٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
135
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لما بين بقوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لأَتٍ } أمر رسوله من بعده أن يهدد من ينكر البعث عن الكفار، فقال {قُلْ يٰقَوْم ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ أبو بكر عن عاصم {مكاناتكم} بالألف، على الجمع في كل القرآن، والباقون {مَكَانَتِكُمْ } قال الواحدي: والوجه الإفراد، لأنه مصدر، والمصادر في أكثر الأمر مفردة، وقد تجمع أيضاً في بعض الأحوال، إلا أن الغالب هو الأول. البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف»: المكانة تكون مصدراً، يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن، وبمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة، ومقام ومقامة، فقوله: {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، ويحتمل أيضاً أن يراد اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة: على مكانتك يا فلان، أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه {إِنّى عَـٰمِلٌ } أي أنا عامل على مكانتي، التي عليها، والمعنى: اثبتوا على كفركم وعداوتكم، فأني ثابت على الإسلام، وعلى مضارتكم {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } أيناله العاقبة المحمودة، وطريقة هذا الأمر طريقة قوله: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } وهي تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد. البحث الثالث: من في قوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ } ذكر الفراء في موضعه من الإعراب وجهين: الأول: أنه نصب لوقوع العلم عليه. الثاني: أن يكون رفعاً على معنى: تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار، كقوله تعالى: {أية : لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ } تفسير : [الكهف: 12]. البحث الرابع: قوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ } يوهم أن الكافر ليست له عاقبة الدار، وذلك مشكل. قلنا: العاقبة، تكون على الكافر ولا تكون له، كما يقال: له الكثرة ولهم الظفر، وفي ضده يقال: عليكم الكثرة والظفر. البحث الخامس: قرأ حمزة والكسائي {مَّن يَكُونُ } بالياء وفي القصص أيضاً والباقون بالتاء في السورتين. قال الواحدي: العاقبة مصدر كالعافية، وتأنيثه غير حقيقي، فمن أنث، فكقوله: {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ }تفسير : [المؤمنون: 41] ومن ذكر فكقوله: {أية : وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ } تفسير : [هود: 67] وقال: {أية : قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ }تفسير : [يونس: 57] وفي آية أخرى: {أية : فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } تفسير : [البقرة: 275]. ثم قال تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } والغرض منه بيان أن قوله: {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } تهديد وتخويف لا أنه أمر وطلب، ومعناه: أن هؤلاء الكفار لا يفلحون ولا يفوزون بمطالبهم ألبتة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} وقرأ أبو بكر بالجمع «مكاناتكم». والمكانة الطريقة. والمعنى: ٱثبتوا على ما أنتم عليه فأنا أثبت على ما أنا عليه. فإن قيل: كيف يجوز أن يؤمروا بالثبات على ما هم عليه وهم كفار. فالجواب أن هذا تهديد؛ كما قال عز وجل: {أية : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً}تفسير : [التوبة: 82]. ودلّ عليه «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ» أي العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها، أي من له النصر في دار الإسلام، ومن له وراثة الأرض، ومن له الدار الآخرة، أي الجنة. قال الزجاج: «مكانتكم» تمكّنكُم في الدنيا. ٱبن عباس والحسن والنخَعيّ: على ناحيتكم. القُتَبيّ: على موضعكم. {إِنَّي عَامِلٌ} على مكانتي، فحذف لدلالة الحال عليه. «ومَنْ» مِن قوله «مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ» في موضع نصب بمعنى الذي؛ لوقوع العلم عليه. ويجوز أن تكون في موضع رفع؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله فيكون الفعل معلقاً. أي تعلمون أيّنا تكون له عاقبة الدّار؛ كقوله: {أية : لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ}تفسير : [الكهف: 12] وقرأ حمزة والكِسائيّ «من يكون» بالياء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لهم {يَٰقَوْمِٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } حالتكم {إِنِّى عَٰمِلٌ } على حالتي {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن } موصولة مفعول العلم {تَكُونُ لَهُ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ } أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة أنحن أم أنتم؟ {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ } يسعد {ٱلظَّٰلِمُونَ } الكافرون.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَكَانَتِكُمْ} طريقتكم، أو حالتكم، أو ناحيتكم، أو تمكنكم، أو منازلكم.
الخازن
تفسير : {قل} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي قل يا محمد {يا قوم} أي قل لقومك من كفار قريش {اعملوا على مكانتكم} وقرئ مكاناتكم على الجمع والمكانة تكون مصدراً يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة كما يقال مقام ومقامة فقوله اعملوا على مكانتكم يحتمل أن يكون معناه اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ويحتمل أن يكون معناه اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها كما يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله: مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تتغير عنه. وقال ابن عباس معناه اعملوا على ناحيتكم {إني عامل} يعني إني عامل على مكانتي التي أنا عليها وما أمرني به ربي والمعنى اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة فإني ثابت على الإسلام والمصابرة. فإن قلت ظاهر الآية يدل على أمر الكفار بالإقامة على ما هم عليه من الكفر وذلك لا يجوز. قلت: معنى هذا الأمر الوعيد والتهديد والمبالغة في الزجر عما هم عليه من الكفر فكأنه قال أقيموا على ما أنتم عليه من الكفر إن رضيتم لأنفسكم بالعذاب الدائم فهو كقوله تعالى: {أية : اعملوا ما شئتم}تفسير : [فصلت: 40] ففيه تفويض أمر العمل إليهم على سبيل الزجر والتهديد وليس فيه إطلاق لهم في عمل ما أرادوه من الكفر والمعاصي. وقوله تعالى: {فسوف تعلمون} يعني لمن العاقبة المحمودة لنا أو لكم. وقيل معناه فسوف تعلمون عند نزول العذاب بكم أينا كان على الحق في عمله نحن أم أنتم {من تكون له عاقبة الدار} يعني فسوف تعلمون غداً القيامة لمن تكون عاقبة الدار وهي الجنة {إنه لا يفلح الظالمون} قال ابن عباس: معناه أنه لا يسعد من كفر بي وأشرك. ثم في هذه الآية قولان: أحدهما: أنهما محكمة وهذا على قول من يقول إن المراد بقوله اعملوا على مكانتكم الوعيد التهديد. والقول الثاني: أنها منسوخة بآية السيف وهذا على قول من يقول إن المراد بها ترك القتال. قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً} الآية لما بين الله عز وجل قبح طريقه الكفار وما كانوا عليه من إنكار البعث وغير ذلك عقبه بذكر أنواع من جهالاتهم وأحكامهم الفاسدة تنبيهاً على ضعف عقولهم وفساد ما كانوا عليه في الجاهلية فقال تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ} يعني مما خلق من الحرث يعني الزرع والثمر والأنعام، يعني ومن الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم نصيباً يعني قسماً وجزءاً. قال المفسرون: كان المشركون في الجاهلية يجعلون لله من حروثهم وثمارهم وأنعامهم وسائر أموالهم نصيباً وللأصنام نصيباً فما جعلوه من ذلك لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين وما جعلوه للأصنام أنفقوه عليها وعلى خدمتها فإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه، وقالوا: إن الله غني عن هذا وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان. وقالوا: إنها محتاجة إليه. وكانوا إذا هلك شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به وإذا انتقص شيء مما جعلوه للأوثان جبروه مما جعلوه لله فذلك قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً} وفيه اختصار تقديره وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً وللأصنام نصيباً {فقالوا هذا لله بزعمهم} يعني قولهم الذي هو بغير حقيقة لأن معنى زعم حكاية قول يكون مظنة الكذب ولذلك لا يجيء إلا في موضع ذم لقائليه وإنما نسبوا إلى الكذب في قولهم هذا الله بزعمهم وإن كانت الأشياء كلها لله لإضافتهم نصيب الأصنام مع نصيب الله وهو قولهم: {وهذا لشركائنا} يعني الأصنام وإنما سموا الأصنام شركاء لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونه عليها: {فما كان لشركائهم} يعني وما جعلوا لها من الحرث والأنعام {فلا يصل إلى الله} يعني فلا يعطونه المساكين ولا ينفقونه على الضيفان {وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} والمعنى أنهم كانوا يقرون ما جعلوه للأصنام مما جعلوه لله ولا يقرون ما جعلوه لله مما جعلوه للأصنام، وقال قتادة: كانوا إذا أصابتهم سنة قحط وشدة استعانوا بما جعلوه لله وأكلوا منه ووفروا مما جعلوه لشركائهم ولم يأكلوا منه شيئاً. وقال الحسن والسدي: كانوا إذا هلك ما جعلوا لشركائهم أخذوا بدله مما جعلوه لله ولا يفعلون ذلك فيما جعلوه لشركائهم فلذلك ذمهم الله تعالى فقال: {ساء ما يحكمون} يعني: بئس ما يحكمون ويقضون وذلك أنهم رجحوا جانب الأصنام على جانب الله تعالى في الرعاية والحفظ وهذا سفه منهم. وقيل: إن الأشياء كلها لله عز وجل وهو خلقها فلما جعلوا للأصنام جزءاً من المال وهي لا تملك ولا تخلق ولا تضر ولا تنفع نسبوا إلى الإساءة في الحكم والمقصود من ذلك بيان ما كانوا عليه في الجاهلية من هذه الأحكام الفاسدة التي لم يرد بها شرع ولا نص ولا يحسنها عقل. قوله عز وجل: {وكذلك} عطف على قوله {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً} يعني كما فعلوا ذلك جهلاً منهم كذلك زين لكثير منهم قتل أولادهم شركاؤهم. والمعنى أن جعلهم لله نصيباً من أموالهم ولشركائهم نصيباً في غاية الجهل بمعرفة الخالق المنعم لأنهم جعلوا الأصنام مثله في استحقاق النصيب وكذلك إقدامهم على قتل أولادهم في نهاية الجهالة أيضاً فكأنه قال ومثل ذلك الذي فعلوه في القسم جهلاً وخطأ وضلالاً كذلك {زين} يعني حسَّن {لكثير من المشركين قتل أولادهم} يعني به وأد البنات أحياء مخافة الفقر والعيلة {شركاؤهم} يعني شياطينهم أمروهم أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر وسميت الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم فيما أمروهم به من معصية الله وقتل الأولاد فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم وأضيف الشركاء إلى المشركين لأنهم أطاعوهم واتخذوهم أرباباً، وقال الكلبي: شركاؤهم سدنة آلهتهم يعني خدامها وهم الذين كانوا يزينون ويحسنون للكفار قتل الأولاد وكان الرجل في الجاهلية يقوم فيحلف لئن ولد له كذا وكذا غلاماً لينحرن آخرهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله فعلى هذا القول، الشركاء هم السدنة وخدام الأصنام سموا شركاء لأنهم أشركوهم في الطاعة {ليردوهم} يعني ليهلكوهم بذلك الفعل الذي أمروهم به. والإرداء في اللغة: الإهلاك. قال ابن عباس: ليردوهم في النار {وليلبسوا عليهم دينهم} يعني وليخلطوا عليهم دينهم. قال ابن عباس: ليدخلوا عليهم الشك في دينهم وكانوا على دين إسماعيل عليه السلام فرجعوا عنه بتلبيس الشياطين، وإنما فعلوا ذلك ليزيلهم عن الدين الحق الذي كان عليه إسماعيل وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام فوضعوا لهم هذه الأوضاع الفاسدة وزينوها لهم {ولو شاء الله ما فعلوه} يعني ولو شاء الله لعصمهم من ذلك الفعل القبيح الذي زين لهم من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد أخبر الله عز وجلّ أن جمع الأشياء بمشيئته وإرادته إذ لو لم يشأ ما فعلوا ذلك {فذرهم} يعني فاتركهم يا محمد {وما يفترون} يعني وما يختلقون من الكذب على الله فإن الله لهم بالمرصاد.
ابن عادل
تفسير : لما بيَّن أن ما تُوعَدُون لآتٍ، أمر رَسُوله بَعْدَه أن يُهَدِّد من يُنْكر البَعْث من الكُفَّارِ. قرأ أبو بكر عن عَاصِم "مَكَانَاتِكُمْ" بالجَميع في كُلِّ القُرْآن، أي: على تَمَكُّنِكُمْ. وقال عطاء: على حَالاَتِكُم التي أنْتُم عليها، والباقون: مَكَانَتِكُمْ. قال الواحدي: والوَجْه الإفْرَادُ؛ لأنه مَصْدر، والمصادِرُ في أكْثر الأمْر مُفْرَدة، وقد يُجْمَع في بعض الأحوالِ إلا أنَّ الغالبَ هو الأوَّل، فمن أفْرَد فلإرادة الجِنْسِ، ومن جَمَع فَليُطَابق ما بَعْدَه، فإن المخَاطَبِين جماعة، وقد أُضِيفَت إلَيْهم، وقد علم أن الكُلَّ وَاحِد مَكانه. قال الزمخشري: المكانَةُ تكون مَصْدَراً؛ يقال: مكَنَ مَكَانَةً إذا تمكَّنَ أبْلَغ التمكّن، وبمعنى المكان؛ يقال: مكان ومكانة، ومقام ومقامة، فقوله: {اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُم} يحتمل "اعْمَلُوا" على تمكُّنِكُم من أمْرِكُم وأقْصَى اسْتِطَاعَتِكُم وإمكَانِكُم, ويختمل أن يُرَاد "اعملوا" على حَالَتِكُم الَّتِي أنْتمُ عليها, يقال للرَّجُلِ إذا أُمِر أن يَثْبُتَ على حاله: مَكانَتَكَ يا فُلان, أي: اثْبُتْ على ما أنْتَ عليه لا تَنْحَرِف عَنْه, واخْتُلِف في ميم "مَكَان" و "مَكَانَة": فقيل: هي أصْلِيَّة, وهما من مَكَنَ يَمْكُن, وقيل: هما من الكُوْن فالمِيمُ زَائِدة, فيكون المَعْنى على لأوَّل: اعْمَلُوا على تمكُّنِكُم من أمْرِكُم وأقْصى استِطاعتِكُم وإمْكانكم، قال معْنَاه أبو إسحاق الزَّجَّاج، وعلى الثاني: اعْمَلُوا على جِهْتِكم وحَالِكُم التي أنْتُم عليها. قوله: "إني عامل" على مَكَانتي الَّتِي أنا عليها، والمعنى: أثْبُتُوا على عَدَاوَتِكُم وكُفْرِكُم، فإني ثابتٌ على الإسلام وعلى مَضَارَّتِكُم، "فَسوْفَ تَعْلَمُون" أيُّنَا يَنَال العَاقِبة المحمُودة، وهذا أمْر تَهْدِيد؛ كقوله: "اعملُوا ما شِئْتُم". قوله: {مَنْ تَكُونُ لَهُ} يَجُوز في "مَنْ" هذه وجهان: أحدهما: أن تكون موصولة وهو الظَّاهِر، فهي في محلَِّ نَصْب مفْعُولاً به، و"عَلِمَ" هنا مُتَعَدِّية لواحد؛ لأنَّها بمعنى العِرْفَان. الثاني: أن تكون استِفْهَاميَّة، فتكون في محلِّ رفع بالابتداء، و "تكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ" تكون واسْمُهَا وخَبَرُهَا في محلِّ رفع خبراً لها، وهي وخبرها في محلِّ نَصْبٍ: إمَّا لسَدِّها مَسَدَّ مَفْعُول وَاحِدٍ إن كانت "عَلِمَ" عِرْفَانيَّة، وإمَّا لسدِّها مسدَّ اثنين إن كان يقينيّة. وقرأ الأخوان: "مَنْ يكُون لَهُ عَاقِبةُ الدَّارِ" هنا، وفي "القصص" [الآية: 37] بالياء، والباقون: بالتاء من فوق، وهما واضحتان، فإن تأنيثها غير حَقِيقِيّ، وقد تقدم ذَلِك في قوله: {أية : وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة:123]. وقوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُون}. قال ابن عباس: أي لا يَسْعَد من كَفَر بي وأشْرَك. وقال الضَّحَّاك: لا يَفُوز.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {على مكانتكم} قال: على ناحيتكم. وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك {على مكانتكم} يعني على جديلتكم وناحيتكم.
ابو السعود
تفسير : {قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} إثرَ ما بـيّن لهم حالَهم ومآلَهم بطريق الخطاب أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بطريق التلوينِ بأن يواجِهَهم بتشديد التهديد وتكريرِ الوعيد، ويظهر لهم ما هو عليه من غاية النصاب في الدين ونهايةِ الوثوقِ بأمره وعدم المبالاةِ بهم أي اعملوا على غاية تمكّنِكم واستطاعتِكم، يقال: مكُن مكانةً إذا تمكّن أبلغَ التمكّن، أو على جهتكم وحالتِكم التي أنتم عليها، من قولهم: مكانٌ ومكانةٌ كمقامٌ ومقامة، وقرىء مكاناتِكم والمعنى اثبُتوا على كفركم ومعاداتكم {إِنّى عَـٰمِلٌ} ما أُمرت به من الثبات على الإسلام والاستمرارِ على الأعمال الصالحةِ والمصابرةِ، وإيرادُ التهديد بصيغة الأمرِ مبالغةٌ في الوعيد كأن المهددَ يريد تعذيبَه مجمِعاً عليه فيحمِله بالأمر على ما يؤدي إليه، وتسجيلٌ بأن المهدِّد لا يتأتّى منه إلا الشرُّ كالذي أُمر به بحيث لا يجد إلى التقصّي عنه سبـيلاً {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ} سوف لتأكيد مضمون الجملة، والعلمُ عرفانيٌّ و(من) إما استفهاميةٌ معلّقةٌ بفعل العلم محلُّها الرفعُ على الابتداء و(تكون) باسمها وخبرها خبرٌ لها وهي مع خبرها في محل نصبٍ لسدها مسدَّ مفعول تعلمون أي فسوف تعلمون أيُّنا تكون له العاقبةُ الحسنىٰ التي خلق الله تعالى هذه الدارَ لها، وإما موصولةٌ فمحلُّها النصبُ على أنها مفعولٌ لتعلمون أي فسوف تعلمون الذي له عاقبةُ الدارِ، وفيه مع الإنذار إنصافٌ في المقال وتنبـيهٌ على كمال وثوقِ المنذِرِ بأمره، وقرىء بالياء لأن تأنيثَ العاقبةِ غيرُ حقيقي {إِنَّهُ} أي الشأنَ {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} وُضع الظلمُ موضِعَ الكفرِ إيذاناً بأن امتناعَ الفلاحِ يترتب على أي فردٍ كان من أفراد الظلمِ فما ظنُّك بالكفر الذي هو أعظمُ أفرادِه؟ {وَجَعَلُواْ} شروعٌ في تقبـيح أحوالِهم الفظيعةِ بحكاية أقوالِهم وأفعالِهم الشنيعةِ (وهم مشركو العربِ كانوا يُعيِّنون أشياءَ من حرث ونتاج لله تعالى وأشياءَ منهما لآلهتهم فإذا رأوا ما جعلوه لله تعالى زاكياً نامياً يزيد في نفسه خيراً رجَعوا فجعلوه لآلهتهم، وإذا زكا ما جعلوه لآلهتهم تركوه معتلِّين بأن الله تعالى غنيٌّ وما ذاك إلا لحب آلهتِهم وإيثارِهم لها)، والجعلُ إما متعدَ إلى واحد فالجارّان في قوله تعالى: {لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} متعلقان به، ومِنْ في قوله تعالى: {مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ} بـيانٌ لما، وفيه تنبـيهٌ على فرط جهالتِهم حيث أشركوا الخالقَ في خلقه جماداً لا يقدِر على شيء ثم رجّحوه عليه بأن جعلوا الزكيَّ له، أي عيَّنوا له تعالى مما خلقه من الحرث والأنعام {نَصِيباً} يصرِفونه إلى الضِيفان والمساكينِ، وتأخيرُه عن المجرورَيْن لما مرَّ مراراً من الاهتمام بالمقدَّمِ والتشويقِ إلى المؤخر، وإما إلى مفعولين أولُهما مما ذرأ على أن مِنْ تبعيضيةٌ أي جعلوا بعضَ ما خلقه نصيباً له وما قيل من أن الأولَ نصيباً والثاني لله لا يساعده سَدادُ المعنى، وحكايةُ جعلِهم له تعالى نصيباً تدل على أنهم جعلوا لشركائهم أيضاً نصيباً، ولم يُذْكر اكتفاءً بقوله تعالى: {فَقَالُواْ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَائِنَا} وقُرىء بضم الزاءِ، وهو لغةٌ فيه، وإنما قُيِّد به الأولُ للتنبـيه على أنه في الحقيقة ليس بجعلٍ لله تعالى، غيرُ مستتبِعٍ لشيء من الثواب كالتطوعات التي يُبتغى بها وجهُ الله تعالى لا لما قيل من أنه للتنبـيه على أن ذلك مما اخترعوه ولم يأمرهم الله تعالى به فإن ذلك مستفادٌ من الجعل، ولذلك لم يقيَّدْ به الثاني، ويجوز أن يكون ذلك تمهيداً لما بعده على معنى أن قولَهم هذا لله مجرَّدُ زعمٍ منهم لا يعملون بمقتضاه الذي هو اختصاصُه به تعالى فقوله تعالى: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ} بـيانٌ وتفصيلٌ له أي فما عيَّنوه لشركائهم لا يُصرَف إلى الوجوه التي يُصرف إليها ما عيّنوه لله تعالى من قِرى الضِيفان والتصدقِ على المساكين وما عيَّنوه لله تعالى إذا وجدوه زاكياً يُصرف إلى الوجوه التي يُصرف إليها ما عيّنوه لآلهتهم من إنفاق عليها وذبحِ نسائِكَ عندها والإجراءِ على سَدَنتها ونحو ذلك {سَاء مَا يَحْكُمُونَ} فيما فعلوا من إيثار آلهتِهم على الله تعالى وعملهم بما لم يُشرَعْ لهم و(ما) بمعنى الذي، والتقديرُ ساء الذي يحكُمون حكمَهم فيكون حكمُهم مبتدأً وما قبله الخبرُ وحُذف لدِلالة يحكُمون عليه.
القشيري
تفسير : هذا غاية الزجر لأنه تهديد وإن كان في صيغة الأمر.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} لاهل مكة {يا قوم اعملوا على مكانتكم} المكانة مصدر بمعنى التمكن وهو القوة والاقتدار اى اعملوا على غاية تمكنكم ونهاية استطاعتكم يعنى اعملوا ما انتم عاملون واثبتوا على كفركم وعداوتكم {انى عامل} ما كتب على من المصابرة والثبات على الاسلام والاستمرار على الاعمال الصالحة. والامر للتهديد من قبيل الاستعارة تشبيها للشر المهدد عليه بالمأمور به الواجب الذى لا بد ان يكون. قال فى التأويلات النجمية {اعملوا على مكانتكم} اى على ما جبلتم عليه نظيره قوله {أية : قل كل يعمل على شاكلته} تفسير : [الإسراء: 84]. {فسوف تعلمون من} استفهامية او موصولة {تكون له عاقبة الدار} اى اينا تكون له العاقبة المحمودة التى خلق الله تعالى هذه الدار لها او فسوف تعرفون الذى له العاقبة الحسنى فالدار دار الدنيا والعاقبة الاصلية لهذه الدار هى عاقبة الخير واما عاقبة السوء فمن نتائج تحريف الفجار {انه} اى ان الشان {لا يفلح} يسعد {الظالمون} اى الكافرون اى لا يظفرون بمرادهم وبالفارسى [بدرستى كه بيروزى ورستكارى نيابند ستمكاران يعنى كفار. صاحب كشف الاسرار فرموده كه هم درين روزى بدانيد كه دنيا كجارسد ودولت فلاح كرا رسد بينيد كه درويشان شكسته بال را بسراى كرامت جون خوانند وخواجكان صاحب اقبال را سوى زندان ندامت جون رانند] شعر : باش تاكل يابى آنهاراكه امر وزندجزو باش تاكل بينى انهارا كه امر وزندخار تاكه ازدار الغرورى ساختن دار السرور تاكى ازدار الفرارى ساختن دار القرار تفسير : وليس الفلاح الا فى العلم والعمل وترك الدنيا والكسل والذلل ـ حكى ـ عن بعضهم انه دخل عليه بعض الفقرا ولم يجد فى بيته شيئاً من المتاع فقال امالكم شئ قال بلى لنا داران احداهما دار امن والاخرى دار خوف فما يكون لنا من الاموال ندخره فى دار الامن يعنى نقدمه للدار الآخرة فقال له انه لا بد لهذا المنزل من متاع فقال ان صاحب هذا المنزل لا يدعنا فيه وذلك ان الدنيا عارية ولا بد للمعير ان يرجع فى عاريته فعاقبة الدار انما هى للاخيار الابرار الذين عملوا لله فى ليلهم ونهارهم ولم ينقطعوا عن التوجه اليه حال سكونهم وقرارهم. وكان شاب يجتهد فى العبادة فقيل له فى ذلك فقال رأيت فى منامى قصرا من قصور الجنة مبنيا بلبنة من ذهب ولبنة من فضة وكذلك شراريفه وبين كل شرافتين حورية لم ير الراؤون مثلها لما بها من الحسن والجمال وقد ارخين ذوائب شعورهن فتبسمت احداهن فى وجهى فانارت الجنة بنور ثناياها ثم قالت يا فتى جد لله تعالى فى طلبى لاكون لك وتكون لى فاستيقظت فحقيق على ان اجد فاذا كان هذا الاجتهاد فى طلب حورية فكيف بمن يطلب رب الحورية شعر : فداى دوست نكرديم عمر ومال دريغ كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد تفسير : فظهر ان الاجتهاد فى طريق الحق له عاقبة حميدة فانه موصل الى الجنة والقربة والوصلة فسيظهر اثره فى الدار الآخرة. واما الظالمون الذين افسدوا استعداداتهم بما عملوا من المعاصى فانهم لا يفلحون بمثل هذه السعادة الى دار البوار وحالهم فى الدنيا هى الخسارة لا غير فان الباطل يفور ثم يغور والدولة فى الدنيا والآخرة لاهل الايمان والخلاص من التنزل لا يحصل الا بالايمان فمن دخل فى حصن الايمان وقوة اليقين يترقى الى ما شاء الله تعالى من الدرجات والشيطان وان كل ينبح عليه خارج الحصن لكنه لا يضره وفى الحديث "حديث : جددوا ايمانكم " .تفسير : والمراد الانتقال من مرتبة الى مرتبة فان اصل الايمان قد تم بالاول ولكن الايمان على ثمانى عشرة مرتبة العناية من الله تعالى وتوحيد كل شخص على قدر يقينه وهو قد يكون على قدر يقينه فى ملك وجوده وقد لا يكون على قدر هذا اليقين فالذين يظهرون الدعوى فتوحيدهم فى ملك وجودهم فقط فلو انهم جاوزوا الى هذا اليقين لندموا عليها ورغبوا عن انفسهم. فعلى العاقل ان لا يسامح فى باب الدين بل يجتهد فى تحصيل اليقين فان الاجتهاد باب لهذا التحصيل ووسيلة فى طريقه التكميل وان كان الله تعالى هو الموصل برحمته الخاصة والمؤثر فى كل الامور اللهم اجعلنا من اهل التوحيد الحقانى وشرفنا بالايمان العيانى فانك الغنى ونحن الفقراء.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {من تكون}: إما مفعول {تعلمون}، أو مبتدأ، وهي إما موصولة أو استفهامية، والمكانة: التمكن أو الجهة، يقال: مكان ومكانة كمقام ومقامة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد: {يا قوم اعملوا على مكانتكم} أي: تمكنكم من هواكم وشهواتكم التي أنتم عليها، أو على ناحيتكم وجهتكم التي أنتم عليها من الكفر والهوى، والمعنى: اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة، {إني عامل} على ما أنا عليه من المصابرة والثبات على الدين الحق. والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد، كأن الذي يهدده يريد تعذيبه لا محالة، فيحمله بالأمر على ما يفضي به إليه، وتسجيلٌ بأن المهدد لا يأتي منه إلا الشر، كالمأمور به الذي لا يقدر أن ينقضي عنه. قاله البيضاوي. ثم صرح بالتهديد فقال: {فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار} أي: أيُّنا تكون له العاقبة الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار، أي: وهي الدار الآخرة، أو: فسوف تعرفون الذي تكون له عاقبة سكنى الدار الآخرة والنعيم المقيم، أو: من تكون له عاقبة هذه الدار بالنصر والظهور على الأديان ـ أنا أو أنتم، وفيه إنصاف في المقال حال الإنذار، وحسن الأدب، وتنبيهٌ على وثوق المنذِر لأنه محق. قال تعالى {إنه}، أي: الأمر والشأن، {لا يُفلح الظالمون}، والظلم أعلم من الكفر، ولذلك وضُع موضعه؛ لعمومه. الإشارة: إذا انكب الناس على الدنيا، وأخذتهم الغفلة، وغلب عليهم الهوى، ثم وقع الوعظ والتذكير من أهل الإنذار، فقابَلوهم بالإبعاد والإنكار، يقول لهم المذكور والواعظ: {يا قوم اعلموا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار...} الآية. ثم ذكر جهالةالجاهليّة وحمقهم، فقال: {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابو بكر {مكاناتكم} على الجمع. الباقون على التوحيد، وقرأ حمزة والكسائي يكون بالياء. الباقون بالتاء المعجمة من فوق. ومن قرأ بالياء فلان المصدر المؤنث يجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى. ومن قرأ بالتاء فعلى اللفظ، فمما جاء منها على اللفظ قوله {أية : فأخذتهم الصيحة} تفسير : وقوله{أية : قد جاءتكم موعظة من ربكم}تفسير : وعلى المعنى قوله {أية : وأخذ الذين ظلموا الصيحة} {أية : فمن جاءه موعظة}.تفسير : ومن وحد {مكانتكم} فلانه مصدر، والمصادر في الاكثر لا تجمع. ومن جمع فلأنها قد تجمع كقولهم: الحلوم والاحلام. قال ابو عبيدة {مكانتكم} أي على حيالكم. وقال ابو زيد: رجل مكين عند السلطان من قوم مكناء، وقد مكن مكانة، كأنه قال: اعملوا على قدر منزلتكم وتمكنكم من الدنيا، فانكم لن تضرونا بذلك شيئا. أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يخاطب المكلفين من قومه ويأمرهم بأن يعملوا على مكانتهم، والمكانة الطريقة يقال: هو يعمل على مكانته ومكينته أي طريقته وجهته. وقال ابن عباس والحسن: على ناحيتكم. وقال الجبائي: على حالتكم. وقال الزجاج: يجوز ان يكون المراد على تمكنكم، وهذا وان كان صيغته صيغة الامر فالمراد به التهديد كما قال {أية : اعملوا ما شئتم} تفسير : وانما جاء التهديد بصيغة الامر لشدة التحذير، أي لو امر بهذا لكان يجوز قبول أمره. ووجه آخر - هو ان التقدير {اعملوا على مكانتكم} ان رضيتم بالعقاب أي انكم في منزلة من يؤمر به ان رضيتم بالعقاب، فهذا على التبعيد أن يقيموا عليه، كالتبعيد أن يرضوا. ووجه ثالث هو ان الضرر يخص المقيم على المنكر، لان غيره بمنزلة الآمن في انه لا يأمره بما يضره. وقوله {إني عامل} إِخبار من الرسول انه عامل بما امر الله تعالى به. وقوله {فسوف تعلمون} فيه تهديد، ومعناه فسوف تعلمون جزاء اعمالكم. وقوله {من تكون} يحتمل موضع (من) أمرين من الاعراب: احدهما - الرفع وتقديره أينا يكون له عاقبة الدار. والثاني - النصب بقوله {يعلمون} ويكون بمعنى الذي. وانما قال: ان عاقبة الدار للمؤمنين دون الكافرين وان كان الكفار أيضا لهم عاقبة من حيث يصيرون الى العقاب المؤبد وهي للمؤمنين من حيث يصيرون الى النعيم الدائم، كما يقول العرب: لهم الكرة، ولهم الحملة، لانه اذا فصل قيل: لهم وعلى اعدائهم. وقوله {إنه لا يفلح الظالمون} أي لا يفوز الظالمون بشيء من الثواب والمنافع، وانما لم يقل {الكافرون} وان كان الكلام في ذكرهم لانه أعم واكثر فائدة، ولانه اذا لم يفلح الظالم، فالكافر بذلك اولى، على ان الكافر يسمى ظالما فيجوز ان يكون عنى به انه لا يفلح الظالمون الذين هم الكافرون، كما قال {أية : والكافرون هم الظالمون}تفسير : وقال {أية : إن الشرك لظلم عظيم}.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ} تهديداً لهم {يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} قرئ مكاناتكم حيثما وقع اى حال كونكم ثابتين على مقامكم ومكانكم فى الكفر او مشتملين على غايه تمكّنكم فانّ المكانة كالمكان بمعنى المقام او من التّمكّن بمعنى الاستطاعة {إِنَّي عَامِلٌ} على مرتبتى فى التّوحيد والاسلام {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} امّا استفهام علّق الفعل عنه، او استفهام منقطع عن سابقه، او موصول مفعول لتعلمون وعلى اى تقدير فالمقصود بقرينة المقام انّكم سوف تعلمون انّ لنا عاقبة الدّار ولذا علّله بقوله {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} كأنّه قال لانّكم ظالمون ولا عاقبة محمودة للظّالم او هو من قول الله تعليلاً للامر اى قل لهم ذلك لانّهم ظالمون والظّالم لا يفلح بحجّة.
اطفيش
تفسير : {قُل يا قومِ} كفار قريش {اعْملُوا على مَكانتِكُم} اعملوا فى المكر والمعاصى على قدر قوتكم وتمكنكم، لا تتركوا منها شيئا، وهو مصدر مكن يمكن بمعنى قوى على الشئ وهو ثلاثى، أو اعملوا على جهتكم التى أنتم عليها من العناد والكفر والمعاصى، لا تتحول عنها على أن المكانة مفعلة من الكون اسم مكان الكون والثبوت، سميت الحالة التى هم عليها باسم المكان مجازاً، والمكانة بمعنى التمكن أو الجهة صالحة للكثير والقليل، والمراد الكثير لأن إضافته للاستغراق ولا سيما المصدر، ففيه أصلح، والتاء فيهما ليس للوحدة، والأمر فى ذلك كله للتهديد كحال من يريد إهلاك أحد فيغريه بما يوجب هلاكه، وفيه تلويح بأنهم لا ينفكون عن اكفر، ولو طولبوا فى الانفكاك، لأنذروا بوعيده، وقرأ أبو بكر عن عاصم: مكاناتكم بالجمع فى كل القرآن، ووجه الجمع أو الاستغراق فى وجه كون المكانة بمعنى الجهة، والحالة أن أنواع نفاقهم ومعاصيهم وكفرهم كثيرة. {إنِّى عامِلٌ} فى رضا ربى وطاعته، والصبر على مخالفة من عصاه على مكانتى {فَسوفَ تعْلمُون مَنْ تكونُ له عاقبةُ الدَّار} من استفهامية مبتدأ، والجملة بعده خبره، والمجموع علق تعلم عن العمل فى لفظه واعمل فى محله نائبا عن مفعولين، والمعلق الاستفهام، ويجوز جعلها موصولة مفعولا ليعلم تعدى لواحد فى هذا الوجه لكونه بمعنى يعرفون، وهذه الجملة إنذار أيضا مع الإنصاف والأدب والمعتادين فى محاورة المنصفين، إذ كان اللفظ بعبارة تصلح لأن يكون لهم عاقبة إدراكها يصلح أن تكون للمؤمنين، والمراد أنها للمؤمنين خاصة، وذلك معلوم أيضا من اللفظ وفى الآية تنبيه على أن الذى ينذرهم بها على وثوق بأنه محق، وأن له عاقبة الدار لا لهم وهى الجنة، وعاقبة الشئ خاتمته التى تجئ بعده عقبه، فالعاقبة الجنة، والدار الدنيا أى الجنة التى تجئ بعد الدار الدنيا، ويجوز أن تكون العاقبة وهى الجنة التى عقب الدنيا، وإنما نعلم أنها الجنة لسباق الكلام فى التحبب إلى الله مع ذكر عاقبة الدار فى القرآن بمعنى الجنة، كقوله تعالى: {أية : أولئك لهم عقبى الدار* جنات عدن} تفسير : ويحتمل أن يكون المراد بعاقبة الدار النار تهديداً فهى للكفار وحدهم لا للمؤمنين، وجئ أيضا بلفظ الإنصاف والأدب كذلك، ويناسب هذا قوله: {إنَّهُ لا يفلحُ الظَّالمونَ} لا يفوز بالجنة عن النار من ظلم نفسه بالشرك والمعاصى، فمن كانت هذه صفته لم يفلح، فيجدون هذه الصفة فى أنفسهم لا فى المؤمنين، ولم يقل الكافرون لأن الظلم أقبح من حيث إن فيه تنقيص حظ الإنسان لنفسه بنفسه، وأما من حيث العموم فإن الكفر والظلم كليهما يطلقان على الشرك، وما دونهما من الكبائر فليس الظلم أعم، ومعنى الآية باقٍ ولو مع نزول القتال بعد، ومن زعم أن المعنى أمره بترك القتال قال نسخها القتال، وقرأ حمزة والكسائى يكون بالتحتية، لأن اسمه ظاهر مؤنث مجازاً، ولأنه مفعول.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} لهم {يَا قَوْم اعْمَلُوا عَلى مَكَانَتِكُمْ} هددهم على أَن يعملوا كل ما شاءُوا من المعاصى والعناد والمناقضة لما أَنا عليه قدر ما أَمكنكم وقويتم عليه بلا نقص شئ منه، فمكانة مصدر مكن من الأَمر أَى قد قدر عليه وأَطاقه وتمكن منه، والميم أَصل والأَلف زائدة، أَو على أَى حال كنتم من معصية وعناد فهو من الكون فالميم زائدة والأَلف بدل من الأَصل مجاز من موضع الكون إِلى عموم الأَحوال، أَو من قولك اثبت على مكانتك يا فلان أَى لا نتحرف عما أَنت عليه. أَى اثبتوا على مخالفتكم. وعلى كل وجه هو كقوله تعالى{أية : اعملوا ما شئتم}تفسير : [فصلت: 40] وقيل بمعنى المكان والمقام كما فسره ابن عباس بالناحية وهو راجع إِلى ما مر {إِنِّى عَامِلٌ} على مكانتى فى الثبات على الإِسلام والزيادة منه والدعاء إِليه لا أَترك حالتى ومقامى. أَمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أَن يخاطبهم خطاب من أَجمع على عذابهم وخطاب من أَيس منه أَن يصدر منه خير، حتى كأَنهم أَمروا بكفر لا يقدرون أَن يتخلصوا عنه، شبه كفرهم بالإِيمان الواجب الذى لا بد منه فلا بد من أَن يكفروا لقضاءِ الشقاءِ عليهم {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عطف على إِنى عامل عطف فعليه على اسمية، والفاء سببية فإِن كونه صلى الله عليه وسلم عاملا على مكانته سبب لا يطلعون بعد على أَن له عاقبة الدار {مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} أَى عاقبة الدنيا، فالدار الدنيا وعاقبتها الجنة لأَنها تكون بعد الدنيا، وهى نتيجة الدنيا لأَن الدنيا خلقت لتكسب منها الجنة ومطية إِليها، ومجاز إِليها. ومن لقى العذاب فى الآخرة فلانحرافه عما خلقت له الدنيا من الطاعة الموصولة إِلى الجنة. فالنار ولو كانت عاقبة أَيضا للكفار لكنها بالعرض لا بالذات، فالعاقبة الأَصلية الجنة فهى المرادة فى القرآن حتى يبين غيرها كما بين فى قوله تعالى{أية : فكان عاقبتهما أَنهما فى النار}تفسير : [الحشر: 17] ويجوز أَن تكون الدار هى الآخرة وعاقبتها الجنة لأَن الجنة دائمة فيها بعد البعث والمحشر، ومن موصول أَو نكرة موصوفة مفعول لتعلم بمعنى تعرف، فله مفعول واحد، أَو استفهامية مبتدأ والجملة بعدها خبر والمجموع سد مسد مفعول تعلم بمعنى تعرف معلقا عن العمل، أَو مسد مفعولى تعلم المتعدى معلقا عنهما، وعلى كل حال عن بمعنى الإِنسان أَو الفريق، وفى الاية إِنذار بإِنصاف القوم إذ لم يثبت لهم العاقبة مع أَنها له كقوله تعالى "أية : وإِنا أَو إِياكم" تفسير : [سبأ: 24] إِلخ. وإِنما يكون ذلك حيث يكون المنذر واثقاً بأَنه على الحق وكأَنه قيل ما عاقبتم؟ فقال {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} مقتضى الظاهر أَنه لا يفلح الكافرون؛ لأَنه يخاطب الكفار لكن وضع الظالمين لأَن الظلم يعم الإِشراك وسائر الكبائر، فهم معاتبون على أُصول الشريعة وفروعها حتى الصغائر؛ لأَنهم أَصروا فلا تغفر لهم فهم ظلموا أَنفسهم وغيرهم ودين الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {قُلْ يٰقَوْمِ} أمر له صلى الله عليه وسلم أن يواجه الكفار بتشديد التهديد وتكرير الوعيد ويظهر لهم ما هو عليه من غاية التصلب في الدين ونهاية الوثوق بأمره وعدم المبالاة بهم أصلاً إثر ما بين لهم حالهم ومآلهم أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار. {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} أي على غاية تمكنكم واستطاعتكم على أن المكانة مصدر مكن إذا تمكن أبلغ التمكن؛ وجوز أن يكون ظرفاً بمعنى المكان كالمقام والمقامة، ومن هنا فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه ابن المنذر عنه بالناحية وتجوز به عن ذلك من فسره بالحالة أي اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها. وقرأ أبو بكر عن عاصم {مكاناتكم} على الجمع في كل القرآن، وزعم الواحدي أن الوجه الإفراد وفيه نظر، والمعنى أثبتوا على كفركم ومعاداتكم لي {إِنّى عَـٰمِلٌ} على مكانتي أي ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم./ والأمر للتهديد. وإيراده بصيغة الأمر ـ كما قال غير واحد ـ مبالغة في الوعيد كأن المهدد يريد تعذيبه مجمعاً عازماً عليه فيحمله بالأمر على ما يؤدي إليه وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر كالمأمور به الذي لا يقدر أن يتفصى عنه. وجعل العلامة الثاني ذلك من قبيل الاستعارة التمثيلية تشبيهاً لذلك المعنى بالمعنى المأمور به الواجب الذي لا بد أن يكون ممن ضربت عليه الشقوة. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ} أي إنكم لتعلمون ذلك لا محالة فسوف لتأكيد مضمون الجملة. والعلم عرفاني فيتعدى إلى واحد، و(من) استفهامية معلقة لفعل العلم محلها الرفع على الابتداء. والجملة بعدها خبرها ومجموعهما ساد مسد مفعول العلم. والمراد بالدار الدنيا لا دار السلام كما قيل، وبالعاقبة العاقبة الحسنى أي عاقبة الخير لأنها الأصل فإنه تعالى جعل الدنيا مزرعة الآخرة وقنطرة المجاز إليها وأراد من عباده أعمال الخير لينالوا حسن الخاتمة. وأما عاقبة الشر فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار أي فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها ويجوز أن تكون ما موصولة فمحلها النصب على أنها مفعول {تَعْلَمُونَ} أي فسوف تعلمون الذي له عاقبة الدار، وفيه مع الإنذار المستفاد من التهديد إنصاف في المقال وتنبيه على كمال وثوق المنذر بأمره. وقرأ حمزة والكسائي {يَكُونَ} بالتحتية لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي. {إنَّهُ} أي الشأن {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي لا يظفروا بمطلوبهم، وإنما وضع الظلم موضع الكفر لأنه أعم منه وهو أكثر فائدة لأنه إذا لم يفلح الظالم فكيف الكافر المتصف بأعظم أفراد الظلم.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي بعد قوله: { أية : إنَّ ما توعدون لآتٍ } تفسير : [الأنعام: 134] فإنّ المقصود الأوّل منه هو وعيد المشركين، كما مرّ، فأعقبه بما تمحّض لوعيدهم: وهو الأمر المستعمل في الإنذار والتّهديد، لِيُمْلِيَ لَهُمْ في ضلالهم إملاء يشعر، في متعارف التّخاطُب، بأنّ المأمور به ممّا يزيد المأمور استحقاقاً للعقوبة، واقتراباً منها. أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يُناديهم ويُهَدّدهم. وأمر أن يبتدىء خطابهم بالنّداء للاهتمام بما سيقال لهم، لأنّ النّداء يسترعي إسماع المنادَيْن، وكان المنادي عنوانَ القوم لما يشعر به من أنّه قد رقّ لحالهم حين توعدهم بقوله: { أية : إنَّ ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين } تفسير : [الأنعام: 134] لأنّ الشأن أنّه يحبّ لقومه ما يحبّ لنفسه. والنّداء: للقوم المعاندين بقرينة المقام، الدالّ على أنّ الأمر للتّهديد، وأنّ عملهم مخالف لعمله، لقوله: {اعملوا} ــــ مع قوله ــــ {إني عامل}. فالأمر في قوله: {اعملوا} للتسوية والتخلية لإظهار اليأس من امتثالهم للنّصح بحيث يغيِّر ناصِحهم نُصحهم إلى الإطلاق لهم فيما يحبّون أن يفعلوا، كقوله تعالى: { أية : اعملوا ما شئتم } تفسير : [فصلت: 40] وهذا الاستعمال استعارة إذ يشبَّه المغضوب عليه المأيوس من ارعوائهِ بالمأمور بأن يَفعل ما كان يُنهى عنه، فكأنّ ذلك المنهي صار واجباً، وهذا تهكّم. والمكانة: المَكان، جاء على التّأنيث مثل ما جاء المقامة للمقام، والدارةُ اسماً للدار، والماءة للماءِ الذّي يُنزل حوله، يقال: أهل الماء وأهل المَاءة. والمكانة هنا مستعارة للحالة الّتي تلبّس بها المرء، تشبَّه الحالة في إحاطتها وتلبّس صاحبها بها بالمكان الّذي يحوي الشّيء، كما تقدّم اطلاق الدّار آنفاً في قوله تعالى: { أية : لهم دار السّلام } تفسير : [الأنعام: 127]، أو تكون المكانة كناية عن الحالة لأنّ أحوال المرء تظهر في مكانه ومقرّه، فلذلك يقال: «يا فلان على مَكانتك» أي أثبت على ما أنت عليه لا تنحرفْ عنه. ومفعول {اعملوا} محذوف لأنّ الفعل نزّل منزلة اللاّزم، أي اعملوا عملكم المألوف الّذي هو دأبكم، وهو الإعراض والتّكذيب بالحقّ. و{عَلَى} مستعملة في التمكّن على وجه الاستعارة التّبعيّة، وهي مناسبة لاستعارة المكانة للحالة. لأنّ العلاوة تناسب المكان، فهي ترشيح للاستعارة، مستعار من ملائم المشبه به لملائم المشبه. والمعنى: الزموا حالكم فلا مَطمع لي في اتِّباعكم. وقرأ الجمهور: {على مكانتكم} ــــ بالإفراد ــــ. وقرأه أبو بكر عن عاصم: {مَكانَاتِكم} جمعَ مكانة. والجمع باعتبار جمع المضاف إليه. وجملة: {إني عامل} تعليل لمفاد التّسوية من الأمر في قوله: {اعملوا} أي لا يضرّني تصميمكم على ما أنتم عليه، لكنّي مستمرّ على عملي، أي أنِّي غير تارك لما أنا عليه من الإيمان والدّعاء إلى الله. وحذف متعلّق: {إني عامل} للتّعميم مع الاختصار، وسيأتي تفصيله في نظيره من سورة الزمر. ورُتِّب على عملهم وعَمَلِه الإنذارُ بالوعيد {فسوف تعلمون} بفاء التّفريع للدّلالة على أنّ هذا الوعيد متفرّع على ذلك التّهديد. وحرف التّنفيس مراد منه تأكيد الوقوع لأنّ حرفَي التّنفيس يؤكّدان المستقبل كما تؤكّد (قَدْ) الماضي، ولذلك قال سيبويه في الكلام على (لَن): إنَّها لنفي سَيفعل، فأخذ منه الزمخشري إفادتها تأكيد النّفي. وهذا صريح في التّهديد، لأنّ إخبارهم بأنَّهم سيعلمون يفيد أنّه يعلم وقوع ذلك لا محالة، وتصميمه على أنَّه عامل على مكانته ومخالف لعملهم يدلّ على أنّه موقن بحسن عقباه وسوء عقباهم، ولولا ذلك لعَمِل عملهم، لأنّ العاقل لا يرضى الضرّ لنفسه، فدلّ قوله: {فسوف تعلمون} على أنّ علمهم يقع في المستقبل، وأمّا هُو فَعَالِم من الآن، ففيه كناية عن وثوقه بأنَّه مُحِقّ، وأنَّهم مبطلون، وسيجيء نظِير هذه الآية في قصّة شعيب من سورة هود. وقوله: {من تكون له عاقبة الدار} استفهام، وهو يُعلِّق فعل العِلم عن العمل، فلا يعطَى مفعولين استغناء بمُفاد الاستفهام؛ إذ التّقديرُ: تعلمون أحدَنا تكون له عاقبة الدار. وموضع: {من} رفع على الابتداء، وجملة: {تكون له عاقبة الدار} خبره. والعاقبة، في اللّغة: آخر الأمر، وأثر عمل العامل، فعاقبة كلّ شيء هي ما ينجلي عنه الشّيء ويظهرُ في آخره من أثر ونتيجة، وتأنيثه على تأويل الحالة فلا يقال: عاقب الأمر، ولكن عاقبة وعُقْبى. وقد خصّص الاستعمال لفظ العاقبة بآخرة الأمر الحَسَنَةِ، قال الراغب: العاقبة والعقبى يختصّان بالثّواب نحو { أية : والعاقبة للمتّقين } تفسير : [الأعراف: 128]، وبالإضافة قد يستعمل في العقوبة نحو { أية : ثمّ كان عاقبة الّذين أساءوا السُّوأى } تفسير : [الروم: 10] وقَلّ من نبَّه على هذا، وهو من تدقيقه، وشواهدُه في القرآن كثيرة. والدّار الموضع الّذي يحلّ به النّاس من أرض أو بناء، وتقدّم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : لهم دار السّلام} تفسير : [الأنعام: 127]، وتعريف الدّار هنا تعريف الجنس. فيجوز أن يكون لفظ {الدار} مطلقاً، على المعنى الحقيقي، فإضافةُ {عاقبة} إلى {الدار} إضافة حقيقية، أي حُسن الأخارة الحاصلُ في الدّار، وهي الفوز بالدّار، والفلج في النّزاع عليها، تشبيهاً بما كان العرب يتنازعون على المنازل والمَراعي، وبذلك يكون قوله: {من تكون له عاقبة الدار} استعارة تمثيلية مكنية، شُبّهت حالة المؤمنين الفائزين في عملهم، مع حالة المشركين، بحالة الغالب على امتلاك دار عَدُوّه، وطُوي المركَّب الدالّ على الهيئة المشبَّه بها، ورُمز إليه بذكر ما هو من رَوادفه، وهو {عاقبة الدار}، فإنّ التّمثيليّة تكون مصرّحة، وتكون مكنية، وإن لم يُقسِّمُوهَا إليهما، لكنّه تقسيم لا محيص منه. ويجوز أن تكون {الدار} مستعارة للحالة الّتي استقرّ فيها أحد، تشبيها للحالة بالمكان في الاحتواء، فتكون إضافة عاقبَة إلى الدار إضافة بيانية، أي العاقبة الحسنى الّتي هي حالُه، فيكون الكلام استعارة مصرّحة. ومن محاسنها هنا: أنّها بنت على استعارة المكانة للحالة في قوله: {اعملوا على مكانتكم} فصار المعنى: اعملوا في داركم ما أنتم عاملون فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار. وفي الكلام مع ذلك إيماء إلى أنّ عاقبة تلك الدار، أي بلد مكة، أن تكون للمسلمين، كقوله تعالى: { أية : أنّ الأرض يرثها عبادي الصّالحون } تفسير : [الأنبياء: 105] وقد فسّر قوله: {من تكون له عاقبة الدار} بغير هذا المعنى. وقرأ الجمهور: {مَن تكون} ــــ بتاء فوقيّة ــــ وقرأه حمزة، والكسائي، بتحتيّة، لأنّ تأنيث عاقبة غير حقيقي، فلمّا وقع فاعلاً ظاهراً فيجوز فيه أن يقرن بعلامة التّأنيث وبدونها. وجملة: {إنه لا يفلح الظالمون} تذييل للوعيد يتنزّل منزلة التّعليل، أي لأنّه لا يفلح الظّالمون، ستكون عقبى الدار للمسلمين، لا لكم، لأنّكم ظالمون. والتّعريف في {الظالمون} للاستغراق، فيشمل هؤلاء الظّالمين ابتداء، والضّمير المجعول اسم (إنّ) ضميرُ الشأن تنبيها على الاهتمام بهذا الخبر وأنّه أمر عظيم.
الواحدي
تفسير : {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم} على حالاتكم التي أنتم عليها {إني عامل} على مكانتي، وهذا أمرُ تهديدٍ. يقول: اعملوا ما أنتم عاملون، إنِّي عاملٌ ما أنا عاملٌ {فسوف تعلمون مَنْ تكون له عاقبة الدار} أيُّنا تكون له الجنَّة {إنه لا يفلح الظالمون} لا يسعد مَنْ كفر بالله وأشرك بالله. {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام} كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم {نصيباً} وللأوثان نصيباً، فما كان للصَّنم أُنْفِقَ عليه، وما كان لله أُطعم الضِّيفان والمساكين، فما سقط ممَّا جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه، وقالوا: إنَّ الله غنيٌّ عن هذا، وإن سقط ممَّا جعلوه للأوثان من نصيب الله التقطوه وردُّوه إلى نصيب الصَّنم، وقالوا: إنَّه فقير، فذلك قوله: {فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} ثمَّ ذمَّ فعلهم فقال: {ساء ما يحكمون} أَيْ: ساء الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوه لله على جهة التَّبرُّز إلى الأوثان. {وكذلك} ومثل ذلك الفعل القبيح {زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} يعني: الشَّياطين أمروهم بأن يئدوا أولادهم خشية العَيْلَة {ليردوهم} ليهلكوهم في النَّار {وليلبسوا عليهم دينهم} ليخلطوا ويُدخلوا عليهم الشَّكَّ في دينهم، ثمَّ أخبر أنَّ جميع ما فعلوه كان بمشيئته، فقال: {ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون} من أنَّ لله شريكاً. {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر} حرَّموا أنعاماً وحرثاً، وجعلوها لأصنامهم، فقالوا: {لا يطعمها إلاَّ مَنْ نشاء بزعمهم} أعلم الله سبحانه أنَّ هذا التَّحريم كذبٌ من جهتهم {وأنعام حرّمت ظهورها} كالسَّائبة والبحيرة والحامي {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} يقتلونها لآلهتهم خنقاً، أو وقذاً {افتراءً عليه} أَيْ: يفعلون ذلك للافتراء على الله، وهو أنَّهم زعموا أنَّ الله أمرهم بذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَاقَوْمِ} {عَاقِبَةُ} {ٱلظَّالِمُونَ} (135) - وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى الكُفَّارَ، وَيَتَوَعَّدُهُمْ، فَيَأْمُرُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بَأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: اسْتَمِرُّوا عَلَى طَرِيقَتِكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ تَظُنَّونَ أَنَّكُمْ عَلَى هُدًى، فَأَنا مُسْتَمِرٌّ عَلَى طَرِيقَتِي وَمَنْهَجِي، وَسَتَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ العَاقِبَةُ، أَتَكُونُ لَكُمْ أَمْ لِي؟ وَقَدْ أَنْجَزَ اللهُ وَعْدَهُ لِرَسُولِهِ فَفَتَحَ مَكَّةَ، وَأَذَلَّ اللهُ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، لأَِنَّ المُشْرِكِينَ وَالظَّالِمِينَ لاَ يُفْلِحُونَ. عَلَى مَكَانَتِكُمْ - غَايَةَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، أَوْ عَلَى طَرِيقَتِكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والقوم هم الجماعة، وعادة يطلق على الرجال لأنهم أهل القيام للمهمات؛ لأن الشأن والأصل في المرأة الستر والبيتوتة والاستقرار في البيت للقيام على أمره ورعايته. وحين تقرأ القرآن تجد كلمة "قوم" وتفهم أن المقصود منها الجماعة التي تجمعهم رابطة، وأنها للرجال خاصة، والمثال هو قول الحق: {أية : لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ...} تفسير : [الحجرات: 11] وما دام قد جاء بمقابل {قَوْمٌ}: {وَلاَ نِسَآءٌ}، فـ {قَوْمٌ} هذه للرجال ومأخوذ منها "القيام للمهمات"، ومأخوذ منها "القيامة". ولذلك الشاعر يقول: شعر : ولا أدري ولست أخال أدري أقوم آل حصن أم نساء تفسير : يعني أرجال أم نساء. {قُلْ يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} [الأنعام: 135] و"المكان" هو الحيز الذي يأخذه جسم الإِنسان؛ فكل كائن له مكان، إن وقف له مكان، إن قعد له مكان، والمكان هو المملوك والمخصص لك من الأرض، فحين تقف في مكان لا يقدر آخر أن يقف فيه وأنت واقف، بل يجب أن يزحزحك عنه، وحين تزحزح من هو واقف، فهو يروح إلى مكان ثانٍ، ويمتنع التداخل بين اثنين في حيز لا يسع إلا واحداً، وهذا أمر فطري؛ فتجد الولد الصغير الذي لم يدرك أي شيء ويقدر أن يقف فقط، ثم يريد أن يقعد على الكرسي الذي تجلس عليه أخته أو أخوه، فقبل أن يقعد على الكرسي يشد من يجلس عليه؛ لأنه يعرف بالفطرة أن اثنين لا يوجدان في حيز واحد. وترى ذلك أيضاً في غير الجرم المرئي، فأنت حين تأتي قارورة وتضعها في ماء لتمتلئ تسمع صوت الهواء الخارج منها في بقبقة؛ لأن الماء لا يمكن أن يدخل إلا أن خرج الهواء، ولأن المياه أكثف فهي تضغط ليخرج الهواء، وهذا ما يؤكد عدم التداخل. أي لا يوجد شيئان اثنان في حيز واحد. ومكانتك هي الموقع الذي تستولي عليه، ولذلك حتى في الجيوش وفي الحرب توضع الخطط من أسلحة مختلفة، لتستولي على الأماكن. و{ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} هو قول موجه إلى الجماعة الذين عارضوا النبوة ووقفوا منها هذه المواقف، فيقول لهم الحق تهديدا لهم وتيئيسا من أنهم لن يصلوا إلى النيل من رسول الله: اعملوا على قدر استطاعتكم من التمكن، أو أثبتوا على ما أنتم عليه من الخلاف والمناهضة، لماذا؟؛ لأنه صلى الله عليه وسلم عامل أيضاً: فلن يكون ثباتكم مانعاً لي من العمل؛ أنتم تعملون وأنا أعمل، أنتم تعملون على طاقاتكم، وأنا أعمل على طاقاتي الإِيمانية ومدد ربي الأعلى من الطاقة. {قُلْ يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} [الأنعام: 135] {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} و"له" تعطي دلالة إلى أن الإِيمان ستكون عاقبة الدار لصالحه؛ لأن الآخرين لن تكون لهم بل عليهم، وساعة ترى "اللام" اعرف أن الأمر لهم لا عليهم. فكأن الظالمين إن تنلهم عاقبة فهي ليست لهم، وإنما عاقبتهم عليهم، ولن يفلح الظالمون. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ..}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} معناهُ عَلَى نَاحِيتِكُم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} [الأنعام: 135]، أي: على ما جبلتم عليه، {إِنَّي عَامِلٌ} [الأنعام: 135]؛ أي: على ما جبلت عليه نظيره قوله تعالى: {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} تفسير : [الإسراء: 84]، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 135]، إذ ظهر لكم ما هو المودع في الاستعداد الفطري لكل واحد منا، من السعادة والشقاوة تعلمون، {مَن تَكُونُ لَهُ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ} [الأنعام: 135]؛ أي: دار النجاة والفلاح، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [الأنعام: 135]، الذين يفسدون الاستعداد الفطري بصرفه في غير محله. ثم أخبر عن إضلال الجهَّال بقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً} [الأنعام: 136]، إلى قوله: {أية : إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ} تفسير : [الأنعام: 139]، الإشارة فيها: إن الله تعالى يشكو عن كافري نعمة الدين، خلقهم وأنعم عليهم بإيجاد الأنعام والحرث وقال: {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً}؛ أي: من جملة ما خلق لهم من الحرث والأنعام نصيباً، {فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ} [الأنعام: 136]، وإن لم يجعلوه خالصاً لله مع أنه تعالى أعطاهم جملته، ثم اتخذوا لله شريكاً، وجعلوا مما أنعم الله به عليهم وأعطاهم نصيباً لشركائهم، {وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا} [الأنعام: 136]، ثم من جهلهم رجحوا جانب الشركاء على الله، {فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ} [الأنعام: 136]، بوجه من الوجوه، {وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ} [الأنعام: 136] من وجوه، {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136] فيما أنعم الله به عليهم بأن يجعلوه لشركائهم، {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} [الأنعام: 137]، من الشيطان والنفس والهوى والدنيا، {لِيُرْدُوهُمْ} [الأنعام: 137]، ويهلكوهم، {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} [الأنعام: 137]، الذي ارتضى لهم الله؛ ليعلموا: إن الذين اتخذوهم شركاء لله وجعلوا لها آلهة فإنهم عدوّ لي، كما قال خليل الله عليه السلام عند التبرؤ عن الشرك: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 77]. وليعلموا: حقيقة، {أية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [المائدة: 55]، {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 137]؛ لهداهم إلى اقتباس النور عند رشاشه على الأرواح بالأصالة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى"تفسير : {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 137]، فإن لنا في ذلك حكمة بالغة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):