٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
133
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات وعقاب أصحاب المعاصي والمحرمات وذكر أن لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة، بين أن تخصيص المطيعين بالثواب، والمذنبين بالعذاب، ليس لأجل أنه محتاج إلى طاعة المطيعين أو ينتقص بمعصية المذنبين فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين، ومع كونه غنياً فإن رحمته عامة كاملة، ولا سبيل إلى ترتيب هذه الأرواح البشرية والنفوس الإنسانية وإيصالها إلى درجات السعداء الأبرار، إلا بترتيب الترغيب في الطاعات والترهيب عن المحظورات فقال: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ } ومن رحمته على الخلق ترتيب الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية، فنفتقر ههنا إلى بيان أمرين: الأول: إلى بيان كونه تعالى غنياً. فنقول: إنه تعالى غني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه، لأنه لو كان محتاجاً لكان مستكملاً بذلك الفعل، والمستكمل بغيره ناقص بذاته، وهو على الله محال، وأيضاً فكل إيجاب أو سلب يفرض، فإن كان ذاته كافية في تحققه، وجب دوام ذلك الإيجاب أو ذلك السلب بدوام ذاته وإن لم تكن كافية، فحينئذ يتوقف حصول تلك الحالة وعدمها على وجود سبب منفصل أو عدمه، فذاته لا تنفك عن ذلك الثبوت والعدم وهما موقوفان على وجود ذلك السبب المنفصل وعدمه، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء، فيلزم كون ذاته موقوفة على الغير، والموقوف على الغير ممكن لذاته، فالواجب لذاته ممكن لذاته وهو محال فثبت أنه تعالى غني على الإطلاق. واعلم أن قوله: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ } يفيد الحصر، معناه: أنه لا غني إلا هو والأمر كذلك، لأن واجب الوجود لذاته واحد، وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته محتاج، فثبت أنه لا غني إلا هو فثبت بهذا البرهان القاطع صحة قوله سبحانه: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ } وأما إثبات أنه {ذُو ٱلرَّحْمَةِ } فالدليل عليه أنه لا شك في وجود خيرات وسعادات ولذات وراحات. إما بحسب الأحوال الجسمانية، وإما بحسب الأحوال الروحانية فثبت بالبرهان الذي ذكرناه أن كل ما سواه فهو ممكن لذاته، وإنما يدخل في الوجود بإيجاده وتكوينه وتخليقه فثبت أن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات فهو من الحق سبحانه، وبإيجاده وتكوينه. ثم إن الاستقراء دل على أن الخير غالب على الشر فإن المريض وإن كان كثيراً فالصحيح أكثر منه، والجائع وإن كان كثيراً فالشبعان أكثر منه، والأعمى وإن كان كثيراً، إلا أن البصير أكثر منه. فثبت أنه لا بد من الاعتراف بحصول الرحمة والراحة، وثبت أن الخير أغلب من الشر والألم والآفة. وثبت أن مبدأ تلك الراحات والخيرات بأسرها هو الله تعالى فثبت بهذا البرهان أنه تعالى هو {ذُو ٱلرَّحْمَةِ }. واعلم أن قوله: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ } يفيد الحصر، فإن معناه: أنه لا رحمة إلا منه، والأمر كذلك لأن الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، والواجب لذاته واحد فكل ما سواه فهو منه، والرحمة داخلة فيما سواه فثبت أنه لا رحمة إلا من الحق، فثبت بهذا البرهان صحة هذا الحصر فثبت أنه لا غني إلا هو فثبت أنه لا رحيم إلا هو. فإن قال قائل: فكيف يمكننا إنكار رحمة الوالدين على الولد والمولى على عبده، وكذلك سائر أنواع الرحمة؟ فالجواب: أن كلها عند التحقيق من الله ويدل عليه وجوه: الأول: لولا أنه تعالى ألقى في قلب هذا الرحيم داعية الرحمة، لما أقدم على الرحمة، فلما كان موجد تلك الداعية هو الله، كان الرحيم هو الله ألا ترى أن الإنسان قد يكون شديد الغضب على إنسان قاسي القلب عليه، ثم ينقلب رؤوفاً رحيماً عطوفاً فانقلابه من الحالة الأولى إلى الثانية ليس إلا بانقلاب تلك الدواعي فثبت أن مقلب القلوب هو الله تعالى بالبرهان قطعاً للتسلسل، وبالقرآن وهو قوله: {أية : وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ } تفسير : [الأنعام: 110] فثبت أنه لا رحمة إلا من الله. والثاني: هب أن ذلك الرحيم أعطى الطعام والثوب والذهب، ولكن لا صحة للمزاج والتمكن من الانتفاع بتلك الأشياء، وإلا فكيف الانتفاع؟ فالذي أعطى صحة المزاج والقدرة والمكنة هو الرحيم في الحقيقة. والثالث: أن كل من أعطى غيره شيئاً فهو إنما يعطي لطلب عوض، وهو إما الثناء في الدنيا، أو الثواب في الآخرة، أو دفع الرقة الجنسية عن القلب، وهو تعالى يعطي لا لغرض أصلاً، فكان تعالى هو الرحيم الكريم فثبت بهذه البراهين اليقينية القطعية صحة قوله سبحانه وتعالى: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ } بمعنى أنه لا غني ولا رحيم إلا هو. فإذا ثبت أنه غني عن الكل. ثبت أنه لا يستكمل بطاعات المطيعين ولا ينتقص بمعاصي المذنبين وإذا ثبت أنه ذو الرحمة ثبت أنه ما رتب العذاب على الذنوب، ولا الثواب على الطاعات، إلا لأجل الرحمة والفضل والكرم والجود والإحسان، كما قال في آية أخرى: {أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا }تفسير : [الإسراء: 7] فهذا البيان الإجمالي كاف في هذا الباب. وأما تفصيل تلك الحالة وشرحها على البيان التام، فمما لا يليق بهذا الموضع. المسألة الثانية: أما المعتزلة فقالوا: هذه الآية إشارة إلى الدليل الدال على كونه عادلاً منزهاً عن فعل القبيح، وعلى كونه رحيماً محسناً بعباده. أما المطلوب الأول فقال: تقريره أنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنياً عنه، وكل من كان كذلك فإنه يتعالى عن فعل القبيح. أما المقدمة الأولى، فتقريرها إنما يتم بمجموع مقدمات ثلاثة. أولها: أن في الحوادث ما يكون قبيحاً، نحو: الظلم، والسفه، والكذب، والغيبة: وهذه المقدمة غير مذكورة في الآية لغاية ظهورها. وثانيها: كونه تعالى عالماً بالمعلومات، وإليه الإشارة بقوله قبل هذه الآية: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنعام: 132] وثالثها: كونه تعالى غنياً عن الحاجات وإليه الإشارة بقوله: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ } وإذا ثبت مجموع هذه المقدمات الثلاثة، ثبت أنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنياً عنها، فإذا ثبت هذا امتنع كونه فاعلاً لها، لأن المقدم على فعل القبيح إنما يقدم عليه إما لجهله بكونه قبيحاً، وإما لاحتياجه، فإذا كان عالماً بالكل امتنع كونه جاهلاً بقبح القبائح وإذا كان غنياً عن الكل امتنع كونه محتاجاً إلى فعل القبائح، وذلك يدل على أنه تعالى منزه عن فعل القبائح متعال عنها، فحينئذ يقطع بأنه لا يظلم أحداً، فلما كلف عبيده الأفعال الشاقة وجب أن يثيبهم عليها، ولما رتب العقاب والعذاب على فعل المعاصي، وجب أن يكون عادلاً فيها، فبهذا الطريق ثبت كونه تعالى عادلاً في الكل. فإن قال قائل: هب أن بهذا الطريق انتفى الظلم عنه تعالى، فما الفائدة في التكليف؟ فالجواب: أن التكليف إحسان ورحمة على ما هو مقرر في «كتب الكلام» فقوله: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ } إشارة إلى المقام الأول وقوله: {ذُو ٱلرَّحْمَةِ } إشارة إلى المقام الثاني فهذا تقرير الدلائل التي استنبطها طوائف العقلاء من هذه الآية على صحة قولهم. واعلم يا أخي أن الكل لا يحاولون إلا التقديس والتعظيم، وسمعت الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر بن الحسين رحمه الله قال: سمعت الشيخ أبا القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، يقول: نظر أهل السنة على تعظيم الله في جانب القدرة ونفاذ المشيئة، ونظر المعتزلة على تعظيم الله في جانب العدل والبراءة عن فعل ما لا ينبغي، فإذا تأملت علمت أن أحداً لم يصف الله إلا بالتعظيم والإجلال والتقديس والتنزيه، ولكن منهم من أخطأ ومنهم من أصاب، ورجاء الكل متعلق بهذه الكلمة وهي قوله: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ }. ثم قال تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء } والمعنى أنه تعالى لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة فقد كان يجوز أن يظن ظان أنه وإن كان ذا الرحمة إلا أن لرحمته معدناً مخصوصاً وموضعاً معيناً فبين تعالى أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق، وقادر على أن يخلق قوماً آخرين ويضع رحمته فيهم وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم والمقصود التنبيه على أن تخصيص الرحمة بهؤلاء ليس لأجل أنه لا يمكنه إظهار رحمته إلا بخلق هؤلاء. أما قوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } فالأقرب أن المراد به الإهلاك ويحتمل الإماتة أيضاً ويحتمل أن لا يبلغهم مبلغ التكليف وأما قوله: {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم } يعني من بعد إذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون إلا على طريق البدل من فائت. وأما قوله: {مَا يَشَاء } فالمراد منه خلق ثالث ورابع، واختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخر من أمثال الجن والإنس يكونون أطوع، وقال أبو مسلم: بل المراد أنه قادر على أن يخلق خلقاً ثالثاً مخالفاً للجن والإنس قال القاضي: وهذا الوجه أقرب لأن القوم يعلمون بالعادة أنه تعالى قادر على إنشاء أمثال هذا الخلق فمتى حمل على خلق ثالث ورابع يكون أقوى في دلالة القدرة، فكأنه تعالى نبه على أن قدرته ليست مقصورة على جنس دون جنس من الخلق الذين يصلحون لرحمته العظيمة التي هي النواب، فبين بهذا الطريق أنه تعالى لرحمته لهؤلاء القوم الحاضرين أبقاهم وأمهلهم ولو شاء لأماتهم وأفناهم وأبدل بهم سواهم. ثم بين تعالى علة قدرته على ذلك فقال: {كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ } لأن المرء العاقل إذا تفكر علم أنه تعالى خلق الإنسان من نطفة ليس فيها من صورته قليل ولا كثير، فوجب أن يكون ذلك بمحض القدرة والحكمة، وإذا كان الأمر كذلك فكما قدر تعالى على تصوير هذه الأجسام بهذه الصورة الخاصة، فكذلك يقدر على تصويرهم بصورة مخالفة لها. وقرأ القراء كلهم {ذُرّيَّةِ } بضم الذال وقرأ زيد بن ثابت بكسر الذال. قال الكسائي: هما لغتان. ثم قال تعالى: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لأَتٍ } قال الحسن: أي من مجيء الساعة، لأنهم كانوا ينكرون القيامة، وأقول فيه احتمال آخر: وهو أن الوعد مخصوص بالإخبار عن الثواب، وأما الوعيد فهو مخصوص بالإخبار عن العقاب فقوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لأَتٍ } يعني كل ما تعلق بالوعد بالثواب فهو آت لا محالة، فتخصيص الوعد بهذا الجزم يدل على أن جانب الوعيد ليس كذلك ويقوي هذا الوجه آخر الآية، وهو أنه قال: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } يعني لا تخرجون عن قدرتنا وحكمنا، فالحاصل أنه لما ذكر الوعد جزم بكونه آتياً، ولما ذكر الوعيد، ما زاد على قوله: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } وذلك يدل على أن جانب الرحمة والإحسان غالب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ} أي عن خلقه وعن أعمالهم. {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} أي بأوليائه وأهل طاعته. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} بالإماتة والاستئصال بالعذاب. {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ} أي خلقاً آخر أَمْثَلَ منكم وأطوع. {كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} والكاف في موضع نصب، أي يستخلف من بعدكم ما يشاء استخلافاً مثل ما أنشأكم، ونظيره {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} تفسير : [النساء: 133]. {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ}تفسير : [محمد: 38]. فالمعنى يبدّل غيركم مكانكم، كما تقول: أعطيتك من دينارك ثوباً.
البيضاوي
تفسير : {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ} عن العباد والعبادة. {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} يترحم عليهم بالتكليف تكميلاً لهم ويمهلهم على المعاصي، وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتأسيس لما بعده وهو قوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي ما به إليكم حاجة {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أيها العصاة. {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء} من الخلق. {كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ} أي قرنا بعد قرن لكنه أنبأكم ترحماً عليكم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَرَبُّكَ} يا محمد {ٱلْغَنِىُّ} أي: عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} أي: وهو مع ذلك رحيم بهم، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [البقرة: 143] {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي: إذا خالفتم أمره {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ} أي: قوماً آخرين، أي: يعملون بطاعته {كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ} أي: هو قادر على ذلك، سهل عليه، يسير لديه، كما أذهب القرون الأولى، وأتى بالذي بعدها، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، كما قال تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِئَـاخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً} تفسير : [النساء: 133] وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } تفسير : [فاطر:15-17]. وقال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38] وقال محمد بن إسحاق: عن يعقوب بن عتبه قال: سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية: {كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ} الذرية: الأصل، والذرية: النسل، وقوله تعالى: { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لأَتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي: أخبرهم يا محمد: أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة، {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي: ولا تعجزون الله، بل هو قادر على إعادتكم، وإن صرتم تراباً رفاتاً وعظاماً، هو قادر لا يعجزه شيء، وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها: حدثني أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن حمير، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يا بني آدم إن كنتم تعقلون، فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين»تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، أي: استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي؛ كقوله: {أية : وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ } تفسير : [هود: 121-122] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ}: ناحيتكم {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي: أتكون لي، أو لكم؟ وقد أنجز الله موعده لرسوله صلوات الله عليه، أي: فإنه تعالى مكنه في البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته، ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق بعد وفاته في أيام خلفائه رضي الله عنهم أجمعين، كما قال الله تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِىۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [المجادلة: 21] وقال: { أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ } تفسير : [غافر:51-52] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 105]. وقال تعالى إخباراً عن رسله: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} {أية : وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ} تفسير : [إبراهيم:13-14] وقال تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً} تفسير : [النور: 55]، الآية. وقد فعل الله ذلك بهذه الأمة المحمدية، وله الحمد والمنة أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ } عن خلقه وعبادتهم {ذُو ٱلرَّحْمَةِ إِن يَشآ يُذْهِبْكُمْ } يا أهل مكة بالإِهلاك {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ } من الخلق {كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ } أذهبهم، ولكنه أبقاكم رحمة لكم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ } أي عن خلقه لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم لا ينفعه إيمانهم، ولا يضرّه كفرهم، ومع كونه غنياً عنهم، فهو ذو رحمة بهم لا يكون غناه عنهم مانعاً من رحمته لهم، وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطوّل {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } أيها العباد العصاة، فيستأصلكم بالعذاب المفضي إلى الهلاك وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِ إهلاكـكَمْ ما يشاء من خلقه ممن هو أطوع له وأسرع إلى امتثال أحكامه منكم {كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ } الكاف نعت مصدر محذوف، وما مصدرية، أي ويستخلف استخلافاً مثل إنشائكم من ذرية قوم آخرين، قيل: هم أهل سفينة نوح، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فلم يهلكهم، ولا استخلف غيرهم رحمة لهم، ولطفاً بهم {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ } من البعث والمجازاة {لآتٍ } لا محالة، فإن الله لا يخلف الميعاد {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } أي بفائتين عما هو نازل بكم، وواقع عليكم: يقال أعجزني فلان، أي فاتني وغلبني. قوله: {قُلْ ياقَوْم ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } المكانة: الطريقة، أي اثبتوا على ما أنتم عليه، فإني غير مبال بكم ولا مكترث بكفركم، إني ثابت على ما أنا عليه {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } من هو على الحق ومن هو على الباطل، وهذا وعيد شديد، فلا يرد ما يقال كيف يأمرهم بالثبات على الكفر: و{عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ } هي العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها، أي من له النصر في دار الدنيا، ومن له وراثة الأرض، ومن له الدار الآخرة. وقال الزجاج: معنى مكانتكم: تمكنكم في الدنيا، أي اعملوا على تمكنكم من أمركم. وقيل: على ناحيتكم. وقيل: على موضعكم. قرأ حمزة والكسائي "من يكون" بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية. والضمير في {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } للشأن: أي لا يفلح من اتصف بصفة الظلم، وهو تعريض لهم بعدم فلاحهم لكونهم المتصفين بالظلم. قوله: {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأنْعَامِ} هذا بيان نوع آخر من أنواع كفرهم وجهلهم وتأثيرهم لآلهتهم على الله سبحانه، أي جعلوا لله سبحانه مما خلق من حرثهم ونتاج دوابهم نصيباً، ولآلهتهم نصيباً من ذلك، يصرفونه في سدنتها والقائمين بخدمتها، فإذا ذهب ما لآلهتهم بانفاقه في ذلك عوّضوا عنه ما جعلوه لله، وقالوا: الله غنيّ عن ذلك، والزعم الكذب قرأ يحيى بن وثاب والسلمي والأعمش والكسائي "بِزُعْمِهِمْ" بضم الزاي، وقرأ الباقون بفتحها، وهما لغتان {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ } أي إلى المصارف التي شرع الله الصرف فيها كالصدقة وصلة الرحم، وقرى الضيف {وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ } أي يجعلونه لآلهتهم وينفقونه في مصالحها {سَاء مَا يَحْكُمُونَ } أي ساء الحكم حكمهم في إيثار آلهتهم على الله سبحانه. وقيل معنى الآية: أنهم كانوا إذا ذبحوا ما جعلوه لله ذكروا عليه اسم أصنامهم، وإذا ذبحوا ما لأصنامهم لم يذكروا عليه اسم الله، فهذا معنى الوصول إلى الله، والوصول إلى شركائهم، وقد قدّمنا الكلام في ذرأ. قوله: {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ } أي: ومثل ذلك التزيين الذي زينه الشيطان لهم في قسمة أموالهم بين الله وبين شركائهم، زين لهم قتل أولادهم. قال الفراء والزجاج: شركاؤهم هاهنا هم الذين كانوا يخدمون الأوثان وقيل: هم الغواة من الناس. وقيل هم الشياطين، وأشار بهذا إلى الوأد، وهو دفن البنات مخافة السبي والحاجة. وقيل كان الرجل يحلف بالله لئن ولد له كذا من الذكور لينحرنّ أحدهم كما فعله عبد المطلب. قرأ الجمهور {زين} بالبناء للفاعل ونصب {قتل} على أنه مفعول زيَّن، وجرّ أولاد بإضافة قتل إليه، ورفع شركاؤهم على أنه فاعل زين، وقرأ الحسن بضم الزاي ورفع قتل وخفض أولاد، ورفع شركاؤهم على أن قتل هو نائب الفاعل، ورفع شركاؤهم بتقدير يجعل يرجعه، أي زينه شركاؤهم، ومثله قول الشاعر:شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط ما تطيح الطوائح تفسير : أي يبكيه ضارع، وقرأ ابن عامر، وأهل الشام بضم الزاي، ورفع قتل، ونصب أولاد، وخفض شركائهم على أن قتل مضاف إلى شركائهم، ومعموله أولادهم، ففيه الفصل بين المصدر وما هو مضاف إليه بالمفعول، ومثله في الفصل بين المصدر وما أضيف إليه، قول الشاعر:شعر : تمرّ على ما تستمرّ وقد شفت غلائل عبد القيس منها صدورها تفسير : بجر صدورها، والتقدير: شفت عبد القيس غلائل صدورها. قال النحاس: إن هذه القراءة لا تجوز في كلام ولا في شعر، وإنما أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الشعر لاتساعهم في الظروف، وهو أي الفصل بالمفعول به في الشعر بعيد، فإجازته في القرآن أبعد. وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي: إن قراءة ابن عامر لا تجوز في العربية وهي زلة عالم، وإذا زلّ العالم لم يجز اتباعه، وردّ قوله إلى الإجماع، وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أن يفرّق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، كقول الشاعر:شعر : كما خط الكتاب بكف يوما يهودي يقارب أو يزيل تفسير : وقول الآخر:شعر : لله درّ اليوم من لامها تفسير : وقال قوم ممن انتصر لهذه القراءة: إنها إذا ثبتت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهي فصيحة لا قبيحة. قالوا: وقد ورد ذلك في كلام العرب، وفي مصحف عثمان رضي الله عنه «شركايهم» بالياء. وأقول: دعوى التواتر باطلة بإجماع القراء المعتبرين، كما بينا ذلك في رسالة مستقلة، فمن قرأ بما يخالف الوجه النحوي فقراءته ردّ عليه، ولا يصح الاستدلال لصحة هذه القراءة بما ورد من الفصل في النظم كما قدّمنا، وكقول الشاعر:شعر : فزججتها بمزجَة زج القلوص أبي مزاده تفسير : فإن ضرورة الشعر لا يقاس عليها، وفي الآية قراءة رابعة وهي جرّ الأولاد والشركاء، ووجه ذلك أن الشركاء بدل من الأولاد لكونهم شركاءهم في النسب والميراث. قوله: {لِيُرْدُوهُمْ } اللام لام كي، أي لكي يردوهم، من الإرداء وهو الإهلاك {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } معطوف على ما قبله، أي فعلوا ذلك التزيين لإهلاكهم ولخلط دينهم عليهم {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ } أي لو شاء الله عدم فعلهم ما فعلوه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وإذا كان ذلك بمشيئة الله {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } فدعهم وافتراءهم فذلك لا يضرك. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبان بن عثمان قال: الذرية الأصل، والذرية النسل. وأخرجا أيضاً عن ابن عباس {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } قال: بسابقين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في قوله: {عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } قال: على ناحيتكم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عنه أيضاً في قوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ } الآية. قال: جعلوا لله من ثمارهم ومائهم نصيباً وللشيطان والأوثان نصيباً، فإن سقط من ثمره ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مما جعلوه للشياطين في نصيب الله، ردّوه إلى نصيب الشيطان، وإن انفجر من سقي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله نزحوه، فهذا ما جعلوا لله من الحرث وسقي الماء، وأما ما جعلوه للشيطان من الأنعام فهو قول الله: {أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ } تفسير : [المائدة: 103] الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال: جعلوا لله مما ذرأ من الحرث جزءاً أو لشركائهم جزءاً، فما ذهب به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه وقالوا الله عن هذا غني، وما ذهب به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه. والأنعام التي سموا لله: البحيرة والسائبة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ } قال: شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خوف العيلة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُم} فيه خمسة تأويلات: أحدها: على طريقتكم. والثاني: على حالتكم. والثالث: على ناحيتكم، قاله ابن عباس، والحسن. والرابع: على تمكنكم، قاله الزجاج. والخامس: على منازلكم، قاله الكلبي. {إِنِّي عَامِلٌ} يعني أنذركم من جزاء المطيع بالثواب، والعاصي بالعقاب. {فَسَوفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونَ لَهُ عاقِبَةٌ الدَّارِ} فيه وجهان: أحدهما: تعلمون ثواب الآخرة بالإيمان، وعقابها بالكفر ترغيباً منه في ثوابه وتحذيراُ من عقابه. والثاني: تعلمون نصر الله في الدنيا لأوليائه، وخذلانه لأعدائه، قاله ابن بحر.
ابن عطية
تفسير : {الغني} صفة ذات لله عز وجل لأنه تبارك وتعالى لا يفتقر إلى شيء من جهة من الجهات، ثم تليت هذه الصفة بقوله {ذو الرحمة} فأردف الاستغناء بالتفضل وهذا أجمل تناسق، ثم عقب بهذه الألفاظ المضمنة الوعيد المحذرة من بطش الله عز وجل في التعجيل بذلك وأما مع المهلة ومرور الجديدين، فكذلك عادة الله في الخلق، وأما "الاستخلاف" فكما أوجد الله تعالى هذا العالم الآدمي بالنشأة من ذرية قوم متقدمين أصلهم آدم عليه السلام، وقرأت الجماعة "ذُرِّية" بضم الذال وشد الراء المكسورة، وقرأ زيد بن ثابت الذال وكذلك في سورة آل عمران وحكى أبو حاتم عن أبان بن عثمان أنه قرأ "ذَرِية" بفتح الذال وتخفيف الراء المكسورة، وحكى عنه أبو الزناد أنه قرأ على المنبر "ذَرْية" بفتح الذال وسكون الراء على وزن فعلة، قال فسألته فقال أقرأنيها زيد بن ثابت، و {من} في قوله {من ذرية} للتبعيض وذهب الطبري إلى أنها بمعنى قولك أخذت من ثوبي ديناراً بمعنى عنه وعوضه و {توعدون} مأخوذ من الوعيد بقرينة {وما أنتم بمعجزين} والإشارة إلى هذا الوعيد المتقدم خصوصاً. وأما أن يكون العموم مطلقاً فذلك يتضمن إنفاذ الوعيد، والعقائد ترد ذلك، و {بمعجزين} معناه بناجين هرباً أي يعجزون طالبهم. ثم أمر الله عز وجل نبيه عليه السلام أن يتوعدهم بقوله {اعملوا} أي فسترون عاقبة عملكم الفاسد، وصيغة افعل هاهنا بمعنى الوعيد والتهديد، و {على مكانتكم} معناه على حالكم وطريقتكم، وقرأ أبو بكر عن عاصم "على مكاناتكم" بجمع المكانة في كل القرآن، وقرأ الجميع بالإفراد في كل القرآن، و {مَنْ} يتوجه أن يكون بمعنى الذي، فتكون في موضع نصب بـ {تعلمون} ، ويتوجه أن يكون استفهاماً في موضع رفع بالابتداء والخبر في قوله {تكون له} ، و {عاقبة الدار} أي مآل الآخرة، ويحتمل أن يراد مآل الدنيا بالنصر والظهور ففي الآية إعلام بغيب، ثم جزم الحكم بـ {إنه لا يفلح الظالمون} أي ينجح سعيهم، وقرأ حمزة والكسائي من "يكون له عاقبة" بالياء ها هنا وفي القصص على تذكير معنى العاقبة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ} الآيةُ متضمِّنةٌ وعيداً وتحذيراً من بطْشِ اللَّه عزَّ وجلَّ في التعجيل بذلك، وإمَّا مع المُهْلَة ومرورِ الجَدِيدَيْن؛ فذلك عادته سبحانه في الخَلْق بإذهاب خَلْقِ وٱستخلافِ آخرين. وقوله سبحانه: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لأَتٍ}، هو من الوعيدِ؛ بقرينة: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ}، أي: وما أنتم بناجين هَرَباً فتعجزوا طالبكم، ثم أمر سبحانه نبيَّه ـــ عليه السلام ـــ أنْ يتوعدَّهم بقوله: {ٱعْمَلُواْ}، أي: فسترون عاقبةَ عملكم الفاسدِ، وصيغةُ «ٱفعلْ» هنا: هي بمعنى الوعيدِ والتهديدِ، و {عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ}: معناه: على حالِكُمْ وطريقَتِكم، و {عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ}، أي: مآل الآخرة، ويحتمل مآل الدنيا؛ بالنصر والظهورِ، ففي الآية إعلام بغَيْب.
ابن عادل
تفسير : لما بيَّن ثواب المطيعينَ وعقاب العاصين، وبيَّن أن لكلِّ قوْم درجة مَخْصُوصَة في الثَّواب والعقابِ، بيَّن أنه غَيْر مُحْتَاج إلى ثوابِ المطيعين، أو ينْتَقِص بِمَعْصية المذنِبِين؛ لأنه - تعالى - غنِيٌّ لذاته عن جَمِيع العَالمين، ومع كوْنه غَنِياً، فإنَّ رحمته عامَّة كَامِلَة. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: ذُو الرَّحْمَة بأوْلِيَائه وأهل طاعته. قوله: {وربُّك الغِنِيُّ} يجوز أن يكون الغَنِيُّ والرَّحْمَة خَبَريْن أو وصفين، و "إن يشأ" وما بَعْدَهُ خبر الأوَّل، أو يكون "الغَنِيّ" وصْفاً و "ذُو الرَّحْمَة" خبراً، والجُمْلَة الشَّرطيَّة خبر ثاني أو مُسْتَأنَف. فصل في دحض شبهة للمعتزلة قالت المعتزلة: هذه الآية الكريمة دالَّة على كَوْنه عادِلاً منزَّهاً عن فِعْلِ القَبِيح، وعلى كَوْنه رَحِيماً مُحْسِناً بعِبَادِه؛ لأنه - تبارك وتعالى - عَالم بقبح القَبَائِح، وعالم بكوْنه غَنِيًّا عنه, وكُلُّ من كان كذلك, فإنَّه مُتَعالٍ عن فِعْلٍ القَبيحِ, وتَقْريره من ثلاثة أوْجُه: أحدها: أن في الحوادث ما يكُون قَبِيحاً؛ كالظُّلم والسَّفَه والكَذِب والعَبَثِ, وهذا غير مَذْكُورٍ في الآيَةِ لغَاية ظُهُوره. وثانيها: أنه - تعالى - عالمٌ بالمعْلُومات؛ لقوله: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنعام:132]. وثالثها: أنه - تعالى - غَنِيٌّ عن الحاجاتِ؛ لقوله: {وربُّكَ الغَنِيُّ} وإذا ثَبَتَتْ هذه المقدِّمَات، ثبت أنه عَالِمٌ بُقُبْح القَبَائح وعَالِمٌ بكون غَنِيًّا عنها، وإذا ثبت هذا، امْتَنَع كوْنه فَاعِلاً لها؛ لأن المُقْدِم على فِعْل القَبيح إمَّا أن يكُون إقْدَامُه لجَهْلِهِ بكونه قِبيحاً، وإما لاحْتِيَاجِهِ،فإذا كان عَالِماً بالكُلِّ، امْتَنَعَ كَوْنه جَاهِلاً بقُبْح القَبَائِح، وذلك يَدُلُّ على أنه - تعالى - منزَه عن فِعْل القَبيح، فحينئذٍ يقْطَع بانه لا يَظْلِم أحَداً فلما كَلَّف عَبِيدَه الأفْعَال الشَّاقَّة، وجب أن يُثِيبَهُم عليها، ولما رتَّب العِقَاب على فِعْل المَعَاصي، وجب أن يَكُون عَادِلاً فيها، فحينئذٍ انتفى الظُّلْمُ عن اللَّه - تعالى -، فما الفائدة في التكليف؟. قال ابن الخطيب: والجوابُ أن التكْلِيفَ إحْسَانٌ ورَحْمَة على ما قُرِّر في كُتُب الكلام. قوله: {إنْ يَشَأ يُذْهِبْكُم} فقيل: المراد يُهْلِككُمْ يا أهْل مكَّة، وقيل: يُمِيتُكُم، وقيل: يحتَمَلُ ألاَّ يُبْلِغَهُم مَبْلَغ التَّكْلِيف، ويَسْتَخْلِف من بعد إذْهَابِكُم؛ لأن الاسْتِخْلاف لا يَكُون إلى على طَرِيق البَدَلِ. قوله: {مَا يَشَاءُ} يجُوز أن تكُون "مَا" واقِعَة على ما هُو من جِنْسِ الآدَميِّين، وإنَّما أتى بـ "مَا" وهي لِغَيْر العَاقِل للإبْهَام الحَاصِل، ويجُوزُ أن تكُون وَاقِعَة على غَيْر العَاقِل وأنَّه يأتي بجِنْسٍ آخر، ويجُوز أن تكُون وَاقِعَة على النَّوْع من العُقَلاء كَمَا تقدَّم. قوله: {كَمَا أنْشَأكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أنه مَصْدَر على غِيْرِ المَصْدَر؛ لقوله: "ويَسْتَخْلِفْ" لأن مَعْنَى "يَسْتَخْلِفْ": يُنْشىِءُ. والثاني: أنها نَعْتُ مَصْدَر مَحْذُوف، تقديره: استِخْلافاً مثل ما أنْشَأكُم. وقوله: "مِنْ ذُرِّيَّةِ" متعلق بـ "أنْشَأكُم" وفي "مَنْ" هذه أوْجُه: أحدها: انها لابتداء الغايةِ، أي: ابْتَدأ إنْشَاءَكُم من ذُرِّيَّة قَوْم. الثاني: أنَّها تَبْعِيضيَّة، قاله ابن عطيَّة. الثالث: بمعنى البدل، قال الطبري وتبعه مكي بن أبي طالب: هي كقولك: "أخَذْتُ من ثَوْبِي دِرْهَماً" أي: بَدَله وعوضه، وكون "مِنْ" بمعنى البدل قَلِيلٌ أو مُمْتَنِعٌ، وما ورد منه مُؤوَّل؛ كقوله - تعالى -: {أية : لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً} تفسير : [الزخرف:60] أي: بَدَلَكُم. وقوله: [الرجز] شعر : 2316- جَارِيَةٌ لَمْ تَأكُلِ المُرَقَّقَا ولَمْ تَذُقْ مِنَ البُقُولِ الفُسْتُقَا تفسير : أي: بدل البُقُول، والمعنى: من أوْلاد قوم مُتقدِّمين أصْلهم آدَمُ. وقال الزَّمَخْشَرِي: من أولاد قَوْم آخرينِ لم يكُونُوا على مِثْلِ صِفَتِكُم، وهم أهْلُ سَفِينةَ نُوح. وقرأ أبيُّ بنُ كَعْب: "ذَرِّيَّة" بفتح الذَّالِ، وأبان بني عُثْمَان: "ذَرِيَّة" بتخفيف الرَّاء مَكْسُورة، ويروى عَنْه أيْضاً: "ذَرْيَة". بزنة ضَرْبَة، وقد تقدَّم تحقيقه، وقرأ زَيْد بن ثَابِت: "ذَِرِّيَّة" بكسر الذال، قال الكسائي هُمَا لُغَتَان. قوله: {إنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ} "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي وليست الكَافَّة، و "تُوعَدُون" صلتها، والعَائِد مَحْذُوف، أي: إنَّ ما تُوعدُونَهُ و "لآتٍ" خبر مؤكَّد باللاَّمِ. قال الحسن: "ما تُوعَدُونَ" من مَجِيء السَّاعة؛ لأنهم كَانُوا يُنْكِرُون الحَشْر. وقيل: يحتمل الوَعْد والوَعِيد, ولما ذكر الوَعْد، جزم بكَوْنه آتِياً، ولما ذكر الوَعِيد، ما زاد على قوله: {وَمَا أنْتُم بِمُعْجِزينَ} وذلك يَدُلُّ على أن جَانبَ الرَّحْمَة والإحْسَان غالب.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ} [الآية: 133]. قال بعضهم: الغنى عن طاعات المطيعين، وذو الرحمة على المذنبين. قال الواسطى: الغنى بذاته والرحيم بصفاته.
القشيري
تفسير : الغنيُّ يشير إلى كشفه وذو الرحمة يشير إلى لطفه. أخبرهم بقوله الغني عن جلاله، وبقوله: ذو الرحمة عن أفضاله؛ فبجلاله يكاشفهم فيُفْتِيهم، وبأفضاله يلاطفهم فيحييهم. ويقال سماع غِنَاه يوجِب محوَهم، وسماعه رحمته يوجب صحوهم، فهم في سماع هذه الآية مترددون بين بقاء وبين فناءٍ، وبين إكرام وبين اصطلام، وبين تقريبٍ وبين تذويب، وبين اجتياح وبين ارتياح.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ} اخبر تعالى عن الصفتين القدميتين الصادرتين من الازل للعموم والخصوص من الحدثان بفناه استغنى عن طاعة المطيعين وبرحمته رحم على العاصين حين لا ينفعه طاعة المطيعين ولا يضره عصيان العاصين ملابساة اقطار الحدثان من لطائف الانعام من بحار رحمه مطر لطفه على رحمته يوجب صحوهم وقال الاستاد الغنى يشير الى غيره والرحمة تشير الى لطفه اخبر بقوله الغنى عن جلاله وبقوله ذو الرحمة عن افضاله فبجلاله يكشافهم فيفنيهم وبافضاله يلاطفهم فيجيبهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وربك الغنى} عن العباد والعبادة. والغنى هو الذى لا يحتاج الى شئ فيكون وجود كل شئ عنده وعدمه سواء وغيره تعالى لا يسمى غنيا الا اذا لم يبق له حاجة الا الى الله تعالى فاصل الحاجة لا ينقطع عن غير الله لانه فى وجوده وغناه يحتاج الى الغنى الحقيقى {ذو الرحمة} يترحم عليهم بالتكليف تكميلا لهم ويمهلهم على المعاصى. وفى التأويلات النجمية يعنى مع غناه عن الخلق له رحمة قد اقتضت ايجاد الخلق ليربحوا عليه لا ليربح عليهم: قال فى المثنوى شعر : جون خلقت الخلق كى يربح على لطف توفر مود اى قيوم وحى لا لان اربح عليهم جود تست كه شود زو جمله ناقصها درست عفو كن اين بند كان تن برست عفو از درياى عفو اولى ترست عفو خلقان همجو جو وهمجو سيل هم بدان درياى خود تازند خيل تفسير : {ان يشأ يذهبكم} ايها العصاة اى يهلككم {ويستخلف} بالفارسى [خليفه وجانشين شما سازد] {من بعدكم} اى من بعد اذهابكم واهلاككم {ما يشاء} اى خلقا آخر اطوع لله منكم وايثار ما على من لا ظهار كمال الكبرياء واسقاطهم عن رتبة العقلاء {كما انشأكم من ذرية قوم آخرين} اى من قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهو اهل سفينة نوح عليه السلام لكنه ابقاكم ترحما عليكم وفى التفسير الفارسى [همجنانكه شمارا بيدا كرد از ذرية قومى ديكركه بدران شمابودند].
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه الغني. والغني هو الحي الذي ليس بمحتاج. والغني عن الشيء هو الذي يكون وجود الشيء وعدمه وصحته وفساده عنده بمنزلة واحدة، في انه لا يلحقه صفة نقص. و {ذو الرحمة} يعني صاحب الرحمة، وهو تعالى بهذه الصفة لرحمته بعباده. ثم اخبره عن قدرته وانه لو شاء ان يذهب الخلق بأن يميتهم ويهلكهم ويستخلف من بعدهم ما يشاء بان ينشيء بعد هلاكهم كما أنشأهم في الاول من ذرية من تقدمهم. وكذلك ينشيء قوما آخرين من نسلهم وذريتهم، والجواب محذوف والكاف في {كما} في موضع نصب وتقديره ويستخلف من بعدكم ما يشاء مثل ما استخلفكم. وفي ذلك دلالة على انه يصح القدرة على ما علم انه لا يكون لانه بين انه لو شاء لذهب بهم وأتى بقوم آخرين ولم يفعل ذلك، فدل ذلك على انه يقدر على ما يعلم انه لا يفعله. و {من} في قوله {ويستخلف من بعدكم} للبدل كقولك: اعطيتك من دينارك ثوبا اي مكان دينارك وبدله، ومعنى (من) في قوله {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} ابتداء الغاية لان التقدير، ان ابتداء غايتكم من قوم آخرين وقيل في وزن {ذرية} ثلاثة أقوال: اولها - فعلية من الذر. الثاني - فعيلة على وزن خليفة من ذرأ الخلق يذرأهم. الثالث - فعولة من (ذروة) الا أن الهمزة ابدلت واوا، ثم قلبت ياء، فيكون بمنزلة عليَّة من علوة. وقرىء في الشواذ (ذرية) بكسر الذال وهما لغتان. وانشأ الله الخلق اذا خلقه وابتدأه وكل من ابتدأ شيئا فقد انشأه. ومنه قولهم: انشأ فلان قصيدة، والنشأة الاحداث من الاولاد، واحدها ناشىء مثل خادم وخدم، ويقال للجواريْ أنشاء، وللذكور نشاء، قال نصيب: شعر : ولولا أن يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النشأ الصغار تفسير : ويقال لهذا السحاب نشؤ حسن، وهو اول ظهوره في السماء.
الجنابذي
تفسير : {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ} جمع بين المتقابلين من صفاته من القهر واللّطف والتّنزيه والتّشبيه وعداً ووعيداً {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} باقتضاء غناه وعدم حاجته لكن يبقيكم مدّة لتستكملوا فيها باقتضاء رحمته {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ} الاتيان بما للاشارة الى كمال قدرته بحيث لو اراد ان يستخلف منكم غير ذوى العقول كان قادراً فضلاً عمّن هو من سنخكم وباعدادكم نطفهم ومادّتهم لقبول صورة الانسان {كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} فى زيادة الذّريّة اشارة الى انّ هذا كان مستمرّاً.
اطفيش
تفسير : {وربُّك الغنىُّ} عن خلقه لا تنفعه طاعتهم كما لا تضره معصيتهم {ذُو الرَّحْمة} لعباده كلهم مسلمهم وكافرهم بإمهالهم، ليتمكنوا من شاء التوبة، وبالتكليف يثابوا، وبإرسال الرسل إليهم، لأن ذى الرسالة والتكليف كما ذنبهم ودنياهم، وعن ابن عباس: ذو الرحمة بأهل طاعته، ومن رحمته إبقاؤه إياكم على كفركم ومعاصيكم يا كفار قريش، وهو قادر على إهلاككم كما قال. {إنْ يشأ} إذهابكم {يذْهِبْكم} يهلككم يا أهل مكة وهذا وعيد لهم على معاصيهم، وتقرير لغناه لولا رحمته لأذهبكم، إذ لا حاجة له إليكم، ربك مبتدأ والغنى نعت، وذو نعت ثان، وجملة إن يشأ يذهبكم خبراً، والغنى نعت، وذو خبر وإن يشأ الخ خبر ثان أو مستأنف، أو الغنى خبر ذو خبر ثان، وإن يشأ الخ خبر ثالث أو مستأنف. {ويسْتَخلفْ مِنْ بَعْده} أى بعد إهلاكهم {ما يَشاءُ} من خلقه، فمن يكون طائعا وهو موجود يجعله فى موضعكم أو ينشئه إنشاء {كما أنشَأكم من ذُريَّة قَومٍ آخَرينَ} من أولاد قوم آخرين، فالذرية آباؤهم، والقوم الآخرون أجدادهم الأدنون، وقيل: من قرب بعد قرن إلى أولاد نوح.
اطفيش
تفسير : {وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ} مبتدأ وخبر، وذو خبر ثان وإِن يشأ إِلخ خبر ثالث أَو مستأنف، أَو الغنى نعت وذو خبر أَو نعت ثان وإِن يشأ إِلخ خبر. ومعنى الغنى أَنه لا يحتاج إِلى عبادة خلقه ولا ينتفع بها ولا تضره المعصية، والله كامل لا يستكمل {ذُو الرَّحْمَةِ} ذو الإِنعام على خلقه بإِرسال الرسل وإِمهال العاصى وبالتكليف، فيثيب المطيع وذلك تكميل لهم، فقوله {وربك الغنى ذو الرحمة} متعلق بما قبله من الإِرسال والدرجات، وتنبيه على أَن التكليف ليس نفعا لله بل للمكلف، وتمهيد لقوله {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} لأَن الغنى الكامل لا يبالى من إِهلاك شئ أَو إِيقاعه وإِمهاله. وكذا ذو الرحمة لا يبالى بالإِبقاءِ لغناه عن الاتلاف. والخطاب لأَهل مكة أَو للعصاة مطلقا والمقام لذلك لا كما قيل لمطلق الناس، ووجهه أن المراد بيان أَن الله غير محتاج لخلقه مطلقا، وإِذهابهم إِهلاكهم بمرة، أَو جملة بمرة، وجملة بمرة وجملة بمرة فقط، أَو هكذا أَو واحداً واحداً أَو اثنين اثنين أَو نحو ذلك، أَو بتخالف عن الاتصال فى ذلك كله مما يخالف الموت المعتاد فى الناس {وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ} أَى ينشئ من بعد إِذهابكم ما أَراد من أَنواع الخلق عقلاءَ أَو غير عقلاء، يدل للنوعين لفظ ما، فإِن النوع غير عاقل ولو كانت أَفراده عقلاءَ أَطاعوا أَو لم يطيعوا مثلكم، وقيل المراد يستخلف من يطيع، ويدل لكون الاستخلاف الإِنشاءَ والجعل فى مكان من أَذهب قوله تعالى {كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرَّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} هكذا قرنا بعد قرن، ولكن لم يذهبكم رحمة لكم. ولا دليل لما قيل: القوم الآخرون خصوص أَهل سفينة نوح وهم مطيعون وتناسلوا ذرية أُخرى، بل مطلق الذريات، أَو القوم الآخرون أَجدادهم هكذا على الإِطلاق قربا وبعدا.
الالوسي
تفسير : {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ} أي لا غنى عن كل شيء كائناً ما كان إلا هو سبحانه فلا احتياج له عز شأنه إلى العباد ولا إلى عبادتهم، ولا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإظهار في مقام الإضمار والإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من اللطف الجزيل، والكلام مبتدأ وخبر. وقوله سبحانه: {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} خبر آخر، وجوز أن يكون هو الخبر و {ٱلْغَنِىُّ} صفة أي الموصوف بالرحمة العامة فيترحم على العباد بالتكليف تكميلاً لهم ويمهلهم على المعاصي إلى ما شاء، وفي ذلك تنبيه على أن ما تقدم ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتوطئة لقوله سبحانه: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } أي ما به حاجة إليكم أصلاً إن يشأ يذهبكم أيها العصاة أو أيها الناس بالإهلاك، وفي تلوين الخطاب من تشديد الوعيد ما لا يخفى {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم} أي وينشىء من بعد إذهابكم {مَا يَشَاءُ} من الخلق، وإيثار (ما) على من لإظهار كمال الكبرياء وإسقاطهم عن رتبة العقلاء {كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} أي من نسل قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام لكنه سبحانه أبقاكم ترحماً عليكم، وما في {كَمَا} مصدرية ومحل الكاف النصب على المصدرية أو الوصفية لمصدر الفعل السابق أي وينشىء إنشاء كإنشائكم أو يستخلف استخلافاً كائناً كإنشائكم، و {مِن} لابتداء الغاية، وقيل: هي بمعنى البدل والشرطية استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الغنى والرحمة.
ابن عاشور
تفسير : {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ}. عُطفْت جملة: {وربك الغني} على جملة: { أية : وما ربُّك بغافل عمّا يعملون } تفسير : [الأنعام: 132] إخباراً عن علمه ورحمته على الخبر عن عمله، وفي كلتا الجملتين وعيد ووعد، وفي الجملة الثّانية كناية عن غناه تعالى عن إيمان المشركين وموالاتهم كما في قوله: { أية : إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم } تفسير : [الزمر: 7]، وكناية عن رحمته إذْ أمهل المشركين ولم يعجّل لهم العذاب، كما قال: { أية : وربُّك الغفور ذو الرّحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجّل لهم العذاب } تفسير : في سورة الكهف (58). وقوله: {وربك} إظهار، في مقام الإضمار، ومقتضى الظاهر أن يقال: وهو الغنيّ ذو الرّحمة، فخولف مقتضى الظاهر لما في اسم الربّ من دلالة على العناية بصلاح المربوب، ولتكون الجملة مستقلّة بنفسها فتسير مسرى الأمثال والحِكَم، وللتنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم. والغنيّ: هو الّذي لا يحتاج إلى غيره، والغنيّ الحقيقي هو الله تعالى لأنَّه لا يحتاج إلى غيره بحال، وقد قال علماء الكلام: إنّ صفة الغِنَى الثّابتة لله تعالى يَشمل معناها وجوب الوجود، لأنّ افتقار الممكن إلى الموجد المختارِ، الّذي يرجح طَرف وجوده على طرف عدمه، هو أشدّ الافتقار، وأحسب أنّ معنى الغِنى لا يثبت في اللّغة للشّيء إلاّ باعتبار أنّه موجود فلا يشمل معْنى الغنى صفة الوجود في متعارف اللّغة. إلاّ أن يكون ذلك اصطلاحاً للمتكلّمين خاصّاً بمعنى الغِنى المطلق. وممّا يدلّ على ما قُلتهُ أنّ من أسمائه تعالى المغني، ولم يُعتبر في معناه أنَّه موجد الموجودات. وتقدّم الكلام على معنى الغنيّ عند قوله تعالى: { أية : إن يكن غنياً أو فقيراً } تفسير : في سورة النّساء (135). وتعريف المسند باللاّم مقتض تخصيصه بالمسند إليه، أي قصر الغنى على الله، وهو قصرٌ ادّعائي باعتبار أنّ غنى غير الله تعالى لمّا كان غنى ناقصاً نُزّل منزلة العدم، أي ربّك الغنيّ لا غيره، وغناه تعالى حقيقي. وذكر وصف الغنيّ هنا تمهيد للحكم الوارد عقبه، وهو: {إن يشأ يذهبكم} فهو من تقديم الدّليل بين يدي الدّعوى، تذكيراً بتقريب حصول الجزم بالدّعوى. و{ذو الرحمة} خبر ثان. وعدل عن أن يوصف بوصف الرّحيم إلى وصفه بأنّه: {ذو الرحمة}: لأنّ الغنيّ وصف ذاتي لله لا ينتفع الخلائق إلاّ بلوازم ذلك الوصف، وهي جوده عليهم، لأنَّه لا ينقص شيئاً من غناه، بخلاف صفة الرّحمة فإنّ تعلّقها ينفع الخلائق، فأوثرت بكلمة {ذو} لأنّ {ذو} كلمة يتوصّل بها إلى الوصف بالأجناس، ومعناها صاحب، وهي تشعر بقوّة أو وفرة ما تضاف إليه، فلا يقال ذو إنصاف إلاّ لمن كان قوي الإنصاف، ولا يقال ذُو مال لمن عنده مال قليل، والمقصُود من الوصف بذي الرّحمة، هنا تمهيد لمعنى الإمهال الّذي في قوله: {إن يشأ يذهبكم}، أي فلا يقولنّ أحد لماذا لم يُذهب هؤلاء المكذّبين، أي أنَّه لرحمته أمهلهم إعذاراً لهم. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ}. استئناف لتهديد المشركين الّذين كانوا يكذّبون الإنذار بعذاب الإهلاك، فيقولون: { أية : متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } تفسير : [السجدة: 28] وذلك ما يؤذن به قوله عقبه: { أية : إنَّ مَا توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين } تفسير : [الأنعام: 134]. فالخطاب يجوز أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود منه التعريض بمن يغفل عن ذلك من المشركين، ويجوز أن يكون إقبالاً على خطاب المشركين فيكون تهديداً صريحاً. والمعنى: إن يشأ الله يعجّل بإفنائكم ويستخلفْ من بعدكم من يشاءُ ممّن يؤمن به كما قال: { أية : وإن تَتَوَلَّوْا يستبدِلْ قوما غيرَكم ثمّ لا يَكونوا أمثالكم } تفسير : [محمد: 38] أي فما إمهاله إيَّاكم إلاّ لأنَّه الغنيّ ذو الرّحمة. وجملة الشّرط وجوابه خبرٌ ثالث عن المبتدأ. ومفعول: {يشأ} محذوف على طريقته المألوفة في حذف مفعول المشيئة. والإذهاب مجاز في الإعدام كقوله: { أية : وإنَّا على ذهاب به لقادرون } تفسير : [المؤمنون: 18]. والاستخلاف: جعل الخَلف عن الشّيء، والخَلَف: العوض عن شيء فائت، فالسّين والتّاء فيه للتّأكيد، و{مَا} موصولة عامّة، أي: ما يشاء من مؤمنين أو كافرين على ما تقتضيه حكمته، وهذا تعريض بالاستئصال لأنّ ظاهر الضّمير يفيد العموم. والتّشبيه في قوله: {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} تشبيه في إنشاء موجودات بعد موجودات أخرى، لا في كون المنشَئات مُخرجة من بقايا المعدومات، ويجوز أن يكون التّشبيه في إنشاء موجودات من بقايا معدومات كما أنشأ البشر نشأة ثانية من ذرّية من أنجاهم الله في السّفينة مع نوح عليه السّلام، فيكون الكلام تعريضاً بإهلاك المشركين ونجاة المؤمنين من العذاب. وكاف التّشبيه في محلّ نصب نيابة عن المفعول المطلق، لأنَّها وصف لمحذوف تقديره: استخلافاً كما أنشأكم، فإنّ الإنشاء يصف كيفية الاستخلاف. و{مِنْ} ابتدائية، ومعنى الذرّية واشتقاقها تقدّم عند قوله تعالى: { أية : قال ومن ذريتي } تفسير : في سورة البقرة (124). ووصف {قوم} بــــ {آخرين} للدّلالة على المغايرة، أي قوم ليسوا من قبائل العرب، وذلك تنبيه على عظيم قدرة الله تعالى أن ينشيء أقواماً من أقوام يخالفونهم في اللّغة والعوائد والمواطن، وهذا كناية عن تباعد العصور، وتسلسل المنشآت لأنّ الاختلاف بين الأصول والفروع لا يحدث إلاّ في أزمنة بعيدة، فشتّان بين أحوال قوم نوح وبين أحوال العرب المخاطَبين، وبين ذلك قرون مختلفة متباعدة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الغنى: عن كل ما سواه، فغناه تعالى ذاتي ليس بمكتسب كغنى غيره. ذو الرحمة: صاحب الرحمة العامة التي تشمل سائر مخلوقاته والخاصة بالمؤمنين من عباده. ويستخلف: أي ينشىء خلقاً آخر يخلفون الناس في الدنيا. إن ما توعدون لآت: إن ما وعد الله تعالى به عباده من نعيم أو جحيم لآت لا محالة. على مكانتكم: أي على ما أنتم متمكنين منه من حال صالحة أو فسادة. عاقبة الدار: أي الدار الدنيا وهي سعادة الآخرة القائمة على الإِيمان والعمل الصالح. إنه لا يفلح الظالمون: أي لا يفوز الظالمون بالنجاة من النار ودخول الجنان لأن ظلمهم يوبقهم في النار. معنى الآيات: بعد تلك الدعوة إلى عبادة الله تعالى وتوحيده فيها وبيان جزاء من أقام بها، ومن ضيعها في الدار الآخرة. خاطب الرب تبارك وتعالى رسوله قائلاً: {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ} أي ربك الذي أمر عباده بطاعته ونهاهم عن معصيته هو الغني عنهم وليس في حاجة إليهم، بل هم الفقراء إليه المحتاجون إلى فضله، ورحمته قد شملتهم أولهم وآخرهم ولم تضق عن أحد منهم، ليعلم أولئك العادلون بربهم الأصنام والأوثان أنه تعالى قادر على إذهابهم بإهلاكهم بالمرة، والإِتيان بقوم آخرين أطوع لله تعالى منهم، وأكثر استجابة لهم منهم: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} وليعلموا أن ما يوعدونه من البعث والحساب والجزاء لآت لا محالة وما أنتم بمعجزين الله تعالى ولا فائتينه بحال، ولذا سوف يجزي كلاً بعمله خيراً كان أو شراً وهو على ذلك قدير. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية أما الآية الثالثة [135] فقد تضمنت أمر الله تعالى للرسول أن يقول للمشركين من قومه وهم كفار قريش بمكة {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} ما دمتم مصرين على الكفر والشرك {إِنَّي عَامِلٌ} على مكانتي فسوف تعلمون من تكون له عاقبة دار الدنيا وهي الجنة دار السلام أنا أم أنتم مع العلم أن الظالمين لا يفلحون بالنجاة من النار ودخول الجنان، ولا شك أنكم أنتم الظالمون بكفركم بالله تعالى وشرككم به. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير غنى الله تعالى المطلق عن سائر خلقه. 2- بيان قدرة الله تعالى على إذهاب الخلق كلهم وَالإِتيان بآخرين غيرهم. 3- صدق وعد الله تعالى وعدم تخلفه. 4- تهديد المشركين بالعذاب إن هم أصروا على الشرك والكفر والذي دل عليه قوله {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ} الدنيا {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ}.
القطان
تفسير : يذهبكم: يهلككم. يستخلف: يأتي بغيركم، وينشىء نسلاً جديداً غيركم. بمعجزين: لا تعجزونني. المكانة الحال التي هي عليها. عاقبة الدار: عاقبة الدنيا. بعد أن قرر تعالى في الآيات السابقة حجة الله على المكلفّين بعد إرساله الرسل اليهم بيّن أنَّهم يشهدون على انفسهم يوم القيامة انهم كانوا كافرين، وأوضح أنه لا يعذب أحدا ظلماً وعدواناً - بيّن أنه تعالى غنّي عن العباد وعن ايمانهم به. من ثم فإنهم إذا احسنوا فإنما يحسنون لأنفسهم. بل ان رحمته للتجلّى في الإبقاء على الناس، وان كانو عصاة مشركين ظالمين، مع انه قادر على ان يهلكهم، وينشئ غيرهم ليخلفهم. {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ...}. انه هو الغني عن العباد والعبادة، وصاحب الرحمة الشاملة التي وسعت كل شيء. بعد كل ما سبق اكد الله للناس ان ما وعد حق، وهو تعقيب فيه تهديد شديد. فقال: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ}. اي ان الذي ينذركم الله به من عقاب، او يبشركم، به من ثواب عد البعث والحشر والحساب - آتٍ لا محالة، فلا تظنوه بعيدا. انكم لن تُعجزوا من يطلبكم يومئذ، وليس لكم ملجأ تهربون اليه من دون الله. وتنتهي التعقيبات بتهديد عميق الايحاء والتأثير في القلوب، اذا يأمر الله رسوله الكريم ان ينذرهم بقوله: {قُلْ يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ }. اي قل لهم يا محمد مهددا: اعملوا على النحو الذي اخترتموه بكل ما في قدرتكم، أما انا فسأعمل على طريقتي التي ربّاني عليها ربي، وسوف تعلمون حتماً من تكون له العاقبة الحسنة في هذا الدار الآخرة. ان الله تعالى لم يكتب الفوز للظالمين، فهم لا يفلحون ابدا. قراءات: قرأ حمزة والكسائي "من يكون له عاقبة الدار" بالياء، وقرأ الباقون "تكون" بالتاء كما هو في المصحف.
د. أسعد حومد
تفسير : {آخَرِينَ} (133) - وَرَبُّكَ، يَا مُحَمَّدُ، هُوَ الغَنِيُّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنْ جَمِيعِ الوُجُوهِ، وَهُمُ الفُقَرَاءُ إِلَيهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ، وَهُوَ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ وَلِذلِكَ أَمَرَهُمْ بِالخَيْرِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الشَّرِّ، لِيَفُوزُوا بِالثَّوَابِ، وَيَجْتَنِبُوا العِقَابَ. فَإِذَا شَاءَ أَذْهَبَكُمْ إِذَا خَالَفْتُمْ أَمْرَهُ، وَجَاءَ بِقَومٍ آخَرِينَ يَجْعَلُهُمْ خُلَفَاءَ فِي الأَرْضِ يَعْمَلُونَ بِطَاعَتِهِ، وَذَلِكَ يَسِيرٌ عَلَى اللهِ. فَكَمَا أَذْهَبَ القُرُونَ الأُولى، وَأَتَى بِغَيْرِهِمْ، كَذَلِكَ هُوَ قَادِرٌ عَلَى إِذْهَابِ قَوْمِكَ، وَالإِتْيَانِ بِآخَرِينَ غَيْرِهِمْ.
الثعلبي
تفسير : {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ} بعلمه {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} بهم {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} ثم يميتكم ويهلككم {وَيَسْتَخْلِفْ} يخلق {مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ} خلقاً غيركم أمثل وأطوع منكم. وقال عطاء: يريد الصحابة والتابعين {كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} قرناً بعد قرن، وقال مقاتل: يعني أهل سفينة نوح. وقرأ زيد بن ثابت: ذرية بكسر الذال مشدّدة. وقال أبان بن عثمان: ذرية بفتح الذال وكسر الراء خفيفة على قدر فعله، الباقون: بضم الذال مشددة، وهي لغات صحيحة. وقال ثعلب: الذرية بالكسر الأصل، والذرية بالضم الولد {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ} لجائي كائن {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} بفائتين سابقين أي حيث كنتم يدرككم. والإعجاز أن يأتي بالشيء يعجز عنه خصمه ويقصر دونه فيكون قد قهره وجعله عاجزاً عنه {قُلْ} يا محمد لهم {يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ}. قال ابن عباس: على ناحيتكم. قال ابن زيد: على حيالكم. يمان: على مذاهبكم. عطاء: على حالتكم التي أنتم عليها. مقاتل: على جديلتكم. مجاهد: على وتيرتكم. الكلبي: على منازلكم. وقيل: إعملوا ما أمكنكم. قرأ السلمي وعاصم: مكاناً لكم على الجمع في كل القرآن. {إِنَّي عَامِلٌ} يقول إعملوا ما أنتم عاملون فإني عامل ما أمرني ربي، وهذا أمر وعيد وتهديد لا أمر إباحة وإطلاق كقوله {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت: 40]. وقال الكلبي: معناه إعملوا ما أمكنكم من أمري فإني عامل في أموركم بإهلاك. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ} قرأ مجاهد وأهل الكوفة: يكون بالياء، الباقون: بالتاء، {لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} يعني الجنة { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} أي لا يأمن الكافرون. قال عطاء: لا يبعد. وقال الضحاك: لا يفوز. وقال عكرمة: لا يبقى في الثواب. {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً}. قال المفسرون: كانوا يجعلون للّه من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيباً وللأوثان نصيباً فما كان للصنم أنفق عليه، وما كان للّه أطعم الضيفان والمساكين ولا يأكلون من ذلك كله شيئاً فما سقط مما جعلوا للّه في نصيب الأوثان تركوه. وقالوا: إن اللّه غني عن هذا، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب اللّه التقطوه فردوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير. وكانوا إذا بذروا ما وقع من بذر اللّه في حصة الصنم تركوه، وما وقع من حصّة الصنم في حصّة اللّه تعالى ردوه وان انفجر من سقي ماء جعلوه للشيطان في نصيب اللّه، شدّوه، وإن انفجر من سقي ماء جعلوه للّه في نصيب الشيطان تركوه. فإذا هلك الذي سموا لشركائهم أو أجدب وكثر الذي للّه، قالوا: ليس لآلهتنا بدّ من نفقة فأخذوا الذي للّه وأنفقوا على الهتهم فإذا أجدب الذي للّه وكثر الذي لآلهتهم قالوا: لو شاء اللّه لأزكى الذي له فلا يردون عليه شيئاً مما للآلهة فإذا أصابتهم السنة استعانوا بما جزوا منه ووفروا ما يجزون لشركائهم وذلك قوله تعالى مما {ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً} أي مما خلف من الحرث والأنعام نصيباً، وفيه إضمار واختصار مجازه: وجعلوا للّه نصيباً ولشركائهم نصيباً {فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ}. يحيى بن رئاب والسلمي والأعمش والكسائي: بالضم. وقرأ الباقون: بالفتح. وهما لغتان وهوالقول من غير حقيقة. سمعت الحسين يقول: سمعت العنبري عن أبي العباس الأزهري عن أبي حاتم إنه قال: قال شريح القاضي: إن لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا، والزعم أيضاً في الطمع {وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا} يعني الأوثان {فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي بئس ما كانوا يقضون {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ} أي كما زين لهم تحريم الحرث والأنعام كذلك زين {لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ} (ساء) موضع فرفع والمعنى: ساء الحكم حكمهم {شُرَكَآؤُهُمْ} يعني شياطينهم زيّنوا وحسّنوا لهم وأد البنات خيفة العيلة. وقال الكلبي: شركاؤهم سدنة الهتهم هم الذين كانوا يزينوّن للكفار قتل أولادهم. وكان الرجل في الجاهلية يحلف باللّه لئن ولد له كذا غلاماً لينحرنَّ أحدهم كما حلف عبد المطلب على إبنه عبد اللّه. وقرأ أهل الشام: {زُيِّنَ} بالضم، {قَتْلَ}: رفع، {أَوْلادُهُمْ} نصب، {شُرَكَآئهِمْ} بالخفض على التقديم، كأنه قال: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم. ففرّقوا بين الفعل وفاعله. يقول الشاعر: شعر : يمر على ما يستمر وقد شقت غلائل غير نفس صدورها تفسير : يريد شقت. عبد القيس: غلايل صدورها. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: زين بضم الزاي قتلُ رفعاً، أولادِهم خفضاً، شركاؤهم رفعاً على [التوضيم] والتكرير. كأنه لما قال: زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم. تم الكلام. ثم قال: من زيّنه؟ فقال: شركاؤهم أي زيّنه شركاؤهم فارتفع الشركاء بفعل ضمير دلّ عليه زُين، كما تقول: أكل اللحم زيد: كأنه قيل: من الآكل فتقول زيد. قال الشاعر: شعر : ليبك لزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح تفسير : فزيد مفعول مستقل بنفسه غير مسمّى فاعله، ثم بيّن فقال: ضارع. أي ليبكيه ضارع، وقوله تعالى {لِيُرْدُوهُمْ} ليهلكوهم {وَلِيَلْبِسُواْ} أي ليخلطوا ويشبهوا {عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} هداهم ووفقهم وعصمهم عن {مَا فَعَلُوهُ} ذلك من تحريم الأنعام والحرث، وقيل: الأولاد {فَذَرْهُمْ} يا محمد {وَمَا يَفْتَرُونَ} يختلقون على اللّه الكذب فإن اللّه لهم بالمرصاد ولا يخلف الميعاد {وَقَالُواْ} يعني المشركين {هَـٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} يعني ما كانوا جعلوه للّه ولآلهتهم التي قد مضى ذكرها. وقال مجاهد: يعني بالأنعام، البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والحجر: الحرام. قال اللّه تعالى ويقولون {أية : حِجْراً مَّحْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 22] أي حراماً حرماً. قال الليث: شعر : حنّت إلى النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام ألا تلك الدهاريس تفسير : وأصله من الحجر وهو المنع والحظر، ومنه: حجر القاضي على المفسد. وقرأ الحسن وقتادة: وحرث حجر بضم الحاء وهما لغتان. وقرأ أُبي بن كعب وابن عباس وابن الزبير وأبي طلحة والأعمش: وحرث حرج بكسر الحاء والراء قبل الجيم وهي لغة أيضاً مثل جذب وجبذ. وأنشد أبو عمرو: شعر : ألم تقتلوا الحرجين إذ أعرضا لكم يمران بالأيدي اللحاء المضفرا تفسير : {لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ} يعنون الرجال دون النساء {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} يعني الحامي إذا ركب ولد ولده. قالوا: حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه {وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا}. قال مجاهد: كانت لهم من أنعامهم طائفة لا يذكرون اسم اللّه عليها ولا في شيء من شأنها لا أن ركبوا ولا أن حلبوا ولا أن نتجوا ولا أن باعوا ولا أن حملوا. وقال أبو عاصم: قال لي أبو وائل: أتدري ما أنعامٌ حرمت ظهورها؟ قلت: لا. قال: لا يحجّون عليها. وقال الضحاك: هي التي إذا ذكوها أهلوا عليها بأصنامهم ولا يذكرون إسم اللّه عليها {ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ} يعني إنهم كانوا يفعلون ذلك ويزعمون إن اللّه أمرهم به {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا}. قال ابن عباس والشعبي وقتادة: يعني ألبان النحائر كانت للذكور دون النساء فإذا ماتت اشترك في لحمها ذكورهم وإناثهم. وقال السدي: يعني أخذ النحائر ما ولد منها أُخذ خالص للرجل دون النساء [وأما ما ولد ميت فيأكله] الرجال والنساء، ودخل الهاء في (خالصة) على التأكيد والمبالغة، كما فعل ذلك بالراوية والنسابة والعلامة. قال الفراء: أُهلت الهاء لتأنيث الأنعام، لأن مافي بطنها مثلها، فأنث لتأنيثها قال: وقد يكون الخالصة كالعاقبة ومنه قوله {أية : إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ} تفسير : [ص: 46]، وقرأ عبد الله والأعمش: خالص لذكورنا بغير الهاء ردّاً إلى ما، وقرأ ابن عبّاس: خالصة بالإضافة [ويخلص] والخالصة والخليصة والخلصان واحد. قال الشاعر: شعر : كنت أميني وكنت خالصتي وليس كل إمرىء بمؤتمن تفسير : {وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا} يعني النساء {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} قرأ أهل المدينة: تكن بالتاء، ميتةٌ بالرفع على معنى: وإن تقع الأنعام ميتة، وقرأ أهل مكّة: يكن بالياء، ميتة بالرفع على معنى: وإن يقع ما في بطون الأنعام ميتةً، وقرأ الأعمش: تكن بالتاء، ميتة نصباً على معنى: وإن يكن [ما في بطون الأنعام ميتة] وقرأ الباقون: يكن بالياء، ميتة بالنصب، ردّوه إلى ما يؤيّد ذلك قوله: {فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ} ولم يقل: فيها. {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي بوصفهم وعلى وصفهم الكذب على الله كقوله {أية : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ} تفسير : [النحل: 62] والوصف والصفة واحد كالوزن والزنة والوعد والعدة، {إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ * قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً} الآية نزلت في ربيعة ومضر وفي العرب الذين يدفنون بناتهم أحياء مخافة السبي والفقر، إلاّ ما كان من بني كنانة فإنّهم كانوا لا يفعلون ذلك. وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن وأهل مكّة والشام: قتّلوا، مشدداً على التكثير والباقون بالتخفيف {بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام افتراءً على الله حين قالوا: إنّ الله أمرهم بها {قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ * وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ} اخترع وابتدع {جَنَّاتٍ} بساتين.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا يحنننا الله سبحانه وتعالى إلى عبادته، وإلى تكاليفه؛ يحنننا إلى فضيلة الطاعة، وكل ذلك لمصلحتنا وهذا مطلق الربوبية الرحيمة، فيحسن لنا الجزاء، ويفخم لنا فيه لنعمل لصالحنا نحن؛ لأن كل أعمالنا- كما قلنا- لا تزيد في ملك الله قدر جناح بعوضة، وكل معصياتنا لا تنتقص من ملك الله قدر جناح بعوضة؛ لأن الله بكل صفات الكمال خلقنا، ولم نزده نحن شيئاً. لقد أوجد الدنيا من عدم، وفرق بين الصفة القائمة بذات الله، وإيجاد متعلق الصفة. فالله خالق؛ والله رحمن، والله رحيم، والله قهار، وسبحانه رحمن ورحيم وقهار وخالق حتى قبل أن يبرز ويظهر ما يخلقه؛ لأنه بصفة الخالق فيه خلق، وهو رزاق قبل أن يخلق المرزوق، فالصفة موجودة فيه قائمة به، وبهذه الصفة رزق، وبوجود هذه الصفات فيه يقول للشيء كن فيكون، وله هذا الكون كله، وهو غني عن العباد وله كل الملك، وكذلك خلق التوبة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لَلَّهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة." تفسير : {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: 133] إذن فالخلق مستمر الإيجاد من العدميات وهو دليل على أن صفة الخالقية موجودة. شعر : وما آدم في منطق العقل واحد ولكنه عند القياس أو ادم تفسير : فالكون كله من أول آدم موجود، وكل الكون المسخر لآدم كخليفة في الأرض خاضع لله، فإن شاء اذهب الخلق وأتى بخلق جديد. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ..}
الجيلاني
تفسير : {وَ} الحال إن نفعه عائد إليهم؛ إذ {رَبُّكَ} هو {ٱلْغَنِيُّ} بذاته عنهم وعن أعمالهم بالمرة صالحاً أو فساداً بل هو {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} على من عمل بمقتضى التكليف امتناناً عليه وتفضلاً بلا احتياج له سبحانه إليهم وإلى عملهم بل {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أيها لاناس الناسون حقوق ألوهيته وتوحيده والتكاليف الواقعة في طريقه {وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ} ممن يعمل على مقتضى تكاليفه {كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: 133] قرناً بعد قرن، بطناً بعد بطن مع أنه يترحم عليكم ويبقيكم تفضلاً وامتناناً. قل لهم يا أكمل الرسل تنبيهاً عليهم: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ} أيها المكلفون من الحشر والنشر والجزاء {لآتٍ} كامن ثابت لا محالة، واعلموا على مقتضى ما كلف به {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} [الأنعام: 134] أي: عاجزين عن الإتيان بالأمور حتى لا تؤاخذوا بترك التكاليف ولا تعذبوا به؛ إذ لا تكلف نفس إلا وسعها. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل على طريق الترحم والتحنن إرخاء العنان مبالغة في التعريض: {يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ} من المعاصي {عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} مقدار مكنتكم وطاقتكم {إِنَّي عَامِلٌ} أيضاً من الصالحات المأمورة علي بمقتضى مكنتي وطاقتي {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} حين انكشف الحجب وارتفع الغشاء {مَن تَكُونُ لَهُ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ} أي: العاقبة الحسنى التي تترتب على هذه الدار؛ أي: أينا نفوز بها إنا أو أنتم؟ {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [الأنعام: 135] الخارجون عن حدوده بمقتضى أهويتهم الفاسدة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):