِنس وجعلهم أَتباعا لهم إِذ يكلمون الإِنس من أَجواف الأَصنام بأَمر الشرك وبأَمر الله لهم به وبسائر المعاصى، ويكلمون الكهان بذلك وبغير ذلك مما هو غائب فيدعون علم الغيب هم والكهان ويخبلون العقول فيصير الجنون، ويغوون فى الصحارى ويوسوسون بالمعاصى، وإِذا خاف إِنسان فى واد عشية أَو ليلا نادى: أَعوذ برب هذا الوادى من شر سفهاء قومه فيحافظ عليه وعلى دابته كبير الوادى من الجن. قال الله تعالى "أية : وأَنه كان رجال من الإِنس"تفسير : [الجن: 6] والجن تتعظم بذلك كله، أَو بقبول الإِنس كلامهم وبكل ما يدعيه الناس لهم من علم الغيب وقطع المسافة البعيدة فى مدة يسيرة. "أية : لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين" تفسير : [سبأ: 14] قيل: لفظ الجن يطلق للروحانيين المستترين عن الحواس فيشمل الملائكة والشياطين، ويطلق للروحانيين ما عدا الملائكة، ويقال الروحانيون: أَخيار وهم الملائكة، وأَشرار وهم الشياطين، وأَوساط فيهم الخير والشر {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ} أَى من أَطاعوا الجن. قيل ذكر جواب الضالين ولم يذكر للمضلين جواباً إذ لم يكن لهم جواب فى هذه القصة وهذا المقام، بل أقحموا بالمرة ولو كان لهم جواب فى مقام آخر {مِنَ الإِنْسِ} من للتبعيض أَى بعض الإِنس أَو للبيان، أَى الذين هم إِنس وليس استغراقاً {رَبَّنَا} يا ربنا، هذا وما بعده إِخبار أَريد به التحسر كقوله: شعر : هواى مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثمانى بمكة موثق تفسير : {اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} استمتاع الجن بالإِنس ما تقدم، واستمتاع الإِنس بالجن بمحافظة عظيم الوادى ودلالة الجن لهم على لذائذ وبيان السحر وبعلم ما يلقون إِليهم عند التكهن. وقيل المراد استمتع بعض الإِنس ببعض الإِنس لأَن هذا كثير ظاهر، ويرده أَنه لا يليق بما سيق له الكلام من التبكيت، وقيل بعضنا ببعض الجن {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا} هو يوم البعث، وهذا - قول الجمهور- هو الصحيح. وقال الحسن: يوم الموت. وذلك هو مع قولهم ربنا استمتع بعضنا ببعض خضوع لله عز وجل باعترافهم بالمخالفة، وتحسر حين لا ينفع، كما قال الله عز وجل {قَالَ} الله بواسطة أَو بخلق كلام حيث شاءَ {النَّارُ مَثْوَاكُمْ} مرجعكم أَو موضع إِقامتكم. وهو اسم مكان ميمى، أَو رجوعكم أَى ذات رجوعكم. ولا يحسن التفسير به مع الاستغناء عنه بما لا حذف فيه {خَالِدِينَ فِيهَا} حال من الكاف مقدر ولم يشترط الفارسى لمجيئ الحال من المضاف إِليه شرطاً، وهو هنا موجود لأَن مرجع مصدر ميمى، وعلى أَنه اسم مكان ففى اسم المكان معنى الفعل إِذ هو موضع الرجوع أَو الإِقامة لأَنه ميمى فيسوغ عمله فى الظروف ولو كان لا ينصب المفعول ولا يرفع الفاعل. {إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} ما مصدرية، والمصدر ظرف أَى إِلا مشيئة الله، أَى إِلا وقت مشيئة أَن لا يكونوا فى النار، وهو من وقتهم الذى قالوا فيه ربنا استمتع أَو من وقت حشرهم إِلى أَن يدخلوها. كأَنه قيل: ما لكم محيد عن النار إِلا ما مضى لكم من حين أَمهلكم فى الدنيا أَو من حين حشركم أَو قولكم ذلك إِلى وقت أَعد لدخولها، على أَن الاستثناءَ منقطع لا على أَنه متصل، إِذ لا يجوز سأَضرب القوم إِلا زيداً ما ضربته على الاتصال لا على الانقطاع. أَو المراد وقت خروجهم من النار إِلى الزمهرير على أَن النار بمعنى خصوص النار المحرقة لا مطلق دار العذاب التى اشتملت على الزمهرير. أَو وقت خروجهم إِلى الحميم ثم إن مرجعهم لإِلى الجحيم. والكل فى دار العذاب كما روى أَنهم ينقلون من عذاب النار ويدخلون وادياً فيه الزمهرير يفصل بعض الأَعضاء من بعض فيصيحون كالكلاب ويطلبون الرد إِلى النار، ولا يصح ولا يجوز ما قيل أَنهم يخرجون من دار العذاب كلها إِلى جهة الجنة فيرونها ويقربون منها فيردون إِلى دار العذاب ليشتد تأَسفهم، وإن هذا هو ما شاءَ الله فى الاية والاستثناء متصل غير مفرغ نظراً إِلى تضمن الخلود معنى أَبداً، فكأَنه قيل خالدين فيها أَبداً إِلا وقت المشيئة. وعن ابن عباس ما حاصله أَن ما بمعنى من لا مصدرية، أَى إِلا من شاءَ الله إِيمانه فقد آمن فلا يدخل النار. وعلى هذا فالاستثناء من الكاف أَو من ضمير خالدين أَى لا خلود له لعدم دخوله فيها. وقال الزجاج إِلا ما شاءَ الله من زيادة العذاب أَى خالدين فيها على هيئتها حال الدخول إِلا ما شاءَ من الزيادة على تلك الهيئة زيادة لا تتناهى، أَو إِلا زيادة تكاد لمباينتها ما سبق تعد غير جنس العذاب {إِنَّ رَبّكَ حَكِيمٌ} فى قوله وفعله وقضائه {عَلِيمٌ} بكل شئ خلقه وأَحوالهم وسعادة السعيد وشقاوة الشقى، ومن ذلك إِكرام المتذكرين بالإِياب بدار السلام وولايتهم بالنصر والعون وتخليد الشياطين فى النار.

الالوسي

تفسير : {وَهَـٰذَا} أي ما جاء به القرآن كما روي عن ابن مسعود أو الإسلام كما روي عن ابن عباس أو ما سبق من التوفيق والخذلان كما قيل. {صِرٰطُ رَبّكَ} أي طريقه الذي ارتضاه أو عادته وطريقته التي اقتضتها حكمته. ولا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطب من اللطف {مُّسْتَقِيماً} لا اعوجاج فيه ولا زيغ أو عادلاً مطرداً وهو إما حال مؤكدة لصاحبها وعاملها محذوف وجوباً مثل هذا أبوك عطوفاً أو مؤسسة والعامل فيها معنى الإشارة أو ها التي للتنبيه {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ} بيناها مفصلة {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي يتذكرون ما في تضاعيفها فيعلمون أن كل الحوادث بقضائه سبحانه وقدره وأنه جل شأنه حكيم عادل في جميع أفعاله، وتخصيص هؤلاء القوم بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك التفصيل.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: { أية : ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً } تفسير : [الأنعام: 125] إلى آخِرها، لأنّ هذا تمثيل لحال هدي القرآن بالصّراط المستقيم الّذي لا يجهد متّبعه، فهذا ضدّ لحال التّمثيل في قوله: { أية : كأنَّما يصّعَّد في السَّماء } تفسير : [الأنعام: 125]. وتمثيل الإسلام بالصّراط المستقيم يتضمّن تمثيل المسلم بالسّالك صراطاً مستقيماً، فيفيد توضيحاً لقوله: { أية : يشرح صدره للإسلام } تفسير : [الأنعام: 125]. وعطفت هذه الجملة مع أنها بمنزلة بيان الجملة التي قبلها لتكون بالعطف مقصودة بالإخبار. وهو اقبال على النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب. والإشارة بــــ {هَذا} إلى حاضر في الذهن وهو دين الإسلام. والمناسبة قوله: { أية : يشرح صدره للإسلام } تفسير : [الأنعام: 125]. والصّراط حقيقته الطّريق، وهو هنا مستعار للعمل الموصل إلى رضى الله تعالى. وإضافته إلى الربّ لتعظيم شأن المضاف، فيعلم أنَّه خير صراط. وإضافة الربّ إلى ضمير الرّسول تشريف للمضاف إليه، وترضية للرّسول صلى الله عليه وسلم بما في هذا السَّنن من بقاء بعض النّاس غير متّبعين دينه. والمستقيم حقيقته السّالم من العوج، وهو مستعار للصّواب لسلامته من الخطأ، أي سَنَن الله الموافق للحكمة والّذي لا يتخلّف ولا يعطّله شيء. ويجوز أن تكون الإشارة إلى حاضر في الحسّ وهو القرآن، لأنَّه مسموع كقوله: { أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك } تفسير : [الأنعام: 92]، فيكون الصّراط المستقيم مستعاراً لما يُبلِّغ إلى المقصود النّافع، كقوله: { أية : وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوا ولا تتَّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله } تفسير : [الأنعام: 153]. ومستقيماً حال من «صراط» مؤكّدة لمعنى إضافته إلى الله. وجملة: {قد فَصّلْنا الآيات} استئناف وفذلكة لما تقدم. والمراد بالآيات آيات القرآن. ومن رشاقة لفظ {الآيات} هنا أن فيه تورية بآيات الطريق التي يهتدي بها السائر. واللاّم في: {لقوم يذكرون} للعلّة، أي فصّلنا الآيات لأجلهم لأنَّهم الّذين ينتفعون بتفصيلها. والمراد بالقوم المسلمون، لأنَّهم الّذين أفادتهم الآيات وتذكّروا بها.

الواحدي

تفسير : {وهذا صراط ربك} هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربِّك {مُستقيماً قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون} وهم المؤمنون. {لهم دار السلام} الجنة {عند ربهم} مضمونةً لهم حتَّى يُدخلهموها {وهو وليهم} يتولَّى إيصال الكرامات إليهم {بما كانوا يعملون} من الطَّاعات. {ويوم يحشرهم جميعاً} الجنّ والإِنس، فيقال لهم: {يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس} أَيْ: من إغوائهم وإضلالهم {وقال أولياؤهم} الذين أضلَّهم الجنُّ {من الإِنس ربنا استمتع بعضنا ببعض} يعني: طاعة الإِنس للجنِّ وقبولهم منهم ما كانوا يغرونهم به من الضَّلالة، وتزيين الجنِّ للإِنس ما كانوا يهوونه حتى يسهل عليهم فعله {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} يعني: الموت، والظَّاهر أنَّه البعث والحشر {قال النار مثواكم} فيها مقامكم {خالدين فيها إلاَّ ما شاء الله} مَنْ شاء الله، وهم مَنْ سبق في علم الله أنَّهم يُسلمون {إنَّ ربك حكيم} حكم للذين استثنى بالتَّوبة والتَّصديق {عليم} علم ما في قلوبهم من البرِّ. {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً} كما خذلنا عُصاة الجنِّ والإنس نَكِلُ بعض الظَّالمين إلى بعض حتى يضلَّ بعضهم بعضاً. {يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم} الرُّسل كانت من الإنس والذين بلَّغوا الجنَّ منهم عن الرُّسل كانوا من الجنِّ، وهم النُّذر كالذين استمعوا القرآن [من محمد صلى الله عليه وسلم ] من الجنِّ، فأبلغوه قومهم.

القطان

تفسير : صراط ربك: طريقه الذي ارتضاه، ودينه القويم المستقيم: الذي لا اعوجاج فيه ولا زيغ. دار السلام: الجنة. وليّهم: متولّي أمورهم، وكافيهم كل ما يهمهم. ان هذا الذي بينّاه هو طريق الحق المستقيم، هو الاسلام الذي يشرح له صدر من يريد هدايته، ولقد فصّلناه ووضّحناه للناس، كي ينتفع به الذين من شأنهم التذكر وطلب الهداية. ولهولاء السالكين صارط ربهم دارُ السلام وهي الجنة، حيث يظلّون في ولاية الله ومحبته، بسبب ما عملوا في الدنيا من خير.

د. أسعد حومد

تفسير : {صِرَاطُ} {ٱلآيَاتِ} (126) - وَدِينُ الإِسْلاَمِ الذِي شَرَّعْنَاهُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ، بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيكَ هذا القُرآنَ، هُوَ صِرَاطُ اللهِ المُسْتَقِيمُ، وَقَدْ وَضَّحْنَا الآيَاتِ وَبَيَّنَّاهَا، لِقَوْمٍ يَفْهَمُونَ وَيَعْقِلُونَ وَيَعُونَ. فَصَّلْنَا - بَيَّنَّا وَوَضَّحْنَا. يَذَّكَّرُونَ - يَعُونَ وَيَفْهَمُونَ وَيَعْقِلُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"هذا" مقصود به ما تقدم من آيات. من كتاب الإِسلام وهو القرآن، وذلك ما يشرح الصدر القابل للإِيمان، والقرآن هو الحامل لمنهج الإِسلام؛ فمرة تعود الإِشارة إلى القرآن أو إلى الإِسلام. وليس هناك خلاف بين القرآن والإِسلام. {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً}. و"الصراط" هو الطريق السَّوي، والطريق السَّوي قد يكون مع استوائه معوجاً لكن هذا الطريق مستوٍ ومستقيم، ونعلم أن الطريق المستقيم هو أقصر الطرق الموصلة للغاية. وعلى هذا فصراط لا تغني عن مستقيم، ومستقيم لا يغني عن صراط، بل لابد من صراط معبد ومستقيم ليكون أقصر طريق إلى الغاية وبلا متاعب، إننا- نحن البشر- نرى المهندسين وهم يقيسون الأبعاد والمسافات والغايات والبدايات والنهايات، وبعد ذلك يربطون البدايات بالغايات. إنهم يحضرون آلات معينة ليرصدوا استقامة الطريق وكيفية تمهيده. وقد يعترض استقامة الطريق عقبات صبعة شديدة كَأْدَاء كجبل مثلاً، فيقوم المهندسون إما بنحت نفق في الجبل ليضمنوا له الاستقامة، وإما بأن يحني الطريق ليضمنوا جودة تعبيد الطريق. فإن جاء المهندسون وقالوا نمشي من هنا لنضمن استقامة الطريق فإننا نفعل ذلك. وإلاّ جعلوا الطريق متعرجاً أو حلزونيًّا؛ وذلك ليتفادى السائر العقبات التي ليس له قدرة عليها. لكن إذا كان الصراط قد مهده رب، أتوجد له عقبة؟ طبعاً لا، إذن فهو طريق مستقيم. ولنلحظ أنه سبحانه قال: "صراط ربك" أي أنه جاء بها من ناحية الربوبية، والربوبية عطاء الرب، إنه سيد، ومربٍ، وخالق الخلق ويضمن لهم ما يعينهم على مهمتهم في الوجود معونة ميسرة سهلةً. وهكذا نعرف أن طريق الحق هو الصراط المعبد المستقيم، أي الذي يصل بين البداية والنهاية. فإن كان الطريق الذي نتبعه مستقيماً ومعبداً، وسهلاً، فلماذا لا نتبعه؟ "هذا صراط ربك". ونلحظ أنه سبحانه قد أسند الرب لمحمد، أي من أجل خاطره جعل الصراط مستقيماً؛ لأنه سبحانه هو المتولي لربوبيتك يا محمد، وسبحانه رب الكون كله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عين أعيان الكون. {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [الأنعام: 126] "فصّلنا" أي أنّ كل شيء في هذا الكون مخلوق لما يناسبه، وكل قضية من قضايا الكون خلقها ربنا لتحقق الفائدة منها بدون مشقة، وبدون عنت. والمنهج الذي أنزله الله إنما يصلح الكون ويجعل كل شيء فيه مناسباً لمهمته؛ لأن الله إله كل الناس وهم بالنسبة إليه سواء لأنه لم يتخذ لا صاحبة ولا ولداً. ولا يعطي سبحانه الحياة لمخلوق ويوجده في الكون، ثم يعرّيه من أسلحة الحركة في الحياة، ولكل إنسان سلاح من موهبة أو قدرة وبذلك تتعدد الأسلحة والمواهب والقدرات، فمن يريد أن يبني بيتاً، أنقول له: اذهب إلى كلية الهندسة لتتعلم كيف ترسم البيت وتخططه؟ أنقول له: تعلم كيف تكون فنيًّا وكهربيًّا ونقاشاً؟ إن الفرد الواحد لا يمكن أن يتعلم كل هذه التخصصات، لذلك وزّع الله المواهب على خلقه؛ هذا عنده موهبة ليعمل لنفسه، ويعمل لغيره. وبعد ذلك يأتي غيره ليؤدي له عملاً ليس له فيه موهبة بحيث يتكامل المجتمع كله ولا يتكرر أفراده. ولو كنا تخرجنا جميعاً كأطباء أو مهندسين لما نفعت الدنيا، ومن نقول عليهم: إنهم فشلوا في التعليم يقومون بأعمال في الحياة ما كنا نستطيع الحياة بدونها؛ فقد خلقهم الله بقدرات عقلية محدودة ليهبهم قدرات أخرى تصلح في مهمات أخرى. وإن تعلم المجتمع كله تعليماً عالياً لصار الهرم مقلوباً. وإن انقلب الهرم فمعنى هذا أن أجراءً منه ستكون بغير دعائم في الأرض. لذلك نجد أن هناك إعداداً عقليا أراده الحق لكل واحد من الخلق، ولا نستطيع أن نقول لكل إنسان: تعلم وتخرج في الجامعة ثم اكنس الشارع. وكن في الغد حداداً. لذلك ربط الحق كل عمل بالحاجة إليه، ومن يحسن استقبال قدر الله في نفسه يُعطِ الله له من العمل كل الخير. ونلحظ الآن أن من يعمل موظفاً في الدولة يحيا في راتب محدود، بينما تجد السباك يقدر عمله بأجر يحدده هو، ويبقى الويل والتعب لمن كان تقدير عمله في يد غيره {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}. وانظر كل قضية في الكون، لم يُدخل ابن آدم فيها أنفه تجدها مستقيمة، ولا يأتي الفساد إلا في القضايا التي أدخل ابن آدم أنفه فيها بدون منهج الله. فإن دخلت في كل مسألة بمنهج الله يستقيم الكون تماماً. ولذلك يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى النظام الأعلى في كونه والذي لا تدخل لنا فيه. ولا سيطرة عليه؛ السموات، والكواكب، والشمس، والقمر، وحركة الأرض، كل تلك الكائنات نجد أمورها تسير بانتظام، ولذلك يقول لنا الحق سبحانه:{أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} تفسير : [الرحمن: 7-8] فإن أردتم أن تستقيم أموركم في شئونكم وأحوالكم الاختيارية فادخلوا فيها بمنهج الله؛ لأن الأشياء التي تدار بمنهج الله بدون أن يتدخل فيها البشر تؤدي مهمتها كما ينبغي. فعلى الإِنسان - إذن - أن يتذكر كيف يأخذ من المقدمات التي أمامه ما يوصل إلى النتائج، ولابد أن يأخذ المقدمات السليمة ليصل إلى الغايات الفطرية. وأقصر الأمور أن تسأل نفسك: أنت صنعة من؟ صنعة نفسك؟ لا، هل أنت من صنعة واحد مثلك؟ لا. وهل ادّعى واحد في كون الله - وما أكثر ما يُدَّعى - أنه خلقك أو خلق نفسه؟ لا. بل أنت وهو وكل الكون من صنعة الله، فدعوا الله يقرر قانون صيانتكم، وسيظل الناس متعبين إلى أن يسلموا الصنعة إلى خالقها. {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}. ولم يقل فصلنا الآيات لواحد، بل قال "لقوم" حتى إذا ما مال أو غفل واحد في الفكر بعدله غيره. وكلنا متكافلون في التذكير، وهذا التكافل في التذكير يعصم كل مؤمن من نفسه؛ فإن حصل عندي قصور من سهو أو من غفلة أو من هوى يعدله غيري. وهذه قضية كونية لو استقرأت الوجود كله وجدتها لا تتخلف أبدا، ولا بد من تذكر الغاية التي جاء بها قوله الحق: {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ..}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: معتدلا موصلا إلى الله، وإلى دار كرامته، قد بينت أحكامه، وفصلت شرائعه، وميز الخير من الشر. ولكن هذا التفصيل والبيان، ليس لكل أحد،إنما هو { لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } فإنهم الذين علموا، فانتفعوا بعلمهم، وأعد الله لهم الجزاء الجزيل، والأجر الجميل، فلهذا قال: { لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ } وسميت الجنة دار السلام، لسلامتها من كل عيب وآفة وكدر، وهم وغم، وغير ذلك من المنغصات، ويلزم من ذلك، أن يكون نعيمها في غاية الكمال، ونهاية التمام، بحيث لا يقدر على وصفه الواصفون،ولا يتمنى فوقه المتمنون، من نعيم الروح والقلب والبدن، ولهم فيها، ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون. { وَهُوَ وَلِيُّهُمْ } الذي يتولى تدبيرهم وتربيتهم، ولطف بهم في جميع أمورهم،وأعانهم على طاعته، ويسر لهم كل سبب موصل إلى محبته، وإنما تولاهم،بسبب أعمالهم الصالحة، ومقدماتهم التي قصدوا بها رضا مولاهم، بخلاف من أعرض عن مولاه، واتبع هواه، فإنه سلط عليه الشيطان فتولاه، فأفسد عليه دينه ودنياه.