Verse. 920 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

ذٰلِكَ اَنْ لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُہْلِكَ الْقُرٰي بِظُلْمٍ وَّاَہْلُہَا غٰفِلُوْنَ۝۱۳۱
Thalika an lam yakun rabbuka muhlika alqura bithulmin waahluha ghafiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» أي إرسال الرسل «أن» اللام مقدرة وهي مخففة أي لأنه «لم يكن ربَّك مهلك القرى بظلم» منها «وأهلها غافلون» لم يرسل إليهم رسول يبين لهم؟.

131

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أنه ما عذب الكفار إلا بعد أن بعث إليهم الأنبياء والرسل بين بهذه الآية أن هذا هو العدل والحق والواجب، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: قوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر ذلك. وأما قوله: {أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ } ففيه وجوه: أحدها: أنه تعليل، والمعنى: الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم، وكلمة «أن» ههنا هي التي تنصب الأفعال، وثانيها: يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، والمعنى لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم والضمير في قوله لأنه ضمير الشأن والحديث والتقدير، لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم. وثالثها: أن يجعل قوله: {أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ } بدلاً من قوله: {ذٰلِكَ } كقوله: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ }تفسير : [الحجر: 66]. وأما قوله: {بِظُلْمٍ } ففيه وجهان: الأول: أن يكون المعنى، وما كان ربك مهلك القرى بسبب ظلم أقدموا عليه. والثاني: أن يكون المراد وما كان ربك مهلك القرى ظلماً عليهم، وهو كقوله: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } تفسير : [هود: 117] في سورة هود. فعلى الوجه الأول يكون الظلم فعلاً للكفار، وعلى الثاني يكون عائداً إلى فعل الله تعالى، والوجه الأول أليق بقولنا، لأن القول الثاني يوهم أنه تعالى لو أهلكهم قبل بعثة الرسل كان ظالماً، وليس الأمر عندنا كذلك، لأنه تعالى يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله. وأما المعتزلة: فهذا القول الثاني مطابق لمذهبهم موافق لمعتقدهم. وأما أصحابنا فمن فسر الآية بهذا الوجه الثاني قال: إنه تعالى لو فعل ذلك لم يكن ظالماً لكنه يكون في صورة الظالم فيما بينا، فوصف بكونه ظالماً مجازاً، وتمام الكلام في هذين القولين مذكور في سورة هود عند قوله: {بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ }. وأما قوله: {وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ } فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به، بل معناها أن لا يبين الله لهم كيفية الحال، ولا أن يزيل عذرهم وعلتهم. واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في إثبات أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب البتة. قالوا: لأنها تدل على أنه تعالى لا يعذب أحداً على أمر من الأمور إلا بعد البعثة للرسول. والمعتزلة قالوا: إنها تدل من وجه آخر على أن الوجوب قد يتقرر قبل مجيء الشرع، لأنه تعالى قال: {أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ } فهذا الظلم إما أن يكون عائداً إلى العبد أو إلى الله تعالى، فإن كان الأول، فهذا يدل على إمكان أن يصدر منه الظلم قبل البعثة، وإنما يكون الفعل ظلماً قبل البعثة، لو كان قبيحاً وذنباً قبل بعثة الرسل، وذلك هو المطلوب، وإن كان الثاني فذلك يقتضي أن يكون هذا الفعل قبيحاً من الله تعالى، وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ} في موضع رفع عند سيبويه؛ أي الأمر ذلك. و«أنْ» مخفّفة من الثقيلة؛ أي إنما فعلنا هذا بهم لأني لم أكن أهلك القرى بظلمهم؛ أي بشركهم قبل إرسال الرسل إليهم فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. وقيل: لم أكن أهلك القرى بشرك من أشرك منهم؛ فهو مثل: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [الأنعام: 164]. ولو أهلكهم قبل بعثة الرسل فله أن يفعل ما يريد. وقد قال عيسى: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ}تفسير : [المائدة: 118] وقد تقدّم. وأجاز الفراء أن يكون «ذلِك» في موضع نصب، المعنى: فعل ذلك بهم؛ لأنه لم يكن يهلك القرى بظلم.

البيضاوي

تفسير : {ذٰلِكَ} إشارة إلى إرسال الرسل، وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك. {أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ} تعليل للحكم وأن مصدرية أو مخففة من الثقيلة أي: الأمر لانتفاء كون ربك أو لأن الشأن لم يكن ربك مهلك أهل القرى بسبب ظلم فعلوه، أو ملتبسين بظلم أو ظالماً وهم غافلون لم ينبهوا برسول أو بدل من ذلك.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: { ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ} أي: إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ لئلا يؤاخذ أحد بظلمه، وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذنبا أحداً إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: {أية : بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 24] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} تفسير : [النحل: 36] كقوله: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] وقال تعالى: {أية : كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا} تفسير : [الملك:8-9] والآيات في هذا كثيرة. قال الإمام أبو جعفر بن جرير: ويحتمل قوله تعالى: {بِظُلْمٍ} وجهين [أحدهما]: {ذَٰلِكَ} من أجل {أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} أهلها؛ بالشرك ونحوه، {وهم غافلون}، يقول: إن لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولاً ينبههم على حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة، فيقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير [والوجه الثاني]: {ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} يقول: لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام لعبيده، ثم شرع يرجح الوجه الأول، ولا شك أنه أقوى، والله أعلم. قال: وقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} أي: ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله، يبلغه الله إياها ويثيبه بها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشرّ، [قلت] ويحتمل أن يعود قوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} أي: من كافري الجن والإنس، أي: ولكل درجة في النار بحسبه؛ كقوله: {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} تفسير : [النحل: 88] {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} قال ابن جرير: أي: وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك، يحصيها ويثبتها لهم عنده؛ ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه، ومعادهم إليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } أي إرسال الرسل {أن} اللام مقدّرة وهي مخففة: أي لأنه {لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ } منها {وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ } لم يرسل إليهم رسول يبيِّن لهم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} فيه وجهان: أحدهما: وما كان ربك مهلك القرى بظلم منه ولكن بحق استوجبوا به الهلكة، وهو معنى قول مقاتل. والثاني: وما كان ربك مهلك القرى بظلم أهلها حتى يقدم إنذارهم ويرفع أعذارهم ويخرجوا من حكم الغافلين فيما ينزل بهم، وهو معنى قول مجاهد. قوله عز وجل: {وَلِكُلٍ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا} معناه ولكل عامل بطاعة الله أو معصيته درجات، يعني منازل، وإنما سُمِّيت درجات لتفاضلها كتفاضل الدَرَجِ في الارتفاع والانحطاط. وفيها وجهان: أحدهما: أن المقصود بها الأعمال المتفاضلة. والثاني: أن المقصور بها الجزاء المتفاضل. ويحتمل هذا التفضيل بالدرجات على أهل الجنة، وأهل النار، لأن أهل النار يَتفاضلون في العقاب بحسب تفاضلهم في السيئات، كما يتفاضل أهل الجنة في الثواب لتفاضلهم في الحسنات، لكن قد يعبر عن تفاضل أهل الجنة بالدَرَج، وعن تفاضل أهل النار بالدرك، فإذا جمع بينهما بالتفاضل عبر عن تفاضلهما بالدرج تغليباً لصفة أهل الجنة.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِظُلْمٍ} في إهلاكهم، أو لا يهلكهم بظلمهم إلا أن يخرجهم عن الغفلة بالإنذار.

الخازن

تفسير : وقوله عز وجل: و {ذلك} إشارة إلى ما تقدم ذكره من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة، وقال الزجاج: معناه ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وأمر عذاب من كذبهم {إن لم يكن ربك} يعني لأنه لم يكن ربك {مهلك القرى بظلم} قال الكلبي: معناه لم يكن ليهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل فتنهاهم فإن رجعوا وإلا أتاهم العذاب، وهذا قول جمهور المفسرين قال الفراء: يجوز أن يكون المعنى لم يكن ليهلكهم بظلم منه {وأهلها غافلون} أي: وهم غافلون فعلى قول الجمهور: يكون الظلم فعلاً للكفار وهو شركهم وذنوبهم التي عملوها، وعلى قول الفراء: إنه لو أهلكهم قبل بعثة الرسل لكان ظالماً والله عز وجل يتعالى عن الظلم. والقول الأول: أصح، لأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله، غير أنه أخبر أنه لا يعذب قبل بعثة الرسل ولو فعل ذلك لم يكن ظلماً منه قوله تعالى: {ولكل درجات مما عملوا} يعني ولكل عامل بطاعة الله أو بمعصيته درجات، يعني منازل يبلغها بعمله إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر. وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط كتفاضل الدرج وهذا إنما يكون في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا فمنهم من هو أعظم ثواباً ومنهم من هو أشد عقاباً، وهو قول جمهور المفسرين وقيل: إن قوله تعالى {ولكل درجات مما عملوا}، مختص بأهل الطاعة لأن لفظ الدرجة لا يليق إلا بهم. وقوله تعالى: {وما ربك بغافل عما يعملون} مختص بأهل الكفر والمعاصي ففيه وعيد وتهديد لهم. والقول الأول أصح، لأن علمه تعالى شامل لكل المعلومات فيدخر فيه المؤمن والكافر والطائع والعاصي وأنه عالم بأعمالهم على التفصيل التام فيجزي كل عامل على قدر عمله وما يليق به من ثواب أو عقاب. قوله عز وجل: {وربك الغني} يعني عن خلقه وذلك أنه تعالى لما بيَّن أن لكل عامل بطاعة أو معصية درجة على قدر عمله بين أن تخصيص المطيعين بالثواب والعاصين بالعقاب ليس لأنه محتاج إلى طاعة المطيع أو منتقص بمعصية العاصي بل هو الغني على الإطلاق وأن جميع الخلق فقراء إليه {ذو الرحمة} قال ابن عباس: بأولياءه وأهل طاعته، وقال الكلبي: بخلقه ذو التجاوز عنهم فمن رحمته تأخير العذاب عن المذنبين لعلهم يتوبون ويرجعون {إن يشأ يذهبكم} يعني يهلككم. الخطاب لأهل مكة ففيه وعيد وتهديد لهم {ويستخلف} يعني وينشئ ويخلق {من بعدكم} يعني من بعد إهلاككم {ما يشاء} يعني خلقاً غيركم أمثل وأطوع منكم {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} اختلفت عبارات المفسرين في هذه اللفظة فقال البغوي: يعني آباءهم الماضين قرناً بعد قرن، ونحوه قال الواحدي وصاحب الكشاف: يعني من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام. وقال الإمام فخر الدين الرازي في قوله تعالى: {ويستخلف من بعدكم} يعني من بعد إذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون إلا على طريق البدل من فائت. وأما قوله {ما يشاء} فالمراد منه خلق ثالث أو رابع واختلفوا فيه، فقال بعضهم: خلقاً آخر من أمثال الجن والإنس. قال القاضي: وهو الوجه الأقرب لأن القوم يعلمون بالعادة أنه تعالى قادر على إنشاء أمثال هذا الخلق فمتى كمل خلق ثالث ورابع يكون أقوى في دلالة القدرة فكأنه تعالى نبه على أن قدرته ليست مقصورة على جنس دون جنس من الخلق الذين يصلحون لرحمته العظيمة التي هي الثواب فبين بهذا الطريق أنه تعالى لرحمته لهؤلاء الأقوام الحاضرين أبقاهم وأمهلهم ولو شاء لأماتهم وأفناهم وأبدل منهم سواهم ثم بيَّن الله تعالى قوة قدرته على ذلك فقال: {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} لأن المرء إذا تفكر علم أنه تعالى خلق الإنسان من نطفة ليس فيها من صورته قليل ولا كثير فوجب أن يكون ذلك بمحض القدرة والحكمة وإذا كان كذلك فكما قدر على تصوير هذه الأجسام بهذه الخاصة فكذلك يقدر على تصويرهم خلقاً آخر مخالفاً لها هذا آخر كلامه. وقال الطبري في قوله {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} يقول كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم ومعنى من في هذا الموضع التعقيب كما يقال في الكلام أعطيتك من دينارك ثوباً يعني مكان الدينار ثوباً لا أن الثوب من الدينار بعض. كذلك الذين خوطبوا بقوله {كما أنشأكم} لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين ولكن معنى ذلك ما ذكرنا أنهم أنشئوا مكان قوم آخرين قد أهلكوا قبلهم. قوله تعالى: {إن ما توعدون} به من مجيء الساعة والبعث بعد الموت والحشر للحساب يوم القيامة {لآت} يعني أنه كائن قريب {وما أنتم بمعجزين} يعني بفائتين حيثما كنتم يدرككم الموت.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {عما تعملون} بتاء الخطاب: ابن عامر {مكاناتكم} بالجمع حيث كان: أبو بكر وحماد. الباقون {مكانتكم} على التوحيد. {من يكون} بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بتاء التأنيث. {بزعمهم} بضم الزاي علي وكذلك ما بعده الباقون: بالفتح {زين} على البناء للمفعول {قتل} بالرفع {أولادهم} بالنصب {شركائهم} بالجر ابن عامر. الآخرون {زين} على البناء للفاعل {قتل} بالنصب {أولادهم} بالجر {شركاؤهم} بالرفع {وإن تكن} بتاء التأنيث: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد {ميتة} بالرفع: ابن كثير وابن عامر ويزيد، وقرأ {ميتة} بالتشديد ابن كثير وابن عامر: الباقون: بالتخفيف. الوقوف: {غافلون} ه {مما عملوا} ط {يعملون} ه {ذو الرحمة} ط {آخرين} ه {لآت} لا لأن الواو بعده للحال {بمعجزين} ه {عامل} ج لابتداء التقرير مع فاء التعقيب {تعملون} ه لا لأن ما بعده مفعول سواء كان من استفهامية أو موصولة {عاقبة الدار} ط {الظالمون} ه {لشركائنا} ج للشرط مع الفاء {إلى الله} ج للفصل بين المتضادين معنى مع الاتفاق حكماً {شركائهم} ط {يحكمون} ه {دينهم} ط {يفترون} ه {افتراء عليه} ط {يفترون} ه {أزواجنا} ج للشرط مع العطف. {شركاء} ط {وصفهم} ط {عليم} ه {على الله} ط {مهتدين} ه. التفسير: {ذلك} إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره {أن لم يكن} وهو للتعليل والمعنى الأمر ما قصصنا عليك، أو ذلك الذي ذكر لانتفاء كون ربك مهلك القرى و"أن" هي الناصبة للأفعال أو مخففة من الثقيلة، وعلى هذا يكون ضمير الشأن محذوفاً أي أن الحديث كذا، ويجوز أن يكون، {أن لم يكن} بدلاً من {ذلك} كقوله: {أية : وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع}تفسير : [الحجر: 66] ومعنى قوله: {بظلم} أي بسبب ظلم أقدموا عليه وهذا أليق بأصول الأشاعرة. أو المراد ظالماً لكم فيكون من فعل الله وهذا أنسب بأصول المعتزلة. ومعناه أنه تعالى لو أهلكهم قبل بعثة الرسل ولم ينبهوا برسول ولا كتاب كان ظالماً. وعلى هذا التفسير يمكن للأشاعرة أن يقولوا إنه لو فعل ذلك لم يكن ظلماً ولكنه يكون في صورة الظلم فأطلق الظلم على نفسه مجازاً وإلا فهو تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله. وأما قوله: {وأهلها غافلون} فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به وإنما معناه أنه لا يبين لهم كيفية الحال وأن لا يزيل عذرهم وعلتهم. قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب ألبتة لأنها تدل على أنه تعالى ما يعذب أحداً على أمر من الأمور قبل بعثة الرسل لكن بعدها. والمعتزلة قالوا: إنها تدل من وجه آخر على تقرير الوجوب قبل الشرع لأن قوله: {بظلم} إن كان عائداً إلى العبد دل على أنه يمكن أن يصدر منه الظلم والقبيح قبل البعثة، وإن كان عائداً إلى الله تعالى فقد تم الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه. ثم لما شرح أحوال أهل الثواب والعقاب ذكر كلاماً كلياً فقال: {ولكل درجات} أي ولكل عامل في عمله درجات، وعلى حسب تلك الدرجات يكون الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر. ومعنى {مما عملوا} أي من جزاء أعمالهم. وقيل: إن أول الآية مختصة بأهل الطاعات لأن لفظ الدرجة يليق بهم ولأهل المعصية تكون الدركات وإليه الإشارة بقوله {وما ربك بغافل عما يعملون} قالت الأشاعرة: في الآية دليل على مسألة الجبر والقدر فإنه تعالى حكم لكل واحد بدرجة معينة في وقت معين وبحسب فعل معين، وأثبت تلك الدرجة في اللوح المحفوظ وأشهد عليها الملائكة وخلاف علمه وإثباته وإِشهاده محال. ثم بين أنه ليس يحتاج إلى طاعة المطيعين ولا يدخل عليه نقص بمعصية العاصين فقال: {وربك الغني ذو الرحمة} أما أنه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وفي أحكامه عن كل ما سواه فلوجوب وجوده، وأن ما سواه ممكن لذاته مفتقر في الوجود وفي الأمور التابعة للوجود إليه فلا غنيّ إلا هو، وأما أنه ذو الرحمة فلأن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات من الروحانيات ومن الجسمانيات فهو من الحق وبإيجاده وتخليقه، والاستقراء دل على أن الخير غالب كالصحة والشبع والسمع والبصر وما ذلك إلا لرحمته الكاملة ورأفته الشاملة. والذي يتصوّر من رحمة الوالدين وغيرهما فإنما ذلك بإيجاد داعية ذلك فيهم ومع ذلك فتمكن الشخص من الانتفاع بها ليس إلا منه تعالى. ومن هذا يعلم تنزهه تعالى عن الظلم والسفه والكذب والعبث. ومن رحمته تكليف الخلائق ليعرضهم للمنافع الباقيات الدائمات. ثم لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة كان لظانّ أن يظن أن للرحمة معدناً مخصوصاً وموضعاً معيناً فبين تعالى بقوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم} أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق وقادر على أن يخلق قوماً آخرين ويضع رحمته فيهم، وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم. ومعنى الإذهاب الإهلاك وأن لا يبلغهم مبلغ التكليف {ويستخلف من بعدكم} أي: من بعد ذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون، إلا على طريق البدل من فائت، وقوله: {ما يشاء} أي خلق ثالث ورابع. ثم اختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخرين من أمثال الجن والإنس لكن أطوع، وقال أبو مسلم: يعني خلقاً ثالثاً مخالفاً للثقلين ليكون أقوى في دلالة القدرة. ثم بيّن سبب قدرته على ذلك فقال {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} لأن من قدر على تصوير النطفة المتشابهة الأجزاء بهذه الصور المخصومة قدر على تصويرها بصور أخرى مخالفة لها. وقال في الكشاف: المعنى كما أنشأكم من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام، ثم ذكر حال المعاد فقال: {إنما توعدون لآت} قال الحسن: أي من مجيء الساعة لأنهم كانوا ينكرون القيامة، ويحتمل أن يقال: {إنما توعدون لآت} إشارة إلى لطفه أي ما يتعلق بالوعد والثواب فهو آت لا محالة. وقوله: {وما أنتم بمعجزين} أي خارجين عن قدرتنا وحكمنا إشارة إلى قهره، يقال: أعجزه الشيء أي فاته. فالجزم في جانب الوعد والتعريض في جانب الوعيد دليل على أن جانب الرحمة والإحسان أغلب. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بتهديد منكري البعث فقال: {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم} قال الواحدي: قراءة الإفراد أوجه لأن المصدر لا يجمع في أغلب الأحوال، وقال في الكشاف: المكانة تكون مصدراً. يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكين. وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة، فمعنى الآية اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها. يقال للرجل: على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه {إني عامل} على مكانتي التي أنا عليها. والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، والغرض تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد كقوله {أية : اعملوا ما شئتم}تفسير : [فصلت: 40] {فسوف تعلمون} أينا تكون له العاقبة المحمودة، والفاء لتعقيب الجزاء ألا يعادي أي قل اعملوا فستجزون وهكذا في سورة الزمر بخلاف سورة هود حيث لم يقل هناك "قل" فصار استئنافاً ومحل "من" نصب إن كان بمعنى "الذي" أو رفع والجملة مفعول تعلمون إن كان بمعنى أيّ و{عاقبة الدار} العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها وهي مصدر كالعافية. وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك فيه إنصاف وأدب ووثوق بأن المنذر محق ولهذا قيل له فإن الكافر تكون العاقبة عليه لا له. ثم حكى أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة محصولهم وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى أقوال أمثالكم فقال: {وجعلوا لله} قال الزجاج: وجعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً بدليل قوله: {فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} وجعل الأوثان شركاء لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونها عليها. ثم قال: {فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} وفي تفسيره وجوه: قال ابن عباس: كان المشركون يجعلون لله تعالى من حروثهم وأنعامهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما كان للصنم أنفقوه عليه وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه ألبتة. ثم إن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا إن الله غنيّ عن هذا، وإن سقط شيء مما جعلوا للأوثان في نصيب الله تعالى أخذوه وردّوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير. وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها. وعن الحسن والسدي: كان إذا هلك لأوثانهم شيء أخذوا بدله مما لله ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى. وقال مجاهد: إنه إذا انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في نصيب الله عز وجل سدوه وإن كان على ضد ذلك تركوه، وقال قتادة: إذا أصابهم شدة استعانوا بالله وإذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى شركائهم. وقال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة. وقالوا: لو شاء زكى نصيب نفسه. وأما إن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة قالوا لا بدّ لآلهتنا من نفقة وأخذوا نصيب الإله تعالى فأعطوه السدنة. فمعنى {فلا يصل إلى الله} أنه لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، ومعنى الوصول إلى شركائهم أنهم ينفقونه عليها بذبح نسائك عندها والأجراء على سدنتها ونحو ذلك. وقوله: {مما ذرأ} فيه أن الله تعالى كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه أي خلقه. ثم إنه سبحانه ذم فعلهم فقال: {ساء ما يحكمون} وذكر العلماء فيه وجوهاً: الأول أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانبه وهو سفه. الثاني جعلوا بعض الحرث لله وبعضه لغيره مع أنه تعالى هو الخالق للجميع. الثالث أن ذلك حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع وأشار إليه بقوله {بزعمهم} الرابع لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز نصيب لكل حجر ومدر. الخامس لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ولا قدرة لها على الانتفاع بذلك النصيب، فإفراز النصيب لها عبث. النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة قوله: {وكذلك زين} كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياءً خوفاً من الفقر أو من التزويج، وكان الرجل يحلف بالله إن ولد له كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما فعل عبد المطلب على ابنه عبد الله، والشركاء على الوجه الأول الشياطين الذين أطاعوهم في معصية الله تعالى، وعلى الثاني هم السدنة والخدام، والأول قول مجاهد، والثاني للكلبي. وتقدير الكلام ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين زين لهم شركاؤهم من الشياطين أو من سدنة الأصنام {قتل أولادهم} بالوأد أو بالنحر. ثم إن وجه القراءة الأكثري ظاهر وليس فيها إلا تقديم المفعول وذلك لشدة الاعتناء به، وأما قراءة أبن عامر فخطأها الزمخشري من جهة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف فإن ذلك قد جوز بالظرف كقوله: شعر : لله در اليوم من لامها تفسير : وضعف بغير الظرف كقوله: شعر : فزججتها بمزجة زج القلوص أبي مزادة تفسير : وحملوه على ضرورة الشعر مع الاستكراه، والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، والقراآت السبع كلها متواترة فكيف يمكن تخطئة بعضها؟ فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وأن لا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا، وإن ورد فكثير أم لا؟ ومع ذلك فقد وجهه بعض الفضلاء بأن المضاف إليه من الأول محذوف على نحو قوله: شعر : بين ذراعي وجبهة الأسد تفسير : والمضاف مضمر مع الثاني كقراءة من قرأ{أية : والله يريد الآخرة}تفسير : [الأنفال: 67] بالجر على تقدير غرض الآخرة، فتقدير الآية: قتل شركائهم أولادهم قتل شركائهم. ومعنى {ليردوهم} ليهلكوهم بالإغواء. قال ابن عباس: ليردوهم في النار. واللام محمول على العاقبة إن كان التزيين من السدنة، وعلى حقيقة التعليل إن كان من الشيطان {وليلبسوا عليهم دينهم} ليخلطوه عليهم ويشبهوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق. وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه، وقيل: وليوقعوهم في دين ملتبس {ولو شاء الله ما فعلوه} لما فعل المشركون ما زين لهم، أو لما فعل الشياطين والسدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ما ذكر إن جعل الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة. والمعتزلة حملوا هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر. ثم قال: {فذرهم وما يفترون} على قانون قوله: {أية : اعملوا ما شئتم} تفسير : [فصلت: 40] وفيه مع التهديد التسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر والشرك. قيل: إنما قال في هذه الآية {ولو شاء الله ما فعلوه} ليكون مناسباً لقوله: {وجعلوا لله} وقال فيما قبل: {أية : ولو شاء ربك ما فعلوه}تفسير : [الأنعام: 112] لأنه وقع عقيب آيات فيها ذكر الرب كقوله:{أية : قد جاءكم بصائر من ربكم}تفسير : [الأنعام: 104] الآيات. النوع الثالث من أحكامهم الباطلة أنهم قسموا أنعامهم أقساماً فأوّلها أن قولوا {هذه أنعام وحرث حجر} وحجر "فعل" بمعنى "مفعول" كالذبح والطحن ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع وسمي العقل الحجر لمنعه من القبائح، وفلان في حجر القاضي أي في منعه. كانوا إذا عينوا شيئاً من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: {لا يطعمها إلا من نشاء} يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء {و} ثانيها أن قالوا: {هذه أنعام حرمت ظهورها} وهي البحائر والسوائب والحوامي وقد سبق في المائدة. {و} ثالثها: {أنعام لا يذكرون اسم الله عليها} في الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام. وقيل: هي أنعام لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها وإنما فعلوا ذلك كله من غير حكم من الله وشرع منه بل {افتراء عليه} وانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء. ثم قال: {سيجزيهم بما كانوا يفترون} والمقصود منه الوعيد، {و} النوع الرابع من قضاياهم الفاسدة أن {قالوا ما في بطون هذه الأنعام} يعنون أجنة البحائر والسوائب {خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} هذا إن ولد حياً {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} أي اشترك فيه الذكور والإناث، من قرأ بنصب ميتة فتقديره وإن يكن ما في بطونها ميتة، ومن قرأ بالرفع فعلى أن "كان تامة"، أو لأن التقدير: وإن يكن لهم أو هناك ميتة. وإنما جاز تذكير الفعل وتأنيثه لأن تأنيث الميتة غير حقيقي، أو لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل: ميت ولهذا جاز عود الضمير إليه مذكراً في قوله: {فهم فيه شركاء} وتذكير الضمير في قوله: {فهم} للتغليب {سيجزيهم وصفهم} أي جزاء وصفهم على الله الكذب في التحليل والتحريم {إنه حكيم عليم} ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق. فإن قيل: كيف أنث {خالصة} وذكر {محرماً}؟ قلنا: الأول حمل على المعنى لأن ما في بطون الأنعام في معنى الأجنة، والثاني حمل على اللفظ، وفي الأول وجهان آخران: أن تكون التاء للمبالغة مثل رواية الشعر وأن يكون مصدراً كالعاقبة أي ذو خالصة. ثم إنه سبحانه جمع قبائح أحكامهم وأفعالهم وحكم عليهم بالخسران والسفاهة وعدم العلم والضلال وعدم الاهتداء فقال {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم} الآية. وذلك أن الولد نعمة عظيمة من الله تبقي ذكره ونسله فالسعي في إبطال مثل هذه النعمة لضرر مظنون هو الفقر أو نحوه، أو لفائدة موهومة هي القربة إلى الأصنام دليل خفة العقل وعدم العلم وأنه موجب لخسران الدارين. وكذا تحريم ما أحل الله من الطيبات بالهوى والتقليد بل لمحض الافتراء على الله وإن ذلك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ولهذا سجل عليهم آخراً بالضلال ثم بعدم الاهتداء ليحصل كلا الأمرين لهم بالمطابقة كما حصل بالتضمن والله أعلم. التأويل: {مهلك القرى} أي قرى أشخاص الإنسان {بظلم} وهو صرف الاستعداد الفطري في استيفاء اللذات الفانية {وأهلها غافلون} لم يبلغوا مبلغ التكليف بعد. {وربك الغني} عن كل مخلوق عامة وعن الإنسان خاصة {ذو الرحمة} خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم. {واعملوا على مكانتكم} أي على ما جبلتم عليه {إني عامل} على ما جبلت عليه {قتل أولادهم شركاؤهم} من الشياطين والنفس والهوى والدنيا {سيجزيهم بما كانوا يفترون} لأنهم ذهبوا مذهب الطبع لا مذهب الشرع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع مجاهدة النفس لا يكون له نور إذا لم يكن لامتثال الشرع {قد خسر الذين قتلوا أولادهم} لأن ذلك نتيجة انتزاع الرحمة عن قلوبهم وحرموا ما رزقهم الله صورة وهو ظاهر، ومعنى وهو استعداد حصول مراتب أهل القرب {وما كانوا مهتدين} لأن خشية الفقر حملتهم على قتل الأولاد. وقال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.

ابن عادل

تفسير : قوله: {ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الخَبَر، أي: ذَلِك الأمر. الثاني: عكس ذلك الأمر. الثالث: أنه مَنْصُوب بإضمَار فِعْل، أي: فَعَلْنَا ذلك، وإنما يَظْهَر المَعْنَى إذا عُرِف المُشَارُ إليه، وهو يُحْتَمل أن يكُون إتْيَات الرُّسُل قَاصِّين الآياتِ, ومُنْذِرين بالحَشْرِ والجزاء, وأن يكون ذلك الَّذِي قَصَصْنَا من أمْر الرُّسُل وأمْر من كذَّب، ويحتمل أن يكون إشَارَةً إلى السُّؤال المَفْهُوم من قوله: "ألَمْ يَأتِكُمْ" وقوله: "أنْ لَمْ يَكُنْ" يَجُوز فيه وجهان: أحدهما: أنه على حَذْفِ لام العِلَّة أي: ذلك الأمر الَّذي قَصًَصْنا، أو ذلك الإتْيان، أو ذلك السُّؤال لأجْل "أنْ لَمْ يَكُن" فلما حُذِفَت اللاَّم احتمل مَوْضِعُها الجَرّ والنَّصْب كما عُرِف مِرَاراً. والثاني: أن يكُونَ بدلاً من ذلك. قال الزَّمَخْشَري: ولك أن تَجْعَله بَدَلاً من ذلك؛ كقوله: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} تفسير : [الحجر:66] انتهى. فيجوز أن يَكُون في محلِّ رفع أو نصب على ما تقدَّم في ذلك، إلاَّ أنَّ الزَّمَخْشَرِي القائل بالبَدليَّة لم يَذْكُر لأجْل ذلك إلاَّ الرَّفْع على خَبَر مُبْتَدأ مُضْمَر، و "أنْ" يجوز أن تكثون النَّاصِبَة للمُضَارع، وأن تكُون مُخَفَّفَة، واسْمُهَا ضَمِير الشَّأن، و "لَمْ يَكُنْ" في محلِّ رفع خبرها، وهو نظير قوله: {أية : أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ} تفسير : [طه:89]. وقوله: [البسيط] شعر : 2315- في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قََدْ عَلَمُوا أنْ هَالِكٌُ كُلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ تفسير : و"بِظُلَم" يجُوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه مُتعلِّق بِمَحْذُوف على أنَّه حالٌ من "ربُّكَ" أو من الضَّمير في "مُهْلِكَ" أي: لم يَكُون مُهْلِك القُرى مُلْتِبِساً بِظُلْمٍ، ويجُوز أن يكُون حالاً من القُرَى، أي: مُلْتَبِسَة بذُنُوبها، والمعْنَيَان منْقُولان في التَّفْسِير. والثاني: أن يتعلَّق بـ "مُهْلِكَ" على أنَّه مَفْعُول وهو بَعِيد، وقد ذكرَهُ أبو البقاء. وقوله: "وأهْلُهَا غَافِلُون" جُمْلَة حالية أي: لم يُنْذَرُوا حتى يَبْعَث إليهم رُسُلاً تُنْذِرهُم، وقال الكَلْبِي: يُهْلِكُهم بذُنُوبِهم من قَبْل أنْ يَأتيهمُ الرُّسُل. وقيل: مَعْنَاه لم يَكُون لِيُهْلِكَهُم دون التَّنْبيه والتَّذْكِير بالرُّسُل، فيكون قد ظَلَمَهُم؛ لأن الله - تبارك وتعالى - أجْرى السُّنَّة ألا يَأخذ أحداً إلا بعد وُجُود الذَّنْبِ، وإنما يَكُون مُذْنِباً إذا أمِر فَلَمْ يأتَمِر، ونُهِيَ فلم يَنْتَهِ، وذلك إنما يكون بعد إنْذَار الرُّسُل، وهذه الآية تدلُّ على أنَّه لا وُجُوب ولا تَكْلِيف قِبْلَ ورود الشَّرْع.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر سبحانه إقامة الحجة على الكافر في المعاد بالرسل عليهم السلام، علل إرسالهم ترغيباً وحثاً في اتباعهم في أيام المهلة بعد ترهيب، وتنبيهاً وإرشاداً في صادع تخويف وتأديب فقال: {ذلك} أي الأمر العظيم الجدوى هو أن أرسلنا الرسل {أن} أي لأجل أنه {لم يكن ربك} أي المحسن إليك بتشريف قومك {مهلك} أي ثابتاً إهلاكه {القرى بظلم} أي بسبب ظلم ارتكبوه {وأهلها غافلون *} أي غريقون في الغفلة عما يجب عليهم مما لا تستقل به عقولهم، أي بما ركب فيهم من الشهوات وغلب عليهم من اللذات، فأوقف عقولهم عن نافذ المعرفة بما يراد بهم، فأرسلنا إليهم الرسل حتى أيقظوهم من رقدتهم وأنبهوهم من غفلتهم، فصار تعذيبهم بعد تكذيبهم هو الحق الواجب والعدل الصائب، ويجوز أن يكون المعنى: مهلكهم ظالماً، فيكون المنفي من الظلم كالمنفي في قوله تعالى {أية : وما ربك بظلام للعبيد} تفسير : [فاطر: 46] وعلى الأول المنفي ظلمهم. ولما بيّن سبحانه أن لأحد الفريقين دار السلام، والآخر دار الملام، قال جامعاً للفريقين عاطفاً على قوله {أية : لهم دار السلام عند ربهم} تفسير : [الأنعام: 127]: {ولكل} أي عامل من الفريقين صالح أو طالح في قبيلي الجن والإنس في الدارين {درجات} أي يعليهم الله بها {مما} أي من أجل ما {عملوا} ودركات يهويهم فيها كذلك. ولما تقدم أنه تعالى لا يهلك المجرمين إلاّ بعد الإعذار إليهم، وتضمن ذلك إمهالهم، وختم أحوالهم بأنهم موضع لثبوت الغفلة ودوامها، نفى أن يسلم شيء من ذلك بجناب عظمته على وجه أثبت له ذلك إحاطة العلم بجميع أعمالهم فقال: {وما ربك} أي المحسن إليك بإعلاء أوليائك وإسفال أعدائك، وأغرق في النفي لإثبات مزيد العلم فقال: {بغافل عما يعملون *} أي عن شيء يعمله أحد من الفريقين، بل هو عالم بكل شيء من ذلك وبما يستحقه العامل قادر على جزائه، فلا يقع في وهم أن الإمهال لخفاء الاستحقاق بخفاء الموجب له، فالآية من النصوص في كتابة الصالحين من الجن. ولما كان طلب العبادة للائتمار والانتهاء ربما أوهم الحاجة إليها لنفع في الطاعة أو ضرر يلحقه سبحانه من المعصية، وكان الإمهال مع المبارزة ربما ظن أنه عن عجز، قال مرغباً مرهباً: {وربك} أي المحسن إليك وإليهم بإرسالك، وحصر الخبر في المبتدإ بقوله: {الغني} أي وحده الغني المطلق عن كل عابد وعبادته، فليعمل العامل لنفع نفسه أو ضرها {ذو الرحمة} أي وحده بلإمهال والإرسال للتنبيه على ما يستحقه من الأعمال؛ وملا كان اختصاصه بالغنى والرحمة فلا رحمة إلا منه ولا غنى إلا عنه، وأنه ما رتب الثواب والعقارب إلا رحمة منه وجوداً، استأنف بيان ذلك، وأخبر عن هذا المبتدإ بوصفيه عند من جعلها وصفين بقوله مصرحاً بما أفاده: {إن يشأ يذهبكم} أي جميعاً بالإهلاك، فلا يقع في ظن أحد منكم أن الإهلاك متوقف على شيء غير مشيئته، ولكنه قضى بإمهالكم إلى آجالكم رحمة لكم وإكراماً لنبيكم صلى الله عليه وسلم؛ ثم قال تحقيقاً لغناه أيضاً: {ويستخلف}. ولما كان لم يجعل لأحد الخلد، أدخل الجار فقال: {من بعدكم} أي بعد هلاككم {ما يشاء} أي يبدع غيركم من الخلق من جنسكم أو غير جنسكم كما أبدع أباكم آدم من التراب والتراب من العدم وفرعكم منه {كما أنشأكم من ذرية} أي نسل {قوم آخرين *} أي بعد أن أهلكهم أجمعين، وهم أهل السفينة وقد كنتم نطفاً في أصلابهم، لم يكن في واحدة منها حياة. ولما تقرر أن له الوصفين الملزومين للقدرة، أنتج ذلك قوله جواباً لاستعجالهم بالعذاب استهزاء: {إن ما توعدون} أي من البعث وغيره {لآت} أي لا بد من وقوعه لأن المتوعد لا يبدل القول لديه ولا كفوء له يعارضه فيه {وما أنتم بمعجزين *} أي بثابت لكم الإتيان بشيء يعجز عنه الخصم، فتمهد الأمر من جهته ومن جهتكم لوجود المقتضي وانتفاء المانع، وفي ذلك تقرير لأمر رحمته لأن القادر إذا اراد النقمة أخذ على غرة ولم يهدد، وإذا أراد الرحمة تقدم بالوعيد ليحذر الفائزون ويستسلم الخاسرون. ولما تقرر ذلك من التهديد على إنكار البعث وتحرر، فأنتج الاجتهاد للعاقل - ولا بد - في العمل، وكان أكثر الخلق أحق، أمره سبحانه بالنصيحة بقوله: {قل يا قوم} أي يا أقرب الخلق إليّ وأعزهم عليّ ومن لهم قيام في الأمور وكفاية عند المهمات {اعملوا} وأشار إلى مزيد القوة بعد التعبير بالقوم بحرف الاستعلاء فقال: {على مكانتكم} أي على ما لكم من القدرة على العمل والمكنة قبل أن تأتي الدواهي وتسبقكم القواصم بخفوق الأجل، وفيه مع النصيحة تخويف أشد مما قبله، لأن تهديد الحاضر على لسان الغير مع الإعراض أشد من مواجهته بالتهديد، أي أنكم لم تقبلوا بذلك التهديد الأول كنتم أهلاً للإعراض والبعد. ولما كان أدل شيء على النصيحة مبادرة الناصح إلى مباشرة ما نصح به ودعا إليه، قال مستانفاً أو معللاً: {إني عامل} أي على مكانتي وبقدر استطاعتي قبل الفوت بحادث الموت، ويمكن أن يكون متمحضاً للتهديد، فيكون المعنى: اعملوا بما أنتم تعملونه الآن من مخالفتي بغاية ما لكم من القوة، إني كذلك أعمل فيما جئت به. ولما كان وقوع المتوعد به سبباً للعلم بالعاقبة، وكان السياق لعدم تذكرهم وغرورهم وقلة فطنتهم، حسن إثبات الفاء في قوله: دون إسقاطها لأن الاستئناف يتعطف للسؤال فقال: {فسوف تعلمون} أي يقع لكم بوعد لا خلف فيه العلم، فكأنه قيل: أيّ علم؟ فقيل: {من تكون له} كوناً كأنه جبل عليه {عاقبة الدار} أي بيني وبينكم، وهذا في إثبات الفاء بخلاف ما في قصة شعيب عليه السلام من سورة هود عليه السلام في حذفها؛ ولما كان التقدير جواباً لما تقرر من سؤالهم: عاقبة الدار للعامل العدل، استأنف قوله: {إنه لا يفلح الظالمون *} أي الغريقون في الظلم كائنين من كانوا، فلا يكون لهم عاقبة الدار، فالآية من الاحتباك: ذكرُ العاقبة أولاً دليل على حذفها ثانياً، وذكر الظلم ثانياً دليل على حذف العدل أولاً.

ابو السعود

تفسير : {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذُكر من شهادتهم على أنفسهم بالكفر واستيجابِ العذابِ والخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى: {أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ} بحذف اللام على أنّ (أن) مصدرية أو مخففة من أنّ وضمير الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ وقوله تعالى: {بِظُلْمٍ} متعلقٌ إما بمهلك أي بسبب ظلمٍ أو بمحذوف وقع حالاً من القُرى أي ملتبسةً بظلم فإن ملابسةَ أهلِها للظلم ملابسةٌ للقرية له بواسطتهم، أوما كونُه حالاً من ربك أو من ضميره في مُهلكَ كما قيل فيأباه أن غفلةَ أهلِها مأخوذةٌ في معنى الظلمِ وحقيقتِه لا محالة، فلا يحسُن تقيـيدُه بقوله تعالى: {وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ} والمعنى ذلك ثابتٌ لانتفاء كونِ ربِّك ـ أو لأن الشأنَ لم يكن ربُّك مُهلكَ القرى بسبب أي ظلم فعلوه من أفراد الظلمِ قبل أن يُنْهَوْا عنه ويُنَبَّهوا على بُطلانه برسول وكتابٍ وإن قضَى به بديهةُ العقولِ، ويُنذَروا عاقبةَ جناياتِهم أي لولا انتفاءُ كونِه تعالى معذباً لهم قبل إرسالِ الرسلِ وإنزالِ الكتبِ لَما أمكن التوبـيخُ بما ذُكر ولَما شهِدوا على أنفسهم بالكفر واستيجابِ العذاب، ولا اعتذروا بعدم إتيانِ الرسل كما في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ}تفسير : [طه، الآية 134] وإنما عُلّل ما ذُكر بانتفاء التعذيبِ الدنيويِّ الذي هو إهلاكُ القرى قبل الإنذارِ مع أن التقريبَ في تعليله بانتفاء مطلقِ التعذيب من غير بعث الرسلِ أتمُّ على ما نطق به قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }تفسير : [الإسراء، الآية 15] لبـيان كمالِ نزاهتِه سبحانه وتعالى عن كلا التعذيبـين الدنيوي والأخروي معاً من غير إنذارٍ على أبلغ وجهٍ وآكدِه حيث اقتُصِر على نفي التعذيبِ الدنيوي عنه تعالى ليثبُتَ نفيُ التعذيبِ الأخروي عنه تعالى على الوجه البرهانيّ بطريق الأولوية، فإنه تعالى حيث لم يعذِّبهم بعذاب يسيرٍ منقطعٍ بدون إنذارٍ فلأن لا يعذِّبَهم بعذاب شديد مخلدٍ أولى وأجلى، ولو عُلل بما ذكر من نفي التعذيبِ لانصرف بحسب المقام إلى ما فيه الكلامُ من نفي التعذيبِ الأخروي، ونفذُ التعذيب الدنيويِّ غيرُ متعرَّضٍ له لا صريحاً ولا دَلالةً ضرورةَ أن نفذَ الأعلى لا يدل على نفذ الأدنى ولأن ترتبَ التعذيبِ الدنيويِّ على الإنذار عند عدمِ تأثرِ المنذَرين منه معلومٌ مشاهدٌ عند السامعين فيستدلون بذلك على أن التعذيبَ الأخرويَّ أيضاً كذلك فينزجرون عن الإخلال بمواجب الإنذارِ أشدَّ انزجارٍ، هذا هو الذي تستدعيه جزالةُ النظمِ الكريم، وأما جعلُ ذلك إشارةً إلى إرسال الرسلِ عليهم السلام وإنذارِهم، وخبرُ المبتدأ محذوفٌ كما أطبق عليه الجمهورُ فبمعزل من مقتضى المقامِ، والله سبحانه أعلم.

القشيري

تفسير : متى يصحُّ في وصفة توهم الظلم والمُلكُ مُلكه والخَلْقُ خلقُه؟ ومتى يقبح منه تصرُّفٌ في شخصٍ بما أراد، والعبد عبده والحكم حكمه؟

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} اى ارسال الرسل {ان} اللام مقدرة وهى مخففة اى لان الشأن {لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} اى بسبب ظلم منها {واهلها غافلون} لم يرسل اليهم رسول يبين لهم. قال البغوى وذلك ان الله تعالى اجرى السنة اى لا يأخذ احدا الا بعد وجود الذنب وانما يكون مذنبا اذا امر فلم يأتمر ونهى فلم ينته ويكون ذلك بعد انذار الرسل. وهو التفسير الفارسى [استئصال هيج قوم نباشد الا بعد از تقدم وعيد واكرنه ايشانرا برحق حجت باشدكه لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك]. قال فى التأويلات النجمية الاستعداد الروحانى لا يفسد باستيفاء الحظ الحيوانى فى الطفولية الا بعد ان يصير العبد مستعدا لقبول فيض العقل وفيض الهام الحق عند البلوغ فيخالف الالهام ويتبع الهوى فيفسد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الالهي كقوله تعالى {أية : ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} تفسير : [ص: 26]. وهذا كما انه تعالى لا يعذب قوما ما بلغتهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولا فيخالفونه فيعذبهم بها وقد عبر لسان الشرع عن هذا المعنى بان لا يجرى عليه قلم تكاليف الشريعة الا بعد البلوغ بالاوامر والنواهى لانه اوان ترقى الروح باستعمال المأمورات ونقصانه باستعمال المنهيات انتهى. فعلى العاقل ان يتدارك حاله ويخاف من الخطاب القهرى يوم القيامة شعر : كر بمحشر خطاب قهر كند انيسارا جه جاى معذرتست تفسير : قال الحسن البصرى رحمه الله الناس فى هذه الدنيا على خمسة اصناف. العلماء وهم ورثة الانبياء. والزهاد وهم الادلاء. والغزاة وهم اسياف الله. والتجار وهم امناء الله. والملوك وم رعاة الخلق فاذا اصبح العالم طامعا وللمال جامعا فبمن يقتدى ولذا قال من قال شعر : شيخ جون مائل بمال آيد مريد او معاش مائل دينار هر كز مالك ديدار نيست تفسير : واذا اصبح الزاهد راغبا فبمن يستدل ويهتدى شعر : اززاهدان خشك رسائى طمع مدار سيل ضعيف واصل دريا نميشود تفسير : واذا اصبح الغازى مرائيا والمرائى لا عمل له فمن يظفر بالاعداء شعر : عبادت بالاخلاص نيت نكوست وكرنه جه آيد زبى مغز بوست تفسير : واذا كان التاجر خائنا فمن يؤمن ويرتضى شعر : درين زمانه مكر جبرئيل امين باشد واذا اصبح الملك ذئبا فمن يحفظ الغنم ويرعى بادشاهى كه طرح ظلم افكند باى ديوار ملك خويش بكند نكند جور بيشه سلطانى كه نيايد زكرك جوبانى تفسير : والله ما هلك الناس الا العلماء المداهنون والزهاد الراغبون والغزاة المراؤون والتجار الخائنون والملوك الظالمون {وسيعلم الذين ظلموا اىّ منقلب ينقلبون} ثم ان الاحكام الالهية قد بلغت الى كل اقليم وبلغ الشاهد الغائب الى يومنا هذا من قديم وامتلاء الآذان من سماع الحق والكلام المطلق فلم يبق للسلطان ولا للوزير ولا لغيرهما من الوضيع والخطير عذر ينجيه من الهلاك وقهر مالك الاملاك والتنبيه مقدم لكل خامل ونبيه فهلاك القرى واهلها وظهور الظلمات فرعها واصلها انما هو من غفلة الانسان ايقظه الله الملك المنان فلا تلومن عند وجود التنزل الا نفسك الابية وظهور التسفل الا طبيعتك الغبية فقد استبان البرهان والحجة ووضع لسالكيها المحجة ألم تسمع الى قوله تعالى {أية : فلله الحجة البالغة} تفسير : [الأنعام: 149]. واراك انك القمت الحجر ولا تدرى ما فعل بك بل تتمادى فى تعبك وتتمرغ فى غضبك فعالج نفسك ايها المريض قبل الحلول الى الحضيض.

الطوسي

تفسير : موضع {ذلك} من الاعراب يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون رفعا كأنه قال: الامر ذلك، لانه لم يكن {ذلك} إِشارة الى ما تقدم ذكره من العقاب والجواب بأن مثواهم النار. والثاني - ان يكون نصبا، وتقديره فعلناه ذلك لهذا. وانما جازت الاشارة بذلك الى غير حاضر لان ما مضى صفة حاضرة للنفس فقام مقام حضوره، ويجوز الاشارة الى هذا الذي تقدم ذكره. وقوله {أن لم يكن} فـ (أن) هي المخففة من الثقيلة. والمعنى لانه لم يكن ومثلها التي في قول الشاعر: شعر : في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل تفسير : فـ (أنَّ) المفتوحة لا بد فيها من إِضمار الهاء، لانه لا معنى لها في الابتداء وانما هي بمعنى المصدر المبني على غيره. والمكسورة لا تحتاج الى ذلك، لانها يصح ان تكون حرفا من حروف الابتداء فلا تحتاج الى اضمار. وقوله {بظلم} قيل في معناه قولان: احدهما ما ذكره الفراء والجبائي: انه بظلم منه على غفلة من غير تنبيه وتذكير ومثله قوله {أية : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}. تفسير : الثاني - بظلم منهم حتى يبعث اليهم رسلا يزجرونهم ويذكرونهم على وجه الاستظهار في الحجة دون ان يكون ذلك واجبا، لانهم بما فعلوه من الظلم قد اسحقوا العقاب. ومن استدل بذلك على انه لا يحسن العقاب الا بعد انفاذ الرسل، فقد أجبنا عن قوله في الآية الاولى.

الجنابذي

تفسير : {ذٰلِكَ} اى ارسال الرّسل وقصّ الآيات والانذار من يوم القيامة {أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ} منه من دون اتمام الحجّة او بظلمهم لانفسهم او لغيرهم {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} غير متذكّرين لثواب وعقاب.

الهواري

تفسير : {ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} أي: لم يبعث إليهم رسولاً، يعني من أهلك من الأمم السالفة حين كذبوا رسلهم. يقول: لم أكن لأهلكهم حتى أبعث فيهم رسولاً احتج به عليهم، ولم أكن لأظلمهم فأعذبهم قبل مبعث الرسل والاحتجاج بالكتب. قوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا} أي: على قدر أعمالهم. قال الله في أهل النار (أية : جَزَاءً وِفَاقاً) تفسير : [النبأ:26] أي وافق أعمالهم الخبيثة. وقال في أهل الجنة: (أية : جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً) تفسير : [النبأ:36] أي على قدر أعمالهم. ذكر بعض الفقهاء قال: يقول الله: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم. قوله: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}. قوله: {وَرَبُّكَ الغَنِيُّ} أي عن خلقه وعن عبادتهم {ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي بعذاب الاستئصال، يعني المشركين {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم} أي كما خلقكم {مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ}. قوله: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لأَتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي ما أنتم بالذين يعجزون الله فتسبقونه حتى لا يقدر عليكم. قوله: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} وهذا وعيد، أي إعملوا على ناحيتكم، أي على كفركم، {إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} أي دار الآخرة، وعاقبتها الجنة، أي فستعلمون يوم القيامة أنَّا أهل الجنة وأنكم أهل النار. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} أي المشركون، وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم. وقد تحمل الآية على جميع الظالمين من المشركين وغيرهم، وقد تكون الآية خاصة ثم تعمّ.

اطفيش

تفسير : {ذلك} المذكور من بعث الرسل مع عقاب من لم يتبعهم {أنْ لَم يكُن ربُّكَ مُهلك القُوى بظُلمٍ} أن مصدرية مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها ويقدر قبلها لام التعليل، ويعلق بمحذوف خبر لمبتدأ الذى هو لفظ ذلك، أى ذلك ثابت لأنه لم يكن ربك مهلك أهل القوى بظلم لا يهلكهم بإرسال رسل إليهم ولو أهلكهم بدون إرسالهم لكن ظلماً والله منزه عن الظلم لا يظلم، ولا يجوز فى صفته، وكذلك لو اتبعوا الرسل وأهلكهم مع ذلك لكان ذلك ظلما حاشاه، ويجوز كون ذلك خبراً لمحذوف، أى الأمر ذلك وإن لم يكن بدل من فيكن، فلا تقدر اللام والباء متعلق بمهلك لا يهلكهم بظلم منه لهم، أو بمحذوف حال من ربك أو من المستتر فى مهلك أو من القرى، ملتبسا بظلم منه أو ملتبسة بظلم واقع عليها منه تعالى، وهى للإلصاق المجاز أو بمعنى مع. {وأهْلها غَافلُون} عن الشريعة خالون منها لعدم إرسال الرسل، والجملة حال أيضا، وصاحبها صاحب الحال الأول، وهى من حيث المعنى مؤكدة، لأن إهلاكهم بظلم هو إهلاكهم حال خلوهم من الرسالة، وإهلاكهم حال خلوم هو الظلم المذكور، وذلك أن تفاصيل الشريعة لا تدرك إلا بالرسل، بخلاف معرفة الله، فإن العقاب على تركها ولو بلا إرسال للرسل، وإذا جعلنا بظلم حالا جاز كون الجملة حالا من المستكن فيه، وأنت خبير أن الظلم فى الآية مسند على طريق النفى إلى الله تعالى وهو قول الفراء، ويجوز أن يكون المراد ظلما منهم وهو ذنوبهم، وهو قول الجمهور فتتعلق بمهلك لا غيره، فكون الباء للسببية فالمعنى لم يكن ربك مهلك أهل القرى بسبب ظلمهم، أى ذنوبهم، والحال أن أهلها غافلون عن الشريعة، خالون عنها لعدم الإرسال إليهم. وعلى هذا فهذه الجملة حال غير مؤكدة، وأنت خبير بتقدير المضاف، أى مهلك أهل القرى، ولما حذف لم يقل وهم غافلون، ويجوز أن لا يقدر بأن يراد بإهلاك القرى تعطيلها وتخريبها، ويدل هذا على إهلاك أهلها أيضا، لأن خرابها بذهاب أهلها، ولا أعرف أنّ أنْ خفيفة مصدرية لا اسم لها ولا خبرها قبل لم وغيرها مما بعدها فيه مخففة مصدرية، وهنا أجاز القاضى كونها مصدرية خفيفة لا اسم لها ولا خبر، وأنها التى تدخل على المضارع وتنصبه، لم تنصب هنا لأنها لم تدخل عليه كما لا نصب لها إذا دخلت على الماضى نحو: إن كان ذا حال، فعلى هذا يكون المعنى لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم، وعلى أنها مخففة يكون المعنى ذلك لكون الشأن عدم كون ربك مهلك القوى بظلم.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} أَى إِرسال الرسل مبتدأ أَخبر عنه بالعله فى قوله {أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} أَى ثابت لأَنه لم يكن ربك مهلك القرى إِلخ، أَو خبر لمحذوف، أَى الأَمر ذلك الإِرسال لأَجل أَنه لم يكن ربك مهلك القرى، وأَن مخففة وهى مصدرية ولا يعرف أَنها خفيفة مصدرية مثل هذا، وإِنما تكون هكذا إِذا نصبت المضارع ودخلت على ماض مثبت متصرف بلا فصل كقوله تعالى "أية : أَن كان ذا مال" تفسير : [القلم: 14] ولعل قائل هذا حمل المضارع مع لم على الماضى المذكور لأَنهما معا للماضى، وبظلم متعلق بمهلك أَى لم يهلك ربك أَهل القرى لأَجل ظلمهم أَو بسببه من شرك ومعاص وهم غافلون خالون عن العلم بالوحى لعدم نزوله وعدم إِنذارهم به، ولا ضعف فى ذلك، أَو حال من القرى لأَن المقصود أَهلها على حذف مضاف كما رأَيت، أَو تسمية للحال باسم المحل، أَو وقع لفظ قرية أَيضاً لأَهلها أَى ثابتين بظلم أَى إِشراك ومعاص. أَو حال من ربك أَو من ضمير مهلك أَى لا يهلكهم ظالما لهم جائراً لأَجل ذنوبهم حال كونهم غافلين أَى بلا إِرسال رسل، ويجوز أَن يكون قوله أَن لم يكن ربك مهلك القرى بدلا من ذلك على أَن ذلك خبر لمحذوف بدل اشتمال على أَن الإِشارة إِلى إِرسال الرسل والرابط معنوى لأَن الظلم يتصور بانتفاءِ الإِرسال، أَو بدلاً مطابقاً على أَن الإِشارة لمضمون ما بعده كقوله تعالى "أية : وقضينا إِليه ذلك الأَمر أَن دابر هٰؤلآءِ مقطوع مصبحين" تفسير : [الحجر: 66].

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ} إشارة إلى إتيان الرسل أو السؤال المفهوم من { أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ } تفسير : [الأنعام: 130] أو ما قص من أمرهم أعني شهادتهم على أنفسهم بالكفر واستيجاب العذاب، وهو إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ مقدر أي الأمر ذلك أو مبتدأ خبره مقدر أو خبره قوله سبحانه: {أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ } بحذف اللام على أنَّ (أَنْ) مصدرية أو مخففة من أن وضمير الشأن الذي هو اسمها، وإما منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر كخذ وفعلنا ونحو ذلك، وجوز أن / يكون {إِن لَّمْ} الخ بدلا من اسم الإشارة، وقوله تعالى: {بِظُلْمٍ} متعلق إما بمهلك أي بسبب ظلم أو بمحذوف وقع حالا من القرى أي متلبسة بظلم أو حالا من {رَبَّكَ} أو من ضميره في {مُهْلِكَ}، والمراد مهلك أهل القرى إلا أنه تجوز في النسبة أو حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولا يأباه قوله تعالى: {وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ} لأن أصله وهم غافلون فلما حذف المضاف أقيم الظاهر مقام ضميره. واعترض شيخ الإسلام على جعل {بِظُلْمٍ} حالاً من {رَبَّكَ} أو من ضميره بأنه يأباه أن غفلة أهلها مأخوذة في معنى الظلم وحقيقته لا محالة فلا يحسن تقييده بالجملة بعد، وأورد عليه أنه قد يتصور الظلم مع عدم الغفلة بأن يكون حال التيقظ ومقارنة الانقياد، وإن كان المراد هٰهنا هو الإهلاك حال الغفلة ففائدة التقييد تعيين المراد ولا يخفى حسنه ولا يخفى ما فيه، واختار قدس سره من احتمالات المشار إليه وأوجه إعراب اسم الإشارة الثالث من كل قال: والمعنى ذلك ثابت لانتفاء كون ربك أو لأن الشأن لم يكن ربك مهلك القرى بسبب أي ظلم فعلوه من أفراد الظلم قبل أن ينهوا عنه وينبهوا على بطلانه برسول وكتاب وإن قضى به بداهة العقول وينذروا عاقبة جناياتهم أي لولا انتفاء كونه تعالى معذباً لهم قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب لما أمكن التوبيخ بما ذكر ولما شهدوا على أنفسهم بالكفر واستيجاب العذاب ولا اعتذروا بعدم إتيان الرسل إليهم كما في قوله سبحانه: { أية : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ } تفسير : [طه: 134] وإنما علل ما ذكر بانتفاء التعذيب الدنيوي الذي هو إهلاك القرى قبل الإنذار مع أن التقريب في تعليله بانتفاء مطلق التعذيب من غير بعث الرسل أتم على ما نطق به قوله تعالى: { أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15] على ما اختاره أهل السنة في معناه لبيان كمال نزاهته سبحانه على كلا التعذيبين من غير إنذار على أبلغ وجه وآكده. ولا يخفى أن لما اختاره وجهاً وجيهاً خلا أن قوله فيما بعد ـ إن جعل ذلك إشارة إلى ارسال الرسل عليهم السلام وإنذارهم وخبر المبتدأ محذوف كما أطبق عليه الجمهور بمعزل عن مقتضى المقام ممنوع ـ وعلى سائر الاحتمالات الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب، والظاهر أن انتفاء الإهلاك قبل الإنذار لا يختص بالإنس بل الجن أيضاً لا يهلكون قبل إنذارهم وإن لم يشع إطلاق أهل القرى عليهم، وهذا مبني على محض فضل الله تعالى عندنا، والمعتزلة يقولون: يجب على الله تعالى أن لا يعذب قبل الإنذار وقيام الحجة وبنوه على قاعدة الحسن والقبح العقليين، وأئمتنا يثبتون ذلك لكنهم لا يجعلونه مناط الحكم كما زعم المعتزلة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي، تهديد وموعظة، وعبرة بتفريط أهل الضّلالة في فائدة دعوة الرّسل، وتنبيه لجدوى إرسال الرّسل إلى الأمم ليعيد المشركون نظراً في أمرهم، ما داموا في هذه الدار، قبل يوم الحشر، ويعلموا أنّ عاقبة الإعراض عن دعوة الرّسول صلى الله عليه وسلم خسرى، فيتداركوا أمرهم خشية الفوات، وإنذار باقتراب نزول العذاب بهم، وإيقاظٌ للمشركين بأنّ حالهم كحال المتحدّث عنهم إذا ماتوا على شركهم. والإشارة بقوله: {ذَٰلِكَ} إلى مذكور في الكلام السّابق، وهو أقرب مذكور، كما هو شأن الإشارة إلى غير مَحسوس، فالمشار إليه هو المذكور قبلُ، أو هو إتيان الرّسل الّذي جَرى الكلام عليه في حكاية تقرير المشركين في يوم الحشر عن إتيان رسلهم إليهم، وهو المصدر المأخوذ من قوله: { أية : ألَم يَأتكم رسلٌ منكم } تفسير : [الأنعام: 130] فإنَّه لمّا حكى ذلك القول للنّاس السّامعين، صار ذلك القول المحكي كالحاضر، فصحّ أن يشار إلى شيء يؤخذ منه. واسم الإشارة إمّا مبتدأ أو خبر لمحذوف تقديره: ذلك الأمر أو الأمر ذلك، كما يدلّ عليه ضمير الشأن المقدّر بعد (أنْ). و{أن} مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، كما هو استعمالها عند التّخفيف، وذلك لأنّ هذا الخبر له شأن يجدر أن يُعرَف والجملة خبر {أن}، وحذفت لام التّعليل الداخلة على {أن}: لأنّ حذف جارّ {أن} كثير شائع، والتّقدير: ذلك الأمر، أو الأمر ذلك، لأنَّه ــــ أي الشأن ــــ لم يكن ربّك مُهلك القرى. وجملة: {لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} هو شأن عظيم من شؤون الله تعالى، وهو شأن عَدله ورحمته، ورضاه لعباده الخير والصّلاح، وكراهيته سوء أعمالهم، وإظهاره أثر ربوبيته إياهم بهدايتهم إلى سبل الخير، وعدم مباغتتهم بالهلاك قبل التقدّم إليهم بالإنذار والتنبيه. وفي الكلام إيجاز إذ عُلم منه: أنّ الله يهلك القرى المسترسِلَ أهلُها على الشّرك إذا أعرضوا عن دعوة الرّسل، وأنّه لا يهلكهم إلاّ بعد أن يرسل إليهم رسلاً منذرين، وأنّه أراد حمل تَبعَة هلاكهم عليهم، حتى لا يبقى في نفوسهم أن يقولوا: لولا رحمنا ربّنا فانبأنا وأعذر إلينا، كما قال تعالى: {ولو أنَّا أهلكناهم بعذاب من قبله} (أي قبل محمّد صلى الله عليه وسلم أو قبل القرآن) { أية : لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } تفسير : [طه: 134] فاقتصر من هذا المعنى على معنى أنّ علّة الإرسال هي عدم إهلاك القرى على غفلة، فدلّ على المعنى المحذوف. والإهلاك: إعدام ذات الموجود وإماتةُ الحيّ. قال تعالى: { أية : ليَهْلِك من هلك عن بيّنة ويَحْيَى من حَيِيَ عن بيّنة } تفسير : [الأنفال: 42] فإهلاك القرى إبادة أهلها وتخريبها، وإحياؤها إعادةُ عُمرانها بالسكّان والبناء، قال تعالى: { أية : أنَّى يحيي هذه} تفسير : [البقرة: 259] (أي القريةَ) {أية : الله بعد موتها } تفسير : [البقرة: 259]. وإهلاك النّاس: إبادتهم، وإحياؤهم إبقاؤهم، فمعنى إهلاك القرى هنا شامل لإبادة سكّانها. لأنّ الإهلاك تعلّق بذات القرى، فلا حاجة إلى التمجّز في إطلاق القرى على أهل القرى كما في: و { أية : سأل القرية } تفسير : [يوسف: 82] لصحّة الحقيقة هنا، ولأنَّه يمنع منه قوله: {وأهلُها غافلون}. ألا ترى إلى قوله تعالى: { أية : وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمّرناها تدميراً } تفسير : [الإسراء: 16] فجعل إهلاكها تدميرها، وإلى قوله: { أية : ولقد أتَوْا على القرية التي أُمطرت مَطَر السَّوْء أفلم يكونوا يرونها } تفسير : [الفرقان: 40]. والباء في: {بِظلم} للسّببيّة، والظلم: الشّرك، أي مهلكهم بسبب شرك يَقع فيها فيهلكها ويهلك أهلها الّذين أوقعوه، ولذلك لم يقل: بظلم أهلها، لأنَّه أريد أن وجود الظلم فيها سببُ هلاكها، وهلاكُ أهلها بالأحرى لأنَّهم المقصود بالهلاك. وجملة: {وأهلها غافلون} حال من {القرى}. وصرح هنا بــــ {أهلها} تنبيها على أنّ هلاك القُرى من جراء أفعال سكّانها، { أية : فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا } تفسير : [النمل: 52].

الشنقيطي

تفسير : النفي في هذه الآية الكريمة منصب على الجملة الحالية، والمعنى أنه لا يهلك قوماً في حال غفلتهم، أي عدم إنذارهم، بل لا يهلك أحداً إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، كما بين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]، وقوله {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [النساء: 165]، وقوله {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 24]، وقوله {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} تفسير : [النحل: 36] إلى غير ذلك من الآيات.

الواحدي

تفسير : {ذلك} الذي قصصنا عليك من أمر الرُّسل لأنَّه {لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} أَيْ: بذنوبهم ومعاصيهم من قبل أن يأتيهم الرَّسول فينهاهم، وهو معنى قوله: {وأهلها غافلون} أَيْ: لكلِّ عاملٍ بطاعة الله درجات في الثَّواب، ثمَّ أوعد المشركين، فقال: {وما ربك بغافل عما يعملون}. {وربك الغني} عن عبادة خلقه {ذو الرحمة} بخلقه فلا يُعَجِّل عليهم بالعقوبة {إن يشأ يذهبكم} يعني: أهل مكَّة {ويستخلف من بعدكم} وينشىء من بعدكم خلقاَ آخر {كما أنشأكم} خلقكم ابتداءً {من ذرية قوم آخرين} يعني: آباءَهم الماضين.

د. أسعد حومد

تفسير : {غَافِلُونَ} (131) - لَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ تَعَالَى إِلَى الإِنْسِ وَالجِنِّ، بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَإِنْزَالِ الكُتُبِ، لَئِلاَّ يُؤْخَذَ أَحَدٌ بِظُلْمٍ، وَهُوَ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ اللهِ. فَاللهُ سُبْحَانَهُ لاَ يُعَاجِلُ قَوْماً بِالعُقُوبَةِ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً يَدْعُوهُمْ إِلى اللهِ، وَيُنْذِرُهُمْ عِقَابَهُ. وَلا يُؤَاخِذُهُمْ رَبُّهُمْ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْهُمْ لِكَيْلاَ يَقُولُوا: مَا جَاءَنَا بَشِيرٌ وَلاَ نَذِيرٌ، وَلَوْ جَاءَنَا رَسُولٌ لاهْتَدَينا، وَلآمَنَّا بِرَبِّنا وَاتَّبَعْنَا الرُّسُلَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما تقدم، وهو إرسال الرسل مبلغين عن الله؛ حتى لا يكون لأحد حُجة بعد الرسل، وقد أقروا بأن الله أرسل إليهم رسلاً، وشهدوا على أنفسهم، وماداموا قد أقرّوا على أنفسهم بأن الله أرسل لهم رسلاً وشهدوا على أنفسهم بذلك، إذن فهذا إقرار جديد بأن الله لم يكن مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قبل أن يعاقب على جُُرم، وقبل أن يجرّم ينزل النص بواسطة الرسل. أي أن الله لا يهلكهم بسبب ظلم وقع منهم إلا بعد ذلك البلاغ. {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}، و"الغفلة" ضد اليقظة، فاليقظة، هي تنبّه الذهن الدائم، و"الغفلة" أن تغيب بعض الحقائق عن الذهن، ومعنى أن ربنا لا يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون أي غير يقظين؛ فلو أنهم كانوا يقظين ومتنبهين لما احتاجوا إلى الرسل؛ لأن الله عندما خلق الخلق أرسل آدم إلى ذريته، وكان المفروض كما يلقن الآباء الأبناء وسائل حياتهم أن يلقنوهم مع ذلك قيم دينهم. فكما أن الآباء يعلمون ذريتهم وسائل حياتهم، ثم ينقلونها ويزيدون عليها بابتكاراتهم، كان من الواجب على الآباء أن يقوموا بهذا العمل بالنسبة للقيم فتعيش القيم في الناس كما عاشت وسائل حياتهم. ولماذا - إذن - عاشت وسائل حياتهم وتوارثوها وزادوا عليها أشياء؟! لأن زاوية الدين هي التي يغفل الناس عنها، بسبب أنها تقيد حركتهم في "افعل" و"لا تفعل"، ولكنهم يريدون الترف في وسائل حياتهم. لماذا إذن أيها الإِنسان تحرص على الترقي في ترف الحياة ولا تحرص على الترقي في القيم؟. لقد كنت- على سبيل المثال- تشرب من الماء أو النبع بيدك ثم صنعت كوباً لتشرب منه، ونقيت الماء من الشوائب ونقلته من المنابع في صهاريج. أنت ترفه حياتك المادية والمعيشية فأين إذن الاهتمام بقيم الدين؟!! ولو كانوا متيقظين لكان كل أب قد علم ابنه ما ورثه من آبائه من القيم، وعلى الرغم من ذلك رحم الحق سبحانه وتعالى هذه الغفلة، وكرّر التنبيه بواسطة الرسل. وكلما انطمست معالم القيم التي يحملها المنهج فهو - جل وعلا - يرسل رسولاً رحمة منه وفضلاً وعدالة، ولم يكن يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، والغفلة ضد اليقظة. إذن لو كانوا متيقظين لما كانت هناك ضرورة للرسل؛ لأن الآباء كانوا سينقلون لأبنائهم القيم كما ينقلون إليهم وسائل حياتهم، وهذا الأمر مستمر معنا حتى الآن؛ إن الأب- مثلاً- إن غاب ابنه عن المدرسة يوماً يلوم الابن، وإن أهمل في دروسه أو رسب فهو يعاقب الابن، وهذه هي الغيرة على المستقبل المادي للابن، ولا غيرة على أدائه لفروض الدين، لماذا؟. إن الناس لو عنوا بمسائل قيمهم كما يعنون دائماً بمسائل حياتهم لاستقام منهج الخير في الناس وأصبح أمراً رتيباً. وعرفنا أن الغفلة ضدها اليقظة، كما أن السهو ضده التذكر، والغروب ضده الشروق، والغياب ضده الحضور. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ..}