Verse. 916 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

لَہُمْ دَارُ السَّلٰمِ عِنْدَ رَبِّہِمْ وَہُوَ وَلِـيُّہُمْ بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۱۲۷
Lahum daru alssalami AAinda rabbihim wahuwa waliyyuhum bima kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لهم دار السلام» أي السلام وهي الجنة «عند ربِّهم وهو وليهم بما كانوا يعلمون».

127

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين عظيم نعمه في الصراط المستقيم وبين أنه تعالى معد مهيىء لمن يكون من المذكورين بين الفائدة الشريفة التي تحصل من التمسك بذلك الصراط المستقيم، فقال: {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبّهِمْ } وفي هذه الآية تشريفات. النوع الأول: قوله: {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ } وهذا يوجب الحصر، فمعناه: لهم دار السلام لا لغيرهم، وفي قوله: {دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ } قولان: القول الأول: أن السلام من أسماء الله تعالى، فدار السلام هي الدار المضافة إلى الله تعالى، كما قيل للكعبة ـ بيت الله تعالى ـ وللخليفة ـ عبد الله ـ. والقول الثاني: أن السلام صفة الدار، ثم فيه وجهان: الأول: المعنى دار السلامة، والعرب تلحق هذه الهاء في كثير من المصادر وتحذفها يقولون ضلال وضلالة، وسفاه وسفاهة، ولذاذ ولذاذة، ورضاع ورضاعة. الثاني: أن السلام جمع السلامة، وإنما سميت الجنة بهذا الاسم لأن أنواع السلامة حاصلة فيها بأسرها. إذا عرفت هذين القولين: فالقائلون بالقول الأول قالوا به لأنه أولى، لأن إضافة الدار إلى الله تعالى نهاية في تشريفها وتعظيمها وإكبار قدرها، فكان ذكر هذه الإضافة مبالغة في تعظيم الأمر والقائلون بالقول الثاني رجحوا قولهم من وجهين: الأول: أن وصف الدار بكونها دار السلامة أدخل في الترغيب من إضافة الدار إلى الله تعالى، والثاني: أن وصف الله تعالى بأنه السلام في الأصل مجاز، وإنما وصف بذلك لأنه تعالى ذو السلام، فإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته كان أولى. النوع الثاني: من الفوائد المذكورة في هذه الآية قوله: {عِندَ رَبّهِمْ } وفي تفسيره وجوه: الوجه الأول: المراد أنه معد عنده تعالى كما تكون الحقوق معدة مهيأة حاضرة، ونظيره قوله تعالى: {أية : جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } تفسير : [البينة: 8] وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها، وكونهم على ثقة من ذلك. الوجه الثاني: وهو الأقرب إلى التحقيق أن قوله: {عِندَ رَبّهِمْ } يشعر بأن ذلك الأمر المدخر موصوف بالقرب من الله تعالى، وهذا القرب لا يكون بالمكان والجهة، فوجب كونه بالشرف والعلو والرتبة، وذلك يدل على أن ذلك الشيء بلغ في الكمال والرفعة إلى حيث لا يعرف كنهه إلا الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }تفسير : [السجدة: 17]. الوجه الثالث: أنه قال في صفة الملائكة: {أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 19] وقال في صفة المؤمنين في الدنيا ـ أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي ـ وقال أيضاً ـ أنا عند ظن عبدي بي ـ وقال في صفتهم يوم القيامة: {أية : فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } تفسير : [القمر: 55] وقال في دارهم: {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبّهِمْ } وقال في ثوابهم: {أية : جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } تفسير : [البينة: 8] وذلك يدل على أن حصول كمال صفة العبودية بواسطة صفة العندية. النوع الثالث: من التشريفات المذكورة في هذه الآية قوله: {وَهُوَ وَلِيُّهُم } والولي معناه القريب، فقوله: {عِندَ رَبّهِمْ } يدل على قربهم من الله تعالى، وقوله: {وَهُوَ وَلِيُّهُم } يدل على قرب الله منهم، ولا نرى في العقل درجة للعبد أعلى من هذه الدرجة، وأيضاً فقوله: {وَهُوَ وَلِيُّهُم } يفيد الحصر، أي لا ولي لهم إلا هو، وكيف وهذا التشريف إنما حصل على التوحيد المذكور في قوله: {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً } فهؤلاء الأقوام قد عرفوا من هذه الآية أن المدبر والمقدر ليس إلا هو، وأن النافع والضار ليس إلا هو، وأن المسعد والمشقي ليس إلا هو، وأنه لا مبدىء للكائنات والممكنات إلا هو، فلما عرفوا هذا انقطعوا عن كل ما سواه، فما كان رجوعهم إلا إليه، وما كان توكلهم إلا عليه، وما كان أنسهم إلا به، وما كان خضوعهم إلا له، فلما صاروا بالكلية، لا جرم قال تعالى: {وَهُوَ وَلِيُّهُم } وهذا إخبار بأنه تعالى متكفل بجميع مصالحهم في الدين والدنيا، ويدخل فيها الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة وإيصال الخيرات ودفع الآفات والبليات. ثم قال تعالى: {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وإنما ذكر ذلك لئلا ينقطع المرء عن العمل، فإن العمل لا بد منه، وتحقيق القول فيه: أن بين النفس والبدن تعلقاً شديداً، فكما أن الهيآت النفسانية قد تنزل من النفس إلى البدن، مثل ما إذا تصور أمراً مغضباً ظهر الأثر عليه في البدن، فيسخن البدن ويحمى، فكذلك الهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس، فإذا واظب الإنسان على أعمال البر والخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس، وذلك يدل على أن السالك لا بد له من العمل، وأنه لا سبيل له إلى تركه البتة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَهُمْ} أي للمتذكرين. {دَارُ ٱلسَّلاَمِ} أي الجنة، فالجنة دار الله؛ كما يقال: الكعبة بيت ٱلله. ويجوز أن يكون المعنى دار السلامة، أي التي يسلم فيها من الآفات. ومعنى {عِندَ رَبِّهِمْ} أي مضمونة لهم عنده يوصلهم إليها بفضله. {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} أي ناصرُهم ومُعينهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ } أي السلامه وهي الجنة {عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {دَارُ السَّلامِ} الجنة دار السلامة من الآفات، أو السلام اسم الله ـ تعالىـ فالجنة داره. {عِندَ رَبِّهِمْ} في الآخرة، لأنها أخص به، أولهم عنده أن ينزلهم دار السلام.

ابن عادل

تفسير : قوله - تعالى - {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ} يحتمل أن تكُون هذه الجُمْلَة مُسْتَأنفة، فلا مَحَلَّ لها؛ كأن سَائِلاً سَأل عمّا أعدَّ اللَّه لهم, فَقِيل له ذلِك، ويُحْتَمَل أن يَكُون حالاً من فَاعِل "يذَّكَّرُون"، ويُحْتَمل أن يَكُون وَصْفاً لِقَوْم، وعلى هَذَيْن الوَجْهَيْن فَيَجُوز أن تكُون الحَالُ أو الوصْفُ الجَارُّ والمجْرُور فَقَط، ويَرْتَفِعُ "دَار السَّلام" بالفَاعِليَّة، وهذا عِنْدَهُم أوْلى؛ لأنه أقْرَبُ إلى المُفْرَد من الجُمْلَة، والأصْل في الوَصْفِ والحَالِ والخَبَر الإفْرَاد، فما قَرُبَ إليه فهو أوْلَى. و "عِنْد ربِّهِمْ" حال من "دارُ" ويجُوز أن يَنْتَصِب "عِنْدَ" بنَفْس "السَّلام"؛ لأنه مَصْدَرٌ، أي: يُسَلَّم عليهم عِنْدَ ربِّهِم، أي: في جَنَّتهِ، ويجُوز أن يَنْتَصِب بالاسْتِقْرَار في "لَهُمْ". وقوله: "وهُوَ وَلِيُّهم" يحتمل أيضاً الاسْتِئْنَاف، وأن يكون حالاً، أي: لهُمْ دارُ السلام، والحال أن اللَّه وَلِيُّهم ونَاصِرُهم. "وبما كانوا" الباء سَبَبِيَّة، و "مَا" بمعْنَى الِّذِي، أو نَكِرة أو مَصدريَّة. فصل في معنى السلام قيل: السَّلام اسم من أسْمَاء الله - تعالى - والمعنى: دار الله كما قِيلَ: الكَعْبَة بَيْتُ اللَّهِ، والخَلِيفَةُ عبدُ اللَّهِ. وقيل: السَّلام صفة الدَّار بمعْنَى: دَارِ السَّلامةِ، والعرب تُلْحِقُ هذه الهَاءَ في كثير من المَصَادِر وتحذفُها، يقولون: ضَلالَ وضَلاَلة، وسَفَاه وسَفَاهَة، ورَضَاع ورَضَاعة، ولَذاذ ولَذَاذَة. وقيل: السَّلام جمع السَّلامةِ، وإنَّما سُمّيت الجَنَّة بهذا الاسْمِ؛ لأن أنواع السَّلامة بأسْرِها حَاصِلَة فِيهَا, وفي المُرَاد بهذه العِنْدِيَّة وجوه: أحدها: أنَّها مُعَدَّة عنده كما تَكُون الحُقُوقُ مُعَدَّة مهيأة حَاضِرَة؛ كقوله: {أية : جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [البينة:8]. ثانيها: ان هذه العِنْديَّة تُشْعِر بأن هذا الأمْر المؤخَّر موصُوف بالقُربِ من اللَّهِ - تبارك وتعالى - وهذا لَيْس قُرْبٌ بالمكانِ والجهة، فوجب كَوْنُه بالشَّرَفِ والرُّتْبَة، وذلك يَدُلُّ على أن ذَلِك الشَّيْء بَلَغ في الكمالِ والرِّفْعَة إلى حَيْثُ لا يُعْرَفُ كنْهُهُ، إلاَّ أنه كقوله: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} تفسير : [السجدة:17]. وثالثها: هي كقوله في صِفة الملائكة: {أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [الأنبياء:19]، وقوله: "حديث : أنَا عِنْد المنْكَسِرَة قُلُوبُهُم"تفسير : ، و "حديث : أنا عِنْد ظَنِّ عَبْدِي بِي"تفسير : ، وقال - تعالى -: {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ} تفسير : [القمر:55] وقال: {أية : جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [البينة:8] وكل ذلك يَدُلُّ على أنَّ حُصُول كمال صِفَة العِنْديَّة بواسِطَة صِفَة العُبُوديَّة. وقوله: {وهُوَ وَلِيُّهُم} يدل على قُرْبِهم من اللَّه؛ لأن الوليَّ معناه القَريبُ، لا وَلِيّ لهم إلاَّ هُو، ثم قال: {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ وإنما ذكر ذلِك لِئَلاً يَنْقَطِع العَبْدُ عن العَمَلِ.

التستري

تفسير : قوله: {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ}[127] قال: يعني سلم فيه من هواجس نفسه ووساوس عدوه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} [الآية: 127]. قال سهل: دار السلام هو الذى يسلم فيه من هواجس نفسه ووسواس عدوه. وقال بعضهم: دار السلام هو محل السلامة من القطيعة. وقال بعضهم: دار السلام هو الذى يكرمهم الله فيه بالسلام عليهم، وهو قوله: { أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ } تفسير : [الرعد: 24].

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ}. دار السلام أي دار السلامة، ومَنْ كان في رِقِّ شيءٍ من (الأغراض) والمخلوقات لم يجد السلامة، وإنما يجد السلامة مَنْ تحرر عن رِقِّ المُكُوِّنَات، والآية تشير إلى أنَّ القومَ في الجنة لكنهم ليسوا في أَسْرِ الجنة، بل تحرروا من رِقِّ كل مُكَوَّن. ويقال مَنْ لم يُسلِّمْ - اليوم - على نفسه وروحه وكلِّ مالَه من كل كريمة وعظيمة تسليمَ وداعٍ لا يجد - غداً - ذلك الفضْل، فمن أراد أن يُسلِّم عليه ربُّه - غداً - فَلْيُسَلِّمْ على (الكون) بجملته، وأولاً على نفسه وروحه. ويقال دار السلام غداً لمن سَلِمَ - اليوم - لسانُه عن الغيبة، وجَنانه عن الغيبة، وأبشاره وظواهره من الزَّلَّة، وأسراره وضمائره من الغفلة، وعقله من البدعة، ومعاملته من الحرام والشبهة، وأعماله من الرياء والمصانعة، وأحواله من الإعجاب. ويقال شرفُ قَدْرِ تلك الدار لكونها في محل الكرامة، واختصاصها بِعِنْدية الزُّلفة، وإلا فالأقطار كلها ديار، ولكن قيمة الدار بالجار، قال قائلهم: شعر : إنِّي لأحسد داراً في جِوارِكمُ طوبى لمن أضحى لدارك جارا يا ليت جارَكَ يعطيني من داره شِبراً إذاً لأعطيه بِشْبرٍ دارا تفسير : ويقال: وإن كانت الدارُ منزهةً عن قبول الجار، وليس القرب منه بتداني الأقطار، فإطلاق هذا اللفظ لقلوب الأحباب مؤنسٌ، بل لو جاز القربُ في وصفه من حيث المسافة لم يكن لهذا كبير أثر، وإنما حياة القلوب بهذا، لأن حقيقته مقدسة عن هذه الصفات؛ فهو لأَجْلِ قلوب الأحباب يُطْلق هذا ويقع العلماء في كد التأويل، وهذا هو أمارة الحب، قال قائلهم: شعر : أنا من أَجْلِكَ حُمِّلْتُ الأ ذى الذي لا أستطيع تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. هذا شرف قدر تلك المنازل حيث قال: {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} لأنه إذا كان - سبحانه - هو وليَّهم فإنَّ المنازل بأَسرِها طابت كيفما كانت، قال قائلهم: شعر : أهوى هواها لمن قد كان ساكنها وليس في الدار لي همٌّ ولا وَطَرُ تفسير : هو وليُّهم في دنياهم، ووليُّهم في عقباهم، هو وليهم في أولادهم وفي أخراهم، وليهم الذي استولى حديثه على قلوبهم، فلم يَدَعْ فيها لغيره نصيباً ولا سِوىً وليهم الذي هو أَوْلَى بهم منهم وليُّهم الذي آثرهم على أضرابهم وأشكالهم فآثروه في جميع أحوالهم وليهم الذي تطلب رضاهم، وليهم الذي لم (يَكْلهُم) إلى هواهم، ولا إلى دنياهم، ولا إلى عقباهم. وليُّهم الذي بأفضاله يلاطفهم، وبجماله وجلاله يكاشفهم. وليُّهم الذي اختطفهم عن كل حظ ونصيب، وحال بينهم وبين كل حميم وقريب، فحرَّرهم عن كل موصوف ومطلوب ومحبوب، وليُّهم الذي هو مؤنِس أسرارهم. مَشَاهِدهُ مُعْتَكِفُ أبصارهم، وحضْرَتهُ مَرْتُع أرواحهم. وليُّهم الذي ليس لهم سواه، وليهم الذي لا يشهدون إلا إياه، ولا يجدون إلا إياه، لا في بدايتهم يقصدون غيره، ولا في نهايتهم يجدون غيره، ولا في وسائلهم يشهدون غيره.

اسماعيل حقي

تفسير : {لهم} كأن سائلا يسأل عما اعد الله تعالى للمتذكرين بما فى تضاعيف الآيات فقيل لهم {دار السلام} اى السلامة من كل المكاره وهى الجنة {عند ربهم} حال من دار السلام اى نزله وضيافته كما تقول نحن اليوم عند فلان اى فى كرامته وضيافته. وقيل العندية كناية عن وعدها والتكفل بها {وهو وليهم} اى مولاهم ومحبهم او ناصرهم على اعدائهم {بما كانوا يعملون} اى بسبب الاعمال الصالحة. واعلم ان الله تعالى بين حسن الايمان وقبح الكفر وحال السعيد والشقى ورغب فى طريق الانبياء والاولياء وجعل العمل الصالح وهو ما اريد به وجه الله سببا لمحبة الله ودخول دار السلام وهى دار القرار التى يأمن من دخلها من العذاب مطلقا فالله تعالى ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور ـ روى ـ ان عمر بن الخطاب جهز جيشا الى فتح بعض حصون ديار العجم اربعة آلاف فارس وامر عليهم ابنه عبدالله رضى الله عنهما قال فسرنا حتى حاصرنا قلعة على جبل عال لا يصل اليه اسلحتنا فحاصرناها وكان فيها جيش من الكفار وكانت اميرتهم امرأة حسناء فحصل لنا تعب شديد ففى ذات يوم نظرت اميرتهم من المنظرة عسكرنا فرأت شابا حسنا من شبان العرب وكان شابا فارسا ماهرا فى الحرب فلما وقع نظرها عليه تأوهت فقالت لها بعض جواريها لم تأوهت يا ملكة وانت فى حصار ومنعة فقالت ان حصننا هذا يفتحه هذا الشاب قالت وكيف ذلك قالت سترين بعد ساعة ثم ارسلت اليه الملكة رسولا تقول هل اجد اليك سبيلا فتكون لى واكون لك فقال الشاب نعم بشرطين ان تسلمى الحصن الخارج الينا والداخل اليه فارسلت مع الرسول تستفهم اما الخارج فعرفنا واما الداخل فما عرفنا قال لها تسلمى قلبك الى الله تعالى وتقرين له بالوحدانية فارسلت اليه قوما ادخل بعسكرك فانى قد فتحت لك الباب فلما دخل الحصن عرض عليها الاسلام فقالت اعلم انى ملكة ذات همة عالية فهل فى عسكرك من هو اكبر منك حتى اسلم على يديه قال نعم اميرنا وكبيرنا وهو ابن امير المؤمنين فلما حضرت بين يدى عبدالله بن عمر رضى الله عنهما عرض عليها الاسلام فقالت كالاول هل احد اكبر منك فى المسلمين حتى اسلم بين يديه فقال لها نعم والدى امير المؤمنين عمر رضى الله عنه فقالت ارسلنى اليه حتى اسلم بين يديه فارسلها ومعها عسكر واموال جزيلة اخرجتها معها من الحصار فلا زالت حتى وصلت الى عمر رضى الله عنه فقالت له يا امير المؤمنين هل هنا احد اكبر منك قال نعم محمد رسول الله وهذا قبره الشريف واشار الى الروضة المطهرة فقالت لا اسلم الا بين يديه فاجابها لما قالت فلما اتت الروضة المنورة سلمت وجلست بادب ووقار فى حضرة النبى عليه السلام وقالت اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله ثم قالت خرجت من الظلمات الى النور وانا اخشى يا رسول الله ان يدنس ايمانى المعاصى فاسأل ربك الذى ارسلك الينا بالحق ان يقبض روحى قبل ان اعصيه مرة اخرى ثم وضعت رأسها على عتبة المصطفى صلى الله عليه وسلم فماتت من ساعتها فبكى عمر رضى الله عنه من حسن حالها وامر بغسلها وتجهيزها ودفنها بالبقيع بين الصحابة رضى الله عنهم شعر : بروز واقعة تابوت من زسر وكنيد كه ميروم بهواى بلند بالانى تفسير : اللهم اجعلنا من الذين سلكوا الصراط المستقيم ووصلوا الى جنابك بالقلب السليم فنجوا من عذابك الاليم آمين كريم يا رحيم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {لهم دار السلام} التي هي الجنة. والسلام اسم الحق تعالى، وأضافها إلى نفسه تعظيمًا لها، أو دار السلامة من المكاره، أو دار التحية؛ { أية : تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ }تفسير : [إبراهيم:23؛ يونس:10]، {عند ربهم} ذخيرة لهم عنده حين يقدمون عليه، لا يعلم كنهها غيره، أو في ضمانه وكفالته، {وهو وليهمُ} أي: مولاهم وناصرهم في الدارين، {بما كانوا يعملون} أي: بسبب أعمالهم، أي: تولاهم بسبب أعمالهم الصالحة، فيحفظهم في الدنيا، هم وذريتهم، ويحفظهم في الآخرة كذلك. الإشارة: من هداه الله لطريق الخصوصية، واستعمله في الوصول إليها، ووصله إلى من يسيره إليها، فقد دخل دار السلام قبل موته، فللَّه جنتان؛ جنة المعارف وجنة الزخارف، من دخل جنة المعارف لم يشتق إلى جنة الزخارف، لأن الله تولاه وأغناه عما سواه. ثم ذكر ما أعد لأهل الخذلان، فقال: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ}.

الجنابذي

تفسير : {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ} اى دار السّلامة عن الآفات او دار الله الّتى اعطاها ايّاهم {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} لما انقطعوا عن غيره وتوسّلوا به {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الفرار عمّا يبعّدهم والعمل بما يقرّبهم.

اطفيش

تفسير : {لَهم دارُ السَّلام عنْدَ ربِّهم} الجملة مستأنفة كأنه قيل: ما لهم على تذكرهم؟ فقال: لهم دار السلام، أو حال مقدرة من واو يذكرون، أو من قوم لوصفه يتذكرون، وهذه الجملة مقابلة كقوله: {أية : يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} تفسير : ذكر الله جعل صدره ضيقا حرجا، فذكر عاقبته وهى جعل الرجس على الذين لا يؤمنون، فالذين لا يؤمنون هم من جعل صدره ضيقا حرجا، فهو من وضع الظاهر موضع المضمر ليعلل جعل الرجس عليهم بانتفاء الإيمان، ثم ذكر قوما يذكرون وهم من شرح صدره للإسلام، فذكر عاقبتهم أنهم لهم دار السلام عند ربهم، وذلك إن أريد لمن جعل صدره ضيقا حرجا المشرك فقط، وإلا فليس من موضع الظاهر موضع المضمر، والواضح أن يراد به المشرك وغيره كما مر. وعند ربهم ظرف متعلق بمحذوف حال من المستكن فى لهم العائد إلى دار السلام، لا من دار السلام، لأنه مبتدأ الصحيح أن لا حال من المبتدأ ألا يجعل لهم نعتاً أو حالا لما قبل، وجعلنا دار فاعلا لقوله لهم لاعتماده على صاحب حال، أو نعت، فحيئنذ يجوز عند حالا من دار، ومعنى كون دار السلام عند الله أنه تكفل بها ووعدها لأصحابها، أو أنها فى علمه وغيبه فى أى مكان أرادها، وأى وقت، وفيها ما لا أذن سمعت، ولا عين رأت، ولا خطر على قلب بشر، ودار السلام الجنة بأنواعها، وهن ثمانى جنان، وأضيفت للسلامة لسلامتها وسلامة من الآفات والفناء والأحزان والأمراض والأوساخ، وكل ما يكره، فالسلام مصدراً ودار السلام بمعنى دار التسليم كما قال الله تعالى: {أية : تحيتهم فيها سلام}تفسير : أو لمعنى دار الله السالم من النقص، والسالم خلقه من ظلمه، فتكون أضيفت لله تعظيماً كبيت الله، وفى الإضافتين الأوليين تعظيم، وهذه أعظم، والسلام من أسماء الله السلام المؤمن المهيمن، وبهذا الوجه يقول الحسن والسدى. {وهُو وليُّهم} يلى أمرهم بإيصال المنافع إليهم، ودفع المضار دنيا وأخرى، ولا استعمال الوالى فى ذلك المعنى اكتفى به عن ذكر النصير، وقيل: المراد ذلك لكن فى الدنيا، لأن الآخرة ذكرها بقوله: {لهم دار السلام} لكن لا يكون قوياً مع قوله {بما كانُوا يعْملُون} لأن التعليق بالكسب يقتضى الآخرة، لأنها المعتبرة، وقيل: يلى أمرهم فى الدنيا بالتوفيق، وفى الآخرة بالجزاء، أو نسب للحسن بن الفضل، وقيل: وليهم ناصرهم على عدوهم، وقيل: محبهم، والباء للسببية فى جميع الأوجه، ويجوز كونها للملابسة إذا كان وليهم بمعنى متولى أمرهم على حذف مضاف، أى متولى أمرهم بجزاء ما كانوا يعملون، وتتعلق بقوله: {وليهم} وإن كان بمعنى متولى أمرهم تعليقها بحال محذوف، أى ملتبساً بجزاء ما كانوا يعملون.

الالوسي

تفسير : {لَهُمْ} أي لهؤلاء القوم {دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ} أي الجنة كما قال قتادة، والسلام هو الله تعالى كما قال الحسن. وابن زيد والسدي. وإضافة الدار إليه سبحانه للتشريف. وقال الزجاج والجبائي: {ٱلسَّلَـٰم} بمعنى السلامة أي دار السلامة من الآفات والبلايا وسائر المكاره التي يلقاها أهل النار. وقيل: هو بمعنى التسليم أي دار تحيتهم فيها سلام {عِندَ رَبّهِمْ} أي في ضمانه وتكفله التفضلي أو ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنه ذلك غيره. والجملة مستأنفة، وقيل: صفة لقوم {وَهُوَ وَلِيُّهُم} أي محبهم أو ناصرهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بسبب أعمالهم الصالحة أو متوليهم متلبساً بجزائها بأن يتولى إيصال الثواب إليهم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } تفسير : [الأنعام: 112] لتفاوت مراتب أرواحهم في الصفاء والكدورة والنور والظلمة والقرب والبعد. ومن هنا قيل: والجاهلون لأهل العلم أعداء. وكلما اشتد التفاوت اشتدت العداوة وزاد الإيذاء الناشىء منها. ولهذا ورد في بعض الآثار « حديث : ما أوذي نبـي مثل ما أوذيت »تفسير : . وتسبب هذه العداوة مزيد التوجه إلى الحق جل شأنه والإعراض عن الملاذ والحرص على الفضيلة التي يقهر بها العدو والاحتراز عما يوشك أن يكون سبباً للطعن إلى غير ذلك {وَلِتَصْغَى } أي تميل {إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱللَّذَيْن لاَ يُؤْمِنُونَ} وهم المحجوبون لوجود المناسبة {وَلِيَرْضَوْهُ} بمحبتهم إياه { أية : وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } تفسير : [الأنعام: 113] من اسم التعاضد والتظاهر {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَماً} بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} المعجز الجامع { أية : مُفَصَّلاً } تفسير : [الأنعام: 114] فيه الحق والباطل بحث لا يبقى معه مقال لقائل فطلب ما سواه مما لا يليق بعاقل ولا يميل إليه إلا جاهل {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} أي تم قضاؤه في الأزل بما قضى وقدر {صِدْقاً} مطابقاً لما يقع {وَعَدْلاً} مناسباً للاستعداد، وقيل: صدقاً فيما وعد وعدلاً فيما أوعد { أية : لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ } تفسير : [الأنعام: 115] لأنها على طرز ما ثبت في علمه والانقلاب محال {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ} أي من الجهة السفلية بالركون إلى الدنيا وعالم النفس والطبيعة {يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} لأنهم لا يدعون إلا للشهوات المبعدة عن الله تعالى {إِن يَتَّبِعُونَ} أي ما يتبعون لكونهم محجوبين في مقام النفس بالأوهام والخيالات { أية : إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } تفسير : [الأنعام: 116] بقياس الغائب على الشاهد {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ } من الأقوال والأفعال الظاهرة على الجوارح { أية : وَبَاطِنَهُ } تفسير : [الأنعام: 120] من العقائد الفاسدة والعزائم الباطلة. وقال سهل: ظاهر الإثم المعاصي كيف كانت وباطنه حبها، وقال الشبلي: ظاهر الإثم الغفلة وباطنه نسيان مطالعة السوابق، وقال بعضهم: ظاهر الإثم طلب الدنيا وباطنه طلب الجنة لأن الأمرين يشغلان عن الحق وكل ما يشغل عنه سبحانه فهو إثم، وقيل: ظاهر الإثم حظوظ النفس وباطنه حظوظ القلب، وقيل: ظاهر الإثم حب الدنيا وباطنه حب الجاه، وقيل: ظاهر الإثم رؤية الأعمال وباطنه سكون القلب إلى الأحوال. {وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ} وهم المحجوبون بالظاهر عن الباطن {لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ } أي من يواليهم من المنكرين {لِيُجَـٰدِلُوكُمْ} بما يتلقونه من الشبه {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} وتركتم ما أنتم عليه من التوحيد { أية : إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } تفسير : [الأنعام: 121] مثلهم {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا } بالجهل وهوى النفس أو الاحتجاب بصفاتها {فَأَحْيَيْنَـٰهُ } بالعلم ومحبة الحق أو كشف حجب صفاته {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا } من هدايتنا وعلمنا أو نوراً من صفاتنا {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا } بالمجاهدات {فَأَحْيَيْنَـٰهُ} بروح المشاهدات أو ميتاً بشهوات النفس {فَأَحْيَيْنَـٰهُ } بصفاء القلب أو ميتاً برؤية الثواب فأحييناه برؤية المآب إلى الوهاب وجعلنا له نور الفراسة أو الإرشاد، وقال جعفر الصادق: المعنى أو من كان ميتاً عنا فأحييناه بنا وجعلناه إماماً يهدي بنور الإجابة ويرجع إليه الضلال، وقال ابن عطاء: أو من كان ميتاً بحياة نفسه وموت قلبه فأحييناه بإماتة نفسه وحياة قلبه وسهلنا عليه سبل التوفيق وكحلناه بأنوار القرب فلا يرى غيرنا ولا يلتفت إلى سوانا {كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ} أي ظلمات نفسه وصفاته وأفعاله {لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } لسوء استعداده {كَذَلِكَ زُيّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ } المحجوبين { أية : مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنعام: 122] فاحتجبوا به {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} ويكون ذلك سبباً لمزيد كمال العارفين حسبما تقدم في جعل الأعداء للأنبياء عليهم السلام. ويمكن أن يكون إشارة إلى ما في الأنفس أي {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ} وجود الإنسان التي هي البدن {أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا} من قوى النفس الأمارة {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} بإضلال القلب { أية : وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } تفسير : [الأنعام: 123] لأن عاقبة مكرهم راجع إليهم ءافاقاً وأنفساً {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ} على يد الرسول عليه الصلاة والسلام {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ٱللَّهُ} من الرسالة إليهم {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } وذلك حيث خزينة الاستعداد عامرة والنفس قدسية {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} بالاحتجاب عن الحق {صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ } أي ذل بذهاب قدرهم حين خراب أبدانهم { أية : وَعَذَابٌ شَدِيدٌ } تفسير : [الأنعام: 124] بحرمانهم الملائم ووصول المنافي إليهم في المعاد الجسماني {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ } إليه ويعرفه به {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ} بأن يقذف فيه نوراً من أنواره فيعرفه بذلك {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً } لا يدخل فيه شيء من أنوار شمس العرفان {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَاء} نبواً وهرباً عن قبول ذلك لأنه خلاف استعداده، وقيل: المعنى فمن يرد الله أن يهديه للتوحيد يشرح صدره لقبول نور الحق وإسلام الوجود إلى الله سبحانه بكشف حجب صفات نفسه عن وجه قلبه الذي يلي النفس فينفسح لقبول نور الحق ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً باستيلاء النفس عليه وضغطها له كما يصعد في سماء روحه مع تلك الهيآت البدنية المظلمة وذلك أمر محال، وقيل: غير ذلك {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرّجْسَ} أي رجس التلوث بنتن الطبيعة { أية : عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأنعام: 125] وهم المحجوبون عن الحق {وَهَـٰذَا } أي طريق التوحيد أو الجعل {صِرٰطُ رَبّكَ } أي طريقه الذي ارتضاه أو عادته التي اقتضتها حكمته { أية : قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } تفسير : [الأنعام: 126] المعارف والحقائق المركوزة في استعدادهم { أية : لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبّهِمْ } تفسير : [الأنعام: 127] هي ساحة جلاله وحضائر قدس صفاته ومساقط وقوع أنوار جماله المنزهة عن خطر الحجاب وعلة العتاب وطريان العذاب وهو وليهم بنعت رعايتهم وكشف جماله لهم أو وليهم يحفظهم عن رؤية الغير في البين. ويجوز أن يكون المعنى لهم دار السلامة من كل خوف وآفة حيث يكون العبد فيها في ظل الذات والصفات وريف البقاء بعد الفناء؛ والكثير على أن السلام من أسمائه تعالى فما ظنك بدار تنسب إليه جل شأنه: شعر : إذا نزلت سلمى بواد فماؤه زلال وسلسال وأشجاره ورد تفسير : نسأل الله تعالى أن يدخلنا هاتيك الدار بحرمة نبيه المختار صلى الله عليه وسلم.

ابن عاشور

تفسير : الضّمير في: {لهم دار السلام} عائد إلى { أية : قوم يذّكَّرون } تفسير : [الأنعام: 126]. والجملة إمّا مستأنفة استئنافاً بيانياً: لأنّ الثّناء عليهم بأنّهم فُصّلت لهم الآيات ويتذكّرون بها يثير سؤال مَن يسأل عن أثر تبيين الآيَات لهم وتذكُّرهم بها، فقيل: {لهم دار السلام}. وإمّا صفة: { أية : لقوم يذّكّرون } تفسير : [الأنعام: 126]. وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص للقوم الذين يذكّرون لا لغيرهم. والدّارُ: مكان الحلول والإقامة، ترادف أو تقارب المحلّ من الحُلول، وهو مؤنّث تقديراً فيصغَّر على دويرة. والدّار مشتقّة من فعل دار يدور لكثرة دوران أهلها، ويقال لها: دارة، ولكن المشهور في الدارة أنّها الأرض الواسعة بين جبال. والسّلام: الأمان، والمراد به هنا الأمان الكامل الّذي لا يعتري صاحِبه شيء ممّا يُخاف من الموجودات جواهرها وأعراضها، فيجوز أن يراد بدار السّلام الجنّة سمّيت دار السّلام لأنّ السّلامة الحقّ فيها، لأنَّها قرار أمن من كلّ مكروه للنّفس، فتمحّضت للنَّعيم الملائم، وقيل: السّلام، اسم من أسماء الله تعالى، أي دار الله تعظيماً لها كما يقال للكعبة: بيت الله، ويجوز أن يراد مكانة الأمان عند الله، أي حالة الأمان من غضبه وعذابه، كقول النّابغة: شعر : كم قد أحلّ بدار الفقر بعد غنىً عمرو وكم راش عمرو بعد إقتار تفسير : و{عند} مستعارة للقرب الاعتباري، أريد به تشريف الرتبة كما دلّ عليه قوله عَقِبه: {وهو وليّهم}، ويجوز أن تكون مستعارة للحفظ لأنّ الشيء النّفيس يُجعل في مكان قريب من صاحبه ليحفظه، فيكون المعنى تحقيق ذلك لهم، وأنَّه وعد كالشّيء المحفوظ المدّخر، كما يقال: إن فعلت كذا فلك عندي كذا تحقيقاً للوعد. والعدول عن إضافة {عند} لضمير المتكلّم إلى إضافته للاسم الظاهر: لقصد تشريفهم بأنّ هذه عطيّة مَن هو مولاهم. فهي مناسبة لفضله وبرّه بهم ورضاه عنهم كعكسه المتقدّم آنفاً في قوله تعالى: { أية : سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله } تفسير : [الأنعام: 124]. وعطف على جملة: {لهم دار السلام} جملة: {وهو وليهم} تعميماً لولاية الله إيَّاهم في جميع شؤونهم، لأنَّها من تمام المنّة. والوليّ يطلق بمعنى النّاصر وبمعنى الموالي. وقوله: {بما كانوا يعملون} يجوز أن يتعلّق بما في معنى الخبر في قوله: {لهم دار السلام}، من مفهوم الفعل، أي ثبت لهم ذلك بما كانوا يعملون، فتكون الباء سببيّة، أي بسبب أعمالهم الحاصلة بالإسلام، أو الباء للعوض: أي لهم ذلك جَزاء بأعمالهم، وتكون جملة: {وهو وليهم} معترضة بين الخبر ومتعلِّقه، ويجوز أن يَكون: {بما كانوا يعملون} متعلِّقا بــــ {وليّهم} أي وهو ناصرهم، والباء للسّببيّه: أي بسبب أعمالهم تولاّهم، أو الباء للملابسة، ويكون: {بما كانوا يعملون} مراداً به جزاء أعمالهم، على حذف مضاف دلّ عليه السّياق. وتعريف المسند بالإضافة في قوله: {وليهم} أفاد الإعلام بأنّ الله وليّ القوم المتذكّرين، ليعلموا عظم هذه المنّة فيشكروها، وليعلم المشركون ذلك فيغيظهم. وذلك أنّ تعريف المسند بالإضافه يخالف طريقة تعريفه بغير الإضافة، من طرق التّعريف، لأنّ التّعريف بالإضافة أضعف مراتب التّعريف، حتّى أنَّه قد يقرب من التّنكير على ما ذكره المُحقّقون: من أنّ أصل وضع الإضافة على اعتبار تعريف العهد، فلا يُقال: غلام زيد، إلاّ لغلام معهود بين المتكلّم والمخاطب بتلك النّسبة، ولكن الإضافة قد تخرج عن ذلك في الاستعمال فتجيء بمنزلة النكرة المخصوصة بالوصف، فتقول: أتاني غلامُ زيد بكتاب منه وأنت تريد غلاماً له غير معيَّن عند المخاطب، فيصير المعرّف بالإضافة حينئذ كالمعرّف بلام الجنس، أي يفيد تعريفاً يميّز الجنس من بين سائر الأجناس، فالتّعريف بالإضافة يأتي لما يأتي له التّعريف باللام. ولهذا لم يكن في قوله: {وهو وليهم} قَصْر ولا إفاده حُكم معلوم على شيء معلوم. وممّا يزيدك يقينا بهذا قوله تعالى: { أية : ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم } تفسير : [محمد: 11] فإنّ عطف: {وأنّ الكافرين لا مولى لهم} على قوله: {بأنّ الله مولى الذين آمنوا} أفاد أنّ المراد بالأوّل إفادة ولاية الله للّذين آمنوا لا الإعلام بأنّ من عرف بأنَّه مولى الّذين آمنوا هو الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّلاَمِ} (127) - وَلِهؤلاءِ المُتَّبِعِينَ صِرَاطَ رَبِّهِم المُسْتَقِيمَ الجَنَّةُ، عِنْدَ رَبِّهِمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللهُ حَافِظُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ، فَجَزَاءً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ، تَوَلاَّهُمُ اللهُ، وَأَثَابَهُمُ الجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. دَارُ السَّلاَمِ - الجَنَّةُ. وَسُمِّيَتْ كَذَلِكَ لِسَلاَمَةِ المُؤْمِنينَ الدَّاخِلِينَ إِلَيْها. وَلِيُّهُمْ - نَاصِرُهُمْ وَحَافِظُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ.

الثعلبي

تفسير : {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ} يعني الجنة في الآخرة. قال أكثر المفسرين: السلام هو اللّه عز وجل وداره الجنة. وقيل: سميت الجنة دار السلام لسلامتها من الآفات والعاهات. وقيل: لأن من دخلها سلم من البلايا والرزايا أجمع. وقيل: لأنها سلمت من دخول أعداء اللّه كيلا ينتغص أولياء الله فيها كما يُنغّص مجاورتهم في الدنيا. وقيل: سميت بذلك لأن كل حالة من حالات أهلها مقرونة بالسلام فاما إبتداء دخولها فقوله {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ} وبعد ذلك قوله {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ}تفسير : الآية [الرعد: 23]. وبعده قوله {أية : وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} تفسير : [يونس: 10] وبعده قوله {أية : لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً} تفسير : [مريم: 62] وقوله {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً} تفسير : [الواقعة: 25-26] وبعده قوله {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} تفسير : [الأحزاب: 44] وبعد ذلك {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس: 58]. فلما كان حالات أهل الجنة مقرونة بالسلام إما من الخلق وإما من الحق سمّاها اللّه دار السلام {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} ناصرهم ومعينهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. قال الحسن بن الفضل: يعني يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء. {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} الجن والإنس يجمعهم في يوم القيامة فيقول: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ} أي من إضلال الناس وإغوائهم {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ} الذين أطاعوهم {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}. قال الكلبي: إستمتاع الإنس بالجن. هو أن الرجل إذا سافر أو خرج فمشى بأرض قفر أو أصاب صيداً من صيدهم فخاف على نفسه منهم. فقال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه فيثبت جواز منهم، واستمتاع الجن بالإنس هو أن قالوا: قد سدنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا فيزدادون شرفاً في قومهم وعظماً في قومهم وهذا معنى قوله تعالى {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ}تفسير : الآية [الجن: 6]. وقال محمد بن كعب وعبد العزيز بن يحيى: هو طاعة بعضهم بعضاً وموافقة بعضهم بعضاً وقيل: إستمتاع الإنس بالجن بما كانوا يأتون إليهم. من الأراجيف والسحر والكهانة، فاستمتاع الجن بالإنس إغراء الجن الإنس واتباع الإنس إياهم {وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا} يعني الموت والبعث. قال اللّه تعالى {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} يعني قدّر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم. قال ابن عباس: هذا الإستثناء هو أنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللّه في خلقه لا يولهم جنة ولا ناراً. وقال الكلبي: إلا ما شاء اللّه وكان ما شاء اللّه أبداً. وقيل: معناه النار مثواكم خالدين فيها سوى ما شاء الله من أنواع العذاب وقيل: إلا ما شاء اللّه من إخراج أهل التوحيد من النار. وقيل: إلا ما شاء اللّه أن يزيدهم من العذاب فيها. وقيل: إلا ما شاء اللّه من كونهم في الدنيا بغير عذاب. وقال عطاء: إلا ما شاء اللّه من الحق في عمله أن يؤمن فمنهم من آمن من قبل الفتح ومنهم من آمن من بعد الفتح. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ * وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. روي عن قتادة: يجعل بعضهم أولياء بعض. والمؤمن ولي المؤمن والكافر ولي الكافر حيث كان. وروى معمر عن قتادة: تبع بعضهم بعضاً في النار من الموالاة. وقيل: معناه نولي ظلمة الإنس ظلمة الجن ونولي ظلمة الجن ظلمة الإنس، يعني نَكِلُ بعضهم إلى بعض كقوله {أية : نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ} تفسير : [النساء: 115]. قال ابن زيد: نسلط بعضهم على بعض. يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أعان ظالماً سلّطه اللّه عليه ". تفسير : وقال مالك بن دينار: قرأت في كتب اللّه المنزلة: إن اللّه تعالى قال: أُفني أعدائي بأعدائي ثم أُفنيهم بأوليائي. وروى حيان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: تفسيرها: هو أن اللّه تعالى إذا أراد بقوم خيراً ولى أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شراً ولى أمرهم شرارهم. وفي الخبر: يقول اللّه: إني أنا اللّه لا إله إلاّ أنا مالك الملوك قلوبهم ونواصيهم فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشتغلوا بسبّ الملوك ولكن توبوا إلى اللّه تعالى بعطفهم عليكم. {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ}. قال الأعرج وابن أبي إسحاق: تأتكم بالتاء كقوله: {أية : لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 43]. قرأ الباقون: بالياء كقوله تعالى {مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} {يَقُصُّونَ} يقرأون {عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} وهو يوم القيامة. واختلف العلماء في الجن هل أُرسل إليهم رسول أم لا؟ فقال عبيد بن سليمان: سئل الضحاك عن الجن هل كان فيهم مؤمن قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألم تسمع قوله تعالى: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} يعني بذلك رسلاً من الإنس ورسلاً من الجن. قال الكلبي: كانت الرسل قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الجن والإنس جميعاً. قال مجاهد: الرسل من الإنس. والنذير من الجن ثم قرأ {أية : وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} تفسير : [الأحقاف: 29]. قال ابن عباس: هم الذين استمعوا القرآن وأبلغوه قومهم. وقال أهل المعاني: لم يكن من الجن رسول وإنما الرسل من الإنس خاصة وهذا كقوله تعالى {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22] وإنما يخرج من المالح دون العذب. وقوله {أية : وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} تفسير : [الحج: 28] وهي أيام العشر وإنما الذبح في يوم واحد من العشر فهو يوم النحر. وقوله {أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} تفسير : [نوح: 16] وإنما هو في سماء واحدة {قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ} أقروا {عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ * ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} أي بشرك من أشرك {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} حتى يبعث إليهم رسلاً ينذرونهم. وقيل: معناه: لم يكن ليهلكهم دون البينة والتذكير بالرسل والآيات فيكون قد ظلمهم {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} يعني بالثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا منهم من هو أشد عذاباً ومنهم من هو أجزل ثواباً {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي أن لهؤلاء المتقدمين الذين صبروا وصابروا ورابطوا، لهم دار السلام، وهو أسلوب مكون- كما يقال- من مبتدأ وخبر، الا أن المبتدأ أُخرِّ هنا، والخبر تقدّم، وكان المنطق أن يقال:"دار السلام لهؤلاء" ولكن الأسلوب القرآني جاء ليقدم الخبر المكون من الجار والمجرور ومتعلقه، ويؤخر المبتدأ وذلك لخصوصية أرادها الحق، وهي أن هذه الدار لهم وحدهم دون غيرهم فهي خالصة لهم يوم القيامة و"دار السلام" مكونة من كلمتين، "دار" ومعناها ما يستقر فيه الإنسان، ويجمع هذا المكان كل ما تتطلبه حياة الإنسان، وهي أوسع قليلاً من كلمة "بيت"؛ لأن البيت مكان يعد للبيتوتة، لكن كلمة "دار" تعد للحياة ولما يتعلق بالحياة من مقوماتها. و"دار" هنا مضافة إلى السلام، وهو- كما نعلم- اسم من أسماء الله، إذن فالحق هنا يوضح: لهم دار منسوبة للسلام وهو الله، وهم مستحقون لها جزاءً منه، فإذا كانت الدار التي وعدها الله هي دار السلام وهو الله، فلابد أن فيها متعاً وامكانات على قدر فضل المضاف إليه وهو الله، ولماذا لم يقل الله: "دار الله"؛ لأن الله أراد أن يأتي بوصف آخر من أوصافه؛ ليعطيهم السلام والأمن والاطمئنان. وهناك فرق بين دور الدنيا، وهذه الدار؛ فدور الدنيا فيها متع، ولكنك فيها بين أمرين: إما أن تفوت أنت ما هي فيه، وإما أن يفوتك ما فيها، ولذلك لا يوجد في الدنيا أمن؛ لأن غيرك قد يناوئك فيها ويعاديك، وقد تأتي لك مكدرات المرض، وقد تأتي لك معكرات الأعداء، كل ذلك ينغص عليك الأمن والسلام في الدنيا. ولذلك أراد الحق ان تكون لك الآخرة دار السلام مادمت قد آمنت، وأن تأمن فيها من كل الآفات التي كانت في دار الدنيا. {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ} [الأنعام: 127] وكأن دار السلام ليست وعداً من الله بأن تكون، ولكنها جاهزة معدة عند الله ومحفوظة لديه تنتظر المؤمنين، وسبحانه قد خلق جناناً تتسع لكل خلقه على فرض أنهم آمنوا، وجعل من النار مثل ذلك على قدر خلقه، على فرض وتقدير أنهم كفروا. وسيأخذ المؤمنون ما أعد لهم من دور الإيمان ويرثون ما أعد للكافرين من دور الإيمان على فرض أنهم آمنوا في الدنيا.{أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [المؤمنون: 10-11] فلم يخلق الحق جناناً محدودة، لا، بل أعد وهيأ من الجنان ما يتسع لكل الخلق إن امنوا، ومن النيران ما يتسع لكل الخلق إن كفروا. ومادامت العندية منسوبة إلى الله فهي عندية مأمونة. وبعد ذلك أيتخلّى الله عنهم ويكلهم إلى ما أعدّه لهم؟. لا، بل قال: {.. وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 127] فهناك إعداد، ثم قيومة ولاية الله، وهذه القيومة لله، هي للمؤمنين في الدنيا، لكن فلنلاحظ أن الولاية في الدنيا قد تكون فيها أسباب مخلوقة لله، لكن في الآخرة هناك الجزاء الذي لا يكله الله للأسباب، فتكون الولاية مباشرة له؛ لأنه سيعطيك فوراً، وإذا خطر أي شيء بباللك تجده حاضراً: فهي متعة على غير ما ألف الناس؛ لأن الناس يتمتعون في الدنيا بواسطة الأسباب المخلوقة لله. ولكن في الآخرة فلا ملكية لأحد حتى في الأسباب، لذلك يقول سبحانه: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ..} تفسير : [غافر: 16] وستجد الإِجابة هي قوله - سبحانه -: {أية : لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] والحق هو الولي الذي يليك، قرباً تنتفع به، فلا تضطر حتى أن تنادي عليه ليأتي لك بالمنافع ويدفع عنك المضار كما عمل لك في الدنيا ووفقك للعمل وهو وليك في الآخرة بحسن الجزاء لك بسبب ما كنت تعمل؛ فالعمل في الدنيا هو الزرع وهو الحرث لثمرة الآخرة. ولكن أيعطينا الله على قدر أعمالنا؟ لا، بل يعطينا على قدر صبرنا؛ لأنه إن كان العطاء على قدر الأعمال، إننا لو حسبناها لما أدينا ثمن عشر معشار نعم الله علينا في الدنيا. فكأننا نعمل في الدنيا لنؤدي شكر ما أفاء علينا وأعطانا من النعم، فإذا جاء الحق سبحانه وتعالى وأعطانا بعد ذلك ثواباً فهو الفضل منه، ولذلك يوضح الحق لنا: إياكم حين توفقون في العمل أن تفتتنوا بأعمالكم، بل عليكم أن تتذكروا ان ذلك فضل من الله: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58] وقد شرح النبي عليه الصلاة والسلام هذا الأمر وقال: "حديث : لن يُدْخِل أحداً منكم عملُه الجنة، قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة. " تفسير : إذن المسألة كلها بالفضل من الله، ولكن فضل الله شرطه العمل الصالح؛ فأنت تعمل العمل الصالح، ويعطيك ربنا أضعافه، وبطبيعة الحال فعملك لن ينفع جلاله أو جماله أو كماله أو يزيده صفة أو يزيده ملكاً، لكنه يعطيك على ما عملته لنفعك ولنفع بني جنسك. ولذلك نجد الإِمام الرازي - رضي الله عنه - يقول: إن العمل في ذاته يورث الذات شيئا من الصفاء الذي ترتاح له وتسعد به، حتى تجد الجزاء في الراحة، والراحة النفسية هي الأمر المعنوي الذي يوجد في بنية مادية هي قالبك. فساعة يوجد شيء في النفس فهو يؤثر في القالب أغياراً، فإذا غضب الإنسان فهذا الغضب يظهر أثره في البينة نفسها فيحمر الوجه، ويرتعش الإِنسان للانفعال بالغضب، والغضب أمر معنوي لكنه أثّر في البينة، وكذلك إذا ما حدث ما يسرّك، يظهر ذلك في البينة أيضاً؛ فتشرق وتهلل أساريرك. إذن فالعمل يؤثر في البينة، والبينة تؤثر في العمل. ويقول الحق بعد ذلك: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ...}