٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
132
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحده {تَعْمَلُونَ } بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الثواب والدرجات، وأحوال أهل العقاب والدركات ذكر كلاماً كلياً، فقال: {وَلِكُلّ دَرَجَـٰتٌ مّمَّا عَمِلُواْ } وفي الآية قولان: القول الأول: أن قوله: {وَلِكُلّ دَرَجَـٰتٌ مّمَّا عَمِلُواْ } عام في المطيع والعاصي، والتقدير: ولكل عامل عمل فله في عمله درجات، فتارة يكون في درجة ناقصة، وتارة يترقى منها إلى درجة كاملة، وأنه تعالى عالم بها على التفصيل التام، فرتب على كل درجة من تلك الدرجات ما يليق به من الجزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. والقول الثاني: أن قوله: {وَلِكُلّ دَرَجَـٰتٌ مّمَّا عَمِلُواْ } مختص بأهل الطاعة، لأن لفظ الدرجة لا يليق إلا بهم. وقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } مختص بأهل الكفر والمعصية والصواب هو الأول. المسألة الثالثة: اعلم أن هذه الآية تدل أيضاً على صحة قولنا في مسألة الجبر والقدر، وذلك لأنه تعالى حكم لكل واحد في وقت معين بحسب فعل معين بدرجة معينة، وعلم تلك الدرجة بعينها وأثبت تلك الدرجة المعينة في اللوح المحفوظ وأشهد عليه زمر الملائكة المقربين، فلو لم تحصل تلك الدرجة لذلك الإنسان لبطل ذلك الحكم، ولصار ذلك العلم جهلاً، ولصار ذلك الإشهاد كذباً وكل ذلك محال فثبت أن لكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما تعملون، وإذا كان الأمر كذلك، فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، والسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} أي من الجن والإنس؛ كما قال في آية أخرى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} تفسير : [الأحقاف:18] ثم قال: {أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } تفسير : [الأحقاف: 19]. وفي هذا ما يدل على أن المطيع من الجن في الجنة، والعاصي منهم في النار؛ كالإنس سواء. وهو أصح ما قيل في ذلك فاعلمه. ومعنى «ولِكلٍّ درجاتٌ» أي ولكل عامل بطاعةٍ درجاتٌ في الثواب. ولكلّ عاملٍ بمعصية دركاتٌ في العقاب. {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ} أي ليس بلاَهٍ ولا سَاهٍ. والغفلة أن يذهب الشيء عنك لاشتغالك بغيره. {عَمَّا يَعْمَلُونَ} قرأه ٱبن عامر بالتاء، الباقون بالياء.
البيضاوي
تفسير : {وَلِكُلّ} من المكلفين. {دَرَجَـٰتٌ} مراتب {مّمَّا عَمِلُواْ} من أعمالهم أو من جزائها، أو من أجلها {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق به من ثواب أو عقاب. وقرأ ابن عامر بالتاء على تغليب الخطاب على الغيبة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلِكُلٍّ } من العاملين {دَرَجَٰتٌ } جزاء {مِّمَّا عَمِلُواْ } من خير وشر {وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } بالياء والتاء.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلِكُلٍّ} لكل عامل بطاعة أو معصية منازل سميت {دَرَجَاتٌ} لتفاضلها كتفاضل الدرج في الارتفاع يريد به الأعمال المتفاضلة، أو الجزاء المتفاضل.
ابن عادل
تفسير : أي: ولكل درجاتٌ في الثَّواب والعقابِ، على قَدْرِ أعْمَالهم في الدُّنيا، وحذف المُضاف إلَيْه للعِلْمِ به، أي: ولكُلِّ فريقِ منهم من الجنِّ والإنْسِ. قوله: "مِمَّا عَمِلُوا" في محلِّ رفع نعتاً لـ "دَرَجَات". وقيل: ولكلِّ من المؤمنين خاصَّة. وقيل: ولكلِّ من الكُفَّار خاصَّة؛ لأنها جَاءَت عَقِيب خطاب الكُفَّارِ؛ إلا أنَّه يبعده قوله: "دَرَجَاتٌ" وقد يُقَال: إن المُرَاد به هُنَا المراتِب، وإن غلب استْعِمَالُها في الخير {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعَمْلُونَ} قرأ العامّة بالغيبة رَدّاً على قوله: "ولكُلِّ درَجَاتٌ" وقرأ ابن عامرٍ بالخطابِ مُراعَاةً لما بَعْدَهُ في قوله: "يُذْهبْكم"، "مِنْ بَعْدِكُمْ"، كما "أنشأكم".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن الضحاك قال: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. وأخرج ابن المنذر عن ليث قال: بلغني أن الجن ليس لهم ثواب . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ليث بن أبي سليم قال: مسلمو الجن لا يدخلون الجنة ولا النار، وذلك أن الله أخرج أباهم من الجنة فلا يعيده ولا يعيد ولده . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي ليلى قال: للجن ثواب، وتصديق ذلك في كتاب الله {ولكل درجات مما عملوا} . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه. مثله . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الخلق أربعة: فخلق في الجنة كلهم، وخلق في النار كلهم، وخلقان في الجنة والنار. فأما الذين في الجنة كلهم فالملائكة، وأما الذين في النار كلهم فالشياطين، وأما الذين في الجنة والنار فالجن والإِنس، لهم الثواب وعليهم العقاب . وأخرج الحكيم والترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني والحاكم واللالكلائي في السنة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ثعلبة الخشني. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " حديث : الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإِنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمناً فهو ولي الله ، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أنعم قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب. والإِنس ثلاثة أصناف: صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة، وصنف هم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً ، وصنف في صور الناس على قلوب الشياطين . وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه. أنه سئل عن الجن هل يأكلون ويشربون ويموتون ويتناكحون؟ فقال: هم أجناس، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون ويموتون، وهي هذه التي منها السعالي والغول وأشباه ذلك. وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن جابر قال: ما من أهل بيت من المسلمين إلا وفي سقف بيتهم أهل بيت من الجن من المسلمين، إذا وضع غداؤهم نزلوا فتغدوا معهم، وإذا وضع عشاؤهم نزلوا فتعشوا معهم. قوله تعالى: {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} . أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: الذرية الأصل، والذرية النسل .
ابو السعود
تفسير : {وَلِكُلّ} أي من المكلفين من الثقلين {دَرَجَـٰتٌ} متفاوتةٌ وطبقاتٌ متباينة {مّمَّا عَمِلُواْ} من أعمالهم صالحةً كانت أو سيئةً فإن أعمالَهم درجاتٌ في أنفسها أو من جزاء أعمالِهم فإن كلَّ جزاءٍ مرتبةٌ معينةٌ لهم أو من أجل أعمالِهم {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} فيخفى عليه عملٌ من أعمالهم أو قدْرُ ما يستحقون بها من ثواب أو عقاب، وقرىء بالتاء تغليباً للخطاب على الغَيْبة. {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ} مبتدأٌ وخبرٌ أي هو المعروفُ بالغني عن كل ما سواه كائناً مَنْ كان وما كان، فيدخُل فيه غناه عن العباد وعن عبادتهم، وفي التعرُّض لوصف الربوبـيةِ في الموضعين لا سيما في الثاني لكونه موقعَ الإضمار مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من إظهار اللطفِ به عليه السلام وتنزيهِ ساحتِه عن توهم شمولِ الوعيدِ الآتي لها أيضاً ما لا يخفى، وقوله تعالى: {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} خبرٌ آخرُ أو هو الخبرُ، والغنيُّ صفةٌ أي يترحم عليهم بالتكليف تكميلاً لهم ويُمهلهم على المعاصي، وفيه تنبـيهٌ على أن ما سلف ذكرُه من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتمهيدٌ لقوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي ما به حاجةٌ إليكم إن يشأ يذهبْكم أيها العصاةُ، وفي تلوين الخطابِ من تشديد الوعيد ما لا يخفى {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم} أي من بعد إذهابِكم {مَا يَشَاء} من الخلق، وإيثارُ ما على مَنْ لإظهار كمالِ الكبرياءِ وإسقاطِهم عن رتبة العقلاءِ {كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ} أي من نسل قومٍ آخرين لم يكونوا على مثل صفتِكم وهم أهلُ سفينةِ نوحٍ عليه الصلاة والسلام لكنه أبقاكم ترحماً عليكم، و(ما) في كما مصدريةٌ ومحلُّ الكافِ النصبُ على أنه مصدرٌ تشعيبـي على غير المصدرِ فإن يستخلف في معنى ينشىء كأنه قيل: وينشىء إنشاءً كائناً كإنشائكم الخ أو نعتٌ لمصدر الفعل المذكور أي يستخلف استخلافاً كائناً كإنشائكم الخ والشرطيةُ استئنافٌ مقررٌ لمضمون ما قبلها من الغنى والرحمة. {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ} أي الذي توعدونه من البعث وما يتفرّع عليه من الأمور الهائلةِ، وصيغةُ الاستقبال للدِلالة على الاستمرار التجددي {لآتٍ} لواقعٌ لا محالة كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوٰقِعٌ }تفسير : [المرسلات، الآية 7] وإيثارُه عليه لبـيان كمالِ سرعةِ وقوعِه بتصويره بصورة طالبٍ حثيثٍ لا يفوته هاربٌ حسبما يُعرب عنه قولُه تعالى: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي بفائتين ذلك وإن ركِبتم في الهرب متنَ كلِّ صَعْبٍ وذَلولٍ كما أن إيثارَ صيغةِ الفاعلِ على المستقبل للإيذان بكمال قربِ الإتيان، والمرادُ بـيانُ دوامِ انتفاءِ الإعجازِ لا بـيانُ انتفاءِ دوامِ الإعجاز فإن الجملة الاسميةَ كما تدل على دوام الثبوتِ تدل بمعونة المقام إذا دخل عليها حرفُ النفذِ على دوام الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ كما حُقق في موضعه.
التستري
تفسير : وقال: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ}[132]، وقال في صفة المريد: شغل المريد إقامة الفرض والاستغفار من الذنب وطلب السلامة من الخلق. وقال سهل: إن الله عزَّ وجلَّ ينظر في القلوب والقلوب عنده، فما كان أشدها تواضعاً له خصه بما شاء ثم بعد ذلك ما كان أسرعها رجوعاً، وهما هاتان الخصلتان. وقال: ما اطلع الله على قلب فرأى فيه همّ الدنيا إلاَّ مقته، والمقت أن يتركه ونفسه. والقلب لا يملكه أحد إلاَّ الله تعالى، ولا يطيع أحداً إلاَّ الله، فإذا ذكرت به فضع سرك مع الله، فإنه ليس من أحد وضعت سرك عنده إلاَّ هتكه، إلاَّ الله عزَّ وجلَّ.
القشيري
تفسير : المحسن في روْح الثواب متنعِّم، والمذنب في نوْح العذاب متألم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولكل} من المكلفين من الثقلين مؤمنين كانوا او كفارا {درجات مما عملوا} اى مراتب كائنة من اعمالهم صالحة كانت او مسيئة فلاهل الخير درجات فى الجنة بعضها فوق بعض ولاهل الشرك دركات فى النار بعضها اشد عذاباً من بعض وفسروا الدرجات بالمراتب لان الدرجات غلب استعمالها فى الخير والثواب والكفار لا ثواب لهم {وما ربك بغافل عما يعملون} فيخفى عليه عمل من اعمالهم طاعة او معصية والمقصود ان الله يجزى كل عامل بما عمل.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر {عما تعملون} بالتاء. الباقون بالياء. ومن قرأ بالياء حمله على الغيبة. ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب للمواجهة. وفي الآية حذف وتقديرها، ولكل عامل بطاعة الله او معصيته منازل من عمله حتى يجازيه ان خيرا فخيرا، وان شرا فشرا. وما تقدم من ذكر الغافلين يدل على هذا الحذف. و (قبل. وبعد) بنيتا عند حذف المضاف في مثل قوله {أية : لله الأمر من قبل ومن بعد} تفسير : لانهما في حال الاعراب لم يكونا على التمكن التام، لانه لا يدخلهما الرفع في تلك الحال، فلما انضاف الى هذا النقصان من التمكن بحذف المضاف اليه أخرجا الى البنأ، وليس كذلك (كل) فانه متمكن على كل حال ولذلك لم يبن. و (الدرجات) يحتمل أمرين: احدهما - الجزاء. والثاني - الاعمال فاذا وجهت الى الجزاء كان تقديره: ولكل درجات جزاء من اجل ما عملوا، واذا حمل على الاعمال كان تقديره: ولكل درجات أعمال من اعمالهم. وانما مثل الاعمال بالدرجات ليبين انه وان عمَّ احد قسميها صفة الحسن، وعم الآخر صفة القبيح، فليست في المراتب سواء، وانه بحسب ذلك يقع الجزاء، فالاعظم من العقاب للاعظم من المعاصي، والاعظم من الثواب للاعظم من الطاعات. وقوله {وما ربك بغافل عما يعملون} انما ذكره ليعلموا انه لا يفوته شىء منهما ولا من مراتبهما حتى يجازي عليه بما يستحق من الجزاء، وفيه تنبيه وتذكير للخلق في كل امورهم. والغفلة ذهاب المعنى عمن يصح ان يدركه. والغفلة عن المعنى والسهو عنه والغروب عنه نظائر، وضد الغفلة اليقظة، وضد السهو الذكر، وضد الغروب الحضور.
الجنابذي
تفسير : {وَلِكُلٍّ} من افراد الجنّ والانس محسناً كان او مسيئاً او من اصناف المحسن والمسيء او من جنس المحسن وجنس المسيء {دَرَجَاتٌ} فى العلوّ والعالم العلوىّ وفى النّزول والعالم السّفلىّ، والدّرجة بالضمّ والسّكون وبالتّحريك وكهمزة المرقاة واذا اعتبر فيها الارتقاء كان تسمية دركات المسيء بالدّرجات من باب التّغليب او باعتبارها من الاسفل فانّ الاسفل بالنّسبة الى ما فوقه درجة {مِّمَّا عَمِلُواْ} اى هى عبارة ممّا عملوا على تجسّم الاعمال او ناشئة ممّا عملوا، وما موصولة او موصوفة او مصدريّة {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} قرئ بالخطاب وبالغيبة والمقصود انّ درجات اعمال العباد ظاهرة عنده وهو غير غافلٍ عنها فيرفع كلاًّ وينزل بقدر درجات اعماله ودركاتها.
الأعقم
تفسير : {ولكل درجات} جزاءاً من أجل ما عملوا يعني من الثواب والعقاب على قدر ما عملوا في الدنيا {وربك الغني} عن خلقه {ذو الرحمة} لهم {إن يشأ يذهبكم} يهلككم، وقيل: يميتكم ويستخلف من بعدكم ويأتي بقوم أطوع منكم {كما أنشأكم} خلقاً {من ذرية قوم آخرين إن ما توعدون لآت} كائن لا محالة {وما أنتم بمعجزين} يعني بفائتين {قل} يا محمد {يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل} يعني على مكانتي بما أمرني ربي وهذا وعيد وتهديد لا أمر اباحة واطلاق، كقوله: اعملوا ما شئتم {إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار} يعني الجنة {إنه لا يفلح الظالمون}، قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً} الآية نزلت في المشركين قال المفسرون: كانوا يجعلون سائر أنعامهم وأموالهم نصفين نصيباً لله ونصيباً للأوثان فما كان لله أطعم الضيفان والمساكين وما كان للأوثان أنفق عليها، ولا يأكلون من ذلك كله شيئاً وإن سقط من نصيب الأوثان شيء إلى نصيب الله ردوه وقالوا: إنه فقير وإن سقط شيء من نصيب الله تعالى إلى نصيب الأوثان لم يردوه وقالوا: انه غني وهو معنى قوله: {فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} وإذا كثر الذي لله قالوا: ليس لآلهتنا بدٌّ من النفقة فأخذوا الذي لله وأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتم قالوا: لو شاء الله لأزكا الذي له فلا يردون عليه شيئاً مما للآلهة، وإذا أصابتهم السنة استعانوا بما حرثوا لله تعالى ووفروا ما حرثوا لآلهتهم وذلك قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} يعني الأوثان، وقوله: بزعمهم قال في الثعلبي عن شريح القاضي: لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا والزعم أيضاً الطمع، وقوله تعالى: {ساء ما يحكمون} أي يقصون، قوله تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين} والمعنى أن شركاءهم من الشياطين هم الذين زينوا لهم بالوسوسة، وقيل: الذي زين لهم ذلك قوم كانوا يخدمون الأوثان، وقيل: كان الرجل في الجاهلية يحلف لأن ولد له كذا غلام لينحرن أحدهم كما فعل عبد المطلب، وكذلك دفنهم البنات {وليلبسوا عليهم دينهم}، قيل: ليخلطوا وليوهموا عليهم {ولو شاء الله ما فعلوه} لو شاء أن يمنعهم قهراً ويلجئهم إلى تركه لفعل {وقالوا} يعني المشركين {هذه أنعام وحرث} يعني زرع {حجر} وأصل هذا المنع يقال حجرت على فلان كذا أي منعته {لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء {وأنعام حرمت ظهورها} يعنون البحائر والسوائب والحام {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} يعنون في الذبح وإنما يذكرون عليها اسماء الأصنام، وقيل: لا يحجون عليها، والمعنى أنهم قسموا أنعامهم تعالوا هذه انعام حجر، وهذه أنعام حرمت ظهورها، وهذه أنعام لا يذكرون اسم الله عليها {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا}، قيل: الالبان، وقيل: الأجنة، ومعنى خالصة لذكورنا لا يشاركهم فيه أحد من النساء ومحرم على أزواجنا يريد النساء {وان يكن ميتةً} يعني وإن ماتت النوق البحائر التي حرموا ألبانها على النساء اشتركوا في لحومها رجالهم ونساءهم عن ابن عباس، وقيل: ان يكن الأجنة ميتة {فهم فيه شركاء} الرجال والاناث {سيجزيهم وصفهم} الكذب على الله تعالى كقوله: {أية : وتصف ألسنتهم الكذب} تفسير : [النحل: 62] {إنه حكيم عليم}.
اطفيش
تفسير : {ولكلِّ} واحد من الكفار {دَرَجاتٌ مما عَملُوا} أى مراتب فى الدركات على حسب عصيانهم تثبت لهم بسبب ما عملوا، وحصلت مما عملوا، فمن للسببية أو للابتداء، وإنما جمع درجة لأن لكل واحد مراتب لأنها دركات، وإن اعتبر آخرها إلى الأسفل فقط فالجمع باعتبار دركة كل واحد. {وما ربُّكَ بغَافلٍ عمَّا يعْمَلون} أى عمل يعمل الكفار فهو عالم بعملهم ومقدار عقابهم، والكلام فى الكفار، والدرجة قد تستعمل بمعنى الدركة، ولو شهر أنها للأعلى، والدركة للأسفل، ويجوز أن يراد بالآية المؤمنين، فالدرجات للأعلى، فالمراد بما عملوا عمل الطاعات لا يغفل الله عنها ولا عن ثوابها، هو عالم بهما، ويجوز أن يراد بها المؤمنين والكافرين، والدرجات المراتب للأسفل والأعلى والعمل عمل الطاعة والمعصية، وعدم الغفلة هو العلم بالطاعة والمعصية، ومقدار ثواب الطاعة وعقاب المعصية، وهذا قول الجمهور أى لكل من المكلفين درجات، ووجهه تعميم اللفظ فى المعنى، ووجه الثانى شهرة الدرجة فى الخير. وفسرت أنا الآية بالكفار ليناسب ما قبله مع ما يتبادر من التهويل فى قوله: {وما ربك بغافل عما يعملون} ولو كان أيضا يصلح لغير ذلك، وقرأ ابن عامر: تعملون بالفوقية التفاتاً من الغيبة للخطاب، لأن لكل درجات غيبية فى جميع تفاسيره، وإذا جعلنا الكلام فى المؤمنين فقد غلب الخطاب فى الكاف على الغيبة.
اطفيش
تفسير : {وَلَكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} لكل من المكلفين مراتب فى الأَعمال من خير أَو شر، وفى جزاءِ الأَعمال كذلك، ومن للابتداءِ أَى تحصلت من أَعمالهم أَو مما عملوه، أَو بيانية أَى مراتب هى أَعمالهم، أَو تعليلية، ولا مانع من قولك حصلت لهم مراتب فى الأَعمال هكذا من خصوص أَعمالهم، ومما نعت درجات أَو يتعلق بكل أَو باستقراره، والدرجات بمعنى مراتب ومقادر يستعمل فى الخير والشر، ولا مانع من أَن المراد فى الآية الشر وأَهله كما يقال دركات وهو المتبادر من الآية لأَن المذكورين قبل وبعد أَهل الشر. أَلا ترى إِلى التهديد فى قوله عز وجل {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} فضلا عن أَن يفوته ثواب المطيع وعقاب العاصى ومقدارهما.
الالوسي
تفسير : {وَلِكُلّ} من المكلفين جناً كانوا أو إنساً {دَرَجَـٰتٌ} أي مراتب فيتناول الدركات حقيقة أو تغليباً {مّمَّا عَمِلُواْ} أي من أعمالهم صالحة كانت أو سيئة أو من أجل أعمالهم أو من جزائها، فمن إما ابتدائية أو تعليلية أو بيانية بتقدير مضاف {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} فلا يخفى عليه سبحانه عمل عامل أو قدر ما يستحق به من ثواب أو عقاب. وقرأ ابن عامر {تَعْمَلُونَ} بالتاء على تغليب الخطاب على الغيبة ولو أريد شمول {يَعْمَلُونَ} بالتحتية للمخاطب بأن يراد جميع الخلق فلا مانع من اعتبار تغليب الغائب على المخاطب سوى أن ذلك لم يعهد مثله / في كلامهم.
ابن عاشور
تفسير : احتراس على قوله: { أية : ذلك أن لم يكن ربّك مهلك القرى بظلم } تفسير : [الأنعام: 131] للتنبيه على أنّ الصّالحين من أهل القرى الغالبِ على أهلها الشركُ والظّلم لا يُحرمون جزاء صلاحهم. والتّنوين في: {ولكل} عوض عن المضاف إليه: أي ولكلّهم، أي كلّ أهل القرى المهلَكة درجات. يعني أنّ أهلها تتفاوت أحوالهم في الآخرة. فالمؤمنون منهم لا يضاع إيمانهم. والكافرون يحشرون إلى العذاب في الآخرة. بعد أن عُذّبوا في الدّنيا. فالله قد ينجي المؤمنين من أهل القُرى قبل نزول العذاب. فتلك درجة نالوها في الدّنيا، وهي درجة إظهار عناية الله بهم، وتُرفع درجتهم في الآخرة. والكافرون يحيق بهم عذاب الإهلاك ثمّ يصيرون إلى عذاب الآخرة. وقد تهلك القرية بمؤمنيها ثمّ يصيرون إلى النّعيم فيظهر تفاوت درجاتهم في الآخرة، وهذه حالة أخرى وهي المراد بقوله تعالى: { أية : واتَّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة } تفسير : [الأنفال: 25] روى البخاري، ومسلم، عن ابن عمر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : إذَا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذابُ من كان فيهم ثمّ بُعثوا على أعمالهم »تفسير : . وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند البيهقي في «الشُعب» مرفوعاً أنّ الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهلِ نقمته وفيهم الصّالحون قُبضوا معهم ثمّ بُعثوا على نياتهم وأعمالهم، صحّحه ابن حِبّان. وفي «صحيح البخاري»، من حديث زينب بنت جحش أمّ المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : ويلٌ للعرب من شرّ قد اقترب فتح اليوم من رَدْم ياجوج وماجوج هكذا وعقد تسعين (أي عقد أصبعين بعلامة تسعين في الحساب المعبر عنه بالعُقَد ــــ بضم العين وفتح القاف) ــــ قِيل: أنهلك وفينا الصّالحون، قال: نَعَم إذا كثر الخُبْث »تفسير : . والدّرجات هي ما يرتقى عليه من أسفل إلى أعلى، في سُلم أو بناء، وإن قصد بها النّزول إلى محلّ منخفض من جبّ أو نحوه فهي دركات، ولذلك قال تعالى: { أية : يرفع اللَّهُ الذين آمنوا منكم والذينَ أوتوا العلم درجات } تفسير : [المجادلة: 11] وقال: { أية : إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النّار } تفسير : [النساء: 145] ولمّا كان لفظ (كلّ) مراداً به جميع أهل القرية، وأتى بلفظ {الدّرجات} كان إيماء إلى تغليب حال المؤمنين لِتَطمئنّ نفوسُ المسلمين من أهل مكّة بأنّهم لا بأس عليهم من عذاب مشركيها، ففيه إيماء إلى أنّ الله منجيهم من العذاب: في الدّنيا بالهجرة، وفي الآخرة بحشرهم على أعمالهم ونياتهم لأنَّهم لم يقصروا في الإنكار على المشركين، ففي هذه الآية إيذان بأنَّهم سيخرجون من القرية الّتي حقّ على أهلها العذاب، فإنّ الله أصاب أهل مكّة بالجوع والخوف ثمّ بالغزو بعد أن أنجى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وقدْ عُلم من الدّرجات أنّ أسافلها دركات فغلب درجات لنكتة الإشعار ببشارة المؤمنين بعد نِذارة المشركين. و{مِن} في قوله {مما عملوا} تعليلية، أي من أعمالهم أي بسبب تفاوت أعمالهم. وقوله: {وما ربك بغافل عما يعملون} خطاب للرّسول صلى الله عليه وسلم. وقرأ الجمهور: {يعلمون} ــــ بياء الغيبة ــــ فيعود الضّمير إلى أهل القرى، والمقصود مشركو مكّة، فهو للتّسليّة والتّطمين لئلا يستبطىء وعد الله بالنَّصر، وهو تعريض بالوعيد للمشركين من باب: واسمعي يا جارة. وقرأه ابن عامر ــــ بتاء الخطاب ــــ، فالخطاب للرّسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، فهو وعد بالجزاء على صالح أعمالهم، ترشيحاً للتّعبير بالدّرجات حسبما قدّمناه، ليكون سَلاً لهم من وعيد أهل القرى أصحاب الظّلم، وكلتا القراءتين مراد الله تعالى فيما أحسب.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ}. بين في موضع آخر: أن تفاضل درجات العاملين في الآخرة أكبر، وأن تفضيلها أعظم من درجات أهل الدنيا، وهو قوله: {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء: 21].
د. أسعد حومد
تفسير : {دَرَجَاتٌ} {بِغَافِلٍ} (132) - وَلِكُلِّ عَامِلٍ - سَوَاءٌ أَطَاعَ اللهَ أَوْ عَصَاهُ - مَرَاتِبٌ وَمَنَازِلُ مِنْ عَمَلِهِ، يُبَلِّغه اللهُ إياها، وَيُثِيبُهُ بِهَا، إِنْ خَيْراً فَخَيْراً، وَإِنْ شَراً فَشَرّاً، وَجَمِيعُ أَعْمَالِهِمْ بِعِلْمِ اللهِ، يُحْصِيهَا وَيُثبِتُهَا عِنْدَهُ لِيَجْزِيَهُمْ بِهَا، فَهُوَ غَيْرُ غَافِلٍ عَنْ شَيءٍ مِمَّا يَعْمَلُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {وَلِكُلٍّ}، وجاءت بالتنوين أي لكلٍّ من الإِنس والجن درجات مما عملوا، فكأن الأعمال تتفاوت؛ فقد تكون في ظاهرها قوالب متحدة، لكن التفاوت إنما ينشأ بكثرة العمل، أو بإخلاص المقارف للعمل والمكتسب والفاعل له، فهناك من يخلص بكل طاقته، وهناك من يؤدي عمله بنصف إخلاص، ومسألة الإِخلاص هذه لا تحددها لوائح ولا قوانين إنما يحددها الحق سبحانه وتعالى، ولذلك يقول محمد صلى الله عليه وسلم مبلغاً عن رب العزة هذا الحديث القدسي: "حديث : الإِخلاصُ سر من سري استودعته قلب من أحببت من عبادي. " تفسير : إذن فمقاييس الإِخلاص لا يعرفها إلا ربنا سبحانه وتعالى، وعلى مقدار ذلك تكون الدرجات. وتكون الدرجات على مقدار ما يزيده العبد من جنس ما فرضه الله عليه؛ فالحق قد فرض صلوات خمساً، فيزيد العبد عشر ركعات في الليلة مثلاً. والله قد فرض الصيام شهراً، فيصوم العبد يومي الاثنين والخميس. والذي يقف عند ما فرض الله يجازيه الله على إخلاصه في أداء ما عليه، وحينما سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موقف الذي لا يؤدي إلا الفروض فقط، قال له: "حديث : أفلح إن صدق،" تفسير : فالذي يزيد عما فرض الله من جنس ما فرض الله أشد فلاحاً. ولا يصل الإِنسان إلى المرتبة التي هي أشد فلاحاً إلا إذا كان في درجة أعلى، وكلمة {دَرَجَاتٌ} تفيد العُلّو، وكلمة "دركات" تفيد الهبوط، والحق لا يغفل عن ظاهر وباطن كل عمل لأي عبد. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ..}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):