Verse. 919 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

يٰمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْاِنْسِ اَلَمْ يَاْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّوْنَ عَلَيْكُمْ اٰيٰتِيْ وَيُنْذِرُوْنَكُمْ لِقَاۗءَ يَوْمِكُمْ ھٰذَا۝۰ۭ قَالُوْا شَہِدْنَا عَلٰۗي اَنْفُسِـنَا وَغَرَّتْہُمُ الْحَيٰوۃُ الدُّنْيَا وَشَہِدُوْا عَلٰۗي اَنْفُسِہِمْ اَنَّہُمْ كَانُوْا كٰفِرِيْنَ۝۱۳۰
Ya maAAshara aljinni waalinsi alam yatikum rusulun minkum yaqussoona AAalaykum ayatee wayunthiroonakum liqaa yawmikum hatha qaloo shahidna AAala anfusina wagharrathumu alhayatu alddunya washahidoo AAala anfusihim annahum kanoo kafireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم» أي من مجموعكم أي بعضكم الصادق بالإنس أو رسل الجن نذرهم الذين يسمعون كلام الرسل فيبلغون قومهم «يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا» أن قد بلغنا قال تعالى: «وغرَّتهم الحياة الدنيا» فلم يؤمنوا «وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين».

130

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الآية من بقية ما يذكره الله تعالى في توبيخ الكفار يوم القيامة، وبين تعالى أنه لا يكون لهم إلى الجحود سبيل، فيشهدون على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين، وإنهم لم يعذبوا إلا بالحجة. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة أمرهم واحد، ويحصل بينهم معاشرة ومخالطة، والجمع: المعاشر. وقوله: {رُسُلٌ مّنكُمْ } اختلفوا هل كان من الجن رسول أم لا؟ فقال الضحاك: أرسل من الجن رسل كالإنس وتلا هذه الآية وتلا قوله: {أية : وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } تفسير : [فاطر: 24] ويمكن أن يحتج الضحاك بوجه آخر وهو قوله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } تفسير : [الأنعام: 9] قال المفسرون: السبب فيه أن استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك، فوجب في حكمة الله تعالى أن يجعل رسول الإنس من الإنس ليكمل هذا الاستئناس. إذا ثبت هذا المعنى، فهذا السبب حاصل في الجن، فوجب أن يكون رسول الجن من الجن. والقول الثاني: وهو قول الأكثرين: أنه ما كان من الجن رسول البتة، وإنما كان الرسل من الأنس. وما رأيت في تقرير هذا القول حجة إلا ادعاء الإجماع، وهو بعيد لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف، ويمكن أن يستدل فيه بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [آل عمران: 33] وأجمعوا على أن المراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء القوم فقط، فأما تمسك الضحاك بظاهر هذه الآية، فالكلام عليه من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: { يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنّ وَٱلإنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ } فهذا يقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضاً من أبعاض هذا المجموع، وإذا كان الرسل من الإنس كان الرسل بعضاً من أبعاض ذلك المجموع، فكان هذا القدر كافياً في حمل اللفظ على ظاهره، فلم يلزم من ظاهر هذه الآية إثبات رسول من الجن. الثاني: لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا من الأنس إلا أنه تعالى كان يلقي الداعية في قلوب قوم من الجن حتى يسمعوا كلام الرسل ويأتوا قومهم من الجن ويخبرونهم بما سمعوه من الرسل وينذرونهم به، كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ }تفسير : [الأحقاف: 29] فأولئك الجن كانوا رسل الرسل، فكانوا رسلاً لله تعالى، والدليل عليه: أنه تعالى سمى رسل عيسى رسل نفسه. فقال: {أية : إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [يۤس: 14] وتحقيق القول فيه أنه تعالى إنما بكت الكفار بهذه الآية لأنه تعالى أزال العذر وأزاح العلة، بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين، فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق، فقد حصل ماهو المقصود من إزاحة العذر وإزالة العلة، فكان المقصود حاصلاً. الوجه الثالث: في الجواب قال الواحدي: قوله تعالى: {رُسُلٌ مّنكُمْ } أراد من أحدكم وهو الإنس وهو كقوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } تفسير : [الرحمٰن: 22] أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب. واعلم أن الوجهين الأولين لا حاجة معهما إلى ترك الظاهر أما هذا الثالث فإنه يوجب ترك الظاهر، ولا يجوز المصير إليه إلا بالدليل المنفصل. أما قوله: {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى } فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتلاوة وبالتأويل {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } أي يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا عند ذلك إلا الاعتراف، فلذلك قالوا: شهدنا على أنفسنا. فإن قالوا: ما السبب في أنهم أقروا في هذه الآية بالكفر وجحدوه في قوله: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23]. قلنا: يوم القيامة يوم طويل والأحوال فيه مختلفة، فتارة يقرون، وأخرى يجحدون، وذلك يدل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم، فإن من عظم خوفه كثر الاضطراب في كلامه. ثم قال تعالى: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } والمعنى أنهم لما أقروا على أنفسهم بالكفر، فكأنه تعالى يقول: وإنما وقعوا في ذلك الكفر بسبب أنهم غرتهم الحياة الدنيا. ثم قال تعالى: {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ } والمراد أنهم وإن بالغوا في عداوة الأنبياء والطعن في شرائعهم ومعجزاتهم، إلا أن عاقبة أمرهم أنهم أقروا على أنفسهم بالكفر، ومن الناس من حمل قوله: {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ } بأن تشهد عليهم الجوارح بالشرك والكفر، ومقصودهم دفع التكرار عن الآية، وكيفما كان، فالمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجرهم في الدنيا عن الكفر والمعصية. واعلم أن أصحابنا يتمسكون بقوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَـٰتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } على أنه لا يحصل الوجوب البتة قبل ورود الشرع، فإنه لو حصل الوجوب واستحقاق العقاب قبل ورود الشرع لم يكن لهذا التعليل والذكر فائدة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ} أي يوم نحشرهم نقول لهم ألم يأتكم رسل، فحذف؛ فيعترفون بما فيه افتضاحهم. ومعنى «منكم» في الخلق والتكليف والمخاطبة. ولما كانت الجن ممن يُخاطب ويعقل قال: «منكم» وإن كانت الرسل من الإنس وغلّب الإنس في الخطاب كما يُغلّب المذكر على المؤنث. وقال ابن عباس: رسل الجن هم الذين بلّغوا قومَهم ما سمعوه من الوحي؛ كما قال: {أية : وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} تفسير : [الأحقاف: 29]. وقال مُقاتِل والضحّاك: أرسل الله رسلاً من الجن كما أرسل من الإنس. وقال مجاهد: الرسل من الإنس، والنُّذُر من الجن؛ ثم قرأ «إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ». وهو معنى قولِ ابن عباس، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في «الأحقاف». وقال الكلبيّ: كانت الرسل قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يُبعثون إلى الإنس والجن جميعاً. قلت: وهذا لا يصحّ، بل في صحيح مسلم من حديث جابر ابن عبد الله الأنصاريّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيتُ خمساً لم يُعطهُنّ نبيّ قبلي كان كلّ نبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً وبُعثتُ إلى كل أحمرَ وأسوَد»تفسير : الحديث. على ما يأتي بيانه في «الأحقاف». وقال ابن عباس: كانت الرسل تُبعث إلى الإنس وإن محمداً صلى الله عليه وسلم بُعث إلى الجن والإنس؛ ذكره أبو الليث السَّمَرْقَنْدِيّ. وقيل: كان قوم من الجن ٱستمعوا إلى الأنبياء ثم عادوا إلى قومهم وأخبروهم؛ كالحال مع نبينا عليه السلام. فيقال لهم رسل الله، وإن لم يُنصّ على إرسالهم. وفي التنزيل: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ }تفسير : [الرحمن: 22] أي من أحدهما، وإنما يخرج من المِلح دون العَذْب، فكذلك الرسل من الإنس دون الجن؛ فمعنى «منكم» أي من أحدكم. وكان هذا جائزاً؛ لأن ذكرهما سبق. وقيل: إنما صيّر الرسل في مخرج اللفظ من الجميع لأن الثَّقَلين قد ضمتهما عَرْصة القيامة، والحساب عليهم دون الخلق؛ فلما صاروا في تلك العَرْصة في حساب واحد في شأن الثواب والعقاب خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة كأنهم جماعة واحدة؛ لأن بدء خلقهم للعبودية، والثوابُ والعِقاب على العبودية، ولأن الجن أصلهم من مارج من نار، وأصلنا من تراب، وخلقهم غير خلقنا؛ فمنهم مؤمن وكافر. وعدوّنا إبليس عدوّ لهم، يعادي مؤمنهم ويُوالِي كافرهم. وفيهم أهواء: شِيعَةٌ وقدريّة ومُرْجئة يتلون كتابنا. وقد وصف الله عنهم في سورة «الجن» من قوله: «وَأَنَّا مِنَّا المُسْلِمُونَ ومِنَّا القَاسِطُونَ». {أية : وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً }تفسير : [الجن: 11]على ما يأتي بيانه هناك. {يَقُصُّونَ} في موضع رفع نعت لرسل. {قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا} أي شهدنا أنهم بلّغوا. {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} قيل: هذا خطاب من الله للمؤمنين؛ أي أن هؤلاء قد غرّتهم الحياة الدنيا، أي خدعتهم وظنّوا أنها تدوم، وخافوا زوالها عنهم إن آمنوا. {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ} أي ٱعترفوا بكفرهم. قال مُقاتل: هذا حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك وبما كانوا يعملون.

ابن كثير

تفسير : وهذا أيضاً مما يقرع الله به كافري الجن والإنس يوم القيامة، حيث يسألهم، وهو أعلم: هل بلغتهم الرسل رسالاته؟ وهذا استفهام تقرير {يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} أي: من جملتكم، والرسل من الإنس فقط، وليس من الجن رسل، كما قد نص على ذلك مجاهد وابن جريج وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف، وقال ابن عباس: الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر. وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن في الجن رسلاً، واحتج بهذه الآية الكريمة، وفيه نظر؛ لأنها محتملة، وليست بصريحة، وهي - والله أعلم - كقوله: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تِكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 19 - 21] إلى أن قال: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22] ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان من الملح، لا من الحلو، وهذا واضح، ولله الحمد، وقد ذكر هذا الجواب بعينه ابن جرير، والدليل على أن الرسل إنما هم من الإنس، قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ}تفسير : - إلى قوله - {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [النساء: 163 - 165]. وقوله تعالى عن إبراهيم: {وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس: إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته، وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 20] وقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} ومعلوم أن الجن تبع للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخباراً عنهم: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلأَرْضَ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَـٰئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأحقاف:29-32] وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا عليهم سورة الرحمن، وفيها قوله تعالى: {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 31 - 32]. وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {أية : يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَـٰتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا} تفسير : [الأنعام: 130] أي: أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك، وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة، وقال تعالى: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} أي: وقد فرطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا؛ بتكذيبهم الرسل؛ ومخالفتهم للمعجزات؛ لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها، {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي: يوم القيامة {أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ} أي: في الدنيا؛ بما جاءتهم به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ } أي من مجموعكم أي بعضكم الصادق بالإِنس أو رسل الجنّ، نذرهم الذين يسمعون كلام الرسل فيبلغون قومهم {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا } أن قد بلغنا. قال تعالى: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } فلم يؤمنوا {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَٰفِرِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَا مَعشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} المعشر: الجماعة التامة من القوم التي تشتمل على أصناف الطوائف، ومنه قيل للعَشَرَة لأنها تمام العِقْد. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلُ مِنْكُمْ يَقُصُّون عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي} اختلفوا في الرسالة إلى الجن على ثلاثة أقاويل. أحدها: ان الله بعث إلى الجن رسلاً منهم، كما بعث إلى الإنس رسلاً منهم، قاله الضحاك وهو ظاهر الكلام. والثاني: أن الله لم يبعث إليهم رسلاً منهم، وإنما جاءتهم رسل الإنس، قاله ابن جريج، والفراء، والزجاج، ولا يكون الجمع في قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنُكُمْ} مانعاً من أن يكون الرسل من أحد الفريقين، كقوله تعالى: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22] وإنما هو خارج من أحدهما. والثالث: أن رسل الجن هم الذين لمَّا سمعوا القرآن {أية : وَلَّواْ إِلَى قَومِهِم مُّنذِرِينَ} تفسير : [الأحقاف: 29]، قاله ابن عباس. وفي دخولهم الجنة قولان: أحدهما: قاله الضحاك. والثاني: أن ثوابهم أن يجاروا من النار، ثم يُقَال لهم كونوا تراباً كالبهائم، حكاه سفيان عن ليث. {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} يحتمل وجهين: أحدهما: ينذرونكم خذلان بعضكم لبعض وتبرؤ بعضكم من بعض في يوم القيامة. والثاني: ينذرونكم ما تلقونه فيه من العذاب على الكفر، والعقاب على المعاصي. {قالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا} يحتمل وجهين: أحدهما: إقرارهم على أنفسهم بأن الرسل قد أنذروهم. والثاني: شهادة بعضهم على بعض بإنذار الرسل لهم. {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} فيه وجهان: أحدهما: وغرتهم زينة الحياة الدنيا. والثاني: وغرتهم الرياسة في الدنيا. ويحتمل ثالثاً: وغرتهم حياتهم في الدنيا حين أمهلوا. {وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِم} وفي هذه الشهادة أيضاً الوجهان المحتملان إلا أن تلك شهادة بالإنذار وهذا بالكفر.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس} داخل في القول يوم الحشر، والضمير في {منكم} قال ابن جريج وغيره عمم بظاهرة الطائفتين والمراد الواحدة تجوزاً، وهذا موجود في كلام العرب، ومنه قوله تعالى: {أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} تفسير : [الرحمن:22] وذلك إنما يخرج من الأجاج، وقال الضحاك الضمير عائد على الطائفتين وفي الجن رسل منهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقال ابن عباس الضمير عائد على الطائفتين ولكن رسل الجن هم رسل الإنس، فهم رسل الله بواسطة إذ هم رسل رسله، وهم النذر، و {يقصون} من القصص، وقرأ عبد الرحمن الأعرج "ألم تكن تأتيكم" بالتاء على تأنيث لفظ "الرسل" وقولهم: {شهدنا} إقرار منهم بالكفر واعتراف أي شهدنا على أنفسنا بالتقصير، وقوله {وغرتهم الحياة الدنيا} التفاتة فصيحة تضمنت أن كفرهم كان بأذم الوجوه لهم وهو الاغترار الذي لا يواقعه عاقل، ويحتمل {غرتهم} أن يكون بمعنى أشبعتهم وأطعمتهم بحلوائها كما يقال غر الطائر فرخه وقوله {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} تظهر بينه وبين ما في القرآن من الآيات التي تقتضي إنكار المشركين الإشراك مناقضة، والجمع بينهما هو إما بأنها طوائف، وإما طائفة واحدة في مواطن شتى، وإما ان يريد بقوله ها هنا: {وشهدوا على أنفسهم} ، شهادة الأيدي والأرجل والجلود بعد إنكارهم بالألسنة. قال القاضي أبو محمد: واللفظ ها هنا يبعد من هذا، وقوله تعالى: {ذلك أن لم يكن} الآية، {ذلك} يصح أن يكون في موضع رفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره ذلك الأمر، ويصح أن يكون في موضع نصب بتقدير فعلنا و {أن} مفعول من أجله و {القرى} المدن، والمراد أهل القرى، و {بظلم} يتوجه فيه معنيان، أحدهما أن الله عز وجل لم يكن ليهلك المدن دون نذارة، فيكون ظلماً لهم إذا لم ينذرهم، والله ليس بظلام للعبيد، والآخر أن الله عز وجل لم يهلك أهل القرى بظلم إذ ظلموا دون أن ينذرهم، وهذا هو البين القويّ، وذكر الطبري رحمه الله التأويلين، وقوله تعالى: {ولكل درجات} الآية إخبار من الله عز وجل أن المؤمنين في الآخرة على درجات من التفاضل بحسب أعمالهم وتفضل الله عليهم، والمشركين أيضاً على درجات من العذاب. قال القاضي أبو محمد: ولكن كل مؤمن قد رضي بما أعطي غاية الرضى، وقرأت الجماعة سوى ابن عامر "يعملون" على لفظ كل، وقرأ ابن عامر وحده "تعملون" على المخاطبة بالتاء.

ابن عبد السلام

تفسير : {رُسُلٌ} الجن من الجن، قاله الضحاك، أو يبعث رسول من الجن وإنما جاءهم رسل الإنسن فقوله {مِّنكُمْ} كقوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا}تفسير : [الرحمن: 22] يريد من أحدهما، أو رسل الجن هم الذين لما سمعوا القرآن وَلَّوْا إلى قومهم منذرين.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ...} الآية: هذا الكلامُ داخلٌ في القول يَوْمَ الحشر. قال الفَخْر: قال أهل اللغة: المَعْشَر: كلُّ جماعةٍ أَمْرهم واحدٌ، وتَحْصُلُ بينهم معاشرةٌ ومخالطةٌ، فالمَعْشَر: المُعَاشِر. انتهى، و {مِّنكُمْ}: يعني: مِنَ الإنس؛ قاله ابن جُرَيْج وغيره، وقال ابن عباس: من الطائفَتَيْنِ، ولكنْ رسلُ الجِنِّ هم رُسُلِ الإنسِ، وهم النُّذُر، و {يَقُصُّونَ}: من القَصَص، وقولهم: {شَهِدْنَا}: إقرار منهم بالكفر. وقوله سبحانه: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا}: ٱلتفاتة فصيحةٌ تضمَّنت أنَّ كفرهم كان بأذَمِّ الوجوه لهم، وهو الاغترار الذي لا يواقعه عاقلٌ، ويَحْتَمِلُ {غَرَّتهم}؛ أنْ يكون بمعنى: أشبعتهم وأطغتهم بحَلْوَائها؛ كما يقال: غَرَّ الطَّائِرُ فَرْخَهُ. وقوله سبحانه: {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ}: الجمع بيْنَ هذه الآية وبَيْن الآي التي تقتضي إنكار المشركين الإشْرَاكَ هو إمَّا بأنها طوائفُ، وإما بأنها طائفةٌ واحدةٌ في مواطنَ شَتَّىٰ. وقوله: {ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ}، أي: ذلك الأمر، و {ٱلْقُرَىٰ}: المُدُن، والمراد: أهل القُرَىٰ، و {بِظُلْمٍ}: يحتمل معنيين: أحدهما: أنه لم يكُنْ سبحانه لِيُهْلِكَهم دون نِذَارة، فيكون ظُلْماً لهم، واللَّه تعالَىٰ ليس بظلاَّم للعبيد. والآخر: أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يُهْلِكْهم بظلمٍ واقعٍ منهم دون أنْ ينذرهم، وهذا هو البيِّن القويُّ، وذكر الطبري (رحمه اللَّه) التأويلين. وقوله سبحانه: {وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ...} الآية: إخبارٌ من اللَّه سبحانه أنَّ المؤمنين في الآخرة على درجاتٍ من التفاضُل بحَسَب أعمالهم، وتفضُّل المولَىٰ سبحانه عليهم، ولكنْ كلٌّ راضٍ بما أعطِيَ غايةَ الرضا، والمشركون أيضاً علَىٰ دركاتٍ من العذابِ، قلتُ: وظاهر الآية أن الجنَّ يثابون وينالُونَ الدَّرَجَاتِ والدَّرَكَاتِ، وقد ترجم البخاريُّ على ذلك، فقال: ذِكْر الجنِّ وثَوَابِهِم وعقابِهِم؛ لقوله تعالى: {يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ...} الآية، إلى قوله: {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ...}، قال الداووديُّ: قال الضحاكُ: مِنَ الجنِّ مَنْ يدخل الجنَّة، ويأكل ويشرب. انتهى.

ابن عادل

تفسير : هذه الآية من بَقِيَّة توبيخ الكُفَّارِ يوم القيامة. قال أهل اللُّغة: المَعْشَر كُل جماعةِ أمْرُهُم واحد، ويَحصُل بنيهم مُعَاشَرة ومُخالطة، والجَمْع: مَعَاشر. قوله: "مِنْكُم" في محلِّ رفعٍ صفة لرسُل، فيتعلَّق بمحْذُوفٍ، وقوله: "يَقُصُّونَ" يحتمل أن يكون صِفَة ثَانِيةَ، وجاءت كذا مَجِيئاً حَسَناً، حيث تَقدَّم ما هو قَرِيبٌ من المُفْرَد على الجُمْلَة، ويحْتَمل أن يكُون في مَحَلِّ نصب على الحالِ، وفي صَاحِبها وجهان: أحدهما: هو رُسُل وجَازَ ذَلِك وإن كان نَكِرَة؛ لتخَصُّصِه بالوَصْفِ. والثاني: أنه الضَّمير المسْتَتِر في "مِنْكُم" وقوله: "رُسُلٌ مِنْكم" زعم الفرَّاء: أن في هذه الآيَةِ حَذْف مُضَافٍ، أي: "ألم يَأتِكُم رُسُلٌ من أحَدِكم، يعني: من جِنْس الإنْس" قال: كقوله - تعالى -: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱللًّؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن:22]، وإنما يَخْرُجَان من المِلْح {أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} تفسير : [نوح:16] وإنما هو في بَعْضِها، فالتَّقدير: يَخْرُجُ من أحدهما، وجعل القمر في إحْدَاهُنَّ فحذف للعِلْم به، وإنما احْتَاج الفرَّاء إلى ذلك؛ لأن الرُّسُل عنده مُخْتَصَّة بالإنْسِ، يعني: أنه لم يعْتَقِد أنَّ اللَّه أرْسَل للجِنِّ رَسَولاً مِنْهُم، بل إنما أرْسَل إليهم الإنْس، كما يُرْوَى في التَّفْسير, وعليه قَامَ الإجْمَاع أن النَّبِي محمداً صلى الله عليه وسلم مرسلٌ للإنْسِ والجِنِّ، وهذا هو الحَقُّ، أعني: أن الجِنَّ لم يُرْسَل منهم إلا بواسطةِ رِسالَة الإنْس؛ كما جاء في الحَدِيث مع الجِنِّ الذين لمَّا سَمِعُوا القُرآن ولَّوْا إلى قََوْمِهِم مُنْذِرين، ولكن لا يَحْتَاجُ إلى تَقْدير مُضَافٍ، وإن قلنا: إن رُسُل الجنِّ من الإنس للمَعْنى الذي ذَكّرْنَاه, وهو أنه يُطْلَق عليهم رُسُلٌ مجازاً؛ لكونهم رُسُلاً بواسطة رسالة الإنْسِ، وزعم قومٌ منهم الضَّحًّاك: أن الله أرْسَل للجِنِّ رسُولاً منهم يُسَمَّى يُوسُف. قال ابن الخطيب: ودَعْوَى الإجماع في هذا بعيدٌ؛ لأنه كَيْف ينعقد الإجماعُ مع حُصُول الاختلافِ، قال: ويمكنُ أن يَحْتَجَّ الضحَّاك بقوله - تبارك وتعالى -: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} تفسير : [الأنعام:9]. قال المفسِّرُون: والسَّبب في أن استِئْنَاسَ الإنسان بالإنْسَانِ أكْمل من استِئْنَاسه بالملك، فوجب في حُكم اللَّه - تبارك وتعالى - أن يَجْعَل رُسُل الإنْس من الإنْس؛ ليكمل الاستِئْنَاسُ، وهذا المَعْنَى حَاصِلٌ في الجنِّ، فوحب أن يكُون رُسُل الجِنِّ من الجِنِّ؛ لتزول النَّفْرَة ويَحْصُل كمال الاستِئْنَاسِ. وقال الكلبي: كانت الرُّسُل قبل أن يُبْعث محمَّد صلى الله عليه وسلم يُبْعَثُون إلى الجِنِّ وإلى الإنْسِ جَمِيعاً. وقال مُجَاهد: الرُّسُل من الإنس والنُّذُر من الجنِّ، ثم قرأ [قوله - تعالى -]: {أية : وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} تفسير : [الأحقاف:29]، وهم قوم يَسْمَعُون كلام الرُّسُل فِيُبَلِّغُون الجِنِّ ما سَمِعُوا، ولي للجِنِّ رُسُلٌ. ثم قال: {يَقُصُّونَ عليكم آيَاتِي} أي: يَقْرءُون عليكم كُتُبِي {وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} وهو يوم القيامة، فلم يَِجِدُوا عند ذلِك إلا الاعتراف، فذلك قالوا: شَهِدْنَا على أنْفُسِنَا. فإن قيل: كيف أقَرُّوا في هذه الآيةِ الكريمة بالكُفْرِ, وجَحَدوا في قوله: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام:23]. فالجواب: يوم القيامة يوم طَويلٌ، والأحْوال في مُخْتَلِفَةٌ، فتارة يُقِرُّون وأخْرى يَجْحَدُون، وذلك يَدُلُّ على شِدَّة الخَوْفِ واضْطِرَاب أحْوالِهم، فإن من عَظُمَ خَوْفُه، كَثُر الاضْطِرَابُ في كلامه، قال - تبارك وتعالى -: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي: أنهم إنِّما وقعُوا في الكُفر بسبب أنَّ الحياة الدُّنْيا غَرَّتْهُم، حتى لم يُؤمِنُوا وشَهِدُوا على أنْفُسِهِم أنَّهم كَانُوا كافِرين، وحمل مُقَاتِل قوله {وَشَهِدُوا على أنْفُسهمْ} بأنه تَشْهد عَلَيْهِم الجَوَارحُ بالشِّرْك والكُفْر ومَقْصُوده دفع التكْرَار عن الآية الكريمة، وهذه الآيةُ تَدُلُّ على أنَّه لا تَكِليف قَبْل ورُودِ الشَّرْع، وإلاَّ لم يَكُن لهذا التَّعْلِيل فَائِدَة.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم} قال: ليس في الجن رسل إنما الرسل في الإِنس والنذارة في الجن، وقرأ {أية : فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين} تفسير : [الأحقاف: 29] . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {رسل منكم} قال: رسل الرسل {أية : ولوا إلى قومهم منذرين}تفسير : [الأحقاف: 29] . وأخرج ابن جرير عن الضحاك. أنه سئل عن الجن هل كان فيهم نبي قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ألم تسمع إلى قول الله {يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم} يعني بذلك أن رسلاً من الإِنس ورسلاً من الجن {قالوا بلى} .

القشيري

تفسير : عرَّفهم أنه أزاح لهم العِلَلَ من حيث التزام الحجة، لكنه حكم لهم بالشقوة في الأزل، (فَلبَّسَ) عليهم المحجة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا معشر الجن والانس ألم يأتكم} اى يقول الله تعالى يوم القيامة للثقلين جميعا ألم يأتكم فى الدنيا اى كل فريق منكم {رسل} اى رسول معين من الله تعالى {منكم} صفة لرسل اى كائنة منكم. اعلم ان الجن والانس مكلفون بالاتفاق لكن الرسول اليهم يحتمل ان يكون من جنسهم كما كان جبريل ونحوه رسل الملائكة من جنسهم وخواص البشر رسل الانس من انفسهم لان الجنس الى الجنس اميل والاستفادة والاستئناس فى الجنسية وخواص البشر رسل الانس من انفسهم لان الجنس الى الجنس اميل والاستفادة والاستئناس فى الجنسية اظهر ويحتمل ان يكون من غير جنسهم بان يكون من البشر وذلك لا يمنع الاستفادة لانه يجوز ان يستفيد خواصهم من الرسل ويكونوا رسل الرسول الى قومهم كاستفادة خواص البشر من خواص الملائكة وقد قام الاجماع على ان نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل الى الثقلين ودعا كل واحد من الفريقين الى الايمان بالله واليوم الآخر وقد كان الانبياء قبله يبعثون الى قومهم خاصة واما سليمان عليه السلام فانه لم يبعث الى الجن بالرسالة العامة بل بالملك والضبط والسياسة التامة فقوله تعالى {رسل منكم} اما محمول على المعنى الاول بان يكون الرسل من جنس الفريقين. وقد ذهب اليه الضحاك ومن تبعه حيث قالوا لا معنى للعدول عن الظاهر بغير ضرورة وأيدوه بما قال ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى {أية : ومن الارض مثلهن} تفسير : [الطلاق: 12]. فى كل ارض نبى مثل نبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوح وابراهيم كابراهيم وعيسى كعيسى وصححه صاحب آكام المرجان كيف وابن عباس رضى الله عنهما سلطان المفسرين بالاتفاق ولا معنى لقول السخاوى فى المقاصد الحسنة انه اخذه من الاسرائيليات وهذا كما قالوا ان فى كل سماء كعبة حيالها يطوفها اهلها وكذا فى كل ارض ويناسب هذا ما قاله حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره خطاباً لحضرة الهدائى الآن عوالم كثيرة يتكلم فيها محمود وافتاده كثير واما محمول على المعنى الثانى وهو الذى ادعوا فيه الاجماع وفيه تفصيل شأن البشر فالرسل من الانس خاصة لكن لما جمعوا مع الجن فى الخطاب صح ذلك ونظيره {أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} تفسير : [الرحمٰن: 22]. والمرجان يخرج من الملح دون العذب وقيل الرسل يعم رسل الرسل وقد ثبت ان نفرا من الجن قد استمعوا القرآن وانذروا به قومهم هذا ما وفقنى الله تعالى لترتيبه وتهذيبه فى هذا الباب والله يقول الحق ويهدى الى الصواب {يقصون عليكم آياتى} اى يقرأون عليكم كتبى {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} يعنى يوم القيامة {قالوا} جوابا عند ذلك التوبيخ الشديد {شهدنا على انفسنا} ان قد بلغنا وهو اعتراف منهم بالكفر واستحقاق العذاب وشهدنا انشاء الشهادة مثل بعت واشتريت فلفظ الماضى لا يقتضى تقدم الشهادة {وغرتهم الحياة الدنيا} فلم يؤمنوا {وشهدوا على انفسهم} فى الآخرة {انهم كانوا} فى الدنيا {كافرين} اى بالآيات والنذر التى أتى بها الرسل وهو ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم فانهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المخدجة واعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة امرهم ان اضطروا الى الشهادة على انفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيرا للسامعين من مثل حالهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ذلك أن لم يكن ربك}: خبر عن مضمر، وأن على حذف لام العلة، أي: الأمر ذلك؛ لأجل أن لم يكن ربك متصفًا بالظلم. يقول الحقّ جلّ جلاله: يوم القيامة في توبيخ الكفار: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} أي: من مجموعكم، أو رسل الجن: نُذُرُهم الذين يبلغون لهم شريعة الأنس؛ إذ ليس في الجن رسل على المشهور. ورَوى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، واحتج بأنا لله تعالى أخبَر أن من الجن والإنس رسلاً أرسلوا إليهم، يعني ظاهر هذه الآية. وأجاب الجمهور بأن معنى الآية: أن رسل الإنس رسل من قبل الله أليهم، ورسل الجن يبلغون كلام رسل الأنس إليهم، ولهذا قال قائلهم: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى } تفسير : [الأحقاف:30] الآية، فالرسالة إلى الجن خاصة بنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، أي: مع الإنس. حال كون الرسل الذين أتوكم {يقصون عليكم آياتي ويُنذرونكم لقاء يومكم هذا} يعني يوم القيامة، قالوا في الجواب: {شهدنا على أنفسنا} بالكفر والعصيان، وهو اعتراف منهم بما فعلوا. قال تعالى: {وغرتهم الحياة الدنيا}؛ ألهتهم بزخرفها عن النظر والتفكر، {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}، وهذا ذم لهم على سُوء نظرهم وخطأ رأيهم، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات الفاتية، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية، حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد؛ تحذيرًا للسامعين وإرشادًا لهم. قاله البيضاوي. ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال: {ذلك} الإرسال حكمته لـ {أن لم يكن ربك مُهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} أي: إنما أرسلَ الرسل لئلا يكون ظالمًا لهم بإهلاكهم بسبب ظلم فعلوه، وهم غافلون عن الإنذار، بحيث لم ينذرهم أحد، أو: لم يكن مهلك القرى ملتبسًا بظلم حيث أهلكهم من غير إنذار، ففاعل الظلم، على الأول: القرى، وعلى الثاني: الله تعالى، على تقدير إهلاكهم من غير إنذار. والأول يتمشى على مذهب المعتزلة، والثاني على مذهب أهل السنة. انظر ابن جزي. {ولكلٍّ} من الإنس والجن {درجات}؛ مراتب، {مما عملوا} من أجل أعمالهم بالخير والشر، فهم متفاوتون في النعيم والعذاب، وظاهر الآية: أن الجن يُثابون ويُعاقبون؛ لأنهم مكلفون، وهو المشهور، واختلف: هل يدخلون الجنة أم لا؟ فروى الطبري وابنُ أبي حاتم عن أبي الدرداء موقوفًا: أنهم يكونون ترابًا كسائر الحيوانات، ورُوِي عن أبي حنيفة مثله، وذهب الجمهور ـ وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف، وغيرهم؛ أنهم يثابون على الطاعة ويدخلون الجنة. ثم اختلفوا، هل يدخلون مدخل الإنس، وهو الأكثر، أو يكونون في ربض الجنة، وهو عن مالك وطائفته، أو أنهم أصحاب الأعراف، أو التوقف عن الجواب؟ في هذا أربعة أقوال، والله تعالى أعلم بغيبه. {وما ربك بغافل عما يعملون} فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق عليه من ثواب أو عقاب. {وربك الغني} عن العباد وعبادتهم، {ذو الرحمة} يترحم عليهم بالتكليف، تكميلاً، ويمهلهم على المعاصي حلمًا، وليس له حاجة في طاعة ولا معصية، {إن يشأ يُذهبكم} أيها العصاة، {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} من الخلق، {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين}؛ فأنشأكم قرنًا بعد قرن، لكنه أبقاكم رحمة بكم، {إنَّ ما توعدون} من البعث وما بعده، {لآتٍ} لا محالة، {وما أنتم بمعجزين}؛ تعجزون قدرة الله الطالب لكم بالبعث والحساب. الإشارة: كما أن الحق تعالى لم يُعذب الكفار إلا بعد إرسال الرسل، كذلك لا يُعاقب أهل الإصرار إلا بعد بعث الأطباء؛ وهم أهل التربية النبوية، فكل من لم يصحبهم وينقد إليهم مات مصرًا على الكبائر ـ أي: كبائر القلوب ـ وهو لا يشعر، فيلقى الله بقلب سقيم، فيعاقبه الحق تعالى على عدم صحبتهم، ومعاتبته له: بُعدُهُ عن مشاهدته وعن مقام المقربين، فإذا رأى مقام المقربين وقربهم من الحضرة، قال: غرتنا الحياة الدنيا ورخارفها، وجاهها ورياستها، وشهد على نفسه أنه كان غافلاً. فحِكمة وجود الأولياء في كل قرن؛ لتقوم الحجة على أهل الغفلة، فإذا وقع البعد لقوم لم يكن الحقّ ظالمًا لهم، فالدرجات على حسب المقامات، والمقامات على حسب الأعمال، وأعمال القلوب هي التي تقرب إلى حضرة علام الغيوب، بها يقع القرب، وبالخلو عنها يقع البعد. وعليها دلت الأولياء بعد الأنبياء، لأن الأنبياء جاؤوا بالشريعة الظاهرة والحقيقة الباطنة، فمن رأوه أهلاً لسر الحقيقة دلًّوه عليها، فكان من المقربين، ومن رأوه ضعيفًا عنها دلوه على الشريعة، فكان من أصحاب اليمين. وبالله التوفيق. ثم أمره بتهديد قريش وتخويفهم، فقال: {قُلْ يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى انه يخاطب الجن والانس يوم القيامة بأن يقول {يا معشر الجن والإنس} والمعشر الجماعة. والفرق بينه وبين المجمع: أن المعشر يقع عليهم هذا الاسم مجتمعين كانوا او مفترقين كالعشيرة، وليس كذلك المجمع، لانه مأخوذ من الجمع. والجن مشتق الاجتنان عن العيون وهو اسم علم لجنس مما يعقل متميز عن جنس الانسان والملك. والانس هم البشر. وقوله {ألم يأتكم رسل منكم} احتجاج عليهم بأن الله بعث اليهم الرسل إِعذارا وانذارا وتأكيدا للحجة عليهم، ولا بد أن يكون خطابا لمن بعث الله اليهم الرسل، فأما اول الرسل فلا يمكن ان يكونوا داخلين فيه، لانه كان يؤدي الى ما لا نهاية لهم من الرسل وذلك محال. وقوله {منكم} وان كان خطابا لجميعهم، الرسل من الانس خاصة، فانه يحتمل ان يكون لتغليب احدهما على الآخر، كما يغلب المذكر على المؤنث، وكما قال {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} بعد قوله {أية : مرج البحرين يلتقيان} تفسير : وانما يخرج اللؤلؤ من الملح دون العذب. وكقولهم أكلت خبزا ولبنا وانما شرب اللبن. وكما يقولون: في هذه الدار سرو، وانما هو في بعضها. وهذا قول أكثر المفسرين: منهم ابن جريج والفراء والزجاج والرماني والبلخي والطبري. وروي عن ابن عباس انه قال: هم رسل الانس الى غيرهم من الجن كما قال تعالى {أية : وَلَّوْا إلى قومهم منذرين}.تفسير : وقال الضحاك: ذلك يدل على انه تعالى ارسل سلا من الجن. وبه قال الطبري واختاره البلخي أيضا، وهو الاقوى. وقال الجبائي والحسين بن علي المغربي: المعنى {ألم يأتكم} يعني معشر المكلفين والمخلوقين {رسل منكم} يعني من المكلفين. وهذا اخبار وحكاية عما يقال لهم في وقت حضورهم في الآخرة، وليس بخطاب لهم في دار الدنيا، وهم غير حضور، فيكون قبيحا، بل هو حكاية على ما قلناه. وقوله {يقصون عليكم آياتي} مثل يتلون عليكم دلائلي وبيناتي {وينذرونكم} يعني يخوفونكم {لقاء يومكم هذا} يعني لقاء ما تستحقونه من العقاب في هذا اليوم وحصولكم فيه. ثم أخبر تعالى عنهم انهم يشهدون على أنفسهم بالاعتراف بذلك والاقرار بأن الحياة الدنيا غرتهم، ويشهدون أيضا بانهم كانوا كافرين في دار الدنيا، فلذلك كرر الشهادة. ومعنى غرتهم الحياة الدنيا أي غرتهم زينة الدنيا ولذتها وما يرون من زخرفها وبهجتها. واستدل بهذه الآية قوم على ان الله لا يجوز ان يعاقب الا بعد ان يرسل الرسل، وان التكليف لا يصح من دون ذلك، وهذا ينتقض بما قلناه من اول الرسل، وانه صح تكليفهم وان لم يكن لهم رسل، فالظاهر مخصوص بمن علم الله ان الشرع مصلحة له، فان الله لا يعاقبهم الا بعد ان يرسل اليهم الرسل ويقيم عليهم الحجة بتعريفهم مصالحهم، فاذا خالفوا بعد ذلك استحقوا العقاب.

الجنابذي

تفسير : {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} بتقدير القول حالاً او مستأنفاً {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} من وجودكم فى عالمكم الصّغير او من سنخكم فى العالم الكبير وهو توبيخ لهم، وقد ورد انّ الله قد بعث من الجنّ رسولاً اليهم، ورسالة رسولنا (ص) كان الى الانس والجنّ كما ورد فى الاخبار {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ} اعترافاً بتقصيرهم {شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا} لمّا لم يجدوا مفرّاً اقرّوا {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} عطف على قالوا.

اطفيش

تفسير : {يا مَعْشر الجنِّ والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكُم} رسل من الإنس إلى الإنس تسمع من الملك، ورسل إلى الجن من الجن يرسلها إليهم بأمر الله، رسول الإنس يسمعون من رسول الإنس، وليس ذلك جمعاً بين الحقيقة والمجاز، لأن لفظ الرسول موضوع لرسول الله ورسول غيره، وهاهنا تذكرت قوله تعالى فى رسل عيسى عليه السلام: {أية : إنا إليكم مرسلون} تفسير : {إنا لمرسلون} يتبع {اتبعوا المرسلين} فى قول من يقول إنهم رسل عيسى لا رسل الله، وقد أرسل رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الجن إلى الجن رسلا منهم وقال الله فيهم: {أية : ولَّوا إلى قومهم منذرين} تفسير : وإنما فسرت بذلك الآية لأن الأنبياء كلهم من الإنس، وأما الجن فتسمع من رسل الإنس ومن أممهم، فالرسل فى الآية رسل من الإنس ورسل من الجن، لكن رسل الجن ليست مرسلة من الله، بل مرسلة من رسله، ثم رأيته عن ابن عباس، وفى الآية تأويل آخر هو أن الرسل فى الآية رسل الإنس، وأما الجن فتسمع منهم ومن أممهم، وعليه فنقوله: {منكم} أريد به المجموع لا جمع الفريقين، وليس المراد من هذا الفريق ومن هذا الفريق، فالرسل من الإنس فقط، وقيل منكم خطاباً للجن معهم لاستوائهم فى التكليف بما يجئ به الوحى، وجمع الخطاب لهم فى قوله: {يا معشر} وقوله: {يأتكم} كما شهر فى قوله: {أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} تفسير : أى منهما لم يعدهما لكن من أحدهما وهو المالح لا منهما جميعاً. وقال الضحاك رسل الجن من الجن يأتيها الوحى من الله، كما أن رسل الإنس من الإنس يأتيها الوحى من الله متمسكاً بظاهر الآية وبقوله تعالى: {أية : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}تفسير : وقوله تعالى: {أية : ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلا} تفسير : وقوله تعالى: {أية : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} تفسير : وجه الدلالة بالآيتين ظاهر لكن من تأويل الأولى، وأما الثانية فلا يتعين أن يكون النذير منهم، بل نظيرهم من الإنس رسول ينذرهم ويرسل إليهم، هو منذراً منهم، كما ذكر الإنذار مثل هذا وأريد به الإنذار بإرسال رسول الإنس رسولا منهم إليهم، إذ قال الله جل وعلا: {أية : وإذ صرفنا إليك} تفسير : الآية وأيضاً إذا كان فى أمة رجل مسلم أى يعظ ويذكر الأحكام والجن تسمع منه وتحضر مجلسه، فهو نذير الإنس خلاف الإنس والجن. وجه الدلالة بقوله: {ولو جعلنا} وقوله: {أية : وما أرسلنا من رسول} تفسير : لأن الحكمة فى جعل الرسل من الإنس للإنس، وجعلهم بلغة قومهم أن يتمكنوا من مواجهتهم ومن فهم كلامهم، ويأنسوا بهم، فكذا الرسول من الجن للجن أحق أن يتأسوا به، وقال الضحاك ومن تبعه: يحتمل أن يكون جاء بعد الإجماع على أن لا رسول من الجن، فلا يعتد به، ويحتمل انعقاد الإجماع بعده فبلغه، وهذا كله بعد وجود الإنس، وأما من زعم أن الجن قد عمرت الأرض قبل آدم، وأن إبليس والعياذ بالله ذرية منهم لا أولهم فلا يصح عندنا معشر الأباضية، وعلى تقدير صحته فرسلهم منهم قطعاً قبل آدم، وأجمعت الأمة أن رسول الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الثقلين. وقيل: رسل الجن منهم بواسطة رسل الإنس، بأن يوحى الله إلى رسول الإنس أن أرسل فلاناً من الجن إليهم، وهذا لا بأس به، كما أنه لا بأس بما مر أولا من أن رسول الإنس يرسل إليهم بعضا منهم مفوضاً، وجملة يا معشر الجن إلخ من مقول القول السابق، وقوله: {إن ربك} إلى {يكسبون} معترض، ومنكم نعت رسل، ومن للتبعيض أو متعلق بيأتكم، ومن للابتداء، والرسل غير داخلين فى الخطاب بالراء وكاف يأتكم، والمعنى من جنسكم على التأويلات السابقة. {يقصُّون} يلتون ويلقون {عليْكُم آياتِى} الآيات التى نزلت فى كتبى دالة على وجودى ووحدانيتى، وصدق رسلى، والجملة نعت رسل، أو حال منه، لكن الحال إذ جعلنا منكم نعتاً والنعت يجوز مطلقاً، وإذا جعلنا منكم نعتاً جاز أن تكون الجملة أيضا حالاً من المستكن فى منكم {وينْذِرُونكم لقاء يومِكُم هذا} يوم القيامة وإضافة لقاء ليوم إضافة لمفعوله، أى يخبرونكم خبراً شديداً وهو أنكم تبعثون، فإن لم تؤمنوا فى الدنيا وتطيعوا عوقبتم يوم تبعثون. {قالُوا شَهدْنا عَلى أنْفسِنا} قال كفار الجن والإنس يوم القيامة شهدنا على أنفسنا أن الرسل جاءتنا وبلغتنا رسالتك وعصينا ولم نؤمن، وقد استوجبنا العذاب وذلك اعتراف بألسنتهم أو بجوارحهم حين ختم على أفواههم، أو ختم عليها فتكلمت جوارحهم بذلك، ثم نطقت ألسنتهم فقالت: إن جوارحنا قد شهدت علينا، ذلك أنهم يوم القيامة تارة ينكرون وتارة يقرون، تقر جوارحهم وقد قالوا: {أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : فحينئذ ختم على أفواههم فنطقت جوارحهم، وهاهنا تم كلامهم واستأنف الله جل وعلا كلاماً فى ذمهم فقال: {وغرَّتهُم الحياةُ الدُّنيا} زينت لهم القبيح الذى عاقبته النار وهو الكفر والمعاصى اشتغلوا بهما عن الآخرة، والعطف على قالوا، ولو اختلف زمن الغرور والقول أو حال ماضية، أو من جملة المقول على الالتفات أى وغرتنا الحياة الدنيا. {وشَهدُوا على أنفُسِهم أنهُم كانُوا كافِرِينَ} بالبعث والرسول والوحدانية، أو بالله، فكل واحد ومقدار كفره، والجملة معطوفة على التى قبلها أو كلتاهما من الله، والأولى من مقولهم على الالتفات، والثانية من الله، ويجوز أيضا أن تكون الثانية من مقالهم أيضا مع الأولى على الالتفات، أى وغرتنا الحياة الدنيا، وشهدنا على أنفسنا أنا كنا كافرين، أى قد أقررنا لك بكفرنا على كل حال، فالله سبحانه ذكر ذلك تحذيراً عن حالهم.

اطفيش

تفسير : {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ والإِنْسِ} يقول لهم الله بما شاءَ، أَو تقول الملائكة لهم توبيخا، ويدل لقول الله "يقصون عليكم آياتى" وعلى أَن القول للملائكة يكون التقدير تقول الملائكة عن الله {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} إِنكار لانتفاء فثبت الإِتيان، وتوبيخ على ترك التأَثر بما جاءَت به الرسل {رُسُلٌ مِنْكُمْ} كثيرون عظام لم يخرجوا عنكم ويكونوا من غيركم، بل كانوا من بعضكم، فذلك حكم على المجموع وكل لا على الجميع ولا كلية، فلا ينافى أَن الأَنبياء من الإِنس فقط، لكن لما جمعوا مع الجن فى الخطاب وكلف الجن بما كلف به الإِنس وبواسطة أَنبياءِ الإِنس صح الخطاب، فلا دليل فى الاية لمن استدل بها على أَن رسل الجن من الجن، ولا فى قوله تعالى "أية : وإِن من أَمة إِلا خلا فيها نذير"تفسير : [فاطر: 24]؛ لأَن المراد أَمم الإِنس كما هو المتبادر من الآية، ولا فى قوله تعالى "أية : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا"تفسير : [الأنعام: 9] إِذ كانت علة جعل الملك رجلا أَنه أَليق فذلك يكون أَليق بالجن رجلا منهم؛ لأَنا نقول رسول الإِنس لائق بهم يسمعون منه وممن أَخذ منه ويحضرون الدروس ولا نراهم، وربما سمع سؤال منهم، وقد استمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: الآية تدل على أَن رسل الجن من الجن لكن لم يوح إِليهم بل سمعوا من رسل الإِنس الموحى إِليهم، والمراد بالرسل فى الاية ما شمل رسل الرسل كقوله تعالى "أية : ولوا إِلى قومهم منذرين" تفسير : [الأحقاف: 29] وهذا كما سمى الله عز وجل رسل عيسى رسل الله، قال "أية : إِذ أَرسلنا إِليهم اثنين"تفسير : [يس: 14] وقام الإِجماع على أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل إِلى الجن والإِنس، قلنا: هو مرسل إِلى الأَنبياءِ قبله وأَممهم، وإِلى الجن أَيضا قبله، فقد وبخوا بكفر مع إِتيانه صلى الله عليه وسلم إِليهم بالآيات كما عمه قوله {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِى وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} يوم القيامة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما أَن الجن قتلوا نبيا لهم قبل آدم اسمه يوسف. وأَن الله تعالى بعث إِليهم رسولا وأَمرهم بطاعته. ولكن لم يثبت ذلك إِلى ابن عباس بسند. ولا شك أَن الأَنبياء أَرسلهم الله عز وجل إِلى الجن؛ لأَنه لا يهمل الجن كما لا يهمل الإِنس، إِما بلا وساطة وهو وجه ضعيف حتى قيل وقع الإِجماع أَنه لم يرسل إِليهم منهم أَو بواسطة الآخذين عنهم من بنى آدم، قالوا إِنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى فيقال أَنهم يهود من الجن لم يعرفوا أَمر عيسى عليهما السلام. وعن الكلبى الثانى. أَنه كانت الأَنبياء رسلا إِلى الإِنس حتى بعث صلى الله عليه وسلم إِلى الإِنس والجن، ومعنى يقص يحدث بالكلام على وجهه مبينا كما يتتبع أَثر قدم؛ كأَنه قيل فماذا قالوا عند ذلك التوبيخ فقال {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} اعترفنا بأَن الرسل قد بلغتنا بلا واسطة وبها، فإِنه إِذا كان الرسل يتكلمون بالوحى يسمع الحاضر من الجن ولا عذر لنا فى كفرنا ومخالفتنا {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} فمالوا إِلى لذات الكفر والكسل {وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} فى الدنيا، ذمهم الله على سوءِ صنعهم بالإِصرار واعترافهم فى وقت لا يدفع عنهم الاعتراف ما استوجبه من العقاب، وهذا الإِخبار زجر لغيرهم عن مثل ذلك، وهذا الاعتراف بأَلسنتهم فى موطن من مواطن القيامة حيث اشتد إِياسهم أَو ختم على أَلسنتهم وأَقرت جوارحهم، وفى موطن قبل هذا رأَوا ما للمؤمنين من الخير فقالوا "أية : والله ربنا ما كنا مشركين" تفسير : [الأنعام: 23] ظنا أَن الإِنكار ينفعهم، والشهادة الأُولى فى الآية إِخبار باعترافهم والثانية تخطئة لرأَيهم.

الالوسي

تفسير : {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ} شروع في حكاية ما سيكون من توبيخ المعشرين وتقريعهم بتفريطهم فيما يتعلق بخاصة أنفسهم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} في الدنيا {رُسُلٌ} من عند الله عز وجل كائنة {مِّنكُمْ} أي من جملتكم لكن لا على أن يأتي كل رسول كل واحدة من الأمم ولا على أن أولئك الرسل عليهم السلام من جنس الفريقين معاً بل على أن يأتي كل أمة رسول خاص بها وعلى أن تكون من الإنس خاصة إذ المشهور أنه ليس من الجن رسل وأنبياء، ونظيره في هذا قوله تعالى: { أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } تفسير : [الرحمن: 22] فإنهما إنما يخرجان من الملح فقط كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. والفراء قدر هنا مضافاً لذلك أي من أحدكم، وقال غير واحد: المراد بالرسل ما يعم رسل الرسل، وقد ثبت أن الجن استمعوا القرآن وأنذروا به قومهم فقد قال سبحانه: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ} إلى قوله عز وجل: { أية : وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } تفسير : [الأحقاف: 29]. وعن الضحاك وغيره أن الله تعالى أرسل للجن رسلاً منهم وصرح بعضهم أن رسولاً منهم يسمى يوسف، وظاهر الآية يقتضي إرسال الرسل إلى كل من المعشرين من جنسهم وادعى بعض قيام الإجماع على أنه لم يرسل إلى الجن رسول منهم وإنما أرسل إليهم من الإنس وهل كان ذلك قبل بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام أم لا؟ الذي نص عليه الكلبي الثاني قال: كان الرسل يرسلون إلى الإنس حتى بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِى} التي أوحيتها إليهم، والجملة صفة أخرى لرسل محققة لما هو المراد من إرسالهم من التبليغ والإنذار وقد حصل ذلك بالنسبة إلى الثقلين {وَيُنذِرُونَكُمْ} أي يخوفونكم بما في تضاعيفها من القوارع {لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} أي يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه ما عاينوا. {قَالُواْ} استئناف بياني، والمقصود منه حكاية قولهم: كيف يقولون وكيف يعترفون {شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} أي بإتيان الرسل وقصهم وإنذارهم وبمقابلتهم إياهم بالكفر والتكذيب، وقوله سبحانه: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا} مع ما عطف عليه اعتراض لبيان ما أداهم في الدنيا إلى ارتكاب القبائح التي ارتكبوها وألجأهم في الآخرة إلى الاعتراف بالكفر واستيجاب العذاب وذم لهم بذلك وتسفيه لرأيهم فلا تكرار في الشهادتين أي واغتروا في الدنيا بالحياة الدنيئة واللذات الخسيسة الفانية وأعرضوا عن النعيم المقيم الذي بشرت به الرسل عليهم السلام واجترأوا على ارتكاب ما يجرهم إلى العذاب المؤبد الذي أنذروهم إياه {وَشَهِدُواْ} في الآخرة {عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ} في الدنيا {كَافرينَ} بالآيات والنذر واضطروا إلى الاستسلام لأشد العذاب، وفي ذلك من تحسرهم وتحذير السامعين عن مثل صنيعهم ما لا مزيد عليه.

ابن عاشور

تفسير : هذا من جملة المقاولة الّتي تجري يوم الحشر، وفصلت الجملة لأنَّها في مقام تعداد جرائمهم التي استحقّوا بها الخلود، إبطالاً لمعذرتهم، وإعلاناً بأنَّهم محقوقون بما جُزوا به، فأعاد نداءهم كما ينادَى المندّد عليه الموبَّخ فيزداد روْعاً. والهمزة في {ألم يأتيكم} للاستفهام التّقريري، وإنَّما جعل السؤال عن نفي إتيان الرّسل إليهم لأنّ المقرّر إذا كان حاله في ملابسة المقرّر عليه حالَ من يُظنّ به أن يجيب بالنَّفي، يؤتى بتقريره داخلاً على نفي الأمر الّذي المراد إقراره بإثباته، حتّى إذا أقرّ بإثباته كان إقراره أقطع لعُذره في المؤاخذة به،كما يقال للجاني: ألَسْت الفاعل كذا وكذا، وألست القائل كذا، وقد يسلك ذلك في مقام اختبار مقدار تمكّن المسؤول المقرّر من اليقين في المقرّر عليه، فيؤتى بالاستفهام داخلاً على نفي الشّيء المقرّر عليه، حتىّ إذا كانت له شبهة فيه ارتبك وتلعثم. ومنه قوله تعالى: { أية : وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم } تفسير : [الأعراف: 172]، ولمّا كان حال هؤلاء الجنّ والإنس في التمرّد على الله، ونبذ العمل الصّالح ظهرياً، والإعراض عن الإيمان، حالَ من لم يطرق سمعه أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، جيء في تقريرهم على بعثَة الرّسل إليهم بصيغة الاستفهام عن نفي مجيء الرّسل إليهم، حتّى إذا لم يجدوا لإنكار مجيء الرّسل مساغاً، واعترفوا بمجيئهم، كان ذلك أحرى لأخذهم بالعقاب. والرّسل: ظاهره أنّه جمع رسول بالمعنى المشهور في اصطلاح الشّرع، أي مرسل من الله إلى العباد بما يرشدهم إلى ما يجب عليهم: من اعتقاد وعمل، ويجوز أن يكون جمع رسول بالمعنى اللّغوي وهو من أرسله غيره كقوله تعالى: { أية : إذْ جاءها المرسلون } تفسير : [يس: 13] وهم رسل الحواريين بعد عيسى. فوَصْف الرّسل بقوله: {منكم} لزيادة إقامة الحجّة، أي رسل تعرفونهم وتسمعونهم، فيجوز أن يكون (مِن) اتِّصالية مثل الّتي في قولهم: لَسْتُ منك ولستَ مِنِّي، وليست للتّبعيض، فليست مثل الّتي في قوله: { أية : هو الذي بعث في الأمّيين رسولاً منهم } تفسير : [الجمعة: 2] وذلك أنّ رسل الله لا يكونون إلاّ من الإنس، لأنّ مقام الرّسالة عن الله لا يليق أن يجعل إلاّ في أشرف الأجناس من الملائكة والبشر، وجنسُ الجنّ أحَطّ من البشر لأنَّهم خلقوا من نار. وتكون (من) تبعيضية، ويكون المراد بضمير: {منكم} خصوص الإنس على طريقة التغليب، أو عود الضّمير إلى بعض المذكور قَبله كما في قوله تعالى: { أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } تفسير : [الرحمٰن: 22] وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من البحر الملح. فأمّا مؤاخذة الجنّ بمخالفة الرّسل فقد يخلق الله في الجنّ إلهاماً بوجوب الاستماع إلى دعوة الرّسل والعمل بها، كما يدلّ عليه قوله تعالى في سورة الجنّ: { أية : قُل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجنّ فقالوا إنَّا سمعنا قُرآناً عجبا } تفسير : [الجن: 1] الآية، وقال في سورة الأحقاف (30، 31): { أية : قالوا يا قَوْمنا إنَّا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدّقا لما بين يديه يهدي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويُجركم من عذاب أليم } تفسير : ذلك أن الظواهر تقتضي أنّ الجنّ لهم اتّصال بهذا العالم واطّلاع على أحوال أهله: { أية : إنَّه يَراكم هو وقبيلُه من حيث لا ترونهم } تفسير : [الأعراف: 27] فضعف قول من قال بوُجود رسل من الجنّ إلى جنسهم، ونُسب إلى الضحاك، ولذلك فقوله: {ألم يأتيكم} مصروف عن ظاهره من شموله الإنس والجنّ، ولم يرد عن النّبيء صلى الله عليه وسلم ما يثبت به أنّ الله أرسل رسلاً من الجنّ إلى جنسهم، ويجوز أن يكون رسل الجنّ طوائف منهم يستمعون إلى الأنبياء ويفهمون ما يَدْعون إليه ويبلّغون ذلك إلى أقوامهم، كما تقتضيه الآية في سورة الأحقاف؛ فمؤاخذة الجنّ على الإشراك بالله يقتضيها بلوغ توحيد الله إلى علمهم لأنّ أدلّة الوحدانيّة عقليّة لا تحتاج إلاّ إلى ما يُحرّك النّظر. فلمّا خلق الله للجنّ علماً بما تجيء به رسل الله من الدّعاء إلى النّظر في التّوحيد فقد توجَّهت عليهم المؤاخذة بترك الإيمان بوحدانيّة الله تعالى فاستحقّوا العذاب على الإشراك دون توقف على توجيه الرّسل دعوتهم إليهم. ومن حسن عبارات أيمّتنا أنَّهم يقولون: الإيمان واجب على مَن بلَغَتْه الدّعوة، دون أن يقولوا: على مَن وُجّهت إليه الدّعوة. وطرق بلوغ الدّعوة عديدة، ولم يثبت في القرآن ولا في صحيح الآثار أنّ النّبيء محمّداً صلى الله عليه وسلم ولا غيرَه من الرّسل، بُعث إلى الجنّ لانتفاء الحكمة من ذلك، ولعدم المناسبة بين الجنسين، وتعذّر تخالطهما، وعن الكلبي أنّ محمّداً صلى الله عليه وسلم بعث إلى الإنس والجنّ، وقاله ابن حزم، واختاره أبو عُمر ابن عبد البرّ، وحكَى الاتِّفاق عليه: فيكون من خصائص النّبيء محمّد صلى الله عليه وسلم تشريفاً لقدره. والخوض في هذا ينبغي للعالم أن يربأ بنفسه عنه لأنَّه خوض في أحوال عالَم لا يدخل تحت مُدْرَكاتنا، فإنّ الله أنبأنا بأنّ العوالم كلّها خاضعة لسلطانه. حقيق عليها طاعته، إذا كانت مدركة صالحة للتكليف. والمقصود من الآية الّتي نتكلّم عليها إعلامُ المشركين بأنَّهم مأمورون بالتّوحيد والإسلام وأنّ أولياءهم من شياطين الإنس والجن غير مفلتين من المؤاخذة على نبذ الإسلام. بلْهَ أتْباعهم ودهمائهم. فذكر الجنّ مع الإنس في قوله: {يا معشر الجن والإنس} يوم القيامة لتبكيت المشركين وتحْسيرهم على ما فرط منهم في الدّنيا من عبادة الجنّ أو الالتجاءِ إليهم، على حدّ قوله تعالى: { أية : ويوم يحشرهم وما يَعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } تفسير : [الفرقان: 17] وقوله: { أية : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنتَ قلتَ للنّاس اتَّخذوني وأمِّي إلهين من دون الله } تفسير : [المائدة: 116]. والقَصّ كالقَصَص: الإخبار، ومنه القصّة للخبر، والمعنى: يخبرونكم الأخْبار الدالّة على وحدانيّة الله وأمره ونهيه ووعده ووعيده، فسمّى ذلك قَصَّاً؛ لأنّ أكثره أخبار عن صفات الله تعالى وعن الرّسل وأممهم وما حلّ بهم وعن الجزاء بالنّعيم أو العذاب. فالمراد من الآيات آيات القرآن والأقوالُ الّتي تتلى فيفهمها الجنّ بإلهام، كما تقدّم آنفاً، ويفهمها الإنس ممّن يعرف العربيّة مباشرة ومن لا يعرف العربيّة بالتّرجمة. والإنذار: الإخبار بما يُخِيف ويُكره، وهو ضدّ البشارة، وتقدّم عند قوله تعالى: { أية : إنّا أرسلناك بالحقّ بشيراً ونذيراً } تفسير : في سورة البقرة (119)، وهو يتعدّى إلى مفعول بنفسه وهو الملقى إليه الخبر، ويتعدّى إلى الشّيء المخبر عنه: بالباء، وبنفسه، يقال: أنذرته بكذا وأنذرته كَذا، قال تعالى: { أية : فأنذرتكم ناراً تلظّى } تفسير : [الليل: 14]، { أية : فقُل أنذرتكم صاعقة } تفسير : [فصلت: 13]، { أية : وتُنْذِرَ يومَ الجمع } تفسير : [الشورى: 7] ولمّا كان اللّقاء يوم الحشر يتضمّن خيراً لأهل الخير وشرّا لأهل الشرّ، وكان هؤلاء المخاطبون قد تمحّضوا للشرّ، جُعل إخبار الرّسل إيَّاهم بلقاء ذلك اليوم إنذاراً لأنَّه الطَّرف الّذي تحقّق فيهم من جملة إخبار الرّسل إيَّاهم ما في ذلك اليوم وشرّه. ووصف اليوم باسم الإشارة في قوله: {يومكم هذا} لتهويل أمر ذلك بما يشاهد فيه، بحيث لا تحيط العبارة بوصفه، فيعدل عنها إلى الإشارة كقوله: { أية : هذه النّار التي كنتم بها تكذّبون } تفسير : [الطور: 14]. ومعنى قولهم: {شهدنا على أنفسنا} الإقرارُ بما تضمّنه الاستفهام من إتيان الرّسل إليهم، وذلك دليل على أن دخول حرف النّفي في جملة الاستفهام ليس المقصود منه إلاّ قطع المعذرة وأنّه أمر لا يسع المسؤولَ نفيُه، فلذلك أجملوا الجواب: {قالوا شهدنا على أنفسنا}، أي أقررنا بإتيان الرّسل إلينا. واستعملت الشّهادة في معنى الإقرار لأنّ أصل الشّهادة الإخبار عن أمر تحقّقه المخبر وبيَّنه، ومنه: { أية : شهد الله أنَّه لا إلٰه إلا هو والملائكةُ وأولوا العلم قائماً بالقسط } تفسير : [آل عمران: 18]. وشهد عليه، أخبر عنه خبرَ المتثبت المتحقّق، فلذلك قالوا: {شهدنا على أنفسنا} أي أقررنا بإتيان الرّسل إلينا. ولا تنافي بين هذا الإقرار وبين إنكارهم الشّرك في قوله: { أية : إلاّ أن قالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين } تفسير : [الأنعام: 23] لاختلاف المخبر عنه في الآيتين. وفُصِلت جملة: {قالوا} لأنَّها جارية في طريقة المحاورة. وجملة {وغرتهم الحياة الدنيا} معطوفة على جملة: {قالوا شهدنا} باعتبار كون الأولى خبراً عن تبيّن الحقيقة لهم، وعلمهم حينئذ أنَّهم عَصوا الرّسل ومَن أرسلهم. وأعرضوا عن لقاء يومهم ذلك. فعلموا وعلم السّامع لخبرهم أنَّهم ما وقعوا في هذه الربقة إلاّ لأنَّهم غرّتهم الحياة الدّنيا، ولولا ذلك الغرور لما كان عملهم ممّا يرضاه العاقل لنفسه. والمراد بالحياة أحوالها الحاصلة لهم: من اللّهو، والتّفاخر، والكبر، والعناد. والاستخفاف بالحقائق، والاغترار بما لا ينفع في العاجل والآجل. والمقصود من هذا الخبر عنهم كشف حالهم، وتحذير السّامعين من دوام التورّط في مثله. فإنّ حالهم سواء. وجملة: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} معطوفة على جملة: {وغرتهم الحياة الدنيا} وهو خبر مستعمل في التعجيب من حالهم، وتخطئة رأيهم في الدّنيا. وسوء نظرهم في الآيات، وإعراضهم عن التدبّر في العواقب. وقد رُتّب هذا الخبرُ على الخبر الّذي قبله، وهو اغترارهم بالحياة الدّنيا، لأنّ ذلك الاغترار كان السبب في وقوعهم في هذه الحال حتّى استسلموا وشهدوا على أنفسهم أنَّهم كانوا في الدّنيا كافرين بالله، فأمّا الإنس فلأنَّهم أشركوا به وعبدوا الجنّ، وأمّا الجنّ فلأنَّهم أغروا الإنس بعبادتهم ووضعوا أنفسهم شركاء لله تعالى، فكِلا الفريقين من هؤلاء كافر، وهذا مثل ما أخبرَ الله عنهم أو عن أمثالهم بمثل هذا الخبر التعجيبي في قوله: { أية : وقالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم } تفسير : [الملك: 10، 11]. فانظر كيف فرّع على قولهم أنَّهم اعترفوا بذنبهم، مع أنّ قولهم هو عين الاعتراف، فلا يفرّع الشّيء عن نفسه، ولكن أريد من الخبر التّعجيب من حالهم، والتسميع بهم، حين ألجئوا إلى الاعتراف في عاقبة الأمر. وشهادتهم على أنفسهم بالكفر كانت بعد التّمحيص والإلجاء، فلا تنافي أنَّهم أنكروا الكفر في أوّل أمر الحساب، إذ قالوا: { أية : والله ربّنا ما كنّا مشركين } تفسير : [الأنعام: 23]. قال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عبّاس: «إنِّي أجد أشياء تختلف عليّ قال اللَّهُ: { أية : ولا يكتمون الله حديثاً } تفسير : [النساء: 42]، وقال: { أية : إلاّ أن قالوا واللَّهِ ربّنا ما كنّا مشركين } تفسير : [الأنعام: 23]، فقد كَتَموا. فقال ابن عبّاس: إنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فقال المشركون: تَعالوا نقل: ما كنّا مشركين، فختم الله على أفواههم فتنطق أيديهم».

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} الآية. قال بعض العلماء: المراد بالرسل من الجن نذرهم الذين يسمعون كلام الرسل، فيبلغونه إلى قومهم، ويشهد لهذا أن الله ذكر أنهم منذرون لقومهم في قوله: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} تفسير : [الأحقاف: 29]؟ وقال بعض العلماء: {رُسُلٌ مِّنْكُمْ} أي من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس: لأنه لا رسل من الجن، ويستأنس لهذا القول بأن القرآن ربما أطلق فيه المجموع مراداً بعضه، كقوله: {أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً}تفسير : [نوح: 16]، وقوله: {أية : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} تفسير : [الشمس: 14]، مع أن العاقر واحد منهم، كما بينه بقوله: {أية : فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ} تفسير : [القمر: 29]. واعلم أن ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله وغيره من أجلاء العلماء في تفسير هذه الآية: من أن قوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22] يراد به البحر الملح خاصة دون العذب غلط كبير، لا يجوز القول به. لأنه مخالف مخالفة صريحة لكلام الله تعالى، لأن الله ذكر البحرين الملح والعذب، بقوله: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} تفسير : [فاطر: 12]، ثم صرح باستخراج اللؤلؤ والمرجان منها جميعاً بقوله: {أية : وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} تفسير : [فاطر: 12] والحلية المذكورة هي اللؤلؤ والمرجان، فقصره على الملح مناقض للآية صريحاً، كما ترى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 130- والله تعالى يقول لهم يوم القيامة: يا أيها الإنس والجن، لقد جاءتكم الرسل يذكرون لكم الحجج والبينات، ويتلون عليكم الآيات، ويحذرونكم لقاء الله فى يومكم هذا، فكيف تكذبون؟ فأجابوا: قد أقررنا على أنفسنا بما ارتكبنا، وقد خدعتهم الحياة الدنيا بمتعها، وأقروا على أنفسهم أنهم كانوا جاحدين. 131- وإن إرسال الرسل منذرين مبينين إنما كان لأن ربك - أيها النبى - لا يهلك القرى بظلمهم وأهلها غافلون عن الحق، بل لا بد أن يبيّن لهم وينذرهم. 132- ولكل عامل خير أو عامل شر درجاته من جزاء ما يعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، والله سبحانه وهو الخالق البارئ غير غافل عما يعملون، بل إن عملهم فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. 133- والله ربك هو الغنى عن العباد والعبادة، وهو - وحده - صاحب الرحمة الشاملة، وبمقتضاها أمركم بالخير ونهاكم عن الشر، وهو القادر إن يشأ يذهبكم ويجعل فى الأرض خلفاء من بعدكم على حسب مشيئته، وليس ذلك يصعب عليه سبحانه، فقد خلقكم من ذرية آخرين سبقوكم، وكنتم وارثين الأرض من بعدهم. 134- وإن الذى ينذركم به من عقاب، ويبشركم به من ثواب بعد البعث والجمع والحساب آتٍ لا محالة، وما أنتم بمعجزين من يطلبكم يومئذ، فلا قدرة لكم على الامتناع عن الجمع والحساب. 135- قل - أيها النبى - لهم مهدِّدا: اعملوا على النحو الذى اخترتموه بكل ما فى قدرتكم، وإنى عامل فى ناحية الحق، وستعلمون حتماً من تكون له العاقبة الحسنة فى الدار الآخرة، وهى لأهل الحق لا محالة، لأنكم ظالمون والله تعالى لم يكتب الفوز للظالمين.

القطان

تفسير : الخطاب هنا موجه الى الجنّ والإنس معا، فهل ارسل الله الى الجن رسلا منهم كما ارسل الى الإنس؟ يقول جمهور العلماء: ان الرسل كلهم من الإنس كما يدل عليه ظاهر الآيات الاخرى. اما عالم الجن فهو عالم غيبّي لا نعرف عنه إلا ما ورد به النص. وقد دل القرآن الكريم والاحاديث الصحيحة على ان النبي علي الصلاة والسلام قد أُرسل إليهم ايضا في قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ..} الآيات من سورة الاحقاف. فهذا يدل على ان الرسل من الإنس وحدهم، وان الجن كانوا يستمعون لهم وينذرون أقوامهم. فالله تعالى يقول لهم يوم القيامة: يا أيها الإنس والجن، لقد جاءتكم الرسل يذكُرون لكم الحجج والبينات، ويتلون عليكم الآياتِ المبينَة لأصول الايمان، والفصِّلة لأحكام الشرائع، وينذرونكم لقاء الله في هذا اليوم العصيب، فكيف تكذبون؟ فأجابوا: قد أقررنا وشهِدنا على أنفسنا بما ارتكبنا ولكنهم: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} قد خدعتهم الحياة في الدنيا ومتاعها من الشهوات والاموال والاولاد، وحبُّ التسلط على الناس. بذلك أقرّوا وشهدوا على انفسهم انهم كانوا جاحدين كافرين بالآيات والنذر. ثم يلتفت سبحانه وتعالى بالخطاب الى الرسول الكريم والمؤمنين، والى الناس اجمعين فيقول: {ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}. وهذا من رحمة ربنا تعالى بنا جميعا، فهو لا يؤاخذ الناس حتى على الشِرك والكفر حتى يرسل اليهم الرسل، كما بين ذلك في عدد من الآيات منها: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ}. فالله سبحانه لايهلك القرى بظلمهم وأهلها غافلون عن الحق، بل ينبهُهُم على يدِ رُسله أولاً، فإن تمادَوا نالوا جزاءهم. وعلاوة على ان هذه الآيات تصوّر رحمة الله بالانسان وفضله عليه، فإنها أيضاً تقرر ان العقل والمدارك وحدها لا تكفي، ولا تعصم من الضلال، ما لم تساندْها العقيدة ويَضبطْها الدين. ثم يختم ذلك بتقرير لطيف في شأن الجزاء، للمؤمنين وغيرهم على السواء، فيقول: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}. أي أن لكل عامل خيرٍ أو شرِ درجاته من جزاء ما يعمله.. ان خيرا فخير، وان شرا فشر، والله تعالى غير غافل عما يعملون، بل ان عملهم في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَامَعْشَرَ} {آيَاتِي} {ٱلْحَيَاةُ} {كَافِرِينَ} (130) - وَيَسْأَلُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ كُفَّارَ الإِنْسِ وَالجِنِّ مُقَرِّعاً فَيَقُولُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَهُمُ الرُّسُلُ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ، وَهَلْ أََنْذَرُوهُمْ لِقَاءَ يَوْمِ القِيَامَةِ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّنَا نُقِرُّ بِأَنَّ الرُّسُلَ جَاؤُونَا، وَأَبْلَغُونَا آيَاتِكَ، وَأَنْذَرُونَا بِأَنَّنَا مُلاَقُو رَبِّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ، يَوْمَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَأّنَّنَا فَرَّطْنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيا، وَهَلَكَنْا بِتَكْذِيبِنا الرُّسُلَ وَمُخَالَفَتِهِمْ، وَاغْتَرَرْنَا بِزُخْرِفِ الحَيَاةِ الدُّنْيا وَزِينَتِهَا وَشَهَواتِها، وَأَنَّنَا نَشْهَدُ عَلَى أَنْفُسِنَا أَنَّنَا كُنَّا كَافِرِينَ فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيا. غَرَّتْهُمْ - خَدَعَتْهُمْ بِبَهْرَجِهَا وَزِينَتِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلاحظ أنه قال هنا: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} لأنه يريد أن يقيم عليهم الحُجة بأنه سبحانه لم يجرم أعمالهم ولم يضع لهم العقوبات إلا بعد بلغهم بواسطة الرسل؛ فقد أعطاهم بلاغاً بواسطة الرسل عما يجب أن يفعل، وما يجب أن يترك. فلم يأخذهم - سبحانه - ظلماً. وهنا وقفة؛ فالخطاب للجن والإنس {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} فقال بعض العلماء: إن الجن لهم رسل، والإنس لهم رسل، وقال آخرون: الرسل من الإنس خاصة؛ لأن القرآن جاء فيه على لسانهم: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى&#1648}. إذن فقد احتج الجن بكتاب أنزل من بعد موسى عليه السلام وعندهم خبر عن الكتاب الذي جاء بعده، كأن الجن يأخذون رسالتهم من الإنس؛ فكأن الله قد ارسل رسلاً من الإنس فقط وبلغ الجن ما قاله الرسول، وهو هنا يقول سبحانه: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ..} [الأنعام: 130] وأنت حين تأتي إلى اثنين: أولهما معه مائه جنيه، والثاني يسير معه وليس معه شيء وتقول: "هذان معهما مائه جنيه" فهذا قول صحيح. فقوله سبحانه:{أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} أي من مجموعكم. أو أن الرسل تأتي للإنس، وبعد ذلك من الجن من يأخذ عن الرسول ليكون رسولاً مبلغاً إلى أخوانه من الجن: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} تفسير : [الأحقاف: 29] فكأن المنذرين من الجن يأخذون من الرسل من الأنس وبعد ذلك يتوجهون إلى الجن. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي..} [الأنعام: 130] والآيات تطلق على المعجزات التي تثبت صدق الرسل، وما يكون من شرح الأدلة الكونية الدالة على صدق الرسل. وكلمة {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} أي يروون لهم الموكب الرسالي من أول "آدم" إلى أن انتهى إلى "محمد" صلى الله عليه وسلم. و{يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} قول يدل على دقة الأداء التاريخي؛ لأن "قص" مأخوذ من قص الأثر، ومعناها تتبع القدم بدون انحراف عن كذا وكذا، وهكذا نجد أن المفروض في القصة أن تكون مستلهمة واقع التاريخ. {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا..} [الأنعام: 130] وهو اليوم المخزي حيث سيقفون أمام الله ويذكرهم الحق أنه قد نبههم وقد أعذر من أنذر. {... قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} [الأنعام: 130] وقولهم: {شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا} إقرار منهم على أنفسهم؛ فقد شهدوا على أنفسهم، ولكن ما الذي منعهم أن ينضموا إلى الإيمان بمواكب النبوة؟. تأتي الإجابة من الحق: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا}. والذي يغرّ هو الشيء الذي يكون له تأثير، وهو موصوف بأنه "دنيا"!! لذلك فالغرور الذي يأتي بالدنيا هو قلة تبصّر. {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ}. ومن يستقرئ آيات القرآن يجد آية تقول: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] فمرة ينفون عن أنفسهم أنهم كفروا، ومرة يثبتون أنهم كافرون، وهذا لاضظراب المواقف أو اختلافها. أو أنهم {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ}؛ بمعنى أن أبعاضهم شهدت عليهم؛ لأن الإنسان في الدنيا له إرادة، وهذه الإِرادة مسيطرة على ما له من جوارح وطاقات مخلوقة لله؛ لأن الله جعل للإِرادة في الإِنسان ولاية على الأبعاض التي تقوم بالأعمال الاختيارية. لكن الأعمال الاضطرارية القهرية ليس للإِنسان إرادة فيها؛ فلا أحد يملك أن يقول للقلب انبض كذا دقة في الساعة، ولا أن يقول للأمعاء: تحركي الحركة الدّودية هكذا. لكنه يقدر أن يمشي برجليه إلى المسجد، أو يمشي إلى الخّمارة. ويستطيع أن يقرأ القرآن أو يقرأ في كتاب يضر ولا يفيد. إذن فإرادة الإِنسان مسيطرة على الأبعاض لتحقق الاختيار المصحح للتكليف. لكن يوم القيامة تسلب الإِرداة التي للإِنسان على أبعاضه، وتبقى الأبعاض كلها حُرّة، وحين تصير الأبعاض جُرّة فالأشياء التي كانت تقبلها في الدنيا بقانون تسخيرها لإِرادتك قد زالت وانتهت، فهي في الآخرة تشهد على صاحبها؛ تشهد الجلود والأيدي والأرجل: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ...} تفسير : [فصلت: 21] وحين يقولون لربنا: ما كنا مشركين، فهذا كلامهم هم، لكن جوارحهم تقول لهم: يا كذابون، أنتم عملتم كذا. ويقول الحق بعد ذلك: {ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ...}

الأندلسي

تفسير : {يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} هذا النداء أيضاً يوم القيامة والاستفهام للتوبيخ والتقريع حيث أعذر الله إليهم بإِرسال الرسل فلم يقبلوا منهم. والظاهر أن من الجن رسلاً إليهم كما أن من الإِنس رسلاً إليهم بعث الله تعالى رسولاً واحداً من الجن إليهم. وقيل: رسل الجن هم رسل الإِنس، فهم رسل الله تعالى بواسطة إذ هم رسل رسله ويؤيده قوله تعالى: {أية : وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ}تفسير : [الأحقاف: 29] قاله ابن عباس. {قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا} الظاهر أن هذه حكاية لتصديقهم وإيجابهم قوله: ألم يأتكم، لأن الهمزة الداخلة على نفي إتيان الرسل للإِنكار فكان تقديراً لهم. والمعنى قالوا شهدنا على أنفسنا باتيان الرسل إلينا وإنذارهم إيانا هذا اليوم. وهذه الجملة نابت مناب بل هنا فقد صرح بها في قوله: قالوا بلى أقروا بأن حجة الله تعالى لازمة لهم وأنهم محجوجون بها. {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} هذا إخبار عنهم من الله تعالى، وتنبيه على السبب الموجب لكفرهم، وإفصاح لهم بأذم الوجوه الذي هو الخداع. قال الزمخشري: فإِن قلت: لم كرر شاءتهم على أنفسهم؟ قلت: الأولى حكاية لقولهم: كيف يقولون ويعترفون، والثانية ذم لهم وتخطئة لرأيهم ووصف لقلة نظرهم وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا واللذات الحاضرة، وكان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام لربهم واستيجاب عذابه، وإنما قال: ذلك تحذيراً للسامعين مثل حالهم. "انتهى". لم تتكرر الشهادة لاختلاف المخبر ومتعلقها فالأولى إخبارهم عن أنفسهم، والثانية إخباره تعالى عنهم. والأولى متعلقها الإِقرار بإِتيان الرسل إليهم قاصين ومنذرين، والثانية إخباره تعالى أنهم شهدوا على أنفسهم بالكفر فهذه الشهادة غير الأولى. {ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} الآية، الإشارة بذلك إلى أقرب مذكور دل عليه الكلام، وهو إتيان الرسل قاصين الآيات ومنذرين بالحشر والحساب والجزاء بسبب انتفاء إهلاك القرى بظلم وأهلها لم ينبهوا ببعثة الرسل إليهم والإِعذار إليهم والتقدم بالاخبار بما يحل بهم إذا لم يتبعوا الرسل. وفي الحديث: حديث : ليس أحد أحبَّ إليه العذر من الله تعالى، فمن أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل . تفسير : {وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} أي لكل من المكلفين مؤمنهم وكافرهم درجات متفاوتة من جزاء أعمالهم وتفاوتها بنسبة بعضهم إلى بعض وبنسبة عمل كل عامل فيكون هو في درجة فيترقى إلى أخرى كاملة ثم إلى أكمل. والظاهر إندراج الجن في العموم في الجزاء كما اندرجوا في التكليف وفي إرسال الرسل إليهم. قال ابن عباس: جزاء مؤمني الجن إجارتهم من النار. وقال أبو حنيفة: ليس للجن ثواب لأن الثواب فضل من الله تعالى فلا يقال به إلا ببيان من الله تعالى. ولم يذكر الله تعالى في حقهم إلا عاقبة عاصيهم لا ثواب طائعهم. وخالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد فقالا: لهم ثواب على الطاعات وعقاب على المعاصي، ودليلهما عمومات الكتاب والسنة. {وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ} أي ليس بساه تخفى عليه مقادير الأعمال. وما يترتب عليها من الأجور، وفي ذلك تهديد ووعيد. {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ} لما ذكر تعالى من أطاع ومن عصى والثواب والعقاب، ذكر أنه هو الغني من جميع الجهات لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} الآية، هذا فيه إظهار القدرة التامة والغنى المطلق والخطاب عام للخلق كلهم، كما قال تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أيها الناس {أية : وَيَأْتِ بِآخَرِينَ}تفسير : [النساء: 133]. فالمعنى إن يشأ إفناء هذا العالم واستخلاف ما يشاء من الخلق غيرهم فعل، وكما أنشأكم في موضع مصدر على غير الصدر، لقوله: ويستخلف، لأن معناه وينشىء؛ والمعنى أن يشأ الاذهاب والإِستخلاف يذهبكم ويستخلف فكل من الإِذهاب والاستخلاف معذوق بمشيئة الله تعالى ومن: لابتداء الغاية. {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ} ظاهر ما العموم في كل ما توعدونه. والإِشارة إلى الوعيد المتقدّم خصوصاً واما أن يكون للعموم مطلقاً. {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي فائتين. أعجزني الشيء فاتني، أي لا تفوتوننا عما أردنا بكم. {قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} الآية، قرىء مكانتكم على الجمع حيث وقع فمن جمع قابل جمع المخاطبين بالجمع، ومن أفرد فعلى الجنس. والمكانة: مصدر مَكُنَ فالميم أصلية وبمعنى المكان. ويقال: المكانة مفعل ومفعلة من الكون، فالميم زائدة فيحتمل أن يكون المعنى على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم. والظاهر أن من مفعول بتعلمون وأجازوا أن تكون مبتدأ اسم استفهام وخبره تكون والفعل معلق، والجملة في موضع المفعول إن كان تعلمون معدي إلى واحد أو في موضع المفعولين إن كان معدى إلى مفعولين. و{عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ} مآلها وما تنتهي إليه. والدار يظهر منه أنها دار الآخرة.

الجيلاني

تفسير : {يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} المفتضحين على رءوس الأشهاد {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} غلب الإنس على الجن؛ إذ ليس يبعث من الجن نبي بل من الإنس إلى الثقلين {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} ويدعونكم إلى توحيد ذاتي وأوصافي وأفعالي {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} يوم القيامة والجزاء {قَالُواْ} مضطرين معترفين: {شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا} يا ربنا بالجرم والعصيان بعدما ظهر الأمر وانكشف الحجاب، وصرنا مستحقين بالعذاب والنكال {وَ} ما ذلك إلا أن {غَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} بحيث لم يبالوا بما جاءهم من عند ربهم لإهدائهم بل يكذبونه ويستهزئون به {وَ} أدى عاقبة أمرهم في عتوهم وعنادهم إلى أن {شَهِدُواْ} واعترفوا {عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} [الأنعام: 130] مستحقين بأنواع العقوبة والعذاب. {ذٰلِكَ} أي: إرسال الرسل وإنزال الكتب إنما هو ليتنبهوا وينتبهوا؛ أي: العصاة على ما هم عليه والسر في الإرسال {أَن} أي: لأن {لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} أي: بسبب ظلم صدر عنه {وَ} الحال أنه {أَهْلُهَا غَٰفِلُونَ} [الأنعام: 131] عن طريق الحق بلا تنبيه وإرشاد مرشد نبيه، وعلّيم من تبعك من المؤمنين. {وَ} اعلم يا أكمل الرسل وذكرهم {لِكُلٍّ} من أهل التكليف {دَرَجَٰتٌ} عند الله حاصلة لهم {مِّمَّا عَمِلُواْ} عن الصالحات {وَمَا رَبُّكَ} المطلوب لضمائر عباده {بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 132] لمقتضى التكاليف التي كلفهم بها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إقرارهم بالكفر بعد إنكارهم، بقوله تعالى: {يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} [الأنعام: 130]، إلى قوله: {وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 132]، الإشارة فيها: إن المخاطب في قوله تعالى: {يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} الإنسانية التي هي مجبولة على الصفات الشيطانية والملكية والحيوانية، {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} [الأنعام: 130]، يشير بالرسل: إلى الهامات الربانية، وبالآيات: إلى بيان الفجور والتقوى للنفس بالإلهام، كما قال تعالى: {أية : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}تفسير : [الشمس: 8]. {وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} [الأنعام: 130]، يعني: قد أتتكم من الله الإلهامات بما يصلح لكم، وبما يفسد استعدادكم الفطري، ويخوفكم من سوء العاقبة والحرمان عن لقاء الحق، والابتلاء بشقاوة الأبد، وأنتم ما اتعظتم بها وأبيتم قبولها، {قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا} [الأنعام: 130]؛ يعني: النفس بصفاتها، {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} [الأنعام: 130]؛ أي: لذاتها وشهواتها وزينتها وزخارفها، {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} [الأنعام: 130]؛ يعني: أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا عند صدأ مرآة قلوبهم وسائري صفاتها عن قبول فيض النور وشواهد الحق. {ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ} [الأنعام: 131]؛ يعني: قرى أشخاص الإنسان، {بِظُلْمٍ} [الأنعام: 131]، والظلم: هو صرف الاستعداد الفطري لقبول الفيض في استيفاء لذات الطبع وشهوات النفس، {وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ} [الأنعام: 131]، عن إنذار رسل الإلهامات الربَّانية، وذلك أن الاستعداد الروحاني لا يفسد استيفاء حظوظ الحيواني في الطفولية، إلا بعد أن يصير العبد مستعداً لقبول فيض العقل وفيض الإلهام عند البلوغ، فيخالف الإلهامات ويتبع الهوى، فيفسد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [ص: 26]، وهذا كما أنه تعالى لا يعذب قوماً بلغهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولاً، فيخالفونه فيعذبهم بها. وقد عبَّر لسان الشرع عن هذا المعنى، بأنه لا يجري عليه قلم تكاليف الشريعة إلا بعد البلوغ بالأوامر والنواهي؛ لأنه أواني ترقي الروح باستعمال المأمورات، ونقصانه باستعمال المنهيات، وهذا معنى قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} [الأنعام: 132]؛ يعني: في استعمال المأمور والمنتهي في الترقي والنقصان، {وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ} [الأنعام: 132]، عند ترك المأمور وإتيان المنتهى، وعند إثبات المأمور وترك المنهي عند ترقية الروح وتنقيصه، وهو معنى قوله: {عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 132]. ثم أخبر عن غناه وافتقارنا إلى رضاه بقوله تعالى: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ} [الأنعام: 133]، إلى قوله: {أية : إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ} تفسير : [الأنعام: 135]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق نوع الإنسان إظهاراً لسعة رحمته وكمال قدرته لا للاحتياج إليه، فقال تعالى: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ} يعني: عن كل مخلوق عامة، وعن الإنسان الذي يشرك به خاصة، {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} يعني: مع غناه عن الخلق فرض رحمة قد اقتض إيجاد الخلق؛ ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} [الأنعام: 133]، أي: له مشيئة واختيار فيما شاء وقدره على أن يستأصل نوع الإنسان، {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ} [الأنعام: 133]، أيها الإنسان، {مَّا يَشَآءُ} [الأنعام: 133]، من نوح آخر. {كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: 133]؛ يعني: كما كان قادراً على إنشائكم من الذُرِّيَّات، كذا قادر على إنشاء قوم آخرين من غير الذُرِّيَّات، كما أنشأ آدم وحواء من غير ذُرِّيَّة {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ} [الأنعام: 134]؛ يعني: أوعد لكم من الإتيان به أولاً وآخراً، فهو قادر على الإتيان به، {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} [الأتعام: 134]، بما تعين له عن الإتيان به.