٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
128
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتمسك بالصراط المستقيم، بين بعده حال من يكون بالضد من ذلك لتكون قصة أهل الجنة مردفة بقصة أهل النار، وليكون الوعيد مذكوراً بعد الوعد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } منصوب بمحذوف، أي واذكر يوم نحشرهم، أو يوم نحشرهم قلنا يا معشر الجن، أو يوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن، كان ما لا يوصف لفظاعته. المسألة الثانية: الضمير في قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: يعودإلى المعلوم، لا إلى المذكور، وهو الثقلان، وجميع المكلفين الذين علم أن الله يبعثهم. والثاني: أنه عائد إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شَيَـٰطِينَ ٱلإِنسِ وَٱلْجِنّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً }تفسير : [الأنعام: 112]. المسألة الثالثة: في الآية محذوف والتقدير: يوم نحشرهم جميعاً فنقول: يا معشر الجن، فيكون هذا القائل هو الله تعالى، كما أنه الحاشر لجميعهم، وهذا القول منه تعالى بعد الحشر لا يكون إلا تبكيتاً وبياناً لجهة أنهم وإن تمردوا في الدنيا فينتهي حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف بالجرم. وقال الزجاج: التقدير فيقال لهم يا معشر الجن، لأنه يبعد أن يتكلم الله تعالى بنفسه مع الكفار، بدليل قوله تعالى في صفة الكفار: {أية : وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [البقرة: 174]. أما قوله تعالى: {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مّنَ ٱلإنسِ } فنقول: هذا لا بد فيه من التأويل. لأن الجن لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس، لأن القادر على الجسم وعلى الأحياء والفعل ليس إلا الله تعالى، فوجب أن يكون المراد قد استكثرتم من الدعاء إلى الضلال مع مصادفة القبول. أما قوله: {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ ٱلإِنسِ } فالأقرب أن فيه حذفاً، فكما قال للجن تبكيتاً، فكذلك قال للإنس توبيخاً لأنه حصل من الجن الدعاء، ومن الإنس القبول، والمشاركة حاصلة بين الفريقين، فلما بكت تعالى كلا الفريقين حكى ههنا جواب الإنس، وهو قولهم: ربنا استمتع بعضنا ببعض فوصفوا أنفسهم بالتوفر على منافع الدنيا، والاستمتاع بلذاتها إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي عنده أيقنوا بسوء عاقبتهم. ثم ههنا قولان: الأول: أن قولهم استمتع بعضنا ببعض، المراد منه أنه استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن، وعلى هذا القول ففي المراد بذلك الاستمتاع قولان: القول الأول: أن معنى هذا الاستمتاع هو أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض قفر وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت آمناً في نفسه، فهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني، كان ذلك تعظيماً منهم للجن، وذلك الجني يقول: قد سدت الجن والإنس، لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه، وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج واحتجوا على صحته بقوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ ٱلْجِنّ } تفسير : [الجن: 6]. والوجه الثاني: في تفسير هذا الاستمتاع أن الإنس كانوا يطيعون الجن وينقادون لحكمهم فصار الجن كالرؤساء، والإنس كالأتباع والخادمين المطيعين المنقادين الذين لا يخالفون رئيسهم ومخدومهم في قليل ولا كثير، ولا شك أن هذا الرئيس قد انتفع بهذا الخادم، فهذا استمتاع الجن بالإنس. وأما استمتاع الإنس بالجن، فهو أن الجن كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات واللذات والطيبات ويسهلون تلك الأمور عليهم، وهذا القول اختيار الزجاج. قال: وهذا أولى من الوجه المتقدم، والدليل عليه قوله تعالى: {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مّنَ ٱلإنسِ } ومن كان يقول من الإنس أعوذ بسيد هذا الوادي، قليل. والقول الثاني: أن قوله تعالى: {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } هو كلام الإنس خاصة، لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر لا يكاد يظهر. أما استمتاع بعض الإنس ببعض، فهو أمر ظاهر. فوجب حمل الكلام عليه، وأيضاً قوله تعالى: {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } كلام الإنس الذين هم أولياء الجن، فوجب أن يكون المراد من استمتاع بعضهم ببعض استمتاع بعض أولئك القوم ببعض. ثم قال تعالى حكاية عنهم: {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا ٱلَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا } فالمعنى: أن ذلك الاستمتاع كان حاصلاً إلى أجل معين ووقت محدود، ثم جاءت الخيبة والحسرة والندامة من حيث لا تنفع، واختلفوا في أن ذلك الأجل أي الأوقات؟ فقال بعضهم: هو وقت الموت. وقال آخرون: هو وقت التخلية والتمكين. وقال قوم: المراد وقت المحاسبة في القيامة، والذين قالوا بالقول الأول قالوا إنه يدل على أن كل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله، لأنهم أقروا أنا بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا، وفيهم المقتول وغير المقتول. ثم قال تعالى: {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ } المثوى: المقام والمقر والمصير، ثم لا يبعد أن يكون للإنسان مقام ومقر ثم يموت ويتخلص بالموت عن ذلك المثوى، فبين تعالى أن ذلك المقام والمثوى مخلد مؤبد وهو قوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا }. ثم قال تعالى: {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } وفيه وجوه: الأول: أن المراد منه استثناء أوقات المحاسبة، لأن في تلك الأحوال ليسوا بخالدين في النار: الثاني: المراد، الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير. وروي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد إلى حر الجحيم. الثالث: قال ابن عباس: استثنى الله تعالى قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا القول يجب أن تكون «ما» بمعنى «من» قال الزجاج: والقول الأول أولى. لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم القيامة، لأن قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } هو يوم القيامة. ثم قال تعالى: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } منذ يبعثون {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم. الرابع: قال أبو مسلم: هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود، وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم، فكأنهم قالوا: وبلغنا الأجل الذي أجلت لنا، أي الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } تفسير : [الأنعام: 6] وكما فعل في قوم نوح وعاد وثمود ممن أهلكه الله تعالى قبل الأجل الذي لو آمنوا، لبقوا إلى الوصول إليه فتلخيص الكلام أن يقولوا: استمتع بعضنا ببعض، وبلغنا ما سميت لنا من الأجل إلا من شئت أن تخترمه فاخترمته قبل ذلك بكفره وضلاله. واعلم أن هذا الوجه وإن كان محتملاً إلا أنه ترك لظاهر ترتيب ألفاظ هذه الآية ولما أمكن إجراء الآية على ظاهرها فلا حاجة إلى هذا التكلف. ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } أي فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة، وكأنه تعالى يقول: إنما حكمت لهؤلاء الكفار بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك. والله أعلم. المسألة الرابعة: قال أبو علي الفارسي: قوله: {ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ } المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فقوله: {ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ } معناه: النار أهل أن تقيموا فيها خالدين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ نحْشُرُهُمْ} نصب على الفعل المحذوف، أي ويوم نحشرهم نقول. {جَمِيعاً} نصب على الحال. والمراد حشر جميع الخلق في موقف القيامة. {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ} نداء مضاف. {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ} أي من الاستمتاع بالإنس؛ فحذف المصدر المضاف إلى المفعول، وحرف الجر؛ يدل على ذلك قوله: {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} وهذا يردّ قول من قال: إن الجن هم الذين استمتعوا من الإنس؛ لأن الإنس قبِلوا منهم. والصحيح أن كل واحد مستمتع بصاحبه. والتقدير في العربية: استمتع بعضنا بعضاً؛ فاستمتاع الجن من الإنس أنهم تلذّذوا بطاعة الإنس إياهم، وتلذّذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زَنَوْا وشرِبوا الخمور بإغواءِ الجن إيّاهم. وقيل: كان الرجل إذا مَرّ بوادٍ في سفره وخاف على نفسه قال: أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر. وفي التنزيل {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقاً } تفسير : [الجن: 6]. فهذا استمتاع الإنس بالجنّ. وأما استمتاع الجنّ بالإنس فما كانوا يُلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر. وقيل: استمتاع الجن بالأنس أنهم يعترفون أن الجنّ يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون. ومعنى الآية تقريع الضالين والمضِلين وتوبيخهم في الآخرة على أعين العالمين. { وَبَلغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا} يعني الموت والقبر، ووافينا نادمين. {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ} أي موضع مقامكم. والمَثْوَى المُقام. {خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} استثناء ليس من الأوّل. قال الزجاج: يرجع إلى يوم القيامة، أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب؛ فالاستثناء منقطع. وقيل: يرجع الاستثناء إلى النار، أي إلا ما شاء الله من تعذيبكم بغير النار في بعض الأوقات. وقال ٱبن عباس: الاستثناء لأهل الإيمان. فـ«ما» على هذا بمعنى مَن. وعنه أيضاً أنه قال: هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار. ومعنى ذلك أنها توجب الوقف فيمن لم يمت، إذْ قد يُسلم. وقيل: «إلاّ ما شاء الله» من كونهم في الدنيا بغير عذاب. ومعنى هذه الآية معنى الآية التي في «هود». قوله: {أية : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ}تفسير : [هود:106] وهناك يأتي مستوفًى إنْ شاء الله. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} أي في عقوبتهم وفي جميع أفعاله {عليم} بمقدار مجازاتهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: واذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتنذرهم به: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا} يعني: الجن، وأولياءهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، {يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلإِنْسِ} أي: ثم يقول: يا معشر الجن وسياق الكلام يدل على المحذوف، ومعنى قوله: {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلإِنْسِ} أي: من إغوائهم، وإضلالهم؛ كقوله تعالى: { أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِىۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ ٱعْبُدُونِى هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يس:60 - 62] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلإِنْسِ} يعني: أضللتم منهم كثيراً، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة، {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} يعني: أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة، حدثنا عوف عن الحسن في هذه الآية، قال: استكثرتم من أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض، قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض، إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس، وقال محمد بن كعب في قوله: {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} قال الصحابة: في الدنيا. وقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض، فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم، فاعتذروا به يوم القيامة، وأما استمتاع الجن بالإنس، فإنه كان فيما ذكر، ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم، فيقولون: قد سدنا الإنس والجن {وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىۤ أَجَّلْتَ لَنَا} قال السدي: يعني: الموت، {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ} أي: مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم، {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين فيها مكثاً مخلداً إلا ما شاء الله، قال بعضهم: يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ، وقال بعضهم: هذا رد إلى مدة الدنيا، وقيل غير ذلك من الأقوال التي سيأتي تقريرها، عند قوله تعالى في سورة هود: {أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [هود: 107] وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيره هذه الآية، من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي حاتم بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: {ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا ناراً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } بالنون، والياء: أي الله الخلق {جَمِيعاً }، ويقال لهم { يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلإنْسِ } بإغوائكم {وَقَالَ } لهم {أَوْلِيَاؤُهُمُ } الذين أطاعوهم {مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } انتفع الإِنس بتزيين الجن لهم الشهوات والجنّ بطاعة الإِنس لهم {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا ٱلَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا } وهو يوم القيامة، وهذا تحسُّرٌ منهم {قَالَ } تعالى لهم على لسان الملائكة: {ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ } مأواكم {خَٰلِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ } من الأوقات التي يخرجون فيها لشرب الحميم فإنه خارجها، كما قال تعالى { أية : ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [68:37] وعن ابن عباس: أنه فيمن علم الله أنهم يؤمنون، ف«ما» بمعنى «من» {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } في صنعه {عَلِيمٌ } بخلقه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} يعني يحشر الجن والإنس جميعاً يوم القيامة. {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ الإِنسِ} فيه قولان: أحدهما: قد استكثرتم من إغوئهم وإضلالهم، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد. والثاني قد استكثرتم من الإنس بإغوائكم لهم. {وَقَالَ أَولِيَاؤُهُمْ مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَغْضٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه استمتع بعضنا بصحبة بعض في التعاون والتعاضد. والثاني: استمتع بعضنا ببعض فيما زينوه من اتباع الأهواء وارتكاب المعاصي. والثالث: أن الاستمتاع بهم ما كانوا عليه من التعوذ بهم كقوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ}، قال الحسن، وابن جريج. ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه استمتاع الإنس بالجن. والثاني: أنه استمتاع الإنس بعضهم ببعض. وفيه وجه ثالث: أن الإنس استمتعوا بالجن، والجن استمتعوا بالإنس في اعتقادهم أنهم يقدرون على النفع. {وَبَلَغْنآ أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا} فيه قولان: أحدهما: أنه الموت، قاله الحسن، والسدي. والثاني: الحشر. {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ} أي منزل إقامتكم، لأن المثوى الإقامة، ومنه قول الشاعر: شعر : لقد كان في حول ثواءً ثويته تقضي لبانات وتسأم سائم تفسير : {خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ} في {إِلاَّ} في هذا الموضوع ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى لكن، قاله سيبويه. والثاني: أنها بمعنى سوى، قاله الفراء. والثالث: أنها مستعملة على حقيقتها، وهو قول الجمهور. وفي هذا الاستثناء ثلاثة أقاويل. أحدها: أن مدة الاستثناء هي مدة العرض في القيامة وذلك ما بين بعثهم من قبورهم إلى حين مصيرهم إلى جهنم، فكأنه قال: النار مثواكم خالدين فيها إلا هذه المدة التي ذكرها، فإنهم فيها غير خالدين في النار. والثاني: معناه خالدين فيها إلا ما شاء الله من تجديد جلودهم بعد إحراقها وتصريفهم في أنواع العذاب أو تركهم فيها على حالتهم الأولى، فيكون الاستثناء في صفة العذاب لا في الخلود في النار. والثالث: أنه جعل أمرهم في مبلغ عذابهم ومدته إلى مشيئته تعالى، قاله ابن عباس، قال: ولا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا ناراً.
ابن عطية
تفسير : {يوم} نصب بفعل مضمر تقديره واذكر يوم، ويحتمل أن يكون العامل {أية : وليهم} تفسير : [الأنعام:127] والعطف على موضع قوله {أية : بما كانوا} تفسير : [الأنعام:127]، والضمير في {يحشرهم} عائد على الطائفتين الذين يجعل الله الرجس عليهم وهم جميع الكفار جناً وإنساً، والذين لهم دار السلام جناً، وإنساً، ويدل على ذلك التأكيد العام بقوله {جميعاً} وقرأ حفص عن عاصم "يحشرهم" بالياء، وقرأ الباقون بالنون وكلُّ متجه، ثم ذكر عز وجل ما يقال للجن الكفرة، وفي الكلام فعل مضمر يدل عليه ظاهر الكلام تقديره نقول يا معشر الجن، وقوله {قد استكثرتم} معناه فرطتم، و {من الإنس} يريد في إضلالهم وإغوائهم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقال الكفار من الإنس وهم أولياء الجن الموبخين على جهة الاعتذار عن الجن {ربنا استمتع بعضنا ببعض} أي انتفع. قال القاضي أبو محمد: وذلك في وجوه كثيرة، حكى الطبري وغيره أن الإنس كانت تستعيذ بالجن في الأودية ومواضع الخوف وكانت الجن تتعظم على الإنس وتسودها كما يفعل الربي بالكاهن والمجير بالمستجير إذ كان العربي إذا نزل وادياً ينادي يا رب الوادي إني أستجير بك هذه الليلة ثم يرى أن سلامته إنما هي بحفظ جني ذلك الوادي فهذا استمتاع بعضهم ببعض. قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال في الاستمتاع ولو تتبع لبينت له وجوه أخر كلها دنياوية، وبلوغ الأجل المؤجل قال السدي هو الموت الذي انتهى الكل منهم إليه، وقيل هو الحشر، وقيل هو الغاية التي انتهى جميعهم إليها من الاستمتاع، كأنهم أشاروا إلى أن ذلك بقدرك وقضائك إذ لكل كتاب أجل، وقرأ الحسن "وبلِّغنا أجلنا" بكسر اللام مشددة، وقوله تعالى: {قال النار مثواكم} الآية، إخبارٌ من الله عز وجل عما يقول لهم يوم القيامة إثر كلامهم المتقدم، وجاء الفعل بلفظ الماضي وهو في الحقيقة مستقبل لصحة وقوعه، وهذا كثير من القرآن وفصيح الكلام و {مثواكم} أي موضع ثوابكم كمقامكم الذي هو موضع الإقامة، هذا قول الزجّاج وغيره، قال أبو علي في الإغفال: المثوى عندي مصدر لا موضع وذلك لعمله في الحال التي هي {خالدين} والموضع ليس فيه معنى فعل فيكون عاملاً، والتقدير النار ذات ثوابكم، والاستثناء في قوله {إلا ما شاء الله} قالت فرقة {ما} بمعنى من، فالمراد إلا من شاء ممن آمن في الدنيا بعد أن آمن من هؤلاء الكفرة. قال القاضي أبو محمد: ولما كان هؤلاء صنفاً ساغت في العبارة عنهم {ما} ، وقال الفراء {إلا} بمعنى سوى، والمراد سوى ما يشاء من زيادة في العذاب، ونحا إليه الزجّاج، وقال الطبري: إن المستثنى هي المدة التي بين حشرهم إلى دخولهم النار. قال القاضي أبو محمد: وساغ هذا من حيث العبارة بقوله {النار مثواكم} لا تخص بصيغتها مستقبل الزمان دون غيره، وقال الطبري عن ابن عباس أنه كان يتناول في هذا الاستثناء أنه مبلغ حال هؤلاء في علم الله ثم أسند إليه أنه قال: إن هذه الآية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا ناراً. قال القاضي أبو محمد: والإجماع على التخليد الأبدي في الكفار ولا يصح هذا عن ابن عباس رضي الله عنه. قال القاضي أبو محمد: ويتجه عندي في هذا الاستثناء أن يكون مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، وليس مما يقال يوم القيامة، والمستثنى هو من كان من الكفرة يومئذ يؤمن في علم الله كأنه لما أخبرهم أنه قال للكفار: {النار مثواكم} استثنى لهم من يمكن أن يؤمن ممن يرونه يومئذ كافراً، وتقع {ما} على صفة من يعقل، ويؤيد هذا التأويل اتصال قوله {إن ربك حكيم عليم} أي بمن يمكن أن يؤمن منهم، و {حكيم عليم} صفتان مناسبتان لهذه الآية، لأن تخلد هؤلاء الكفرة في النار فعل صادر عن حكم وعلم بمواقع الأشياء، وقوله تعالى: {وكذلك نولي} قال قتادة {نولي} معناه نجعل بعضهم ولي بعض في الكفر والظلم. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل ما تقدم من ذكر الجن والإنس "واستمتاع بعضهم ببعض"، وقال قتادة أيضاً: معنى {نولي} نتبع بعضهم بعضاً في دخول النار، أي نجعل بعضهم يلي بعضاً، وقال ابن زيد معناه نسلط بعض الظالمين على بعض ونجعلهم أولياء النقمة منهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل لا تؤيده ألفاظ الآية المتقدمة، أما أنه حفظ في استعمال الصحابة والتابعين من ذلك ما روي أن عبد الله بن الزبير لما بلغه أن عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد الأشدق صعد المنبر فقال إن فم الذبان قتل لطيم الشيطان {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون}.
ابن عبد السلام
تفسير : {اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ} بإغوائكم لهم، أو استكثرتم من إغواء الإنس. {اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} في التعاون والتعاضد أو فيما زينوه من اتباع الهوى وارتكاب المعاصي، أو التعوّذ بهم {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ}تفسير : [الجن: 6] {أَجَلَنَا} الموت، أو الحشر. {مَثْوَاكُمْ} منزل إقامتكم. {إِلا مَا شَآءَ اللَّهُ} من بعثهم في القبور إلى مصيرهم إلى النار، أو إلا ما شاء الله من تجديد جلودهم وتصريفهم في أنواع العذاب وتركهم على حالهم الأول فيكون استثناء في صفة العذاب لا في الخلود، أو جعل مدّة عذابهم إلى مشيئته ولا ينبغي لأحد أن يحكم على الله ـ تعالى ـ في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا ناراً قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ.
النسفي
تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } وبالياء حفص أي واذكر يوم نحشرهم أو ويوم نحشرهم قلنا {جَمِيعًا يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مّنَ ٱلإنْسِ } أضللتم منهم كثيراً وجعلتموهم أتباعكم كما تقول استكثر الأمير من الجنود {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ ٱلإِنْسِ } الذين أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } أي انتفع الإنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجن بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم في أغوائهم {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا ٱلَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا } يعنون يوم البعث وهذا الكلام اعتراف بما كان منهم من طاعة الشياطين واتباع الهوى، والتكذيب بالبعث وتحسر على حالهم {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ } منزلكم {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال والعامل معنى الاضافة كقوله تعالى {أية : أَنَّ دَابِرَ هَـٰؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } تفسير : [الحجر: 66] فـ {مُّصْبِحِينَ } حال من هؤلاء والعامل في الحال معنى الاضافة إذ معناه الممازجة والمضامّة والمثوى ليس بعامل لأن المكان لا يعمل في شيء {إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ } أي يخلّدون في عذاب النار الأبد كله إلا ما شاء اللّه إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب السعير إلى عذاب الزمهرير {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } فيما يفعل بأوليائه وأعدائه {عَلِيمٌ } بأعمالهم فيجزي كلاً على وفق عمله {وَكَذٰلِكَ نُوَلّي بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً } نتبع بعضهم بعضاً في النار، أو نسلط بعضهم على بعض أو نجعل بعضهم أولياء بعض {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي، ثم يقال لهم يوم القيامة على جهة التوبيخ { يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنّ وَٱلإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ } عن الضحاك: بعث إلى الجن رسلا منهم كما بعث إلى الإنس رسلاً منهم لأنهم بهم آنس وعليه ظاهر النص، وقال آخرون: الرسل من الإنس خاصة وإنما قيل {رُسُلٌ مّنكُمْ } لأنه لما جمع الثقلين في الخطاب صح ذلك وإن كان من أحدهما كقوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ }تفسير : [الرحمن: 22] أو رسلهم رسل نبينا كقوله {أية : وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ }تفسير : [الأحقاف: 29] {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِي } يقرءون كتبي {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } يعني يوم القيامة {قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا } بوجوب الحجة علينا وتبليغ الرسل إلينا {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ } بالرسل. {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك {أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ } تعليل أي الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم على أن «أن» مصدرية، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، والمعنى لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم بسبب ظلم أقدموا عليه أو ظالماً، على أنه لو أهلكهم وهم غافلون لم ينبهوا برسول وكتاب لكان ظالماً وهو متعال عنه {وَلِكُلٍّ } من المكلفين {دَرَجَـٰتٌ } منازل {مّمَّا عَمِلُواْ } من جزاء أعمالهم، وبه استدل أبو يوسف ومحمد رحمهما الله على أن للجن الثواب بالطاعة لأنه ذكر عقيب ذكر الثقلين {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } بساه عنه وبالتاء شامي. {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ } عن عباده وعن عبادتهم {ذُو ٱلرَّحْمَةِ } عليهم بالتكليف ليعرِّضهم للمنافع الدائمة {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } أيها الظلمة {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ} من الخلق المطيع {كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ } من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام {إِنَّ مَا } ما بمعنى الذي {تُوعَدُونَ } من البعث والحساب والثواب والعقاب {لآتٍ } خبر «إن» أي لكائن {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } بفائتين رد لقولهم من مات فقد فات. المكانة تكون مصدراً يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن، وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة وقوله {قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ } يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، واعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، ويقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله: على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه {إِنّي عَـٰمِلٌ } على مكانتي التي أنا عليها أي اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم وهو أمر تهديد ووعيد، دليله قوله {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ } أي فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة، وهذا طريق لطيف في الإنذار {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } أي الكافرون {مكاناتكم} حيث كان: أبو بكر {يَكُونَ} حمزة وعلي. وموضع {منْ } رفع إذا كان بمعنى «أي» وعلق عنه فعل العلم، أو نصب إذا كان بمعنى الذي {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً } أي وللأصنام نصيباً فاكتفى بدلالة قوله تعالى {فَقَالُواْ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَائِنَا } {يزعمهم} علي. وكذا ما بعده أي زعموا أنه لله والله لم يأمرهم بذلك ولا شرع لهم تلك القسمة {لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ } أي لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين {وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ } من إنفاقهم عليها والإجراء على سدنتها. رُوي أنهم كانوا يعينون أشياء من حرث ونتاج لله وأشياء منهما لآلهتهم، فإذا رأوا ما جعلوا لله زاكياً نامياً رجعوا فجعلوه للأصنام، وإذا زكا ما جعلوه للأصنام تركوه لها وقالوا: إن الله غني، وإنما ذاك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها. وفي قوله {مِمَّا ذَرَأَ } إشارة إلى أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه. ثم ذم صنيعهم بقوله {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } في إيثار آلهتهم على الله وعملهم على ما لم يشرع لهم. وموضع «ما» رفع أي ساء الحكم. حكمهم بأو نصب أي ساء حكماً حكمهم. {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } أي كما زين لهم تجزئة المال زين وأد البنات {قَتْلَ } هو مفعول زين { أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ } هو فاعل زين، {زُيِّنَ } بالضم {قَتْلَ } بالرفع {أَوْلَـٰدُهُمْ } بالنصب {شُرَكَائِهِمْ } بالجر: شامي على إضافة القتل إلى الشركاء أي الشياطين والفصل بينهما بغير الظرف وهو المفعول وتقديره: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم {لِيُرْدُوهُمْ } ليهلكوهم بالإغواء {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } وليخلطوا عليهم ويشوبوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل حتى زلوا عنه إلى الشرك {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ } وفيه دليل على أن الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } وما يفترونه من الإفك، أو وافتراءهم لأن ضرر ذلك الافتراء عليهم لا عليك ولا علينا {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ } للأوثان {حِجْرٍ } حرام فعل بمعنى المفعول كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وكانوا إذا عينوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا {لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ } يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء، والزعم قول بالظن يشوبه الكذب {وَأَنْعَـٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا } هي البحائر والسوائب والحوامي {وَأَنْعَـٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا } حالة الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام {ٱفْتِرَاءً عَلَيْهِ } هو مفعول له أو حال أي قسموا أنعامهم قسم حجر، وقسم لا يركب، وقسم لا يذكر اسم الله عليها ونسبوا ذلك إلى الله افتراء عليه {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } وعيد {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا } كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حياً فهو خالص للذكور لا يأكل منه الإناث، وما ولد ميتاً اشترك فيه الذكور والإناث. وأنث {خَالِصَةٌ } وهو خبر «ما» للحمل على المعنى لأن «ما» في معنى الأجنة، وذكر {وَمُحَرَّمٌ } حملاً على اللفظ أو التاء للمبالغة كنسابة {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً } أي وإن يكن ما في بطونها ميتة. {وَأَنْ تَكُنْ مَيْتَةً } أبو بكر أي وإن تكن الأجنة ميتة، {وَإِنْ تَكُنْ مَيْتَةً } شامي على «كان» التامة، {يَكُن مَّيْتَةً } مكي لتقدم الفعل. وتذكير الضمير في {فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ } لأن الميتة اسم لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل: وإن يكن ميت فهم فيه شركاء {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } جزاء وصفهم الكذب على الله في التحريم {إِنَّهُ حَكِيمٌ } في جزائهم {عَلِيمٌ } باعتقادهم {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَـٰدَهُمْ } كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر {قَـتَّلُواْ } مكي وشامي {سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ } لخفة أحلامهم وجهلهم بأن الله هو رازق أولادهم لاهم {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ } من البحائر والسوائب وغيرها {ٱفْتِرَاءً عَلَى ٱللَّهِ } مفعول له {قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } إلى الصواب.
ابن عادل
تفسير : لما بين حال من يتمسَّكُ بالصِّراط المسْتَقِيم، بيَّن بعده حال من يكُونُ بالضِّدِّ من ذلك؛ ليكون قِصَّة أهْل الجنَّة مُرْدَفَة بقِصَّة أهْل النَّارِ، وليَكُون الوَعِيدُ مذْكُوراً بعد الوَعْدِ. قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُم} يَجُوز أن يَنْتَصِب بفِعْل مقَدَّر، فقدَّره أبو البقاءِ تارة بـ "اذْكُرْ" وتارة بالقَوْلِ المَحْذُوف العَامِل في جُمْلَة النِّداءِ من قوله: "يَا مَعْشَر" أي: ويقُول: "يا مَعْشَر يَوْمَ نَحْشُرُهُم"، وقدَّره الزَّمَخْشَرِي: "ويَوْمَ يَحْشُرُهم وقلنا يا معشر كان ما لا يُوصَفُ لفظَاعتِهِ". قال أبُو حيَّان: "وما قُلْنَاه أوْلَى" يعني: من كَوْنِه مَنْصُوباً بـ "يَقُولُ" المحكي به جُمْلَة النِّداء، قال: "لاسْتِلْزَامِه حذف جُمْلَتَيْن: إحْداهما جُمْلَة "وقُلْنَا"، والأخْرى العَامِلة في الظَّرْف" وقدَّره الزَّجَّاج بفِعْل قَول مبْنِي للمفْعُول: "يقال لَهُم: يا مَعْشَر يَوْم نَحْشرهُم" وهو مَعْنًى حَسَن؛ كأنه نَظَر إلى مَعْنَى قوله: "ولا يُكَلِّمُهُم ولا يُزَكِّيهم" فبَنَاه للمفْعُول، ويجوز أن يَنْتَصب "يَوْمَ" بقوله: "وَلِيُّهُم" لما فِيهِ من مَعْنَى الفِعْل، أي: "وهُوَ يتولاَّهُم بما كَانُوا يَعْمَلُون، ويتولاَّهُم يوم يَحْشُرُهُم"، و "جَمِيعاً" حَالٌ أو تَوْكِيدٌ على قَوْل بَعْض النَّحْويِّين. وقرأ حفص: "يَحْشُرُهُم" بياء الغَيْبَة رداً على قوله: "ربهم" أي: "ويوم يَحْشرُهُم ربُّهُم" والضِّمِيرُ في "يَحْشُرُهُم" يعود إلى الجنِّ والإنْسِ بجمعهم في يَوْم القِيامَةِ. وقيل: يعود إلى الشَّياطينِ الَّذِين تقدم ذِكْرُهم في قوله: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ} تفسير : [الأنعام:112]. قوله: "يا مَعْشَر" في مَحَلِّ نصْبٍ بذلك القَوْل المضْمَر، أي: "نقول أو قُلْنَا"، وعلى تَقْدير الزَّجَّاج يكون في مَحَلِّ رفعٍ؛ لقيامه مقامَ الفَاعِل المَنُوب عَنْهُ، والمعشر: الجَمَاعةَ؛ قال القائل: [الوافر] شعر : 2311- وأبْغَضُ مَنْ وَضَعْتُ إليَّ فِيهِ لِسَانِي مَعْشَرٌ عَنْهُم أذُودُ تفسير : والجمع: مَعَاشِر؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : نَحْنُ مَعَاشِر الأنْبيَاء لا نُوَرَّث" تفسير : قال الأودي: [البسيط] شعر : 2312- فِينَا مَعَاشِرُ لَنْ يَبْنُوا لِقَومِهِمُ وإنْ بَنَى قَوْمُهُم مَا أفْسَدُوا عَادُوا تفسير : قوله تعالى: "مِنَ الإنْسِ" في محلِّ نصبٍ على الحالِ، أي: أوْلِيَاؤهُم حال كَونهم من الإنْسِ, ويجُوز أن تكُون "مِنْ" لبَيَانِ الجِنْس؛ لأن أوْلِيَاءَهُم كانوا إنْساً وجِناً، والتقدير: أوْلِيَاؤهم الذين هم الإنْسُ، و "ربِّنا" حُذِفَ منه حَرْف النِّدَاء. وقوله: {وَقال أوْلِيَاؤهُم مِّنَ ٱلإنْس} يعني: أوْلياء الشَّياطين الَّذِين أطاعُوهُم من الإنْسِ، {ربَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْض} والمَعْنَى: استَكْثَرْتُم من الإنْسِ بالإضلالِ والإغْواء، أي: أضْلَلْتُم كَثِيراً. وقال الكَلْبِيّ: استِمْتَاع الإنْس بالجنِّ هو الرَّجُل كان إذا سَافر وتُرِكَ بأرض قَفْر، وخاف على نَفْسِهِ من الجِنِّ، قال: أعوذ بسَيِّد هذا الوَادِي من سُفَهاء قَوْمه، فيبيتُ آمناً في جوارهم، وأما استِمْتَاعُ الجنِّ بالإنْسِ، فهو أنَّهُم قالُوا: قد سَعْدْنَا الإنس مع الجِنِّ، حتى عاذوا بِنَا فَيَزْدَادوا شَرَفاً في قَوْمِهِم وعظماً في أنْفُسِهِم، كقوله - تبارك وتعالى -: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقاً} تفسير : [الجن:6]. وقيل: استِمْتَاعُ الإنْس بالجِنِّ ما كَانُوا يلْقُون إليهم من الأرَاجِيفِ، والسِّحْرِ والكَهَانَةِ، وتزيينهم لهم الأمور التي يَهْوُونَها، وتَسْهيل سَبيلِها عليهم، واستِمْتَاع الجن بالإنْس طاعة الإنْسِ لهم فيما يُزيِّنُون لَهُمْ من الضَّلالة والمَعَاصِي. وقال محمد بن كَعْبٍ القُرَظي: هو طاعةُ بعضِهِمْ بَعْضاً، وقيل: قوله: {ربِّنَا ٱسْتَمْتَع بَعْضُنَا بِبَعْض} كلام الإنْس خَاصَّة. قوله: {وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا} قرأ الجمهور: "أجَلَنا" بالإفْرَاد؛ لقوله: "الَّذِي" وقُرِئ: "آجَالَنا" بالجَمْع على أفْعَال "الَّذِي" بالإفْرَاد والتَّذْكير وهو نَعْتُ للجَمْعِ. فقال ابو عَلِيّ: هو جنْس أوقع "الَّذِي" مَوْقِع "الَّتِي". قال أبو حيَّان: وإعْرابه عِنْدِي بدل؛ كأنه قيل: "الوَقْتُ الَّذِي" وحينئذٍ يكون جِنْساً ولا يَكُون إعْرَابُه نَعْتاً؛ لعدم المُطابَقَة بينَهُمَا، وفيه نَظَر؛ لأن المُطَابقة تُشْتَرطُ في البَدَلِ أيْضاً، وكذلك نصُّ النُّحَاة على قَوْل النَّابِغة: [الطويل] شعر : 2313- تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةٍ أعْوَام وَذَا العَامُ سابعُ رَمَادٌ كَكُحْلِ العَيْنِ لأياً أبِينُهُ وَنُوي كجذْم الحَوْضِ أثْلَمُ خَاشِعُ تفسير : أي: رماد ونَوَى مَقْطُوعان على "هما رمادٌ ونوى" لا بدل من آياتٍ لِعَدم المُطابَقَة، ولِذلكِ لم يُرْوَيَا إلاَّ مرْفُوعَيْن لا مَنْصُوبَيْن. فصل في المراد بالآية معنى الآيةِ: أن ذلك الاستمتاع كان إلى أجَلٍ معيَّن ووقْتٍ مَحْدودٍ، ثمَّ جَاءَت الخَيْبَة والحَسْرَة والنَّدامَة من حَيْثُ لا دَفع, واخْتَلَفُوا في ذَلِك الأجَلِ. فقيل: هو وقْتُ الموْتِ. وقيل: هو وَقْتُ البَعْثِ والقِيامة، والَّذين قَالُوا بالقَوْل الأوَّل قالوا: إنه بَدَلٌ على أن كُلَّ من مَاتَ من مَقْتُول وغَيْرِه، فإن يَمُوتُ بأجَلِهِ؛ لأنهم أقَرُّوا بأنَّا بلغْنَا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْت لنا, وفيهم المَقْتُول وغير المَفْتُول، ثم قال - تعالى -: "النَّارُ مَثْوَاكُم" أي: المَقَام والمَقرّ والمَصِير. قوله: "خَالِدينَ فِيَهَا" مَنْصُوبُ على الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرة، وفي العامل فيها ثلاثة أوْجُه: أحدها: أنه "مَثْواكم" لأنه هُنَا مَصْدرٍ لا اسم مكان، والمعنى: النَّارُ ذات ثُوائِكُم، أي: إقامتكم في هذه الحالِ, ولذلكِ ردَّ الفَارِسيّ على الزَّجَّاج؛ حيث قال: المَثْوَى "المَقَام" أي: "النَّار مَكَان ثُوَائِكُم" أي: إقامتكُم. قال الفَارسِيُّ: "المَثْوى عِنْدي في الآية: اسْمٌ للمصْدرِ دون المكان؛ لحُصُول الحالِ مُعْمَلاً فِيهَا واسْمُ المكانِ لا يَعْمَل عمل الفِعْلِ؛ لأنه لا مَعْنَى للفِعْل فيه، وإذا لم يَكُن مَكَاناً، ثبت أنَّه مَصْدر، والمَعْنَى: "النَّار ذاتِ إقامَتِكُم فيها خَالِدين". فالكَاف والميم في المَعْنَى فاعِلُون, وإن كان في اللَّفْظِ خَفْضاً بالإضَافَةِ؛ ومثله قول الشاعر: [الطويل] شعر : 2314- ومَا هِي إلاَّ في إزَارٍ وعِلْقَةٍ مَغَارَ ابْنِ هَمَّام عَلَى حَيِّ خَثْعَمَا تفسير : وهذا يدلُّ على حَذْفِ المُضافِ، المعنى: "ومَا هِي إلا إزَارٌ وعِلْقَةٌ وقت إغَارَة ابن همَّام"، ولذلك عدَّاه بـ "عَلَى" ولو كان مَكَاناً، لما عدَّاه؛ فثَبَت أنَّهُ اسْمُ مصدر لا مَكَان، فهو كقولك: "آتِيكَ خُفُوقَ النَّجْم ومَقْدِم الحَاجِّ"، ثم قال "وإنَّما حَسُن ذَلِك في المَصَادِر لمُطَابقتِهَا الزَّمان، ألا ترى أنَّه مُنْقض غير باقٍ كما أنَّ الزِّمان كَذَلِك". والثاني: أن العَامِل فيها فِعْلٌ مَحْذُوف،أي: يَثْوُون فيها خَالِدِين، ويَدُلُّ على هذا الفِعْلِ المقدَّرِ "مَثْوَاكُمْ" ويراد بـ "مَثْوَاكُمْ" مكان التَّواءِ، وهذا جوابٌ عن قول الفَارِسيَ المعْتَرِض به على الزَّجَّاج. الثالث: قاله ابو البقاء: أنَّ العَامِل معنى الإضافة، ومعنى الإضافةِ لا يَصْلُح ان يكون عَامِلاً ألْبَتَّة، فليس بِشَيْءٍ. قوله: {إلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ} اختلفُوا في المسْتَثْنَى منه: فقال: الجُمْهُور: هو الجُمْلَة التي تَلِيها، وهي قوله: {ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدين فِيهَا} وسيأتي بيانه عن قُرْب. وقال أبو مُسْلِم: "هو مستَثْنَى من قوله: {وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا} أي: إلا مَنْ أهْلَكْتَهُ واخْتَرَمْتَه قبل الأجَلِ الذي سَمَّيْتَه لِكُفْره وضلاله". وقد ردَّ النَّاس عليه هذا المَذْهَب من حَيْثُ الصِّناعة، ومن حَيْثُ المَعْنى. أمَّا الصِّناعة فَمِنْ وَجْهَين: أحدهما: أنَّه لو كان الأمْرُ كذلك، لكان التَّرْكيبُ "إلاَّ ما شِئْتَ" ليُطابق قوله: "أجَّلْتَ". والثاني: أنه قَدْ فصل بين المْسَتثْنَى والمسْتَثْنَى منه بقوله: {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْواكُمْ خَالِدينَ فيها} ومثل ذلك لا يَجُوزُ. وأما المَعْنَى: فلأن القَوْل بالأجَلَيْن: أجل الاخْتِرام، والأجَل المسَمَّى باطل؛ لدلائل مقرَّرَة في غَيْر هذا الموضع. ثم اختلفوا في هذا الاسْتِثْنَاء: هل هو مُتَّصِلٌ أو مُنْقَطِعٌ؟ على قولين: فذهب مَكِّي بن أبي طالب, وأبُو البقاءِ في أحد قَوْلَيْهما: إلى أنَّه منْقَطِعُ, والمعنى: "قال النَّار مَثْواكُم إلاَّ مَنْ آمَنَ مِنْكُمْ في الدُّنْيَا" كقوله: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [الدخان:56] أي: لكن الموْتَة الأولى، فإنهم قَدْ ذَاقُوهَا في الدنيا كذلك هذا؛ لكن الِّذِين شَاءَهُم الله أن يُؤمِنُوا مِنْكُم في الدُّنيا، وفيه بُعْدٌ، وذهب آخرُون إلى أنَّه مُتَّصِلٌ، ثم اخْتَلَفُوا في المسْتَثْنَى منه مَا هُو؟ فقال قوم: هو ضمير المخَاطَبِين في قوله: "مَثْوَاكُمْ" أي: إلا من آمن في الدُّنْيَا بعد أن كان من هؤلاء الكفرة، علله ابن عبَّاسٍ، و "ما" هُنَا بمعنى "مَنْ" التي لِلْعُقلاءِ، وساغ وُقُوعها هُنَا؛ لأن المراد بالمسْتَثْنَى نوع وصنف، و "ما" تقع على أنْواعِ من يَعْقِلُ، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في قوله: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء:3]. ولكن قد اسْتُبِعد هذا؛ من حيث إن المسْتَثْنَى مخالِفٌ للمسْتَثْنَى مِنْه في زمان الحُكْم عليهما، ولا بُدَّ أن يَشْترِكَا في الزَّمَانِ، لو قلت: "قاَمَ القَوْمُ إلاَّ زَيْداً"، وكان مَعْنَاه [إلا زَيْداً فإنه لم يَقُمْ، ولا يَصِحُّ أن يكون المَعْنَى: فإنه سيَقُومُ في المسْتَقْبل، ولو قلت: "سأضْرِب القَوْم إلا زَيْداً"], كان مهناه: فإنِّي لا أضربه في المسْتَقْبل, ولا يَصِحُّ أن يكون المعنى: فإني ضَرَبْتُه فيما مَضَى اللَّهُم إلا أنْ يُجْعَلَ استِثْنَاء منْقَطِعاً كما تقدَّم تَفْسيره. وذهب قَوْمٌ: إلى أن المسْتَثْنَى منه زمان، ثم اخْتلف القَائِلُون بذلك: فمنهم من قال: ذلك الزَّمان هو مُدَّة إقامتهم في البَرْزَخِ، أي: "القُبُور". وقيل: "هو المُدَّة التي بَيْن حَشْرِهم إلى دُخُولِهِم النَّار". وهذا قول الطَّبري قال: "وساغَ ذلك من حَيْثُ إنّ العِبَارة بقوله: "النَّارُ مَثْواكُم" لا يخصُّ بها مسْتَقْبَل الزَّمَان دون غيره". وقال الزجاج: "هو مَجْمُوع الزمَانَينِ، أي: مدَّة إقامتهم في القُبُور، ومُدَّة حَشرِهم إلى دخُولهم النَّارِ". وقال الزمخشري: "إلا ما شاء الله، أي: يُخَلِّدون في عَذَاب النَّارِ الأبد كُلّه إلا ما شاء الله إلا الأوْقَات الَّتِي يُنْقَلُون فيها من عذاب النَّارِ إلى عذاب الزَّمْهَرير؛ فقد رُويَ: أنهم يَدْخُلون وادياً فيه من الزَّمْهَرير ما يَقْطَعُ أوْصَالَهُم، فيتعاوَوْن ويطْلُبُون الرَّدَّ إلى الجَحِيم". وقال قوم: "إلا ما شاء اللَّه" هم العُصَاةُ الِّذِين يدخُلُون النَّار من أهل التَّوحيد، ووقعت "مَا" عليهم؛ لأنَّهم نوع كأنه قيل: إلا النَّوع الذي دَخَلَها من العُصَاة، فإنهم لا يُخَلِّدون فيها، والظاهر أن هذا استِثْنَاء حَقِيقَة؛ بل يجب أن يَكُون كذلِك. وزعم الزَّمَخْشَريّ: أنه يكون من بابِ قَوْل المْوتُور الذي ظَفَر بواتِرِه، ولم يَزَلْ يُحَرِّقِ عليه أنْيَابَه، وقد طلب أن يُنَفِّسَ عن خِنَاقهِ: "أهْلَكَنِي اللَّه إن نَفَّسْتُ عَنْكَ إلا إذا شِئْت" وقد عَلِم أنه لا يَشَاءُ ذلك التَّشَفِّي منه بأقْصَى ما يَقْدِر عليه من التَّشْديد والتَّعْنِيفِ، فيكون قوله: "إلاَّ إذا شِئْت" من أشد الوعيد مع تهَكُم. قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى ادِّعَاء ذلك مع ظُهُور مَعْنَى الاسْتِثْنَاء فيه، وارتكاب المجازِ وإبْرازِ ما لم يَقَعُ في صُورةِ الواقِعِ. وقال الحسن البَصْرِيُّ: "إلا ما شَاء اللَّه؛ أي: من كَونهم في الدُّنْيَا بغير عذابٍ" فجعل المسْتَثْنى زمن حَيَاتهم، وهو أبْعد ممَّا تقدَّم. وقال الفرَّاء - وإليه نحا الزَّمخْشَري -: "والمعنى: إلا ما شَاءَ اللَّه من زيادة في العذابِ". وقال غيره: إلا ما شاء اللَّهُ من النِّكال، وكُلُّ هذا إنَّما يتمَشَّى على الاستِثْنَاء المنقَطِع. قال أبو حيَّان: "وهذا رَاجِعٌ إلى الاسْتِثْنَاء من المصْدَر الذي يَدُلُّ عليه مَعْنَى الكلام؛ إذ المْعْنَى: يُعَذِّبون في النَّارِ خَالِدين فهيا إلا ما شَاء اللَّهُ من العذاب الزَّائد على النَّارِ، فإنه يُعَذِّبهم، ويكُون إذ ذاك استِثْنَاء منقطعاً، إذ العذابُ الزَّائد على عذابِ النَّارِ لم ينْدَرج تَحْتَ عذاب النَّار". وقال ابن عطيَّة: "ويتَّجه عندي في هذا الاستِثْنَاء أن يكون مُخَاطَبَة للنَّبِي صلى الله عليه وسلم وأمته، ولَيْس مما يُقالُ يوم القيامة، والمستثنى هو من كان من الكفرة يومئذ يؤمن في علم اللَّهِ؛ كأنه لما أخْبَرَهُم أنه يُقَال للكُفَّار: "النَّارُ مَثْوَاكُم" استثنى لهم من يُمْكِن أن يُؤمِن ممَّن يَرَوْنَهُ يومئذ كافراً، وتقع "مَا" على صِفَة من يَعْقل، ويؤيِّد هذا التَّأويل أيضاً قوله: {إنَّ ربَّك حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي: بمن يُمْكِنُ أن يُؤمِنَ منهم". قال أبو حيان: "وهو تَأويلٌ حسن، وكان قد قال قبل ذلك: "والظَّاهر أن هذا الاسْتِثْنَاء هو من كلام اللَّه - تعالى - للمخَاطَبِين، وعليه جَاءَت تفاسير الاستِثْنَاء" وقال ابن عطيَّة" ثم ساقه إلى أخِرِه، فكيف يسْتَحْسِنُ شيئاً حُكِم عليه بأنَّه خلاف الظَّاهِر من غير قَرِينَةٍ قويَّة مُخْرِجة للَّفْظِ عن ظَاهِرِه؟ قوله: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} أي: فيما يَفْعَلهُ من ثواب وعقاب وسائر وُجُوه المجازِ، أو كأنَّه، يقول: إنما حَكَمْتُ لهؤلاء الكُفَّارِ بعذاب الأبَدِ، لعلمي أنَّهُم يستَحِقُّونَ ذلك. وقيل: "عليم" بالَّذي استَثْنَاهُ وبِمَا في قُلُوبهم من البرِّ والتَّقْوَى.
البقاعي
تفسير : ولما فصل سبحانه أحوال الفريقين، وحض على التذكر تنبيهاً على أن كل ما في القرآن مما يهدي إليه العقل، وذكر مآل المتذكرين فأفهم أن غيرهم إلى عطب، لأنهم تولوا ما يضرهم لأنهم تبعوا شهواتهم، وكان من المعلوم أنهم يعبدون غير مالكهم، وأنه ما من عبد يخدم غير سيده بغير أمر سيده إلاّ عاتبه أو عاقبه، هذا مركوز في كل عقل؛ ذكر سبحانه ما يتقدم ذلك المآل من الأهوال في الأجل المسمى الذي أخفاه عنده وجعله من أعظم مباني هذه السورة، وأبهمه في أولها، وبيّن في أثنائها بعض أحواله مراراً في وجوه من أفانين البيان، وهو يوم الحشر، فذكر هنا سبحانه بعض أحوال الغافلين وبعض ما يقول لهم فيه وما يفعله معهم من عتاب وعقاب، لطفاً بهم واستعطافاً إلى المتاب، فقال جامعاً الفريقين {ويوم} أي اذكر في تذكرك يوم {يحشرهم} أي أهل ولايتنا وأهل عداوتنا {جميعاً} لا نذر منهم أحداً {يا} أي فنقول على لسان من نشاء من جنودنا لأهل عداوتنا تبكيتاً وتوبيخاً حين لا يكون لهم مدافعة أصلاً: {معشر الجن} أي المستترين الموحشين من مردة الشياطين المسلطين على الإنس، وهم يرونهم من حيث لا ترونهم {قد استكثرتم} أي طلبتم وأوجدتم الكثرة {من الإنس} أي من إغواء المؤنسين الظاهرين حتى صار أكثرهم أتباعكم، فالآية من الاحتباك: عبر بما يدل على الستر أولاً دلالة على ضده - وهو الظهور - ثانياً، وبما معناه الاستئناس والسكون ثانياً دلالة على ضده وهو الإيحاش والنفرة - أولاً. {وقال} هو عطف على جواب الجن المستتر عن العامل في "يا معشر" الذي تقديره كما يهدي إليه الآيات التي تأتي في السورة الآتية في تفصيل هذه المحاورة: فقالوا: ربنا هم ضلوا، لأنهم كانوا يستمعون بنا في نفوذهم وسماعهم الأخبار الغريبة منا، فاستوجبوا العذاب بمفردهم، وستر جواب الجن لأنه - مع كونه لا يخفى لدلالة المعطوف عليه- مناسب لحالهم في الاستتار مع شهرتهم، وذكره بلفظ الماضي إشارة إلى تحقق وقوعه، لأنه خبر من لا يخلف الميعاد، والمراد بهذه المحاورة ضرب مما يأتي تفصيله بقوله {أية : قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا} تفسير : [الأعراف: 38] - الآية، وقوله {فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً} - الآية {أولياؤهم} أي الجن {من الإنس} أي الذين تولوهم بالاتباع والطاعة فيما دعوهم إليه من الضلال، معترفين مستعطفين {ربنا} أيها المربي لنا المحسن إلينا {استمتع} أي طلب المتاع وأوجده {بعضنا ببعض} نحن بهم فيما قالوا، وهم بنا في طاعتنا لهم وعياذنا بهم {وبلغنا} أي نحن وهم {أجلنا} وأحالوا الأمر على القدر فقالوا: {الذي أجلت لنا} وهو الموت الذي كتبته علينا وسويت بيننا في سوط قهره وتجرع كؤوس حره وقره، ثم هذا اليوم الذي كنا مشتركين في التكذيب به، فاستوجبنا العذاب كلنا. ولما تم ذلك كان كأنه قيل: فما قال الله لهم بعد هذه المحاورة الغريبة التي هي ضرب من كلام أهل الباطن في الدنيا لجلج مضطرب لا حاصل له؟ فقيل: {قال} أي المخاطب لهم عن الله {النار مثواكم} أي منزلكم جميعاً من غير أن تنفعكم الإحالة على القدر {خالدين فيها} أي إلى ما لا آخر له، لأن الأعمال بالنية وقد كنتم على عزم ثابت أنكم على هذا الكفر ما بقيتم ولو إلى ما لا آخر له، فالجزاء من جنس العمل. ولما كان من المقرر أنه لا تمام لملك من يجب عليه شيء ويلزمه بحيث لا يقدر على الانفكاك عنه، بين سبحانه أن ملكه ليس كذلك، بل هو على غاية الكمال، لا يجب عليه شيء بل كل فعله جميل، وجميع ما يبدو منه حسن، فعلق دوام عذابهم على المشيئة فقال: {إلا ما شاء} ولما كان القصد في هذه السورة إلى إظهار العظمة للغيرة على مقام الإلهية، عبر بالاسم الأعظم فقال: {الله} أي الذي له رداء الكبر فلا يستطيع أحد أن يعترض عليه ولا أن يهم بذلك، هيهات هيهات! انقطعت دون ذلك الآمال، فظلت ناكسة أعناق الرجال، وبيده إزار العز، فمن اختلج في سره أن يرفع ناكس عنقه ضربه بمقامع الذل، وأنزله في مهاوي الخزي، وقد تقرر أنه سبحانه لا يشاء انقطاع شيء من ذلك عنهم في حال من الأحوال، ونطق الكتاب بذلك في صرائح الأقوال، وفي سوقه معلقاً هكذا مع ما تقدم زيادة في عذابهم بتعليق رجائهم من انقطاع بلائهم بما لا مطمع فيه. ولما كان في إظهار الجلال في هذا الحال من عظيم الأهوال ما لا يسعه المقال، أتبعه اللطف بالمخاطب به صلى الله عليه وسلم فقال: {إن ربك} أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك. ولما كان السياق - في مثل هذه المقاولة في مجمع الحكم - للحكمة والعلم، وكان النظر إلى الحكمة في تنزيل كل شيء منزلة أعظم، قدم وصفها فقال: {حكيم} أي فلا يعذب المخلص ويترك المشرك ولا يعذب بعض من أشرك ويترك بعضاً {عليم *} أي بدقائق الأمور وجلائلها من الفريقين، فلا يخفى عليه عمل أحد فيهمله لذلك. ولما استبان بهذا أنه ولّى الكفرة من ظالمي الجن ظالمي الإنس وسلطهم عليهم، أخبر تعالى أن هذا عمله مع كل ظالم من أي قبيل كان سواء كان كافراً أو لا فقال: {وكذلك} أي ومثل تلك التولية التي سلطنا بها الجن على الإنس بما زاد عذاب الفريقين {نولي} أي نتبع في جميع الأزمان من جميع الخلق {بعض الظالمين} أي الغريقين في الظلم {بعضاً} أي بأن نجمع بين الأشكال، في الأوصاف الباطنة والخصال، ونسلط بعضهم على بعض في الضلال والإضلال، والأوجاع والأنكال {بما كانوا} بجبلاتهم {يكسبون *} أي بسبب اجتماعهم في الطباع التي طبعناهم عليها يجتمعون وينقاد بعضهم لبعض، بحسب ما سببنا من الأسباب الملائمة لذلك الظلم الذي يسرناه لهم، حتى صارت أعمالهم كلها في غير مواضعها، فيظلم بعضهم بعضاً ويهلك بعضهم بعضاً، وهم لا يزدادون إلا الالتئام حتى يستحق الكل ما كتبنا لهم من عذاب؛ روى الطبراني في الأوسط ن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله عزّ وجلّ يقول: أنتقم ممن أبغض بمن أبغض ثم أصيّر كلاًّ إلى النار" تفسير : وعن مالك بن دينار قال: رأيت في بعض كتب الله المنزلة أن الله تعالى يقول: افني أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم بأوليائي. أو يقال: فقد أخبرنا أن الله عزّ وجلّ ولى المؤمنين بسبب محاسن أعمالهم، ومثل ما ولاهم ليعزهم يولي بعض الظلمة بعضاً ليهينهم بسبب ما كانوا يتعاطونه من مساوئ الأعمال ورديء الخلال وغث الخصال فيؤديهم إلى مهلك الأوجاع والأوجال، أو يقال: فقد بان أن كلاًّ من ظالمي الإنس والجن كان ولياً لكل، وكما جعلنا بعضهم أولياء بعض في الدنيا نفعل إذا حشرناهم في النار فنجعل بعضهم أولياء - أي أتباع بعض، ليستمتع بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضاً إن قدروا، وهيهات منهم ذلك هيهات! شغلهم البكاء والعويل والندم والنحيب. ولما انقضت هذه المحاورة وما أنتجته من بغيض الموالاة والمجاورة وكان حاصلها أنها موالاة من ضرت موالاته، أتبعها سبحانه بمحاورة أخرى حاصلها معاداة من ضرت معاداته، فقال مبدلاً من الأولى إتماماً للتقريع والتوبيخ والتشنيع: {يا معشر الجن} قدمهم لأن السياق لبيان غلبتهم {والإنس} وبكتهم بقوله محذراً للسامعين الآن ومستعطفاً لهم إلى التوبة: {ألم يأتكم رسل} ولما صار القبيلان بتوجيه الخطاب نحوهم دفعة كالشيء الواحد قال: {منكم} وإن كان الرسل من الإنس خاصة. ولما كان النظر في هذه السورة إلى العلم غالباً لإثبات تمام القدرة الذي هو من لوازمه بدليل {أية : يعلم سركم وجهركم} تفسير : [الأنعام: 3]، {أية : أليس الله بأعلم بالشاكرين} تفسير : [الأنعام: 53] {أية : وعنده مفاتح الغيب} تفسير : [الأنعام: 59] وغيرها، ولذلك أكثر فيها من ذكر التفصيل الذي لا يكون إلاّ للعالم، كان القص - الذي هو تتبع الأثر - أنسب لذلك فقال {يقصون} بالتلاوة والبيان لمواضع الدلائل {عليكم آياتي} أي يتبعون بالعلامات التي يحق لها بما لها من الجلال والعظمة أن تنسب إلى مواضع شبهكم، فيحلونها حلاً مقطوعاً به {وينذرونكم} أي يخوفونكم {لقاء يومكم هذا} أي بما قالوا لكم أنه يطلبكم طلباً حثيثاً وأنتم صائرون إليه في سفن الأيام ومراكب الآثام وأنتم لا تشعرون سيراً سريعاً {قالوا} معذرين من أنفسهم بالذل والخضوع {شهدنا} بما فعلت بنا أنت سبحانك من المحاسن وما فعلنا نحن من القبائح {على أنفسنا} أي بإتيان الرسل إلينا ونصيحتهم لنا بدليل الآية الأخرى {أية : قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} تفسير : [الزمر: 71] وبين أن ضلالهم كان بأردإ الوجوه وأسخفها الدنيا، بحيث إنهم اغتروا بها مع دناءتها لحصورها عن الآخرة مع شرفها لغيابها فقال: {وغرتهم} أي شهدوا هذه الشهادة والحال أنهم قد غرتهم {الحياة الدنيا} أي الحاضرة عندهم إذ ذاك الدنية في نفسها لفنائها، عن اتباع الرسل دأب الجاهل في الرضى بالدون والدابة في القناعة بالحاضر، فشهادتهم ضارة بهم، ولكن لم يستطيعوا كتمانها، بل {وشهدوا} أي في هذا الموطن من مواطن القيامة الطوال {على أنفسهم} أيضاً بما هو أصرح في الضرر عليهم من هذا، وهو {أنهم كانوا} جبلة وطبعاً {كافرين *} أي غريقين في الكفر، ويجوز أن يكون الغرور بأنهم ظنوا أحوال الآخرة تمشي على ما كانوا يألفونه في الدنيا من أن الاعتراف بالذنب والتكلم بالصدق قد ينفع المذنب ويكف من سورة المغضب حتى يترك العقاب ويصفح عن الجريمة، فلذلك شهدوا بإتيان الرسل إليهم وإقامة الحجة عليهم، وشهدوا على أنفسهم بالكفر، فما زادهم ذلك إلا وبالاً وحزناً ونكالاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {قد استكثرتم من الإِنس} يقول: في ضلالتكم إياهم، يعني أضللتم منهم كثيراً. وفي قوله {قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله} قال: إن هذه الآية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا ناراً . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس} قال: استكثرتم ربكم أهل النار يوم القيامة {وقال أولياؤهم من الإِنس ربنا استمتع بعضنا ببعض} قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن القيامة {وقال أولياؤهم من الإِنس ربنا استمتع بعضنا ببعض} قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإِنس . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله {ربنا استمتع بعضنا ببعض} قال: الصحابة في الدنيا {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} قال: الموت. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله {ربنا استمتع بعضنا ببعض} قال: كان الرجل في الجاهلية ينزل بالأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي. فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} قال: الموت .
القشيري
تفسير : يعتذرون فلا يسمع، ويحتجون بما لا ينفع، ولقد كانوا من قبل لو أتوا بأقلَّ منه قُبِلَ منهم، لكنْ سبقت القسمة فحقت لهم الشقوة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم يحشرهم جميعا} اى واذكر يا محمد لاهل مكة وغيرهم يوم يحشر الله الثقلين جميعا ويجمعهم فى موقف القيامة فيقول بطريق التوبيخ {يا معشر الجن} اى يا جماعة الشياطين فان المعشر الجماعة التى تضبطهم جهة واحدة وحصل بينهم معاشرتهم ومخالطتهم ويجمع على معاشر. قال بعضهم سميت الجماعة بالمعشر لبلوغها غاية الكثرة فان العشر هو العدد الكامل الكثير الذى لا عدد بعده الا بتركيبه بما فيه من الآحاد فتقول احد عشر واثنا عشر فاذا قيل معشر فكأنه قيل محل العشر الذى هو الكثرة الكاملة. وسمى الجن جنا لاجتنانهم اى استتارهم عن اعين الناس {قد استكثرتم من الانس} اى من اغوائهم واضلالهم اى اضللتم خلقا كثيرا من الانس {وقال اولياؤهم} اى اولياء الشياطين الذين اطاعوهم حال كونهم {من الانس} فهو حال من اولياؤهم {ربنا استمتع بعضها ببعض} اى انتفع الانس بالجن والجن بالانس. اما انتفاع الانس بالجن فمن حيث ان الجن كانوا يدلونهم على انواع الشهوات وما يتوصل به اليها ويسهلون طريق تحصيلها عليهم. واما انتفاع الجن بالانس فمن حيث ان الانس اطاعوهم ولم يضيعوا سعيهم والرئيس المطاع ينتفع بانقياد اتباعه له {وبلغنا اجلنا الذى اجلت لنا} اى ادركنا الوقت الذى وقت لنا وهو يوم القيامة قالوه اعترافا بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع الهوى وتكذيب البعث واظهارا للندامة عليها وتحسرا على حالهم واستسلاما لربهم شعر : كنون بايدا اى خفته بيدار بود جومرك اندر آرد زخوابت جه سود جه خوش كفت باكودك آموزكار كه كارى نكرديم وشد روزكار تفسير : ولعل الاقتصار على حكاية كلام الضالين للايذان بان المضلين قداقحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم اصلا {قال} كأنه قيل فماذا قال الله تعالى حينئذ فقيل قال {النار مثوٰكم} اى منزلكم فهو اسم مكان بمعنى مكان الاقامة {خالدين فيها} قال ابن عباس رضى الله عنهما الخلق اربعة. فخلق فى الجنة كلهم. وخلق فى النار كلهم. وخلقان فى الجنة والنار. اما الذى فى الجنة كلهم فالملائكة. واما الذى فى النار كلهم فالشياطين. واما الذى فى الجنة والنار فالانس والجن لهم الثواب وعليهم العقاب {الا ما شاء الله}. قال فى التأويلات النجمية (الا ما شاء الله) ان يتوب ويرجع الى الله فلا تكون النار مثواه فالاستثناء راجع الى اهل التوبة فى الدنيا لا الى اهل الخلود فى النار انتهى. وقال بعضهم ما مصدرية بتقدير مضاف كما فى آتيك خفوق النجم والاستثناء من مضمون الجملة التى قبله وهى قوله {النار مثوٰكم خالدين فيها} كأنه قيل يخلدون فى عذاب النار الابد كله الا اوقات مشيئة الله تعالى ان ينقلوا من النار الى الزمهرير - فقد روى - انهم ينقلون من عذاب النار ويدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميز بعض اوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الرد الى الجحيم ففى الاستثناء تهكم بهم. وفى تفسير الجلالين (الا ما شاء الله) من الاوقات التى يخرجون فيها لشوب بن حميم فانه خارجها كما قال الله {أية : ثم ان مرجعهم لإلى الجحيم} تفسير : [الصافات: 68]. وقيل يفتح لهم وهم فى النار باب الى الجنة فيسرعون نحوه حتى اذا صاروا اليه سد عليهم الباب وقيل {الا ما شاء الله} قبل الدخول كأنه قيل النار مثواكم ابدا الا وقت امهالكم الى وقت الادخال والخلود كما ينتقص من الآخر كذلك ينتقص من الاول هذا ما ذهب اليه علماء الظاهر فى توجيه الاستثناء الا ان حضرة الشيخ نجم الدين قدس سره قال فى ذلك حفظا لظاهر الشرع وللعلماء بالله تحقيق بديع فى هذه المقام لا يتحمله عقول العوام ونحن نشير الى نبذ من ذلك ونوصى بالستر الاعلى السالك. قال المولى رمضان فى شرح العقائد اعلم ان اهل النار لم يقنطوا من الخلاص حتى اذا ذبح كبش الموت بين الجنة والنار ونودى اهلهما بالخلود ايس اهل النار من الخلاص فاعتادوا بالعذاب ولم يتألموا حتى آل امرهم الى ان يتلذذوا به حتى لو صب عليهم نسيم الجنة استنكروه وتعذبوا به كالجعل يستطيب الروث ويتألم من الورد انتهى كلامه وهذا معنى ما قال الشيخ الاكبر والمسك الاذفر والكبريت الاحمر قدس سره الاطهر تبقى جهنم خالية وان العذاب من العذب انتهى ولا يغرنك ظاهر هذا الكلام الاكبرى فان اتفاق العلماء من الطرفين على ان المخلد لا يخرج من النار ولا تبقى جهنم خالية من جسده. قال حضرة شيخنا وسندنا الذى فضله الله تعالى على العالمين بما خصه من كمالات الدين فكما اذا استقر اهل دار الجمال فيها يظهر عليهم اثر الجمال ويتذوقون دائما ابدا ويختفى منهم جلال الجمال واثره بحيث لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به قطعا سرمدا فكذلك اذا استقر اهل دار الجلال فيها بعد مرورو الاحقاب يظهر على بواطنهم اثر جمال الجلال ويتذوقون به ابدا ويختفى منهم اثر نار الجلال بحيث لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به سرمدا لكن كما عرفت ليس كذلك الا بعد انقطاع احراق النار بواطنهم وظواهرهم بعد مرور الايام والاحقاب وكل منهم تخرقه النار خمسين الف سنة من سنى الآخرة لشرك يوم واحد من ايام الدنيا والظاهر عليهم بعد مرور الاحقاب هو الحال الذى يدوم عليهم ابدا وهو الحال الذى كانوا عليه فى الازل وما بينهما ابتلا آت رحمانية والابتلاء حادث قال تعالى {أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون} تفسير : [الأنبياء: 35] عصمنا الله واياكم من دار البوار انتهى كلام الشيخ رضى الله عنه {ان ربك حكيم} فى افعاله ومنها تخليد اولياء الشياطين فى النار {عليم} باحوال الثقلين واعمالهم وبما يليق بها من الجزاء.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {خالدين}: حال مقدَّرة من الكاف، والعامل فيه: {مثواكم}، إن جعل مصدرًا، أو معنى الإضافة، إن جعل مكانًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {يوم نحشرهم} أي: الثقلين، {جميعًا} ونقول: {يا معشر الجن} أي: الشياطين {قد استكثرتم من الإنس} أي: من إغوائهم وإضلالهم، أو استكثرتم منهم بأن جعلتموهم في أتباعكم، فحُشروا معكم، {وقال أولياؤهم من الإنس} الذين أطاعوهم في الكفر: {ربنا استمتع بعضنا ببعض} أي: انتفع الإنس بالجن، بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها، وانتفع الجن بالإنس بأن أطاعوهم وحَصَّلوا مرادهم: وقيل: استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا يعوذُون بهم في المفارز وعند المخاوف، كان الرجل إذا نزل واديًا يقول: أعوذ بصاحب هذا الواد، يعني كبير الجن، واستمتاعهم بالإنس: اعترافهم بأنهم يقدرون على إجارتهم، {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} وهو الموت أو البعث والحشر، وهو اعترافٌ بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع الهوى، وتكذيب البعث، وتحسرٌ على حالهم، وإظهار للأستكانة والضعف. أقروا بذنبهم لعله ينفعهم. {قال النار مثواكم}: منزلكم، {خالدين فيها إلا ما شاء الله}؛ إلا أوقات، ينتقلون فيها من النار إلى الزمهرير، وقيل: ليس المراد بالاستثناء هنا الإخراج، وإنما هو على وجه الآدب مع الله وإسناد الأمور إليه. وسيأتي في الإشارة تكميله إن شاء الله، {إن ربك حكيم} في أفعاله، {عليم} بأعمال الثقلين. {وكذلك} أي: كما ولينا الشياطين على الكفرة، {نُوَلِّي بعض الظالمين بعضًا} أي: نَكَّل بعضهم إلى بعض، أو نجعل بعضًا يتولى بعض فيقويهم، أو: أولياءهم وقرناءهم في العذاب، كما كانوا قرناء في الدنيا، وذلك التولي والتسليط {بما كانوا يكسبون} من الكفر والمعاصي. الإشارة: ليست الآية خاصة بالكفار، بل كان عَوَّق الناسَ عن طريق الخصوص، واستكثر من العموم؛ بأن أبقاهم في حزبه، يقال له: يا معشر أهل الرياسة قد استكثرتم من العموم، فيقول أهل اليمين من العموم: ربنا استمتع بعضنا ببعض فتبعناهم في الوقوف مع الحظوظ والعوائد، وتمتعوا بتكثير سوادهم بنا وتنعيش رياستهم، مع ما يلحقهم من الارتفاق من قِبلنا، فيقول الحق تعالى: نار القطيعة والحجاب مثواكم خالدين فيها، إلا وقت الرؤية مع عوام الخلق، وهذه عادته تعالى: يولي بعض الغافلين بعضًا بسبب غفلتهم. وفي قوله تعالى: {إلا ما شاء الله} ـ إرشاد إلى استعمال الأدب، وردُ الأمور كلها إلى رب الأرباب، وعدم التحكيم على غيب مشيئته وعلمه، وقوفًا مع ظاهر الوعد أو الوعيد، فالأكابر لا يقفون مع وعد ولا وعيد، كقول عيسى عليه السلام: { أية : وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }تفسير : [المَائدة:118]، وكقوله إبراهيم عليه السلام: {أية : وَلآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلآَّ أَن يَشَآءَ رَبِي شَيْئًا }تفسير : [الأنعَام:80] الآية، وكقوله: {أية : وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [إبراهيم:36]، وكقول شعيب عليه السلام: {أية : وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلآَّ أَن يَشَآءَ اللهُ رَبُّنَا } تفسير : [الأعرَاف:89]، وكاستغفار نبينا صلى الله عليه وسلم للمنافقين قبل نزول النهي، وبعد نزوله، {أية : إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً...} تفسير : [التّوبَة:80] الآية. وكقوله، يوم بدر: " حديث : إن تهلك هذه العصابة لن تعبد "تفسير : ، مع تقدم الوعد بالنصر، وكخوف موسى بعد قوله: {أية : لآ تَخَافَآ إِنَّني مَعَكُمَآ...}تفسير : [طه:46] الآية. ومنه: خوف الأكابر بعد تأمينهم؛ لأن ظاهر الوعد والوعيد لا يقضي على باطن المشيئة والعلم، ومثله يجري في سورة هود في قوله: {أية : إَلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } تفسير : [هُود:107]، وفي سورة يوسف: {أية : وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ }تفسير : [يُوسُف:110] بالتخفيف، وغير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة، وانظر الورتجبي. فقد انفرد بمقالة، بعد حكاية اتفاق مذاهب المسلمين جميعًا على عدم غفران الشرك، ولكن قول عيسى عليه السلام: {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ...} الآية، يشير إلى ما أشار إليه ابن عباس وابن مسعود في قوله تعالى: { أية : خَالِدينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } تفسير : [هود:107] قال: تؤمر النار أن تأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم، ويرجى من كرم الله ولطفه إدخالهم بعد ذلك الجنة، قال: وهذا مرجو، ليس بمعتقد أهل السنة. هـ. قال في الحاشية: وهو يرجع عند التحقيق إلى طرح الأسباب وعدم الوقوف معها، نظرًا إلى أن الحق تعالى لا يتقيد في وعيد ولا وعد، فمن غلبه النظر إليه، سرى إليه الرجاء في عين التخويف، كما أنه يسري الخوف في عين الرجاء، لكونه اقتطع من الوقوف مع خصوص وصف، ولما كانت تلك الحالة هي عين الأدب اللائق بالعبودية مع الله تعالى أرشد تعالى إليها بقوله: {إلا ما شاء الله}، {أية : إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ }تفسير : [هُود:107]، وهو حال أهل الحقيقة، والوقوف مع خصوص الوعد أو الوعيد حال أهل الشريعة. انتهى ببعض اختصار. وقد رد الثعالبي هذه المقالة التي حكاها الورتجبي. ثم وبخهم على عدم الإيمان بالرسل، فقال: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ حفص وروح {ويوم يحشرهم} بالياء. الباقون بالنون. من قرأ بالياء فلقوله {لهم دار السلام عند ربهم. ويوم يحشرهم} والنون كالياء في المعنى، ويقوي النون قوله {أية : وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا}تفسير : وقوله {أية : ونحشره يوم القيامة أعمى}تفسير : والذي يتعلق به (اليوم) هذا القول المضمر. والمعنى ويوم نحشرهم جميعا نقول {يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس} أي قد استكثرتم ممن أضللتموه من الانس بالاغواء والاضلال. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: معناه استكثرتم من اغوائهم واضلالهم {وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض}. وقيل في وجه الاستمتاع من بعضهم ببعض قولان: احدهما - بتزيين الامور التي يهوونها حتى يسهل عليهم فعلها. والثاني - قال الحسن وابن جريج والزجاج والفراء وغيرهم: انه اذا كان الرجل أراد ان يسافر فيخاف سلوك طريق من الجن فيقول: اعوذ بسيد هذا الوادي، ثم يسلك فلا يخاف، كما قال تعالى {أية : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا}تفسير : ووجه استمتاع الجن بالانس أنهم اذا اعتقدوا ان الانس يتعوذون بهم، ويعتقدون انهم ينفعونهم ويضرونهم أو أنهم يقبلون منهم إِذا أغووهم كان في ذلك تعظيم لهم وسرور ونفع، ذكر ذلك الزجاج والبلخي والرماني. وقال البلخي: ويحتمل ان يكون قوله {استمتع بعضنا ببعض} مقصوراً على الانس، فكأن الانس استمتع بعضهم ببعض دون الجن. وقوله {بلغنا أجلنا الذي أجَّلت لنا} قيل في معناه قولان: احدهما - قال الحسن والسدي: انه الموت. الثاني - الحشر، لان كل واحد منهما اجل في الحكم، فالموت اجل استدراك ما مضى، والحشر أجل الجزاء. وقال ابو علي: في الآية دلالة على انه لا اجل الا واحد، قال لانه لوكان له اجلان فكان اذا اقتطع دونه بأنه قتل ظلما لم يكن بلغ اجله، والآية تتضمن انهم اجمع يقولون: بلغنا اجلنا الذي اجلت لنا. وقال الرماني وغيره من البغداديين: لا تدل على ذلك، بل لا يمتنع ان يكون له أجلان: احدهما ما يقع فيه الموت، والآخر ما يقع فيه الحشر، وما كان يجوز أن يعيش اليه. وقوله {قال النار مثواكم} جواب من الله تعالى لهم بأن النار مثواهم، وهو المقام، يقال: ثوى يثوي ثواء، قال الشاعر: شعر : لقد كان في حول ثواء ثويته تقضي ليانات ويسأم سائم تفسير : ومعنى الآية التقريع للغواة من الجن والانس مع إِعترافهم بالخطيئة في وقت لا ينفعهم الندم على ما سلف، وخاصة اذا كان الجواب لهم بأن مثواهم النار {خالدين فيها} أي مؤبدين فيها، وهو نصب على الحال. وقوله {إلا ما شاء الله} قيل في معنى هذا الاستثناء ثلاثة اقوال: احدها - {إلا ما شاء الله} من الفائت قبل ذلك من الاستحقاق من وقت الحشر الى زمان المعاقبة، وتقديره: خالدين فيها على مقادير الاستحقاق الا ما شاء الله من الفائت قبل ذلك، لان ما فات يجوز اسقاطه بالعفو عنه. والفائت من الثواب لا يجوز تركه، لانه بخس لحقه، ذكره الرماني والبلخي والطبري والزجاج والجبائي. الثاني - {إلا ما شاء الله} من تجديد الخلود بعد احتراقهم وتصريفهم في انواع العذاب فيها، والتقدير خالدين فيها على صفة واحدة الا ما شاء الله من هذه الامور. الثالث - ما حكي عن ابن عباس، حكاه الرماني والطبري عنه أنه قال: هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار، فانه ذهب الى ان وعيدهم بالقطع يدل عليه فيما بعد، وهو قوله {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به}تفسير : وقال قوم: معنى (ما) (من) وتقديره الا من شاء الله اخراجه من النار من المؤمنين الذين لهم ثواب بعد استيفاء عقابهم. وقوله {إن ربك حكيم عليم} أي هو حكيم فيما يفعله من جزائهم. وعالم بذلك وبغيره من المعلومات لا يخفى عليه شيء منها.
الجنابذي
تفسير : {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} بتقدير اذكرا واذكّر او نقول والضّمير للثّقلين {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ} استكثره الماء اراد منه ماءً كثيراً واستكثر من الشّيء رغب فى الكثير منه والمعنى طلبتم كثيراً منهم او رغبتم فى الكثير منهم فجعلتموهم من سنخكم او اتباعكم {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} استتماع الانس من الجنّ باتّباعهم فى الالتذاذ بالشّهوات واستمتاع الجنّ من الانس بحصول مرادهم منهم من اغوائهم وتمكّنهم منهم فى الامر والنّهى قالواها تحسّراً واعترافاً {وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا} من القيامة او من امد الحياة {قَالَ} الله لهم {ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} قبل دخول النّار حتّى لا ينافى مادّة العامل فى الاستثناء او الاّ ما شاء لمن يشاء بناء على خروج بعض من النّار، وبعض من قال بانقطاع العذاب لكلّ احد تمسّك بامثال هذه الآية من النّقليّات بعد التّوسّل بالعقلّيات {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} فى عقوبة المعاقب لا يظلم احداً {عَليمٌ} بقدر استحقاقه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الجِنِّ} أي: ثم نقول يَا مَعْشَرَ الجِنِّ {قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ} ذكروا أن مجاهداً قال: {قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ} أي قد كثر من أغويتم وأضللتم من الإِنس، وهو قول الحسن. {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ} أي الذين أضلوا من الإِنس {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}. قال الكلبي: كانت الجن قد أضلوا كثيراً من الإِنس حتى تولَّوْهم وعَدَوا بهم. وكان استمتاع الإِنس بالجن أن الرجل كان إذا خاف الضلال وهو بأرض قفراء واستوحش بها قال: أعوذ بسيّد هذا الوادي من سفهاء قومه فيبيت في جواره وكان استمتاع الجن بالإِنس أن يقولوا: لقد سوّدتنا الإِنس مع الجن فيزدادون بذلك شرفاً من قومهم. وقال في سورة الجن: {وَإنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ} أي إذا حل أحد من الإِنس بالوادي القفر أو بالمكان المخوف قال: أعوذ بسيّد هذا الوادي من سفهاء قومه. قال: (أية : فَزَادُهُمْ رَهَقاً) تفسير : [الجن:6] والرهق هو الإِثم، إذ استعاذوا بمن لا يعيذ وتركوا أن يستعيذوا بالله الذي يعيذ من استعاذ به. قوله: {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا} قال الكلبي: الموت {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ} أي مصيركم ومنزلكم {خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} إلا قدر ما تخرجون من قبوركم فتحاسبون بأعمالكم الخبيثة فتعاقبون عليها وتخلدون في النار. فلذلك استثنى من الخلود ما ذكرنا إلا قدر ما وصفنا. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي حكيم في أمره عليم بخلقه. قوله: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. قال الحسن: المشركون بعضهم أولياء بعض كما أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض. قال بعضهم الآية محتملة جامعة لجميع الظالمين، وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم. قوله: {يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ} يعني من كفر منهم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} أي من الإِنس خاصة، ولم يبعث الله نبياً من الجن ولا من النساء ولا من أهل البدو. وإن كان خاطب بهذه المقالة الثقلين جميعاً من الجن والإِنس، وأرسل فيهم الرسل من الإِنس خاصة، فقال وهو يخاطبهم جميعاً: الجن والإِنس: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} أي: من أحدكم، أي من الإِنس. كقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا} أي من البحرين (أية : اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ) تفسير : [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما، وليس يخرج منهما جميعاً، وكذلك قوله: {يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} أي من أحدكم، وهو الإِنس. قال: (أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى) تفسير : [يوسف:109] أي من أهل الحضر لأنهم كانوا أعلم وأفضل من أهل العمود. ذكروا أن معاذ بن جبل كان على بعض قرى أهل الشام فجاء أناس من أهل البادية فقالوا: قد شقّت علينا الإِقامة، فلو بدأت بنا، فقال لعمري لا أبدأ بكم قبل أهل الحضارة أهل العبادة وأهل المساجد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : تنزل عليهم السكينة، وإليهم يأتي الخير، وبهم يبدأ يوم القيامة . تفسير : قوله: {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا} أنه قد جاءتنا الرسل في الدنيا، وهذا بعد ما صاروا إلى النار. يقول الله: {وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا} إذ كانوا فيها {وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهمْ} أي في الآخرة {أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} أي في الدنيا.
اطفيش
تفسير : {وَيومَ يحْشرهم جميعاً} مفعول لمحذوف، أى واذكر يوم يحشرهم، ويقدر القول حالا ناصباً لقوله: {يا مَعْشر الجنِّ قد اسْتكثرتُم مِن الإنسِ} وصاحب الحال المستكن فى نحشرهم، أى واذكر يوم نحشرهم قائلين يا معشر الجن، والحال مقدرة أن يريد بالحشر البعث من القبر، وأن يريد استكمالهم فى الموقف بعد البعث من القبر، فهى مقارنة، ويجوز أن يكون استكمالهم فى الموقف بعد البعث من القبر، فهى مقارنة، ويجوز أن يكون يوم ظرف لنقول، ناصباً لقوله: {يا معشر} إلخ أى ونقول يوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن الخ، وهذا قول الزجاج، إلا أنه يقدر القول مبنياً للمفعول مؤخراً كهذا، ويوم نحشرهم جميعا يقال: يا معشر الجن، والظاهر أن هذا المبنى للمفعول فاعله غير الله، أى ويقول الملك، لأنه لو كان الله لقدر نقول فقيل: إن الله جل وعلا لا يكلم المشركين بنفسه، ولا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم. والحق أن الله منزه عن التلفظ لمؤمن وكافر، والمتلفظ على كل حال هو الملك، سواء قدرنا قائلين، أو يقال ثم رأيت ما يدل بما ذكرته فى الكشاف إذ علقه بقول مؤخر كالزجاج، لكن الله إذ قال: أو يوم نحشرهم، قلنا: يا معشر الجن، وأجاز وجهاً آخر هو أن يقدر قول معطوف على يحشر ناصب لـ: {يا معشر} الخ، يعلق اليوم بمحذوف مقدر بعد النداء، حذف للتهويل، أى ويوم نحشرهم، وقلنا يا معشر الجن إلخ كان ما لا يوصف لقضائه، ولك وجه آخر أن يقدر يا معشر الجن الخ نائباً عن فاعل حال مقدر، أى واذكر يوم يحشرهم مقولا لهم يا معشر، فيكون صاحب الحال الهاء، والظاهر مما قرب عود الهاء إلى المجرمين والمؤمنين جميعاً لعمومهم فى قوله: {أية : فمن يرد الله أن يهديه} {أية : ومن يرد أن يضله} تفسير : ويجوز عودها إلى كفار الإنس والجن فى قوله: {ليوحون إلى أوليائهم} قيل: تعود إلى كل ما يبعث من الجن والإنس والدواب والطير والحوت وغير ذلك، ولو كان الخطاب بالنداء للثقلين فقط والمحتمل لعله المعشر الجماعة التى ضبطهم أمر واحد كالمعاشرة والمخالطة، أو دين واحد كقوله صلى الله عليه وسلم: "نحن معاشر الأنبياء" أو غير ذلك. والمراد بمعشر الجن الكفار منهم، ولذلك فسر بعضهم الجن بالشياطين، ولا مانع من إرادة المجموع الجن كلهم، لكن الكلام كل لا كلية لأنهم ليسوا كلهم فيهم ما ذكر فيهم من السوء بعد، وقرأ عاصم فى رواية حفص عنه ويعقوب فى وراية: روح عنه ويوم يحشرهم بالتحتية برد الضمير المستتقر إلى رب فى قوله تعالى: {عند ربهم}. {قَدِ اسْتكثرتُم مِنَ الإنسِ} قال مجاهد والحسن والكلبى: أى من إغواء الإنس وإضلالهم بالوسوسة، ولا قدرة لهم على الجبر، والسين والتاء للعلاج والمبالغة والطلب، أى طولتم كثرة إغواء إبليس الإنس ومنى الابتداء وذلك فى الدنيا، ويجوز أن يكون المعنى حاولتم أن يكثر عددكم وأتباعكم، وأخذتم الكثرة من الإنس بأن وسوستموهم فاتبعوكم فى الدنيا فحشروا معكم اليوم، وهذا الاستكثار فى الدنيا ظهرت نتيجته فى الآخرة إذ حشروا معهم، وذلك تبكيت لهم وتوبيخ على إضلال الإنس تضمن توبيخاً وتبكيتاً للإنس التابعين، وليس كثرة العدد قصداً للجن فى الآخرة، ويجوز أن يقصدوا وجودها فى الدنيا، كما روى أن عظماء الجن الذين يعوذ بهم الإنس فى أسفارهم يعجبون بذلك، ويقولون: ملكنا للإنس والجن، ولما حصل تبكيت الإنس التابعين لهم حكى الله جل وعلا جواب الإنس بقوله: {وقال أولياؤهم مِنَ الإنس} أى الذين أطاعوا الشياطين من الإنس {ربَّنا اسْتمتعَ} انتفع {بعضُنا ببعْضٍ} بعض الإنس ببعض الجن، وبعض الجن ببعض الإنس، فانتفاع الإنس بالجن بكون الجن يدلونهم على أشياء خفية على ألسنة الكهان وغيرهم، وعلى الشهوات وما يوصل إليها، وإجارتهم اذ استجاروهم كقولهم: أعوذ بعظيم هذا الوادى، ويعينونهم فى أمر السحر وانتفاع الجن بالإنس تعاظمهم باستجارة الإنس فإنهم يرون استجارة الإنس شرفاً لهم، وطاعة الإنس لهم فيما يأمرونهم به، وتقربهم إليهم بالذبائح وغيرها، ولا يضعف ذكر الاستجارة فى الانتفاع فله من يستجير بهم، لأن بعضا ينتفع بالاستجارة، وبعضا بغيره، وإنما يضعف نقلته قول من فسر الانتفاع فى الآية بها فقط، بأن قال انتفاع الجن تعاظمهم باعتراف الإنس لهم بالسيادة وطلب الإجارة، وانتفاع الإنس انتفاعهم بإجارة الجن وهو قول الكلبى، وأصله من قوله تعالى: {أية : وإنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجال من الجن } تفسير : ومن ذلك ما روى أن خزيم بن فاتك قال: أضللت إبلا لى أى وجدتها ضالة، فخرجت فى طلبهن حتى إذا كنت ببراق العراق تلت رحلتى وأنشأت أقول: ثم توسدت ذراع ناقتى ونمت، فإذا هاتف بالليل يهتف: شعر : أعوذ بسيد هذا الوادى أعوذ بعظيم هذا الوادى عذ مخلصاً بالله ذى الجلال منزل الحرام والحلال ووحد الله ولا تبالى قد صار كيد الجن فى سفال إن التقى وصالح الأعمال أفضل ما أملت من مال تفسير : فانتبهت فازعاً وأنشأت أقول: شعر : يا أيها الهاتف ما تقول أرشد عندك أم تضليل تفسير : فأجبنى: شعر : هذا رسول الله ذو الخيرات بيثرب يدعو إلى النجاة يأمر بالصوم وبالصلاة ويزجر الناس عن الهنات ينكر فى الأنام منكرات يأمر بالمعروف والصلات *مبشرا بغرف الجنات* تفسير : فوقع قلبه فى قلبى فقمت إلى راحلتى وحللت عقالها، ثم استويت عليها وناديت من أنت أيها الهاتف؟ فقال إنى ملك من ملوك الجن أتيت النبى صلى الله عليه وسلم وآمنت به، وأرسلنى إلى أهل نجد أدعوهم إلى طاعة الله إجابة داعيه، فالحق به ياخزيم وأسلم تسلم، وقد كفيت خبر إبلك حتى تأتى أهلك، فانطلقت حتى أتيت المدينة يوم جمعه، فوافقت النبى صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر فقلت: أقيم على باب المسجد فإذا صلى دخلت، فلما قمت إذ أبو ذر قد خرج إلى فقال: يا خزيم مرحباً بك، قد بلغنى إسلامك، ادخل فصل مع الناس، فدخلت فصليت وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرى فقال: "حديث : قد وفى لك صاحبك فقد أبلغ الإبل إلى أهلك" تفسير : وهذا الرجل قد أسلم وحسن إسلامه، وإنما مثلت به للاستجارة بالجن فقط، وذلك حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثله ما روى أن تميما الدارى قال: كنت بالشام حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت إلى بعض حاجتى فأذكرنى الليل فقلت: أنا فى جوار عظيم هذا الوادى الليلة، فلما أخذت مضجعى إذا بمنادٍ ينادى لا تعذ بالجن، فإن الجن لا تجير أحداً على الله، فقلت: ما تقول؟ فقال: قد خرج الرسول الأمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلينا وراءه بالحجون وأسلمنا واتبعناه، وذهب الجن ورميت بالشهب، فانطلق إلى محمد فأسلم، فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب فسألت راهباً وأخبرته بالخير فقال: صدقوك تجده يخرج من الحرم، ومهاجره الحرم، وهو خير الأنبياء فلا تسبقن إليه، فأتيته صلى الله عليه وسلم فأسلمت. وقيل: معنى بعضنا ببعض الإنس ببعض الإنس، لأن ظهور انتفاع الإنس بالجن والجن بالإنس نادر، بخلاف انتفاع الإنس بالإنس، فوجب حمل الكلام عليه وهو ضعيف، لأنه لا يصلح للتبكيت والكلام سبق له. {وبلَغنَا أجَلنا الَّذى أجَّلْت لنا} يا رب، وهو وقت الموت وبه صرنا إلى هذا الموقف للحساب، ذهب ذلك التمتع وبقيت الحسرة، والإضافة فى أجلت للاستغراق مع العمد لعلم وعلمهم بها، وما علموا إلا بعد حلوله بإرادة الاستغراق صح إطلاق الأجل على آجال لا تحصى، وذلك قول الحسن والسدى، وقيل: المراد بالأجل وقت البعث، فهو مفرد لفظاً ومعنى، أى وبلغنا هذا الأجل الذى كنا نكذب به تكذيباً، سهل لنا اتباع الشيطان والهوى فى المعاصى وذلك تحسر. {قال} الله بالملائكة {النَّارُ مَثْواكُم} مقامكم فهو اسم مكان، أى موضع ثواكم أى إقامتكم لا تبرحون منها، كذا ظهر لى، ثم رأيته للزجاج، أو موضع هلاككم من ثوى بمعنى هلك، والمراد التضرر لا الموت إذ لا موت فى الجنة والنار، وأما أن يقال مصدر ميمى بمعنى الإقامة أو لهلاك فلا يحتاج إليه أنه يصح بتقدير مضاف أى ذات هلاك أو إقامة، وقد أغنى عن هذا كونه اسم مكان مبهما. {خَالدينَ فِيها} أما من أجاز مجئ الحال من الخبر مطلقاً ولو لم يكن المبتدأ اسم إشارة فيقول: خالدين حال من مثواكم مقدرة، لأنهم حال قول الله ذلك ليسوا فيها وهى سببية، لأن الخلود ليست صفة لها بل لهم، وإنما هى محل الخلود ولم يبرز الضمير لأمن اللبس، أى خالدين هم، وعدم وجوب الإبراز قول الكوفيين، ومن أجاز مجئ الحال من المضاف إليه مطلقا أجاز مجيئه من كاف مثواكم، وهذا راجع أيضا إلى جواز الحال من الخبر بالمعنى، لأنه لا يعمل فى ذلك الحال مثوى، لأن اسم المكان واسم الزمان الميميين ولو تضمنا حدثا لا يعملان عمل الفعل، فهو أيضا معمول لعامل مضاف وهو المبتدأ، فكأنه حال من خبره وقيد له. وإذا اشتد الأمر هكذا فقد ظهر لى تحتمل ضعف كون مثوى مصدراً ميميًّا ليكون عاملا فى الحال إذا جعلناه من الكاف كما عمل المصدر الميمى فى الحال فى قوله تعالى: {أية : إليه مرجعكم جميعاً} تفسير : وقد يقال: عامل الحال وصاحبها محذوفان أى تقيمون فيها خالدين فيها، أو تدخلونها خالدين فيها وهو الواو {إلاَّ ما شاء الله} استثناء من محذوف وسهل حنفه كون خالدين كالصريح باسم الزمان، أى خالدين فيها جميعا إلا زمان بعد البعث، إلا الزمان الذى شاء الله أن لا يكونوا فيه مقيمين فيها أولا زمانا شاء الله ألا يكونوا الخ، أو إلا الزمان الذى شاء الله، أو إلا زمانا شاء الله، وذلك الزمان هو زمان نقلهم من النار إلى الزمهرير، ومن الزمهرير إليها يستغيثون منها إليه ثم منه إليها، وذلك أن الضمير فى فيها عائد إلى النار المحرقة المقابلة للزمهرير، ولا للبقعة التى فيها تلك النار، وذلك الزمهرير، وزمان صعودهم من النار إلى أعلاها، حتى إذا رأوا الجنة ردوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. وقال الزجاج: إلا ما شاء الله هو الزمان الذى من البعث إلى دخولها، أى هى مثواكم أبداً إلا هذه المدة التى قبل دخولها وبعث البعث، فإنى أمهلكم فيها ووجه إخراجها مرجعكم أبدا من حين متم إلى ما بين نفخة موت الناس إلى وقت عودكم إليها، وقد كانت أرواحهم فيها قبل البعث، ويعذبون منها فى قبورهم إذا رجعت إلى قبورهم أرواحهم فى زمان الدنيا، ويجوز كون الاستثناء منقطعاً، أى إلا مشيئة الله أى مشيئة ينتقلون بها من هذا إلى هذا، وإلا ما شاء الله من العذاب، فما على هذا واقعة على العذاب، أى لكن ما شاء الله من العذاب الزائد النار، أو لكن مشيئة وقد شاء الله أن لا يفتر عنهم العذاب، وعلى الوجه قيل: هذا مصدرية، وقيل: ما واقعة على المؤمنين والاستثناء منقطع. {إنَّ ربك حَكيمٌ} فى عقاب العاصى وإثابة المطيع، وسائر صنعه لا يفعل ما هو عبث، أو حكيم فى تصريف خلقه بالتوفيق والخذلان وتدبير أحوالهم فى الأولى والأخرى. {عليمٌ} بخواتم خلقه من سعادة أو شقاوة وأعمالهم وأحوالهم.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} نصب على الظرفية والعامل فيه مقدر أي أذكر أو نقول أو كان ما لا يذكر لفظاعته، وجوز أن يكون مفعولاً به لمقدر أيضاً أي أذكر ذلك اليوم، والضمير المنصوب لمن يحشر من الثقلين، وقيل: للكفار. وقرأ حفص عن عاصم وروح عن يعقوب {يُحْشَرُ} بالياء والباقون بنون العظمة على الإلتفات لتهويل الأمر. وقوله سبحانه: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ} على إضمار القول، والمعشر الجماعة أمرهم واحد، وقال الطبرسي: «الجماعة التامة من القوم التي تشتمل على أصناف الطوائف ومنه العشرة لأنها تمام العقد»، والمراد بالجن أو بمعشرهم على ما قيل الشياطين، وذكر بعض الفضلاء أن الجن يقال على وجهين، أحدهما: للروحانيين المستترين عن الحواس كلها فيدخل فيهم الملائكة والشياطين، وثانيهما: للروحانيين مما عدا الملائكة، وقال آخرون: إن الروحانيين ثلاثة أخيار وهم الملائكة وأشرار وهم الشياطين وأوساط فيهم أخيار وأشرار، وأياً ما كان فالمقصود بالنداء الأشرار الذين يغوون الناس فإنهم أهل للخطاب بقوله سبحانه: {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مّنَ ٱلإنْسِ } أي أكثرتم من إغوائهم وإضلالهم كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد والزجاج، فالكلام على حذف مضاف أو منهم بأن جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم كما يقال: استكثر الأمير من الجنود وهذا بطريق التوبيخ والتقريع. قيل: وإنما ذكر المعشر في جانب الجن دون جانب الإنس لما أن الإغواء كثيراً ما يقتضي التظاهر والتعاون، وفي المعشر نوع إيماء إليه ولا كذلك الغوى. {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم} أي الذين أطاعوهم واتبعوهم {مّنَ ٱلإنْسِ} أي الذين هم من الإنس أو كائنين منهم، فمن إما لبيان الجنس أو متعلقة بمحذوف وقع حالاً من أولياء {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} أي انتفع الإنس بالجن حيث دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها / والجن بالإنس حيث اتخذوهم قادة ورؤساء واتبعوا أمرهم فأدخلوا عليهم السرور بذلك. وعن الحسن وابن جريج والزجاج وغيرهم أن استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا إذا سافر أحدهم وخاف الجن قال: أعوذ بسيد هذا الوادي. واستمتاعهم بالإنس اعترافهم بأنهم قادرون على إعاذتهم وإجارتهم. وعن محمد بن كعب أن المراد باستمتاع بعضهم ببعض طاعة بعضهم بعضاً وموافقته له، وقال البلخي: يحتمل أن يكون الاستمتاع مقصوراً على الإنس فيكون الإنس قد استمتع بعضهم ببعض الجن دون الجن. {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا ٱلَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا} وهو يوم القيامة على ما قاله غير واحد، وعن الحسن والسدي وابن جريج أنه الموت والأول أولى، وإنما قال الأولياء ما قالوا اعترافاً بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع الهوى وتكذيب البعث وإظهاراً للندامة عليها وتحسراً على حالهم واستسلاماً لربهم وإلا ففائدة الخبر ولازمها مما لا تحقق له. قيل: ولعل الاقتصار على حكاية كلام الضالين للإيذان بأن المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلاً. وقرىء {آجالنا} بالجمع و {فَلْيُؤَدّ ٱلَّذِى} بالتذكير والإفراد، قال أبو علي: هو جنس أو وقع الذي موقع التي. {قَالَ} استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال الله تعالى: حينئذ؟ فقيل قال: {ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ} أي منزلكم ومحل إقامتكم أو ذات ثوائكم على أن الثوى اسم مكان أو مصدر {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال من ضمير الجمع والعامل فيها (مثوى) إن كان مصدراً وقدروا عاملاً أي يبوؤن خالدين إن كان مثوى اسم مكان لأنه حيئنذ لا يصلح للعمل. وقال أبو البقاء: إن العامل في الحال على هذا التقدير معنى الإضافة، وردوه بأن النسبة الإضافية لا تعمل ولا يصح أن تنصب الحال {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه تعالى استثنى قوماً قد سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبـي صلى الله عليه وسلم، وهذا مبني على أن الاستثناء ليس من المحكي وأن ما بمعنى من، ولا يخفى أن استعمال ما للعقلاء قليل فيبعد ذلك كما يبعد شمول ما تقدم للمستثنى، وقيل: إن ما مصدرية وقتية على ما هو الظاهر، والمراد إلا الوقت الذين ينقلون فيه إلى الزمهرير، فقد روي أنهم يدخلون وادياً [فيه] من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم، ورد بأن فيه صرف النار من معناها العلمي وهو دار العذاب إلى اللغوي، وأجيب عنه بأنه لا بأس به إذا دعت إليه ضرورة، وقيل عليه: إن المعترض لا يسلم الضرورة لإمكان غير هذا التأويل مع أن قوله سبحانه: {مَثْوَاكُمْ} يقتضي ما ذهب إليه المعترض بحسب الظاهر، وقيل: إن لهم وقتاً يخرجون فيه من دار العذاب، وذلك أنه روي أنهم يفتح لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا للدخول أغلقت في وجوههم استهزاء بهم، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } تفسير : [المطففين: 34]. وأنت تعلم أن ظواهر الآيات صادحة بعدم تخفيف العذاب عن الكفار بعد دخولهم النار وفي إخراجهم هذا تخفيف أي تخفيف وإن كان بعده ما يشيب منه النواصي، ولعل الخبر في ذلك غير صحيح، والمشهور أن المرائين يدنون من الجنة حتى إذا استنشقوا ريحها ورأوا ما أعد الله تعالى لعباده فيها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها الخبر بتمامه وقد قدمناه ويكون ذلك قبل إدخالهم النار كما لا يخفى على من راجع الحديث. وقيل: المستثنى زمان إمهالهم قبل الدخول كأنه قيل النار مثواكم أبداً إلا ما أمهلكم، ورده أبو حيان بأنه / في الاستثناء يشترط اتحاد زمان المخرج والمخرج منه فإذا قلت قام القوم إلا زيداً فإن معناه إلا زيداً ما قام ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيداً ما يقوم في المستقبل. وكذلك سأضرب القوم إلا زيداً معناه إلا زيداً فإني لا أضربه في المستقبل ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيداً فإني ما ضربته؛ وأجيب بأن هذا إذا لم يكن الاستثناء منقطعاً أما إذا كان منقطعاً فإنه يسوغ كقوله تعالى: { أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [الدخان: 56] أي لكن الموتة الأولى فإنهم ذاقوها فلعل القائل بأن المستثنى زمان إمهالهم يلتزم انقطاع الاستثناء كما في هذه الآية ولا محذور فيه مع ورود مثله في القرآن وفيه نظر ظاهر. «وذهب الزجاج إلى وجه لطيف إنما يظهر بالبسط فقال: المراد والله تعالى أعلم إلا ما شاء الله من زيادة العذاب ولم يبين وجه استقامة الاستثناء والمستثنى على هذا التأويل [لم يغاير المستثنى منه في الحكم]، قال ابن المنير: ونحن نبينه فنقول: العذاب والعياذ بالله عز وجل على درجات متفاوتة فكأن المراد أنهم مخلدون في جنس العذاب إلا ما شاء ربك من زيادة تبلغ الغاية وتنتهي إلى أقصى النهاية حتى تكاد لبلوغها الغاية ومباينتها لأنواع العذاب في الشدة تعد خارجة عنه ليست من جنس العذاب والشيء إذا بلغ الغاية عندهم عبروا عنه بالضد كما عبروا عن كثرة الفعل برب وقد وهما موضوعان لضد الكثرة من القلة وذلك أمر يعتاد في لغة العرب. وقد حام أبو الطيب حوله فقال: شعر : لقد جدت حتى كاد يبخل حاتم الى المنتهى ومن السرور يكاد تفسير : فكأن هؤلاء اذا نقلوا الى غاية العذاب ونهاية الشدة فقد وصلوا إلى حد الذي يكاد أن يخرج يخرج عن اسم العذاب المطلق حتى تسوغ معاملته في التعبير بمعاملة المغاير وهو وجه حسن لا يكاد يفهم من كلام الزجاج إلا بعد هذا البسط، وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ما يؤيده» انتهى، ونقل عن بعضهم أن هذا الاستثناء معذوق بمشيئة الله تعالى رفع العذاب أي يخلدون إلى أن يشاء الله تعالى لو شاء. وفائدته إظهار القدرة والإذعان بأن خلودهم إنما كان لأن الله تعالى شأنه قد شاءه وكان من الجائز العقلي في مشيئته أن لا يعذبهم ولو عذبهم لا يخلدهم وأن ذلك ليس بأمر واجب عليه وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل، وفي الآية على هذا دفع في صدور المعتزلة الذين يزعمون أن تخليد الكفار واجب على الله تعالى بمقتضى الحكمة وأنه لا يجوز في العقل مقتضى ذلك، ولعل هذا هو الحق الذي لا محيص عنه، وفي معناه ما قيل: المراد المبالغة في الخلود بمعنى أنه لا ينتفي إلا وقت مشيئة الله تعالى وهو مما لا يكون مع إيراده في صورة الخروج واطماعهم في ذلك تهكماً وتشديداً للأمر عليهم، ومن أفاضل العصريين الأكابر من ادعى ذلك الوجه له وانه قد خلت عنه الدفاتر وهو مذكور في غير ما موضع فإن كان لا يدري فتلك مصيبة وإن كان يدري فالمصيبة أعظم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام في ذلك عند قوله سبحانه: { أية : إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ } تفسير : [هود: 108]. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } في التعذيب والإثابة أو في كل أفعاله {عَلِيمٌ } بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يليق بها من الجزاء أو بكل شيء ويدخل ما ذكر دخولاً أولياً.
سيد قطب
تفسير : هذا المقطع بجملته ليس منفصلا عن الدرس السابق. إنما هو امتداد له. من جنس الموجات المتعاقبة التي يتضمنها.. فهو من ناحية استطراد في بيان مصائر شياطين الإنس والجن - بعد ما بين مصير الذين يستقيمون على صراط الله - وهو من ناحية استطراد في قضية الإيمان والكفر التي تذكر في هذا الموضع من السورة بمناسبة قضية الحاكمية والتشريع. وربط لهذه القضية الأخيرة بالحقائق الأساسية في العقيدة الإسلامية؛ ومنها حقيقة الجزاء في الآخرة على الكسب في الدنيا - بعد النذارة والبشارة - وحقيقة سلطان الله القادر على الذهاب بالشياطين وأوليائهم وبالناس جميعا واستبدال غيرهم بهم، وحقيقة ضعف البشر جملة أمام بأس الله. وكلها حقائق عقيدية تذكر في معرض الحديث عن التحليل والتحريم في الذبائح - قبلها - ثم يجيء بعدها الحديث في الحلقة التالية عن النذور من الثمار والأنعام والأولاد؛ وعن تقاليد الجاهلية وتصوراتها في هذه الشؤون؛ فيلتحم الحديث عن هذه القضايا جميعاً؛ وتبدو في وضعها الطبيعي الذي يضعها فيه هذا الدين. وهي أنها كلها مسائل اعتقادية على السواء. لا فرق بينها في ميزان الله، كما يقيمه في كتابه الكريم. لقد مضى في الحلقة السابقة حديث عن الذين يشرح الله صدورهم للإسلام؛ فتبقى قلوبهم ذاكرة لا تغفل؛ وأنهم ماضون إلى دار السلام، منتهون إلى ولاية ربهم وكفالته.. فالآن يعرض الصفحة المقابلة في المشهد - على طريقة القرآن الغالبة في عرض "مشاهد القيامة" - يعرض شياطين الإنس والجن، الذين قضوا الحياة يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً وخداعاً وإضلالا؛ ويقف بعضهم بمساندة بعض عدوا لكل نبي؛ ويوحي بعضهم إلى بعض ليجادلوا المؤمنين في ما شرعه الله لهم من الحلال والحرام.. يعرضهم في مشهد شاخص حي، حافل بالحوار والاعتراف والتأنيب والحكم والتعقيب، فائض بالحياة التي تزخر بها مشاهد القيامة في القرآن. {ويوم يحشرهم جميعا: يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس! وقال أولياؤهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا! قال: النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء الله - إن ربك حكيم عليم.. وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون.. يا معشر الجن والإنس، ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي، وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا: شهدنا على أنفسنا! وغرتهم الحياة الدنيا، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}.. إن المشهد يبدأ معروضاً في المستقبل، يوم يحشرهم جميعا.. ولكنه يستحيل واقعا للسامع يتراءى له مواجهة. وذلك بحذف لفظة واحدة في العبارة. فتقدير الكلام، {ويوم يحشرهم جميعا} - فيقول - {يا معشر الجن والإنس...} ولكن حذف كلمة - يقول - ينتقل بالتعبير المصور نقلة بعيدة؛ ويحيل السياق من مستقبل ينتظر، إلى واقع ينظر! وذلك من خصائص التصوير القرآني العجيب... فلنتابع المشهد الشاخص المعروض: {يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس!}.. استكثرتم من التابعين لكم من الإنس، المستمعين لإيحائكم، المطيعين لوسوستكم، المتبعين لخطواتكم.. وهو إخبار لا يقصد به الإخبار فالجن يعلمون أنهم قد استكثروا من الإنس! إنما يقصد به تسجيل الجريمة - جريمة إغواء هذا الحشد الكبير الذي نكاد نلمحه في المشهد المعروض! - ويقصد به التأنيب على هذه الجريمة التي تتجمع قرائنها الحية في هذا الحشد المحشود! لذلك لا يجيب الجن على هذا القول بشيء.. ولكن الأغرار الأغمار من الإنس المستخفين بوسوسة الشياطين يجيبون: {وقال أولياؤهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا!}.. وهو جواب يكشف عن طبيعة الغفلة والخفة في هؤلاء الأتباع؛ كما يكشف عن مدخل الشيطان إلى نفوسهم في دار الخداع.. لقد كانوا يستمتعون بإغواء الجن لهم وتزيينه ما كان يزين لهم من التصورات والأفكار، ومن المكابرة والاستهتار، ومن الإثم ظاهره وباطنه! فمن منفذ الاستمتاع دخل إليهم الشيطان! وكانت الشياطين تستمتع بهؤلاء الأغرار الأغفال.. كانت تستهويهم وتعبث بهم؛ وتسخرهم لتحقيق هدف إبليس في عالم الإنس! وهؤلاء الأغرار المستخفون يحسبون أنه كان استمتاعا متبادلا، وأنهم كانوا يمتعون فيه ويتمتعون! ومن ثم يقولون: {ربنا استمتع بعضنا ببعض!}.. ودام هذا المتاع طوال فترة الحياة، حتى حان الأجل، الذي يعلمون اليوم فقط أن الله هو الذي أمهلهم إليه؛ وأنهم كانوا في قبضته في أثناء ذلك المتاع: {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا}! عند ذلك يجيء الحكم الفاصل، بالجزاء العادل: {قال: النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء الله -} فالنار مثابة ومأوى. والمثوى للإقامة. وهي إقامة الدوام.. {إلا ما شاء الله} لتبقى صورة المشيئة الطليقة هي المسيطرة على التصور الاعتقادي. فطلاقة المشيئة الإلهية قاعدة من قواعد هذا التصور. والمشيئة لا تنحبس ولا تتقيد. ولا في مقرراتها هي. {إن ربك حكيم عليم}. يمضي قدره بالناس عن حكمة وعن علم؛ ينفرد بهما الحكيم العليم.. وقبل استئناف الحوار لإتمام المشهد، يتحول السياق للتعقيب على شطر المشهد المنتهي: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}.. بمثل هذا الذي قام بين الجن والإنس من ولاء؛ وبمثل ما انتهى إليه هذا الولاء من مصير.. بمثل ذلك، وعلى قاعدته، نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون. نجعل بعضهم أولياء بعض؛ بحكم ما بينهم من تشابه في الطبع والحقيقة؛ وبحكم ما بينهم من اتفاق في الوجهة والهدف. وبحكم ما ينتظرهم من وحدة في المصير. وهو تقرير عام أبعد مدى من حدود المناسبة التي كانت حاضرة، إنه يتناول طبيعة الولاء بين الشياطين من الإنس والجن عامة. فإن الظالمين - وهم الذين يشركون بالله في صورة من الصور - يتجمع بعضهم إلى بعض في مواجهة الحق والهدى؛ ويعين بعضهم بعضا في عداء كل نبي والمؤمنين به. إنهم فضلا على أنهم من طينة واحدة - مهما اختلفت الأشكال - هم كذلك أصحاب مصلحة واحدة، تقوم على اغتصاب حق الربوبية على الناس، كما تقوم على الانطلاق مع الهوى بلا قيد من حاكمية الله. ونحن نراهم في كل زمان كتلة واحدة يساند بعضهم بعضا - على ما بينهم من خلافات وصراع على المصالح - إذا كانت المعركة مع دين الله ومع أولياء الله.. فبحكم ما بينهم من اتفاق في الطينة، واتفاق في الهدف يقوم ذلك الولاء.. وبحكم ما يكسبون من الشر والإثم تتفق مصائرهم في الآخرة على نحو ما رأينا في المشهد المعروض! وإننا لنشهد في هذه الفترة - ومنذ قرون كثيرة - تجمعا ضخما لشياطين الإنس من الصليبيين والصهيونيين والوثنيين والشيوعيين - على اختلاف هذه المعسكرات فيما بينها - ولكنه تجمع موجه إلى الإسلام، وإلى سحق طلائع حركات البعث الإسلامي في الأرض كلها. وهو تجمع رهيب فعلا، تجتمع له خبرة عشرات القرون في حرب الإسلام، مع القوى المادية والثقافية، مع الأجهزة المسخرة في المنطقة ذاتها للعمل وفق أهداف ذلك التجمع وخططه الشيطانية الماكرة.. وهو تجمع يتجلى فيه قول الله سبحانه: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}.. كما ينطبق عليه تطمين الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم:{أية : ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون}.. تفسير : ولكن هذا التطمين يقتضي أن تكون هناك العصبة المؤمنة التي تسير على قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعلم أنها تقوم مقامه في هذه المعركة المشبوبة على هذا الدين، وعلى المؤمنين.. ثم نعود مع السياق إلى شطر المشهد الأخير: {يا معشر الجن والإنس، ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي، وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا شهدنا على أنفسنا، وغرتهم الحياة الدنيا، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}.. وهو سؤال للتقرير والتسجيل. فالله - سبحانه - يعلم ما كان من أمرهم في الحياة الدنيا. والجواب عليه إقرار منهم باستحقاقهم هذا الجزاء في الآخرة.. والخطاب موجه إلى الجن كما هو موجه إلى الإنس.. فهل أرسل الله إلى الجن رسلا منهم كما أرسل إلى الإنس؟ الله وحده يعلم شأن هذا الخلق المغيب عن البشر. ولكن النص يمكن تأويله بأن الجن كانوا يسمعون ما أنزل على الرسل، وينطلقون إلى قومهم منذرين به. كالذي رواه القرآن الكريم من أمر الجن في سورة الأحقاف: {أية : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن. فلما حضروه قالوا: أنصتوا. فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين. قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به، يغفر لكم من ذنوبكم، ويجركم من عذاب أليم. ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض، وليس له من دونه أولياء. أولئك في ضلال مبين }.. تفسير : فجائز أن يكون السؤال والجواب للجن مع الإنس قائمين على هذه القاعدة.. والأمر كله مما اختص الله سبحانه بعلمه؛ والبحث فيما وراء هذا القدر لا طائل وراءه! وعلى أية حال فقد أدرك المسؤولون من الجن والإنس، أن السؤال ليس على وجهه. إنما هو سؤال للتقرير والتسجيل؛ كما أنه للتأنيب والتوبيخ؛ فأخذوا في الاعتراف الكامل؛ وسجلوا على أنفسهم استحقاقهم لما هم فيه: {قالوا: شهدنا على أنفسنا}: وهنا يتدخل المعقب على المشهد ليقول: {وغرتهم الحياة الدنيا؛ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}؛ وهو تعقيب لتقرير حقيقة حالهم في الدنيا. فقد غرتهم هذه الحياة؛ وقادهم الغرور إلى الكفر. ثم ها هم أولاء يشهدون على أنفسهم به؛ حيث لا تجدي المكابرة والإنكار.. فأي مصير أبأس من أن يجد الإنسان نفسه في هذا المأزق، الذي لا يملك أن يدفع عن نفسه فيه، ولا بكلمة الإنكار! ولا بكلمة الدفاع! ونقف لحظة أمام الأسلوب القرآني العجيب في رسم المشاهد حاضرة؛ ورد المستقبل المنظور واقعاً مشهوداً؛ وجعل الحاضر القائم ماضياً بعيداً! إن هذا القرآن يتلى على الناس في هذه الدنيا الحاضرة؛ وفي هذه الأرض المعهودة. ولكنه يعرض مشهد الآخرة كأنه حاضر قريب؛ ومشهد الدنيا كأنها ماض بعيد! فننسى أن ذلك مشهد سيكون يوم القيامة؛ ونستشعر أنه أمامنا اللحظة ماثل! وأنه يتحدث عن الدنيا التي كانت كما يتحدث عن التاريخ البعيد! {وغرتهم الحياة الدنيا، وشهدوا على أنفسهم أنهم - كانوا - كافرين}.. وذلك من عجائب التخييل! وعلى ختام المشهد يلتفت السياق بالخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن وراءه من المؤمنين؛ وإلى الناس أجمعين، ليعقب على هذا الحكم الصادر بجزاء الشياطين من الإنس والجن؛ وبإحالة هذا الحشد الحاشد إلى النار؛ وعلى إقرارهم بأن الرسل قد جاءت إليهم، تقص عليهم آيات الله، وتنذرهم لقاء يومهم هذا.. ليعقب على هذا المشهد وما كان فيه، بأن عذاب الله لا ينال أحدا إلا بعد الإنذار؛ وأن الله لا يأخذ العباد بظلمهم (أي بشركهم) إلا بعد أن ينبهوا من غفلتهم؛ وتقص عليهم الآيات، وينذرهم المنذرون: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى - بظلم - وأهلها غافلون}.. لقد اقتضت رحمة الله بالناس ألا يؤاخذهم على الشرك والكفر حتى يرسل إليهم الرسل، على الرغم مما أودعه فطرتهم من الاتجاه إلى ربها - فقد تضل هذه الفطر- وعلى الرغم مما أعطاهم من قوة العقل والإدراك - فالعقل قد يضل تحت ضغط الشهوات - وعلى الرغم مما في كتاب الكون المفتوح من آيات - فقد تتعطل أجهزة الاستقبال كلها في الكيان البشري. لقد ناط بالرسل والرسالات مهمة استنقاذ الفطرة من الركام، واستنقاذ العقل من الانحراف، واستنقاذ البصائر والحواس من الانطماس. وجعل العذاب مرهونا بالتكذيب والكفر بعد البلاغ والإنذار. وهذه الحقيقة كما أنها تصور رحمة الله بهذا الإنسان وفضله، كذلك تصور قيمة المدارك البشرية من فطرة وعقل؛ وتقرر أنها - وحدها - لا تعصم من الضلال، ولا تهدي إلى يقين، ولا تصبر على ضغط الشهوات.. ما لم تساندها العقيدة وما لم يضبطها الدين.. ثم يقرر السياق حقيقة أخرى في شأن الجزاء.. للمؤمنين وللشياطين سواء: {ولكل درجات مما عملوا. وما ربك بغافل عما يعملون}.. فللمؤمنين درجات: درجة فوق درجة. وللشياطين درجات: درجة تحت درجة! وفق الأعمال. والأعمال مرصودة لا يغيب منها شيء: {وما ربك بغافل عما يعملون}. على أن الله - سبحانه - إنما يرسل رسله رحمة بالعباد، فهو غني عنهم؛ وعن إيمانهم به وعبادتهم له. وإذا أحسنوا فإنما يحسنون لأنفسهم في الدنيا والآخرة. كذلك تتجلى رحمته في الإبقاء على الجيل العاصي الظالم المشرك، وهو القادر على أن يهلكه، وينشئ جيلا آخر يستخلفه: {وربك الغني ذو الرحمة. إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء. كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين}. فلا ينس الناس أنهم باقون برحمة الله؛ وأن بقاءهم معلق بمشيئة الله؛ وأن ما في أيديهم من سلطان إنما خولهم الله إياه. فليس هو سلطاناً أصيلا؛ ولا وجودا مختارا. فما لأحد في نشأته ووجوده من يد؛ وما لأحد فيما أعطيه من السلطان من قدرة. وذهابهم واستخلاف غيرهم هين على الله. كما أنه أنشأهم من ذرية جيل غبر. واستخلفوا هم من بعده بقدر من الله. إنها طرقات قوية وإيقاعات عنيفة على قلوب الظالمين من شياطين الإنس والجن الذين يمكرون ويتطاولون، ويحرمون ويحللون، ويجادلون في شرع الله بما يشرعون.. وهم هكذا في قبضة الله يبقيهم كيف شاء، ويذهب بهم أنى شاء، ويستخلف من بعدهم ما يشاء.. كما أنها إيقاعات من التثبيت والطمأنينة والثقة في قلوب العصبة المسلمة، التي تلقى العنت من كيد الشياطين ومكرهم؛ ومن أذى المجرمين وعدائهم... فهؤلاء هم في قبضة الله ضعافا حتى وهم يتجبرون في الأرض ويمكرون! ثم إيقاع تهديدي آخر: {إن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين}. إنكم في يد الله وقبضته، ورهن مشيئته وقدره. فلستم بمفلتين أو مستعصين.. ويوم الحشر الذي شاهدتم منه مشهدا منذ لحظة ينتظركم؛ وأنه لآت لا ريب فيه، ولن تفلتوا يومها، ولن تعجزوا الله القوي المتين. وتنتهي التعقيبات بتهديد آخر ملفوف، عميق الإيحاء والتأثير في القلوب: {قل: يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار، إنه لا يفلح الظالمون}. إنه تهديد الواثق من الحق الذي معه، والحق الذي وراءه؛ ومن القوة التي في الحق، والقوة التي وراء الحق.. التهديد من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه نافض يديه من أمرهم، واثق مما هو عليه من الحق، واثق من منهجه وطريقه، واثق كذلك مما هم عليه من الضلال، وواثق من مصيرهم الذي هم إليه منتهون: {إنه لا يفلح الظالمون}.. فهذه هي القاعدة التي لا تتخلف.. إنه لا يفلح المشركون، الذين يتخذون من دون الله أولياء. وليس من دون الله ولي ولا نصير. والذين لا يتبعون هدى الله. وليس وراءه إلا الضلال البعيد وإلا الخسران المبين.. وقبل أن نمضي مع سياق السورة حلقة جديدة، نقف وقفة سريعة مع هذه الحلقة الوسيطة بين حديث عن تشريع الذبائح - ما ذكر اسم الله عليه وما لم يذكر اسم الله عليه - وحديث عن النذور من الثمار والأنعام والأولاد.. هذه الحلقة التي تضمنت تلك الحقائق الأساسية من حقائق العقيدة البحتة؛ كما تضمنت مشاهد وصوراً وتقريرات عن طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر؛ وعن المعركة بين الشياطين من الإنس والجن وبين أنبياء الله والمؤمنين بهم؛ كما تضمنت ذلك الحشد من المؤثرات الموحية التي سبقت نظائرها في سياق السورة وهو يواجه ويعرض حقائق العقيدة الكبرى في محيطها الشامل.. نقف هذه الوقفة السريعة مع هذه الحلقة الوسيطة؛ لنرى كم يحفل المنهج القرآن بهذه الواقعيات العملية، وهذه الجزيئات التطبيقية في الحياة البشرية؛ وكم يحفل بانطباقها على شريعة الله؛ وعلى تقرير الأصل الذي يجب أن تستند إليه؛ وهو حاكمية الله.. أو بتعبير آخر ربوبية الله. فلماذا يحفل المنهج القرآني هكذا بهذه القضية؟ يحفل بها لأنها من ناحية المبدأ تلخص قضية "العقيدة" في الإسلام؛ كما تلخص قضية "الدين". فالعقيدة في الإسلام تقوم على أساس شهادة: إن لا إله إلا الله. وبهذه الشهادة يخلع المسلم من قلبه ألوهية كل أحد من العباد ويجعل الألوهية لله. ومن ثم يخلع الحاكمية عن كل أحد ويجعل الحاكمية كلها لله.. والتشريع للصغيرة هو مزاولة لحق الحاكمية كالتشريع للكبيرة. فهو من ثَمَّ مزاولة لحق الألوهية. يأباه المسلم إلا لله.. والدين في الإسلام هو دينونة العباد في واقعهم العملي - كما هو الأمر في العقيدة القلبية - لألوهية واحدة هي ألوهية الله، ونفض كل دينونة في هذا الواقع لغير الله من العباد المتألهين! والتشريع هو مزاولة للألوهية، والخضوع للتشريع هو الدينونة لهذه الألوهية.. ومن ثم يجعل المسلم دينونته في هذا لله وحده؛ ويخلع ويرفض الدينونة لغير الله من العباد المتألهين! من هنا ذلك الاحتفال كله في القرآن كله بتقرير هذه الأصول الاعتقادية، والاتكاء عليها على هذا النحو الذي نرى صورة منه في سياق هذه السورة المكية.. والقرآن المكي - كما أسلفنا في التقديم لهذه السورة في الجزء السابع - لم يكن يواجه قضية النظام والشرائع في حياة الجماعة المسلمة؛ ولكنه كان يواجه قضية العقيدة والتصور. ومع هذا فإن السورة تحفل هذا الاحتفال بتقرير هذا الأصل الاعتقادي في موضوع الحاكمية.. ولهذا دلالته العميقة الكبيرة..
ابن عاشور
تفسير : لمّا ذكر ثواب القوم الّذين يتذّكرون بالآيات، وهو ثواب دار السّلام، ناسب أن يعطف عليه ذكر جزاء الّذين لا يتذكّرون، وهو جزاء الآخرة أيضاً، فجملة: {ويوم يحشرهم} إلخ معطوفة على جملة: { أية : لهم دار السّلام عند ربّهم } تفسير : [الأنعام: 127]. والمعنى: وللآخرين النّار مثواهم خالدين فيها. وقد صُوّر هذا الخبر في صورة ما يقع في حسابهم يوم الحشر، ثمّ أُفضي إلى غاية ذلك الحساب، وهو خلودهم في النّار. وانتصب: {يومَ} على المفعول به لفعل محذوف تقديره: اذْكُر، على طريقة نظائره في القرآن، أو انتصب على الظرفيّة لفعل القول المقدّر. والضّمير المنصوب بــــ {نحشرهم} عائد إلى { أية : الذين أجرموا } تفسير : [الأنعام: 124] المذكور في قوله: { أية : سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله} تفسير : [الأنعام: 124]، أو إلى {أية : الذين لا يؤمنون } تفسير : [الأنعام: 125] في قوله: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}. وهؤلاء هم مقابل الّذين يتذكّرون، فإنّ جماعة المسلمين يُعتَبرون مخاطبين لأنّهم فريق واحد مع الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ويعتبر المشركون فريقاً مبائناً لهم بعيداً عنهم، فيتحدّث عنهم بضمير الغيبة، فالمراد المشركون الّذين ماتوا على الشّرك وأُكّد بــــ {جميعاً} ليعمّ كلّ المشركين، وسادتهم، وشياطينهم، وسائر عُلَقهم. ويجوز أن يعود الضّمير إلى الشّياطين وأوليائهم في قوله تعالى: { أية : وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم } تفسير : [الأنعام: 121] إلخ. وقرأ الجمهور: {نحشرهم} ــــ بنون العظمة ــــ على الالتفات. وقرأه حفص عن عاصم، ورَوْح عن يعقوب ــــ بياء الغيبة ــــ ولمّا أسند الحشر إلى ضمير الجلالة تعيّن أنّ النداء في قوله: {يا معشر الجن} من قِبل الله تعالى، فتعيّن لذلك إضمار قول صادر من المتكلّم، أي نقول: يا معشر الجنّ، لأنّ النّداء لا يكون إلاّ قولاً. وجملة: {يا معشر الجن} إلخ مقول قول محذوف يدلّ عليه أسلوب الكلام، والتّقدير: نقول أو قائلين. والمعشر: الجماعة الّذين أمرهم وشأنهم واحد، بحيث تجمعهم صفة أو عمل، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه. وهو يُجمع على معاشر أيضاً، وهو بمعناه، وهو مشتقّ من المعاشرة والمخالطة. والأكثر أن يضاف المعشر إلى اسم يبيّن الصّفة الّتي اجتمع مسمّاه فيها، وهي هنا صفة كونهم جنّاً، ولذلك إذا عُطف على ما يضاف إليه كان على تقدير تثنية معشراً وجمْعِه: فالتثنية نحو: { أية : يا معشر الجنّ والإنس إن استطعتم أن تنفذوا } تفسير : [الرحمٰن: 33] الآية، أي يا معشر الجنّ ويا معشر الإنس، والجمع نحو قولك: يا معاشر العرب والعجم والبربر. والجنّ تقدّم في قوله: { أية : وجعلوا لله شركاء الجنّ } تفسير : في هذه السّورة (100). والمراد بالجنّ الشّياطين وأعوانهم من بني جنسهم الجنّ، والإنس تقدّم عند قوله: { أية : شياطين الإنس والجنّ } تفسير : في هذه السّورة (112). والاستكثار: شدّة الإكثار. فالسّين والتّاء فيه للمبالغة مثل الاستسلام والاستخداع والاستكبار، ويتعدى بمن البيانية إلى الشيء المتّخذِ كثيرُه، يقال: استكثر من النَّعم أو من المال، أي أكثر من جمعهما، واستكثر الأمير من الجند، ولا يتعدّى بنفسه تفرقة بين هذا المعنى وبين استكثر الّذي بمعنى عدّ الشّيء كثيراً، كقوله تعالى: { أية : ولا تمنن تستكثر } تفسير : [المدثر: 6]. وقوله: {استكثرتم من الإنس} على حذف مضاف، تقديره: من إضلال الإنس، أو من إغوائهم، فمعنى {استكثرتم من الإنس} أكثرتم من اتّخاذهم، أي من جعلهم أتباعاً لكم، أي تجاوزتم الحدّ في استهوائهم واستغوائهم، فطوّعتم منهم كثيراً جداً. والكلام توبيخ للجنّ وإنكار، أي كان أكثر الإنس طوعاً لكم، والجنّ يشمل الشّياطين، وهم يغوون النّاس ويطوّعونهم: بالوسوسة، والتخييل، والإرهاب، والمسّ، ونحو ذلك، حتّى تَوهّم النّاس مقدرتهم وأنّهم محتاجون إليهم، فتوسّلوا إليهم بالإرضاء وترك اسم الله على ذبائحهم وفي شؤونهم، وحتّى أصبح المسافر إذا نزل وادياً قال: «أعوذ بسَيِّد هذا الوادي، أو بربّ هذا الوادي، يعني به كبير الجنّ، أو قال: يَا ربّ الوادي إنِّي أستجير بك» يعني سيّدَ الجنّ. وكان العرب يعتقدون أنّ الفيافي والأودية المتّسعة بين الجبال معمورة بالجنّ، ويتخيّلون أصوات الرّياح زَجل الجنّ. قال الأعشى: شعر : وبلدةٍ مثل ظَهْر التُّرس موحِشةٍ للجِنّ باللّيل في حَافَاتها زَجَل تفسير : وفي الكلام تعريض بتوبيخ الإنس الّذين اتَّبعوهم، وأطاعوهم، وأفرطوا في مرضاتهم، ولم يسمعوا مَن يدعوهم إلى نبذ متابعتهم، كما يدلّ عليه قوله الآتي: { أية : يا معشر الجنّ والإنس ألم يأتكم رسل منكم } تفسير : [الأنعام: 130] فإنَّه تدرّج في التّوبيخ وقطععِ المعذرة. والمراد بأوليائهم أولياء الجنّ: أي الموالون لهم، والمنقطعون إلى التعلّق بأحوالهم. وأولياء الشّياطين هم المشركون الّذين وافوا المحشر على الشّرك. وقيل: أريد به الكفّار والعصاة من المسلمين، وهذا باطل لأنّ العاصي وإن كان قد أطاع الشّياطين فليس وليّاً لها { أية : اللَّهُ ولي الذين آمنوا } تفسير : [البقرة: 257] ولأنّ الله تعالى قال في آخر الآية: { أية : ألم يأتكم رسل منكم } تفسير : [الأنعام: 130] وقال: {وشَهِدوا على أنفسهم أنَّهم كانوا كافرين}. و{من الإنس} بيان للأولياء. وقد اقتصر على حكاية جواب الإنس لأنّ النّاس المشركين هم المقصود من الموعظة بهذه الآية. ومعنى: {استمتع بعضنا ببعض} انتفع وحَصّل شهوته وملائِمَهُ: أي استمتع الجنّ بالإنس، وانتفع الإنس بالجنّ، فكلّ بعض مراد به أحد الفريقين لأنَّه بعض مجموع الفريقين. وإنَّما قالوا: استمتع بعضنا ببعض، ولم يكن الإنس هم المخاطبين بالتّوبيخ، لأنَّهم أرادوا الاعتذار عن أوليائهم من الجنّ ودفع التّوبيخ عنهم، بأنّ الجنّ لم يكونوا هم المستأثرين بالانتفاع بتطويع الإنس، بل نال كلّ من الفريقين انتفاعاً بصاحبه، وهؤلاء المعتذرون يحتمل أنّهم أرادوا مشاطرة الجناية إقراراً بالحقّ، وإخلاصاً لأوليائهم، أو أرادوا الاعتذار عن أنفسهم لما علموا من أن توبيخ الجنّ المُغوين يُعرّض بتوبيخ المغوَيْن ــــ بفتح الواو ــــ. فأقرّوا واعتذروا بأنّ ما فعلوه لم يكن تمرّداً على الله، ولا استخفافاً بأمره، ولكنّه كان لإرضاء الشّهوات من الجانبين، وهي المراد بالاستمتاع. ولكونهم ليسوا بمخاطبين ابتداء. وكون كلامهم دخيلاً في المخاطبة، لم تفصل جملة قولهم كما تفصل جملة المحاورة في السؤال والجواب، بل عطفت على جملة القول المقدّر لأنَّها قول آخر عَرض في ذلك اليوم. وجيء في حكاية قولهم بفعل {وقال أولياؤهم} مع أنّه مستقبل من أجللِ قوله: {يحشرهم} تنبيها على تحقيق وقوعه، فيعلم من ذلك التّنبيه على تحقيق الخبر كلّه، وأنّه واقع لا محالة، إذ لا يكون بعضه محقّقاً وبعضه دون ذلك. واستمتاع الإنس بالجنّ هو انتفاعهم في العاجل: بتيسير شهواتهم، وفتح أبواب اللّذّات والأهواء لهم، وسلامتهم من بطشتهم. واستمتاع الجنّ بالإنس: هو انتفاع الجنّ بتكثير أتباعهم من أهل الضّلالة، وإعانتُهم على إضلال النّاس، والوقوفُ في وجه دعاة الخير، وقطع سبيل الصّلاح، فكلّ من الفريقين أعان الآخر على تحقيق ما في نفسه ممّا فيه ملائم طبعه وارتياحه لقضاء وطره. وقوله: {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} استسلام لله، أي: انقضَى زمن الإمهال، وبلغْنا الأجلَ الذي أجلَّت لنا للوقوع في قبضتك، فسُدّت الآن دوننا المسالكُ فلا نجد مفرّاً. وفي الكلام تحسّر وندامة. عند ظهور عدم إغناء أوليائهم عنهم شيئاً، وانقضاء زمن طغيانهم وعتوّهم، ومَحين حِين أن يَلْقَوا جزاء أعمالهم كقوله: { أية : ووجد الله عنده فوفّاه حسابه } تفسير : [النور: 39]. وقد أفادت الآية: أنّ الجنّ المخاطبين قد أُفحموا، فلم يجدوا جواباً، فتركوا أولياءهم يناضلون عنهم، وذلك مظهر من مظاهر عدم إغناء المتبوعين عن أتباعهم يومئذٍ { أية : إذ تَبرّأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبَعوا } تفسير : [البقرة: 166]. وجملة: {قال النار مثواكم} فصلت عن الّتي قبلها على طريقة القول في المحاورة، كما تقدّم عند قوله تعالى: { أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } تفسير : في سورة البقرة (30). وضمير الخطاب في قوله: {النار مثواكم} موجَّه إلى الإنس فإنَّهم المقصود من الآية، كما في قوله تعالى: { أية : بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النّار التي كنتم بها تكذّبون } تفسير : [سبأ: 41، 42] وقوله: { أية : وتمَّت كلمة ربّك لأملأن جهنّم من الجِنّة والنّاسِ أجمعين } تفسير : [هود: 119]. ومجيء القول بصيغة الماضي: للتّنبيه على تحقيق وقوعه وهو مستقبل بقرينة قوله: {يحشرهم} كما تقدّم. وإسناده إلى الغائب نظرٌ لما وقع في كلام الأولياء: {ربنا استمتع} إلخ. والمثوى: اسم مكان من ثَوى بالمكان إذا أقام به إقامةَ سكنى أو إطالة مكث، وقد بيّن الثّواء بالخلود بقوله: {خالدين فيها}. وقوله: {خالدين فيها} هو من تمام ما يقال لهم في الحشر لا محالة، لأنَّه منصوب على الحال من ضمير مثواكم، فلا بدّ أن يتعلّق بما قبله. وأمّا قوله: {إلا ما شاء الله} فظاهر النظم أنّه من تمام ما يقال لهم. لأنّ الأصل في الاستثناء أن يكون إخراجاً ممّا قبله من الكلام. ويجوز أن يكون من مخاطبة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وقع اعتراضاً بين ما قصّه عليه من حال المشركين وأوليائهم يوم الحشر، وبين قوله له: {إن ربك حكيم عليم} ويكون الوقف على قوله: {خالدين فيها}. والاستثناء في قوله: {إلا ما شاء الله} على التّأويلين استثناء إمَّا من عموم الأزمنة الّتي دلّ عليها قوله: {خالدين فيها} إذ الخلود هو إقامة الأبد والأبَد يعمّ الأزمان كلّها، فــــ (ما) ظرفية مصدرية فلذلك يكون الفعل بعدها في تأويل مَصدر، أي إلاّ وقت مشيئة الله إزالة خلودكم، وإمَّا من عموم الخالدين الّذي في ضمير {خالدين} أي إلاّ فريقاً شاء الله أن لا يخلدوا في النّار. وبهذا صار معنى الآية موضع إشكال عند جميع المفسّرين، من حيثُ ما تقرّر في الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة؛ أنّ المشركين لا يُغفر لهم وأنَّهم مخلّدون في النّار بدون استثناء فريق ولا زمان. وقد أحصَيْتُ لهم عشرة تأويلات، بعضها لا يتمّ، وبعضها بعيد إذا جُعل قوله: {إلا ما شاء الله} من تمام ما يقال للمشركين وأوليائهم في الحشر، ولا يستقيم منها إلاّ واحد، إذا جعل الاستثناء معترَضاً بين حكاية ما يقال للمشركين في الحشر وبين ما خوطب به النّبي صلى الله عليه وسلم فيكون هذا الاعتراض خطاباً للمشركين الأحياءِ الّذين يسمعون التّهديد، إعذاراً لهم أن يسلموا، فتكون (ما) مصدرية غير ظرفية: أي إلاّ مشيئة الله عدمَ خلودهم، أي حالَ مشيئته. وهي حال توفيقه بعض المشركين للإسلام في حياتهم، ويكون هذا بياناً وتحقيقاً للمنقول عن ابن عبّاس: استثنى الله قوماً سبق في علمه أنَّهم يُسلمون. وعنه أيضاً: هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار، وإذا صح ما نقل عنه وجب تأويله بأنه صدر منه قبل علمه بإجماع أهل العلم على أنّ المشركين لا يغفر لهم. ولك أن تجعل (ما) على هذا الوجه موصولة، فإنَّها قد تستعمل للعاقل بكثرة. وإذا جعل قوله: {خالدين} من جملة المقول في الحشر كان تأويل الآية: أنّ الاستثناء لا يقصد به إخراج أوقات ولاَ حالةٍ، وإنَّما هو كناية، يقصد منه أنّ هذا الخلود قدّره الله تعالى، مختاراً لا مكره له عليه، إظهاراً لتمام القدرة ومحض الإرادة، كأنَّه يقول: لو شئت لأبطلتُ ذلك. وقد يعْضد هذا بأنّ الله ذكر نظيره في نعيم أهل الجنّة في قوله: { أية : فأمَّا الذين شَقُوا ففي النّار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك إنّ ربّك فعَّال لما يريد وأمّا الذين سعِدوا ففي الجنّة خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك عطاء غير مجذوذ } تفسير : [هود: 106، 108] فانظر كيف عقّب قوله: {إلا ما شاء ربّك} في عقاب أهل الشّقاوة بقوله: { أية : إنّ ربّك فعَّال لما يريد } تفسير : [هود: 107] وكيف عقَّب قوله: {إلا ما شاء ربّك} في نعيم أهل السّعادة بقوله: { أية : عَطاء غير مجذوذ } تفسير : [هود: 108] فأبْطل ظاهر الاستثناء بقوله: {عطاء غير مجذوذ} فهذا معنى الكناية بالاستثناء، ثمّ المصير بعد ذلك إلى الأدلّة الدّالة على أنّ خلود المشركين غيرُ مخصوص بزمن ولا بحال. ويَكونُ هذا الاستثناء من تأكيد الشّيء بما يشبه ضدّه. وقوله: {إن ربك حكيم عليم} تذييل، والخطاب للنّبي صلى الله عليه وسلم فإن كان قوله: {خالدين فيها إلا ما شاء الله} من بقية المقول لأولياء الجنّ في الحشر كان قوله: {إن ربك حكيم عليم} جملة معترضة بين الجمل المقولة، لبيان أنّ ما رتّبه الله على الشرّك من الخلود رتّبه بحكمته وعِلْمه، وإن كان قوله: {خالدين} إلخ كلاماً مستقلاً معترضاً كان قوله: {إن ربك حكيم عليم} تذييلاً للاعتراض، وتأكيداً للمقصود من المشيئة من جعل استحقاق الخلود في العذاب منوطاً بالموافاة على الشّرك. وجَعْل النّجاة من ذلك الخلودِ منوطة بالإيمان. والحكيم: هو الّذي يضع الأشياء في مناسباتها، والأسباب لمسبّباتها. والعليم: الّذي يعلم ما انطوى عليه جميع خلقه من الأحوال المستحقّة للثّواب والعقاب.
القطان
تفسير : المعشر: النفر والقوم. الرهط: الجمع من الرجال. استكثر الشيءَ: اخذ منه الكثير اولياؤهم: الذين تولوهم اي اطاعوهم في وسوستهم. الاستمتاع بالشيء: الانتفاع به طويلا. بلغنا اجلنا: وصلنا يوم البعث والجزاء. المثوى: مكان الاقامة. الخلود: المكث الطويل غير المحدود. في الآيات السابقة بيّن الله حال الذين سلكوا صراطه المستقيم، وان الله شرح صدورهم، وجزاؤهم الجنّة، فهم في كفالة ربهم ناعمون. وهنا يعرض سبحانه وتعالى حالَ الذين سلكوا طريق الشيطان. وهو يعرض يوم الحشر في القيامة وما فيه من هول، في مشهد حيّ حافل بالحوار، فيقول: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ...}. يوم يحشر الله تعالى الخلق جميعا من إِنس وجنّ، ويقول جل جلالُه: يا معشر الجن، قد أكثرتُم من إغراء الانس حتى تَبعكم منهم عدد كثير. فيقول الذين اتّبعوهم من الانس {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} ربنا، لقد انتفع بعضُنا ببعض، واستمتعنا بالشهوات، وبما كان لنا في طاعتهم ووسوستهم من اللذّة والانغماس في الشهوات، {وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا} ثم إننا قد وصلنا الى الأجل الذي حدّدته لنا، وهو يوم البعث والجزاء، وقد اعترفنا بذنوبنا فاحكُم فينا بما تشاء. وما هذا الاعتراف الا من نوع الحسرة والندامة على ما كان منهم من التفريط في الدنيا. فيقول جل جلاله: {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ }. ان النار منزلكم ومقركم خالدين فيها الا ما شاء الله ان ينقذهم، فكل شيء بمشيئته واختياره، فله السلطان الكامل، {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} وهو حكيم فيما يفعل ويختار، عليم بما يستحقه كل من الفريقين. وفي قوله تعالى {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} فسحةٌ كبيرة وبشرى عظيمة بسعةِ حلمه ورحمته، انه غفور رحيم. {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. ومثلُ ذلك الذي ذُكر من استمتاع اولياء الانس والجن بعضهم ببعض، نولي بعض الظالمين بعضاً بسبب ما كانوا يكسِبون من الكبائر والجرائم. روى ابو الشيخ عن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الاعمش عن قوله تعالى {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً} قال: معناه كما سمعتُ من اشياخي: "اذا فسد الناس أُمِّرَ عليهم شِرارهم. وذلك ان الحكّام يتصرفون في الأمم الجاهلة الضالّة تَصَرُّفَ رعاة السوءِ في الأنعام السائمة". ولذلك تفرَّد الاسلام بوضع هذا الدستورالعظيم، جعل أمر الأُمة بين أهل الحلّ والعقد، وأمَر الرسولَ بالمشاروة، لئلا يتفرّد بالحكم طاغية يتحلل من الرقابة. وانما يولّي الله الناسَ بأعمالهم، فالمؤمن وليُّ المؤمن من اين كان وحيثما كان، والكافر وليُّ الكافر من اين كان وحيثما كان. وهذا ما نشاهده الآن من تجمُّع اولياء الشياطين من الكفار من صليبيّين وصهيونيين وغيرهم. وكلهم في صفِّ واحد ضد الاسلام والمسلمين، وهم يدعمون اليهود ويساعدونهم بكل ما لديهم من قوة وسلاح كما تفعل امريكا في الوقت الحاضر، وبريطانيا قبلها، ليحاربوا المسلمين ويسلبوا وطنهم ومالهم. إنه تجمُّع يتجلّى فيه قولُه سبحانه: {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. والله سبحانه وتعالى غالبٌ على أمره، وقد بشّرنا بقوله: {إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ}. ونحن نأمل في أن تتجمَّع قوى المسلمين على قلب واحد، لهدف واحد هو تخليص أرضنا المقدسة، فلسطين، من براثن الأعداء. قراءات: قرأ حفصل عن عاصم، وروح عن يعقوب: "يحشرهم" بالياء، كما هو في مصحفنا. وقرأ الباقون "نحشرهم" بالنون.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَامَعْشَرَ} {مَثْوَاكُمْ} {خَالِدِينَ} (128) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ، فِيمَا تَقُصُّهُ عَلَى هَؤُلاَءِ، وَتُنْذِرُهُمْ بِهِ، مَا يَجْرِي يَوْمَ القِيَامَةِ، يَوْمَ يَحْشُرُ اللهُ الجِنَّ وَأَوْلِيَاءَهُمْ مِنَ الإِنْسِ الذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ فِي الدُّنيا، وَيَعُوذُونَ بِهِمْ، إِذْ يَقُولُ تَعَالَى لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ إِغْوَاءِ الإِنْسِ وَإِضْلاَلِهِمْ، فَأَوْرَدْتُمُوهُمُ النَّارَ. وَقَالَ أَوْلِيَاءُ الجِنِّ مِنَ الإِنْسِ يُجِيبُونَ اللهَ تَعَالَى: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، بِمَا كَانَ لِلْجِنِّ مِنَ اللذَّةِ فِي إِغْوَائِنا بِالأَبَاطِيلِ، وَأَهْوَاءِ الأَنْفُسِ وَشَهَوَاتِهَا، وَبِمَا كَانَ لَنَا فِي طَاعَتِهِمْ وَوَسْوَسَتِهِمْ مِنَ المُتْعَةِ، وَاتِّبَاعِ الهَوَى، وَالانْغَمَاسِ فِي اللَّذَّاتِ، وَبَلَغْنَا، بَعْدَ اسْتِمْتَاعِ بَعْضِنَا بِبَعْضٍ، إِلى الأَجَلِ الذِي قَدَّرْتَهُ لَنَا وَهُوَ المَوْتُ (أَوْ هُوَ يَوْمُ البَعْثِ وَالنُّشُورِ). فَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: النَّارُ مُثْوَاكُمْ وَمَنْزِلُكُمْ، أَنْتُمْ وَأَوْلِيَاؤُكُمْ، مَاكِثينَ فِيهَا سَرْمَداً، إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يُنْقِذَهُ، وَاللهُ حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَحُكْمِهِ، عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُ النَّاسُ. اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ - أَكْثَرْتُمْ مِنْ دَعْوَتِهِمْ إِلى الضَّلاَلَةِ وَإِغْوَائِهِمْ. مَثْواكُمْ - مَأْوَاكُمْ وَمُسْتَقَرُّكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة تسمع "يوم" اعرف أنها "ظرف زمان"، أي أن هناك حدثاً، وقوله الحق: "ويوم يحشرهم جميعاً" أي اليوم الذي يقف فيه الجميع ويحشدون، وحين ننظر إلى ما بعدها نجد أن الحدث لم يأت، ولكن جاء "يا معشر الجن" وهذا "نداء". فكأن الحدث هو النداء نفسه، والنداء يقتضي مناديًّا، وهو الحق سبحانه، ومنادى وهو معشر الجن والإِنس، وقولاً يبرز صورة النداء. فكأن العبارة هي: يوم يحشرهم جميعاً فيقول يا معشر الجن والإِنس، و"الحشر" هو الجمع، و"المعشر" هم الجماعة المختلطة اختلاط تعايش، بمعنى أن يكون فيهم كل عناصر ومقومات الحياة، وقد يضاف المعشر إلى أهل حرفة بخصوصها؛ يا معشر التجار، يا معشر العلماء، يا معشر الوزراء. لكن إن قلت: يا معشر المصريين فهي جماعة مختلطة اختلاط تعايش ومعاشرة. {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ[الأنعام: 128] و"استكثر" أي أخذ منه كثيراً، كمن استكثر من جمع المال، أو استكثر من الأصدقاء؛ فمادة "استكثر" تدل على أنه أخذ كثرة. وماذا يعني استكثارهم من الإنس؟. نحن نعلم أن من الجن طائعين، ومنهم عاصون، والأصل في العصيان في الجن "إبليس" الذي أقسم: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] فكأن الحق يوضح: أنكم معشر الجن قد حاولتم جاهدين أن تأخذوا الإنس إلى جانبكم واستكثرتم بهم، فبعد أن كان العاصون فقط من شياطين الجن وجد عصاة من الإنس أيضاً، واستكثرتم منهم، بأن ظننتم ان لكم غلبة وكثرة وعزاً، لأنهم إذا أطاعوكم في الوسوسة أصبحت لكم السيادة، وذلك ما كان يحدث، فكان الإنسان إذا ما نزل وادياً مثلاً قال: أعوذ بسيد هذا الوادي- من الجن- ويطلب أن يحفظه ويحفظ متاعه، وحينما يوسوس له شيء يسارع إلى تنفيذه، وهذا استكثار. {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام: 128] وكذلك لم يستمتع الجن والإنس فقط، بل استمتع أيضاً بالجن، وهكذا نجد تبادل استمتاع من خلف منهج الله، لهؤلاء إغواءٍ وسيادة، يأمرونهم بعمل الأشياء المخالفة لمنهج الله، وهؤلاء يستمتعون بهم يحققون لهم شهواتهم في صور تدين، فيقولون لهم: اعبدوا الأصنام، واعبدوا الشمس، واعبدوا القمر، فيفعلون. وذلك يرضي فيهم غريزة الانقياد التديني؛ لأن كل نفس مفطورة على أن ترتبط بقوة أعلى منها؛ لأن الإنسان إذا نظر لنفسه وإلى أقرنائه وجدهم أبناء أغيار؛ الواحد منهم يكون اليوم صحيحاً وغداً مريضاً، ويكون اليوم غنياً وغداً فقيراً، فمال الذي يضمن للنفس البشرية حماية من هذه الأغيار؟. إن الإنسان يحبّ أن يلجأ ويرتبط بقَويّ؛ حتى إذا جاءت هذه الأغيار كانت سنداً له. إلا أن هناك من يصعدهُا في التدين وهؤلاء هم الذين يركنون إلى الإيمانية لله ويعتمدون عليه سبحانه ويقبلون على الإيمان بالله بمطلوبات هذا الإيمان في "افعل" و"ولا تفعل". لكن الأشياء التي يعبدونها من دون الله ليس لها مطلوبات أو تكاليف إلا أن تكون موافقة لأهواء النفس، وهذا الإِكذاب للنفس أي حمل النفس على الكذب لا يدوم طويلاً؛ لأن الإنسان لا يغش نفسه؛ فالإيمان يحمي النفس إذا جاء أمر فوق أسبابك، وليس هناك من يقول: يا شمس أو يا قمر، يا شيطان أو يا صخر! لا يمكن؛ لأنك لن تكذب على نفسك أبداً. ومثال ذلك قول الحق: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ..} تفسير : [يونس: 12] وهنا يقول الحق عن الإنس: {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا..} [الأنعام: 128] أي أن هذا الاستمتاع أمداً، هو أمد الأجل أي ساعة تنقضي وتنتهي الحياة، ثم يبدأ الحساب فيسمعون قول الحق: {.. قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} [الأنعام: 128] و"الثواء" هو الإقامة، و"مثواكم" أي إقامتكم، "إلا ما شاء الله" وهذا الاستثناء كان محل نقاش بين العلماء، دار فيه كلام طويل؛ فهناك من قال: إن الحق سبحانه وتعالى قال: "إلا ما شاء الله" أي أن له طلاقة القدرة والمشيئة؛ فيفعل ما يريد لكنه حسم الأمر وحدد هو "ما شاء" فقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ..} تفسير : [النساء: 48] وهنا حدد "ما شاء"، أي أن ما شاء يكون في غير الشرك به فإن الشرك لا يكون محل غفران منه سبحانه. أو يجوز "إلا ما شاء الله" أن بعضاً يفهم أنه بمجرد البعث والحشر ستكون النار مثواهم، ولكن المثوى في النار لن يكون إلا بعد الحساب، وهذا استثناء من الزمن الخلودي، فلن يحدث دخول للجنة أو للنار إلا بعد الحساب. فزمن الحساب والحشر مستثنى وخارج عن زمن الخلود في الجنة أو النار. ونحن نجد أيضاً {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} في سورة هود حيث يقول الحق: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} تفسير : [هود: 106-108] إذن فهناك الاستثناء في النار والاستثناء في الجنة، فقول الحق: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} فمجيء الاستثناء بعد الوصف بالخلود، يدل على أن الخلود ينقطع مع أنه قد ثبت خلود أهل الجنة في الجنة وخلود أهل النار في النار للأبد من غير استثناء فكيف ذلك؟ والرد على هذا أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار، وحده بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار بما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم ولعنهم وطردهم وإهانته إياهم. وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما أكبر منها واجل موقعا، وهو رضوان الله كما قال: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} فلهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو، فهذا هو المراد بالاستثناء، والدليل عليه قوله: "عطاء غير مجذوذ" ومعنى قوله في مقابلته {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} أن ربك يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطي اهل الجنة الذي لا انقطاع له. ويذيل الحق الآية بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ}. حكيم في أن يعذب، عليم بمن يستحق أن يعذّب، ومقدار عذابه، وعليم بمن يستحق ان يثاب وينعم، وبمقدار ثوابه ونعيمه، وحكيم في أن يرحم. ويقول الحق بعد ذلك: {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ..}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر سبحانه أن البشر فريقان: مهتد وضال، وذكر أن منهم من شرح الله صدره وأنار قلبه فآمن واهتدى، ومنهم من اتبع الهوى وسار بقيادة الشيطان فضلّ وغوى، ذكر هنا أنه سيحشر الخلائق جميعاً يوم القيامة للحساب، لينال كلٌّ جزاءه العادل على ما قدّم في هذه الحياة. اللغَة: {مَثْوَاكُمْ} مأواكم يقال ثوى بالمكان إِذا أقام فيه {يَقُصُّونَ} يحكون يقال قصَّ الخبر يقصُّه قصاً أي حكاه {ذَرَأَ} خلق {ٱلْحَرْثِ} الزرع {لِيُرْدُوهُمْ} الإِرداء: الإِهلاك يقال أرداهُ يرديه أي أهلكه {حِجْرٌ} الحِجر: الحرام وأصله المنع يقال حجره أي منعه والحِجْر: العقل سمي به لأنه يمنع عن القبائح قال تعالى {أية : هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} تفسير : [الفجر: 5] {سَفَهاً} حماقة وجهالة والسَّفه: خفة العقل. التفسِير: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} أي اذكر يوم يجمع الله الثقلَين: الإِنس والجن جميعاً للحساب قائلاً {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ} أي استكثرتم من إِضلالهم وإِغوائهم قال ابن عباس: أضللتم منهم كثيراً، وهذا بطريق التوبيخ والتقريع {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} أي وقال الذين أطاعوهم من الإِنس ربنا انتفع بعضنا ببعض قال البيضاوي: انتفع الإِنس والجن بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إِليها، وانتفع الجنُّ بالإِنس بأن أطاعوهم وحصّلوا مرادهم {وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا} أي وصلنا إِلى الموت والقبر ووافينا الحساب، وهذا منهم اعتذارٌ واعترافٌ بما كان منهم من طاعة الشياطين واتباع الهوى وتحسر على حالهم {قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ} أي قال تعالى رداً عليهم النارُ موضع مقامكم وهي منزلكم {خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أي ماكثين في النار في حال خلودٍ دائم إِلا الزمان الذي شاء الله أن لا يخلدوا فيها قال الطبري: هي المدة التي بين حشرهم إلى دخولهم النار وقال الزمخشري: يُخلدون في عذاب النار الأبد كلَّه إلا ما شاء الله أي إلا الأوقات التي يُنقلون فيها من عذاب النار إِلى عذاب الزمهرير فقد رُوي أنهم يدخلون وادياً من الزمهرير فيتعَاوَوْن ويطلبون الرد إِلى الجحيم {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} أي حكيم في أفعاله عليم بأعمال عباده {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي كما متعنا الإِنس والجن بعضهم ببعض نسلّط بعض الظالمين على بعض بسبب كسبهم للمعاصي والذنوب قال القرطبي: وهذا تهديد للظالم إِن لم يمتنع من ظلمه سلّط الله عليه ظالماً آخر قال ابن عباس: إِذا رضي الله عن قوم ولّى أمرهم خيارهم، وإِذا سخط الله على قوم ولّى أمرهم شرارهم وعن مالك بن دينار قال: قرأتُ في بعض كتب الحكمة إِن الله تعالى يقول: "حديث : إِني أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشْغلوا أنفسكم بسبّ الملوك ولكن توبوا إِليَّ أعطّفْهم عليكم" تفسير : {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} هذا النداء أيضاً يوم القيامة والاستفهام للتوبيخ والتقريع أي ألم تأتكم الرسل يتْلون عليكم آيات ربكم؟ {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} أي يخوفونكم عذاب هذا اليوم الشديد؟ {قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا} أي لم يجدوا إِلا الإِعتراف فقالوا: بلى شهدنا على أنفسنا بأن رسلك قد أتتنا وأنذرتنا لقاء يومنا هذا قال ابن عطية: وهذا إِقرارٌ منهم بالكفر واعتراف على أنفسهم بالتقصير كقولهم {أية : قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا} تفسير : [الملك: 9] {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي خدعتهم الدنيا بنعيمها وَبَهْرجِها الكاذب {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} أي اعترفوا بكفرهم قال البيضاوي: وهذا ذمٌ لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم، فإِنهم اغتروا بالحياة الدنيا ولذاتها الفانية، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا بالشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلّد تحذيراً للسامعين من مثل حالهم {ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} أي إِنما فعلنا هذا بهم من إِرسال الرسل إِليهم لإِنذارهم سوء العاقبة لأن ربك عادل لم يكن ليهلك قوماً حتى يبعث إِليهم رسولاً قال الطبري: أي إِنما أرسلنا الرسل يا محمد يقصون عليهم آياتي وينذرونهم لقاء معادهم من أجل أن ربك لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعِبر {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} أي ولكل عاملٍ بطاعة الله أو معصيته، منازل ومراتب من عمله يلقاها في آخرته إِن كان خيراً فخير، وإِن كان شراً فشر، قال ابن الجوزي: وإِنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط كتفاضل الدرج {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} أي ليس الله بلاهٍ أو ساهٍ عن أعمال عباده، وفي ذلك تهديد ووعيد {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ}. أي هو جل وعلا المستغني عن الخلق وعبادتهم، لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} أي ذو التفضل التام قال ابن عباس: ذو الرحمة بأوليائه وأهل طاعته، وقال غيره: بجميع الخلق ومن رحمته تأخير الانتقام من المخالفين قال أبو السعود: وفيه تنبيهٌ على أنَّ ما سلف ذكره من الإِرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي لو شاء لأهلككم أيها العصاة بعذاب الاستئصال {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ} أي وأتى بخلقٍ آخر أمثلَ منكم وأطوع {كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} أي كما خلقكم وابتدأكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم قال أبو حيان: وتضمنت الآية التحذير من بطش الله في التعجيل بالإِهلاك {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ} أي ما توعدونه من مجيء الساعة والحشر لواقعٌ لا محالة {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي لا تخرجون عن قدرتنا وعقابنا وإِن ركبتم في الهرب متن كل صعبٍ وذَلول {قُلْ يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} أي قل لهم يا محمد يا قوم اثبتوا على كفركم ومعاداتكم لي واعملوا ما أنتم عاملون، والأمر هنا للتهديد كقوله {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت:40] {إِنَّي عَامِلٌ} أي عاملٌ ما أمرني به ربي من الثبات على دينه {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} أي فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة في الدار الآخرة أنحن أم أنتم؟ {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} أي لا ينجح ولا يفوز بمطلوبه من كان ظالماً قال الزمخشري: في الآية طريقٌ من الإِنذار لطيف المسلك، فيه إِنصاف في المقال وأدبٌ حسن، مع تضمن شدة الوعيد، والوثوق بأن المُنْذر محِقٌ، والمْنذَر مبطل {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً} أي جعل مشركو قريش لله ممّا خلق من الزرع والأنعام نصيباً ينفقونه على الفقراء ولشركائهم نصيباً يصرفونه إِلى سدنتها قال ابن كثير: هذا ذمٌ وتوبيخٌ من الله للمشركين الذين ابتدعوا بدعاً وكفراً وشركاً، وجعلوا لله شركاء وهو خالق كل شيء سبحانه {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} أي خلق وبرأ من الزرع والثمار والأنعام جزءاً وقسماً {فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ} أي قالوا: هذا نصيب الله بزعمهم أي بدعواهم وقولهم من غير دليل ولا شرع قال في التسهيل: وأكثرُ ما يقال الزعم في الكذب {وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا} أي وهذا النصيب لآلهتنا وأصنامنا قال ابن عباس: إِنَّ أعداء الله كانوا إِذا حرثوا حرثاً أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منه جزءاً وللوثن جزءاً، فما كان من حرثٍ أو ثمرةٍ أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإِن سقط منه شيء فيما سُمي لله ردّوه إِلى ما جعلوه للوثن وقالوا إِن الله غنيٌّ والأصنام أحوج ولهذا قال: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ} أي ما كان للأصنام فلا يصل إِلى الله منه شيء {وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ} وما كان من نصيب الله فهو يصل إِلى أصنامهم قال مجاهد: كانوا يسمُّون جزءاً من الحرث لله وجزءاً لشركائهم وأوثانهم فما ذهبت به الريح من نصيب الله إلى أوثانهم تركوه وما ذهب من نصيب أوثانهم إِلى نصيب الله ردوه، وكانوا إِذا أصابتهم سَنَةٌ "قحط" أَكلوا نصيب الله وتحاموا نصيب شركائهم {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي بئس هذا الحكم الجائر حكمهم {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} أي مثل ذلك التزيين في قسمة القربان بين الله وبين آلهتهم زيَّن شياطينُهم لهم قتل أولادهم بالوأد أو بنحرهم لآلهتهم قال الزمخشري: كان الرجل في الجاهلية يحلف لئن ولد له كذا غلاماً لينحرنَّ أَحدهم كما حلف عبد المطلب {لِيُرْدُوهُمْ} أي ليهلكوهم بالإِغواء {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} أي وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إِسماعيل عليه السلام {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} أي لو شاء الله ما فعلوا ذلك القبيح {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} أي دعْهم وما يختلقونه من الإِفك على الله، وهو تهديد ووعيد {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} هذه حكاية عن بعض قبائحهم وجرائمهم أيضاً أي قال المشركون هذه أنعام وزروع أفردناها لآلهتنا حرام ممنوعة على غيرهم {لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ} أي من خَدمة الأوثان وغيرهم {بِزَعْمِهِمْ} أي بزعمهم الباطل من غير حجة ولا برهان {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} أي لا تركب كالبحائر والسوائب والحوامي {وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} أي عند الذبح وإِنما يذكرون عليها أسماء الأصنام {ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ} أَي كذباً واختلاقاً على الله {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي سيجزيهم على ذلك الافتراء، وهو تهديد شديد ووعيد {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا} هذا إِشارة إِلى نوع آخر من أنواع قبائحهم أي قالوا ما في بطون هذه البحائر والسوائب حلال لذكورنا خاصة {وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا} أي لا تأكل منه الإِناث {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ} أي وإِن كان هذا المولود منها ميتةً اشترك فيه الذكور والإِناث {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي سيجزيهم جزاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم {إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ} أي حكيمٌ في صنعه عليمٌ بخلقه {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلاَدَهُمْ} أي والله لقد خسر هؤلاء السفهاء الذين قتلوا أولادهم قال الزمخشري: نزلت في ربيعة ومضر والعرب الذين كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر {سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي جهالة وسفاهة لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله هو الرازق لهم ولأولادهم {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} أي حرموا على أنفسهم البحيرة والسائبة وشبهها {ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ} أي كذباً واختلاقاً على الله {قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} أي لقد ضلوا عن الطريق المستقيم بصنيعهم القبيح وما كانوا من الأصل مهتدين لسوء سيرتهم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إِذا سرَّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}. البَلاَغَة: 1- {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ} أي أفرطتم في إِضلال وإِغواء الإِنس، ففيه إِيجاز بالحذف ومثله {ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} أي استمتع بعض الإِنس ببعض الجن، وبعضُ الجن ببعض الإِنس. 2- {ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ} تعريف الطرفين لإِفادة الحصر. 3- {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ} الاستفهام للتوبيخ والتقريع. 4- {وَلِكُلٍّ} أي لكل من العاملين فالتنوين عوضٌ عن محذوف. 5- {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ} صيغة الاستقبال {تُوعَدُونَ} للدلالة على الاستمرار التجددى، ودخولُ إِنَّ واللام على الجملة للتأكيد لأن المخاطبين منكرون للبعث فلذا أُكّد الخبر بمؤكدين. 6- {مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ} إِظهار الاسم الجليل في موضع الإِضمار لإِظهار كمال عتوهم وضلالهم أفاده أبو السعود. الفوَائِد: الأولى: قال السيوطي في الإِكليل: قوله تعالى {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً} الآية في معنى حديث "حديث : كما تكونون يولَّى عليكم" تفسير : وقال الفضيل بن عياض: إِذا رأيتَ ظالماً ينتقم من ظالم فقف وانظر متعجباً. الثانية: الجمهور على أن الرسل من الإِنس ولم يكن من الجن رسول وقوله تعالى {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} هو من باب التغليب كقوله {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22] وإِنما يخرجان من البحر المالح دون العذب. الثالثة: ذكر القرطبي في تفسيره حديث : أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال مغتماً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول: مالك تكون محزوناً؟ فقال يا رسول الله: إِني أذنبتُ في الجاهلية ذنباً فأخاف ألاّ يغفره الله لي وإِن أسلمت! فقال له: أخبرني عن ذنبك؟ فقال يا رسول الله: إني كنتُ من الذين يقتلون بناتهم فوُلدت لي بنتٌ فتشفّعتْ إليَّ امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت وصارت من أجمل النساء فخطبوها فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب لزيارة أقربائي فابعثيها معي فَسُرَّت بذلك وزينتها بالحليّ والثياب، وأخذت عليَّ المواثيق بألا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرتُ في البئر ففطنت الجارية بأني أريد أن ألقيها في البئر فالتزمتني وجعلت تبكي فرحمتها، ثم نظرتُ في البئر فدخلت عليَّ الحمية حتى غلبني الشيطان فألقيتها في البئر منكوسة ومكثتُ هناك حتى انقطع صوتها فرجعتُ فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال: لو أُمرتُ أن أعاقب أحداً بما فعل في الجاهلية لعاقبتُك .
الجيلاني
تفسير : {وَ} أذكر يا أكمل الرسل {يَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} أي: جميع ما يتأتى منه الأطاعة ويتوجه إليه التكليف من الثقلين قابلين عليهم منادين لهم: {يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ} أي: الشياطين {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ} أي: استتبعتم بأن أضللتم وأغويتم كثيراً {مِّنَ ٱلإِنْسِ} بإيقاعهم إلى المعاصي والمهالك والخروج عن مقتضى أوامرنا نواهينا، وإغرائهم إلى مستلذات نفوسهم ومتقضيات شهواتهم {وَ} بعدما سمع الإنس هذا النداء {قَالَ أَوْلِيَآؤُهُم} أي: أولياء الجن ومتابعهم {مِّنَ ٱلإِنْسِ} متذللين متحسرين: {رَبَّنَا} يا من ربانا بأنواع اللطف والكرم فكفرناك بمتابعة هؤلاء الغواة فإن ظهر الحق واضمحل الباطل نحن نقر بما جرى بيننا وبينهم {ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} منهم بإغوائهم وإغرائهم إلى خلاف ما أمرتنا عليه بألسنة رسلك، وبعضهم استمتع ببعضنا بالموالاة والمتابعة {وَبَلَغْنَآ} الآن {أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا} على ألسنة رسلك فالآن جئناك خائبين خاسرين {قَالَ} سبحانه من وراء سرادقات العز والجلال: الآن انقرض دار الابتلاء ومضى زمان الاهتداء {ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ} جميعاً؛ أي: تابعيكم ومتبوعيكم مؤبداً {خَٰلِدِينَ فِيهَآ} أبداً {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} وقتاً ينقذهم منها؛ لئلا يتعودوا بعذابها {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} متقن في أفعاله {عَليمٌ} [الأنعام: 128] بمقدار جزاء العصاة. {وَكَذٰلِكَ} أي: مثل قول أولياء الإنس والجن {نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ} من الإنس {بَعْضاً} منه ليفتضحوا {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129] من المظاهر بتغرير بعضهم بعضاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا } أي: جميع الثقلين، من الإنس والجن، من ضل منهم، ومن أضل غيره، فيقول موبخا للجن الذين أضلوا الإنس، وزينوا لهم الشر، وأزُّوهم إلى المعاصي: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ } أي: من إضلالهم، وصدهم عن سبيل الله، فكيف أقدمتم على محارمي، وتجرأتم على معاندة رسلي؟ وقمتم محاربين لله، ساعين في صد عباد الله عن سبيله إلى سبيل الجحيم؟ فاليوم حقت عليكم لعنتي، ووجبت لكم نقمتي وسنزيدكم من العذاب بحسب كفركم، وإضلالكم لغيركم. وليس لكم عذر به تعتذرون، ولا ملجأ إليه تلجأون، ولا شافع يشفع ولا دعاء يسمع، فلا تسأل حينئذ عما يحل بهم من النكال، والخزي والوبال، ولهذا لم يذكر الله لهم اعتذارا، وأما أولياؤهم من الإنس، فأبدوا عذرا غير مقبول فقالوا: { رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } أي: تمتع كل من الجِنّي والإنسي بصاحبه، وانتفع به. فالجنّي يستمتع بطاعة الإنسي له وعبادته، وتعظيمه، واستعاذته به. والإنسي يستمتع بنيل أغراضه، وبلوغه بسبب خدمة الجِنّي له بعض شهواته، فإن الإنسي يعبد الجِنّي، فيخدمه الجِنّي، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية،أي: حصل منا من الذنوب ما حصل، ولا يمكن رد ذلك، { وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا } أي: وقد وصلنا المحل الذي نجازي فيه بالأعمال، فافعل بنا الآن ما تشاء، واحكم فينا بما تريد، فقد انقطعت حجتنا ولم يبق لنا عذر، والأمر أمرك، والحكم حكمك. وكأن في هذا الكلام منهم نوع تضرع وترقق، ولكن في غير أوانه. ولهذا حكم فيهم بحكمه العادل، الذي لا جور فيه، فقال: { النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا } . ولما كان هذا الحكم من مقتضى حكمته وعلمه، ختم الآية بقوله: { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } فكما أن علمه وسع الأشياء كلها وعمّها، فحكمته الغائية شملت الأشياء وعمتها ووسعتها. { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } أي: وكما ولَّيْنَا الجن المردة وسلطناهم على إضلال أوليائهم من الإنس وعقدنا بينهم عقد الموالاة والموافقة، بسبب كسبهم وسعيهم بذلك. كذلك من سنتنا أن نولي كل ظالم ظالما مثله، يؤزه إلى الشر ويحثه عليه، ويزهده في الخير وينفره عنه، وذلك من عقوبات الله العظيمة الشنيع أثرها، البليغ خطرها. والذنب ذنب الظالم، فهو الذي أدخل الضرر على نفسه، وعلى نفسه جنى {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ } تفسير : ومن ذلك، أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم،ومنْعهم الحقوق الواجبة، ولَّى عليهم ظلمة، يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعاف ما منعوا من حقوق الله، وحقوق عباده، على وجه غير مأجورين فيه ولا محتسبين. كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا، أصلح الله رعاتهم، وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف. ثم وبخ الله جميع من أعرض عن الحق ورده، من الجن والإنس، وبين خطأهم، فاعترفوا بذلك، فقال: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي } الواضحات البينات، التي فيها تفاصيل الأمر والنهي، والخير والشر، والوعد والوعيد. { وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } ويعلمونكم أن النجاة فيه، والفوز إنما هو بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وأن الشقاء والخسران في تضييع ذلك، فأقروا بذلك واعترفوا، فـ { قالوا } بلى { شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } بزينتها وزخرفها، ونعيمها فاطمأنوا بها ورضوا، وألهتهم عن الآخرة، { وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ } فقامت عليهم حجة الله، وعلم حينئذ كل أحد، حتى هم بأنفسهم عدل الله فيهم، فقال لهم: حاكما عليهم بالعذاب الأليم: { ادْخُلُوا فِي } جملة { أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ } صنعوا كصنيعكم، واستمتعوا بخلاقهم كما استمعتم، وخاضوا بالباطل كما خضتم،إنهم كانوا خاسرين، أي: الأولون من هؤلاء والآخرون، وأي خسران أعظم من خسران جنات النعيم، وحرمان جوار أكرم الأكرمين؟! ولكنهم وإن اشتركوا في الخسران، فإنهم يتفاوتون في مقداره تفاوتا عظيما. { وَلِكُلٍّ } منهم { دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا } بحسب أعمالهم، لا يجعل قليل الشر منهم ككثيره، ولا التابع كالمتبوع، ولا المرءوس كالرئيس، كما أن أهل الثواب والجنة وإن اشتركوا في الربح والفلاح ودخول الجنة، فإن بينهم من الفرق ما لا يعلمه إلا الله، مع أنهم كلهم، قد رضوا بما آتاهم مولاهم، وقنعوا بما حباهم. فنسأله تعالى أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى، التي أعدها الله للمقربين من عباده، والمصطفين من خلقه، وأهل الصفوة من أهل وداده. { وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } فيجازي كلا بحسب علمه، وبما يعلمه من مقصده، وإنما أمر الله العباد بالأعمال الصالحة، ونهاهم عن الأعمال السيئة، رحمة بهم، وقصدا لمصالحهم. وإلا فهو الغني بذاته، عن جميع مخلوقاته، فلا تنفعه طاعة الطائعين، كما لا تضره معصية العاصين. { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } بالإهلاك { وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } فإذا عرفتم بأنكم لا بد أن تنتقلوا من هذه الدار، كما انتقل غيركم، وترحلون منها وتخلونها لمن بعدكم، كما رحل عنها من قبلكم وخلوها لكم، فلم اتخذتموها قرارا؟ وتوطنتم بها ونسيتم، أنها دار ممر لا دار مقر. وأن أمامكم دارًا، هي الدار التي جمعت كل نعيم وسلمت من كل آفة ونقص؟ وهي الدار التي يسعى إليها الأولون والآخرون، ويرتحل نحوها السابقون واللاحقون، التي إذا وصلوها، فثَمَّ الخلود الدائم، والإقامة اللازمة، والغاية التي لا غاية وراءها، والمطلوب الذي ينتهي إليه كل مطلوب، والمرغوب الذي يضمحل دونه كل مرغوب، هنالك والله، ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، ويتنافس فيه المتنافسون، من لذة الأرواح، وكثرة الأفراح، ونعيم الأبدان والقلوب، والقرب من علام الغيوب، فلله همة تعلقت بتلك الكرامات، وإرادة سمت إلى أعلى الدرجات" وما أبخس حظ من رضي بالدون، وأدنى همة من اختار صفقة المغبون" ولا يستبعد المعرض الغافل، سرعة الوصول إلى هذه الدار.فـ { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } لله، فارين من عقابه، فإن نواصيكم تحت قبضته، وأنتم تحت تدبيره وتصرفه. { قُلْ } يا أيها الرسول لقومك إذا دعوتهم إلى الله، وبينت لهم ما لهم وما عليهم من حقوقه، فامتنعوا من الانقياد لأمره، واتبعوا أهواءهم، واستمروا على شركهم: { يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } أي: على حالتكم التي أنتم عليها، ورضيتموها لأنفسكم. { إِنِّي عَامِلٌ } على أمر الله، ومتبع لمراضي الله. { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } أنا أو أنتم، وهذا من الإنصاف بموضع عظيم، حيث بيَّن الأعمال وعامليها، وجعل الجزاء مقرونا بنظر البصير، ضاربا فيه صفحا عن التصريح الذي يغني عنه التلويح. وقد علم أن العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة للمتقين، وأن المؤمنين لهم عقبى الدار، وأن كل معرض عما جاءت به الرسل، عاقبته سوء وشر، ولهذا قال: { إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } فكل ظالم، وإن تمتع في الدنيا بما تمتع به،فنهايته [فيه] الاضمحلال والتلف "إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته".
همام الصنعاني
تفسير : 854- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة في قوله تعالى: {يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ}: [الآية: 128]، قال: قد أضللتم كثيراً من الجن والإِنس.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):