Verse. 925 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَجَعَلُوْا لِلہِ مِمَّا ذَرَاَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْاَنْعَامِ نَصِيْبًا فَقَالُوْا ھٰذَا لِلہِ بِزَعْمِہِمْ وَھٰذَا لِشُرَكَاۗىِٕنَا۝۰ۚ فَمَا كَانَ لِشُرَكَاۗىِٕہِمْ فَلَا يَصِلُ اِلَى اؘ۝۰ۚ وَمَا كَانَ لِلہِ فَہُوَ يَصِلُ اِلٰي شُرَكَاۗىِٕہِمْ۝۰ۭ سَاۗءَ مَا يَحْكُمُوْنَ۝۱۳۶
WajaAAaloo lillahi mimma tharaa mina alharthi waalanAAami naseeban faqaloo hatha lillahi bizaAAmihim wahatha lishurakaina fama kana lishurakaihim fala yasilu ila Allahi wama kana lillahi fahuwa yasilu ila shurakaihim saa ma yahkumoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وجعلوا» أي كفار مكة «لله مما ذرأ» خلق «من الحرث» الزرع «والأنعام نصيبا» يصرفونه إلى الضيفان والمساكين ولشركائهم نصيبا يصرفونه إلى سدنتها «فقالوا هذا لله بزعمهم» بالفتح والضم «وهذا لشركائنا» فكانوا إذا سقط في نصيب الله شيء من نصيبها التقطوه أو نصيبها شيء من نصيبه تركوه وقالوا إن الله غني عن هذا كما قال تعالى «فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله» أي لجهته «وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء» بئس «ما يحكمون» حكمهم هذا.

136

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين قبح طريقتهم في إنكارهم البعث، والقيامة ذكر عقيبه أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم، وقلة محصولهم، وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى كلماتهم، فمن جملتها أنهم يجعلون لله من حروثهم، كالتمر والقمح، ومن أنعامهم كالضأن والمعز والإبل والبقر، نصيباً، فقالوا: {هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ } يريد بكذبهم. فإن قيل: أليس أن جميع الأشياء لله فكيف نسبوا إلى الكذب في قولهم: هذا لله؟ قلنا: إفرازهم النصيبين نصيباً لله؛ ونصيباً للشيطان هو الكذب. قال الزجاج: وتقدير الكلام جعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً ودل على هذا المحذوف تفصيله القسمين فيما بعد، وهو قوله: {هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَائِنَا } وجعل الأوثان شركاءهم لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم ينفقونها عليها. ثم قال تعالى: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ } وفي تفسيره وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم نصيباً، وللأوثان نصيباً، فما كان للصنم أنفقوه عليه، وما كان لله أطعموه الصبيان والمساكين، ولا يأكلون منه البتة. ثم إن سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله أخذوه وردوه إلى نصيب الصنم، وقالوا: إنه فقير. الثاني: قال الحسن والسدي: كان إذا هلك ما لأوثانهم أخذوا بدله مما لله، ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله عز وجل. الثالث: قال مجاهد: المعنى أنه إذا انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه، وإن كان على ضد ذلك تركوه. الرابع: قال قتادة: إذا أصابهم القحط استعانوا بما لله ووفروا ما جعلوه لشركائهم. الخامس: قال مقاتل: إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة لها، وقالوا لو شاء زكى نصيب نفسه وإن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة، قالوا لا بد لآلهتنا من نفقة، فأخذوا نصيب الله فأعطوه السدنة، فذلك قوله: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ } يعني من نماء الحرث والأنعام {فَلاَ يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ } يعني المساكين وإنما قال: {إِلَى ٱللَّهِ } لأنهم كانوا يفرزونه لله ويسمونه نصيب الله، وما كان لله فهو يصل إليهم، ثم إنه تعالى ذم هذا الفعل {فَقَالَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ } وذكر العلماء في كيفية هذه الإساءة وجوهاً كثيرة: الأول: أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانب الله تعالى، وهو سفه. الثاني: أنهم جعلوا بعض النصيب لله وجعلوا بعضه لغيره مع أنه تعالى الخالق للجميع، وهذا أيضاً سفه. الثالث: أن ذلك الحكم حكم أحدثوه من قبل أنفسهم، ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع، فكان أيضاً سفهاً. الرابع: أنه لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز النصيب لكل حجر ومدر، الخامس: أنه لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام، ولا قدرة لها أيضاً على الانتفاع بذلك النصيب فكان إفراز النصيب لها عبثاً، فثبت بهذا الوجوه أنه {سَاء مَا يَحْكُمُونَ } والمقصود من حكاية أمثال هذه المذاهب الفاسدة، أن يعرف الناس قلة عقول القائلين بهذه المذاهب، وأن يصير ذلك سبباً لتحقيرهم في أعين العقلاء، وأن لا يلتفت إلى كلامهم أحد ألبتة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً} فيه مسألة واحدة: ويقال: ذرأ يذرأ ذرءاً، أي خلق. وفي الكلام حذف وٱختصار، وهو وجعلوا لأصنامهم نصيباً؛ دلّ عليه ما بعده. وكان هذا مما زيّنه الشيطان وسوّله لهم، حتى صَرَفُوا من مالهم طائفةً إلى الله بزعمهم وطائفةً إلى أصنامهم؛ قاله ٱبن عباس والحسن ومجاهد وقَتادة. والمعنى متقارب. جعلوا لله جزءاً ولشركائهم جزءاً، فإذا ذهب ما لشركائهم بالإنفاق عليها وعلى سَدَنتها عوّضوا منه ما لله، وإذا ذهب ما لله بالإنفاق على الضِّيفان والمساكين لم يعوّضوا منه شيئاً، وقالوا: الله مُستغْن عنه وشركاؤنا فقراء. وكان هذا من جهالاتهم وبزعمهم. والزعم الكذب. قال شُريح القاضي: إن لكل شيء كُنْية وكُنْيةُ الكذب زعموا. وكانوا يكذبون في هذه الأشياء لأنه لم ينزل بذلك شرع. وروى سعيد بن جبير عن ٱبن عباس أنه قال: من أراد أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قوله: «قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ». قال ابن العربيّ: وهذا الذي قاله كلام صحيح، فإنها تصرفت بعقولها العاجزة في تنويع الحلال والحرام سفاهةً بغير معرفة ولا عدل، والذي تصرّفت بالجهل فيه من ٱتخاذ الآلهة أعظمُ جهلاً وأكبرُ جُرْماً؛ فإن الإعتداء على الله تعالى أعظمُ من الاعتداء على المخلوقات. والدليل في أن الله واحد في ذاته واحد في صفاته واحد في مخلوقاته أبْيَنُ وأوضحُ من الدليل على أن هذا حلال وهذا حرام. وقد رُوي أن رجلاً قال لعمرو بن العاص: إنكم على كمال عقولكم ووفور أحلامكم عبدتم الحجر! فقال عمرو: تلك عقول كادها باريها. فهذا الذي أخبر الله سبحانه من سخافة العرب وجهلها أمر أذهبه الإسلام، وأبطله الله ببعثه الرسول عليه السلام. فكان من الظاهر لنا أن نميته حتى لا يَظهر، وننساه حتى لا يُذكر؛ إلا أن ربنا تبارك وتعالى ذكره بنصه وأورده بشرحه، كما ذكر كفر الكافرين به. وكانت الحكمة في ذلك ـ والله أعلم ـ أن قضاءه قد سبق، وحكمه قد نفذ بأن الكفر والتخليط لا ينقطعان إلى يوم القيامة. وقرأ يحيـى بن وثّاب والسُّلَميّ والأعمش والكسائيّ «بزُعمِهم» بضمه الزاي. والباقون بفتحها، وهما لغتان. {فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } أي إلى المساكين. {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي ساء الحُكْم حكمهم. قال ابن زيد: كانوا إذا ذبحوا ما لله ذكروا عليه اسم الأوثان، وإذا ذبحوا ما لأوثانهم لم يذكروا عليه اسم الله، فهذا معنى «فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ». فكان تركهم لذكر الله مذموماً منهم وكان داخلاً في ترك أكل ما لم يذكر ٱسمُ الله عليه.

ابن كثير

تفسير : هذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين الذين ابتدعوا بدعاً وكفراً وشركاً، وجعلوا لله شركاء، وجزءاً من خلقه، وهو خالق كل شيء سبحانه وتعالى، ولهذا قال تعالى: {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} أي: مما خلق وبرأ {مِنَ ٱلْحَرْثِ} أي: من الزرع والثمار {وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً} أي: جزءاً وقسماً، {فَقَالُواْ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا} وقوله: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ}. قال علي بن أبي طلحة والعوفي: عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثاً، أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءاً، وللوثن جزءاً، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان، حفظوه وأحصوه، وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد، ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن، فسقى شيئاً جعلوه لله، جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شيء من الحرث والثمرة التي جعلوا لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن قالوا هذا فقير، ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله، فسقى ما سمي للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه قربة لله، فقال الله تعالى: {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً} الآية، وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية: كل شيء يجعلونه لله؛ من ذبح يذبحونه، لا يأكلونه أبداً حتى يذكروا معه أسماء الآلهة، وما كان للآلهة، لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي: ساء ما يقسمون، فإنهم أخطؤوا أولاً في القسم؛ لأن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه، وله الملك، وكل شيء له وفي تصرفه، وتحت قدرته ومشيئته، لا إله غيره، ولا رب سواه، ثم لما قسموا فيما زعموا القسمة الفاسدة، لم يحفظوها، بل جاروا فيها؛ كقوله جل وعلا: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} تفسير : [النحل: 57] وقال تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الزخرف: 15] وقال تعالى: { أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ } تفسير : [النجم: 21] وقوله: {أية : تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} تفسير : [النجم: 22].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَجَعَلُواْ } أي كفار مكة {لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ } خلق {مِنَ ٱلْحَرْثِ } الزرع {وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً } يصرفونه إلى الضيفان والمساكين ولشركائهم نصيباً يصرفونه إلى سدنتها {فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ } بالفتح والضم {وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا } فكانوا إذا سقط في نصيب الله شيء من نصيبها التقطوه، أو في نصيبها شيء من نصيبه تركوه وقالوا: إنّ الله غنيّ عن هذا، كما قال تعالى {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ } أي لجهته {وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ سَاءَ } بئس {مَا يَحْكُمُونَ } حكمهم هذا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً}.. {مِمَّا ذَرَأَ} مما خلق، مأخوذ من الظهور، ومنه قيل ملح ذُرْ أي لبياضه، وقيل لظهور الشيب ذُرْأَة، والحرث: الزرع، والأنعام: الإبل والبقر والغنم، مأخوذ من نعمة الوطء. وهذا إخبار منه عن كفار قريش ومن تابعهم من مشركي العرب، كانوا يجعلون لله في زروعهم ومواشيهم نصيباً، ولأوثانهم وأصنامهم نصيباً، فجعل الله أوثانهم شركاءهم؛ لأنهم قد أشركوهم في أموالهم بالنصيب الذي قد جعلوه فيها لهم، ونصيبهم في الزرع جزء منها يجعلونه مصروفاً في النفقة عليها وعلى خدامها. وفي نصيبهم من الأنعام ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كنصيبهم من الزرع مصروف في النفقة عليها وعلى خدامها. والثاني: أنه قربان لأوثانهم كانوا يتقربون به إليها. والثالث: أنه البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. ثم قال تعالى: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِم فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ} فاختلف أهل التأويل في المراد بذلك على أربعة أوجه: أحدها: أنه كان إذا اختلط بأموالهم شيء مما جعلوه لأوثانهم، ردوه، وإذا اختلط بها ما جعلوه لله لم يردوه، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: أنه كان إذا هلك ما لأوثانهم غرموه، وإذا هلك ما لله لم يغرموه، قاله الحسن، والسدي. والثالث: أنهم كانوا يصرفون بعض ما جعلوه لله في النفقة على أوثانهم ولا يفعلون مثل ذلك فيما جعلوه لأوثانهم، قاله بعض المتأخرين. والرابع: أن كل شيء جعلوه لله من ذبائحهم لم يأكلوه حتى يذكروا عليه اسم أوثانهم، ولا يذكرون اسم الله فيما جعلوه لأوثانهم، قاله ابن زيد.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {جعلوا} عائد على كفار العرب العادلين بربهم الأوثان الذين تقدم الردعليهم من أول السورة، و {ذرأ} معناه خلق وأنشأ وبث في الأرض، يقال ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءاً وذروءاً أي خلقهم، وقوله وجعلوا من كذا وكذا نصيباً يتضمن بقاء نصيب آخر ليس بداخل في حكم الأول، فبينه بقوله: {فقالوا هذا لله وهذا لشركائنا} ، ثم اعترضهم أثناء القول بأن ذلك زعم وتقول، والزعم في كثير كلام العرب أقرب إلى غير اليقين والحق، يقال "زَعم" بفتح الزاي وبه قرأت الجماعة، "وزُعم" بضمها، وقرأ الكسائي وحده في هذه الآية "زِعم" بكسر الزاي، ولا أحفظ أحداً قرأت به و {الحرث} في هذه الآية يريد به الزرع والأشجار وما يكون من الأرض، وقوله {لشركائنا} يريد به الأصنام والأوثان، وسموهم شركاء على معتقدهم فيهم أنهم يساهمونهم في الخير والشر ويكسبونهم ذلك، وسبب نزول هذه الآية أن العرب كانت تجعل من غلاّتها وزرعها وثمارها ومن أنعامها جزءاً تسميه لله وجزءاً تسميه لأصنامها، وكانت عادتها التحفي والاهتبال بنصيب الأصنام أكثر منها بنصيب الله إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فقر وليس ذلك بالله فكانوا إذا جمعوا الزرع فهبت الريح فحملت من الذي لله إلى الذي لشركائهم أقروه، وإذا حملت من الذي لشركائهم إلى الله ردوه. وإذا تفجر من سقي ما جعلوا لله في نصيب شركائهم تركوه، وإن بالعكس سدوه، وإذا لم يصيبوا في نصيب شركائهم شيئاً قالوا لا بد للآلهة من نفقة فيجعلون نصيب الله تعالى في ذلك. قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم أنهم كانوا يفعلون هذا ونحوه من الفعل وكذلك في الأنعام وكانوا إذا أصابتهم السنة أكلوا نصِيب الله وتحاموا نصيب شركائهم، وقوله تعالى: {فما كان لشركائهم} الآية قال جمهور المتأولين إن المراد بقوله {فلا يصل} وقوله {يصل} ما قدمنا ذكره من حمايتهم نصيب آلهتهم في هبوب الريح وغير ذلك، وقال ابن زيد إنما ذلك في أنهم كانوا إذا ذبحوا لله ذكروا آلهتهم على ذلك الذبح وإذا ذبحوا لآلهتهم لم يذكروا الله، فكأنه قال "فلا يصل" إلى ذكر الله وقال فهو "يصل" إلى ذكر شركائهم، و {ما} في موضع رفع كأنه قال ساء الذي يحكمون، ولا يتجه عندي أن يجري هنا {ساء} مجرى نعم وبئس لأن المفسر هنا مضمر ولا بد من إظهاره باتفاق من النحاة، وإنما اتجه أن تجري مجرى بئس في قوله {أية : ساء مثلاً القوم} تفسير : [الأعراف:177]. لأن المفسر ظاهر في الكلام.

ابن عبد السلام

تفسير : {ذَرَأَ} خلق، من الظهور، ملح ذرآني لبياضه، وظهور الشيب ذرأة. {الْحَرْثِ} الزرع {وَالأَنْعَامِ} الإبل والبقر والغنم من نعمة الوطء. كان كفار قريش ومتابعوهم يجعلون الله ـ تعالى ـ في زرعهم ومواشيهم نصيباً، ولأوثانهم نصيباً، يصرفون نصيبها من الزرع إلى خدامها وفي الإنفاق عليها، وكذلك نصيبهم من الأنعام، أو يتقربون بذبح الأنعام للأوثان، أو البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. {فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ} سماهم شركاءهم، لأنهم أشركوهم في أموالهم، كان إذا اختلط بأموالهم شيء مما للأوثان ردّوه، وإن اختلط بها ما جعلوه لله لم يردّوه، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ، أو إذا هلك ما لأوثانهم غرموه وإذا هلك ما لله ـ تعالى ـ لم يغرموه، أو صرفوا بعض ما لله ـ تعالى ـ على أوثانهم ولا عكس، أو ما جعلوه لله ـ تعالى ـ من ذبائحهم لا يأكلونه حتى يذكروا عليه اسم الأوثان ولا عكس.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ}، يعني: مشركي العربِ الذين تقدَّم الردُّ عليهم من أول السورة، و {ذَرَأَ}: معناه: خلَق وأنشأَ وبَثَّ، وسبَبُ نزول هذه الآية أنَّ العرب كانَتْ تجعل من غَلاَّتها وزُرُوعها وثمارها وأنعامها جُزْءاً تسميِّه للَّه، وَجْزْءاً تسميه لأصنامها، وكانت عادتها التحفِّي والاهتبال بنَصيبِ الأصنام أكْثَرَ منها بنصيب اللَّهِ؛ إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فَقْر، وليس ذلك باللَّه سبحانه، فكانوا إذا جمعوا الزَّرْعَ، فهبَّت الريحُ، فحملَتْ مِنَ الذي للَّه إلى الذي لشركائِهِمْ، أقروه، وإذا حملَتْ من الذي لشركائِهِمْ إلى الذي للَّه، ردُّوه، وإذا لم يُصِيبُوا في نصيبِ شركائهم شيئاً، قالوا: لا بُدَّ للآلهة مِنْ نفقةٍ، فيجعلون نصيب اللَّه تعالَىٰ في ذلك؛ قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهدٌ والسديُّ وغيرهم؛ أنهم كانوا يفعلُونَ هذا ونحوه من الفعْلِ؛ وكذلك في الأنعامِ؛ كانوا إذا أصابتهم السَّنَةُ، أكلوا نصيبَ اللَّه، وتحامَوْا نصيبَ شركائهم. وقوله سبحانه: {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ}، الكثير هنا يرادُ به مَنْ كان يَئِدُ مِنْ مشركي العرب، والشركاء؛ ههنا: الشياطين الآمِرُونَ بذلك، المزيِّنون له، والحاملون عليه أيضاً من بني آدم، ومقصد الآية الذمُّ للوأْد والإنْحَناءُ علَىٰ فَعَلَته، و {لِيُرْدُوهُمْ }: معناه: ليهلكوهم من الرَّدَىٰ، و {لِيَلْبِسُواْ}: معناه: ليخلِّطلوا. وقوله سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} يقتضي أن لا شيء إلا بمشيئة اللَّه عزَّ وجلَّ، وفيها ردٌّ علَىٰ من قال بأن المرء يَخْلُقُ أفعاله، وقوله: {فَذَرْهُمْ}: وعيدٌ محضٌ. وقوله سبحانه: {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَـٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} الآيةُ تتضمَّن ما شرعوه لأنفسهم وٱلتزموه على جهة القربة كذباً منهم على اللَّه سبحانه، و {حِجْرٍ}: معناه: التحجيرُ، وهو المنعُ والتحريمُ، {وَأَنْعَـٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا}: قال جماعةٌ من المفسِّرين: إنَّهم كانت لهم سُنَّة في أنعامٍ مَّا؛ ألاَّ يُحَجُّ عليها، فكانَتْ تُرْكَبُ في كلِّ وجه إلا في الحَجِّ، وقالت فرقة: بل ذلك في الذبائحِ، جعلوا لآلهتهم نصيباً منها لا يذكُرُونَ اللَّه علَىٰ ذبحها.

ابن عادل

تفسير : لما بيَّن قُبح طريقهم في إنْكَار البَعْثِ، ذكر بعْده أنواعاً من جهالتِهم؛ تنبيهاً على ضَعْفِ عُقُولهم وتَنْفِيراً للعُقلاء عن الالْتِفَات إلى كَلِمَاتِهِم، فمن جملتها أن يَجْعَلُوا لله من حَرْثِهِم ومن أنْعَامِهِم نَصِيباً. و"جَعَل" هنا بمعنى "صيَّر" فيتعدَّى لاثْنَيْن: أولهما: "نَصِيباً"، والثاني: قوله "لِلَّه" و "ممَّا ذَرَأ" يجُوز أن يتعلَّق بـ "الجَعْل" وأن يتعلَّق بمحذُوف؛ لأنه كان في الأصْلِ صِفَة لـ "نَصِيباً" فلما قُدِّم عليه انْتَصب حالاً، والتقدير: وجَعَلُوا نصيباً ممَّا ذَرَأ [اللَّه] و "مِنْ الحَرْثِ" يجُوز أن يكُون بدلاً "ممَّا ذَرَأ" بإعادة العَامِل؛ كأنه قيل وجعلُوا لِلَّه من الحَرْث والأنْعَام نَصِيباً، ويجُوز أن يتعلَّق بـ "ذَرَأ" وأن يتعلَّق بمَحْذُوفٍ على أنه حال: إمَّا من "مَا" الموصُولة، وأو مِنْ عَائِدِها المحْذُوف، وفي الكلام حَذْف مَفْعُول اقْتَضَاه [التقْسِيم]، والتقدير: وجَعَلُوا للَّه نَصيباً من كذا، ولشُركَائِهِم نَصيباً منه يدلُّ عليه ما بَعْدَه من قوله: {فَقَالُواْ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا} [و "هذا لِلَّه" جملة مَنْصُوبة المَحَلِّ بالقولِ، وكذلك قوله: "وهَذَا لِشُرَكَائِنَا"] وقوله: "بزَعْمِهِم" فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بـ "قَالُوا" أي: فقالُوا ذلك القَوْل بزَعْم لا بيقينٍ واسْتِبْصَار. وقيل: هو متعلِّق بما تعلَّق به الاسْتِقْرَار من قوله: "لِلَّهِ". وقرأ العامَّة بفتح الزَّاي من "زَعْمِهِم" في الموْضِعَيْن، وهذه لغة الحِجَازِ وهي الفُصْحَى، وقرأ الكَسَائيّ: "بِزُعْمِهِم" بالضَّمِّ وهو لُغة بني أسَد، وهل الفَتْح والضَّمُّ بمعْنًى واحد، أو المفْتُوح مَصْدَر والمضْمُوم اسْم؟ خلاف مشهور. وقرأ ابن أبي عبلة "بزعَمِهِم" بفتح الزَّاي والعين. وفيه لُغَةٌ رابِعَةٌ لبعض قَيْس، وبني تَميم وهي كَسْر الزَّاي، ولم يُقْرأ بِهَذِه اللُّغة فيما علمنا، وقد تقدَّم تَحْقِيقُ "الزَّعْم" [في النساء آية 60]. وقوله: "لِشُرَكَائِنَا" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن الشُّركَاء من الشِّرْك، ويعنون بهم: آلِهَتَهُم التي أشْركُوا بَيْنَها وبين البَاري - تعالى - في العِبادة، وليست الإضَافةُ إلى فاعِل ولا إلى مَفْعُولٍ، بل هي إضافَة تَخْصِيص، والمعْنَى: الشركاء الذين أشْركُوا بَيْنَهُم وبين الله - تعالى - في العِبَادة. والثاني: أن الشُّركاء من الشركةِ، ومعنى كَوْنِهم سَمُّوا آلِهَتَهُم شُرَكَاءهُم: أنهم جَعَلُوهم شُرَكَاء في أمْوَالِهِم، وزُرُوعِهِم، وأنْعَامهم، ومَتَاجِرِهم وغير ذلك، فتكون الإضافَةُ إضافَة لَفْظِيَّة: إما إلى المفعُول أي: شُرَكَائِنا الَّذِين شَارَكُونا في أمْوَالِنَا، وإما إلى الفَاعِل، أي: الَّذِين أشْرَكْنَاهُم في أمْوَالِنا. فصل في المراد بالآية قال ابن عبَّاس: كان المُشْرِكُون يَجْعَلُون لله من حُرُوثِهِم وأنْعَامِهِم نَصيباً، وللأوْثَان نَصِيباً، فما كان للصَّنَم أنْفَقُوه على الأصْنَامِ وحدها، وما جعلوه للَّه أطْعَمُوه الضِّيفَان والمسَاكِين، ولا يأكُلُون مه ألْبَتَّة، وإن سقط من نَصِيب الأوْثَان فيما جَعَلُوه لله؛ ردّوه إلى الأوْثَانِ، وقالوا: إنَّها مُحْتَاجَة، وإن سقط شَيءٌ مما جَعَلُوه للّه في نَصيب الأوْثَانِ، تركُوهُ وقالوا: إنَّ اللَّه غَنِيُّ عن هذا. وقال الحسن والسُّدِّي: كان إذا هَلَك وانْتَقَص شيء ممَّا جعلُوه للأصْنَامِ خَيَّروه بما جَعَلُوه للَّه ولا يَفْعَلُون مِثْلَ ذلك فيما للَّه - عزَّ وجلَّ -. وقال مجاهد: المَعْنَى: انه إذا انْفَجَر من سَقْي ما جعلُوه للشَّيْطان في نَصِيب الله - تعالى - سَدُّوه، وإن كان على ضِدِّ ذلِك، تركوه. وقال قتادة: إذا أصَابَهُم القَحْط، استَعَانُوا باللَّه ووفَّرُوا ما جَعَلُوه لشُرَكَائهم. وقال مقاتل: إن زَكَا ونما نَصِيبُ الآلِهَة، ولم يَزْكُ نصيب اللَّهِ، تركوا نَصِيب الآلِهَة، وإن زكَا نَصِيبُ اللَّه ولَمْ يَزْكُ نَصيب الآلهة، أخذوا نَصِيبَ اللَّه - تعالى - وقالوا: لا بُدَّ لآلِهَتِنَا من نفقةٍ، فأخذوا نَصِيبٌ اللَّهِ فأعطوه السَّدَنَة، فذلك قوله: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ}، يعني: من نماء الحَرْث والأنْعَام، فلا يَصل إلى اللَّه - تعالى - يعني: إلى المَسَاكين، وإنَّما قال: إلى اللَّه؛ أنهم كَانُوا يَفْرِزُونَه للَّه - تعالى - ويسمونهُ نَصِيب اللَّه، وما كان للَّه فَهُو يَصِل إليهم. قوله: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} قد تَقَدَّم نَظِيرُه، وقد أعْرَبَها الحُوفِي هُنَا، فقال: "ما" بمعنى الَّذي، والتقدير: ساء الَّذِي يحْكُمُون حُكْمهم، فيكون "حُكْمُهُم" مبتدأ وما قَبْلَه الخبر، وحذف لدلالة "يَحْكُمُون" عليه ويجُوز أن تكون "ما" تَمْييِزاً، على مَذْهَبِ من يُجِيز ذلك في "بِئْسَمَا" فتكون في مَوْضع نَصْبٍ، التقدير: ساء حُكْماً حُكْمُهُم، ولا يكون "يَحْكُمُون" صِفَة لـ "مَا" لأن الغرضَ الإبْهَام، ولكن في الكلامِ حَذْف يدلُّ عليه "مَا" والتقدير: ساء ما يَحْكُمُون فحذف "ما" الثانية. قال شهاب الدِّين: و "ما" هذه إن كانت مَوْصُولة، فمذْهَبُ البَصْريِّين أن حَذْف الموصُول لا يجُوز وقد عُرَِف ذلك، وإن كانَتْ نكرة موْصُوفة، فَفِيه نَظَر؛ لأنه لم يُعْهَدْ حَذْفُ "مَا" نَكِرة مَوْصُوفة. وقال ابن عطية: و "مَا" في مَوْضع رَفْع؛ كأنه قال: سَاءَ الذي يَحْكُمُون ولا يَتِّجِه عِنْدِي أن تَجْري "سَاءَ" هنا مُجْرَى "نِعْم" و "بِئْسَ"؛ لأن المفسِّر هنا مُضْمَر، ولا بُد من إظْهَارِهِ باتِّفَاق من النُّحاة وإنَّما اتَّجَه أن يَجْرِي مُجْرى "بِئْسَ" في قوله: {أية : سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ} تفسير : [الأعراف:177] لأن المفسِّر ظاهر في الكلام. قال أبو حيَّان: "وهذا كلامٌ من لم تَرْسَخْ قدمُهُ في الغربيَّة، بل شذَّ فيها شَيْئاً يسيراً؛ لأنه إذا جَرَت "سَاءَ" مَجْرَى "بِئْسَ" كان حُكْمُها كحكْمِها سواءً لا يَخْتَلِفُ في شيء ألْبَتَّة من فَاعِل ظاهِر أو مُضمَر، أو تمييز ولا خلاف في جواز حَذْفِ المخْصُوصُ بالمَدْحِ أو الذَّمِّ، والتمييز بها لِدلالة الكلام عليه". فقوله: "لأن المفسِّر هنا مُضْمَر، ولا بُدَّ من إظْهَار باتِّفَاق" قوله سَاقِط ودعْوَاه الاتِّفاق على ذلك - مع أن الاتِّفاق على خلافه - عجبٌ عُجابٌ.

البقاعي

تفسير : ولما تمت هذه الآيات من قبح طريقتهم في إنكار البعث وحسن طريقة الإسلام على هذا الأسلوب البديع والمثال البعيد المنال الرفيع وختمت بحال الظالم، شرع في تفصيل قوله {أية : أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض} تفسير : [الأنعام: 14] على أسلوب آخر ابتدأه ببيان ظلمهم وجهالاتهم وأباطيلهم تنبيهاً على سخافة عقولهم تنفيراً عنهم بوضعهم الأشياء في غير مواضعها وإخراجها عمن هي له ونسبتها إلى من لا يملك شيئاً وقتل الأولاد وتسييب الأنعام وغير ذلك، فقال عاطفاً على {أية : وجعلوا لله شركاء الجن} تفسير : [الأنعام: 100]: {وجعلوا} أي المشركون العادلون بربهم الأوثان {لله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له {مما ذرأ} أي خلق وأنشأ وبث ولم يشركه في خلقه أحد {من الحرث والأنعام نصيباً} أي وجعلوا لشركائهم نصيباً؛ ولما كان الجعل لا يعرف إلا بالقول، سبب عنه قوله: {فقالوا} أي بألسنتهم بعد أن قالوا بأفئدتهم {هذا لله} أي الملك الأعلى {بزعمهم} أي ادعائهم الباطل وتصرفهم بكذب ادعائهم التخصيص بالله، ولذا أسقط الزعم من قوله: {وهذا لشركائنا} أي وليس لهم سند في هذه القسمة إلا أهوائهم. ولما كان هذا سفهاً بتسويتهم من لا يملك شيئاً بمن يملك كل شيء، بين من فعلهم ما هو أشد سفهاً منه بشرح ما لوح إليه التعبير بالزعم فقال مسبباً عن ذلك ومفرعاً: {فما كان لشركائهم} أي بزعمهم أنهم شركاء {فلا يصل إلى الله} أي الذي هو المالك مع اتصافه بصفات الجلال والجمال {وما كان لله} أي على ما له من الكبر والعظمة والجلال والعزة {فهو يصل إلى شركائهم} فإذا هلك ما سموا لشركائهم أو أجدب وكثر ما لله قالوا: ليس لآلهتنا بد من نفقة، فأخذوا ما لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر ما لآلهتهم قالوا: لو شاء الله لأزكى الذل له، فلا يردون عليه شيئاً مما للآلهة. ولما بلغ هذا غاية السفه قال: {ساء ما يحكمون *} أي حكمهم هذا أسوأ حكم؛ ذكر الإمام أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي في سيرته في وفد خولان أنه كان لهم صنم يسمى عم أنس، وأنهم لما وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا له أنهم كانوا يجعلون من أنعامهم وحروثهم جزءاً له وجزءاً لله بزعمهم، قالوا: كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه فنسميه له ونسمي زرعاً آخر حجرة لله عزّ وجلّ، فإذا مالت الريح بالذي سميناه لله جعلناه لعم أنس، وإذا مالت الريح بالذي جعلناه لعم أنس لم نجعله لله، فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عزّ وجلّ أنزل عليه في ذلك {وجعلوا لله} الآية، قالوا: وكنا نتحاكم إليه فيتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : تلك الشياطين تكلمكمتفسير : ، قالوا: فأصبحنا برسول الله وقلوبنا تعرف أنه كان لا يضر ولا ينفع ولا يذري من عبده ممن لم يعبده. وقال ابن هشام في مقدمة السيرة إنهم كانوا يقسمون له، فما دخل في حق عم أنس من حق الله الذي سموه له تركوه له، وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه، قال: وهم بطن من خولان يقال لهم الأديم؛ وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن قتادة قال: كانوا يعزلون من أموالهم شيئاً فيقولون: هذا لله وهذا لأصنامهم، فإن ذهب شيء مما جعلوا لشركائهم يخالط شيئاً مما جعلوه ردوه، وإن ذهب شيء مما جعلوه لله يخالط شيئاً مما جعلوه لشركائهم تركوه، وإن أصابتهم سنة أكلوا مما جعلوا لله وتركوا ما جعلوا لشركائهم، فقال عزّ وجلّ {ساء ما يحكمون} وقال البغوي: كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما جعلوه لله صرفوه للضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان وقالوا: إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه لله. ولما كان هذا متضمناً لأنهم نقصوا أموالهم بأنفسهم في غير طائل فجعلوها لمن لا يستحقها، نبه تعالى على أن ذلك تزيين من أضلهم من الشياطين من سدنة الأصنام وغيرهم من الإنس ومن الجن المتكلمين من أجواف الأصنام وغيرهم، فقال منبهاً على أنهم زينوا لهم ما هو أبين منه {وكذلك} أي ومثل ما زين لجميع المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم شركاؤهم {زين لكثير من المشركين}. ولما كان المزين لخسته أهل لأن لا يقبل تزيينه ولا يلتفت إليه، فكان امتثال قوله غريباً، وكان الإقدام على فعل الأمر المزين أشد غرابة، قدمه تنبيهاً على ذلك فقال: {قتل أولادهم} أي بالوأد خشية الإملاق والنحر لآلهتهم، وشتان بين من يوجد لهم الولد ويرزقه والرزق ويخلقه وبين من لا يكون إلا سبباً في إعدامه؛ ولما كان في هذا غاية الغرابة تشوفت النفس إلى فاعل التزيين فقال: {شركاؤهم} أي وهم أقل منهم بما يخاطبون به من أجواف الأصنام وبما يحسن لهم السدنة والأهوية بسبب الأصنام. ولما كان هذا أمراً معجباً، كان الأمر في قراءة ابن عامرالمولود في زمان النبي صلى الله عليه وسلم المشمول ببركة ذلك العصر الآخذ عن جلة من الصحابة الموصوف بغزارة العلم ومتانة الدين وقوة الحفظ والضبط وحجة النقل في إسناد الفعل إلى الشركاء بإضافة المصدر إلى فاعله أعجب، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول - وهو الأولاد - لأن وقوع القتل فيهم كما تقدم أعجب. ولما كان ذلك ربما كان لفائدة استهين لها هذا الفعل العظيم، ذكر أنه ليس له فائدة إلا الهلاك في الدنيا والدين الذي هو هلاك في الآخرة ليكون ذلك أعجب فقال: {ليردوهم} أي ليهلكوهم هلاكاً لا فائدة فيه بوجه {وليلبسوا} أي يخلطوا ويشبهوا {عليهم دينهم} أي وهو دين إبراهيم الذي أمره الله بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام فما أقدم عليه إلاّ بأمر الله ثم إنه فداه ولم يمض ذبحه، فخالف هؤلاء عن أمر الشركاء الأمرين معاً فجمعوا لهم بذلك بين إهلاكين: في النفس والدين، فان القتل في نفسه عظيم جداً، ووقوعه تديناً بغير أصل ولا شبهة أعظم، فلا أضل ممن تبع من كان سبباً لإهلاك نفسه ودينه. ولما كان العرب يدعون الأذهان الثاقبة والأفكار الصافية والآراء الصائبة والعقول الوافرة النافذة، ذكر لهم ذلك على سبيل التعليل استهزاء بهم، يعني أنهم فعلوا ذلك لهذه العلة فلم يفطنوا بهم ولم يدركوا ما أرادوا بكم مع أنهم حجارة، فأنتم أسفل منهم؛ ولما أثبت للشركاء فعلاً هو التزيين، وكان قد نفي سابقاً عنهم وعن سائر أعداء الأنبياء الاستقلال به، وأناط الأمر هناك - لأن السياق للأعداء - بصفة الربوبية المقتضية للحياطة والعناية، وكان الكلام هنا في خصوص الشركاء، علق الأمر باسم الذات الدال على الكمال المقتضي للعظمة والجبروت والكبر وسائر الأسماء الحسنى على وجه الإحاطة الجلال فقال: {ولو شاء الله} أي بما له من العظمة والإحاطة بجميع أوصاف الكمال المقتضية للعلو عن الأنداد والتنزه عن الشركاء والأولاد أن لا يفعله المشركون {ما فعلوه} أي ذلك الذي زين لهم، بل ذلك إنما هو بإرادته ومشيئه احتراساً من ظن أنهم يقدرون على شيء استقلالاً، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخفيفاً، وأكد التسلية بقوله: {فذرهم وما يفترون *} أي يتقولون من الكذب ويتعمدونه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {وجعلوا لله مما ذرأ} الآية. قال: جعلوا لله من ثمارهم ومائهم نصيباً وللشيطان والأوثان نصيباً، فأن سقط من ثمرة ما جعلوا لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مما جعلوا للشيطان في نصيب الله ردوه إلى نصيب الشيطان، فإن انفجر من سقى ما جعلوا لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن انفجر من سقى ما جعلوا للشيطان في نصيب الله سرحوه، فهذا ما جعل لله من الحرث وسقي الماء، وأما ما جعلوه للشيطان من الأنعام فهو قول الله {أية : ما جعل الله من بحيرة}تفسير : [المائدة: 103] الآية . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً} الآية. قال: كانوا إذا احترثوا حرثاً أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منه جزأ وجزأ للوثن، فما كان من حرث أو ثمرة، أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، فإن سقط منه شيء مما سمي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقي شيئاً مما جعلوه لله جعلوه للوثن وإن سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله فاختلط بالذي جعلوه للوثن قالوا: هذا فقير ولم يردوه إلى ما جعلوا لله، وإن سبقهم الماء الذي سموا لله فسقي ما سموا للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أنعامهم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، فيجعلونه للأوثان ويزعمون أنهم يحرمونه لله . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث} قال: يسمون لله جزأ من الحرث، ولشركائهم وأوثانهم جزأ فما ذهبت به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم وتركوه وقالوا: إن الله عن هذا غني، وما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه، والأنعام التي سموا لله: البحيرة والسائبة .

القشيري

تفسير : لما بَنَوا قاعدة أمرِهم على موجب الهوى صارت فروعُهم لائقةً بأصولهم؛ فهو كما قيل: شعر : إذا كان القضاءُ إلى ابن آوى فتعويل الشهود إلى القرود

اسماعيل حقي

تفسير : {وجعلوا} اى مشركوا العرب {لله مما ذرأ} اى خلق {من الحرث} اى الزرع {والانعام نصيبا} ولشركائهم ايضا نصيبا {فقالوا هذا} النصيب {لله بزعمهم} اى بادعائهم الباطل من غير ان يكون ذلك بامر الله تعالى {وهذا لشركائنا} اى آلهتنا التى شاركونا فى اموالنا من المتاجر والزروع والانعام وغيرها فهو من الشركة لا من الشرك والاضافة الى المفعول ـ روى ـ انهم كانوا يعينون شيأ من الحرث والنتاج لله ويصرفونه الى الضيفان والمساكين وشيئا منهما لآلهتهم وينفقونه على سدنتها ويذبحونه عندها ثم ان رأوا ما عينو الله ازكى رجعوا وجعلوه لآلهتهم وان رأوا ما لآلهتهم ازكى تركوه معتلين بان الله تعالى غنى وما ذلك الا لحب آلهتهم وايثارهم لها {فما كان لشركائهم} من نماء الحرث والانعام {فلا يصل الى الله} اى الى المساكين والاضياف وقالوا لو شاء الله زكى نصيب نفسه {وما كان لله} من ذلك النماء {فهو يصل الى شركائهم} بذبح النسائك عندها والاجراء على سدنتها لانهم اذا لم ينم نصيب الآلهة يبدلون ذلك النامى الذى عينوه لله تعالى ويجعلونه لآلهتهم {ساء ما يحكمون} اى ساء الذى يحكمون حكمهم فيما فعلوا من ايثار آلهتهم على الله تعالى وعملهم بما لم يشرع لهم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وجعلوا} أي: مشركو العرب، {لله مما ذرأ} أي: خلق، {من الحرث والأنعام نصيبًا}، وهم حي من خولان، يقال لهم: الأديم، كانوا يجعلون من زروعهم وثمارهم وأنعامهم نصيبًا، {فقالوا هذا لله بزعمهم} أي: بدعواهم من غير دليل، وأكثر ما يستعمل الزعم في الكذب، {وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يَصِلُ إلى الله وما كان لله فهو يَصِلُ إلى شركائهم}. رُوِي أنهم كانوا يُعينون شيئًا من حرث أو نتاج إلى الله، فيصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وشيئًا منها إلى آلهتهم، فينفقونه على سدنتهم ـ أي: خدَّامهم، والقيام بأصنامهم، ويذبحون عندها، ثم إذا رأوا ما عينوا لله أزكى وأكثر، بدلوه لآلهتهم وقالوا: الله غني عنه، وإذا رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها؛ حبًا لآلهتهم، وإذا هبت ريح فحملت شيئًا من الذي لله إلى الذي للأصنام أقروه، وإن حملت شيئًا من الذي للأصنام إلى الذي لله ردوه، وإذا أصابتهم سَنَةٌ، أكلوا نصيب الله وتحاموا نصيب شركائهم، تعظيمًا لها. وفي قوله: {مما ذرأ}: تنبيه على فرط جهالتهم، فإنهم أشركوا الخالق في خلقه، جمادًا لا يقدر على شيء، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له، وفي قوله: {بزعمهم}: تنبيه على أن ذلك مما اخترعوه، ولم يأمرهم الله تعالى به. {ساء} أي: قبح، {ما يحكمون} حكمهم هذا الذي اخترعوه من عند أنفسهم. الإشارة: مما ينخرط في سلك الآية. وتجر ذيلها عليه، ما يفعله بعض الناس من التساهل في حقوق الله الواجبة، والمسارعة إلى حقوق الناس التي ليست بواجبة عليه، فترى بعض العوام يقدمون مد أبي العباس السبتي، ويتساهل في الزكاة، وترى بعض الناس يُسارع إلى إطعام الطعام وقرى الأضياف، وهو لا يفي زكاته. وبعضهم يجعلون للصالحين شيئًا من أموالهم لتصلح وتنمو ويعتني بشأنها، وقد لا يعتني بزكاته ولا يخرجها، وهذا كله شعبة من فعل أهل الشرك، وعلامة اتباع الهوى. وبالله التوفيق. ثم ذكر نوعاً آخر من كفرهم، فقال: {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}.

الطوسي

تفسير : قرأ الكسائي {بزعمهم} بضم الزاي في الموضعين. الباقون بفتحها. وفي الزعم ثلاث لغات: الفتح والضم، والكسر مثل فتك وفتك وفتك. وقبل وقبل وقبل. وَوِدَّ ووَدَّ وُودَّ. ولم يقرأ بالكسر احد. فالفتح لغة اهل الحجاز، والضم لغة تميم، والكسر لغة بعض بني قيس. اخبر الله تعالى عن الكفار الذين تقدم وصفهم أنهم يجعلون شيئا من أموالهم لله وشيئا لشركائهم تقربا اليهما، من جملة ما خلقه الله واخترعه، لان الذرأ هو الخلق على وجه الاختراع، واصله الظهور، ومنه ملح ذَرآني وذِرآني، لظهور بياضة. والذرأة ظهور الشيب. قال الراجز: شعر : وقد علتني ذَرأة بادي بدي وَرِيثة تنهض في تشددي تفسير : يقال: ذرأ الله الخلق يذرأهم ذرءاً وذروا. ويقال: ذرئت لحيته ذرءاً اذا شابت. ومنه طعنه فأذراه - غير مهموز - اذا ألقاه، وذرت الريح التراب تذروه ذروا اذا أبادته، وذروة كل شيء أعلاه. و {الحرث} الزرع و {الحرث} الارض التي تثار للزرع، ومنه حرثها يحرثها حرثا، ومنه قوله {أية : نساؤكم حرث لكم}تفسير : لان المرأة للولد كالارض للزرع و {الأنعام} المواشي من الابل والبقر والغنم، مأخوذ من نعمة الوطىء، ولا يقال لذوات الحافر: أنعام. وانما جعلوا الاوثان شركاءهم، لانهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونه عليها فشاركوها في نعمهم. وقوله {فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس وقتادة: انه اذا اختلط شيء مما جعلوه لاوثانهم بشيء مما جعلوه لله ردوه الى ما لاوثانهم، واذا اختلط بشيء مما جعلوه لله لم يردوه الى ما لله. الثاني - قال الحسن والسدي: كان اذا هلك الذي لاوثانهم أخذوا بدله مما لله، ولا يفعلون مثل ذلك في ما لله (عز وجل). الثالث - قال ابو علي: انهم كانوا يصرفون بعض ما جعلوه لله في النفقة على اوثانهم، ولا يفعلون مثل ذلك فيما جعلوه للاوثان. وقوله {ساء ما يحكمون} فيه قولان: احدهما - قال الزجاج: تقديره ساء الحكم حكمهم، فيكون على هذا موضع (ما) رفعا. وقال الرماني: يجوز ان يكون موضع (ما) نصبا وتقديره ساء حكما حكمهم.

الجنابذي

تفسير : {وَجَعَلُواْ للَّهِ} بيانٌ لظلمهم وعطف باعبتار المعنى اى انّهم ظلموا او جعلوا لله {مِمَّا ذَرَأَ} اى خلق {مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ} من غير حجّةٍ وسلطانٍ {وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا} يعنى اصنامهم {فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ} لانّ الوصول الى الله لا يكون الاّ اذا كان الصّدور ايضاً من الله وليس لهم لطيفة آلهيّة تصير سبباً لان يكون الصّدور من الله {وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ} لما ذكر {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} بتشريك المخلوق للخالق وجعل النّصيب من المخلوق للخالق من غير امرٍ منه، روى انّهم كانوا يعيّنون شيئاً من حرثٍ ونتاجٍ لله ويصرفونه الى الصّبيان والمساكين وشيئاً منهما لآلهتهم وينفقونه على سدنتها ويذبحون عندها، ثمّ ان رأوا ما عيّنوا لله ازكى بدّلوه بما لآلهتهم، وان رأوا ما لآلهتهم ازكى تركوه لها حبّاً لآلهتهم واعتلّوا لذلك بانّ الله غنىٌّ. اعلم، انّ فى الانسان لطيفةً آلهيّةً تسمّى عقلاً وعقل المعاش طليعة منه وهو المتصرّف والحاكم من الله فى وجوده، ولطيفة شيطانيّة تتصرّف فيه وتحكم عليه والاوّل هو الاله فى العالم الصّغير والثّانى هو الشّيطان فى العالم الصّغير، والانسان واقع بين الحاكمين والغرض من تكليف الانسان بالاعمال الشّرعيّة خلاصه من حكومة الشّيطان ودخوله تحت حكومة الله وخلوص حكومته، فمن أخلص نفسه لقبول حكومة الله فهو مؤمنٌ موحّدٌ ومن اخلص نفسه لحكومة الشّيطان فهو كافرٌ بل هو شيطان مريد، ومن أشرك بين الحكومتين فهو مشرك موزّع لجملة اعماله ومكاسبه عليهما، ولمّا كان الله تعالى شأنه أغنى الشّركاء فما كان لشريكه فلا يصل الى الله، وما كان لله فهو يصل الى شريكه، لانّ الشّيطان ما دام له حكومة ما فى وجود الانسان فكلّما عمل لله يداخله الشّيطان قبل العمل اوحينه او بعده من مداخل خفيّةٍ، حتّى يجعل نفسه شريكاً للّطيفة الآلهيّة، ولمّا كان الله أغنى الشّركاء يترك ما جعل ما بشراكة غيره الى الشّريك فما كان خالصاً للشّريك كان له وما كان لله يدعه الله للّشريك، وفى لفظ ذرأ اشارة الى كمال سفاهتهم حيث جعلوا لله ممّا خلقه نصيباً له والخالق اقوى مالكٍ لمخلوقه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} [أي مما خلق] {مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}. كان هذا في الجاهلية. كانوا قد جعلوا من أنعامهم وحروثهم جزءاً لله وجزءاً لآلهتهم؛ فكانوا يحرثون الحرث فيخطون فيه خطاً فيقولون: ما دون هذا الخط لآلهتنا، وما وراءه فهو لله. ثم يبذرون البذر، فإن سقط فيما سموا لله شيء من البذر [الذي] جعلوه لآلهتهم لقطوه فردوه إلى ما جعلوا لآلهتهم تعظيماً لآلهتهم، وإن سقط من البذر شيء في ما سموا لآلهتهم من الذي جعلوه لله تركوه. ويرسلون الماء في الذي سمّوا لله؛ فإن انفجر في الذي سمّوا لآلهتهم قالوا: أقِرّوه فإن هذا فقير إليه، وإن انفجر في الذي خطّوه لله سدّوه. وهذا في تفسر الكلبي. وفي تفسير الحسن: إذا حسن الزرع جعلوه لآلهتهم إن كان هو الذي جعلوه لآلهتهم. فهو لها عندهم وإن كان هو الذي جعلوه لله أحسن جعلوه لآلهتهم، ولا يجعلون لله مما جعلوا لآلهتهم، إذا حسُن، شيئاً. وأما في الأنعام فإذا اختلط مما جعلوا لله شيء فيما جعلوه لآلهتهم تركوه ولا يُمَيَّز. فإذا اختلط مما جعلوا لآلهتهم فيما جعلوا لله ردّوه في الذي جعلوه لآلهتهم. وإذا ذبحوا شيئاً لآلهتهم ذبحوه في وطاء فاستقر الدم مكانه، وإذا ذبحوه لله ذبحوه على مشرف فيسيل الدم إلى المكان الذي ذبحوا لآلهتهم. قال الله: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}. وقال بعضهم: عمد ناس من أهل الضلالة فجزأوا من حروثهم ومواشيهم جزءاً لله وجزءاً لشركائهم؛ فكانوا إذا خالط شيء مما جزأوا لله شيئاً مما جزأوا لشركائهم تركوه، وإذا خالط شيء مما جزأوا لشركائهم شيئاً مما جزأوا لله ردّوه إلى شركائهم. وإذا أصابتهم سَنَة استعانوا بما جزّأوا لله ووفّروا ما جزأوا لشركائهم. قال الله: {أَلاَ سَاءَ} أي بئس ما {يَحْكُمُونَ}. [وقال مجاهد]: كانوا يسمّون لله جزءاً من الحرث ولأوثانهم جزءاً فما ذهبت به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه، وقالوا: الله غني عن هذا، وما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى ما سمّوا لله ردّوه إلى جزء أوثانهم.

اطفيش

تفسير : {وجَعَلوا} أى مشركو العرب من قريش وغيرهم {للهِ ممَّا ذَرَأ} خلق {مِنَ الحَرْث} أى من ثمار الحرث فحذف المضاف، والحرث مصدر، وإضافة الثمار إلى الحرث تصح، لأن الحرث سببها وملزومها وآلتها، أو بمعنى البذر المحروث، وإضافة الثمار إليه لأنه أصله وآلته، أو بمعنى ما نبت من الأوراق والأغصان، أضاف الثمار إليه لأنها منه، وأنه آلة لها، ويدل لهذا الوجه الأخير ما روى أن أهل الجاهلية كانوا يقسمون الحرث وهو قائم على سوقه ويقولون: ما ردت الخطة داخلا لأصنامهم، وما ردت خارجا لله تعالى، ففى هذه الرواية لا يحتاج لتقدير مضاف، لأنهم يجعلون النصيب من النبات كله، فما فيه من الثمار فهو لله، وما فى النصيب الآخر للأصنام، ويجوز أن يكون الحرث بمعنى الثمار بشئ يسببه أو أصله، فإذا كان بأصله فمجاز مركب، لأن الحرث بمعنى الورق والأغصان مجاز أول، ثم بمعنى الثمار مجاز ثان، ولم يقل: وجعلوا لله من الحرث والأنعام، بل قال: {مما ذرأ من الحرث والأنعام} ليكون أزيد فى تقبيح فعلهم إذ عمدوا إلى شئ خلقه، فجعلوا منه نصيبا يتقربون به إلى ما لا ينفع ولا يضر وهو الأصنام. {والأنْعام} الغنم والبقر والإبل أنفسها وما تنتج {نَصيباً} وليسوا يقولون يأكون حاشاه، ولكن يتصدقون به على الفقراء والضعيف، ويقطعون منه فى النائبة ويغيثون منه الملهوف، فهذا فى نفسه ليس معيبا، والمعيب إنما هو رجوعهم به إلى نصيب الأصنام، إذا احتاجوا أن يردوه إليه، وأكلهم إياه إذا احتاجوا إليه فى مجاعة، وعيب عليهم فى الآية شيئان: جعل نصيب للأصنام، ووصول ما كان لله تعالى إلى نصيب أصنامهم، عاب عليهم ذلك بعد ما عاب عليهم إنكار البعث، وغير إنكارهم من القبائح، وفى الكلام حذف تقديره: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، وجعلوا لشركائهم نصيبا أو لشركائهم نصيبا، ودل عليه قوله بعد: {وهذا لشركائنا} وذكر الرواة أيضا أنهم يجعلون نصيبا لله ونصيبا لشركائهم من سائر مالهم أيضا غير الحرث والأنعام. {فقالُوا هذا} أى هذا النصيب {للهِ بزَعْمهم} بكلامهم الكاذب، أو كلامهم الفاسد لا وجه كذبه أنه نصيب لله فيما قالوا، ثم إنهم يعطون منه فى الأصنام ويأكلون منه، ووجه فساده ذلك أيضا مع أنه مقابل لنصيب الأصنام، وهذه المقابلة إشراك، وبزعمهم متعلق بقالوا، وقرأ الكسائى بضم الزاى وفيه لغة ثالثة لم يقرأ بها أحد وهو كسر الزاى. {وهَذا لشُركائِنا} أى وهذا النصيب الآخر لشركائنا، أى للأصنام التى هى شركاؤنا فى أموالنا، فالشركاء شركاء المال لا شركاء عبادة الله، فهو من الشركة، وفيه وجهان: أحدهما: أن تعتبر أنهم أشركوا الأصنام لأنفسهم، أى وهذا للأصنام الذين أشركناهم، فنا فاعل من حيث المعنى. والآخر: أن تعتبر أن الأصنام شاركتهم، فنا مفعول فى المعنى، ويجوز أن يكون الشركاء شركاء العبادة، أى الذين أشركناهم فى العبادة مع الله سبحانه وتعالى، فهو من الشرك، وأضافوهم لأنفسهم لاعتقادهم أنهم شركاء لله حاشاه، وما كان لشركائهم يجعلونه نفقة لخدمتها، ويصرفونه فى تصقيلها وتزيينها وتزيين بيوتها، وتصحيح ما ضعف من شركائهم، ويصرفونه فى التصدق تقربا بها، وفى ذبائح يجعلونه قرابين لها. {فَما كانَ لشُركائِهِم فَلا يصلُ إلى اللهِ} بوجه ما، ولو ذهب ما جعلوه للشركاء للفقراء، وما جعل من أجله أو بالسرقة أو بأهلهم أو غير ذلك ولو احتاجوا أو احتاجت الفقراء أو الضيفان، والمراد لا يصل إلى نصيب الله، أى لا يجعل كله ولا بعضه نصيبا لله تعالى، أى لا يصرفون حيث يصرفون نصيب الله حتى أنه لو ذهبت الريح ببعضه، أو انحدر لردوه إلى نصيب الشركاء. {وما كانَ للهِ فَهو يَصلُ إلى شُركائِهِم} مثل أن ينحدر بعضه إلى نصيب شركائهم، أو تهب به ريح، أو يتخلط إليه بوجه، أو احتاج شركاؤهم بزعمهم لنفقة خدمها أو تصقيلها، أو بنائها أو تصحيحها أو تجديد أخرى، أو بناء بيوتها أو تصحيحها أو تزيينها، أو تزيين الأصنام، أو التقرب بالذبح أو الصدقة إليها، فما اتصل تركوه للشرك أو ما احتاجوه، وكانوا يقولون: الله غنى عن المال، والأصنام محتاجة فقراء ومعنى الوصول إلى شركائهم الوصول إلى نصيبها مع إقراره فيه وصرفه فيما يصرف فيه نصيبها، قال مقاتل: إن زكا وإنما نصيب الآلهة ولم يترك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة لها، وإن كان بالعكس قالوا لا بد لنا لآلهتنا من ثقة فأخذوا نصيب الله وأعطوه السدنة، أى خدامها. قال ابن عباس: ومجاهد والسدى: وكانت عادتهم الاهتبال بنصيب الأصنام أكثر منه نصيب الله تعالى، إذ كانوا يقدرون أن الأصنام فقراء، وليس بالله فقر، فكانوا إذا قسموا الزرع فهب الريح فحملت من الذى لله إلى الذى لشركائهم أقروه، وإذا حملت من الذى لشركائهم إلى الذى لله ردوه، وإن لم يصيبوا فى نصيب شركائهم شيئا قالوا: لا بد للآلهة من نفقة فيجعلون نصيب الله تعالى فى ذلك، وكذلك فى الأنعام وما يقوله منها. قال قتادة: ثم إذا كانت السنة شديدة أكلوا نصيب الله وحفظوا نصيب الأصنام، قال الكلبى: يرسلون الماء فى نصيب الله من الحرث، فإن نصيب الفخر فى نصيب الصنم قالوا أقروه فإن هذا محتاج ويرسلونه فى نصيب الصنم، فإن انفجر فى نصيب الله قالوا سدوه فإن الله غنى عنه، والصنم محتاج إليه، وكذلك إذا كانوا يحرثون ووقع شئ من بذر نصيب الله فى نصيب الأصنام، وإذا وقع فى نصيبه شئ من نصيبها ردوه إليها. وعن الحسن: إن خرج حرث نصيب الله أجود ردوه للأصنام، وإن خرج نصيبها أجود أقروه لها، قال: وإذا اختلط من الأنعام ما هو من نصيب الله بنصيب الصنم تركوه، ولا يزرونه، وإذا اختلط من نصيب الصنم لنصيب الله وميز ردوه للصنم، وإن لم يميز ذبحوا مما لله للصنم، أو ذبحوا شيئا مما للصنم فى مستوٍ من الأرض، وذبحوا مما لله فى موضع مشرف حتى يصل دمه دم ما ذبحوا للصنم. {سَاءَ ما يحْكُمونَ} إذ جعلوا لله نصيبا، وجعلوا للصنم نصيبا، وإذا كان ما يصل للصنم من نصيب الله تركوه، وما وصل من نصيب الصنم لنصيب الله ردوه، فجعلوا للصنم نصيبا ولا نفع فيه ولا مضرة يضرهم بها، ولا يقدر على شئ، ومع هذا رجحوا جانب الأصنام والحق الرغبة فى توفير ما لله فيصرفونه للفقراء، ومن احتاج وترك الأصنام بلا نصيب وإبطالها وإبطال عبادتها، وما اسم أى ساء حكم يحكمونه أى يثبتونه، أو ساء الحكم الذى يحكمونه أى يثبتونه، أو مصدرية أى بئس حكمهم والمخصوص بالذم محذوف، أى هذا الذى يفعلونه أو يحكمونه أو هذا الحكم.

اطفيش

تفسير : {وجعلوا} أَى مشركو مكة أَو مشركو العرب مطلقا، ولم يجر للفريقين ذكر بخصوصهما ولكن قوله يا قوم أَنسب بأَهل مكة أَو بقريش أَو العرب {لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً} وللأَصنام نصيبا بدليل قوله: {فَقَالُوا هَذَا لِله بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} ومعنى ذرأَ خلق، وأَصله الظهور فيما قيل، والمراد من ثمار الحرث، وكذا يجعلون نصيبا لله ونصيبا للأَصنام من ثمار النخل والشجر ولم يذكره لاستتباع الحرث له، ومن سائر أَصول الشجر ولم يذكره لاستتباع الإِنعام له، وقال مما ذرأَ تشنيعا عليهم بجعل ما هو مخلوق لله متوسلا به إِلى عبادة غيره وأَلـ فى الحرث للحقيقة أَو للعهد الذهنى. زعم بعض أَن من التبعيضية اسم مضاف لمدخولها، وعليه فهى مفعول أَول ونصيبا ثان أَو حال منها أَو بدل، ولله متعلق بمحذوف مفعول ثان كما إِذا جعلنا من حرفا فإِنها تعلق بمحذوف حال من نصيبا، ويجوز أَن تكون للابتداءِ، وإِذا قلت جعلوا بمعنى أَثبتوا تعلق به لله وكان له مفعول واحد هو نصيبا أَو من، وإِذا جعل من فنصيبا بدله أَو حاله. ومعنى هذا لله أَنه للمساكين والأَضياف. ومعنى بزعمهم أَن ذلك بحكمهم الذى اخترعوه باطلا لا حقا ثابتا من الله لأَنه منكر إِذ قابلوا به نصيب الأَصنام ولا يرجع إِليهم ثواب منه والله سبحانه وتعالى أَغنى الشركاء عن الشركة. وإِنما يكون حقا لو لم يجعلوا لها نصيبا ولم يعبدوها. ولم يقل وهذا لشركائنا بزعمهم لأَنه معلوم من باب أَولى أَنه بزعمهم، وكذا قدره بعضهم، والأَولى عدم تقديره لأَنه علم بلا سبق له فى الكلام لفظا أَو تقديرا، والباء متعلق بقالوا ومعنى شركائنا أَصنامنا التى جعلناها شريكة لله فى الأُلوهية وأَضافوها لأَنفسهم لاعتقادهم الأُلوهية لها، فهو من الشرك ضد الوحدانية، أَو معناه الأَصنام التى شاركتنا فى أَموالنا فهى من الإِضافة للفاعل والتى جعلناها شريكة فيها فهو من الإِضافة للمفعول {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ} يصرفون ما لله إِلى أَصنامهم ولا يصرفون إِليه ما لها. لم يقل ما كان لها يصل إِليه وما كان له فهو يصل إِليها تشنيعاً عليهم ثانيا بذكر الشركة لما هو أَبعد شئ عنها مع من كل شئ له ولاشريك له. كانوا يعينون شيئا من حرثهم وثمارهم وأَنعامهم وسائر أَموالهم لله عز وجل، وشيئا منها لأَصنامهم، ويدفعون ما لأَصنامهم على خدمها ويذبحون عندها، وإِن رأَوا مالله أَزكى بدلوه بما لأَصنامهم أَو بعضه أَو أَخذوا منه لها، وذلك كله وصول لآلهتهم، وكذا إِذا أَقحطوا وتلف ما لها أَخذوا ما له تعالى أَو بعضه وجعلوه لها وأَكلوا منه ويوفرون ما لها ولا ينقصونه، ويقولون الله غنى عن هذا المال، وإِذا سقط فى نصيب الله من نصيبها شئ التقطوه لها وإِذا سقط فى نصيبها شئ من نصيب الله سبحانه تركوه وقالوا: الله غنى عنه وهى محتاجة {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} بئس أَى هو، وهو مفسر بتمييز وهو ما نكرة موصوفة، ويحكمون صفة أَو ساءَ حكمهم الذى يحكمونه، ما فاعل اسم موصول أَو حرف مصدر أَى ساءَ حكمكم، والمخصوص محذوف أَى هذا، أَو من باب ساءَ التى لا مخصوص لها ويؤيده أَن التى لها مخصوص يكون فاعلها معرفا بأَل الجنسية أَو مضافا إِلى ما هى فيه. عاب الله عز وجل قولهم بلفظ الزعم وذم حكمهم فإِن الزعم كذب أَو قول بلا دليل هنا، وقولهم هذا لله كذب، وقول لا حجة له، وكيف أَشركوا بالله جمادا لا يقدر على شئ فيما هو خلق لله عز وجل ورجحوه عليه. وقد مر تفسير هذا الزعم وفسره بعض بأَنه جعل لله غير مستتبع لشئ من الثواب كما تستتبع التطوعات التى يبتغى بها وجه الله، وأَما مجرد أَنه عندهم لله بلا أَمر من الله به فمستفاد من الجعل، ولذلك لم يقيد الثانى به أَعنى بالزعم وما ذكرته أَولا أَولى، ولا سيما أَن ما يجعلون لله يصرفونه للمساكين والضيف، ولا يتضح ما قيل عنهم أَنه مجعول لله استحقاقا له من جهتهم بلا تقرب منهم إِليه.

الالوسي

تفسير : {وَجَعَلُواْ} أي مشركو العرب {لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} أي خلق. قال الراغب: «الذرء، إظهار الله تعالى ما (أبدعه) يقال: ذرأ الله تعالى الخلق أي أوجد أشخاصهم»، وقال الطبرسي: «الذرء الخلق على وجه الاختراع وأصله الظهور ومنه ملح ذرْآني [وذَرَآني] لظهور بياضه». و (من) متعلقة بجعل و (ما) موصولة وجملة {ذَرَأَ} صلته والعائد محذوف. وقوله سبحانه: {مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ} متعلق بذرأ. وجوز أبو البقاء أن يكون {مما} متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من قوله تعالى: {نَصِيباً} وأن يكون {مِنَ ٱلْحَرْثِ} حالاً أيضاً من ما أو من العائد المحذوف. و {نَصِيباً} على كل تقدير مفعول جعل وهو متعد لواحد، وجوز أن يكون متعدياً لاثنين أولهما {مِمَّا ذَرَأَ } على أن من تبعيضية وثانيهما {نَصِيباً }، وقيل: الأمر بالعكس. واعترض بأنه لا يساعده سداد المعنى، وأياً ما كان فهذا شروع في تقبيح أحوالهم الفظيعة بحكاية أقوالهم وأفعالهم الشنيعة. أخرج ابن أبـي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: إنهم كانوا إذا احترثوا حرثاً أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله تعالى منه جزءاً وجزءاً للوثن فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه فإن سقط شيء مما سمي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقي شيئاً مما جعلوه لله تعالى جعلوه للوثن وإن سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله تعالى فاختلط بالذي جعلوه للوثن قالوا: هذا فقير ولم يردوه إلى ما جعلوا لله تعالى وإن سبقهم الماء الذي سموا لله تعالى فسقي ما سموا للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أنعامهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي فيجعلونه للأوثان ويزعمون أنهم يحرمون لله سبحانه. وروي أنهم كانوا يعينون شيئاً من حرث ونتاج لله تعالى فيصرفونه إلى الضيفان والمساكين وأشياء منهما لآلهتهم فينفقون منها لسدنتها / ويذبحون عندها فإذا رأوا ما جعلوه لله تعالى زاكياً نامياً يزيد في نفسه خيراً رجعوا فجعلوه لآلهتهم وإذا زكا ما جعلوه لآلهتهم تركوه معتلين بأن الله تعالى غني وما ذاك إلا لفرط جهلهم حيث أشركوا الخالق القادر جماداً لا يقدر على شيء ثم رجحوه عليه سبحانه بأن جعلوا الزاكي له، واختار هذه الرواية الزجاج وغيره. وأصل النظم الكريم وجعلوا لله الخ ولشركائهم فطوى ذكر الشركاء لأنه ـ على ما قيل ـ أمر محقق عندهم وأشير إلى تقديره بالتصريح به في قوله تعالى: {فَقَالُواْ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَائِنَا} أي الأوثان، وسموهم شركاءهم لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم فهم شركاؤهم فيها: ويحتمل أن الإضافة لأدنى ملابسة حيث إنهم زعموا كونهم شركاء لله تعالى. وقرأ الكسائي ويحيـى بن وثاب والأعمش {بِزَعْمِهِمْ} بضم الزاي وهو لغة فيه، وجاء الكسر أيضاً فهو مثلث كالود وقد تقدم معناه، وإنما قيد به الأول للتنبيه على أنه في الحقيقة ليس يجعل لله سبحانه غير مستتبع لشيء من الثواب كالتطوعات التي يبتغى بها وجه الله تعالى، وقيل: للإيذان بأن ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم الله تعالى به. ورد بأن ذلك مستفاد من الجعل ولذلك لم يقيد به الثاني. وجوز أن يكون ذلك تمهيداً لما بعده على أن معنى قولهم: {هَـٰذَا لِلَّهِ} مجرد زعم منهم لا يعلمون بمقتضاه الذي هو اختصاصه به تعالى. فقوله سبحانه: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ} بيان وتفصيل له أي فما عينوه لشركائهم لا يصرف إلى الوجوه التي يصرف إليها ما عينوه لله تعالى وما عينوه لله تعالى يصرف إلى الوجوه التي يصرف إليها ما عينوه لآلهتهم {سَاء مَا يَحْكُمُونَ} فيما فعلوا من إيثار مخلوق عاجز عن كل شيء على خالق قادر على كل شيء وعملهم بما لم يشرع لهم، و {سَاء} يجري مجرى بئس، فما سواء كانت موصولة أو موصوفة فاعل، والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم هذا، وقيل: إن {سَاء} هنا غير الجارية مجرى بئس فلا تحتاج إلى مخصوص بالذم بل إلى فاعل فقط فإن فاعل الجارية يجب أن يكون معرفاً باللام أو مضافاً في الأشهر، واختاره بعض المحققين.

سيد قطب

تفسير : هذا الشوط الطويل كله - بالإضافة إلى الشوط الذي سبقه والتعقيبات عليه - في سياق سورة مكية، من القرآن المكي الذي كان موضوعه هو العقيدة؛ والذي لم يتعرض لشيء من الشريعة - إلا ما يختص بتأصيل أصلها الاعتقادي - حيث لم تكن للإسلام دولة تنفذ شريعته؛ فصان الله هذه الشريعة أن تصبح حديث ألسن، وموضو عات دراسة؛ قبل أن يهيئ لها المجتمع الذي يدخل في السلم كافة، ويسلم نفسه لله جملة، ويعبد الله بالطاعة لشريعته؛ وقبل أن يهيئ لها الدولة ذات السلطان، التي تحكم بهذه الشريعة بين الناس فعلا؛ وتجعل معرفة الحكم مقرونة بتنفيذه، كما هي طبيعة هذا الدين، وكما هو منهجه، الذي يكفل له الجدية والحرارة والوقار.. نقول: هذا الشوط الطويل كله في سورة مكية؛ يتناول قضية التشريع والحاكمية. فيدل على طبيعة هذه القضية - إنها قضية عقيدية.. ويدل على جدية هذه القضية في هذا الدين.. إنها قضيته الرئيسية.. وقبل أن نمضي في مواجهة النصوص تفصيلا، نحب أن نعيش في ظلال السياق القرآني بجملته.. لنرى محتوياته على وجه الإجمال. ولنرى دلالته وإيحاءاته كذلك.. إنه يبدأ بعرض مجموعة التصورات والمزاعم الجاهلية حول ما كانوا يزاولونه في شأن الثمار والأنعام والأولاد - أي في شأن المال والاجتماع - في جاهليتهم. فنجد هذه التصورات والمزاعم تتمثل في: 1- تقسيمهم ما رزقهم الله من رزق، وأنشأ لهم من زروع وأنعام، إلى قسمين: قسم يجعلونه لله - زاعمين أن هذا مما شرعه الله - وقسم يجعلونه لشركائهم - وهي الآلهة المدعاة التي يشركونها في أنفسهم وأموالهم وأولادهم من دون الله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا. فقال: هذا لله - بزعمهم - وهذا لشركائنا}! 2- أنهم بعد ذلك، يجورون على النصيب الذي قسموه لله. فيأخذون جانبا منه ويضمونه إلى ما قسموه لشركائهم، ولا يفعلون مثل ذلك فيما قسموه للشركاء!: {فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم}! 3- أنهم يقتلون أولادهم بتزيين من الشركاء - وهم في هذه الحالة إنما هم الكهان والمشترعون فيهم - ممن يصنعون التقاليد التي يخضع لها الأفراد في المجتمع، بحكم الضغط الاجتماعي من ناحية، وحكم التأثير بالأساطير الدينية من ناحية - وكان هذا القتل يتناول البنات مخافة الفقر والعار. كما قد يتناول الذكور في النذور، كالذي نذره عبد المطلب أن لو رزقه الله عشرة أبناء يحمونه ليذبحن أحدهم للآلهة! {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم، ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم}! 4- أنهم كانوا يحجزون بعض الأنعام وبعض الزروع؛ فيزعمون أنها لا تطعم إلا بإذن خاص من الله - هكذا يزعمون! - كما كانوا يمنعون ظهور بعض الأنعام من الركوب. ويمنعون أن يذكر اسم الله على بعضها عند الذبح أو الركوب أولا يركبونها في الحج لأن فيه ذكر الله. مع الزعم بأن هذا كله قد أمر الله به: { وقالوا: هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها - افتراء عليه-!}. 5- وأنهم كانوا يسمون ما في بطون بعض الأنعام من الحمل لذكورهم، ويجعلونه محرما على إناثهم. إلا أن ينزل الحمل ميتا فعندئذ يشترك فيه الذكور والإناث! مع نسبة هذه الشريعة المضحكة إلى الله: {وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء. سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم}.. هذه هي مجموعة التصورات والمزاعم والتقاليد التي كانت تصبغ وجه المجتمع العربي في الجاهلية، والتي يتصدى هذا السياق القرآني الطويل - في سورة مكية - للقضاء عليها، وتطهير النفوس والقلوب منها، وإبطالها كذلك في الواقع الاجتماعي. ولقد سلك السياق القرآني هذا المنهج في خطواته البطيئة الطويلة الدقيقة: * لقد قرر ابتداء خسران الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله - افتراء على الله - وأعلن ضلالهم المطلق في هذه التصورات والمزاعم التي ينسبونها إلى الله بغير علم. * ثم لفت أنظارهم إلى أن الله هو الذي أنشأ لهم هذه الأموال التي يتصرفون فيها هذه التصرفات.. هو الذي أنشأ لهم جنات معروشات وغير معروشات. وهو الذي خلق لهم هذه الأنعام.. والذي يزرق هو وحده الذي يملك، وهو وحده الذي يشرع للناس فيما رزقهم من هذه الأموال.. وفي هذه اللفتة استخدم حشدا من المؤثرات الموحية من مشاهد الزروع والثمار والجنات المعروشات وغير المعروشات، ومن نعمة الله عليهم في الأنعام التي جعل بعضها حمولة لهم يركب ويحمل وبعضها فرشاً، يؤكل لحمه ويفرش جلده وصوفه وشعره.. كما استخدم ذكرى العداء المتأصل بين بني آدم والشيطان. فكيف يتبعون خطوات الشيطان، وكيف يستمعون لوسوسته وهو العدو المبين؟! * بعد ذلك استعرض في تفصيل شديد سخافة تصوراتهم فيما يختص بالأنعام، وخلوها من كل منطق، وألقى الأضواء على ظلمات التصورات حتى لتبدو تافهة مهلهلة متهافتة.. وفي نهاية هذا الاستعراض يسأل: علام ترتكنون في هذه التشريعات الخالية من كل حجة ومنطق: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا؟} فكان ذلك سرا تعلمونه أنتم ووصية خاصة بكم! ويشنع بجريمة الافتراء على الله، وإضلال الناس بغير علم. ويجعل هذا التشنيع أحد المؤثرات المتنوعة التي يستخدمها.. * وهنا يقرر السلطة صاحبة الحق في التشريع. ويبين ما حرمته هذه السلطة فعلا من المطاعم. سواء ما حرم على المسلمين وما حرم على اليهود خاصة وأحله الله للمسلمين. * ثم يناقش إحالتهم هذه الجاهلية - الممثلة في الشرك بالله وتحريم ما أحل الله وكلاهما في مستوى الآخر من ناحية دلالته ووصفه الشرعي عند الله - على إرادة الله وقولهم: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء}.. فيقرر أن هذه المقالة هي مقالة كل كافر مكذب من قبل، وقد قالها المكذبون حتى جاءهم بأس الله: {كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا} فالشرك كالتحريم بدون شرع الله، كلاهما سمة المكذبين بآيات الله. ويسألهم في استنكار علام تحيلون هذه المقررات التي تقررونها: {قل: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا. إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون}! * ثم ينهي مناقشتهم في هذا الشأن بدعوتهم إلى موقف الإشهاد والمفاصلة - تماماً كما دعاهم إلى هذا الموقف في أول السورة في شأن أصل الاعتقاد - مع استخدام نفس العبارات والأوصاف، بل نفس الألفاظ، للدلالة على أن القضية واحدة: قضية الشرك بالله، وقضية التشريع بغير إذن من الله: {قل: هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا، فإن شهدوا فلا تشهد معهم. ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم بربهم يعدلون}.. ونرى من الآية إلى جانب وحدة المشهد والعبارة واللفظ، أن الذين يزاولون هذه التشريعات هم الذين يتبعون أهواءهم. وهم الذين كذبوا بآيات الله. وهم الذين لا يؤمنون بالآخرة. فلو أنهم صدقوا بآيات الله وآمنوا بالآخرة واتبعوا هدى الله ما شرعوا لأنفسهم وللناس من دون الله. وما حرموا وحللوا بغير إذن من الله. * وفي نهاية الشوط يدعوهم ليبين لهم ما حرمه الله حقاً.. وهنا نرى جملة من المبادئ الأساسية للحياة الاجتماعية، في مقدمتها توحيد الله. وبعضها أوامر وتكاليف ولكن التحريمات أغلب، فجعلها عنواناً للكل: لقد نهى الله عن الشرك. وأمر بالإحسان للوالدين. ونهى عن قتل الأولاد من الفقر مع طمأنتهم على الرزق. ونهى عن القرب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ونهى عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. ونهى عن مس مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده. وأمر بإيفاء الكيل والميزان بالقسط. وأمر بالعدل في القول - في الشهادة والحكم - ولو كان ذا قربى. وأمر بالوفاء بعهد الله كله. وجعل هذا جميعه وصية من الله كررها عقب كل جملة من الأوامر والنواهي. هذا الحشد كله الذي يتضمن قاعدة العقيدة ومبادئ الشريعة؛ اللتين تتجمعان هذا التجمع في السياق، وتمتزجان هذا الامتزاج؛ وتعرضان جملة واحدة، وكتلة واحدة، بصورة لا تخفى دلالتها على من يطالع هذا القرآن على النهج الذي بيناه.. هذا الحشد كله يقال عنه في نهاية الشوط الطويل: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}.. وذلك لإبراز تلك الدلالة المستفادة من السياق كله؛ وصوغها في تقرير واحد واضح حاسم: إن هذا الدين شريعته كعقيدته في تقرير صفة الشرك أو صفة الإسلام. بل إن شريعته من عقيدته في هذه الدلالة.. بل إن شريعته هي عقيدته.. إذ هي الترجمة الواقعية لها.. كما تتجلى هذه الحقيقة الأساسية من خلال النصوص القرآنية، وعرضها في المنهج القرآني.. وهذه هي الحقيقة التي زُحزح مفهوم "الدين" في نفوس أهل هذا الدين عنها زحزحة مطردة خلال قرون طويلة، بشتى الأساليب الجهنمية الخبيثة.. حتى انتهى الأمر بأكثر المتحمسين لهذا الدين - ودعك من أعدائه والمستهترين الذين لا يحفلونه - أن تصبح قضية الحاكمية في نفوسهم قضية منفصلة عن قضية العقيدة! لا تجيش لها نفوسهم كما تجيش للعقيدة! ولا يعدون المروق منها مروقاً من الدين، كالذي يمرق من عقيدة أو عبادة! وهذا الدين لا يعرف الفصل بين العقيدة والعبادة والشريعة. إنما هي الزحزحة التي زاولتها أجهزة مدربة، قروناً طويلة، حتى انتهت مسألة الحاكمية إلى هذه الصورة الباهتة؛ حتى في حس أشد المتحمسين لهذا الدين! وهي هي القضية التي تحتشد لها سورة مكية - موضوعها ليس هو النظام وليس هو الشريعة، إنما موضوعها هو العقيدة - وتحشد لها كل هذه المؤثرات، وكل هذه التقريرات؛ بينما هي تتصدى لجزئية تطبيقية من تقاليد الحياة الاجتماعية. ذلك أنها تتعلق بالأصل الكبير.. أصل الحاكمية.. وذلك أن هذا الأصل الكبير يتعلق بقاعدة هذا الدين وبوجوده الحقيقي.. إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك. ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك.. إن هؤلاء لا يقرأون القرآن، ولا يعرفون طبيعة هذا الدين.. فليقرأوا القرآن كما أنزله الله؛ وليأخذوا قول الله بجد: {أية : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون }.. تفسير : وإن بعض هؤلاء المتحمسين لهذا الدين ليشغلون بالهم وبال الناس ببيان إن كان هذا القانون، أو هذا الإجراء، أو هذا القول، منطبقاً على شريعة الله أو غير منطبق.. وتأخذهم الغيرة على بعض المخالفات هنا وهناك.. كأن الإسلام كله قائم، فلا ينقص وجوده وقيامه وكماله إلا أن تمتنع هذه المخالفات! هؤلاء المتحمسون الغيورون على هذا الدين، يؤذون هذا الدين من حيث لا يشعرون. بل يطعنونه الطعنة النجلاء بمثل هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة.. إنهم يفرغون الطاقة العقيدية الباقية في نفوس الناس في هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة.. إنهم يؤدون شهادة ضمنية لهذه الأوضاع الجاهلية. شهادة بأن هذا الدين قائم فيها، لا ينقصه ليكمل إلا أن تصحح هذه المخالفات. بينما الدين كله متوقف عن "الوجود" أصلا، ما دام لا يتمثل في نظام وأوضاع، الحاكمية فيها لله وحده من دون العباد. إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله. فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين.. وإن مشكلة هذا الدين في الأرض اليوم، لهي قيام الطواغيت التي تعتدي على ألوهية الله، وتغتصب سلطانه، وتجعل لأنفسها حق التشريع بالإباحة والمنع في الأنفس والأموال والأولاد.. وهي هي المشكلة التي كان يواجهها القرآن الكريم بهذا الحشد من المؤثرات والمقررات والبيانات، ويربطها بقضية الألوهية والعبودية، ويجعلها مناط الإيمان أو الكفر، وميزان الجاهلية أو الإسلام. إن المعركة الحقيقية التي خاضها الإسلام ليقرر "وجوده" لم تكن هي المعركة مع الإلحاد، حتى يكون مجرد "التدين" هو ما يسعى إليه المتحمسون لهذا الدين! ولم تكن هي المعركة مع الفساد الاجتماعي أو الفساد الأخلاقي - فهذه معارك تالية لمعركة "وجود" هذا الدين!.. لقد كانت المعركة الأولى التي خاضها الإٍسلام ليقرر "وجوده" هي معركة "الحاكمية" وتقرير لمن تكون.. لذلك خاضها وهو في مكة. خاضها وهو ينشئ العقيدة، ولا يتعرض للنظام والشريعة. خاضها ليثبت في الضمير أن الحاكمية لله وحده؛ لا يدعيها لنفسه مسلم؛ ولا يقر مدعيها على دعواه مسلم.. فلما أن رسخت هذه العقيدة في نفوس العصبة المسلمة في مكة، يسر الله لهم مزاولتها الواقعية في المدينة... فلينظر المتحمسون لهذا الدين ما هم فيه وما يجب أن يكون. بعد أن يدركوا المفهوم الحقيقي لهذا الدين! وحسبنا هذا القدر لنواجه النصوص بالتفصيل. {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً. فقالوا: هذا لله - بزعمهم - وهذا لشركائنا. فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم. ساء ما يحكمون!}.. يقرر السياق - وهو يصف تصورات الجاهلية وتقاليدها في الحرث والأنعام - أن الله هو الذي أنشأ لهم هذه الزروع والأنعام؛ فما من أحد غير الله يرزق الناس من الأرض والسماء.. ثم يذكر بعد هذا التقرير ما يفعلونه بما رزقهم. إذا يجعلون له منه سبحانه جزءا، ويجعلون لأوثانهم وأصنامهم جزءا (وطبيعى أن سدنة الأوثان هم الذين ينتهي إليهم هذا الجزء الأخير!). ثم هم بعد ذلك يجورون على الجزء الذي جعلوه لله. على النحو الذي تقرره الآية! عن ابن عباس قال: كانوا إذا أدخلوا الطعام فجعلوه حزما، جعلوا منه لله سهما وسهما لآلهتم. وكانت إذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه لله، ردوه إلى الذي جعلوه لآلهتهم. وإذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لله إلى الذي جعلوه لآلهتهم، أقروه ولم يردوه. فذلك قوله: {ساء ما يحكمون}. وعن مجاهد قال: يسمون لله جزءا من الحرث، ولشركائهم وأوثانهم جزءا. فما ذهبت به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه. وما ذهب من جزء أوثانهم إلى جزء الله ردوه. وقالوا: "الله عن هذا غني"! والأنعام: السائبة والبحيرة التي سموا. وعن قتادة قال: عمد ناس من أهل الضلالة فجزأوا من حروثهم ومواشيهم جزءاً لله وجزءاً لشركائهم وكانوا إذا خالط شيء مما جزأوا لله فيما جزأوا لشركائهم خلوه. فإذا خالط شيء مما جزأوا لشركائهم فيما جزأوا لله ردوه على شركائهم. وكانوا إذا أصابتهم السنة (يعني الجدب) استعانوا بما جزأوا لله، وأقروا ما جزأوا لشركائهم. قال الله، {ساء ما يحكمون}. وعن السدي قال: كانوا يقسمون من أموالهم قسما فيجعلونه لله، ويزرعون زرعا فيجعلونه لله. ويجعلون لآلهتهم مثل ذلك.. فما خرج للآلهة أنفقوه عليها، وما خرج لله تصدقوا به. فإذا هلك الذي يصنعون لشركائهم، وكثر الذي لله، قالوا: "ليس بد لآلهتنا من نفقة"! وأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم. وإذا أجدب الذي لله، وكثر الذي لآلهتهم، قالوا: "لو شاء أزكى الذي له"! فلا يردون عليه شيئا مما للآلهة. قال الله.. لو كانوا صادقين فيما قسموا لبئس إذن ما حكموا: أن يأخذوا مني ولا يعطوني! فذلك حين يقول: {ساء ما يحكمون}. وعن ابن جرير: وأما قوله: {ساء ما يحكمون} فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن فعل هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم. يقول جل ثناؤه: قد أساءوا في حكمهم، إذ أخذوا من نصيبي لشركائهم، ولم يعطوني من نصيب شركائهم. وإنما عنى بذلك - تعالى ذكره - الخبر عن جهلهم وضلالتهم، وذهابهم عن سبيل الحق. بأنهم لم يرضوا أن عدلوا بمن خلقهم وغذاهم، وأنعم عليهم بالنعم التي لا تحصى، ما لا يضرهم ولا ينفعهم، حتى فضلوه في أقسامهم عن أنفسهم بالقسم عليه! هذا هو ما كان شياطين الإنس والجن يوحون به إلى أوليائهم ليجادلوا به المؤمنين في الأنعام والزروع. وظاهر في هذه التصورات والتصرفات أثر المصلحة للشياطين في هذا الذي يزينونه لأوليائهم. فأما مصلحة شياطين الإنس - من الكهنة والسدنة والرؤساء - فهي متمثلة أولا في الاستيلاء على قلوب الأتباع والأولياء، وتحريكهم على هواهم وفق ما يزينونه لهم من تصورات باطلة وعقائد فاسدة! ومتمثلة ثانيا في المصالح المادية التي تتحقق لهم من وراء هذا التزيين والاستهواء لجماهير الناس؛ وهو ما يعود عليهم مما يقسمه هؤلاء الأغرار المغفلون للآلهة!.. وأما مصلحة شياطين الجن فتتمثل في نجاح الإغواء والوسوسة لبني آدم حتى يفسدوا عليهم حياتهم، ويفسدوا عليهم دينهم، ويقودوهم ذللاً إلى الدمار في الدنيا والنار في الآخرة! وهذه الصورة التي كانت تقع في جاهلية العرب، وكانت تقع نظائرها في الجاهليات الأخرى: للإغريق والفرس والرومان، والتي ما تزال تقع في الهند وإفريقية وآسيا... هذه الصور كلها ليست إلا صورا من التصرف في المال لا تقتصر عليها الجاهلية! فالجاهلية الحاضرة تتصرف كذلك في الأموال بما لم يأذن به الله. وعندئذ تلتقي في الشرك مع تلك الجاهليات القديمة. تلتقي في الأصل والقاعدة. فالجاهلية هي كل وضع يتصرف في شؤون الناس بغير شريعة من الله، ولا عبرة بعد ذلك باختلاف الأشكال التي يتمثل فيها هذا التصرف.. فإن هي إلا أشكال.. {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم، وليلبسوا عليهم دينهم. ولو شاء الله ما فعلوه. فذرهم وما يفترون}. يقول: وكما زين الشركاء والشياطين لهم ذلك التصرف في أموالهم كذلك زينوا لهم قتل أولادهم.. وذلك ما كانوا يفعلونه من وأد البنات خشية الإملاق - أو خشية السبي والعار - ومن قتل بعض الأبناء في النذر للآلهة كالذي روي عن عبد المطلب من نذره ذبح أحد ولده، إن رزقه الله بعشرة منهم يحمونه ويمنعونه! وظاهر أن هذا وذاك كان يوحي به عرف الجاهلية. العرف الذي وضعه الناس للناس. والشركاء المذكورون هنا هم شياطين الإنس والجن.. من الكهنة والسدنة والرؤساء من الإنس، ومن القرناء الموسوسين من الجن، بالتعاون والموالاة فيما بينهم! والنص يصرح بالهدف الكامن وراء التزيين: {ليردوهم، وليلبسوا عليهم دينهم}. ليهلكوهم وليجعلوا دينهم عليهم ملتبسا غامضا لا يقفون منه على تصور واضح.. فأما الهلاك فيتمثل ابتداء في قتلهم لأولادهم؛ ويتمثل أخيراً في فساد الحياة الاجتماعية بجملتها، وصيرورة الناس ماشية ضالة يوجهها رعاتها المفسدون حيثما شاءوا، وفق أهوائهم ومصالحهم! حتى ليتحكمون في أنفسهم وأولادهم وأموالهم بالقتل والهلاك، فلا تجد هذه الغنم الضالة لها مفرا من الخضوع. لأن التصورات المتلبسة بالدين والعقيدة - وما هي منها - بكل ثقلها وعمقها، تتعاون مع العرف الاجتماعي المنبثق منها، وتنشئ ثقلا ساحقا لا تقف له جماهير الناس. وما لم تعتصم منه بدين واضح؛ ما لم ترجع في أمرها كله إلى ميزان ثابت. وهذه التصورات المبهمة الغامضة؛ وهذا العرف الاجتماعي الذي ينبثق منها، ويضغط على جمهرة الناس بثقله الساحق.. لا ينحصر في تلك الصور التي عرفتها الجاهليات القديمة. فنحن نشهده اليوم بصورة أوضح في الجاهليات الحديثة.. هذه العادات والتقاليد التي تكلف الناس العنت الشديد في حياتهم، ثم لا يجدون لأنفسهم منها مفرا.. هذه الأزياء والمراسم التي تفرض نفسها على الناس فرضا، وتكلفهم أحيانا ما لا يطيقون من النفقة، وتأكل حياتهم واهتماماتهم، ثم تفسد أخلاقهم وحياتهم. ومع ذلك لا يملكون إلا الخضوع لها.. أزياء الصباح، وأزياء بعد الظهر، وأزياء المساء.. الأزياء القصيرة، والأزياء الضيقة، والأزياء المضحكة! وأنواع الزينة والتجميل والتصفيف... إلى آخر هذا الاسترقاق المذلّ.. من الذي يصنعه ومن الذي يقف وراءه؟ تقف وراءه بيوت الأزياء. وتقف وراءه شركات الإنتاج! ويقف وراءه المرابون في بيوت المال والبنوك من الذين يعطون أموالهم للصناعات ليأخذوا هم حصيلة كدها! ويقف وراءه اليهود الذين يعملون لتدمير البشرية كلها ليحكموها!.. ولكنهم لا يقفون بالسلاح الظاهر والجند المكشوف، إنما يقفون بالتصورات والقيم التي ينشئونها، ويؤصلونها بنظريات وثقافات؛ ويطلقونها تضغط على الناس في صورة (عرف اجتماعي). فهم يعلمون أن النظريات وحدها لا تكفي ما لم تتمثل في أنظمة حكم، وأوضاع مجتمع، وفي عرف اجتماعي غامض لا يناقشه الناس، لأنه ملتبس عليهم متشابكة جذوره وفروعه! إنه فعل الشياطين.. شياطين الإنس والجن.. وإنها الجاهلية تختلف أشكالها وصورها، وتتحد جذورها ومنابعها، وتتماثل قوائمها وقواعدها.. وإننا لنبخس القرآن قدره، إذا نحن قرأناه وفهمناه على أنه حديث عن جاهليات كانت! إنما هو حديث عن شتى الجاهليات في كل أعصار الحياة. ومواجهة للواقع المنحرف دائماً ورده إلى صراط الله المستقيم.. ومع ضخامة الكيد، وثقل الواقع، فإن السياق القرآني يهوّن أمر الجاهلية، ويكشف عن الحقيقة الكبرى التي قد يخدع عنها هذا الجانب الظاهر.. إن هؤلاء الشياطين وأولياءهم لفي قبضة الله وسلطانه. وهم لا يفعلون ما يفعلونه بقدرة ذاتية فيهم. ولكن بترك الحبل ممدوداً لهم قليلا؛ بمشيئة الله وقدره، تحقيقاً لحكمة الله في ابتلاء عباده. ولو شاء ألا يفعلوه ما فعلوه. ولكنه شاء للابتلاء فلا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا على المؤمنين. فليمضوا في طريقهم وليدعوا له الشياطين وما يفترون على الله وما يكيدون: {ولو شاء الله ما فعلوه. فذرهم وما يفترون}.. ولا بد أن نذكر أنهم ما كانوا يجرؤون على أن يقولوا: إن هذه التصورات والتصرفات من عند أنفسهم. إنما يفترون على الله، فيزعمون أنه هو شرعها لهم.. ينسبونها بذلك إلى شريعة إبراهيم وإسماعيل - بزعمهم! كذلك يفعل الشياطين اليوم في الجاهلية الحديثة.. إن معظمهم لا يستطيع أن يتبجح تبجح الشيوعيين الملحدين؛ فينفي وجود الله جملة ويتنكر للدين علانية. إنما يلجأ إلى نفس الأسلوب الذي كان يلجأ إليه الشياطين في جاهلية العرب! يقولون: إنهم يحترمون الدين! ويزعمون أن ما يشرعونه للناس له أصل من هذا الدين!.. إنه أسلوب ألأم وأخبث من أسلوب الشيوعيين الملحدين! إنه يخدر العاطفة الدينية الغامضة التي لا تزال تعيش في قرارات النفوس - وإن لم تكن هي الإسلام. فالإسلام منهج واضح عملي واقع وليس هذه العاطفة المبهمة الغامضة - ويفرغ الطاقة الفطرية الدينية في قوالب جاهلية لا إسلامية. وهذا أخبث الكيد وألأم الأساليب! ثم يجيء "المتحمسون" لهذا الدين؛ فيفرغون جهدهم في استنكار جزئيات هزيلة على هامش الحقيقة الإسلامية، لا تروق لهم في هذه الأوضاع الجاهلية المشركة، المغتصبة لألوهية الله وسلطانه بالجملة. وبهذه الغيرة الغبية يسبغون على هذه الأوضاع الجاهلية المشركة طابع الإسلام. ويشهدون لها شهادة ضمنية خطيرة بأنها تقوم على أصل من الدين حقا، ولكنها تخالف عنه في هذه الجزئيات الهزيلة! ويؤدي هؤلاء المتحمسون دورهم لتثبيت هذه الأوضاع وتطهيرها. وهو نفس الدور الذي تؤديه الأجهزة الدينية المحترفة، التي تلبس مسوح الدين! وإن كان الإسلام بالذات لا يعرف المسوح ولا ينطق باسمه كاهن ولا سادن! {وقالوا: هذه أنعام وحرث حجر، لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها - افتراء عليه - سيجزيهم بما كانوا يفترون}.. قال ابو جعفر بن جرير الطبري: "وهذا خبر من الله - تعالى ذكره - عن هؤلاء الجهلة من المشركين. إنهم كانوا يحرمون ويحللون من قبل أنفسهم، من غير أن يكون الله أذن لهم بشيء من ذلك". والحجر: الحرام.. فهؤلاء المعتدون على سلطان الله، الذين يدعون - مع ذلك - أن ما يشرعونه هو شريعة الله، قد عمدوا إلى بعض الزروع وبعض الأنعام، فعزلوها لآلهتم - كما تقدم - وقالوا: هذه الأنعام وهذه الثمار محرمة عليهم لا يطعمونها. لا يطعمها إلا من شاء الله! - بزعمهم! - والذي يقرر ما يقرر في هذا الشأن هم بطبيعة الحال الكهنة والسدنة والرؤساء! وعمدوا إلى أنعام قيل: إنها هي الأنواع المسماة في آية المائدة: {أية : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} تفسير : فجعلوا ظهورها حراما على الركوب. كما عمدوا إلى أنعام فقالوا: هذه لا يذكر اسم عليها عند ركوبها ولا عند حلبها، ولا عند ذبحها.. إنما تذكر أسماء الآلهة وتخلص لها! كل ذلك {افتراء على الله}! قال أبو جعفر بن جرير: "وأما قوله {افتراء على الله} فإنه يقول: فعل هؤلاء المشركون ما فعلوا من تحريمهم ما حرموا، وقالوا ما قالوا من ذلك، كذبا على الله، وتخرصاً بالباطل عليه، لأنهم أضافوا ما كانوا يحرمون من ذلك، على ما وصفه عنهم جل ثناؤه في كتابه، إلى أن الله هو الذي حرمه، فنفى الله ذلك عن نفسه، وأكذبهم. وأخبر نبيه والمؤمنين أنهم كذبة فيما يدعون". وهنا كذلك تبدو لنا أساليب الجاهلية، التي تتكرر في معظم الجاهليات، وذلك قبل أن يبلغ التبجح بناس من البشر أن يقولوا بمادية الوجود! وقبل أن يبلغ التبجح ببعض من لا ينكرون الله ألبتة، أن يجهروا بأن "الدين" مجرد "عقيدة" وليس نظاما اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا، يهيمن على الحياة! وإن كان ينبغي أن ندرك دائماً أن أسلوب الجاهلية التي تقيم نظاماً أرضياً، الحاكمية فيه للبشر لا لله، ثم تزعم أنها تحترم الدين وتستمد منه أوضاعها الجاهلية.. أن ندرك أن هذا الأسلوب هو أخبث الأساليب وأمهرها على الإطلاق! ولقد عمدت الصليبية العالمية والصهيونية العالمية إلى هذا الأسلوب في المنطقة التي كانت يوما دار إسلام تحكم بشريعة الله. بعدما تبين لها فشل التجربة التركية التي قام بها البطل الذي صنعوه هناك!.. لقد أدت لهم هذه التجربة دورا هاما في تحطيم الخلافة كآخر مظهر للتجمع الإسلامي في الأرض، ولكنها بعلمانيتها السافرة قد عجزت عن أن تكون نموذجا يؤثر في بقية المنطقة. لقد انخلعت من الدين، فأصبحت أجنبية عن الجميع، الذين ما يزال الدين عاطفة غامضة في قرارات نفوسهم.. ومن ثم عمدت الصليبية العالمية والصهيونية في التجارب التالية، التي تستهدف نفس الهدف، أن تتدارك غلطة التجربة الكمالية التركية. فتضع على هذه التجارب ستاراً من الدين وتقيم له أجهزة دينية تضفي عليه هذه الصفة، سواء بالدعاية المباشرة؛ أو باستنكار جزئيات هزيلة يوهم استنكارها أن ما عداها سليم! وكان هذا من أخبث الكيد الذي تكيده شياطين الإنس والجن لهذا الدين.. على أن الأجهزة الصليبية والصهيونية التي تعمل بكل ثقلها في هذه الفترة، وبكل تضامنها وتجمعها، وبكل تجاربها وخبرتها، تحاول أو تسترد الغلطة في التجربة التركية ذاتها، بأن تزعم أن هذه التجربة ذاتها كانت حركة من حركات البعث الإسلامي! وأننا يجب ألا نصدقها فيما أعلنته عن نفسها من أنها (علمانية) تنبذ الدين وتعزله عن الحياة عزلاً! ويجهد المستشرقون (وهم الأداة الفكرية للاستعمار الصليبي الصهيوني) في تطهير التجربة الكمالية من تهمة الإلحاد جهداً كبيراً.. ذلك أن انكشاف إلحادها جعلها تؤدي دورا محدودا.. وهو سحق آخر مظهر للتجمع الإسلامي في الأرض.. ولكنها عجزت بعد ذلك أن تؤدي الدور الآخر - الذي تحاول أن تؤديه التجارب التالية في المنطقة - من تفريغ المفهومات الدينية والحماسة الدينية في أوضاع وأشكال جاهلية! ومن تبديل الدين باسم الدين! ومن إفساد الخلق والمقومات الفطرية الأصلية باسم الدين أيضا. ومن إلباس الجاهلية ثوب الإسلام لتؤدي به دورها في كل البقاع التي ما يزال فيها عاطفة دينية غامضة؛ وقيادتها بهذا الخطام المزور الخادع إلى محاضن الصليبية والصهيونية.. الأمر الذي عجزت عنه الحملات الصليبية والصهيونية طوال ألف وثلاث مائة عام من الكيد للإسلام! .. {سيجزيهم بما كانوا يفترون}.. {وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء. سيجزيهم وصفهم، إنه حكيم عليم}.. لقد استطردوا في أوهام التصورات والتصرفات، النابعة من انحرافات الشرك والوثنية، ومن ترك أمر التحليل والتحريم للرجال؛ مع الادعاء بأن ما يشرعه الرجال هو الذي شرعه الله. استطردوا في هذه الأوهام فقالوا عن الأجنة التي في بطون بعض الأنعام - ولعلها تلك المسماة البحيرة والسائبة والوصيلة - إنها خالصة للذكور منهم حين تنتج، محرمة على الإناث، إلا أن تكون ميتة فيشارك فيها الإناث الذكور.. هكذا بلا سبب ولا دليل ولا تعليل، إلا أهواء الرجال التي يصوغون منها دينا غامضاً ملتبسا في الأفهام. ويعقب السياق القرآني تعقيب التهديد؛ لمن صاغوا هذه الشرائع وكذبوا على الله فوصفوها بأنها من شرع الله: {سيجزيهم وصفهم}.. {إنه حكيم عليم}.. يعلم حقائق الأحوال، ويتصرف فيها بحكمة، لا كما يتصرف هؤلاء المشركون الجهال. وإن الإنسان ليعجب، وهو يستعرض مع السياق القرآني هذه الضلالات، وما تحمله أصحابها من أعباء وخسائر وتضحيات.. يعجب لتكاليف الانحراف عن شرع الله ونهجه، تلك التي يتحملها المنحرفون عن صراط الله المستقيم. ولأثقال الخرافة والغموض والوهم التي يتبعها الضالون. ولأغلال العقيدة الفاسدة في المجتمع والضمير.. نعم يعجب للعقيدة المنحرفة تكلف الناس حتى فلذات أكبادهم، فوق ما تكلفهم من تعقيد الحياة واضطرابها، والسير فيها بلا ضابط، سوى الوهم والهوى والتقليد. وأمامهم التوحيد البسيط الواضح؛ يطلق الضمير البشري من أوهام الوهم والخرافة؛ ويطلق العقل البشري من عقال التقليد الأعمى؛ ويطلق المجتمع البشري من الجاهلية وتكاليفها؛ ويطلق "الإنسان" من العبودية للعبيد - سواء فيما يشترعونه من قوانين، وما يصنعونه من قيم وموازين - ويحل محل هذا كله عقيدة واضحة مفهومة مضبوطة، وتصورا واضحا ميسرا مريحا، ورؤية لحقائق الوجود والحياة كاملة عميقة، وانطلاقا من العبودية للعبيد، وارتفاعا إلى مقام العبودية لله وحده.. المقام الذي لا يرتقي إلى أعلى درجاته إلا الأنبياء! ألا إنها الخسارة الفادحة - هنا في الدنيا قبل الآخرة - حين تنحرف البشرية عن صراط الله المستقيم؛ وتتردى في حمأة الجاهلية؛ وترجع إلى العبودية الذليلة لأرباب من العبيد: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم - سفها بغير علم - وحرموا ما رزقهم الله - افتراء على الله - قد ضلوا وما كانوا مهتدين}.. خسروا الخسارة المطلقة. خسروا في الدنيا والآخرة. خسروا أنفسهم وخسروا أولادهم. خسروا عقولهم وخسروا أرواحهم. خسروا الكرامة التي جعلها الله لهم بإطلاقهم من العبودية لغيره؛ وأسلموا أنفسهم لربوبية العبيد؛ حين أسلموها لحاكمية العبيد! وقبل ذلك كله خسروا الهدى بخسارة العقيدة، خسروا الخسارة المؤكدة، وضلوا الضلال الذي لا هداية فيه: {قد ضلوا وما كانوا مهتدين}. بعد ذلك يردهم السياق إلى الحقيقة الأولية التي ضلوا عنها، والتي أشار إليها إشارة في أول هذا الحديث بقوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا}.. يردهم إلى مصدر الحرث والأنعام التي يتصرفون في شأنها هذه التصرفات؛ ويتلقون في شأنها من شياطين الإنس والجن الذين لم يخلقوها لهم ولم ينشئوها.. إن الله هو الذي ذرأ الحرث والأنعام، متاعا للناس ونعمة؛ ذرأها لهم ليشكروا له؛ ويعبدوه وما به سبحانه من حاجة إلى شكرهم وعبادتهم، فهو الغني ذو الرحمة، إنما هو صلاح حالهم في دينهم ودنياهم - فما بالهم يحكمون من لم يخلق شيئاً، فيما ذرأ الله من الحرث والأنعام؟ وما بالهم يجعلون لله نصيبا، ولأولئك نصيبا، ثم لا يقفون عند هذا الحد فيتلاعبون - تحت استهواء أصحاب المصلحة من الشياطين - في النصيب الذي جعلوه لله؟! إن الخالق الرازق هو الرب المالك. الذي لا يجوز أن يُتصرف في هذا المال إلا بإذنه ممثلا في شرعه. وشرعه ممثل فيما جاء به رسوله من عنده، لا فيما يدعي الأرباب المغتصبون لسلطان الله أنه شريعة الله! {وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، والنخل والزرع مختلفا أكله، والزيتون والرمان، متشابها وغير متشابه. كلوا من ثمره إذا أثمر، وآتوا حقه يوم حصاده، ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. ومن الأنعام حمولة وفرشا. كلوا مما رزقكم الله، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدو مبين}. إن الله - سبحانه هو الذى خلق هذه الجنات ابتداء - فهو الذى أخرج الحياة من الموات - وهذه الجنات منها الإنسيات المعروشات التى يتعهدها الإنسان بالعرائش والحوائط؛ ومنها البريات التى تنبت بذاتها - بقدر الله - وتنموا بلا مساعدة من الإنسان ولا تنظيم. وإن الله هو الذى أنشأ النخل والزرع مختلف الألوان والطعوم والأشكال. وإن الله هو الذى خلق الزيتون والرمان، منوع الصنوف متشابها وغير متشابه، وإنه - سبحانه - هو الذى خلق هذه الأنعام وجعل منها {حمولة} عالية القوائم بعيدة عن الأرض حمالة للأثقال. وجعل منها {فرشاً} صغيرة الأجسام قريبة من الأرض يتخذ من أصوافها وأشعارها الفرش.. إنه هو - سبحانه - الذي بث الحياة فى هذه الأرض؛ ونّوعها هذا التنويع؛ وجعلها مناسبة للوظائف التى تتطلبها حياة الناس فىالأرض.. فكيف يذهب الناس - فى مواجهة هذه الآيات وهذه الحقائق - إلى تحكيم غير الله فى شأن الزروع والأنعام والأموال؟ إن المنهج القرآنى يكثر من عرض حقيقة الرزق الذى يختص الله بمنحه للناس، ليتخذ منها برهانا على ضرورة إفراد الله سبحانه بالحاكمية فى حياة الناس. فإن الخالق الرازق الكافل وحده؛ هو الحقيق بأن تكون له الربوبية والحاكمية والسلطان وحده.. بلا جدال: وهنا يحشد السياق مشاهد الزرع والإثمار، ومشاهد الأنعام وما فيها من نعم الله.. يحشد هذه المؤثرات فى صدد قضية الحاكمية، كما حشدها من قبل فى صدد قضية الألوهية.. فيدل على أن هذه وتلك قضية واحدة فى العقيدة الإسلامية. وعندما يذكر الزروع والثمار يقول: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين}.. والأمر بإيتاء حقه يوم حصاده هو الذي جعل بعض الروايات تقول عن هذه الآية إنها مدينة. وقد قلنا فى التقديم للسورة: إن الآية مكية، لأن السياق فى الجزء المكي من السورة لا يتصور تتابعه بدون هذه الآية. فإن ما بعدها ينقطع عما قبلها لو كانت قد تأخرت حتى نزلت فى المدينة. وهذا الأمر بإيتاء حق الرزع يوم حصاده، لا يتحتم أن يكون المقصود به الزكاة. وهناك روايات فى الآية أن المقصود هو الصدقة غير المحددة.. أما الزكاة بأنصبتها المحددة فقد حددتها السنة بعد ذلك فى السنة الثانية من الهجرة.. وقوله تعالى: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}.. ينصرف إلى العطاء، كما ينصرف إلى الأكل. فقد روي أنهم تباروا في العطاء حتى أسرفوا، فقال الله سبحانه: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}.. وعندما يذكر الأنعام يقول: {كلوا مما رزقكم الله، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدو مبين}.. ذلك ليذكرهم أن هذا رزق الله وخلقه، والشيطان لم يخلق شيئا. فما بالهم يتبعونه في رزق الله؟ ثم ليذكرهم أن الشيطان لهم عدو مبين. فما بالهم يتبعون خطواته وهو العدو المبين؟! ثم يأخذ السياق في مواجهة دقيقة يتتبع بها مكامن الأوهام الجاهلية. ليلقي عليها الضوء، ويستعرضها واحدا واحدا، وجزئية جزئية؛ فيكشف فيها عن السخف الذي لا يمكن تعليله ولا الدفاع عنه؛ والذي قد يخجل منه صاحبه نفسه، حين يكشف له في النور؛ وحين يرى أن لا سند له فيه من علم ولا هدى ولا كتاب منير: {ثمانية أزواج: من الضأن اثنين ومن المعز اثنين. قل: آلذكرين حرم أم الأنثيين؟ أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين! ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين. قل: آلذكرين حرم أم الأنثيين؟ أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا؟ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.. فهذه الأنعام التي يدور حولها الجدل؛ والتي ذكر في الآية السابقة أن الله خلقها لهم، هي ثمانية أزواج - وكل من الذكر والأنثى يطلق عليه لفظ زوج عندما يكون مع رفيقه - زوج من الضأن وزوج من المعز. فأي منها حرمه الله على أي من الناس؟ أم إنه حرم أجنتها في البطون؟ {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين}.. فهذه الشؤون لا يفتى فيها بالظن، ولا يقضى فيها بالحدس، ولا يشرع فيها بغير سلطان معلوم. وبقية الأزواج ذكر وأنثى من الإبل؛ وذكر وأنثى من البقر. فأيها كذلك حرم؟ أم أجنتها هي التي حرمها الله على الناس؟ ومن أين هذا التحريم: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا؟}.. فحضرتم وشهدتم وصية الله لكم خاصة بهذا التحريم. فما ينبغي أن يكون هناك تحريم بغير أمر من الله مستيقن. لا يرجع فيه إلى الرجم والظنون. وبهذا يرد أمر التشريع كله إلى مصدر واحد.. وقد كانوا يزعمون أن الله هو الذي شرع هذا الذي يشرعونه. لذلك يعالجهم بالتحذير والتهديد: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.. إنه لا أحد أظلم ممن يفتري على الله شريعة لم يأذن بها، ثم يقول: شريعة الله! وهو يقصد أن يضل الناس بغير علم، إنما هو يحيلهم إلى هدى أو ظن.. أولئك لن يهديهم الله؛ فقد قطعوا ما بينهم وبين أسباب الهدى. وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا.. والله لا يهدي القوم الظالمين.. والآن وقد كشف لهم عما في معقتداتهم وتصوراتهم وتصرفاتهم من وهن وسخف وهزال. وقد بين لهم أنها لا تقوم على علم ولا بينة ولا أساس. وقد ردهم إلى نشأة الحرث والأنعام التي يتصرفون فيها من عند أنفسهم، أو بوحي شياطينهم وشركائهم، بينما هؤلاء لم يخلقوها لهم، إنما الذي خلقها لهم هو الله، الذي يجب أن تكون له وحده الحاكمية فيما خلق وفيما رزق، وفيما أعطى من الأموال للعباد.. الآن يقرر لهم ما حرمه الله عليهم من هذا كله. ما حرمه الله حقاً عن بينة ووحي، لا عن ظن ووهم. والله هو صاحب الحاكمية الشرعية، الذي إذا حرم الشيء فهو حرام، وإذا أحله فهو حلال؛ بلا تدخل من البشر ولا مشاركة ولا تعقيب في سلطان الحاكمية والتشريع.. وبالمناسبة يذكر ما حرمه الله على اليهود خاصة، وأحله للمسلمين، فقد كان عقوبة خاصة لليهود على ظلمهم وبعدهم عن شرع الله! {قل: لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه، إلا أن يكون ميتة، أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير - فإنه رجس - أو فسقاً أهل لغير الله به. فمن اضطر - غير باغ ولا عاد - فإن ربك غفور رحيم. وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر. ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما - إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم - ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون. فإن كذبوك فقل: ربكم ذو رحمة واسعة، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين}.. قال أبو جعفر بن جرير الطبري: "يقول - جل ثناؤه - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - قل، يا محمد، لهؤلاء الذين جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً، ولشركائهم من الآلهة والأنداد مثله. والقائلين: هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - والمحرمين من أنعام أخر ظهورها، والتاركين ذكر اسم الله على أخر منها. والمحرمين بعض ما في بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم، ومُحليه لذكورهم. المحرمين ما رزقهم الله افتراء على الله؛ وإضافة ما يحرمون من ذلك إلى أن الله هو الذي حرمه عليهم: أجاءكم من الله رسول بتحريمه ذلك عليكم، فأنبئونا به، أم وصاكم الله بتحريمه مشاهدة منكم له، فسمعتم منه تحريمه ذلك عليكم فحرمتموه؟ فإنكم كذبة إن ادعيتم ذلك، ولا يمكنكم دعواه، لأنكم إذا ادعيتموه علم الناس كذبكم. فإني لا أجد فيما أوحي إلي من كتابه وآي تنزيله شيئاً محرماً على آكل يأكله، مما تذكرون أنه حرمه من هذه الأنعام التي تصفون تحريم ما حرم عليكم منها - بزعمكم - إلا أن يكون {ميتة}، قد ماتت بغير تذكية، أو {دماً مسفوحاً}، وهو المنصبّ، أو إلا أن يكون لحم خنزير {فإنه رجس}.. {أو فسقا} يقول: أو إلا أن يكون فسقاً، يعني بذلك: أو إلا أن يكون مذبوحاً ذبحه ذابح من المشركين من عبدة الأوثان لصنمه وآلهته فذكر اسم وثنه. فإن ذلك الذبح فسق، نهى الله عنه وحرمه، ونهى من آمن به عن أكل ما ذبح كذلك لأنه ميتة. "وهذا إعلام من الله - جل ثناؤه - للمشركين الذين جادلوا نبي الله وأصحابه في تحريم الميتة بما جادلوهم به، أن الذي جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرمه الله، وأن الذي زعموا أن الله حرمه حلال أحله الله؛ وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى الله". وقال في تأويل قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم}: ... "أن معناه: فمن اضطر إلى أكل ما حرم الله من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنزير، أو ما أهل لغير الله به، غير باغ في أكله إياه تلذذاً، لا لضرورة حالة من الجوع؛ ولا عاد في أكله بتجاوزه ما حده الله وأباحه له من أكله، وذلك أن يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك.. لم يتجاوز ذلك إلى أكثر منه.. فلا حرج عليه في أكله ما أكل من ذلك. {فإن الله غفور} فيما فعل من ذلك، فساتر عليه، بتركه عقوبته عليه. ولو شاء عاقبه عليه. {رحيم} بإباحته إياه أكل ذلك عند حاجته إليه. ولو شاء حرمه عليه ومنعه منه". أما حد الاضطرار الذي يباح فيه الأكل من هذه المحرمات؛ والمقدار المباح منها فحولهما خلافات فقهية.. فرأي أنه يباح ما يحفظ الحياة فقط عند خوف الهلاك لو امتنع.. ورأي أنه يباح ما يحقق الكفاية والشبع.. ورأي أنه يباح فوق ذلك ما يدخر لأكلات أخرى إذا خيف انقطاع الطعام.. ولا ندخل في تفصيلا ت الفروع.. فهذا القدر منها يكفي في هذا الموضع. فأما اليهود فقد حرم الله عليهم كل ذي ظفر من الحيوان - أي كل حيوان قدمه غير مشقوقة؛ وذلك كالإبل والنعام والأوز والبط. وحرم كذلك شحم البقر والغنم - إلا شحم الظهر، أو الدهن الملتف بالأمعاء، أو ما اختلط منه بالعظم.. وكان ذلك عقوبة لهم على بغيهم بتجاوز أوامر الله وشرائعه: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر. ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما - إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم - ذلك جزيناهم ببغيهم، وإنا لصادقون}. والنص يبين سبب هذا التحريم، وهو سبب خاص باليهود، ويؤكد أن هذا هو الصدق، لا ما يقولونه هم من أن إسرائيل، وهو يعقوب جدهم، هو الذي حرم هذا على نفسه فهم يتبعونه فيما حرم على نفسه.. لقد كان هذا مباحا حلالاً ليعقوب. ولكنه حرم عليهم بعد ما بغوا، فجازاهم الله بهذا الحرمان من الطيبات. {فإن كذبوك فقل: ربكم ذو رحمة واسعة، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين}. فقل ربكم ذو رحمة واسعة بنا، وبمن كان مؤمنا من عباده، وبغيرهم من خلقه. فرحمته - سبحانه - تسع المحسن والمسيء؛ وهو لا يعجل على من استحق العقاب؛ حلما منه ورحمة. فإن بعضهم قد يثوب إلى الله.. ولكن بأسه شديد لا يرده عن المجرمين إلا حلمه، وما قدره من إمهالهم إلى أجل مرسوم. وهذا القول فيه من الإطماع في الرحمة بقدر ما فيه من الإرهاب بالبأس. والله الذي خلق قلوب البشر؛ يخاطبها بهذا وذاك؛ لعلها تهتز وتتلقى وتستجيب. وعندما يصل السياق إلى هذا الحد من تضييق الخناق عليهم، وسد الذرائع في وجوههم، يواجه مهربهم الأخير الذين يحيلون عليهم شركهم وضلال تصوراتهم وتصرفاتهم.. إنهم يقولون: إنهم مجبرون لا مخيرون فيما اعتسفوا من شرك وضلال. فلو كان الله لا يريد منهم الشرك والضلال لمنعهم منه بقدرته التي لا يعجزها شيء: {سيقول الذين أشركوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ولا حرمنا من شيء. كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون. قل: فلله الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين}: وقضية الجبر والاختيار كثر فيها الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي بين أهل السنة والمعتزلة والمجبرة والمرجئة... وتدخلت الفلسفة الإغريقية والمنطق الإغريقي واللاهوت المسيحي في هذا الجدل، فتعقد تعقيداً لا تعرفه العقلية الإسلامية الواضحة الواقعية.. ولو أخذ الأمر بمنهج القرآن المباشر الميسر الجاد، ما اشتد هذا الجدل، وما سار في ذلك الطريق الذي سار فيه. ونحن نواجه قول المشركين هذا والرد القرآني عليه، فنجد قضية واضحة بسيطة محددة: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء}.. فهم يحيلون شركهم هم وآباؤهم، وتحريمهم ما حرموه مما لم يحرمه الله، وادعاءهم أن هذا من شرع الله بغير علم ولا دليل.. يحيلون هذا كله على مشيئة الله بهم. فلو شاء الله ما أشركوا ولا حرموا.. فكيف واجه القرآن الكريم هذه المقولة؟ لقد واجهها بأنهم كذبوا كما كذب الذين من قبلهم، وقد ذاق المكذبون من قبلهم بأس الله. وبأس الله ينتظر المكذبين الجدد: {كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا}.. وهذه هي الهزة التي قد تحرك المشاعر، وتوقظ من الغفلة، وتوجه إلى العبرة.. واللمسة الثانية كانت بتصحيح منهج الفكر والنظر.. إن الله أمرهم بأوامر ونهاهم عن محظورات.. وهذا ما يملكون أن يعلموه علماً مستيقناً.. فأما مشيئة الله فهي غيب لا وسيلة لهم إليه، فكيف يعلمونه؟ وإذا لم يعلموه يقيناً فكيف يحيلون عليه: {قل: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون}.. إن لله أوامر ونواهي معلومة علماً قطعياً، فلماذا يتركون هذه المعلومات القطعية، ليمضوا وراء الحدس والخرص في واد لا يعلمونه؟ هذا هو فصل القول في هذه القضية.. إن الله لا يكلف الناس أن يعلموا غيب مشيئته وقدره حتى يكيفوا أنفسهم على حسبه. وإنما يكلفهم أن يعلموا أوامره ونواهيه، ليكيفوا أنفسهم على حسبها.. وهم حين يحاولون هذا يقرر الله سبحانه أنه يهديهم إليه، ويشرح صدورهم للإسلام.. وهذا حسبهم في القضية التي تبدو عندئذ - في واقعها العملي - يسيرة واضحة، بريئة من غموض ذلك الجدل وتحكماته! إن الله قادر لو شاء على أن يخلق بني آدم ابتداء بطبيعة لا تعرف إلا الهدى، أو يقهرهم على الهدى. أو يقذف بالهدى في قلوبهم فيهتدوا بلا قهر... ولكنه - سبحانه - شاء غير هذا! شاء أن يبتلي بني آدم بالقدرة على الاتجاه إلى الهدى أو الضلال، ليعين من يتجه منهم إلى الهدى على الهدى، وليمد من يتجه منهم إلى الضلال في غيه وفي عمايته.. وجرت سنته بما شاء.. {قل: فلله الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين}. قضية واضحة، مصوغة في أيسر صورة يدركها الإدراك البشري. فأما المعاظلة فيها والمجادلة فهي غريبة على الحس الإسلامي وعلى المنهج الإسلامي.. ولم ينته الجدل فيها في أية فلسفة أو أي لاهوت إلى نتيجة مريحة. لأنه جدل يتناول القضية بأسلوب لا يناسب طبيعتها.. إن طبيعة أي حقيقة هي التي تحدد منهج تناولها، وأسلوب التعبير عنها كذلك.الحقيقة المادية يمكن تناولها بتجارب المعمل. والحقيقة الرياضية يمكن تناولها بفروض الذهن. والحقيقة التي وراء هذا المدى، لا بد أن تتناول بمنهج آخر.. هو كما قلنا من قبل: منهج التذوق الفعلي لهذه الحقيقة في مجالها الفعلي. ومحاولة التعبير عنها بغير أسلوب القضايا الذهنية التي عولجت بها في كل ما جرى حولها من الجدل قديماً وحديثاً. وبعد فلقد جاء هذا الدين ليحقق واقعاً عملياً؛ تحدده أوامر ونواه واضحة. فالإحالة على المشيئة الغيبية دخول في متاهة، يرتادها العقل بغير دليل، ومضيعة للجهد الذي ينبغي أن ينفق في العمل الإيجابي الواقعي المشهود. وأخيراً يوجه الله - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى مواجهة المشركين في موقف الإشهاد على قضية التشريع، كما واجههم من قبل في موقف الإشهاد على قضية الألوهية في أوائل السورة: في أوائل السورة قال له: {أية : قل: أي شيء أكبر شهادة؟ قل الله. شهيد بيني وبينكم، وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ. أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل: لا أشهد. قل: إنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون }.. تفسير : وهنا قال له: {قل: هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم. ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم بربهم يعدلون}.. إنها مواجهة هائلة، ومواجهة كذلك فاصلة. ودلالتها على طبيعة هذا الدين غير خافية.. إن هذا الدين يسوي بين الشرك العلني الواضح باتخاذ آلهة أخرى مع الله؛ وبين الشرك الآخر الذي يتمثل في مزاولة حق الحاكمية والتشريع للناس. بما لم يأذن به الله - دون اعتبار لما يدعونه هم من أن ما يشرعونه هو شريعة الله! - كما أنه يصم الذين يرتكبون هذه الفعلة بأنهم يكذبون بآيات الله، ولا يؤمنون بالآخرة، وهم بربهم يعدلون.. أي يجعلون له أنداداً تعدله.. وهو ذات التعبير الذي جاء في أول آية في السورة وصفا للذين كفروا: {أية : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون }.. تفسير : هذا حكم الله على الذين يغتصبون حق الحاكمية ويزاولونه بالتشريع للناس - دون اعتبار لدعواهم أن ما يشرعونه هو من شريعة الله!- وليس بعد حكم الله رأي لأحد في هذه القضية الخطيرة. فإذا أردنا أن نفهم لماذا يقضي الله - سبحانه - بهذا الحكم؟ ولماذا يعدهم مكذبين بآياته؛ غير مؤمنين بالآخرة، مشركين يعدلون بربهم غيره.. فإن لنا أن نحاول الفهم. فتدبر حكمة الله في شرعه وحكمه أمر مطلوب من المسلم.. إن الله قد حكم على المشرعين للناس من عند أنفسهم - مهما قالوا إنه من شرع الله - بأنهم يكذبون بآياته. لأن آياته - إن كان المراد بها آياته الكونية - كلها تشهد بأنه الخالق الرازق الواحد.. والخالق الرازق هو المالك. فيجب أن يكون وحده المتصرف الحاكم.. فمن لم يفرده - سبحانه - بالحاكمية فقد كذب بآياته هذه.. وإن كان المقصود آياته القرآنية، فالنصوص فيها حاسمة وصريحة وواضحة في وجوب إفراده - سبحانه - بالحاكمية في حياة البشر الواقعية، واتخاذ شريعته وحدها قانونا، وتعبيد الناس له وحده بالشرع النافذ والحكم القاهر.. كذلك حكم عليهم - سبحانه - بأنهم لا يؤمنون بالآخرة.. فالذي يؤمن بالآخرة، ويوقن أنه ملاق ربه يوم القيامة، لا يمكن أن يعتدي على ألوهية الله، ويدعي لنفسه حقه الذي يتفرد به. وهو حق الحاكمية المطلقة في حياة البشر. ممثلة هذه الحاكمية في قضائه وقدره، وفي شريعته وحكمه.. ثم حكم عليهم في النهاية بأنهم بربهم يعدلون.. أي أنه حكم عليهم بالشرك الذي وصف به الكافرين.. ذلك أنهم لو كانوا موحدين ما شاركوا الله - سبحانه - في حق الحاكمية الذي تفرد به. أو ما قبلوا من عبد أن يدعيه ويزاوله وهم راضون! هذه - فيما يبدو لنا - هي علة حكم الله على من يزاولون حق الحاكمية ويشرعون للناس ما لم يأذن به، بالتكذيب بآياته، وعدم الإيمان بالآخرة والشرك الذي يتحقق به الكفر.. أما الحكم ذاته فلا يملك "مسلم" أن يجادل فيه. فقد صدرت فيه كلمة الفصل التي لا معقب عليها. فلينظر كل "مسلم" كيف يتأدب أمام كلمة العزيز الحكيم.. وبعد موقف الإشهاد ورفض ما يقررونه من المحرمات، يلقي إليهم بالمقررات الإلهية التي تتضمن ما حرمه الله حقاً.. وسنجد إلى جانب ما حرمه بعض التكاليف الإيجابية التي لها مقابل محرم. وهذه المحرمات تبدأ بالمحرم الأول.. وهو الشرك بالله.. لأن هذه هي القاعدة الأولى التي يجب أن تتقرر، لتقوم عليها المحرمات والنواهي، لمن استسلم لها وأسلم: {قل: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم: ألا تشركوا به شيئاً. وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم. ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق.. ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون.. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، حتى يبلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط - لا نكلف نفسا إلا وسعها - وإذا قلتم فاعدلوا - ولو كان ذا قربى - وبعهد الله أوفوا.. ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون. وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.. ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون..}. وننظر في هذه الوصايا - التي ترد في السياق بمناسبة الحديث عن تشريعات الأنعام والثمار وأوهام الجاهلية وتصوراتها وتصرفاتها - فإذا هي قوام هذا الدين كله.. إنها قوام حياة الضمير بالتوحيد، وقوام حياة الأسرة بأجيالها المتتابعة، وقوام حياة المجتمع بالتكافل والطهارة فيما يجري فيه من معاملات، وقوام حياة الإنسانية وما يحوط الحقوق فيها من ضمانات، مرتبطة بعهد الله، كما أنها بدئت بتوحيد الله.. وننظر في ختام هذه الوصايا، فإذا الله - سبحانه وتعالى - يقرر أن هذا صراطه المستقيم؛ وكل ما عداه سبل تتفرق بالناس عن سبيله الواصل.. الوحيد.. إنه أمر هائل هذا الذي تتضمنه الآيات الثلاث.. أمر هائل يجيء في أعقاب قضية تبدو كأنها لمحة جانبية من الجاهلية؛ ولكنها في الحقيقة هي قضية هذا الدين الأساسية؛ بدلالة ربطها بهذه الوصايا الهائلة الكلية.. {قل: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم}.. قل: تعالوا أقص عليكم ما حرمه عليكم ربكم - لا ما تدعون أنتم أنه حرمه بزعمكم-! لقد حرمه عليكم {ربكم} الذي له وحده حق الربوبية - وهي القوامة والتربية والتوجيه والحاكمية - وإذن فهو اختصاصه، وموضع سلطانه، فالذي يحرم هو "الرب" والله هو وحده الذي يجب أن يكون ربا.. {ألا تشركوا به شيئاً}.. القاعدة التي يقوم عليها بناء العقيدة؛ وترجع إليها التكاليف والفرائض، وتستمد منها الحقوق والواجبات.. القاعدة التي يجب أن تقوم أولاً قبل الدخول في الأوامر والنواهي؛ وقبل الدخول في التكاليف والفرائض، وقبل الدخول في النظام والأوضاع؛ وقبل الدخول في الشرائع والأحكام.. يجب ابتداء أن يعترف الناس بربوبية الله وحده لهم في حياتهم كما يعترفون بألوهيته وحده في عقيدتهم؛ لا يشركون معه أحداً في ألوهيته، ولا يشركون معه أحداً في ربوبيته كذلك. يعترفون له وحده بأنه المتصرف في شؤون هذا الكون في عالم الأسباب والأقدار؛ ويعترفون له وحده بأنه المتصرف في حسابهم وجزائهم يوم الدين؛ ويعترفون له وحده بأنه هو المتصرف في شؤون العباد في عالم الحكم والشريعة كلها سواء.. إنها تنقية الضمير من أوشاب الشرك، وتنقية العقل من أوشاب الخرافة، وتنقية المجتمع من تقاليد الجاهلية، وتنقية الحياة من عبودية العباد للعباد.. إن الشرك - في كل صوره - هو المحرم الأول لانه يجر إلى كل محرم. وهو المنكر الأول الذي يجب حشد الإنكار كله له؛ حتى يعترف الناس أن لا إله لهم إلا الله، ولا رب لهم إلا الله، ولا حاكم لهم إلا الله، ولا مشرع لهم إلا الله. كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر لغير الله.. وإن التوحيد - على إطلاقه - لهو القاعدة الأولى التي لا يغني غناءها شيء آخر، من عبادة أو خلق أو عمل.. من أجل ذلك تبدأ الوصايا كلها بهذه القاعدة: {ألا تشركوا به شيئاً}.. وينبغي أن نلتفت إلى ما قبل هذه الوصايا، لنعلم ماذا يراد بالشرك الذي ينهى عنه في مقدمة الوصايا - لقد كان السياق كله بصدد قضية معينة - قضية التشريع ومزاولة حق الحاكمية في إصداره - وقبل آية واحدة كان موقف الإشهاد الذي يحسن أن نعيد نصه: {قل: هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم. ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا، والذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم بربهم يعدلون}.. يجب أن نذكر هذه الآية، وما قلناه عنها في الصفحات السابقة لندرك ماذا يعني السياق القرآني هنا بالشرك الذي ينهى عنه ابتداءً.. إنه الشرك في الاعتقاد، كما أنه الشرك في الحاكمية. فالسياق حاضر، والمناسبة فيه حاضرة.. ونحن نحتاج إلى هذا التذكير المستمر، لأن جهود الشياطين في زحزحة هذا الدين عن مفهوماته الأساسية، قد آتت ثمارها - مع الأسف - فجعلت مسألة الحاكمية تتزحزح عن مكان العقيدة، وتنفصل في الحس عن أصلها الاعتقادي! ومن ثم نجد حتى الغيورين على الإسلام، يتحدثون لتصحيح شعيرة تعبدية؛ أو لاستنكار انحلال أخلاقي؛ أو لمخالفة من المخالفات القانونية. ولكنهم لا يتحدثون عن أصل الحاكمية، وموقعها من العقيدة الإسلامية! يستنكرون المنكرات الجانبية الفرعية، ولا يستنكرون المنكر الأكبر؛ وهو قيام الحياة في غير التوحيد؛ أي على غير إفراد الله - سبحانه - بالحاكمية.. إن الله قبل أن يوصي الناس أي وصية، أوصاهم ألا يشركوا به شيئاً. في موضع من السياق القرآني يحدد المعنيّ بالشرك الذي تبدأ بالنهي عنه جميع الوصايا! إنها القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد بالله على بصيرة، وترتبط بها الجماعة بالمعيار الثابت الذي ترجع إليه في كافة الروابط، وبالقيم الأساسية التي تحكم الحياة البشرية.. فلا تظل نهباً لريح الشهوات والنزوات، واصطلاحات البشر التي تتراوح مع الشهوات والنزوات.. {وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم}.. إنها رابطة الأسرة بأجيالها المتلاحقة - تقوم بعد الرابطة في الله ووحدة الاتجاه - ولقد علم الله - سبحانه - أنه أرحم بالناس من الآباء والأبناء. فأوصى الأبناء بالآباء، وأوصى الآباء بالأبناء؛ وربط الوصية بمعرفة ألوهيته الواحدة، والارتباط بربوبيته المتفردة. وقال لهم: إنه هو الذي يكفل لهم الرزق، فلا يضيقوا بالتبعات تجاه الوالدين في كبرتهما؛ ولا تجاه الأولاد في ضعفهم، ولا يخافوا الفقر والحاجة فالله يرزقهم جميعاً.. {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن}.. ولما وصاهم الله بالأسرة، وصاهم بالقاعدة التي تقوم عليها - كما يقوم عليها المجتمع كله - وهي قاعدة النظافة والطهارة والعفة. فنهاهم عن الفواحش ظاهرها وخافيها.. فهو نهي مرتبط تماماً بالوصية السابقة عليها.. وبالوصية الأولى التي تقوم عليها كافة الوصايا. إنه لا يمكن قيام أسرة، ولا استقامة مجتمع، في وحل الفواحش ما ظهر منها وما بطن.. إنه لا بد من طهارة ونظافة وعفة لتقوم الأسرة وليقوم المجتمع. والذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين يحبون أن تتزعزع قوائم الأسرة وأن ينهار المجتمع. والفواحش: كل ما أفحش - أي تجاوز الحد - وإن كانت أحياناً تخص بنوع منها هو فاحشة الزنا. ويغلب على الظن أن يكون هذا هو المعنى المراد في هذا الموضع. لأن المجال مجال تعديد محرمات بذاتها، فتكون هذه واحدة منها بعينها. ولا فقتل النفس فاحشة، وأكل مال اليتيم فاحشة، والشرك بالله فاحشة الفواحش. فتخصيص {الفواحش} هنا بفواحش الزنا أولى بطبيعة السياق. وصيغة الجمع، لأن هذه الجريمة ذات مقدمات وملابسات كلها فاحشة مثلها. فالتبرج، والتهتك، والاختلاط المثير، والكلمات والإشارات والحركات والضحكات الفاجرة، والإغراء والتزيين والاستثارة... كلها فواحش تحيط بالفاحشة الأخيرة. وكلها فواحش منها الظاهر ومنها الباطن. منها المستسر في الضمير ومنها البادي في الجوارح. منها المخبوء المستور ومنها المعلن المكشوف! وكلها مما يحطم قوام الأسرة، وينخر في جسم الجماعة، فوق ما يلطخ ضمائر الأفراد، ويحقر من اهتماماتهم، ومن ثم جاءت بعد الحديث عن الوالدين والأولاد. ولأن هذه الفواحش ذات إغراء وجاذبية، كان التعبير: {ولا تقربوا}.. للنهي عن مجرد الاقتراب، سداً للذرائع، واتقاء للجاذبية التي تضعف معها الإرادة.. لذلك حرمت النظرة الثانية - بعد الأولى غير المتعمدة - ولذلك كان الاختلاط ضرورة تتاح بقدر الضرورة. ولذلك كان التبرج - حتى بالتعطر في الطريق - حراماً، وكانت الحركات المثيرة، والضحكات المثيرة، والإشارات المثيرة، ممنوعة في الحياة الإسلامية النظيفة.. فهذا الدين لا يريد أن يعرض الناس للفتنة ثم يكلف أعصابهم عنتا في المقاومة! فهو دين وقاية قبل أن يقيم الحدود، ويوقع العقوبات. وهو دين حماية للضمائر والمشاعر والحواس والجوارح. وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.. وكذلك نعلم ما الذي يريده بهذا الدين، وبحياة المجتمع كله وبحياة الأسرة، من يزينون للناس الشهوات، ومن يطلقون الغرائز من عقالها بالكلمة والصورة والقصة والفيلم وبالمعسكر المختلط وبسائر أدوات التوجيه والإعلام! {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}.. ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاثة متتابعة: الشرك، والزنا، وقتل النفس.. ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة! الجريمة الأولى جريمة قتل للفطرة؛ والثانية جريمة قتل للجماعة، والثالثة جريمة قتل للنفس المفردة.. إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد فطرة ميتة. والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة، منتهية حتماً إلى الدمار. والحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية والحضارة الفارسية. شواهد من التاريخ. ومقدمات الدمار والانهيار في الحضارة الغربية تنبئ بالمصير المرتقب لأمم ينخر فيها كل هذا الفساد. والمجتمع الذي تشيع فيه المقاتل والثارات، مجتمع مهدد بالدمار.. ومن ثم يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم في أقسى العقوبات، لأنه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار. ولقد سبق النهي عن قتل الأولاد من إملاق. فالآن ينهى عن قتل {النفس} عامة، فيوحي بأن كل قتل فردي إنما يقع على جنس {النفس} في عمومه. تؤيد هذا الفهم آية: {أية : ...أنه من قتل نفساً، بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}تفسير : فالاعتداء إنما يقع على حق الحياة ذاتها، وعلى النفس البشرية في عمومها. وعلى هذه القاعدة كفل الله حرمة النفس ابتداء. وهناك طمأنينة الجماعة المسلمة في دار الإسلام وأمنها، وانطلاق كل فرد فيها ليعمل وينتج آمناً على حياته، لا يُؤذى فيها إلا بالحق. والحق الذي تؤخذ به النفس بينه الله في شريعته، ولم يتركه للتقدير والتأويل. ولكنه لم يبينه ليصبح شريعة إلا بعد أن قامت الدولة المسلمة، وأصبح لها من السلطان ما يكفل لها تنفيذ الشريعة! وهذه اللفتة لها قيمتها في تعريفنا بطبيعة منهج هذا الدين في النشأة والحركة. فحتى هذه القواعد الأساسية في حياة المجتمع، لم يفصلها القرآن إلا في مناسبتها العملية. وقبل أن يمضي السياق في بيان المحرمات والتكاليف، يفصل بين هذا القسم والذي يليه بإبراز وصية الله وأمره وتوجيهه: {ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون}. وهذا التعقيب يجيء وفق المنهج القرآني في ربط كل أمر وكل نهي بالله. تقريرا لوحدة السلطة التي تأمر وتنهى في الناس، وربطاً للأوامر والنواهي بهذه السلطة التي تجعل للأمر والنهي وزنه في ضمائر الناس! كذلك تجيء في الإشارة إلى التعقل. فالعقل يقتضي أن تكون هذه السلطة وحدها هي التي تعبد الناس لشرعها. وقد سبق أنها سلطة الخالق الرازق المتصرف في حياة الناس! وهذا وذلك فوق ما في الطائفة الأولى من التجانس. وما بين الطائفة الثانية كذلك من التجانس. فجعل هذه في آية، وتلك في آية، وبينهما هذا الإيقاع. {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده}.. واليتيم ضعيف في الجماعة، بفقده الوالد الحامي والمربي، ومن ثم يقع ضعفه على الجماعة المسلمة- على أساس التكافل الاجتماعي الذي يجعله الإسلام قاعدة نظامه الاجتماعي - وكان اليتيم ضائعاً في المجتمع العربي في الجاهلية. وكثرة التوجيهات الواردة في القرآن وتنوعها وعنفها أحيانا تشي بما كان فاشياً في ذلك المجتمع من ضيعة اليتيم فيه؛ حتى انتدب الله يتيما كريماً فيه؛ فعهد إليه بأشرف مهمة في الوجود. حين عهد إليه بالرسالة إلى الناس كافة. وجعل من آداب هذا الدين الذي بعثه به رعاية اليتيم وكفالته على النحو الذي نرى منه هذا التوجيه: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده}. فعلى من يتولى اليتيم ألا يقرب ماله إلا بالطريقة التي هي أحسن لليتيم. فيصونه وينميه، حتى يسلمه له كاملاً نامياً عند بلوغه أشده. أي اشتداد قوته الجسمية والعقلية. ليحمي ماله، ويحسن القيام عليه. وبذلك تكون الجماعة قد أضافت إليها عضواً نافعاً؛ وسلمته حقه كاملا. وهناك خلاف فقهي حول سن الرشد أو بلوغ الأشد.. عند عبد الرحمن بن زيد وعند مالك، بلوغ الحلم، وعند أبي حنيفة خمسة وعشرون عاما. وعند السدي ثلاثون، وعند أهل المدينة بلوغ الحلم وظهور الرشد معاً بدون تحديد. {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط - لا نكلف نفسا إلا وسعها -}. وهذه في المبادلات التجارية بين الناس في حدود طاقة التحري والإنصاف، والسياق يربطها بالعقيدة؛ لأن المعاملات في هذا الدين وثيقة الارتباط بالعقيدة. والذي يوصي بها ويأمر هو الله. ومن هنا ترتبط بقضية الألوهية والعبودية، وتذكر في هذا المعرض الذي يبرز فيه شأن العقيدة، وعلاقتها بكل جوانب الحياة.. ولقد كانت الجاهليات - كما هي اليوم - تفصل بين العقيدة والعبادات، وبين الشرائع والمعاملات.. من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن قوم شعيب:{أية : قالوا: يا شعيب، أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء }؟! تفسير : ومن ثم يربط السياق القرآني بين قواعد التعامل في المال والتجارة والبيع والشراء، وبين هذا المعرض الخاص بالعقيدة، للدلالة على طبيعة هذا الدين، وتسويته بين العقيدة والشريعة، وبين العبادة والمعاملة، في أنها كلها من مقومات هذا الدين، المرتبطة كلها في كيانه الأصيل. {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى}.. وهنا يرتفع الإسلام بالضمير البشري - وقد ربطه الله ابتداء - إلى مستوى سامق رفيع، على هدى من العقيدة في الله ومراقبته.. فهنا مزلة من مزلات الضعف البشري. الضعف الذي يجعل شعور الفرد بالقرابة هو شعور التناصر والتكامل والامتداد؛ بما أنه ضعيف ناقص محدود الأجل؛ وفي قوة القرابة سند لضعفه؛ وفي سعة رقعتها كمال لوجوده، وفي امتدادها جيلاً بعد جيل ضمان لامتداده! ومن ثم يجعله ضعيفاً تجاه قرابته حين يقف موقف الشهادة لهم أوعليهم، أو القضاء بينهم وبين الناس.. وهنا في هذه المزلة يأخذ الإسلام بيد الضمير البشري ليقول كلمة الحق والعدل، على هدى من الاعتصام بالله وحده، ومراقبة الله وحده، اكتفاء به من مناصرة ذوي القربى، وتقوى له من الوفاء بحق القرابة دون حقه؛ وهو - سبحانه - أقرب إلى المرء من حبل الوريد.. لذلك يعقب على هذا الأمر - وعلى الوصايا التي قبله - مذكراً بعهد الله: {وبعهد الله أوفوا}.. ومن عهد الله قولة الحق والعدل ولو كان ذا قربى. ومن عهد الله توفية الكيل والميزان بالقسط. ومن عهد الله ألا يقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن. ومن عهد الله حرمة النفس إلا بالحق.. وقبل ذلك كله.. من عهد الله ألا يشركوا به شيئاً. فهذا هو العهد الأكبر، المأخوذ على فطرة البشر، بحكم خلقتها متصلة بمبدعها، شاعرة بوجوده في النواميس التي تحكمها من داخلها كما تحكم الكون من حولها. ثم يجيء التعقيب القرآني في موضعه بعد التكاليف: {ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون}.. والذكر ضد الغفلة. والقلب الذاكر غير الغافل، وهو يذكر عهد الله كله، ويذكر وصاياه المرتبطة بهذا العهد ولا ينساها. ... هذه القواعد الأساسية الواضحة التي تكاد تلخص العقيدة الإسلامية وشريعتها الاجتماعية مبدوءة بتوحيد الله ومختومة بعهد الله، وما سبقها من حديث الحاكمية والتشريع... هذه هي صراط الله المستقيم.. صراطه الذي ليس وراءه إلا السبل المتفرقة عن السبيل: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.. ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}.. وهكذا يختم القطاع الطويل من السورة الذي بدأ بقوله تعالى: {أية : أفغير الله أبتغي حكماً، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً }.. تفسير : وانتهى هذه النهاية، بهذا الإيقاع العريض العميق.. وضم بين المطلع والختام قضية الحاكمية والتشريع، كما تبدو في مسألة الزروع والأنعام، والذبائح والنذور، إلى كل القضايا العقيدية الأساسية، ليدل على أنها من هذه القضايا. التي أفرد لها السياق القرآني كل هذه المساحة؛ وربطها بكل محتويات السورة السابقة التي تتحدث عن العقيدة في محيطها الشامل؛ وتتناول قضية الألوهية والعبودية ذلك التناول الفريد. إنه صراط واحد - صراط الله - وسبيل واحدة تؤدي إلى الله.. أن يفرد الناس الله - سبحانه - بالربوبية، ويدينوا له وحده بالعبودية؛ وأن يعلموا أن الحاكمية لله وحده؛ وأن يدينوا لهذه الحاكمية في حياتهم الواقعية.. هذا هو صراط الله؛ وهذا هو سبيله.. وليس وراءه إلا السبل التي تتفرق بمن يسلكونها عن سبيله. {ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}.. فالتقوى هي مناط الاعتقاد والعمل. والتقوى هي التي تفيء بالقلوب إلى السبيل..

ابن عاشور

تفسير : عَطفٌ على نظائره ممّا حكيت فيه أقوالهم وأعمالهم من قوله: { أية : وما قدروا الله حقّ قدره إذ قالوا ما أنزل اللَّه على بشر من شيء } تفسير : [الأنعام: 91] وقوله: { أية : وجعلوا لله شركاء الجنّ } تفسير : [الأنعام: 100] وقوله: { أية : وأقسموا بالله جَهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنُنّ بها } تفسير : [الأنعام: 109] وقوله: { أية : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } تفسير : [الأنعام: 124] وما تخلّل ذلك فهو إبطال لأقوالهم، ورد لمذاهبهم، وتمثيلات ونظائر، فضمير الجماعة يعود على المشركين الّذين هم غرض الكلام من أوّل السّورة من قوله: { أية : ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون } تفسير : [الأنعام: 1]. وهذا ابتداءُ بيان تشريعاتهم الباطلة، وأوّلُها مَا جعلوه حقّاً عليهم في أموالهم للأصنام: ممّا يشبه الصّدقات الواجبة، وإنَّما كانوا يوجبونها على أنفسهم بالالتزام مثل النّذور، أو بتعيين من الّذين يشرعون لهم كما سيأتي. والجعل هنا معناه الصّرف والتّقسيم، كما في قول عمر في قضيّة: ما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم المختصم فيها العبّاس وعليّ رضي الله عنهم «فيجعَلُه رسولُ اللَّه مجعل مالِ اللَّه» أي يضعه ويصرفه، وحقيقة معنى الجعل هو التّصيير، فكما جاء صيّر لمعان مجازية، كذلك جاء (جعل)، فمعنى {وجعلوا لله}: صرفوا ووضعوا لله، أي عيّنوا له نصيباً، لأنّ في التّعيين تصييراً تقديرياً ونقلاً. وكَذلِك قول النّبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي طلحةَ: « حديث : أرى أن تجعلَها في الأقربِين » تفسير : أي أن تصرفها إليهم، و{جعل} هذا يتعدّى إلى مفعول واحد، وهذه التّعدية هي أكثر أحوال تعديته، حتّى أنّ تعديته إلى مفعولين إنَّما ما في الحقيقة مفعولٌ وحالٌ منه. ومعنى: {ذرأ} أنشأ شيئاً وكثّره. فأطلق على الإنماء لأنّ إنشاء شيء تكثير وإنماء. و{ممّا ذرأ} متعلّق بــــ {جَعلوا}، و{من} تبعيضية، فهو في معنى المفعول، و{مَا} موصولة، والإتيان بالموصول لأجل دلالة صلته على تسفيه آرائهم، إذ ملَّكوا الله بعض مَلْكه، لأنّ ما ذرأه هو مِلْكُه، وهو حقيق به بلا جَعْل منهم. واختيار فعل: {ذرأ} هنا لأنّه الّذي يدلّ على المعنى المراد، إذ المقصود بيان شرائعهم الفاسدة في نتائج أموالهم. ثمّ سيبيّن شرعهم في أصول أموالهم في قوله: { أية : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر } تفسير : [الأنعام: 138] الآية. و{من الحرث والأنعام} بيان {ما} الموصولة. والحرثُ مراد به الزّرع والشّجر، وهو في الأصل من إطلاق المصدر على اسم المفعول، ثمّ شاع ذلك الإطلاق حتّى صار الحرث حقيقة عرفية في الجنّات والمزارع، قال تعالى: { أية : أن اغْدُوا على حرثكم إن كنتم صارمين } تفسير : [القلم: 22]. والنّصيب: الحظ والقِسْم وتقدّم في قوله تعالى: { أية : أولئك لهم نصيب ممّا كسبوا } تفسير : في سورة البقرة (202)، والتّقدير: جعلوا لله نصيباً ولغيره نصيباً آخر، وفهم من السّياق أنّ النّصيب الآخر لآلهتهم. وقد أفصح عنه في التّفريع بقوله: {فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا}. والإشارتان إلى النّصيب المعيّن لله والنّصيب المعيّن للشركاء، واسما الإشارة مشار بكلّ واحد منهما إلى أحد النّصيبين على الإجمال إذ لا غرض في المقام في تعيين ما جعلوه لله وما جعلوه لشركائهم. والزّعم: الاعتقاد الفاسد، أو القريب من الخطأ، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} تفسير : في سورة النساء (60)، وهو مثلّث الزاي، والمشهور فيه فتح الزاي، ومثله الرّغم بالرّاء مثلّث الراء." وقرأ الجمهور بفتح الزاي وقرأه الكسائي بضمّ الزاي ويتعلّق قولهم: {بزعمهم} بــــ {قالوا} وجُعل قوله: {بزعمهم} موالياً لبعض مقول القول ليكون متّصلاً بما جعلوه لله فيرتَّبُ التّعجيب من حكمهم بأنّ ما كان لله يصل إلى شركائهم، أي ما اكتفوا بزعمهم الباطل حتّى نكلوا عنه وأشركوا شركاؤهم فيما جعلوه لله بزعمهم. والباء الداخلة على {بزعمهم} إمّا بمعنى {مِن} أي، قالوا ذلك بألسنتهم، وأعلنوا به قولاً ناشئاً عن الزعم، أي الاعتقاد الباطل، وإمّا للسببيّة، أي قالوا ذلك بسبب أنّهم زعموا. ومحلّ الزّعم هو ما اقتضته القسمة بين الله وبين الآلهة، وإلاّ فإنّ القول بأنّه ملك لله قول حقّ، لكنّهم لما قالوه على معنى تعيين حقّ الله في ذلك النّصيب دون نصيب آخر. كان قولهم زعماً باطلاً. والشّركاء هنا جمع شريك، أي شريك الله سبحانه في الإلهية، ولمّا شاع ذلك عندهم صار كالعَلم بالغلبة، فلذلك استغنى عن الإضافة إلى ما فيه المعنى المشتقّ منه أعني الشّركة ثمّ لأجل غلبته في هذا المعنى صار بمنزلة اللّقب، فلذلك أضافوه إلى ضميرهم، فقالوا: لشركائنا، إضافة معنوية لا لفظيّة، أي للشّركاء الّذين يُعرفون بنا. قال ابن عبَّاس وأصحابه: كان المشركون يجعلون لله من حروثهم (يعني زرعهم وشجرهم) وأنعامهم نصيباً وللأوثان نصيباً فما كان للأصنام أنفقوه عليها وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه البتة. وكانوا يجعلون البَحيرة والسائبة والوصيلة والحامي للأصنام. وذكر ابن إسحاق: أنّ (خَوْلاَن) كان لهم صنم اسمه (عَمّ أنَس) يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قِسَما بينه وبين الله، فما دخل في حق (عَمّ أنس) من حَقّ الله الّذي سَمَّوه له تركوه للصّنم وما دخل في حقّ الله من حقّ (عَمّ أنس) ردّوه عليه، ومنهم بطن يقال لهم (الأدِيم) قال: وفيهم نزل قوله تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ الآية. وقوله: {فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم}. قال ابن عبّاس وقتادة: كانوا إذا جمعوا الزرع فهبت الرّيح فحملت من الّذي لله إلى الّذي لشركائهم أقَرّوه وقالوا: إنّ الله غنيّ عنه، وإذا حملت من الّذي لشركائهم إلى الّذي للَّهِ ردّوه، وإذا هلك ما لأصنامهم بقحط أخذوا بدله ممّا لله، ولا يفعلون ذلك فيما لله، وإذا انفجر من سقي ما جعلوه لله فساح إلى ما للّذي للأصنام تركوه وإذا انفجر من سقي ما للأصنام فدخل في زرع الّذي لله سَدّوه. وكانوا إذا أصابتهم سَنَةٌ استعانوا بما جعلوه لله فأنفقوه على أنفسهم وأقرّوا ما جعلوه لشركائهم للشركاء، وإذا هلك الّذي جعلوه للأصنام وكثر الّذي جعلوه لله قالوا: ليس لآلهتنا بدّ من نفقة وأخذوا الّذي جعلوه لله فأنفقوه عليها، وإذا أجدب الّذي لله وكثر الّذي لآلهتهم قالوا: لو شاء الله أزكى الّذي له فلا يردّون على ما جعلوه لله شيئاً ممّا لآلهتهم، فقوله: {فلا يصل إلى الله} مبالغة في صونه من أن يعطى لما لله لأنَّه إذا كان لا يصل فهو لا يُتْرك إذا وَصل بالأوْلى. وعدّي {يصل} إلى اسم الجلالة وإلى اسم شركائهم. والمراد لا يصل إلى النّصيب المجعول لله أو إلى لشركائهم لأنَّهم لما جعلوا نصيباً لله ونصيباً لشركائهم فقد استشعروا ذلك النّصيب محوزاً لمن جُعل إليه وفي حرزه فكأنّه وصل إلى ذاته. وجملة: {ساء ما يحكمون} استئناف لإنشاء ذمّ شرائعهم. وساء هنا بمعنى بِئس: و{مَا هي فاعل ساء} وهي موصولة وصلتها {يحكمون}، وحذف العائد المنصوب، وحذف المخصوص بالذّم لدلالة: {جعلوا} عليه، أي: ساء ما يحكمون جَعْلُهم، وسمَّاه حكماً تهكّما، لأنَّهم نصبوا أنفسهم لتعيين الحقوق، ففَصَلوا بحكمهم حقّ الله من حقّ الأصنام، ثمّ أباحوا أن تأخذ الأصنام حقّ الله ولا يَأخذ الله حقّ الأصنام، فكان حكماً باطلاً كقوله: { أية : أفحكم الجاهليّة يبغون } تفسير : [المائدة: 50].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 136- المشركون الذين يعبدون الأوثان فى أوهام مستمرة، فهم يجعلون مما خلق الله تعالى وأنشأه من الزرع ومن الإبل والبقر والغنم، جزءاً لله تعالى ينفقونه على الضيفان والمحتاجين، وجزءاً آخر ينفقونه على خدمة الأوثان التى جعلوها شركاء لله تعالى بزعمهم، فما يجعلونه للأوثان يصل إلى أوثانهم فينفقونه عليها، وما يجعلونه لله بزعمهم لا يصل شى منه إلى الضيفان والفقراء، وما أسوأ حكمهم الظالم، لأنهم جعلوا الأوثان نظراء لخالق الحرث والنسل، ولأنهم لا ينفقون ما جعلوه لله فى مصارفه. 137- وكما زيَّنَتْ لهم أوهامهم تلك القسمة الظالمة لما خلق الله من حرث وإبل وبقر وغنم، قد زيَّنَتْ لهم أوهامهم فى الأوثان التى زعموها شركاء لله قتْل أولادهم عند الولادة، وأن يُنذروا لآلهتهم ذبح أولادهم، وإن تلك الأوهام تُرديهم وتخلط عليهم أمر الدين، فلا يدركونه على وجهه، وإذا كانت الأوهام لها ذلك السلطان على عقولهم، فاتركهم وما يفترونه على الله تعالى وعليك وسينالون عقاب ما يفترون، وتلك مشيئة الله، فلو شاء ما فعلوا. 138- ومن أوهامهم أنهم يقولون: هذه إبل وبقر وغنم وزرع ممنوعة، لا يأكلها أحد إلا من يشاءون من خَدَمَة الأوثان، وذلك من زعمهم الباطل، لا من عند الله. وقالوا أيضاً: هذه إبل حُرِّمت ظهورها فلا يركبها أحد، وهم مع ذلك لا يذكرون اسم الله تعالى عند ذبح ما يذبحون من إبل وبقر وغنم، وذلك لكذبهم على الله تعالى بشركهم، والله تعالى سيجزيهم بالعذاب فى الآخرة، بسبب افترائهم وتحريمهم ما يُحرِّمون من غير تحريم الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: مما ذرأ: مما خلَقَ. من الحرث والأنعام: الحرث كل ما يحرث له الأرض من الزروع، والأنعام: الإِبل والبقر والغنم. نصيباً: حظاً وقدراً معيناً. لشركائنا: شركاؤهم أوثانهم التي أشركوها في عبادة الخالق عز وجل. ساء ما يحكمون: قبح حكمهم في ذلك إذ آثروا أوثانهم على الله. ليردوهم: اللام لام العاقبة ومعنى يردوهم: يهلكوهم. وليلبسوا: ليخلطوا عليهم دينهم. حجر: أي ممنوعة على غير من لم يأذنوا له في أكلها. حرمت ظهورها: أي لا يركبونها ولا يحملون عليها. افتراء على الله: أي كذباً على الله عز وجل. على أزواجنا: أي إناثنا. وإن يكن ميتة: أي إن ولد ما في بطن الحيوان ميتاً فهم شركاء الذكور والإِناث سواء. سفهاً بغير بعلم: حمقاً وطيشاً وعدم رشد وذلك لجهلهم. معنى الآيات: ما زال السياق في التنديد بأفعال العادلين بربهم أصنامهم وأوثانهم فأخبر تعالى عما كانوا يبتدعونه من البدع ويشرعون من الشرائع بدون علم ولا هدى ولا ولا كتاب مبين فقال تعالى عنهم {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً} أي جعل أولئك العادلون بربهم لله تعالى مما خلق من الزرع والأنعام نصيباً أي قسماً كما جعلوا للآلهة التي يؤلهونها مع الله سبحانه وتعالى نصيباً، {فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا}. وقوله تعالى: {بِزَعْمِهِمْ} لأنه سبحانه وتعالى ما طلب منهم ذلك ولا شرعه لهم وإنما هم يكذبون على الله تعالى ثم إذا أنبت أو أنتج ما جعلوه لله، ولم ينبت أو ينتج ما جعلوه للشركاء حولوه إلى الشركاء بدعوى أنها فقيرة وأن الله غني، وإذا حصل العكس لم يحولوا ما جعلوه للآلهة لله بنفس الحجة وهي أن الشركاء فقراء، والله غني. هذا معنى قوله تعالى: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ} وهو تحيز ممقوت وتحكم فاسد فلذا قبح تعالى ذلك عليهم فقال {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي بئس الحكم حكمهم هذا وقبح صنيعاً، صنيعهم هذا، وما جعلوه لله ينفقون على الضيفان والفقراء، وما جعلوه للشركاء ينفقونه على السدنة والمقيمين على الأصنام والأوثان. هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الثانية [137] وهي قوله تعالى {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} يريد وكذلك التحكم الباطل والإِدعاء الكاذب في جعل لله شيئاً مما ذرأ من الحرث والأنعام، ثم عدم العدل بين الله تعالى وبين شركائهم زين لكثير من المشركين شركاؤهم وهم شياطينهم من الجن والإِنس قتل أولادهم كالمؤودة من البنات خوف العار، وكقتل الأولاد الصغار خوف الفقر، أو لنذرها للآلهة، وفعل الشياطين ذلك من أجل أن يردوهم أي يهلكوهم، ويلبسوا عليهم دينهم الحق أن يخلطوه لهم بالشرك، وهو معنى قوله تعالى {لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} وقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} هو كما قال إذ لو أراد تعالى منعهم من ذلك لمنعهم وهو على كل شيء قدير، إذاً فذرهم أيها الرسول وما يفترون من الكذب في هذا التشريع الجاهلي الباطل القبيح. هذا ما دلت عيه الآية الثانية أما الثالثة [138] وهي قوله تعالى: {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ}. فقد تضمنت هذه الآية ثلاثة ضروب من تشريع الجاهلية وأباطيلهم. الأول: تحريمهم بعض الأنعام والحرث وجعلها لله وللآلهة التي يعبدونها مع الله. الثاني: أنعام أي إبل حرموا ركوبها كالسائبة والحام. الثالثة: إبلٌ لا يذكرون اسم الله عليها فلا يحجون عليها ولا يذكرون اسم الله عليها إن ركبوها بحال ولا إن حملوا عليها. وقوله تعالى في ختام الآية {ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ} أي كذباً على الله تعالى لأنه تعالى ما حرم ذلك عليهم وإنما حرموه هم بأنفسهم وقالوا حرمه الله علينا، ولذا توعدهم الله تعالى على كذبهم هذا بقوله: {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي سيثيبهم الثواب الملائم لكذبهم وهو العذاب الأخروي. هذا ما دلت عليه الآية الثالثة أما الآية الرابعة [139] {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ} فقد تضمنت تشريعاً آخر باطلاً اختلقوه بأنفسهم وزعموا أن الله شرعه لهم وهو أنهم حرموا ما في بطون بعض الأنعام على الإِناث، وجعلوها حلالاً للذكور خالصة لهم دون النساء فلا يشرب النساء من ألبانها ولا يأكلن لحوم أجنتها إن ذبحوها ولا ينتفعن بها بحال، اللهم إلا أن ولد الجنين ميتاً فإنهم لا يحرمونه على النساء ولا يخصون به الذكور فيحل أكله للنساء والرجال معاً، ولذا توعدهم تعالى بقوله {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ} أي سيثيبهم على هذا الكذب بما يستحقون من العذاب إنه حكيم في قضائه عليم بعباده. هذا ما دلت عليه الآية الرابعة أما الخامسة [140] فقد أخبر تعالى بخسران أولئك المشرعين وضلالهم وعدم هدايتهم بقوله {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهاً} أي جهلاً {بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} مما سبق ذكره {ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ} كذباً {قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة الابتداع في الدين والتشريع المنافي لشرع الله تعالى وإن لم ينسب إلى الله تعالى. 2- ما ينذره الجهال اليوم من نذور للأولياء وإعطائهم شيئاً من الأنعام والحرث والشجر هو من عمل المشركين زينه الشيطان لجهال المسلمين. 3- حرمة قتل النفس لأي سبب كان وتحديد النسل اليوم وإلزام الأمة به من بعض الحكام من عمل أهل الجاهلية الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم كقتل البنات خشية العار والأولاد خشية الفقر.

القطان

تفسير : ذرأ: خلق. الحرث: الزرع. شركاؤنا: الاوثان التي كانوا يتقربون بعبادتها الى الله تعالى، وشركاؤهم سدنةُ الاوثان وخدمها. ساء ما يحكمون: ما اسوأ حكمهم وقسمتهم. بعد ان حاجّ الله تعالى المشركين وسائر العر ب في كثير من أصول الدين، وكان آخرهم البعث والجزاء - أخذ هنا يفنّد أفعالهم وخرافاتهم في الحرث والزرع والانعام، وفي التحليل والتحريم حسب الاهواء. لقد أوضح ان المشركين الذين يعبدون الأوثان في أوهام مستمرة، فهم يجعلون بعض الزرع والابل والبقر والغنم من نصيب الله تعالى بأن ينفقهوه على الضيوف والمحتاجين، ويجعلون البعض الآخر من نصيب الاوثان وينفقونه في خدمتها. ومعنى ذلك انهم جعلوها شركاء لله تعالى. ثم يزعمون ان ما يجعلونه للاوثان يصل إليهم وما يجعلونه لله تعالى لايصل إليه، بل يأخذه الأضياف والفقراء "ساءَ ما يَحْكُمون" فما اسوأ حُكمهم الظالم: لقد جعلوا الاوثان نظراء لله وهو سبحانه الخالق الأوحد، كما انهم أساءاوا حين انفقوا ما جعلوه لله في غير مصارفه. قراءات: قرأ حمزة والكسائي "من يكون له عاقبة الدار" بالياء، والباقون "من تكون" بالتاء. وقرأ الكسائي: "بزعمهم" بضم الزاي، والباقون "بزعمهم" بفتح الزاي.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَنْعَامِ} {لِشُرَكَآئِهِمْ} {لِشُرَكَآئِنَا} {شُرَكَآئِهِمْ} (136) - يَذُمُّ اللهُ تَعَالَى المُشْرِكِينَ، وَيُوَبِّخُهُمْ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ بِدَعٍ وَكُفْرٍ وَشِرْكٍ، وَعَلَى مَا جَعَلُوهُ للهِ، مِنْ أَنْدَادٍ وَشُرَكَاءَ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ. فَقَدْ جَعَلُوا لَهُ نَصِيباً مِمَّا خَلَقَ (ذَرَأَ) مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ (مِنَ الحَرْثِ)، وَمِنَ البَهَائِمِ وَالأَنْعَامِ، وَجَعَلُوا لِمَنْ أَشْرَكُوهُمْ فِي العِبَادَةِ مَعَ اللهِ، مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، نَصِيباً آخَرَ فَقَالُوا: - فِيمَا زَعَمُوا وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَيهِ - فِي النَّصِيبِ الأَوَّلِ هذا للهِ نَتَقَرَّبُ بِهِ إِليهِ. وَقَالُوا فِي النَّصِيبِ الثَّانِي: هذا لِمَعْبُودَاتِنا (لِشُرَكَائِنا)، نَتَقَرَّبُ بِهِ إِليها، فَكَانُوا يُنْفِقُونَ نَصِيبَ اللهِ عَلَى قِرَى الأَضْيَافِ، وَإِكْرَامِ الصّبْيَانِ، وَالتَّصَدُّقِ عَلَى المَسَاكِينِ. أَمَّا نَصِيبُ آلِهَتِهِمْ فَكَانُوا يُنْفِقُونَهُ عَلَى سَدَنَتِهَا، وَعَلَى القَرَابِينِ إِلَيها. فَمَا خَصُّوا مَعْبُُودَاتِهِمْ بِهِ، مَا كَانَ لِيُصْرَفَ شَيءٌ مِنْهُ فيِ الوُجُوهِ التِي جَعَلُوهَا للهِ، بَلْ يَهْتَمُّونَ بِحِفْظِهِ عَلَى السَّدَنَةِ، وَعَلَى ذَبْحِ القَرَابِينِ إِلَيها. وَمَا خَصُّوا بِهِ اللهَ، وَجَعَلُوهُ لَهُ، فَكَانُوا يُحَوِّلُونَهُ أَحْيَاناً إِلى الأَصْنَامِ. وَقَدْ ذَمَّهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى تَصَرُّفِهِمْ هَذَا فَقَالَ: (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)، إِذْ أَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا أَوَّلاً فِي القَسْمِ وَالتَّخْصِيصِ، لأَِنَّ اللهَ تَعَالَى رَبُّ كُلِّ شَيءٍ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ بِهِ أَحَدٌ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا قَسَمُوا هَذِهِ القِسْمَةَ الفَاسِدَةَ لَمْ يُحَافِظُوا عَليها، بَلْ جَارُوا فِيهَا وَتَجاوَزُوا الحَدَّ. ذَرَأَ - خَلَقَ عَلَى وَجْهِ الاخْتِرَاعِ أَوْ بَثَّ. الحَرْثِ - الزَّرْعِ. الأَنْعَامِ - الإِبْلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالمَاعِزِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا رجوع إلى كلام عن الذين يناهضون منهج الله. و"ذرأ" أي خلق، وبث، وبشر، والحرث يراد به الزرع، وسمى الزرع حرثاً؛ لأنه يأتي بالحرث، و"الأنعام" وهي تتمثل في ثمانية أزواج في آية تأتي بعد ذلك، وهي الأبل، والبقر، والضأن والمعز. {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً} أي مما خلق، وهم قد حرثوا فقط؛ لأن الذي يزرع هو الله، فسبحانه الذي أعطى للبذرة قوتها لتربي لها جذراً، وتمتص عناصر الغذاء من الأرض، وهو الذي جاء بعناصر الأرض كلها، وهو الذي جعل البذرة تتوجه إلى العناصر الصالحة لها، وتترك غير صالح بقانون {ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ}. والذي صنعه الله الحرث وفي الأنعام تتخيلون أنكم تتصرفون فيه على رغم أنه هو الذي ذرأ وخلق. إنه - سبحانه - هو المتصرف. هم جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا: هذا لله "بزعمهم" وهذا لشركائنا، أي جاءوا بالحرث وقسموه قسمين. وقالوا: هذا لله، وهذا للأصنام. وكذلك قسموا الأنعام وجعلوا منها قسماً لله، وقسماً لهم، ألم يكن من العدل أن يقسم الذي خلق بدلاً من هذا الزعم منكم لأنكم أخذتم غير حقكم، وياليتكم أنصفتم فنرضى بقسمتكم فيذهب القسم الذي لله للصدقات على الفقراء، والذي للشركاء يذهب للأصنام وللسدنة الحجاب عليها والخادمين والذين يضربون لكم الأقداح، ويا ليتكم عرفتم العدل في القسمة بل أن ما صنعتموه هي قسمة ضيزى جائرة وظالمة، لماذا؟. تأتي الإجابة من الحق: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ..} [الأنعام: 136] أنتم قسمتم وقلتم: هذا لله وهذا لشركائنا. فاصدقوا مع أنفسكم في هذه النسبة، لكنهم كانوا يسرقون حق الله، وكان لهم في الهلاك تقسيم معين، وفي الزيادة لهم تقسيم آخر. فإذا ما جاءت آفة للزرع وأهلكته أخذوا ما خصصوه لله وأعطوه للشركاء وقالوا: إن ربنا غني! وبرغم أنكم قسمتم ولكنكم لم توفوا بالقسمة التي فرضتموها ورضيتم بها. وكذلك في الأنعام يقدرون عدداً من الأنعام ويقولون: هذه لله، وتلك للشركاء، فإن ماتت بهيمة من النذور لله لم يعوضوها، وإن ماتت بهيمة منذورة للأصنام يعوضونها ويأخذوا بدلاً منها من القسم الذي نذروه لله. وأيضاًَ لنفترض أن عيناً جارية ساحت فيها المياه لتروي الزرع المقسوم لله، فيأخذوا منها للأرض المزروعة للأصنام. إذن هي قسمة ضيزى من البداية، وليتهم وفوا بهذه القسمة، وهكذا ساء حكمهم وفسد. ويقول الحق بعد ذلك: {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ ..}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} معناهُ خَلَقَ. وَبَرَأَ مِثْلُه.

الأندلسي

تفسير : {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً} روي عن ابن عباس وغيره أن العرب كانت تجعل من غلاتها وزروعها وأثمارها وأنعامها جزأً تسميه لله تعالى، وجزأ تسميه لأصنامها، وكانت عادتها أن تبالغ وتجتهد في إخراج نصيب الأصنام أكثر منها في نصيب الله تعالى إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فقر، وليس ذلك بالله تعالى. فكانوا إذا جمعوا الزرع فهبت الريح فحملت من الذي لله إلى ذلك لشركائهم تركوه ولم يردوه إلى نصيب الله ويفعلون عكس هذا وإذا تفجّر من سقى ما جعلوه لله تعالى في نصيب شركائهم تركوه وبالعكس سدوه وإذا لم ينجح شىء من نصيب آلهتهم جعلوا نصيب الله تعالى لها، وكذا في الانعام وإذا أجدبوا أكلوا نصيب الله وتركوا نصيبها. لما ذكر تعالى قبح طريقة مشركي العرب في إنكارهم البعث ذكر أنواعاً من جعالتهم تنبيهاً على ضعف عقولهم. وفي قوله تعالى: {مِمَّا ذَرَأَ}، أنه تعالى كان أولى أن يجعل له الأحسن والأجود، وأن يكون جانبه تعالى هو الأرجح إذ كان تعالى هو الموجد لما جعلوا منه نصيباً له، والقادر على تنميته دون أصنامهم العاجزة عما يحل بها فضلاً عن أن تخلق شيئاً أو تنميه. {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} هذا ذم بالغ عام لأحكامهم فيدخل فيه حكمهم هذا السابق وغيره أو في إيثار آلهتهم على الله تعالى وعملهم ما لم يشرع لهم. وما: مصدرية. وساء: متعدية، حذف مفعولها لدلالة المعنى تقديره ساءهم حكمهم، أي جلب لهم السوء وقد ذكروا في ما إعراباً غير ما ذكرناه نبهنا عليه في البحر. وقال ابن عطية: وما في موضع رفع، كأنه قال: ساء الذي يحكمون. ولا يتجه عندي أن تجري هنا ساء مجرى نِعْم وبئس لأن المفسر هنا مضمر، ولا بد من إظهاره باتفاق من النحاة وإنما اتجه أن تجري مجرى بئس في قوله: {أية : سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ} تفسير : [الأعراف: 177]، لأن المفسر ظاهر في الكلام. "انتهى". وهذا قول من شذا يسيراً من العربية ولم ترسخ قدمه فيها بل إذا جرت ساء مجرى نعم وبئس كان حكمُها حكمَهما سواء لا تختلف في شىء البتة من فاعل مضمراً. وظاهر ويتميز ولا خلاف في جواز حذف المخصوص بالمدح والذم والتمييز فيهَا لدلالة الكلام عليه فقوله لأن المفسّر هنا مضمر ولا بد من إظهاره باتفاق النحاة إلى آخره كلام ساقط ودعواه الاتفاق مع أن الاتفاق على خلاف ما ذكر عجب عجاب. {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ} الإِشارة بذلك إلى المصدر المفهوم من قوله: وجعلوا لله تقديره. ومثل ذلك الجعل في التزيين زين لكثير من المشركين. {قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ} بالوأد أو بنحرهم للآلهة وكان الرجل يحلف في الجاهلية لئن ولد لي كذا غلاماً لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب. وقرىء زين مبنياً للفاعل والفاعل شركاؤهم. وقتل مصدر مضاف للمفعول. وقرىء زين مبنياً للمفعول، وقتل مفعول لم يسم فاعله وشركاؤهم مرفوع بفعل محذوف يدل عليه ما قبله تقديره زيّنه شركاؤهم. ونظيره قراءة من قرأ يسبح له مبنياً للمفعول. ورجال فاعل بفعل محذوف يدل عليه ما قبله تقديره ويسبحه رجال. وقرأ ابن عامر كذلك، ألا أنه نصب أولادهم وجر شركائهم فصل بين المصدر المضاف إلى الفاعل بالمفعول وهي مسألة مختلف في جوازها فجمهور البصريين يمنعونها متقدموهم ومتأخروهم ولا يجيزون ذلك إلا في ضرورة الشعر. وبعض النحويين أجازها وهو الصحيح لوجودها في هذه القراءة المتواترة المنسوبة إلى العربي الصريح المحصن ابن عامر الآخذ للقرآن عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قبل أن يظهر اللحن في لسان العرب، ولوجودها أيضاً في لسان العرب في عدة أبيات. من ذلك قول الشاعر: شعر : فزججتها بمزجة زج القلوص أبي مزاده تفسير : قال الزمخشري: والفصل بينهما يعني المضاف والمضاف إليه لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر لكان سَمِجاً مردوداً كما سمج ورود: زجّ القلوص أبي مزاده. فكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته، والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوباً بالياء. ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء لأن الأولاد وشركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب. "انتهى". أعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض قراءة متواترة موجود نظيرها في لسان العرب في غير ما بيت وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقاً وغرباً. وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم. ومعنى: {لِيُرْدُوهُمْ} ليهلكوهم من الردى، وهو الهلاك. {وَلِيَلْبِسُواْ} ليخلطوا. و{دِينَهُمْ} ما كانوا عليه من دين إسماعيل حتى زلوا عنه إلى الشرك. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} الظاهر عود الضمير على القتل لأنه المصرح به والمحدث عنه. والواو في فعلوه: عائدة على الكثير. {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} أي يختلقون من الإِفك على الله تعالى. والأحكام التي يشرعونها وهو أمر تهديد ووعيد. وما: مصدرية، أي وافتراؤهم، أو موصولة بمعنى الذي. والعائد من الصلة محذوف تقديره يفترونه. {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} الآية، أعلم تعالى بأشياء مما شرعوها وتقسيمات ابتدعوها والتزموها على جهة الفرية والكذب منهم على الله تعالى أفردوا من أنعامهم وزروعهم وأثمارهم شيئاً. وقالوا: هذا حجر، أي حرام ممنوع. والحجر بمعنى المحجور كالذبح والطحن. {لاَّ يَطْعَمُهَآ} والضمير في يطعمها عائد على الإِنعام والحرث. ومفعول نشاء محذوف تقديره من نشاء طعمه. وقيل: هم الرجال دون النساء. وقيل: هم سدنة الأصنام أي خدمتها. {وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} هي البحائر والسوائب والحوامي، وتقدم تفسيرها في المائدة. {وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} أي عند الذبح. وقال أبو وائل وجماعة: لا يحجون عليها ولا يلبون، وكانت تركب في كل وجه إلا الحج. {ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ} أي اختلاقاً وكذباً على الله تعالى حيث قسّموا هذه الأنعام هذه التقسيم ونسبوا ذلك إلى الله تعالى. وانتصب افتراء على أنه مفعول من أجله أو مصدر على إضمار فعل أي يفترون. {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ} الذي في بطونها هو الأجنة. يقولون: في أجنة البحائر والسوائب، ما ولد منها حياً، فهو خالص للذكور ولا تأكل منه الإِناث، وما ولد ميتاً اشترك فيه الذكور والإِناث. وقيل: ما في بطونها اللبن. وقال الطبري: اللفظ يعم الأجنة واللبن. "انتهى". والظاهر الأجنة لأنها التي في البطن حقيقة، وأما اللبن ففي الضرع لا في البطن إلا بمجاز بعيد. ما: مبتدأ خبره خالصة أنّث على المعنى، ثم ذكر في قوله: محرم، حملاً على لفظ ما. وقرىء: خالصة بالنصب على الحال وخالصاً بالنصب على الحال أيضاً. وقرىء: خالص بالرفع بغير تاء خبَر لما. {لِّذُكُورِنَا} متعلق بخالص أو بخالصة. {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ} كانوا إذا خرج الجنين ميّتاً اشترك في أكله الرجال والنساء. وكذلك ما مات من الانعام الموقوفة نفسها. وقرىء: وإن تكن بتاء التأنيث ميتة بالنصب أي وإن تكن الأجنة التي تخرج ميتة. وقرىء: وإن يكن ميتة بالرفع على كان التامة. وأجاز الأخفش أن تكون الناقصة، وجعل الخبر محذوفاً التقدير وإن يكن في بطونها ميتة. قال الزمخشري: وقرأ أهل مكة وإن تكن ميتة بالتأنيث والرفع. "انتهى". ان عنى بقوله: أهل مكة، ابن كثير فهو وهم. وإن عنى غيره من أهل مكة فيمكن أن يكون نقلاً صحيحاً. وهذه القراءة التي عزاها الزمخشري لأهل مكة هي قراءة ابن عامر رحمه الله. {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي جزاء وصفهم.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من جملة أهويتهم الباطلة أنهم {جَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} برأ وخلق {مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا} المعين المفروز {للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا} أي: آلهتنا وشفعائنا {فَمَا كَانَ} من أموالهم يفرز {لِشُرَكَآئِهِمْ} إن كان جيداً طيباً {فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ} ولا يتجاوز عن شركائهم {وَمَا كَانَ للَّهِ} إن كان جيداً {فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ} بأن استبدلوها بالردئ الذي كان لشركائهم {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136] هؤلاء الجاهلون؛ لأن فعلهم واختيارهم هذا إنما هو تفضيل المفضول المترذل على الأصل الأفضل. روي أنهم كانوا يعينون في حرثهم ونتاجهم لله، ويصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وشيئاً منها لآلهتهم وينفقونها إلى سدنة آلهتهم وخدامههم، ويذبحون عندها ثم إن رأوا ما عينوا لله أزكى؛ بدلوه بما لآلهتهم من الردئ، وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها حباً لآلهتهم، وهذا مما اخترعوه من تلقاء أنفسهم وإن افتروا إلى كتبهم ترويجاً وتغريراً. {وَكَذٰلِكَ} أي: مثل قسمتهم في القربات والصدقات {زَيَّنَ} حبب وحسن {لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} أي: آلهتهم الذين يعبدونهم من دون الله من الشياطين، وما ذلك التزيين والتحسين إلا {لِيُرْدُوهُمْ} ليهلكوهم ويضلوهم بالإغواء عن طريق الحق {وَلِيَلْبِسُواْ} ويخلطوا {عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} الذي وجب عليهم الانقياد والإطاعة ليصلوا إلى طريق التوحيد {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} الهادي لعباده هدايتهم {مَا فَعَلُوهُ} أي: ما قبلوا ما زينوهم ولبسوا عليهم {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 137] أي: جانب عنهم وعن افترائهم إلى أن نأخذهم وننتقم عنهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى، عمَّا عليه المشركون المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم، من سفاهة العقل، وخفة الأحلام، والجهل البليغ، وعدَّد تبارك وتعالى شيئا من خرافاتهم، لينبه بذلك على ضلالهم والحذر منهم، وأن معارضة أمثال هؤلاءالسفهاء للحق الذي جاء به الرسول، لا تقدح فيه أصلا فإنهم لا أهلية لهم في مقابلة الحق، فذكر من ذلك أنهم { جعلوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا } ولشركائهم من ذلك نصيبا، والحال أن الله تعالى هو الذي ذرأه للعباد، وأوجده رزقا، فجمعوا بين محذورين محظورين، بل ثلاثة محاذير، منَّتهم على الله، في جعلهم له نصيبا، مع اعتقادهم أن ذلك منهم تبرع، وإشراك الشركاء الذين لم يرزقوهم، ولم يوجدوا لهم شيئا في ذلك، وحكمهم الجائر في أن ما كان لله لم يبالوا به، ولم يهتموا، ولو كان واصلا إلى الشركاء، وما كان لشركائهم اعتنوا به واحتفظوا به ولم يصل إلى الله منه شيء، وذلك أنهم إذا حصل لهم -من زروعهم وثمارهم وأنعامهم، التي أوجدها الله لهم- شيء، جعلوه قسمين: قسمًا قالوا: هذا لله بقولهم وزعمهم، وإلا فالله لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه، ولا يقبل عمل مَن أشرك به. وقسمًا جعلوه حصة شركائهم من الأوثان والأنداد. فإن وصل شيء مما جعلوه لله، واختلط بما جعلوه لغيره، لم يبالوا بذلك، وقالوا: الله غني عنه، فلا يردونه، وإن وصل شيء مما جعلوه لآلهتهم إلى ما جعلوه لله، ردوه إلى محله، وقالوا: إنها فقيرة، لا بد من رد نصيبها. فهل أسوأ من هذا الحكم. وأظلم؟" حيث جعلوا ما للمخلوق، يجتهد فيه وينصح ويحفظ، أكثر مما يفعل بحق الله. ويحتمل أن تأويل الآية الكريمة، ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن الله تعالى أنه قال: "حديث : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معي شيئا تركته وشركه ". تفسير : وأن معنى الآية أن ما جعلوه وتقربوا به لأوثانهم، فهو تقرب خالص لغير الله، ليس لله منه شيء، وما جعلوه لله -على زعمهم- فإنه لا يصل إليه لكونه شركًا، بل يكون حظ الشركاء والأنداد، لأن الله غني عنه، لا يقبل العمل الذي أُشرِك به معه أحد من الخلق. ومن سفه المشركين وضلالهم، أنه زيَّن لكثير من المشركين شركاؤهم -أي: رؤساؤهم وشياطينهم- قتل أولادهم، وهو: الوأد، الذين يدفنون أولادهم الذكور خشية الافتقار، والإناث خشية العار. وكل هذا من خدع الشياطين، الذين يريدون أن يُرْدُوهم بالهلاك، ويلبسوا عليهم دينهم، فيفعلون الأفعال التي في غاية القبح، ولا يزال شركاؤهم يزينونها لهم، حتى تكون عندهم من الأمور الحسنة والخصال المستحسنة، ولو شاء الله أن يمنعهم ويحول بينهم وبين هذه الأفعال، ويمنع أولادهم عن قتل الأبوين لهم، ما فعلوه، ولكن اقتضت حكمته التخلية بينهم وبين أفعالهم،استدراجا منه لهم، وإمهالا لهم، وعدم مبالاة بما هم عليه، ولهذا قال: { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } أي: دعهم مع كذبهم وافترائهم، ولا تحزن عليهم، فإنهم لن يضروا الله شيئا. ومن أنواع سفاهتهم أن الأنعام التي أحلها الله لهم عموما، وجعلها رزقا ورحمة، يتمتعون بها وينتفعون، قد اخترعوا فيها بِدعًا وأقوالا من تلقاء أنفسهم، فعندهم اصطلاح في بعض الأنعام [والحرث] أنهم يقولون فيها: { هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ } أي: محرم { لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ } أي: لا يجوز أن يطعمه أحد، إلا من أردنا أن يطعمه، أو وصفناه بوصف -من عندهم-. وكل هذا بزعمهم لا مستند لهم ولا حجة إلا أهويتهم، وآراؤهم الفاسدة. وأنعام ليست محرمة من كل وجه، بل يحرمون ظهورها، أي: بالركوب والحمل عليها، ويحمون ظهرها، ويسمونها الحام، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها، بل يذكرون اسم أصنامهم وما كانوا يعبدون من دون الله عليها، وينسبون تلك الأفعال إلى الله، وهم كذبة فُجَّار في ذلك. { سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } على الله، من إحلال الشرك، وتحريم الحلال من الأكل، والمنافع. ومن آرائهم السخيفة أنهم يجعلون بعض الأنعام، ويعينونها -محرما ما في بطنها على الإناث دون الذكور، فيقولون: { مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا } أي: حلال لهم، لا يشاركهم فيها النساء، { وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا } أي: نسائنا، هذا إذا ولد حيا، وإن يكن ما [في] بطنها يولد ميتا، فهم فيه شركاء، أي: فهو حلال للذكور والإناث. { سَيَجْزِيهِمْ } الله { وَصْفَهُمْ } حين وصفوا ما أحله الله بأنه حرام، ووصفوا الحرام بالحلال، فناقضوا شرع الله وخالفوه، ونسبوا ذلك إلى الله. { إِنَّهُ حَكِيمٌ } حيث أمهل لهم، ومكنهم مما هم فيه من الضلال. { عَلِيمٌ } بهم، لا تخفى عليه خافية، وهو تعالى يعلم بهم وبما قالوه عليه وافتروه، وهو يعافيهم ويرزقهم جل جلاله. ثم بين خسرانهم وسفاهة عقولهم فقال: { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي: خسروا دينهم وأولادهم وعقولهم، وصار وصْفُهم -بعد العقول الرزينة- السفه المردي، والضلال. { وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ } أي: ما جعله رحمة لهم، وساقه رزقا لهم. فردوا كرامة ربهم، ولم يكتفوا بذلك، بل وصفوها بأنها حرام، وهي من أَحَلِّ الحلال. وكل هذا { افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ } أي: كذبا يكذب به كل معاند كَفَّار. { قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } أي: قد ضلوا ضلالا بعيدا، ولم يكونوا مهتدين في شيء من أمورهم.

همام الصنعاني

تفسير : 856- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عَنْ قَتَادَة، في قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً}: [الآية: 136]، قال: كانوا يعزلونَ من أموالهم شيئاً، فيقولون: هذا لله، وها لأصنَامِهم التي يعبدون، فإن ذهب بعير مما جعلوا لشركائهم يُخالط ممَّا جَعَلُوهُ لله، رَدُّوه. وإن ذهَبَ شيء مما جَعَلُوه لله يُخالط شيئاً مِمَّا جَعَلُوه لشركائِهِمْ تركوه، فإن أصابتهم سَنَةٌ أكلوا مماجعلوا لله، وتركوا ماجعل لشركائهم. فقال الله تعالى: {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}.