٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
134
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ} يحتمل أن يكون من «أوعدت» في الشرّ، والمصدر الإيعاد. والمراد عذاب الآخرة. ويحتمل أن يكون من «وعدت» على أن يكون المراد الساعة التي في مجيئها الخير والشر فغلّب الخير. روي معناه عن الحسن. {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي فائتين؛ يقال: أعجزني فلان، أي فاتني وغلبني.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّمَا تُوعَدُونَ} من البعث وأحواله. {لأَتٍ} لكائن لا محالة. {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} طالبكم به. {قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} على غاية تمكنكم واستطاعتكم يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن، أو على ناحيتكم وجهتكم التي أنتم عليها من قولهم مكان ومكانة كمقام ومقامة. وقرأ أبو بكر عن عاصم «مكاناتكم» بالجمع في كل القرآن وهو أمر تهديد، والمعنى: اثبتوا على كفركم وعداوتكم. {إِنّى عَـٰمِلٌ} ما كنت عليه من المصابرة والثبات على الإسلام، والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد كأن المهدد يريد تعذيبه مجمعاً عليه فيحمله بالأمر على ما يفضي به، إليه، وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر كالمأمور به الذي لا يقدر أن ينقضي عنه. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ} إن جعل {مِنْ} استفهامية بمعنى أينا تكون له عاقبة الدار الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار، فمحلها الرفع وفعل العلم معلق عنه وإن جعلت خبرية فالنصب بـ {تَعْلَمُونَ} أي فسوف تعرفون الذي تكون له عاقبة الدار، وفيه مع الإِنذار إنصاف في المقال وحسن الأدب، وتنبيه على وثوق المنذر بأنه محق. وقرأ حمزة والكسائي «يكون» بالياء لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} وضع الظالمين موضع الكافرين لأنه أعم وأكثر فائدة. {وَجَعَلُواْ} أي مشركوا العرب. {لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} خلق. {مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَا كَانَ} روي: أنهم كانوا يعينون شيئاً؟ من حرث ونتائج لله ويصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وشيئاً منهما لآلهتهم وينفقونه على سدنتها ويذبحونه عندها، ثم إن رأوا ما عينوا لله أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها حباً لآلهتهم. وفي قوله {مِمَّا ذَرَأَ} تنبيه على فرط جهالتهم فإنهم أشركوا الخالق في خلقه جماداً لا يقدر على شيء، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له، وفي قوله {بِزَعْمِهِمْ} تنبيه على أن ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم الله به. وقرأ الكسائي بالضم في الموضعين وهو لغة فيه وقد جاء فيه الكسر أيضاً كالود والود. {سَاء مَا يَحْكُمُونَ} حكمهم هذا. {وَكَذٰلِكَ} ومثل ذلك للتزيين في قسمة القربان. {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ} بالوأد ونحرهم لآلهتهم. {شُرَكَاؤُهُمْ} من الجن أو من السدنة، وهو فاعل {زُيّنَ}. وقرأ ابن عامر {زُيّنَ} على البناء للمفعول الذي هو القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولاً بينهما بمفعوله وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر كقوله:شعر : فَزَجَجْتُهَا بِمَزَجَة زَجَّ القلوصِ أَبِي مُزَادَه تفسير : وقرىء بالبناء للمفعول وجر أولادهم ورفع شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه {زُيّنَ}. {لِيُرْدُوهُمْ} ليهلكوهم بالإِغواء. {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين اسماعيل، أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به واللام للتعليل إن كان التزيين من الشياطين والعاقبة إن كان من السدنة. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ } ما فعل المشركون ما زين لهم، أو الشركاء التزيين أو الفريقان جميع ذلك. {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} افتراءهم أو ما يفترونه من الإِفك. {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ } إشارة إلى ما جعل لآلهتهم. {أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ } حرام فعل بمعنى مفعول، كالذبح يستوي فيه الواحد والكثير والذكر والأنثى. وقرىء {حِجْرٍ} بالضم وحرج أي مضيق. {لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء} يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء. {بِزَعْمِهِمْ } من غير حجة. {وَأَنْعَـٰمٌ حُرّمَتْ ظُهُورُهَا} يعني البحائر والسوائب والحوامي. {وَأَنْعَـٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} في الذبح وإنما يذكرون أسماء الأصنام عليها، وقيل لا يحجون على ظهورها. {ٱفْتِرَاء عَلَيْهِ} نصب على المصدر لأن ما قالوا تقول على الله سبحانه وتعالى، والجار متعلق بـ {قَالُواْ} أو بمحذوف هو صفة له أو على الحال، أو على المفعول له والجار متعلق به أو بالمحذوف. {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} بسببه أو بدله. {وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ} يعنون أجنة البحائر والسوائب. {خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا} حلال للذكور خاصة دون الإِناث إن ولد حيًا لقوله: {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء } فالذكور والإِناث فيه سواء وتأنيث الخالصة للمعنى فإن ما في معنى الأجنة ولذلك وافق عاصم في رواية أبي بكر بن عامر في تكن بالتاء، وخالفه هو وابن كثير في {مَيْتَةً} فنصب كغيرهم، أو التاء فيه للمبالغة كما في رواية الشعر أو هو مصدر كالعافية وقع موقع الخالص. وقرىء بالنصب على أنه مصدر مؤكد والخبر {لِّذُكُورِنَا}، أو حال من الضمير الذي في الظرف لا من الذي في ذكورنا ولا من الذكور لأنها لا تتقدم على العامل المعنوي ولا على صاحبها المجرور. وقرىء «خالصن» بالرفع والنصب و {خَالِصَةٌ} بالرفع والإِضافة إلى الضمير على أنه بدل من ها أو مبتدأ ثان والمراد به ما كان حياً، والتذكير في فيه لأن المراد بالميتة ما يعم الذكر والأنثى فغلب الذكر. {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي جزاء وصفهم الكذب على الله سبحانه وتعالى في التحريم والتحليل من قوله: {أية : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ }تفسير : [النحل: 62] {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَـٰدَهُمْ} يريد بهم العرب الذين كانوا يقتلون بناتهم مخافة السبي والفقر. وقرأ ابن كثير وابن عامر {قَـٰتِلُواْ} بالتشديد بمعنى التكثير. {سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله سبحانه وتعالى رازق أولادهم لا هم، ويجوز نصبه على الحال أو المصدر. {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} من البحائر ونحوها. {ٱفْتِرَاء عَلَى ٱللَّهِ} يحتمل الوجوه المذكورة في مثله. {قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} إلى الحق والصواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا تُوعَدُونَ } من الساعة والعذاب {لأَتٍ } لا محالة {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } فائتين عذابنا.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأمل وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري قال: اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار إلى شهر، فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر، إن أسامة لطويل الأمل...! والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي وظننت أن شفري يلتقيان حتى أقبض، ولا رفعت طرفي وظننت إني واضعة حتى أقبض، ولا لقمت لقمة فظننت أني أسيغها حتى أغص بالموت. يا بني آدم إن كنتم تعقلون فَعِدُوا أنفسكم في الموتى، والذي نفسي بيده {إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين} . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {وما أنتم بمعجزين} قال: بسابقين.
القشيري
تفسير : الإشارة من هذه الآية إلى قِصَر الأمل، ومَنْ قصُرَ أملُه حَسُنَ عملُه، وكل ما هو آتٍ فقريبٌ أجَلُه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان ما توعدون} اى الذى توعدون من البحث والعذاب {لآت} لواقع لا محالة لا خلف فيه {وما انتم بمعجزين} اى بفائتين ذلك وان ركبتم فى الهرب متن كل صعب وذلول.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية ان الذي أوعد الخلق به من عقابه على معاصيه والكفر به واقع بهم لان (ما) في قوله "إنما" بمعني الذي، وليست كافة مثل قولك: انما قام زيد، لان خبرها جاء بعدها، وهو قوله "لآت" وهي في موضع نصب، والجنس في موضع رفع، والكافة لا خبر لها، واللام في قوله (للآت) لام الابتداء ولا يجوز ان تكون لام القسم، لان لام القسم لا تدخل على الاسماء ولا الافعال المضارعة الا أن تكون معها النون الثقيلة، ولا تعلق الفعل في (علمت ان زيدا ليقومن). ومعنى {توعدون} من الايعاد بالعقاب يقال: اوعدته اوعده إِيعادا، وقال الحسن: انما توعدون من مجيء الساعة، لانهم كانوا يكذبون بالبعث، فعلى هذا يجوز ان يكون المصدر الوعد لاختلاط الخير والشر، فيكون على التغليب إِذ مجيء الساعة خير للمؤمنين وشر على الكافرين. وقال الجبائي: ان معناه {إن ما توعدون} من الثواب والعقاب، فان الله يأتي به. وقوله {وما أنتم بمعجزين} أي لستم معجزين الله عن الاتيان بالبعث والعقاب، وانما قيل ذلك لان من يعبد الوثن يتوهم انه ينفعه في صرف المكروه عنه جهلا منه ووضعا للامر في غير موضعه. وايضا فانهم يعملون عمل من كان يفوته العقاب لتأخره عنه وطول السلامة بالامهال فيه.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ} لمّا لم يقتض الشّرط وضع المقدّم صار المقام مظنّة السّؤال عن وقوع المقدّم فاجاب بانّ ما توعدون من مشيّة الاذهاب والاستخلاف واقع {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} له عن الاذهاب.
اطفيش
تفسير : {إنَّ مَا تُوعَدون} من عذاب الآخرة ومن البعث للجزاء {لآتٍ} يقع لا بد قريباً {وما أنتُم بمعْجِزينَ} فائتين عن إماتتكم أو عن بعثكم وحسابكم وعذابكم.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ} إن الذى توعدونه من البعث والحساب والعذاب، وهو من وعد فإنه يستعمل فى الشر كما فى الخير، أَو من أَوعد بالهمزة ولا يستعمل إِلا فى الشر {لآتٍ} أَى منتقل إِليكم بمضى زمان بعد زمان حتى يحضركم، أَو المراد بإِتيانه حضوره كأَنه حاضر لتحقق وقوعه، وذلك تهديد {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أى انتفى على الدوام أَن تصيروا إِليه عاجزاً عن بعثكم وحسابكم وعقابكم فيفوته ذلك ولا يقدر عليه، والجملة الاسمية لدوام الثبوت فى الإِيجاب ولدوام السلب فى السلب كما هنا.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ} أي إن الذي توعدونه من القيامة والحساب والعقاب والثواب وتفاوت الدرجات والدركات، وصيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار التجددي، و {مَا } اسم (إنَّ) ولا يجوز أن تكون الكافة لأن قوله سبحانه: {لآتٍ} يمنع من ذلك كما قال أبو البقاء، وهو خبر (إنَّ)، والمراد: إن ذلك لواقع لا محالة، وإيثار آت على واقع لبيان كمال سرعة وقوعه بتصويره بصورة طالب حثيث لا يفوته هارب حسبما يعرب عنه قوله تعالى: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } أي جاعلي من طلبكم عاجزاً عنكم غير قادر على إدراككم. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعنى وما أنتم بسابقين، وإيثار صيغة الفاعل على المستقبل للإيذان بقرب الإتيان والدوام الذي يفيده العدول عن الفعلية إلى الاسمية متوجه إلى النفي فالمراد دوام انتفاء الإعجاز لا بيان دوام انتفائه، وله نظائر في الكتاب الكريم.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة بدل اشتمال من جملة: { أية : إن يشأ يذهبكم } تفسير : [الأنعام: 133] فإنّ المشيئة تشتمل على حالين: حاللِ ترك إهلاكهم، وحالِ إيقاعه، فأفادت هذه الجملة أنّ مشيئة الله تعلّقت بإيقاع ما أوعدهم به من الإذهاب، ولك أن تجعل الجملة استئنافاً بيانياً: جواباً عن أن يقول سائل من المشركين، متوركاً بالوعيد: إذا كنّا قد أُمهلنا وأخِّر عنَّا الاستئصال فقد أُفلتنا من الوعيد، ولعلّه يلقاه أقوام بعدنا، فورد قوله: {إن ما توعدون لأت} مورد الجواب عن هذا السّؤال النّاشىء عن الكلام السّابق بتحقيق أنّ مَا أُوعد به المشركون، واقع لا محالة وإنْ تأخّر. والتّأكيد بــــ {أنّ} مناسب لمقام المتردّد الطالب، وزيادة التّأكيد بلام الابتداء لأنَّهم متوغّلون في إنكار تحقّق ما أوعدوا به من حصول الوعيد واستسخارهم به، فإنَّهم قالوا: { أية : اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم } تفسير : [الأنفال: 32] إفحاماً للرّسول صلى الله عليه وسلم وإظهاراً لتخلّف وعيده. وبناء {توعدون} للمجهول يصحح أن يكون الفعل مضارع وَعد يَعِد، أو مضارع أوْعد، يُوعد والمتبادر هو الأوّل. ومن بديع الفصاحة اختيار بنائه للمجهول، ليصلح لفظه لحال المؤمنين والمشركين، ولو بني للمعلوم لتعيّن فيه أحد الأمرين: بأن يقال: إنّ ما نعدكم، أو إنّ ما نُوعدكم، وهذا من بديع التّوجيه المقصود منه أن يأخذ منه كلّ فريق من السّامعين ما يليق بحاله، ومعلوم أنّ وعيد المشركين يستلزم وعْداً للمؤمنين، والمقصود الأهمّ هو وعيد المشركين، فلذلك عقّب الكلام بقوله: {وما أنتم بمعجزين} فذلك كالتّرشيح لأحد المحتمَلين من الكلام الموجَّه. والإتيان مستعار للحصول تشبيها للشيء الموعودِ به المنتظر وقوعه بالشّخص الغائب المنتظرِ إتيانُه، كما تقدّم في قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذابُ الله بغتة أو جهرة} في هذه السورة. وحقيقة المُعجز هو الّذي يَجعل طالب شيءٍ عاجزاً عن نواله، أي غير قادرين، ويستعمل مجازاً في معنى الإفلات من تَناوُل طالبِه كما قال إياس بن قبيصَة الطائي: شعر : ألم تَرَ أنّ الأرضَ رحْب فسيحة فهَل تُعْجزَنِّي بُقعة من بِقاعها تفسير : أي فلا تُفلت منّي بقعة منها لا يصل إليها العدوّ الّذي يطالبني. فالمعنى: وما أنتم بمعجزي أي: بمفلتين من وعيدي، أو بخارجين عن قدرتي، وهو صالح للاحتمالين. ومجيء الجملة اسميّة في قوله: {وما أنتم بمعجزين} لإفادة الثّبات والدّوام، في نسبة المسند للمسند إليه، وهي نسبةُ نفيه عن المسند إليه، لأنّ الخصوصيات الّتي تعتبر في حالة الإثبات تعتبر في حالة النّفي إذ النّفي إنَّما هو كيفيّة للنّسبة. والخصوصياتُ مقتضياتُ أحوالِ التّركيب، وليس يختلف النّفي عن الإثبات إلاّ في اعتبار القيود الزائدة على أصل التّركيب، فإنّ النّفي يعتبر متوجّهاً إليها خاصّة وَهي قيود مفاهيم المخالفة، وإلاّ لبطلت خصوصيات كثيرة مفروضة مع الإثبات، إذا صار الكلام المشتمل عليها منفياً، مثل إفادة التجدّد في المسند الفعلي في قول جؤية بن النضر: شعر : لا يألفُ الدرهمُ المضروب صرّتَنا لكن يمرّ عليها وهو منطق تفسير : إذ لا فرق في إفادة التّجدّد بين هذا المصراع، وبين أن تقول: ألِفَ الدّرهم صرّتنا. وكذلك قوله تعالى: { أية : لاَ هُنّ حِلّ لهم ولا هُم يحِلّون لهنّ } تفسير : [الممتحنة: 10] فإنّ الأول يفيد أنّ نفي حِلّهنّ لهم حكم ثابت لا يختلف، والثّاني يفيد أنّ نفي حِلّهم لهُنّ حكم متجدّد لا ينسخ، فهما اعتباران، وقد أشرت إلى بعض هذا عند تفسير قوله تعالى: { أية : واللَّه لا يحبّ كلّ كفّار أثِيم } تفسير : في سورة البقرة (276).
د. أسعد حومد
تفسير : {لآتٍ} (134) - وَأَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أَنَّ الذِي يُوعَدُونَ بِهِ، مِنْ أَمْرِ الحَشْرِ وَالحِسَابِ وَالجَزَاءِ، كَائنٌ لاَ مَحَالَةَ، وَأَنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ اللهَ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِمْ، وَإِنْ أَصْبَحُوا تُرَاباً وَعِظَاماً، لأَِنَّهُ تَعَالَى لاَ يُعْجِزُهُ شَيءٌ. بِمُعْجِزِينَ - بِقَادِرِينَ عَلَى الهَرَبِ مِنْ عَذَابِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحق سبحانه وتعالى لأنه لا إله إلا هو، إذا وعد فلابد أن يتحقق وعده، وإذا أوعد فلابد أن يأتي وعبده. والوعد إذا أطلق فهو في الخير، والوعيد يكون في الشر. والذي يخلف الوعد أو الوعيد من الخلق فهذا أمر متوقع لأنه من الأغيار، فيتغير رأيه فلم يعد أهلاً لهذا الوعد؛ لأنه ربما يكون قد وعد بشيء كان يظن أنه في مكنته، وبعد ذلك خرج عن مكنته، فليس له سيطرة على الأشياء، لكن إذا كان من وعد قادراً، ولا يوجد إله آخر يناقضه فيما وعد أو أوعد به فلابد أن يتحقق الوعد أو يأتي الوعيد.. ولذلك حينما يحكم الله حكماً فالمؤمن يأخذ هذا الحكم قضية مسلمة؛ لأنه لا إله مع الله سيغير الحكم، وسبحانه ليس من الأغيار، والمثال أنه قال: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5] وهذا وعيد في أمر لهم فيه اختيار، ومع ذلك لم يسلموا. وجاء بعدها ما يؤكد لكل مسلم: إياك أن تأخذ هذه القضية مأخذ الشك،وتقول: قد يتوب أبو لهب هذا وزوجه ويسلمان، ألم تتب هند؟! ألم يسلم أبو سفيان؟!. لكنه سبحانه عالم بما يصير إليه اختيار أبي لهب واختيار زوجه، وإن كان كل منهما مختاراً، ولا يوجد إله سواه ليغير الأمر عما قال. {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ...} تفسير : [الإخلاص: 1] أي لا يوجد إله أخر ليعدل هذا الأمر. {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} [الأنعام: 134] قد يظن بعض الناس أن الله قد يأتي بما وعد به لكنهم قد يهربون منه، ولكن ليس الأمر كما يظنون؛ فالوعد آت وأنتم لا تستطيعون الهرب منه، ولا أحد بقادر على أن يمنع الله عن تحقيق ما وعد أو أوعد، ولن تفروا من وعده أو وعيده، ولن تغلبوا الله أو تفوتوه وتعجزوه؛ فالله غالب على أمره. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {قُلْ يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ..}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} معناهُ بفَائِتينَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):