٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
129
Tafseer
الرازي
تفسير : المسألة الأولى: في الآية فوائد: الفائدة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن الجن والإنس أن بعضهم يتولى بعضاً بين أن ذلك إنما يحصل بتقديره وقضائه، فقال: {وَكَذٰلِكَ نُوَلّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً } والدليل على أن الأمر كذلك أن القدرة صالحة للطرفين أعني العداوة والصداقة، فلولا حصول الداعية إلى الصداقة لما حصلت الصداقة، وتلك الداعية لا تحصل إلا بخلق الله تعالى قطعاً للتسلسل. فثبت بهذا البرهان أنه تعالى هو الذي يولي بعض الظالمين بعضاً. وبهذا التقرير تصير هذه الآية دليلاً لنا في مسألة الجبر والقدر. الفائدة الثانية: أنه تعالى لما بين في أهل الجنة أن لهم دار السلام، بين أنه تعالى وليهم بمعنى الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة، فكذلك لما بين حال أهل النار ذكر أن مقرهم ومثواهم النار، ثم بين أن أولياءهم من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وهذه مناسبة حسنة لطيفة. الفائدة الثالثة: كاف التشبيه في قوله: {وَكَذٰلِكَ نُوَلّى } تقتضي شيئا تقدم ذكره، والتقدير: كأنه قال كما أنزلت بالجن والإنس الذين تقدم ذكرهم العذاب الأليم الدائم الذي لا مخلص منه {كَذٰلِكَ نُوَلّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً }. الفائدة الرابعة: {وَكَذٰلِكَ نُوَلّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً } لأن الجنسية علة الضم، فالأرواح الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها في الخبث، وكذا القول في الأرواح الطاهرة، فكل أحد يهتم بشأن من يشاكله في النصرة والمعونة والتقوية. والله أعلم. المسألة الثانية: الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين، فالله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم وأيضاً الآية تدل على أنه لا بد في الخلق من أمير وحاكم، لأنه تعالى إذا كان لا يخلي أهل الظلم من أمير ظالم، فبأن لا يخلي أهل الصلاح من أمير يحملهم على زيادة الصلاح كان أولى. قال علي رضي الله عنه: لا يصلح للناس إلا أمير عادل أو جائر، فأنكروا قوله: أو جائر فقال: نعم يؤمن السبيل، ويمكن من إقامة الصلوات، وحج البيت. وروي أن أبا ذر سأل الرسول صلى الله عليه وسلم الإمارة، فقال له: «حديث : إنك ضعيف وإنها أمانة وهي في القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» تفسير : وعن مالك بن دينار: جاء في بعض كتب الله تعالى ـ أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك ونواصيها بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة لا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك لكن توبوا إلى أعطفهم عليكم ـ. أما قوله {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } فالمعنى نولي بعض الظالمين بعضاً بسبب كون ذلك البعض مكتسباً للظلم، والمراد منه ما بينا أن الجنسية علة للضم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً} المعنى وكما فعلنا بهؤلاء مما وصفته لكم من ٱستمتاع بعضِهم ببعض أجعل بعض الظالمين أولياء بعض، ثم يتبرأ بعضهم من بعض غداً. ومعنى «نُوَلِّي» على هذا نجعل ولِيًّا. قال ابن زيد: نسلّط ظلمة الجِنّ على ظلمة الإنس. وعنه أيضاً: نسلّط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذِلّه. وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلّط الله عليه ظالماً آخر. ويدخل في الآية جميعُ مَن يظلم نفسه أو يظلم الرعية، أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم. وقال فُضيل بن عِياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقِف، وٱنظر فيه متعجِّباً. وقال ٱبن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولَّى أمرهم خيارَهم، وإذا سخِط الله على قوم ولّى أمرهم شرارهم. وفي الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أعان ظالماً سلّطه الله عليه»تفسير : . وقيل: المعنى نَكِل بعضهم إلى بعض فيما يختارونه من الكفر، كما نَكِلهم غداً إلى رؤسائهم الذين لا يقدرون على تخليصهم من العذاب. أي كما نفعل بهم ذلك في الآخرة كذلك نفعل بهم في الدنيا. وقد قيل في قوله تعالى: {أية : نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ}تفسير : [النساء: 115]: نَكله إلى ما وَكَل إليه نفسه. قال ابن عباس: تفسيرها هو أن الله إذا أراد بقوم شرًّا وَلَّى أمرَهم شرارَهم. يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}تفسير : [الشورى: 30].
ابن كثير
تفسير : قال سعيد عن قتادة في تفسيرها: إنما يولي الله الناس بأعمالهم، فالمؤمن وليُّ المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر وليُّ الكافر أينما كان وحيثما كان، وليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، واختاره ابن جرير، وقال معمر عن قتادة في تفسير الآية: يولي الله بعض الظالمين بعضاً في النار، يتبع بعضهم بعضاً. وقال مالك بن دينار: قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعاً، وذلك في كتاب الله قول الله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً} وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً} قال: ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } تفسير : [الزخرف: 36] قال: ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد، من طريق سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن ذر، عن ابن مسعود، مرفوعاً: «حديث : من أعان ظالماً، سلطه الله عليه» تفسير : وهذا حديث غريب، وقال بعض الشعراء:شعر : وما مِنْ يَدٍ إِلاَّ يدُ اللّهِ فَوْقَها ولا ظالِمٍ إلا سَيُبْلى بظالِمِ تفسير : ومعنى الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين، نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض؛ جزاء على ظلمهم وبغيهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ } كما متعنا عصاة الإِنس والجنّ بعضهم ببعض {نُوَلِّى } من الولاية {بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً } أي على بعض {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من المعاصي.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَكَذٰلِكَ نُوَلّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً } أي مثل ما جعلنا بين الجن والإنس ما سلف {كَذٰلِكَ نُوَلّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً } والمعنى: نجعل بعضهم يتولى البعض، فيكونون أولياء لبعضهم بعضاً، ثم يتبرأ بعضهم من البعض، فمعنى نولي على هذا: نجعله ولياً له. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: معناه نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس. وروي عنه أيضاً أنه فسر هذه الآية بأن بالمعنى: نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله، فيكون في الآية على هذا تهديد للظلمة بأن من لم يمتنع من ظلمه منهم سلط الله عليه ظالماً آخر. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم، فقف وانظر متعجباً. وقيل معنى نولي: نكل بعضهم إلى بعض فيما يختارونه من الكفر، والباء في {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } للسببية، أي بسبب كسبهم للذنوب ولينا بعضهم بعضاً. قوله: {يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنّ وَٱلإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ } أي يوم نحشرهم نقول لهم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ } أوهو شروع في حكاية ما سيكون في الحشر، وظاهره أن الله يبعث في الدنيا إلى الجنّ رسلاً منهم، كما يبعث إلى الإنس رسلاً منهم. وقيل معنى منكم: أي ممن هو مجانس لكم في الخلق والتكليف، والقصد بالمخاطبة، فإن الجنّ والإنس متحدون في ذلك، وإن كان الرسل من الإنس خاصة فهم من جنس الجنّ من تلك الحيثية. وقيل: إنه من باب تغليب الإنس على الجنّ كما يغلب الذكر على الأنثى. وقيل المراد بالرسل إلى الجنّ هاهنا هم النذر منهم، كما في قوله: {أية : وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ }تفسير : [الأحقاف: 29]. قوله: {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِى } صفة أخرى لرسل، وقد تقدّم بيان معنى القصّ. قوله: {قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا } هذا إقرار منهم بأن حجة الله لازمة لهم بإرسال رسله إليهم، والجملة جواب سؤال مقدّر فهي مستأنفة، وجملة {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } في محل نصب على الحال، أو هي جملة معترضة {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ } هذه شهادة أخرى منهم على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين في الدنيا بالرسل المرسلين إليهم، والآيات التي جاءوا بها، وقد تقدّم ما يفيد أن مثل هذه الآية المصرّحة بإقرارهم بالكفر على أنفسهم، ومثل قولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] محمول على أنهم يقرّون في بعض مواطن يوم القيامة، وينكرون في بعض آخر لطول ذلك اليوم، واضطراب القلوب فيه وطيشان العقول، وانغلاق الأفهام وتبلد الأذهان. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى شهادتهم على أنفسهم أو إلى إرسال الرسل إليهم. وأن في {أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ } هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف. والمعنى: ذلك أن الشأن لم يكن ربك مهلك القرى، أو هي المصدرية، والباء في {بِظُلْمٍ } سببية، أي لم أكن أهلك القرى بسبب ظلم من يظلم منهم، والحال أن أهلها غافلون، لم يرسل الله إليهم رسولاً. والمعنى: أن الله أرسل الرسل إلى عباده؛ لأنه لا يهلك من عصاه بالكفر من القرى، والحال أنهم غافلون عن الأعذار والإنذار بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، بل إنما يهلكهم بعد إرسال الرسل إليهم، وارتفاع الغفلة عنهم بإنذار الأنبياء لهم: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15]؛ وقيل المعنى: ما كان الله مهلك أهل القرى بظلم منه، فهو سبحانه يتعالى عن الظلم، بل إنما يهلكهم بعد أن يستحقوا ذلك وترتفع الغفلة عنهم بإرسال الأنبياء؛ وقيل المعنى: أن الله لا يهلك أهل القرى بسبب ظلم من يظلم منهم مع كون الآخرين غافلين عن ذلك، فهو مثل قوله: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الأنعام: 164]. {وَلِكُلّ دَرَجَـٰتٌ مّمَّا عَمِلُواْ } أي لكلّ من الجنّ والإنس درجات متفاوتة مما عملوا، فنجازيهم بأعمالهم. كما قال في آية أخرى: {أية : وَلِكُلّ دَرَجَـٰتٌ مّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } تفسير : [الأحقاف: 19]، وفيه دليل على أن المطيع من الجنّ في الجنة، والعاصي في النار {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } من أعمال الخير والشر، والغفلة ذهاب الشيء عنك لاشتغالك بغيره، قرأ ابن عامر {تَعْمَلُونَ } بالفوقية، وقرأ الباقون بالتحتية. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {وَكَذٰلِكَ نُوَلّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً } قال: يوليّ الله بعض الظالمين بعضاً في الدنيا يتبع بعضهم بعضاً في النار. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن زيد، في الآية مثل ما حكينا عنه قريباً. وأخرج أبو الشيخ، عن الأعمش في تفسير الآية قال: سمعتهم يقولون إذا فسد الزمان أمر عليهم شرارهم. وأخرج الحاكم في التاريخ، والبيهقي في الشعب، من طريق يحيى بن هاشم حدّثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كما تكونون كذلك يؤمر عليكم» تفسير : قال البيهقي: هذا منقطع ويحيى ضعيف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {رُسُلٌ مّنكُمْ } قال: ليس في الجنّ رسل، وإنما الرسل في الإنس، والنذارة في الجنّ، وقرأ: {أية : فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } تفسير : [الأحقاف: 29]. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة، أيضاً عن الضحاك قال: الجنّ يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. وأخرج أبو الشيخ في العظمة أيضاً، عن ليث بن أبي سليم قال: مسلمو الجنّ لا يدخلون الجنة ولا النار، وذلك أن الله أخرج أباهم من الجنة فلا يعيده ولا يعيد ولده. وأخرج أبو الشيخ في العظمة أيضاً، عن ابن عباس قال: الخلق أربعة فخلق في الجنة كلهم، وخلق في النار كلهم، وخلقان في الجنة والنار، فأما الذين في الجنة كلهم فالملائكة، وأما الذين في النار كلهم فالشياطين، وأما الذين في الجنة والنار فالإنس والجنّ، لهم الثواب وعليهم العقاب.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِِمِينَ بَعْضاً} فيه خمسة تأويلات: أحدها: معناه وكذلك نَكِلُ بعضهم إلى بعض، فلا نعينهم، ومن سُلِبَ معونة الله كان هالكاً. والثاني: وكذلك نجعل بعضهم لبعض ولياً على الكفر. والثالث: وكذلك نولِّي بعضهم عذاب بعض في النار. والرابع معناه أن بعضهم يتبع بعضاً في النار من الموالاة وهي المتابعة، قاله قتادة. والخامس: تسليط بعضهم على بعض بالظلم والتعدي، قاله ابن زيد.
ابن عبد السلام
تفسير : {نُوَلِّى} نكل بعضهم إلى بعض فلا نعينهم فيهلكوا، أو يتولى بعضهم بعضاً على الكفر، أو يتولى بعضهم عذاب بعض في النار، أو يتبع بعضهم بعضاً في النار من الموالاة بمعنى المتابعة، أو تسلط بعضهم على بعض بالظلم والتعدي.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً} الكاف في كذلك كاف التشبيه تقتضي شيئاً تقدم ذكره فالتقدير كما أنزلت العذاب بالجن والإنس الذين استمتع بعضهم ببعض كذلك نولي بعض الظالمين بعضاً أي نسلط بعضهم على بعض فنأخذ من الظالم بالظالم كما جاء في الأثر: "حديث : من أعان ظالماً سلطه الله عليه" تفسير : وقال قتادة: نجعل بعضهم أولياء بعض فالمؤمن ولي المؤمن حيث كان وأين كان والكافر ولي الكافر حيث كان وأين كان. وفي رواية أخرى عن قتادة قال: يتبع بعضهم بعضاً في النار من الموالاة، وقيل: معناه نولي ظلمة الإنس الجن وظلمة الجن ظلمة الإنس يعني نكل بعضهم إلى بعض. وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية وأن الله تعالى إذا أراد بقوم خيراً ولى عليهم خيارهم وإذا أراد بقوم شراً ولى عليهم شرارهم فعلى هذا القول إن الرعية متى كانوا ظالمين سلط الله عز وجل عليهم ظالماً مثلهم فمن أراد أن يخلص من ظلم ذلك الظالم فليترك الظلم. وقوله تعالى: {بما كانوا يكسبون} يعني يسلط عليهم من يظلمهم بسبب أعمالهم الخبيثة التي اكتسبوها. قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس} المعشر كل جماعة أمرهم واحد والجمع معاشر {ألم يأتكم رسل منكم} اختلف العلماء في معنى هذه الآية وهل كان من الجن رسل أم لا فذهب أكثر العلماء إلى أنه لم يكن من الجن رسول وإنما كانت الرسل من الإنس وأجابوا عن قوله رسل منكم يعني من أحدكم وهو الإنس فحذف المضاف فهو كقوله: {أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان}تفسير : [الرحمٰن: 22] وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب وإنما جاز ذلك لأن ذكرهما قد جمع في قوله {أية : مرج البحرين}تفسير : [الرحمٰن: 19] وهو جائز في كل ما اتفق في أصله فلذلك لما اتفق ذكر الجن مع الإنس جاز مخاطبتهما بما ينصرف إلى أحد الفريقين وهم الإنس، وهذا قول الفراء والزجاج ومذهب جمهور أهل العلم. قال الواحدي: وعليه دل كلام ابن عباس لأنه قال يريد أنبياء من جنسهم ولم يكن من جنس الجن أنبياء وذهب قوم إلى أنه أرسل إلى الجن رسلاً منهم كما أرسل إلى الإنس رسلاً منهم. قال الضحاك: من الجن رسل كما من الإنس رسل وظاهر الآية يدل على ذلك لأنه تعالى قال: {ألم يأتكم رسل منكم} فخاطب الفريقين جميعاً وأجيب عن ذلك بأن الله تعالى قال: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} وهذا يقتضي كون الرسل بعضاً من أبعاض هذا المجموع وإذا كان الرسل من الإنس كان الرسل بعضاً من أبعاض هذا المجموع وكان هذا القول أولى من حمل لفظ الآية على ظاهرها فثبت بذلك كون الرسل من الإنس لا من الجن، ويحتمل أيضاً أن يقال إن كافة الرسل كانوا من الإنس لكن الله تعالى يلقي الداعية في قلوب قوم من الجن حتى يسمعوا كلام الرسل من الإنس ثم يأتوا قومهم من الجن فيخبروهم بما سمعوا من الرسول ينذرهم به كما قال تعالى: {أية : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن}تفسير : [الأَحقاف: 29] - إلى - {أية : فلما قضى ولّوا إلى قومهم منذرين}تفسير : [الأَحقاف: 29] فكان أولئك النفر من الجن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومهم وهذا مذهب مجاهد فإنّ الرسل من الإنس والنذر من الجن ونحو ذلك قال ابن جريج وأبو عبيدة. وقيل: كانت الرسل يبعثون إلى الجن من الجن، ولكن بواسطة رسل الإنس والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. وقوله تعالى: {يقصون عليكم آياتي} يعني يخبرونكم بما أوحي إليهم من آياتي الدالة على توحيدي وتصديق رسلي {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} يعني ويحذرونكم ويخوفونكم لقاء عذابي في يومكم هذا وهو يوم القيامة وذلك أن الله تعالى يقول يوم القيامة يوم لكفار الجن والإنس على سبيل التقريع والتوبيخ ما أخبر في كتابه، وهو قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس} الآية فيجيبون بما أخبر عنهم في قوله تعالى: {قالوا} يعني كفار الجن والإنس {شهدنا على أنفسنا} اعترفوا بأن الرسل قد أتتهم وبلغتهم رسالات ربهم وأنذروهم لقاء يومهم هذا وأنهم كذبوا الرسل ولم يؤمنوا بهم وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر قال الله تعالى: {وغرتهم الحياة الدنيا} إنما كان ذلك بسبب أنهم غرتهم الحياة الدنيا ومالوا إليها: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} في الدنيا. فإن قلت كيف أقروا على أنفسهم بالكفر في هذه الآية وجحدوا الشرك والكفر في قوله: {أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : [الأَنعام: 23]. قلت: يوم القيامة يوم طويل والأحوال فيه مختلفة فإذا رأوا ما حصل للمؤمنين من الخير والفضل والكرامة أنكروا الشرك لعل ذلك الإنكار ينفعهم، وقالوا والله ربنا ما كنا مشركين فحينئذٍ يختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالشرك والكفر فذلك قوله تعالى: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}. فإن قلت لما كرر شهادتهم على أنفسهم، قلت: شهادتهم الأولى اعتراف منهم بما كانوا عليه في الدنيا من الشرك والكفر وتكذيب الرسل وفي قوله: {وشهدوا على أنفسهم} ذم لهم وتخطئة لرأيهم ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا ولذاتها فكانت عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والمقصود من شرح حالهم تحذير السامعين وضجر لهم عن الكفر والمعاصي.
ابن عادل
تفسير : قوله: "وكَذَلِك نُوَلِّي" أي: كما خَذَلْنَا عُصَاة الإنْس والجِنِّ حتى اسْتَمْتَع بعضُهم ببَعْصٍ، كذلك نَكِلُ بَعْضَهُم إلى بَعْض في النُّصْرة والمعُونة وقيل: نُسَلِّط بَعْضُهم على بَعْضِ، فَيَاخذ من الظَّالم بالظَّالم؛ كما جاء "من أعَان ظالماً، سَلَّطه اللَّهُ عليه". قال قتادة: نجعل بَعْضَهُم أولياء لِبَعْضٍ، فالمؤمِنُ ولي المؤمن أين كان، والكَافِرُ ولِيُّ الكافِر حَيْثُ كان. وروى مَعْمَر عن قتادة: يتبع بَعْضُهم بَعْضاً في النَّارِ من المْولاة. وقيل: مَعْنَاه: نُولي ظلمَة الجِنِّ ظلمة الإنْس، ونُولي ظلمَة الإنْس ظلمَة الجِنِّ، أي: نَكِل بَعْضَهم إلى بَعْضٍ؛ كقوله - تبارك وتعالى -: {أية : نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ} تفسير : [النساء:115] فهي نَعْتٌ لمَصْدَر مَحْذُوف، أو في محلِّ رَفْعٍ، أي: الأمَرُ مثل تَوْلِيَة الظالمين، وهو رَأيُ الزَّجَّاج في غَيْر مَوْضِع. وروى الكَلْبِيُّ عن أبي صالح في تفْسيرها: هو أنَّ الله - تبارك وتعالى - إذا أرادَ بقوم خَيْراً ولِّي أمرهم خِيَارَهُم، وإذا أرَادَ بِقَوْم شَرّاً وَلَّى أمْرَهم شرارهُم. وروى مَالِك بن دينارٍ قال جَاءَ في [بَعْضِ] كتب الله المنَّزلة أنَّا الله مَالِك المُلُوك، قُلُوب المُلُوكِ بِيَدي، فمن أطاعَنِي، جَعَلْتُهُم عليه رَحْمَة، ومن عَصَانِي جَعَلْتُهم عليه نِقْمَة، لا تَشْغَلُوا أنْفُسَكُم بسبب المُلُوكِ، لكن تُوبُوا إليّ أعَطِّفُهم عليكم. وقوله: {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} تقدَّم نظيره.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً} قال: ظالمي الجن وظالمي الإِنس، وقرأ {أية : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين}تفسير : [الزخرف: 36] قال: ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإِنس . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً} قال: يولي الله بعض الظالمين بعضاً في الدنيا، يتبع بعضهم بعضاً في النار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً} قال: إنما يولي الله بين الناس بأعمالهم فالمؤمن ولي المؤمن من أين كان وحيثما كان، والكافر ولي الكافر من أين كان وحيثما كان، ليس الإيمان بالله بالتمني ولا بالتحلي، ولعمري لو عملت بطاعة الله ولم تعرف أهل طاعة الله ما ضرك ذلك، ولو عملت بمعصية الله وتوليت أهل طاعة الله ما نفعك ذلك شيئاً . وأخرج أبو الشيخ عن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً} ، ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون إذا فسد الناس أُمِّرَ عليهم شرارهم. وأخرج ابن أبي حاتم أبو الشيخ من مالك بن دينار قال: قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافق بالمنافق، ثم أنتقم من المنافقين جميعاً، وذلك في كتاب الله قول الله {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون} . وأخرج الحاكم في التاريخ والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق يحيى بن هاشم، ثنا يونس بن أبي إسحق عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كما تكونون كذلك يؤمر عليكم" تفسير : قال البيهقي: هذا منقطع ويحيى ضعيف . وأخرج البيهقي عن كعب الأحبار قال: إن لكل زمان ملكاً يبعثه الله على نحو قلوب أهله، فإذا أراد صلاحهم بعث عليهم مصلحاً، وإذا أراد هلكتهم بعث عليهم مترفهم . وأخرج البيهقي عن الحسن أن بني إسرائيل سألوا موسى فقالوا: سل لنا ربك يبين لنا علم رضاه عنا وعلم سخطه، فسأله فقال: يا موسى أنبئهم إن رضاي عنهم أن استعمل عليهم خيارهم، وأن سخطي عليهم أن استعمل عليهم شرارهم . وأخرج البيهقي من طريق عبد الملك بن قريب الأصمعي، ثنا مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: حدثت أن موسى أو عيسى قال: يا رب ما علامة رضاك عن خلقك؟ قال: أن أنزل عليهم الغيث إبان زرعهم وأحبسه إبان حصادهم، واجعل أمورهم إلى حلمائهم، وفيئهم في أيدي سمحائهم. قال: يا رب فما علامة السخط؟ قال: أن أنزل عليهم الغيث إبان حصادهم وأحبسه إبان زرعهم، واجعل أمورهم إلى سفهائهم، وفيئهم في أيدي بخلائهم. والله تعالى أعلم .
ابو السعود
تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي مثلَ ما سبق من تمكين الجنِّ من إغواء الإنسِ وإضلالِهم {نُوَلّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} من الإنس {بَعْضًا} آخرَ منهم أي نجعلهم بحيث يتولَّوْنهم بالإغواء والإضلالِ أو نجعل بعضَهم قرناءَ بعضٍ في العذاب كما كانوا كذلك في الدنيا عند اقترافِ ما يؤدّي إليه من القبائح {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} بسبب ما كانوا مستمرِّين على كسبه من الكفر والمعاصي. {يَا مَعْشَرَ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسِ} شروعٌ في حكاية ما سيكون من توبـيخ المعشَرَين وتقريعِهم بتفريطهم فيما يتعلق بخاصة أنفسِهم إثرَ حكايةِ توبـيخِ معشر الجنِّ بإغواء الإنسِ وإضلالِهم وبـيانِ مآلِ أمرِهم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} أي في الدنيا {رُسُلُ} أي من عند الله عز وجل لكن لا على أن يأتيَ كلُّ رسولٍ كلَّ واحدة من الأمم، بل على أن يأتي كلَّ أمة رسولٌ خاصٌّ بها، أي ألم يأتِ كلَّ أمة منكم رسولٌ معين؟ وقوله تعالى: {مّنكُمْ} متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لرسل أي كائنةٌ من جملتكم لكن لا على أنهم من جنس الفريقين معاً بل من الإنس خاصةً، وإنما جُعلوا منهما إما لتأكيد وجوبِ اتباعِهم والإيذانِ بتقاربهما ذاتاً واتحادِهما تكليفاً وخطاباً، كأنّهما جنسٌ واحد، ولذلك تمكن أحدُهما من إضلال الآخَر، وإما لأن المرادَ بالرسل ما يعمُّ رسلَ الرسلِ وقد ثبت أن الجن قد استمعوا القرآن وأنذروا به قومَهم حيث نطق به قوله تعالى: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءانَ } تفسير : [الأحقاف، الآية 29] إلى قوله تعالى: {أية : وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} تفسير : [الأحقاف، الآية 29]. وقوله تعالى: {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِى} صفةٌ أخرى لرسلٌ محققةٌ لما هو المرادُ من إرسال الرسل من التبليغ والإنذارِ، وقد حصل ذلك بالنسبة إلى الثقلين {وَيُنذِرُونَكُمْ} بما في تضاعيفها من القوارع {لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} يومِ الحشرِ الذي قد عاينوا فيه ما أُعدَّ لهم من أفانين العقوباتِ الهائلة {قَالُواْ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام السابقِ كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك التوبـيخِ الشديد؟ فقيل: قالوا: {شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} أي بإتيان الرسلِ وإنذارِهم وبمقابلتهم إياهم بالكفر والتكذيب وباستحقاقهم بسبب ذلك للعذاب المخلّد حسبما فُصِّل في حكاية جوابِهم عن سؤال خَزَنةِ النار، حيث قالوا: {أية : بَلَىٰ قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ كَبِيرٍ } تفسير : [الملك، الآية 9] وقد أُجمل هٰهنا في الحكاية كما أُجمل في حكاية جوابِهم حيث قالوا: {أية : بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [الزمر، الآية 71] وقوله تعالى: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} مع ما عُطف عليه اعتراضٌ لبـيان ما أداهم في الدنيا إلى ارتكابهم للقبائح التي ارتكبوها وإلجائِهم بعد ذلك في الآخرة إلى الاعتراف بالكفر واستيجاب العذابِ، وذمٌّ لهم بذلك، أي واغتروا في الدنيا بالحياة الدنيئةِ واللذات الخسيسةِ الفانية وأعرضوا عن النعيم المقيم الذي بشرت به الرسلُ، واجترأوا على ارتكاب ما يجُرّهم إلى العذاب المؤبَّد الذي أنذروهم إياه {وَشَهِدُواْ} في الآخرة {عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ} في الدنيا {كَـٰفِرِينَ} أي بالآيات والنذر التي أتى بها الرسلُ على التفصيل المذكور آنفاً واضطُرّوا إلى الاستسلام لأشد العذابِ كما ينبىء عنه ما حُكي عنهم بقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [الملك، الآية 10] وفيه من تحسيرهم وتحذيرِ السامعين عن مثل صنيعِهم ما لا مزيد عليه.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}[129] أي ينتقم الله تعالى من الظالم بالظالم، ثم ينتقم من الجميع بنفسه.
القشيري
تفسير : يعني نجمع بين الأشكال، فالأولياء مجموعون يستمتع بعضهم ببعض، والأعداء مجموعون يفرُّ بعضهم من بعض.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكذلك} اى كما خذلنا عصاة الجن والانس حتى استمتع بعضهم ببعض {نولى بعض الظالمين بعضا} اى نسلط بعضهم على البعض فنأخذ من الظالم بالظالم {بما كانوا يكسبون} بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر والمعاصى وجاء (من اعان ظالما سلطه الله عليه) وعن ابن عباس رضى الله عنهما اذا اراد الله بقوم خيرا ولى امرهم خيارهم واذا اراد بقوم شرا ولى امرهم شرارهم وجاء فى بعض الكتب الالهية انى انا الله ملك الملوك قلوب الملوك بيدى فمن اطاعنى جعلتهم عليه رحمة ومن عصانى جعلته عليه نقمة فلا تشغلوا انفسكم بسب الملوك ولكن توبوا الى اُعطفهم عليكم وفى الحديث "حديث : الظالم عدل الله فى الارض ينتقم به ثم ينتقم منه " .تفسير : وفى المرفوع "حديث : يقول الله عز وجل انتقم ممن ابغض بمن ابغض ثم اصير كلا الى النار " .تفسير : وفى الزبور انى لانتقم من المنافق بالمنافق ثم انتقم من المنافقين جميعا. وقول القائل كيف يجوز وصفه بالظلم وينسب الى انه عدل من الله تعالى. جوابه ان المراد بالعدل هنا ما يقابل بالفضل فالعدل ان يعامل كل احد بفعله ان خيرا فخير وان شرا فشر والفضل ان يعفو مثلا عن المسيئ وهذا على طريق اهل السنة بخلاف المعتزلة فانهم يوجبون عقوبة المسيئ ويدعون ان ذلك هو العدل ومن ثمة سموا انفسهم اهل العدل والى ما صار اليه اهل السنة يشير قوله تعالى {أية : قال رب احكم بالحق} تفسير : [الأنبياء: 112]. اى لا تمهل الظالم ولا تتجاوز عنه بل عجل عقوبته لكن الله تعالى يمهل من يشاء ويتجاوز عمن يشاء ويعطى من يشاء لا يسأل عما يفعل كذا فى المقاصد الحسنة للامام السخاوى: وفى المثنوى شعر : جونكه بدكردى بترس ايمن مباش زانكه تخمست وبرو ياند خداش جند كاهى اوبيو شاندكه تا آيدت زان بد بشيمان وحيا بارها بوشد بى اظهار فضل باز كيرد از بى اظهار عدل تاكه اين هردو صفت ظاهر سود آن مبشر كردد اين منذر شود تفسير : واعلم ان الظلم مطلقا مفسد للاستعداد الفطرى الروحانى القابل للفيض الربانى ولذا لا ينجع فى الظالم الكلام الحق واكثر ما يكون من ارباب الرياسة للقدرة والغلبة وفى الحديث "حديث : "ان من اشراط الساعة اماتة الصلوات واتباع الشهوات وان تكون الامراء خونة والوزراء فسقة" فوثب سلمان فقال بابى وامى أهذا كائن قال "نعم يا سلمان عندها يذوب قلب المؤمن كما يذوب الملح فى الماء ولا يستطيع ان يغير" قال أو يكون ذلك قال "نعم يا سلمان ان اذل الناس يومئذ المؤمن يمشى بين اظهرهم بالمخافة ان تكلم اكلوه وان سكت مات بغيظه" " .تفسير : كذا فى روضة الاخبار: قال السعدى قدس سره شعر : خبر دارى از خسروان عجم كه كردندبر زير دستان ستم نه آن شوكت وبادشاهى بماند نه آن ظلم برروستايى بماند مكن تاتواننى دل خلق ريش وكرميكنى ميكنى بيخ خويش تفسير : اللهم احفظنا من الظلم والفساد انك حافظ العباد والبلاد.
الطوسي
تفسير : قيل في معنى قوله {نولي بعض الظالمين بعضا} قولان: احدهما - انا نكل بعضهم الى بعض في النصرة والمعونة في الحاجة، ولا نحول بينهم. الثاني - نجعل بعضهم يتولى القيام بأمر بعض. وقيل في كيفية تولية الله الظالمين بعضهم بعضاً أقوال: أحدها - بأن حكم ان بعضهم يتولى بعضا فيما يعود عليه بالوبال من الاعمال التي يتفقون عليها. الثاني - بأن يخلي بينهم وبين ما يختارونه من غير نصرة لهم. وثالثها - ما قال قتادة: انه من الموالات والتتابع في النار، أي يدخل بعضهم عقيب بعض. ووجه التشبيه في قوله {وكذلك} قال الرماني: اي كذلك المهل بتخلية بعضهم مع بعض للامتحان الذي معه يصح الجزاء على الاعمال، بجعل بعضهم يتولى أمر بعض للعقاب الذي يجري على الاستحقاق. وقال الجبائي: المعنى إِنا كما وكلنا هؤلاء الظالمين من الجن والانس بعضهم الى بعض يوم القيامة وتبرأنا منهم كذلك نكل الظالمين بعضهم الى بعض يوم القيامة ونكل الاتباع الى المتبوعين، ونقول للاتباع قولوا للمتبوعين حتى يخلصوكم من العذاب. والغرض بذلك اعلامهم انه ليس لهم يوم القيامة وليّ يدفع عنهم شيئا من العذاب. وقال غيره: لما حكى الله تعالى ما يجري بين الجن والانس من الخصام والجدال في الآخرة، قال الله لهم: النار مثواكم. ثم قال {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} أي كما فعلنا بهؤلاء من الجمع بينهم في النار وتولية بعضهم بعضا وجعل بعضهم أولى ببعض، نفعل مثله بالظالمين جزاء على أعمالهم. والفرق بين (ذلك) و (ذاك) أن زيادة اللام في (ذلك) قامت مقام هاء التنبيه التي تدخل في ذاك فتقول هذاك ولا تقول هذلك. ولا يجوز إِمالة (ذلك) لان (ذا) بمنزلة الحرف، والاصل في الحروف ألاّ تمال، لان التصريف انما هو للافعال والاسماء. وقوله {بما كانوا يكسبون} معناه بما كانوا يكسبونه من المعاصي وان ما يفعله بهم من العقاب جزاء على أعمالهم القبيحة.
الجنابذي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ} مثل ما نولّى بعض الانس بعض الجنّ فى الدّنيا او فى القيامة {نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} بالسّنخيّة الّتى يكسبونها باعمالهم السّيئّة اى نصرف وجوه بعضٍ الى بعضٍ ونتركهم ونصرف وجوههم عن اوليائى، او المعنى نولّى بعض الظّالمين بعضاً للانتقام منهم كما اشير اليه فى الخبر.
اطفيش
تفسير : {وكَذلك نُولِّى بعْضَ الظَّالمينَ بعضاً بما كانُوا يكْسِبُون} من الكفر والمعاصى كما نولى الكفار بعضهم بعضاً فى الدنيا بالإغواء نولى بعضهم بعضاً فى الآخرة بالقرن فى العذاب، أو كما نولى بعضهم بعضا فى الدنيا بالاستمتاع نكل بعضاً لبعض فى الآخرة ليتعاونوا ويتناصروا فلا يجدوا نفعاً، ويجوز أن لا يراد التشبيه، بل بمعنى أنا فعلنا بهم التولية على تلك الصفة المذكورة من استمتاع بعض ببعض، وقيل نسلط بعضهم على بعض فى الدنيا بالمضار، كما انتفع بعض ببعض فيها، قال: قال الكلبى فى تفسير الآية رواية من غيره: إن ألله تعالى إذا أراد بقوم خيراً ولى أمرهم خيارهم، وإذا أراد بقوم شراً ولى أمرهم شرارهم. وعن مالك بن دينا رحمه الله: جاء فى بعض كتب أن الله قال: أنا الله ملك الملوك قلوب الملوك بيدى فمن أطاعنى جعلتهم عليه رحمة، ومن عصانى جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك وتوبوا أعطفهم عليكم، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كما تكونون يولى عليكم" تفسير : وعن قتادة: كلما تمادوا فى المعصية ندخلهم فى النار بمتابعة يتبع بعضهم بعضاً، وعنه: كما نولى بعضهم بعضاً كذلك نجعل بعضاً يلى بعضا فى الاعتقاد ولو لم يلتقيا وغاب كل عن الآخر، وكذلك المؤمن يلى المؤمن أينما كانا.
اطفيش
تفسير : {وَكَذَلِكَ} كما ولينا بعض الجن على بعض الإِنس حتى استمتع بعض ببعض خذلانا منه {نُوَلِّى بَعْضَ الظَّالِمِينَ} أَى نصيره يلى {بَعْضاً} فهو مسلط عليه بالإِغواء كما فسر الكلبى الآية بما جاءَ عنه صلى الله عليه وسلم من أَنه إِذا أَراد الله بقوم خيراً جعل أَمراءَهم خيارهم، وإِذا أَراد بقوم شراً جعل أَمراءَهم أَشرارهم. وقال الله: أَنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك بيدى فمن أَطاعنى جعلتهم عليه رحمة ومن عصانى جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أَنفسكم بسب الملوك لكن توبوا أَعطفهم عليكم. والرعية إِذا كانوا ظالمين سلط الله عليهم ظالماً مثلهم، قال صلى الله عليه و سلم: "حديث : كما تكونون يولى عليكم"تفسير : . أَو نكله إِلى نصرته ومعونته فلا ينصره، كما قال: {أية : ما أَنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخى} تفسير : [إبراهيم: 22]، و {أية : ادعوا شركاءَكم} تفسير : [الأعراف: 195، القصص: 64]، أَين شركاؤكم؟ أَو يجعل بعضاً يلى بعضاً العذاب، أَو نقرنهم فى العذاب كما اقترنوا فى الدنيا على المعصية وتعاونوا. والكاف اسم مضاف لذا مفعول مطلق أَو حرف يقدر المفعول المطلق قبلها، أَو يتعلق بنولى على تعليق كاف التشبيه، أَو خبر لمحذوف أَى الأَمر مثل ذلك أَو ثابت مثل ذلك؛ وهذا ضعيف لأَنه يقطع هنا مثلا عن قوله نولى بعض الظالمين بعضا {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} من الإِشْرَاكِ وَمَا دُونَهُ من المعاصى. والمشركون مخاطبون بفروع الشريعة فهم مؤاخذون على المعاصى كلها من فعل وترك.
الالوسي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي مثل ما سبق من تمكين الجن من إغواء الإنس وإضلالهم أو مثل ما سبق {نُوَلّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} من الإنس {بَعْضًا} آخر منهم أي نجعلهم بحيث يتولونهم ويتصرفون فيهم في الدنيا بالإغواء والإضلال وغير ذلك، واستدل به على أن الرعية إذا كانوا ظالمين فالله تعالى يسلط عليهم ظالما مثلهم، وفي الحديث: « حديث : كما تكونوا يولى عليكم » تفسير : أو المعنى نجعل بعضهم قرناء / بعض في العذاب كما كانوا كذلك في الدنيا عند اقتراف ما يؤدي إليه من القبائح كما قيل، وروي مثله عن قتادة {بمَا كَانُوا يَكْسبُونَ} أي بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر والمعاصي.
ابن عاشور
تفسير : وهو من تمام الاعتراض، أو من تمام التذييل، على ما تقدّم من الاحتمالين، الواو للحال: اعتراضيّة، كما تقدّم، أو للعطف على قوله: { أية : إنّ ربَّك حكيم عليم } تفسير : [الأنعام: 128]. والإشارة إلى التولية المأخوذة من: {نولي}، وجاء اسم الإشارة بالتّذكير لأنّ تأنيث التولية لفظي لا حقيقي، فيجوز في إشارته مَا جاز في فِعله الرافع للظّاهر، والمعنى: وكما ولّينا ما بين هؤلاء المشركين وبين أوليائهم نُولّي بين الظّالمين كلّهم بعضِهم مع بعض. والتولية يجيء من الولاء ومن الوِلاية، لأنّ كليهما يقال في فعله المتعدّي: ولَّى، بمعنى جعل ولياً، فهو من باب أعطى يتعدّى إلى مفعولين، كذا فسّروه، وظاهر كلامهم أنّه يقال: ولّيت ضَبَّة تميماً إذا حالفتَ بينهم، وذلك أنَّه يقال: تَولَّتْ ضبةُ تميماً بمعنى حالفْتهم، فإذا عدّي الفعل بالتضعيف قيل: ولَّيت ضَبة تميماً، فهو من قبيل قوله: { أية : نُولِّه ما تولّى } تفسير : [النساء: 115] أي نلزمه ما ألزم نفسه فيكون معنى: {نولي بعض الظالمين بعضاً} نجعل بعضهم أولياء بعض، ويكون ناظراً إلى قوله: { أية : وقال أولياؤهم من الإنس } تفسير : [الأنعام: 128]. وجعَل الفريقين ظالمين لأنّ الذي يتولّى قوماً يصير منهم، فإذا جعل الله فريقاً أولياء للظّالمين فقد جعلهم ظالمين بالأخارة، قال تعالى: { أية : ولا تَركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النّار } تفسير : [هود: 113] وقال: { أية : بعضهم أولياء بعض ومَن يتولَّهم منكم فإنَّه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظّالمين } تفسير : [المائدة: 51]. ويقال: ولَّى، بمعنى جعل والياً، فيتعدّى إلى مفعولين من باب أعطى أيضاً، يقال: وَلَّى عُمَرُ أبا عبيدة الشّام، كما يقال: أولاه، لأنَّه يقال: وَلِي أبو عبيدة الشّامَ، ولذلك قال المفسّرون: يجوز أن يكون معنى: {نولى بعض الظالمين بعضاً} نجعل بعضَهم ولاة على بعض، أي نسلّط بعضهم على بعض، والمعنى أنّه جعل الجنّ وهم ظالمون مسلّطين على المشركين، والمشركون ظالمون، فكلّ يظلِم بمقدار سلطانه. والمراد: بــــ {الظالمين} في الآية المشركون، كما هو مقتضى التّشبيه في قوله: {وكذلك}. وقد تشمل الآية بطريق الإشارة كلّ ظالم، فتدلّ على أنّ الله سلّط على الظالممِ من يظلمه، وقد تأوّلها على ذلك عبد الله بن الزُبير أيَّام دَعوته بمكّة فإنَّه لمَّا بلغه أنّ عبد الملك بن مروان قَتَل عَمْراً بنَ سعيد الأشدقَ بعد أن خرج عَمرو عليه، صَعِد المنبر فقال: «ألاَ إنّ ابن الزّرقاء ــــ يعني عبدَ الملك بن مروان؛ لأنّ مروان كان يلقّب بالأزرق وبالزرقاء لأنّه أزرق العينين ــــ قد قَتل لَطِيم الشّيطان {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون}. ومن أجل ذلك قيل: إنْ لم يُقلع الظّالم عن ظلمه سُلّط عليه ظالم آخر. قال الفخر: إنْ أراد الرّعيّةُ أن يتخلّصوا من أمير ظالم؛ فليتركوا الظّلم. وقد قيل: شعر : ومَا ظَالمٌ إلاّ سَيُبْلَى بظَالِم تفسير : وقوله: {بما كانوا يكسبون} الباء للسببية، أي جزاء على استمرار شركهم. والمقصود من الآية الاعتبار والموعظة، والتّحذير مع الاغترار بولاية الظّالمين. وتوخي الأتباععِ صلاحَ المتبوعين. وبيانُ سنّة من سنن الله في العالَمين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: نولي بعض الظالمين بعضاً: أي نجعل بعضهم أولياء بعض بجامع كسبهم الشر والفساد. بما كانوا يكسبون: أي من الظلم والشر والفساد. ألم يأتكم رسل منكم: الإِستفهام للتوبيخ والرسل جمع رسول من أوحى الله تعالى إليه شرعه وأمره بإبلاغه للناس، هذا من الإِنس أما من الجن فهم من يتلقون عن الرسل من الإِنس ويبلغون ذلك إخوانهم من الجن، ويقال لهم النُّذُر. يقصون عليكم آياتي: يخبرونكم بما فيها من الحجج متتبعين ذلك حتى لا يتركوا شيئاً إلا بلغوكم إياه وعرفوكم به. وينذرونكم لقاء يومكم: اي يخوفونكم بما في يومكم هذا وهو يوم القيامة من العذاب والشقاء. وأهلها غافلون: لم تبلغهم دعوة تعرفهم بربهم وطاعته، وما لهم عليها من جزاء. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} إخبار منه تعالى بسنته في أهل الظلم وهي أن يجعل بعضهم أولياء بعض بمعنى يتولاه بالنصرة والمودة بسبب الكسب السيء الذي يكسبونه على نحو موالاة شياطين الإِنس للجن فالجامع بينهم الخبث والشر وهؤلاء الجامع بينهم الظلم والعدوان، ولا مانع من حمل هذا اللفظ على تسليط الظالمين بعضهم على بعض على حد: ولا ظالم إلا سيبتلى بأظلم. كما أنه تعالى سيوالي يوم القيامة إدخالهم النار فريقاً بعد فريق وكل هذا حق وصالح لدلالة اللفظ عليه. وقوله تعالى: {يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} إخبار منه تعالى بأنه يوم القيامة ينادي الجن والإِنس موبخاً لهم فيقول: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} أي ألم يأتكم رسل من جنسكم تفهمون عنهم ويفهمون عنكم {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} أي يتلونها عليكم ويخبرونكم بما تحمله آياتي من حجج وبراهين لتؤمنوا بي وتعبدوني وحدي دون سائر مخلوقاتي، وينذرونكم أي يخوفونكم، لقاء يومكم هذا الذي أنتم الآن فيه وهو ويوم القيامة والعرض على الله تعالى. وما يتم فيه من جزاء على الأعمال خيرها وشرها، وأن الكافرين هم أصحاب النار. فأجابوا قائلين: شهدنا على أنفسنا - وقد سبق أن غرتهم الحياة الدنيا فواصلوا الكفر والفسق والظلم - {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ}. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية أما الثالثة [131] فقد تضمنت الإِشارة إلى علة إرسال الرسل إلى الإِنس والجن إذ قال تعالى {ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ} أي ذلك الإِرسال كان لأجل أنه تعالى لم يكن من شأنه ولا مقتضى حكمته أنه يهلك أهل القرى بظلم منه وما ربك بظلام للعبيد ولا بظلم منه وهو الشرك والمعاصي وأهلها غافلون لم يؤمروا ولم ينهوا، ولم يعلموا بعاقبة الظلم وما يحل بأهله من عذاب. وفي الآية الأخيرة [132] أخبر تعالى أن لكل عامل من خير أو شر درجات من عمله إن كان العمل صالحاً فهي درجات في الجنة، وإن كان العمل سيئاً فاسداً فهي دركات في النار، وهذا يتم حسب علم الله تعالى بعمل كل عامل وهو ما دل عليه قوله، {وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله تعالى في أن الأعمال هي سبب الموالاة بين الإِنس والجن فذو العمل الصالح يوالي أهل الصلاح، وذو العمل الفاسد يوالي أهل الفساد. 2- التحذير من الإِغترار بالحياة الدنيا. 3- بيان العلة في إرسال الرسل وهي إقامة الحجة على الناس، وعدم إهلاكهم قبل الإِرسال إليهم. 4- الأعمال بحسبها يتم الجزاء فالصالحات تكسب الدرجات، والظلمات تكسب الدركات.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلظَّالِمِينَ} (129) - وَكَمَا جَعَلْنَا هؤُلاءِ الخَاسِرِينَ مِنْ الإِنْسِ أَنْصَاراً وَأَوْلِيَاءً لِتِلْكَ الطَّائِفَةِ التِي أَغْوَتْهُمْ مِنَ الجِنِّ، كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالظَّالِمِينَ، نُسَلِّطُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَنُهْلِكُ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، وَنَنْتَقِمُ مِنْ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ. وَقَالَ الأَعْمَشُ فِي تَفْسِيرِ هذِهِ الآيَةِ: (إِذَا فَسَدَ النَّاسُ أَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ، وَذلِكَ أنَّ المُلُوكَ يَتَصَرَّفُونَ فِي الأُمَمِ الجَاهِلَةِ تَصَرُّفَ الرُّعَاةِ فِي الأَغْنَامِ السَّائِمَةِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"كذلك تشير إلى ما حدث من الجن والإنس من الجدل، فقال الحق على ألسنة الإنس: {أية : رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ...} تفسير : [الأنعام: 128] ولم يأت بكلام الجن؛ لأن كلامهم جاء في آيات أخرى؛ فالحق هو القائل: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ..} تفسير : [إبراهيم: 22] وكذلك أورد الله ما يجيء عل لسان الشيطان في سورة أخرى: {أية : كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ...} تفسير : [الحشر: 16] وكذلك جاء الحق في آيات أخرى بأقوال الإنس الذين ضلوا: {رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ} [فصلت: 29] وقوله الحق هنا في سورة الأنعام: {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضا} [الأنعام: 129] أي كما صنعنا مع الجن والإِنس، باستكثار الجن من الإِنس واستمتاع بعضهم ببعض إضلالا وإغواء، وطاعة وانقيادا، نجعل من بينهم ولاية ظالم على ظالم، ولا نولى عليهم واحداً من أهل الخير؛ لأن أهل الخير قلوبهم مملوءة بالرحمة، لا يقوون على أن يؤدبوا الظالم؛ فهم قد ورثوا النبوة المحمدية في قوله يوم فتح مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، ولذلك إذا أراد الله أن يؤدب ظالماً لا يأتي له بواحد من أهل الخير ليؤدبه، إنه- سبحانه- بتكريمه لأهل الخير لم يجعل منهم من يكون في مقام من يؤدب الظالم. إنه- سبحانه- يجعل أهل الخير في موقف المتفرج على تأديب الظالمين بعضهم بعضا. والتاريخ أرانا ذلك. فقد صنع الظالمون بعضهم في بعض الكثير، بينما لو تمكن منهم أعداؤهم الحقيقيون لرحموهم؛ لأن قلوبهم مملوءة بالرحمة. ولذلك بلغنا عن سيدنا مالك بن دينار وهو من أهل الخير. يقول: قرأت في بعض الآثار حديثاً قدسيا يقول فيه الحق: "حديث : أنا ملك الملوك قلوب الملوك بيدي,. " تفسير : فإياكم أن يظن الطاغية أو الحاكم أو المستبد أنه أخذ الحكم بذكائه أو بقوته، بل جاء به الحق ليؤدب به الظلمة، بدليل أنه ساعة يريد الله أن تنتهي هذه المسألة فهو بجلاله ينزع المهابة من قلوب حرّاسه وبدلاً من أن يدفع عنه البندقية، يصوّب البندقية إليه. فإياكم أن تظنوا أن ملكا يأخذ الملك قهراً عن الله، ولكن إذا العباد ظلموا وطغوا يسلط الحق عليهم من يظلمهم، ولذلك يقال: "الظالم سيف الله في الأرض ينتقم به وينتقم منه". {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129] فكأن ما سلّط على الناس من شرّ عاتٍ هو نتيجة لأعمالهم؛ ولذلك كان أحد الصالحين يقول: أنا اعرف منزلتي من ربي من خُلُق دابتي؛ إن جمحت بي أقول ماذا صَنَعْتُ حتى جمحت بي الدابة؟! وكأن المسألة محسوبة. وهذه معاملة للأخيار، عندما يرتكب ذنباً يؤاخذ به على الفور حتى تصير صفحته نظيفة دائماً. قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كَفّر الله بها عنه، حتى الشوكة يُشاكها. " تفسير : فإذا فعل العبد من أهل الخير بعضاً من السيئات، يوفيّه الحق جزاءه من مرض في جسمه أو خسارة في ماله، كذلك المسيء الذي لا يريد له الله النكال في الآخرة. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا حط الله تعالى به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها. " تفسير : {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} هم اعتقدوا أنهم أخذوا شيئاً من وراء الله وخلصوا به. نقول: لا، فربك سيحاسبك ثواباً أو عقاباً وذلك بما قدمت يداك من سيئات أو حسنات. ويقول الحق بعد ذلك: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ..}
همام الصنعاني
تفسير : 855- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً}: [الآية: 129]، في الدنيا: يتبع بَعْضُهُمْ بَعْضاً في النَّارِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):