٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
137
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة، ومذاهبهم الباطلة، وقوله: {وَكَذٰلِكَ } عطف على قوله: {أية : وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ }تفسير : [الأنعام: 136] أي كما فعلوا ذلك، فكذلك زين لكثير منهم شركاؤهم قتل الأولاد، والمعنى: أن جعلهم لله نصيباً، وللشركاء نصيباً، نهاية في الجهل بمعرفة الخالق المنعم، وإقدامهم على قتل أولاد أنفسهم نهاية في الجهالة والضلالة، وذلك يفيد التنبيه على أن أحكام هؤلاء وأحوالهم يشاكل بعضها بعضاً في الركاكة والخساسة. المسألة الثانية: كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء خوفاً من الفقر أو من التزويج، وهو المراد من هذه الآية. واختلفوا في المراد بالشركاء، فقال مجاهد: شركاؤهم شياطينهم أمروهم بأن يئدوا أولادهم خشية العيلة، وسميت الشياطين شركاء، لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى، وأضيفت الشركاء إليهم، لأنهم اتخذوها كقوله تعالى: {أية : أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } تفسير : [الأنعام: 22] وقال الكلبي: كان لآلهتهم سدنة وخدام، وهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل أولادهم، وكان الرجل يقوم في الجاهلية فيحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاماً لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله، وعلى هذا القول: الشركاء هم السدنة، سموا شركاء كما سميت الشياطين شركاء في قول مجاهد. المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر وحده {زُيّنَ } بضم الزاء وكسر الياء، وبضم اللام من {قَتْلَ } و {أَوْلَـٰدُهُمْ } بنصب الدال {شُرَكَائِهِمْ } بالخفض والباقون {زيّنَ } بفتح الزاي والياء {قَتْلَ } بفتح اللام {أَوْلَـٰدُهُمْ } بالجر {شُرَكَاؤُهُمْ } بالرفع. أما وجه قراءة ابن عامر فالتقدير: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، إلا أنه فصل بين المضاف، والمضاف إليه بالمفعول به وهو الأولاد، وهو مكروه في الشعر كما في قوله:شعر : فزججتها بمزجة زج القلوص أبي مزاده تفسير : وإذا كان مستكرهاً في الشعر فكيف في القرآن الذي هو معجز في الفصاحة. قالوا: والذي حمل ابن عامر على هذه القراءة أنه رأى في بعض المصاحف {شُرَكَائِهِمْ } مكتوباً بالياء، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء، لأجل أن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب. وأما القراءة المشهورة: فليس فيها إلا تقديم المفعول على الفاعل، ونظيره قوله: {أية : لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } تفسير : [الأنعام: 158] وقوله: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ } تفسير : [البقرة: 124] والسبب في تقديم المفعول هو أنهم يقدمون الأهم، والذي هم بشأنه أعنى وموضع التعجب ههنا إقدامهم على قتل أولادهم، فلهذا السبب حصل هذا التقدير. ثم قال تعالى: {لِيُرْدُوهُمْ } والإرداء في اللغة الإهلاك، وفي القرآن {أية : إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ }تفسير : [الصافات: 56] قال ابن عباس: ليردوهم في النار، واللام ههنا محمولة على لام العاقبة كما في قوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8] {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } أي ليخلطوا، لأنهم كانوا على دين إسمعيل، فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة، أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق. ثم قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } قال أصحابنا: إنه يدل على أن كل ما فعله المشركون فهو بمشيئة الله تعالى. قالت المعتزلة: إنه محمول على مشيئة الإلجاء، وقد سبق ذكره مراراً {أية : فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }تفسير : [الأنعام: 112] وهذا على قانون قوله تعالى: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ }تفسير : [فصلت: 40] وقوله: {وَمَا يَفْتَرُونَ } يدل على أنهم كانوا يقولون: إن الله أمرهم بقتل أولادهم، فكانوا كاذبين في ذلك القول.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} المعنى: فكما زَيّن لهؤلاء أن جعلوا لله نصيباً ولأصنامهم نصيباً كذلك زَيّن لكثير من المشركين قَتلَ أولادِهم شركاؤُهم. قال مجاهد وغيره: زيّنت لهم قتل البنات مخافة العَيْلَة. قال الفراء والزجاج: شركاؤهم ها هنا هم الذين كانوا يخدُمون الأوثان. وقيل: هم الغُوَاة من الناس. وقيل: هم الشياطين. وأشار بهذا إلى الوَأد الخفِيّ وهو دفن البنت حية مخافةَ السِّبَاء والحاجة، وعدم ما حُرمْن من النصرة. وسمى الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم. وقيل: كان الرجل في الجاهلية يحلف بالله لئن وُلد له كذا وكذا غلاماً لينحرَنّ أحدهم؛ كما فعله عبد المطلب حين نذر ذبح ولده عبدِ الله. ثم قيل: في الآية أربع قراءات، أصحها قراءة الجمهور: «وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ» وهذه قراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل البصرة. «شركاؤهم» رفع بـ«زين»؛ لأنهم زَيّنوا ولم يقتلوا. «قَتْل» نصب بـ«زين» و«أولادهم» مضاف إلى المفعول، والأصل في المصدر أن يضاف إلى الفاعل؛ لأنه أحدثه ولأنه لا يستغنى عنه ويستغنى عن المفعول؛ فهو هنا مضاف إلى المفعول لفظاً مضافٌ إلى الفاعل معنًى؛ لأن التقدير زَيّن لكثير من المشركين قتلهم أولادهم شركاؤهم، ثم حذف المضاف وهو الفاعل كما حذف من قوله تعالى: {أية : لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ}تفسير : [فصلت: 49] أي من دعائه الخير. فالهاء فاعلة الدعاء، أي لا يسأم الإنسان من أن يدعو بالخير. وكذا قوله: زيّن لكثير من المشركين في أن يقتلوا أولادهم شركاؤهم. قال مكيّ: وهذه القراءة هي الاختيار؛ لصحة الإعراب فيها ولأن عليها الجماعة. القراءة الثانية «زُيّن» (بضم الزاي). «لكثير من المشركين قتلُ» (بالرفع). «أولادِهم» بالخفض. «شركاؤهم» (بالرفع) قراءة الحسن. ٱبنُ عامر وأهل الشام «زُيّنَ» بضم الزاي «لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم برفع «قتل» ونصب «أولادهم». «شركائهم» بالخفض فيما حكى أبو عبيد؛ وحكى غيره عن أهل الشام أنهم قَرءوا «وكذلك زُيّنَ» بضم الزاي «لكثير من المشركين قتلُ» بالرفع «أولادِهم» بالخفض «شركائهم» بالخفض أيضاً. فالقراءة الثانية قراءة الحسن جائزة، يكون «قتل» ٱسم ما لم يُسم فاعله، «شركاؤهم»؛ رفع بإضمار فعل يدل عليه «زَيّنَ»، أي زيّنه شركاؤهم. ويجوز على هذا ضُرِب زيدٌ عمروٌ، بمعنى ضربه عمرو، وأنشد سيبويه:شعر : لِيُبْك يَزِيـدُ ضارِعٌ لخصومـةٍ تفسير : أي يبكيه ضارع. وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية أبي بكر {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ}تفسير : [النور: 36-37] التقدير يسبحه رجال. وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَة {أية : قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } تفسير : [البروج: 4 ـ 5] بمعنى قتلهم النار. قال النحاس: وأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر وأهل الشام فلا يجوز في كلام ولا في شعر، وإنَّمَا أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف لأنه لا يَفصِل، فأما بالأسماء غير الظروف فلَحْنٌ. قال مَكِّيّ: وهذه القراءة فيها ضعف للتفريق بين المضاف والمضاف إليه؛ لأنه إنما يجوز مثل هذا التفريق في الشعر مع الظروف لاتساعهم فيها وهو في المفعول به في الشعر بعيد، فإجازته في القراءة أبعد. وقال المهدوِيّ: قراءة ابن عامر هذه على التفرقة بين المضاف والمضاف إليه، ومثله قول الشاعر:شعر : فزَجَجْتُها بِمزجّة زَجَّ القَلوصَ أبي مَزادة تفسير : يريد: زجّ أبي مزادة القَلوصَ. وأنشد:شعر : تَمُرّ على ما تستمر وقد شفت غلائلَ عبدُ القيس منها صُدُورِها تفسير : يريد شفت عبدُ القيس غلائل صدورها. وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي: قراءة ٱبن عامر لا تجوز في العربية؛ وهي زلّة عالم، وإذا زل العالم لم يجز ٱتباعه، ورُدّ قوله إلى الإجماع، وكذلك يجب أن يُرَدّ من زلّ منهم أو سها إلى الإجماع؛ فهو أولى من الإصرار على غير الصواب. وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف؛ لأنه لا يفصل. كما قال:شعر : كما خُطّ الكتاب بكفِّ يوماً يَهودِيٍّ يُقَارِبُ أو يُزيلُ تفسير : وقال آخر:شعر : كأنّ أصواتَ مِن إيغالهن بنا أواخِرِ المَيْسِ أصواتُ الفَرارِيج تفسير : وقال آخر:شعر : لمّا رأت سَاتيدَما ٱستعبَرَتْ لِلَّهِ دَرُّ اليومَ مَن لاَمَها تفسير : وقال القشيري: وقال قوم هذا قبيح، وهذا محال، لأنه إذا ثبتت القراءة بالتواتر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فهو الفصيح لا القبيح. وقد ورد ذلك في كلام العرب وفي مصحف عثمان «شركائهم» بالياء وهذا يدل على قراءة ابن عامر. وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء؛ لأن الشركاء هم الذين زيّنوا ذلك وَدَعَوْا إليه؛ فالفعل مضاف إلى فاعله على ما يجب في الأصل، لكنه فرق بين المضاف والمضاف إليه، وقدّم المفعول وتركه منصوباً على حاله؛ إذْ كان متأخراً في المعنى، وأخر المضاف وتركه مخفوضاً على حاله؛ إذْ كان متقدّماً بعد القتل. والتقدير: وكذلك زُيّن لكثير من المشركين قَتْلُ شركائهم أولادَهم. أي أَنْ قتلَ شركاؤهم أولادَهم. قال النحاس: فأما ما حكاه غير أبي عبيد (وهي القراءة الرابعة) فهو جائز. على أن تبدل شركاءهم من أولادهم؛ لأنهم شركاؤهم في النسب والميراث. {لِيُرْدُوهُمْ} اللام لام كيّ. والإرداء الإهلاك. {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} الذي ٱرتضى لهم. أي يأمرونهم بالباطل ويشككونهم في دينهم. وكانوا على دين إسماعيل، وما كان فيه قتل الولد؛ فيصير الحق مغطًّى عليه؛ فبهذا يلبسون. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} بيّن تعالى أن كفرهم بمشيئة الله. وهو ردٌّ على القدرية. {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} يريد قولهم إن لله شركاء.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: وكما زينت الشياطين لهؤلاء المشركين أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق، ووأد البنات خشية العار، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ زينوا لهم قتل أولادهم، وقال مجاهد: شركاؤهم: شياطينهم؛ يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية العيلة، وقال السدي: أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات، إما ليردوهم فيهلكوهم، وإما ليلبسوا عليهم دينهم، أي: فيخلطوا عليهم دينهم، ونحو ذلك. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقتادة: وهذا كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} تفسير : [النحل:58-59] الآية، وكقوله: {أية : وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} تفسير : [التكوير: 8-9] وقد كانوا أيضاً يقتلون الأولاد من الإملاق، وهو الفقر، أو خشية الإملاق؛ أن يحصل لهم في ثاني الحال، وقد نهاهم عن قتل أولادهم لذلك، وإنما كان هذا كله من شَرْع الشيطان وتزيينه لهم ذلك، قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} أي: كل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته واختياره لذلك كوناً، وله الحكمة التامة في ذلك، فلا يسأل عما يفعل، وهم يسألون. {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} أي: فدعهم، واجتنبهم وما هم فيه، فسيحكم الله بينك وبينهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ } كما زين لهم ما ذكر {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ } بالوأد {شُرَكَاؤُهُمْ } من الجنّ. بالرفع فاعل (زَيَّن)، وفي قراءة ببنائه للمفعول ورفع «قتل» ونصب الأولاد به وجر شركائهم بإضافته، وفيه الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، ولا يضرّ، وإضافة القتل إلى الشركاء لأمرهم به {لِيُرْدُوهُمْ } يهلكوهم {وَلِيَلْبِسُواْ } يَخْلطوا {عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} أما شركاؤهم ها هنا ففيهم أربعة أقاويل: أحدها: الشياطين، قاله الحسن، ومجاهد، والسدي. والثاني: أنهم قوم كانوا يخدمون الأوثان، قاله الفراء، والزجاج. والثالث: أنهم الغواة من الناس. وفي الذي زينوه لهم من قتل أولادهم قولان: أحدهما: أنه كان أحدهم يحلف إن وُلِدَ له كذا وكذا غلام ان ينحر أحدهم كما حلف عبد المطلب في نحر ابنه عبد الله، قاله الكلبي. والثاني: أنه وَأَدُ البنات أحياءً خِيْفَة الفقر، قاله مجاهد. {لِيُرْدُوهُمْ} أي ليهلكوهم، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَا يُغْنِي عَنهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} تفسير : [الليل: 11] يعني إذا هلك. وفي ذلك وجهان: أحدهما: أنهم قصدوا أن يردوهم بذلك كما قصدوا إغواءَهم. والثاني: أنهم لم يقصدوا ذلك وإنما آلَ إليه فصارت. هذه لام العاقبة كقوله: {أية : فَالْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8] لأن عاقبته صارت كذلك وإن لم يقصدوها.
ابن عطية
تفسير : "الكثير" في هذه الآية يراد به من كان يئد من مشركي العرب، و"الشركاء" ها هنا الشياطين الآمرون بذلك المزينون له والحاملون عليه أيضاً من بني آدم الناقلين له عصراً بعد عصر إذ كلهم مشتركون في قبح هذا الفعل وتباعته في الآخرة، ومقصد هذه الآية الذم للوأد والإنجاء على فعَلته، واختلفت القراءة فقرأت الجماعة سوى ابن عامر "وكذلك زَين" بفتح الزاي "قتلَ" بالنصب "أولادِهم" بكسر الدال "شركاؤهم"، وهذا أبين قراءة، وحكى سيبويه أنه قرأت فرقة "وكذلك زُين" بضم الزاي "قتل أولادِهم" بكسر الدال "شركاؤهم" بالرفع. قال القاضي أبو محمد: وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي والحسن وأبي عبد الملك قاضي الجند صاحب ابن عامر، كأنه قال: زينه شركاؤهم قال سييبويه: وهذا كما قال الشاعر: [الطويل] شعر : ليبك يزيد ضارعٌ لخصومة ومختبط مما يطيح الطوائح تفسير : كأنه قال يبكيه ضارع لخصومة، وأجاز قطرب أن يكون الشركاء في هذه القراءة ارتفعوا بالقتل كأن المصدر أضيف إلى المفعول، ثم ذكر بعده الفاعل كأنه قال إن قتل أولادهم شركاؤهم كما تقول حبب إليَّ ركوب الفرس زيد أي ركب الفرس زيد. قال القاضي أبو محمد: والفصيح إذا أضيف مصدر إلى مفعول أن لا يذكر الفاعل، وأيضاً فالجمهور في هذه الآية على أن الشركاء مزينون لا قاتلون، والتوجيه الذي ذكر سيبويه هو الصحيح، ومنه قوله عز وجل على قراءة من قرأ {أية : يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال} تفسير : [النور:36] بفتح الباء المشددة أي "يسبَّح رجال" وقرأ ابن عامر "وكذلك زُين" بضم الزاي "قتلُ" بالرفع "أولادَهم" بنصب الدال "شركائِهم" بخفض الشركاء، وهذه قراءة ضعيفة في استعمال العرب، وذلك أنه أضاف القتل إلى الفاعل وهو الشركاء، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول ورؤساء العربية لا يجيزون الفصل بالظروف في مثل هذا إلا في الشعر كقوله [أبو حية النميري]: [الوافر] شعر : كما خُطَّ بكفِّ يوماً يهوديَّ يقارِبُ أو يزيلُ تفسير : فكيف بالمفعول في أفصح الكلام؟ ولكن وجهها على ضعفها أنها وردت شاذة في بيت أنشده أبو الحسن الأخفش وهو: [مجزوء الكامل] شعر : فَزَجَجْتُهُ بِمِزَجَّةٍ زَجَّ القُلُوصَ أبي مزادة تفسير : وفي بيت الطرماح وهو قوله: [الطويل] شعر : يطفن بحوزيّ المرابعِ لَمْ يُرَعْ بواديهِ من قَرْعِ القِسِيُّ الكنائِن تفسير : والشركاء على هذه القراءة هم الذين يتأولون وأد بنات الغير فهم القاتلون، والصحيح من المعنى أنهم المزينون لا القاتلون، وذلك مضمن قراءة الجماعة. وقرأ بعض أهل الشام ورويت عن ابن عامر "زِيْن" بكسر الزاي وسكون الياء على الرتبة المتقدمة من الفصل بالمفعول، وحكى الزهراوي أنه قرأت فرقة من أهل الشام "وكذلك زُين" بضم الزاي "قتلُ" بالرفع "أولادِهم" بكسر الدال "وشركائِهم" بالخفض والشركاء على هذه القراءة هم الأولاد الموءودون لأنهم شركاء في النسب والمواريث، وكأن وصفهم بأنهم شركاء يتضمن حرمة لهم وفيها بيان لفساد الفعل إذ هو قتل من له حرمة. و {ليردوهم} معناه ليهلكوهم من الردى، {وليلبسوا} معناه ليخلطوا، والجماعة على كسر الباء، وقرأ إبراهيم النخعي "وليَلبسوا" بفتح الباء، قال أبو الفتح: هي استعارة من اللباس عبارة عن شدة المخالطة، وهذان الفعلان يؤيدان أول قراءة في ترتيبنا في قوله {وكذلك زين}. وقوله تعالى: {ولو شاء الله ما فعلوه} يقتضي أن لا شيء إلا بمشيئة الله عز وجل، وفيها رد على من قال بأن المرء يخلق أفعاله، وقوله تعالى: {فذرهم} وعيد محض، و {يفترون} معناه يختلقون من الكذب في تشرعهم بذلك واعتقادهم أنها مباحات لهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {شُرَكَآؤُهُمْ} الشياطين، أو خدّام الأوثان، أو شركاؤهم في الشرك، أو غواة الناس، {قَتْلَ أَوْلادِهِمْ} وأد البنات، أو كان أحدهم يحلف إن وُلد له كذا وكذا غلاماً أن ينحر أحدهم كما حلف عبد المطلب في نحر ابنه عبد الله. {لِيُرْدُوهُمْ} لامها لام "كي"، لأنهم قصدوا إرداءهم وهو الهلاك أو لام "العاقبة" لأنهم لم يقصدوه.
ابن عادل
تفسير : هذا نوع آخر من أحْكَامِهِم الفاسدة ومذاهبهم البَاطِلة. قوله: "وكذلِكَ زيَّنَ" هذا في محلِّ نصبٍ نعتاً لمصدرٍ محذُوف كنظائره، فقدَّره الزمخشري تقديرين، فقال: "ومِثْل ذلك التَّزْيين وهو تَزْيين الشِّرْك في قِسْمَة القُرْبَان بين اللَّهِ والآلهة، أو: ومثل ذلك التَّزيين البَلِيغ الذي عُلِم من الشَّياطين". قال أبو حيَّان: قال ابن الأنْبَاري: ويجُوز أن يكون "كَذَلِكَ" مستَأنفاً غير مُشَارٍ به إلى ما قَبْله، فيكون المَعْنَى: وهكذا زيَّن. قال شهاب الدِّين: والمنْقُول عن ابن الانْبَارِي أنه مُشَارٌ به إلى ما قبله، نقل الواحِدِي عنه؛ أنه قال: "ذَلِكَ" إشارةٌ إلى ما نَعَاه اللَّه عليهم من قَسْمِهِم ما قَسَمُوا بالجَهْل، فكأنه قِيلَ: ومثل ذلك الذي أتَوْه في القَسْم جهلاً وخطأ زيِّن لكَثِير من المُشْركين، فشبَّه تَزْيين الشُّركَاء بخِطَابهم في القَسْمِ وهذا معنى قول الزَّجَّاج، وفي هذه الآية قراءات كَثِيرة، والمُتواتِر منها ثِنْتَان. الأولى: قرأ العامّة "زَيَّنَ" مبنياً للفَاعِل و "قَتْلَ" نصب على المفعُوليَّة و "أوْلادهم" خفض بالإضافةِ, و "شُرَكَاؤُهُم" رفع على الفاعليَّة, وهي قراءة واضِحَةُ المَعْنَى والتَّرْكِيب. وقرأ ابن عامر: "زُيِّن" مبنياً للمفعُول, "قَتْلَ" رفعاً على مَا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُه, "أوْلاَدَهُم" نَصْباً على المفعُول بالمصْدَر، "شُركَائِهِم"خفضاً على إضافة المصدر إليه فَاعِلاً، وهذه القراءة مُتواتِرة صحيحة، وقد تجرأ كَثِيرٌ من النَّاسِ على قَارِئهَا بما لا يَنْبَغي، وهو أعلى القُرَّاء السَّبْعَة سَنَداً وأقدمهم هِجْرَة. أمَّا عُلُوِّ سنده: فإنَّه قرأ على أبِي الدَّرْدَاء، وواثِلة بن الأسْقَع، وفَضَالةِ بن عُبَيْد، ومعاوية بن أبي سُفْيَان، والمُغِيرةَ المَخْزُومِي، ونقل يَحْيَى الذُّماري أنه قرأ على عُثْمَان نفسه. وأما قِدَم هِجْرَته فإنَّه وُلِد في حَيَاة رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونَاهِيك به أن هشام بن عمَّار أحد شُيُوخ البُخَارِيّ أخّذ عن أصْحاب أصحابه وتَرْجَمَته مُتَّسِعَة ذكرتُها في "شرح القصيد". وإنَّما ذكرت هُنَا هَذِه العُجَالة تَنْبيهاً على خَطَإِ من رَدَّ قراءته ونَسَبَه إلى لَحْنٍ، أو اتِّبَاع مجرَّد المَرْسُوم فقط. قال أبو جَعْفَر النحاس: وهذا يَعْني أنّ الفَصْل بين المُضَافِ والمضافِ إليه بالظَّرْفِ أو غيره لا يجُوز في شِعْرٍ ولا غيره، وهذا خطأ من أبي جَعْفَر؛ لما سنذكره من لسَان العرب. وقال أبو علي الفارسيّ: هذا قَبيحٌ قليل في الاسْتِعْمَال، ولو عَدَل عَنْهَا - يعني ابن عامر -، كان أولى؛ لأنهم لم يَفْصِلُوا بين المُضَافِ والمُضافِ إليه بالظَّرف في الكلام مع اتِّساعهم في الظَّرُوفِ، وإنَّما أجَازُوه في الشِّعْر قال: وقد فَصَلُوا به - أي بالظَّرف - في كَثِير من المواضع، نحو قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ} تفسير : [المائدة:22]؛ وقال الشاعر في ذلك: [المتقارب] شعر : 2317- عَلَى أنَّنِي بَعْدَمَا قَدْ مَضَى ثلاثُونَ - لِلْهَجْرِ - حَوْلاً كَمِيلاً تفسير : وقول الآخر في هذا البيت: [الطويل] شعر : 2318- فَلاَ تَلْحَنِي فيها فإنَّ - بِحُبِّهَا - أخَاكَ مُصَابُ القَلْبِ جَمٌّ بلابِلُهْ تفسير : ففصل بين "إنَّ" واسْمَها بما يتعلَّق بخبَرِهَا، ولو كان بِغَيْر الظرف، لم يَجُزْ، ألا تَرَى أنَّك لو قُلْتَ: "إنَّ زَيْداً عَمْراً ضَارِب" على أن يكون "زَيْداً" منصُوباً بـ "ضَارِب" لم يَجز، فإذا لم يُجِيزُوا الفَصْل بين المُضَافِ والمُضافِ إلَيْهِ في الكلامِ بالظرفِ مع اتِّساعهم فيه في الكلام، وإنما يجُوزُ في الشَّعْر؛ كقوله: [الوافر] شعر : 2319- كَمَا خُطَّ الكِتَاب بَكَفِّ - يَوْماً - يَهْودِيِّ يُقَاربُ أوْ يُزيلُ تفسير : فأن لا يجوز بالمفعُول الذي لم يُتَّسعْ فيه بالفَصْلِ أجْدَر، ووجه ذلك على ضَعْفِه وقلَّة الاسْتِعَمال: أنه قد جَاءَ في الشِّعْر على حدِّ ما قَرَأهُ قال الطَّرْمَاح: [الطويل] شعر : 2320- يَطُفْنَ بِحُوزِيِّ المَرَاتِعِ لَم تَرُعْ بِوَادِيهِ مِنْ قَرْعِ - القِسيَّ - الكَنَائِنِ تفسير : وأنشد أبو الحسن: [مجزوء الكامل] شعر : 2321- ................. زَجَّ - القلُوصَ - أبِي مَزَادَهْ تفسير : وقال أبو عُبَيْد: وكان عبْدُ اللَّه بن عَامِر، وأهل الشام يَقْرءُونها: "زُيِّن" بضم الزَّاي "قُتْلُ" بالرَّفْع، "أولادَهُم" بالنَّصْب، "شُرَكَائهم" بالخَفْضِ، ويتأولون "قَتْلَ شُرَكَائِهِم أوْلادَهم" فيفرقون بين الفِعْل وفاعله. قال أبو عبيد: "ولا أحِبُّ هذه القراءة؛ لما فيها من الاسْتِكْرَاه والقِراءة عِنْدنَا هي الأولَى؛ لصحِّتِها في العربيِّة، مع إجْماع أهْل الحَرْمَيْن والمِصْرَين بالعراق عَلَيْهَا". وقال سيبويْه في قولهم: شعر : 2322- يا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدَّارْ تفسير : بخفض "اللَّيْلَةِ" على التَّجُّوز وبنصب "الأهْلِ" على المَفْعُولِيَّة، ولا يجُوز "يا سَارِقَ اللَّيْلَة أهْلَ الدَّار" إلاَّ في شِعْر؛ كراهة أن يَفْصِلُوا بين الجَارِّ والمجْرُور، ثم قال: وممَّا جَاء في الشِّعْر قد فُصِل بَيْنَهُ وبين المَجْرُور قول عمرو بن قميئة: [السريع] شعر : 2323 – لمَّا رَأتْ سَاتِيدَمَا اسْتَعْبَرَتْ لِلَّهِ دَرُّ - اليَومَ - مَنْ لاَمَهَا تفسير : وذكر أبْيَاتاً أُخَر. ثم قال: وهذا قَبِيحٌ ويَجُوز في الشِّعر على هذا: "مَرَرْتُ بِخَيْرِ وأفْضَلِ مَنْ ثمَّ". وقال أبو الفتح بن جني: "الفَصْل بين المُضَافِ والمُضَافِ إليه بالظَّرْف والجَارِّ والمَجْرُور كَثِيرٌ، لكنه من ضَرُورَة الشَّاعِر". وقال مكي بن أبي طالب: "ومن قَرَأ هذه القراءة ونَصَب "الأوْلادَ" وخفض "الشُّركاء" فيه قراءة بعيدةٌ، وقد رُويَتْ عن ابْن عامر، ومجازها على التَّفْرِقَة بين المُضَافِ والمُضافِ إليه بالمفعُول، وذلك إنَّما يجُوزُ عند النَّحويِّين في الشِّعْر، وأكثر ما يَكُون بالظَّرْفِ". قال ابن عطيَّة - رحمه الله -: وهذه قراءةٌ ضَعِيفَة في اسْتِعْمَال العرب، وذلك أنَّه أضاف الفِعْلَ إلى الفاعل، وهو الشُّرَكَاء، ثُمَّ فصل بين المُضافِ والمُضافِ إليه بالمفْعُول، ورُؤسَاء العربيَّة لا يُجيزُون الفَصْل بالظُّرُوف في مِثْل هذا إلا في شِعْرٍ؛ كقوله: [الوافر] شعر : 2324- كَمَا خُطَّ - الكِتَابُ بِكَفِّ يَوْماً يَهْودِيِّ....................... تفسير : البَيْت فكيف بالمَفْعُول في أفْصح كلام؟ ولكنْ وجهُها على ضَعْفِها: أنَّها وردت في بَيْتٍ شّاذٍّ أنْشَدَهُ أبو الحَسَن الأخْفَش، فقال: [مجزوء الكامل] شعر : 2325- فَزَجَجْتُهَا بِمَزجَّةٍ زَجَّ - القلُوصَ - أبي مَزَادَهْ تفسير : وفي بيت الطِّرمَّاح، وهو قوله: [الطويل] شعر : 2326- يَطُفْنَ بِحُوزِيِّ المَرَاتِعِ لَمْ تَرُعْ بِوَادِيهِ مِنْ قَرْع - القِسِيَّ - الكَنَائِنِ تفسير : وقال الزَّمخشري - فأغْلظ وأسَاء في عبارتهِ - "وأما قِرَاءة ابن عامرٍ - فذكرها - فشيء لو كان في مكان الضرُورة وهو الشِّعْر، لكان سَمِجاً مرْدُوداً كما سَمُج ورورد: [مجزوء الكامل] شعر : 2327-...................... زَجَّ - القلُوصَ - أبِي مَزَادَهْ تفسير : فكيف به في الكلام المَنْثُور؟ كيف به في القُرْآن المُعْجِز بحُسْن نَظْمِه وجَزَالَتِه؟ الذي حمله على ذلك: أنْ رأى في بَعْض المَصَاحف "شُرَكَائِهِم" مكْتُوباً بالياءِ، ولو قرأ بجرِّ "الأوْلاد" و "الشُّركاء" - لأن الأولاد شُرَكَاؤهم في أموالهم - لوجَد في ذلك مَنْدُوحة عن هذا الارتكاب". قال شهاب الدين: "سَيَأتي بيان ما تمنَّى أبو القاسِم أن يَقْرَأه ابن عَامرٍ، وأنه قد قرأ به، فكأنَّ الزَّمَخْشَرِيّ لم يَطَّلِعْ على ذلك، فلهذا تَمَنَّاه". وهذه الأقوال التي ذكرتها جَمِيعاً لا يَنْبَغِي أن يُلْتَفَت إليها؛ لأنها طَعْن في المُتَواتِر، وإن كانت صَادِرةً عن أئِمَّةٍ أكَابِر، وأيضاً فقد انْتصَر لها من يُقَابِلُهُم وأوْرَد من لسانِ العربِ نَظْمهِ ونَثْرِه ما يَشْهَد لصِحَّة هذه القراءة لُغَة. قال أبو بَكْر بن الأنْبَاريّ: "هذه قِرَاءة صَحيحَةٌ وإذا كانت العرب قد فَصَلَتْ بني المُتضَايفين بالجُمْلَة في قولهم: "هُو غُلامُ - إن شَاءَ اللَّه - أخِيكَ" يُرِيدون: هو غلام أخِيكَ، فأنْ يُفْصَل بالمفْرَد أسْهَل" انتهى. وسمع الكَسَائِي قول بعضهم: "إن الشَّاةُ لتجترُّ فتَسْمع صَوْت واللَّه ربِّهَا"، أي: صَوْت ربِّها واللَّهِ، ففصل بالقسم وهو في قُوَّة الجُمْلَة، وقرأ بَعْض السَّلَف: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدَهُ رُسُلِهِ} [إبراهيم:47] بنصب "وَعْدَهُ" وخفض "رُسُلِهِ" وفي الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : هَلْ أنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبي، تَارِكُوا لِي امْرَأتِي" تفسير : أي تاركو صَاحِبي لي، تَارِكُو امْرَأتِي لي. وقال ابن جِنِّي في كتاب "الخصائص": باب ما يَرِدُ عن العَرَبِيّ مُخَالِفاً للجُمْهُور، إذا اتَّفق شَيْءٌ من ذلك، نُظِر في ذلك العربي وفيما جَاءَ بهِ: فإن كان فَصِيحاً وكان مَا جَاء به يَقْبَلُه القِيَاسُ، فَيَحْسُن الظَّنُّ به؛ لأنه يمكن أن يَكُون قَدْ وَقَع إليه ذَلِك من لُغَةٍ قديمة، قد طَال عَهْدُها وعَفَا رَسْمُهَا. أخبرنا أبُو بكْر جعفر بن مُحَمَّد بن أبي الحَجَّاج، عن أبي خَلِيفَة الفَضْل بن الحباب، قال: قال ابن عَوْف عن ابن سيرين: قال عُمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -: "كان الشِّعْرُ عِلْمَ قَوْم لم يَكُونْ لَهُم عِلْمٌ منه؛ فجاء الإسْلام فتشاغَلَت عَنْه العَرَب بالجِهَاد وغَزْوِ فَارِس والرُّوم، ولَهَت عن الشِّعْرِ وروايته، فلما كَثُر الإسلام وجاءت الفُتُوح، وأطْمَأنَّت العرب في الأمْصَارِ، راجَعُوا رواية الشِّعْرِ فلم يَئُولوا إلى دِيوانٍ مُدَوَّنٍ، ولا إلى كِتاب مكْتُوبٍ، وألِفُوا ذلك وقد هَلَك مَنْ هَلَك من العربِ بالموت والقَتْلِ، فَحَفِظُوا أقل ذلك وذهب عَنْهُم كَثِيرُه". قال: وحدَّثنا أبو بكر، عن أبِي خَلِيفَة عن يُونُس بن حَبِيب، عن أبِي عَمْرو بن العلاء. قال: "ما انْتَهى إليكم مما قالت العَرَب إلا أقَلُّه، ولو جَاءَكُم وافراً لجَاءَكُم عِلْمٌ وشِعْر كَثِير". وقال أبو الفَتْح: "فإذا كان الأمْر كَذَلِك، لم نَقْطَع على الفَصِيح إذا سُمِع مِنْه ما يُخَالف الجُمْهُور بالخَطَإ، ما وُجِد طَريقٌ إلى تَقَبُّل ما يُورِدُه، إلا إذا كان القِيَاسُ يُعَاضِدُه". قال شهاب الدِّين: وقراءة هذا الإمام بهذه الحيثيَّة، بل بطريق الأولَى والأحْرَى لو لم تكُن مُتَوَاتِرَة، فكيف وهي مُتواتِرَة؟ وقال ابن ذَكْوَان: سألَني الكَسَائِي عن هذا الحَرْفِ وما بَلَغَهُ من قِرَاءَتنا، فرأيْتُه كأنه أعْجَبَه وتَرَنِّم بهذا البيت: [البسيط] شعر : 2328- تَنْفِي يَدَاهَا الحَصَى فِي كُلِّ هَاجِرَةٍ نَفْيَ - الدَّرَاهِيمَ - تَنْقَادِ الصَّيَارِيفِ تفسير : بنصب "الدَّرَاهِيم" [وجَرِّ "تَنْقَاد"، وقد رُوِي بخفض "الدَّرَاهِيم" ورفع "تَنْقَادُ" وهو الأصْل، وهو المَشْهُور في الرِّواية]. وقال الكرمَانِيّ: "قراءة انب عَامرٍ وإن ضَعُفَتْ في العَرَبِيَّة للإحَالَة بين المُضَافِ والمُضَافِ إليه فَقَويَّةٌ في الرَّواية عَالِيةٌ" انتهى. وقد سُمِعَ ممَّنْ يُوثَق بعربيَّته: "تَرْكُ يَوْماً نَفْسِك وهَوَاهَا سَعْيٌ في رَدَاهَا" أي: تَرْكُ نَفْسِك يَوْماً مع هَوَاهَا سَعْيٌ في هَلاكِهَا. وأما ما ورد في النَّظْمِ من الفَصْلِ بين المُتَضَايفين بالظَّرْف، وحَرْف الجرِّ، وبالمفعول فكَثِيرٌ، وبغير ذلك قَلِيل، فمن الفَصْل بالظَّرْفِ قول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 2329 - فَرِشْنِي بِخيْرٍ لاَ أكُونَنْ ومِدْحَتِي كَنَاحِتِ - يَوْماً - صَخْرَةٍ بِعسِيلِ تفسير : قول الآخر: [الوافر] شعر : 2330- كَمَا خُطَّ الكِتَابُ بِكَفِّ - يَوْماً - يَهْودِيٍّ.................. تفسير : وقول الآخر: [السريع] شعر : 2331 قَدْ سَألَتْنِي أمُّ عَمْرٍو عَنِ الـ أرْضِ الَّتِي تَجْهَلُ أعلامَهَا لمَّا رَأتْ سَاتِيدَمَا اسْتَعْبَرَتْ لِلِّهِ دَرُّ - اليَوْمَ - مَنْ لاَمَهَا تَذَكَّرَتْ أرْضاً بِهَا أهْلُهَا أخْوالَهَا فِيهَا وأعْمَامَهَا تفسير : يريد: للَّه دَرُّ مَنْ لامَها اليَومْ، و "ساتِيدمَا" قيل: هو مرَكَّب والأصْل: "سَاتِي دَما" ثم سمِّي به هذا الجبل؛ لأنه قُتِل عِنْدَه، قيل: ولا تَبْرح القَتْلَى عند، وقيل: "سَاتِيد" كله اسْمٌ و "مَا" مَزِيدة؛ ومثال الفَصْل بالجار قوله: [الطويل] شعر : 2332- هُمَا أخَوَا - فِي الحرْب - مَنْ لا أخَا لَهُ إذا خَافَ يَوْمَاً نَبْوَةً فَدَعَاهُمَا تفسير : وقال الآخر في ذلك: [البسيط] شعر : 2333- لأنْتَ مُعْتَادُ - فِي الهَيْجَا - مُصَابَرَةٍ يَصْلَى بِهَا كُلُّ مَنْ عَادَاكَ نِيرَانَا تفسير : وقوله أيضاً: [البسيط] شعر : 2334- كَأنَّ أصْوَات - مِنء إيغَالِهِنَّ بِنَا - أوَاخِرِ المَيْسِ أصْواتُ الفَرَارِيجِ تفسير : قوله أيضاً: [ الطويل] شعر : 2335- تَمُرُّ على ما تَسْتَمِرُّ وَقَدْ شَفَتْ غَلائِلَ - عَبْدُ القَيْسِ مِنْهَا - صُدُورِهَا تفسير : يريد: هما أخَوَا مَنْ لا أخَا لَهُ في الحربِ، ولأنْتَ مُعْتَادُ مُصَابرةٍ في الهَيْجاء، وكأن أصوات أواخر الميس وغَلاَئِل صُدُورها، ومن الفَصْل بالمفعُول قول الشاعر في ذلك: [مجزوء الكامل] شعر : 2336- فَزَجَجْتُهَا بِمَزَجَّةٍ زَجَّ - القُلُوصَ - أبِي مَزادَهْ تفسير : ويروى: فَزَجَجْتُها فتدافعتْ، ويروى: فزجَجْتُهَا متمكَّنَا، وهذا البيت كما تقدم أنْشَده الأخْفَش بِنْصَب "القَلُوصَ" فاصلاً بين المصدر وفاعله المعْنوِيّ، إلا أن الفرَّاء قال بعد إنشاده لهذا البيتِ: أهل المدينة يُنْشِدون هذا البَيْتَ يعني: بِنَصْب "القَلُوص". قال: "والصَّواب: زَجَّ القَلُوصِ بالخَفْض". قال شهاب الدِّين: وقوله: "والصَّواب يُحْتَمل أن يكُون من حَيْث الرِّوَاية" أي: إن الصَّواب خَفْضُه على الرِّواية الصَّحيحة وأن يكُون من حَيْثُ القياس، وإن لم يُرْوَ إلا بالنَّصْب، وقال في مَوْضِع آخر من كتابه "مَعَانِي القُرْآن": "وهذا ممَّا كان يقُولُه نَحْويُّو أهل الحِجَاز، ولم نَجِد مِثْلَه في العربيَّة" وقال أبو الفَتْح: "في هذا البيت فُصِل بينهُمَا بالمفعُول به هذا مع قُدْرته على أنْ يقُول: زَجَّ القَلُوص أبو مزادة؛ كقولك: "سَرَّنَي أكلُ الخُبْزِ زَيْدٌ" بمعنى: أنه كان يَنْبَغِي أن يُضِيفَ المَصْدَر إلى مَفْعُوله، فَيَبْقى الفاعل مَرْفُوعاً على أصْلِه، وهذا مَعْنَى قول الفرَّاء الأوَّل "والصَّواب جر القَلُوص" يعني ورفع الفاعل". ثم قال ابن جِني: وفي هذا البَيْت عِنْدي دَلِيلٌ على قُوَّة إضافَةِ المَصْدَر إلى الفَاعِل عِنْدَهُم، وأنه في نُفُوسِهِم أقْوَى من إضافته إلى المَفْعُول؛ ألا تراه ارْتَكب هذه الضَّرُورة مع تمكُّنِهِ من تركِهَا لا لِشَيْءٍ غير الرَّغْبة في إضافة المصْدَرِ إلى الفاعل دُون المَفْعُول، ومن الفَصْلِ بالمفعُول به أيضاً قول الآخر في ذلك: [الرجز] شعر : 2337- وحِلَقِ المَاذِيِّ والقَوانِسِ فَدَاسَهُمْ دَوْسَ الحَصَادَ الدَّائِسِ تفسير : أي: دوس الدائس الحصادَ. ومثله قول الآخر: [الرجز] شعر : 2338 – يَفْرُكُ حَبَّ السُّنْبُلِ الكُنَافِجِ بالقَاعِ فَرْكَ - القُطُنَ - المُحَالِجِ تفسير : يريد: فَرْك المُحَالِجِ القُطْن، وقول الطِّرمَّاحِ في ذلك: [الطويل] شعر : 2339-................... بِوَاديهِ مِنْ قَرْعِ - القِسيَّ - الكَنَائِنِ تفسير : يريد: قَرْع الكَنَائِنِ القِسِيَّ. قال ابن جِنِّي في هذا البيت: "لم نَجِد فيه بُداً من الفَصْلِ؛ لأن القوافي مَجْرُورَة" وقال في "زَجِّ القَلُوصِ" فصل بَيْنَهُما بالمَفْعُول به، هذا ما قُدْرَته إلى آخَر كلامهِ المتقدِّم، يعني: أنَّه لو أنْشَد بَيْت الطِّرْمَاح بخَفْضِ "القِسِيِّ" ورفع "الكَنَائِنِ" لم يَجُز؛ لأن القَوافِي مَجْرُورة بِخِلاف بَيْت الأخْفَش؛ فإنه لو خفض "القَلُوص" ورَفع "أبُو مَزَادَة" لم تَخْتَلِف فيه قَافيِتَه ولمْ يَنْكَسِر وَزْنَه. قال شهاب الدِّين: ولو رفع "الكَنَائِن" في البيت، لكان جَائِزاً وإن كانتِ القوافي مَجْرُورة، ويكُون ذلك إقْوَاءً، وهو أن تكُون بَعْضُ القَوَافي مَجْرُورة وبَعْضُها مَرْفُوعة؛ كقول امرئ القيس: [الكامل] شعر : 2340 - تَخْدِي عَلَى العِلاَّتِ سَامٍ رَأسُهَا رَوْعَاءُ مَنْسِمُهَا رَثيمٌ دَامِ تفسير : ثم قال القائل: [الكامل] شعر : 2341- جَالَتْ لِتصْرَعَنِي فَقُلْتُ لَهَا اقْصِرِي إنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرَامُ تفسير : فالميمُ مَخْفُوضة في الأوَّل، مَرْفُوعة في الثَّاني. فإن قيل: هذا عَيْبٌ في الشِّعْر. قيل: لا يتقاعد ذلك عن أنْ يَكُون مِثْل هذه للضَّرُورةَ، والحقُّ أن الإقْواء أفْحَشُ وأكثر عَيْباً من الفَصْل المَذْكُور، ومن ذلك أيضاً: [الوافر] شعر : 2342-فإنْ يَكُنِ النِّكَاحُ أحَلَّ شَيءٍ فإنَّ نِكَاحَهَا مَطَرٍ حَرَامُ تفسير : أي: فإنَّ نِكَاحَ مطرٍ إيَّاها، فلما قدَّم المفْعُول فَاصِلاً بين المَصْدَر وفاعله، اتَّصَل بعامِلِه؛ لأنه قدر عليه مُتَّصِلاً فلا يَعْدل إليه مُنْفَصِلاً، وقد وقع في شِعْر أبي الطَّيِّب الفَصْل بين المَصْدَر المُضافِ على فَاعِلهِ بالمَفْعُول؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2343- بَعَثْتُ إلَيْهِ مِنْ لِسَانِي حَدِيقَةَ سَقَاهَا الحَيَا سَقْي - الرِّياضَ - السَّحائبِ تفسير : أي: سقي السَّحائب الرِّياضَ، وأما الفَصْل بغير ما تقدَّم فهو قَلِيلٌ، فمنه الفَصْل بالفاعل. كقوله: [الطويل] شعر : 2344- ................... غَلاَئِلَ عَبْدُ القَيْسِ مِنْهَا صُدُورِهَا تفسير : فَفَصَل بين "غَلائِلَ" وبين "صُدُورِهَا" بالفاعل وهو "عبْدُ القَيْسِ"، وبالجار وهو "مِنْهَا" كما تقدَّم بيانه؛ ومثله قول الآخر: [الطويل] شعر : 2345- نَرى أسْهُماً لِلْمَوْتِ تُصْمِي وَلاَ تُنْمِي ولا تَرْعَوِي عَنْ نَقْضِ - أهْوَاؤنَا - العَزْمِ تفسير : فأهْوَاؤنا فاعل بالمصدر، وهو "نَقْض" وقد فصل به بين المَصْدَر وبين المُضَاف إلَيْه وهو العَزم؛ ومثله قول الآخر: [المنسرح] شعر : 2346- أنْجَبَ أيَّامَ - والدهُ بِهِ - إذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ مَا نَجَلا تفسير : يريد: أيَّام إذ نجلاه، ففصل بالفاعل وهو "والداهُ" المرفوع بـ "أنْجَبَ" بين المُتضايفيْن وهما "أيَّام - إذْ ولداه". قال ابن خَرُوف: "يجوزُ الفصل بين المصْدَر والمضاف إليه بالمفعُول؛ لكَوْنِهِ في غير محلِّه، ولا يُجُوزُ بالفاعل لكوْنِهِ في محلِّه وعليه قراءة ابن عَامِر". قال شهاب الدِّين: هذا فَرْقٌ بين الفاعل والمفعُول حيث اسْتَحْسن الفَصْل بالمفْعُول دون الفاعل، ومن الفَصْل بغير ما تقدَّم أيضاً الفَصْل بالنِّداء؛ كقوله: [البسيط] شعر : 2347- وفَاقُ - كَعْبُ - بُجَيْر مُنْقِذٌ لَكَ مِنْ تَعْجِيلِ مُهْلِكَةٍ والخُلْدِ في سَقَرِ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 2348- إذَا مَا - أبَا حَفْصٍ - أتَتْكَ رَأيْتَهَا عَلَى شُقراءِ النَّاسِ يَعْلُو قَصِيدُهَا تفسير : وقول الآخر في ذلك: [الرجز] شعر : 2349- كأنَّ بِرْذَوْنَ - أبَا عِصَامِ - زَيْدٍ حِمَارٌ دُقَّ بِاللِّجَامِ تفسير : يريد: "وفاق بجَيْر يا كَعْب" و "إذا ما أتَتْكَ يا أبَا حَفْصٍ" و "كأن بِرْذَوْن زَيْد يا أبا عِصَام". ومن الفَصْل أيضاً الفَصْل بالنَّعْتِ؛ كقول مُعَاوِية يُخاطِب به عَمْرو بن العَاص: [الطويل] شعر : 2350- نَجَوْتَ وَقَدْ بَلَّ المُرَادِيُّ سَيْفَهُ مِن ابْنِ أبِي شَيْخِ الأبَاطِح طَالبِ تفسير : وقول الآخر في ذلك: [الكامل] شعر : 2351-وَلَئِنْ حَلَفْتُ عَلَى يَدَيْكَ لأحْلِفَنْ بيَمِينِ أصْدَقَ مِنْ يَمينكَ مُقْسِمِ تفسير : يريد: من ابن أبِي طَالِب شَيْخ الأبَاطِح، فشيخ الأباطح نعْت لأبي طالب، فصل به بَيْن أبي، وبَيْن طالب، ويريد: لأحْلِفَن بيمين مُقْسِم أصْدَق من يَمِينِك؛ فـ "أصدق" نعت لِقَوْله بيمين، فصل به بَيْن "يَمِين" وبَيْن "مُقْسِمِ" ومن الفَصْل أيضاً الفَصْلُ بالفِعْل المُلْغَى؛ كقوله في ذلك: [الوافر] شعر : 2352- ألا يَا صَاحِبَيَّ قِفَا المَهَارَى نُسَائِلْ حَيَّ بَثْنَةَ أيْنَ سَارَا؟ بأيِّ تَرَاهُم الأرَضِين حَلُّوا أألدَّبَرَانِ أمْ عَسَفُوا الكِفَارَا؟ تفسير : يريد: بأي الأرضِين تراهم حَلُّوا، ففصل بقوله "تَرَاهمُ" بين "أيّ" وبين الأرضين. ومن الفَصْل أيضاً الفَصْل بمفْعُول "لَيْس" معمولاً للمصدر المُضاف إلى فاعل؛ كقول الشاعر:[البسيط] شعر : 2353- تَسْقِي امْتِيَاحاً نَدَى المِسْوَاكَ ريقَتها كَمَا تَضَمَّنَ مَاءَ المُزْنَةِ الرَّصِفُ تفسير : أي: تسْقِي ندى ريقتها المِسْوَاك فـ "المِسْوَاك" مفْعُول به نَاصبة "تَسْقِي" فصل به بين "نَدَى" وبين "ريقتهَا"، وإذ قد عَرَفْت هذا، فاعْلَم أنَّ قِرَاءة ابن عَامِرٍ صحيحَة؛ من حيث اللُّغَةِ كما هي صَحيحة من حَيْث النَّقْل، ولا التِفَات إلى قَوْل من قال: إنه اعْتَمَد في ذلك على رسْم مُصْحَفِ الشَّام الذي أرْسَلَه عُثْمَان بن عفَّان - رضي الله عنه -؛ لأنه لم يُوجَد فيه إلا كِتَابة "شُرَكَائِهِم" بالياء وهذا وإن كافياً في الدَّلالة على جَرِّ "شُرَكائِهِم"، فليس فيه ما يَدُلُّ على نَصْب "أوْلادَهُم"؛ إذا المصْحَفُ مُهْمَلٌ من شكْل ونقط، فلم يَبْقَ له حُجَّة في نَصْب الأولاد إلاَّ النَّقْل المحض. وقد نقل عن ابن عامرٍ؛ أنه قرأ بِجَرِّ "الأوْلاد" كما سيأتي بَيَانَهُ وتَخْريجُه، وأيضاً فليس رسْمها "شُرَكَائِهم" بالياء مخْتَصاً بمصْحَف الشَّامِ، بل هي كذلك أيضاً في مُصْحَف أهْل الحِجَاز. قال أبو البرهسم: "فِي سُورة الأنْعَام في إمَام أهْل الشَّام وأهْل الحجاز: "أوْلادَهُم شُرَكَائِهِم" بالياء، وفي إمان أهل العراق "شُرَكَاؤهُم" ولم يَقْرَأ أهل الحجاز بالخفضِ في "شُرَكَائِهِم" لأن الرَّسْم سُنَّةُ مُتَّبعة قد تُوافِقُهَا التِّلاوة وقَدْ لا تُوَافِقُ". إلاَّ أن الشيخ أبا شَامَةَ قال: "ولم تُرْسم كذلك إلا باعتبار قراءَتَيْن: فالمضموم عليه قِراءة معْظم القُرَّاء" ثم قال: "وأمَّا "شُركَائهم" بالخَفْضِ؛ فيحتمل قراءة ابن عامر" قال شهاب الدين: وسيأتي كلام أبِي شَامَة هذا بتَمَامة في موْضِعه، وإما أخَذْتُ منه [بقَدر] الحَاجَة هُنَا. فقوله: "إن كُلَّ قراءة تَابِعَة لرسْم مُصْحَفِها" تُشْكِلُ بما ذكرنا لك من أنَّ مصحَفَ الحِجَازيِّين بالياءِ، [مع أنَّهُم لم يَقْرءُوا بذلِك]. وقد نقل أبُو عَمْرو والدَّانيِ أن: "شُرَكَائِهِم" بالياء]، إنَّما هو في مُصْحف الشَّامِ دون مَصَاحِف الأمْصَار؛ فقال: "في مَصَحِف أهْل الشَّامِ "أوْلادَهُم شُركَائِهم" بالياء، وفي سائر المصاحف شُركَاؤُهُم بالواوِ". قال شهاب الدين: هذا هو المَشْهُور عند النَّاس، أعني اختصاص الياءِ بمصاحِفِ الشَّامِ، ولكن أبُو البرهسم ثِقَة أْيضاً، فنَقْبَل ما ينقله. وقد تقدَّم قول الزَّمَخْشَري: "والَذي حَمَلَه على ذِلَك أنْ رَأى في بعض المَصاحِف "شُرَكَائِهِم" مكتوباً بالياء". وقال الشَّيْخ [شهاب الدِّين] أبو شامة: "ولا بُعْد فيما اسْتَبْعَده أهل النَّحْو من جِهَة المَعْنَى؛ وذلك أنه قَدْ عُهِد المفعُول على الفاعل المَرْفُوع لفظاً, فاستمرّت له هذه المرْتَبَة مع الفاعِل المَرْفُوع تقديراً، فإنَّ المَصْدر لو كان مُنَوّناً لجاز تَقْدِيم المفعُول على فاعله، نحو: "أعْجَبَنِي ضَرْب عَمْراً زَيْدٌ" فكذا في الإضَافَة، وقد ثبت جواز الفَصْل بين حَرْف الجرِّ ومجْرُوره مع شِدَّة الاتِّصال بَيْنَهُمَا أكْثَر من شِدَّته بين المُضَافِ والمُضافِ إليه؛ كقوله - تعالى -: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ} تفسير : [النساء:155] {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ} تفسير : [آل عمران:159] فـ "مَا" زَائِده في اللَّفْظِ، فكأنها سَاقِطة فيه لسُقُوطها في المَعْنَى, والمَفْعُول المقدَّم هو غير مَوْضِعِه مَعْنى فكأنه مؤخَّر لَفْظاً، ولا التِفَات إلى قَوْل من زَعَم أنه لم يَأتِ في الكلام المَنْثُور مثله؛ لأنه نَافٍ، ومن أسْنَد هذه القِراءة مُثْبِت، والإثْبات مُرَجَّح على النَّفْي بإجْمَاع، ولو نقل إلى هذا الزّاعِم عن بَعْضِ العرب أنه اسْتَعَمَلَهُ في النَّثْر، لرجع إلَيْه، فما بالُه لا يكْتَفِي بناقل القراءة من التَّابعين عن الصَّحابَةِ؟ ثم الذي حَكَاه ابن الأنْبَاري يَعْني ممَّا تقدَّم حِكايته من قولهم: "هو غُلامُ إن شاء اللَّه أخيك" فيه الفَصْل من غير الشِّعْر بجُمْلَة". وقرأ أبو عبد الرَّحْمن السلمي، والحسن البصري، وعبد الملك قَاضِي الجند صَاحِب أن عامِر: "زُيِّن" مبْنِياً للمفعُول، "قَتْلُ" رفعاً على ما تقدَّم، "أوْلادِهم" خفْضاً بالإضافة، "شُرَكَاؤهم" رفْعاً، وفي رفْعِه تخريجان: أحدهما - وهو تَخْريج سيبويه -: أنه مَرْفُوع بفعل مُقَدَّر، تقديره: زَيَّنَه شركَاؤهُم، [فهو جواب لِسُؤال] مقدر كأنَّه قيل: مَنْ زَيَّنة لَهُم؟ فقيل: "شركَاؤُهُم"؛ وهذا كقوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رجَالٌ} تفسير : [النور:36] أي: يُسَبِّحُهُ. وقال الآخر: [الطويل] شعر : 2354- لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ................... تفسير : والثاني: خرجه قُطْرُب - أن يكُون "شُرَكَاؤهُم" رفعاً على الفاعليَّة بالمَصْدَر، والتقدير: زُيِّن للمشركِين أن قَتْلَ أوْلادهم شُركَاؤُهُم؛ كما تَقُول: "حُبِّب لِي رُكوبُ الفرسِ زَيْدٌ" تقديره: حُبِّب لِي أنْ ركب الفَرَس زَيْد، والفرق بني التَّخْرِيجَيْن: أن التَّخريج الأوَّل يؤدِّي إلى أن تكُونَ هذه القِرَاءةُ في المَعْنَى، كالقراءة المَنْسُوبة للعَامَّة في كون الشُّركَاء مُزَيِّين للقَتْلِ، وليسوا قَاتِلِين. [والثاني: أن يكون الشُّركاء قَاتِلِين]، ولكن ذلك على سبيل المجازِ؛ لأنهم لما زيَّنُوا قَتْلَهم لآبائِهِم، وكانوا سَبَباً فيه، نُسِبَ إليهم القَتْل مجازاً. وقال أبو البقاء: "ويمكن أن يَقَع القَتْل منهم حَقِيقَة"، وفيه نظر؛ لقوله - تبارك وتعالى -: "زَيَّن" والإنْسَان إنما يُزَيَّن له فِعْل نَفْسِه؛ كقوله - تعالى -: {أية : أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} تفسير : [فاطر:8] وقال غير أبي عُبَيْد: "وقرأ أهْل الشام كقِرَاءة ابن عامر، إلا أنهم خفَضُوا "الأولاد" أيضاً، وتخريجها سَهْل؛ وهو أن تَجْعَل "شُرَكَائِهم" بدلاً من "أولادِهِم" بمعنى أنهم يُشْرِكُونهم في النَّسبِ، والمالِ، وغير ذلك". قال الزَّجَّاج: "وقد رُوِيت "شُركَائِهم" بالياء في بَعْض المصاحفِ، ولكن لا يَجُوز إلاَّ على أن يكُون "شُركَاؤُهم" من نَعْت الأولاد؛ لأن أولادهم شُرَكَاؤهُم في أمْوالهم". وقال الفراء بعد أنْ ذكر قِرَاءة العامَّة وهي "زَيَّن" مبنياً للفاعل، "شركَاؤُهُم" مرفوعاً على أنَّه فاعِل - وقراءة "زُيِّن" مبنياً للمفعُول، "شركَاؤُهُم" رَفْعاً على ما تقدَّم من أنه بإضْمار فعل، وفي مُصْحَف أهْل الشَّام "شُركَايهم" بالياء، فإن تكُن مُثْبتة عن الأوَّلين، فينبغي أن تقرأ "زُيِّن" ويكون الشُّركَاء هم الأوْلاَد؛ لأنهم مِنْهُم في النَّسْب والمِيراث. وإن كانوا يَقْرَءُون: "زَيِّن" - يعني بفتح الزاي - فَلَسْت أعرف جِهَتَهَا إلا أن يكُونُوا فيها آخِذِين بلُغَة قَوْم يَقُولون: أتْيتُها عَشَايَانَا، ويقولون في تثنية حَمْراء: حَمْرَايَان فهذا وَجْه أن يكُونُوا أرَادُوا: زَيَّن لكثير من المشْرِكِين قتل أوْلادهم شُركَايُهم، يعني بياء مَضْمُومة؛ لأن "شركَاؤُهُم" فاعل كما مَرَّ في قرَاءة العَامَّة. قال: "وإن شِئْتَ جَعَلْتَ "زَيَّن" فعلاً إذا فَتَحْتَهُ لا يُلبس، ثم تَخْفِض الشركاء بإتباع الأولاد". قال أبو شامة: "يعني تَقْدير الكلام: "زَيَّن مُزَيّنٌ" فقد أتَّجَه "شركَائِهِم" بالجرِّ أن يكون نعتاً للأوْلاَد، سواءٌ قُرىء زَيّن بالفتح أو الضم". وقرأت فِرْقة من أهْل الشَّامِ - ورُوِيَتْ عن ابن عامر أيضاً - "زِينَ" بكسر الزاي بعدها ياء سَاكِنة؛ على أنه فِعْل ماضٍ مبْنِيّ للمْجُهول على حَدِّ قِيلَ وبيعَ. وقيل: مَرْفُوع على ما لم يُسَمَّ فَاعِله، و "أولادهُم" بالنصب، و "شُرَكَائِهِم" بالخَفْضِ، والتَّوْجِيه واضح مما تقدَّم، فهي [و] القراءة الأولى سواء،غاية ما في البابِ: أنَّه أُخذ مِنْ زَانَ الثُّلاثِي، وبين للمَفْعُول، فاعِلَّ بما قد عَرَفْتَهُ في أول البَقَرة. واللام من قوله "لِكثير من المشْركينَ" متعلِّقة بـ "زَيَّن"، وكذلك اللاَّمُ في قوله: "ليُرْدُوهُم". فإن قيل: كيف تُعَلَّق حرفَيْ جر بلفْظٍ واحِد وبمعنى واحد بعامل واحد، من غَيْر بَدَلِيَّة ولا عَطْف؟. فالجواب: أن مَعْنَاها مختلِفٌ؛ فإن الأولى للتَّعْدِيَة والثَّانية للعِلِّيَّة. قال الزمخشري: "إن كان التَّزيين من الشَّياطين، فهي على حقيقةِ التَّعْليل، وإن كان من السَّدنَةِ، فهي للصَّيْرُورة" يعني: أن الشَّيْطَان يَفْعَل التَّزْيين وغرضُه بذلك الإرْدَاءُ، فالتعْلِيل فيه واضِحٌ، وأمَا السَّدَنةُ فإنهم لم يُزَيِّنوا لهم ذَلِك، وغرضهم إهْلاكُهم، ولكن لما كان مآل حَالِهِم إلى الإرْدَاءِ، أتى باللاَّم الدَّالَّة على العَاقِبة والمآل. فصل في بيان ما كان عليه أهل الجاهلية كان أهْل الجَاهِليَّة يدْفِنُون بَنَاتَهم أحْياء خَوْفاً من الفَقْر والتَّزْويج، واخْتلفُوا في المراد بالشُّركَاءِ. فقال مجاهد: شُرَكَاؤُهم شَيَاطينُهم أمَرُوهم بأن يَقْتُلوا أولادَهم خَشْيَة الغِيلَة، وسمِّيت الشَّياطين شُرَكَاء؛ لأنهم اتخذوها شُرَكَاء لقوله - تبارك وتعالى -: {أية : أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} تفسير : [الأنعام:22]. وقال الكَلْبِيّ: الشركاء سَدَنة آلِهَتِهم وخُدَّامهم، وهُمُ الَّذِين كَانُوا يُزَيِّنُون للكُفَّار قَتْل أولادهم، وكان الرَّجُل يَقُوم في الجَاهلِيَّة فيحلف باللَّه إن ولد له كَذَا غُلاماً لَيَنْحَرَنَّ أحدهم، كما حلف عَبْد المُطَلِّب على ابْنه عبد الله، وسُمِّيت السَّدَنَة شُرَكَاء كما سُمِّيت الشَّياطِين شُرَكَاء في قَوْل مُجَاهِد، وقوله "لِيُرْدُوهُم" الإرْدَاء في لُغة القُرْآن الإهلاك {أية : إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} تفسير : [الصافات:56]. قال ابن عبَّاس: "لِيُرْدُوهم في النَّار" واللاَّم هَهُنَا لام العَاقِبة؛ كقوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص:8]. {ولِيلبِسُوا عَلَيْهِم دِينَهُم} أي: يَخْلِطُوا عليهم دِينَهُم. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - ليُدْخِلُوا عليهم الشَّك في دينهم، وكانوا على دِين إسْمَاعيل فَرَجَعُوا عنه بلبس الشَّياطين. قوله: "وليَلْبِسُوا" عطف على "ليُرْدُوا" علل التَّزْيين بشَيْئَيْن: بالإرداء وبالتخليط وإدْخَال الشُّبْهَة عليهم في دينهم. والجمهور على "وليَلْبِسُوا" بكسر الباء مِنْ لَبَسْتُ عليه الأمْر ألبِسُه، بفتح العَيْن في المَاضِي وكَسْرِها في المُضَارع؛ إذا أدْخَلْتَ عليه فيه الشُّبْهَة وخَلَطْتَهُ فيه. وقد تقدَّم بَيَانُه في قوله: {أية : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام:9]. وقرأ النخعي: "وليلبسوا" بفتح الباء فقيل: هي لغة في المعنى المذْكُور، تقول: "لَبِسْتُ عليه الأمْر بفتح الباء وكسرها ألْبَسه وألبَسَهُ" والصَّحِيح أن لَبِس بالكَسْر بمعنى لَبِس الثياب، وبالفَتْح بمعْنى الخَلْط، فالصَّحيح أنه اسْتَعار اللِّبَاس لشِدَّة المخالطة الحَاصِلَة بَيْنَهم وبين التَخْليط؛ حتى كأنَّهم لَبْسُوها كالثياب، وصارت مُحِيطة بهم. قوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} والضَّمير المرفُوع للكَثِير والمنصُوب للقَتْل للتصريح به، ولأنَّه المسُوق للحديث عنه. وقيل: المَرْفُوع للشُّركاء والمنْصُوب للتَّزِيين. وقيل: المَنْصُوب لِلَّبْسِ المَفْهُوم من الفِعْل قَبْله وهو بَعِيد. وقال الزَّمَخْشَري: "لما فَعَل المُشْرِكُون ما زُيِّن لَهُم من القَتْلِ، أو لما فَعَل الشَّياطين أو السَّدَنَة التَّزْيين أو الإرْدَاء أو اللِّبْس، أو جَمِيع ذلِك إن جَعلْتَ الضمير جَارياً مَجْرَى اسم الإشارة". قوله: "فَذَرْهُم وما يَفْتَرُون" تقدَّم نظيره. فصل في المراد من الآية المعنى: ولو شاء اللَّه لعَصَمُهم حتى ما فَعَلُوا ذلِك من تَحْرِيم الحَرْث والأنْعَام، وقتل الأولاد فذرهم يا مُحَمَّد وما يَفْتَرُون يختلِقُون في الكَذِب، فإن اللَّه لهم بالمِرْصَادِ. قال أهل السُّنَّة: وهذا يَدُلُّ على أن كُلَّ ما فَعلَهُ المشرِكُون - فهو بِمَشِيئَة الله - تبارك وتعالى -. وقالت المعتزلة: إنه مَحْمُول على مَشِيئَة الإلْجَاء كما سَبَق.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} قال: زينوا لهم من قتل أولادهم . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} قال: شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خيفة العيلة .
ابو السعود
تفسير : {وَكَذٰلِكَ} ومثلَ ذلك التزيـينِ وهو تزيـينُ الشرك في قسمة القُربانِ بـين الله تعالى وبـين آلهتهم، أو مثلَ ذلك التزيـينِ البليغِ المعهودِ من الشياطين {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ} بوأدهم ونحْرِهم لآلهتهم. كان الرجل يحلِف في الجاهلية لئن وُلد له كذا غلاماً لينحَرَنّ أحدهم كما حلف عبدُ المطلب وهو مشهور {شُرَكَاؤُهُمْ} أي أولياؤهم من الجن أو من السَّدَنة وهو فاعلُ زَيَّن أُخِّر عن الظرف والمفعولِ لما مر غيرَ مرةٍ، وقرىء على البناء للمفعول الذي هو القتلُ ونصبِ الأولاد وجرِّ الشركاء بإضافة القتلِ إليه مفصولاً بـينهما بمفعوله وقرىء على البناء للمفعول ورفعِ قتل وجرِّ أولادِهم ورفعِ شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه زُيِّن كأنه لما قيل: زُيِّن لهم قتلُ أولادِهم قيل: مَنْ زيَّنه؟ فقيل: زينَّه شركاؤُهم {لِيُرْدُوهُمْ} أن يهلكوهم بالإغواء {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} وليخلِطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيلَ عليه السلام أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به واللامُ للتعليل إن كان التزيـينُ من الشياطين وللعاقبة إن كان من السدنة {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ} أي عدمَ فعلهم ذلك {مَّا فَعَلُوهُ} أي ما فعل المشركون ما زُيّن لهم من القتل أو الشركاءُ من التزيـين أو الإرداء واللبس، أو الفريقان جميعَ ذلك على إجراء الضميرِ مُجرى اسمِ الإشارة {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} الفاءُ فصيحة أي إذا كان ما فعلوه بمشيئة الله تعالى فدعهم وافتراءَهم أو وما يفترونه من الإفك فإن فيما شاء الله تعالى حِكَماً بالغة إنما نُملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين، وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى.
القشيري
تفسير : وسوست إليهم شياطينهم بالباطل فقبلت نفوسهم ذلك؛ إذْ الأشكالُ يتناصرون، فالنَّفْسُ لا تدعو إلا إلى الأجنبية، لأنها مُدَّعيةٌ تتوهم أن منها شيئاً، وأصلُ كلِّ شرْكٍ الدعوى، والشيطان لا يوسوس إلا بالباطل والكفر، فهم أعوانٌ يتناصرون. ثم قال: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} صَرَّح بأن المراد على المشيئة، والاعتبار (بسابق) القضية.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكذلك} ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك فى قسمة القربان بين الله تعالى وبين آلهتهم {زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركاؤهم} اى اولياؤهم من الجن او من السدنة فقوله قتل مفعول زين وشركاؤهم فاعله وكان اهل الجاهلية يدفنون بناتهم احياء خوفا من الفقر او من التزويج او من السبى وكان الرجل منهم يحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينجرنّ احدهم كما حلف عبدالمطلب على ابنه عبدالله ـ روى ـ ان عبد المطلب رأى فى المنام انه يحفر زمزم ونعت له موضعها وقام يحفر وليس له ولد يومئذ الا الحارث فنذر لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا لينحرن احدهم لله تعالى عند الكعبة فلما تموا عشرة اخبرهم بنذره فاطاعوه وكتب كل واحد منهم اسمه فى قدح فخرج على عبدالله فاخذ الشفرة لينحر فقامت قريش من انديتها فقالوا لاتفعل حتى ننظر فيه فانطلق به الى عرّافة فقالت قربوا عشرا من الابل ثم اضربوا عليه وعليها القداح فان خرجت على صاحبكم فزيدوا من الابل حتى يرضى ربكم واذا خرجت على الابل فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم فقربوا من الابل عشرا فخرج على عبدالله فزاد عشرا عشرا فخرجت فى كل مرة على عبدالله الى ان قرب مائة فخرج القدح على الابل فنحرت ثم تركت لا يصدّ عنها انسان ولا سبع ولذلك قال عليه السلام "حديث : انا ابن الذبيحين " .تفسير : يريد اباه عبدالله واسمعيل عليه السلام {ليردوهم} اى ليهلكوهم بالاغواء {وليلبسوا عليهم دينهم} وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين اسمعيل عليه السلام واللام للتعليل ان كان التزيين من الشياطين وللعاقبة ان كان من السدنة لظهور ان قصد السدنة لم يكن الاردآء واللبس وانما كان ذلك قصد الشياطين {ولو شاء الله} اى عدم فعلهم ذلك {ما فعلوه} اى ما فعل المشركون ما زين لهم من القتل {فذرهم وما يفترون} الفاء فصيحة اى اذا كان ما فعلوه بمشيئة الله تعالى فدعهم وافتراءهم على الله انه امرهم بدفن بناتهم احياء فان الله تعالى مع قدرته عليهم تركهم فاتركهم انت فان لهم موعدا يحاسبون فيه ولله تعالى فيما شاء حكم بالغة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قرأ الجمهور: {زَيَّن}؛ بالبناء للفاعل ونصب قتل، على أنه مفعول به، وخفض {أولادهم} بالإضافة ورفع {شركاؤهم}؛ فاعل {زين}، فالشركاء على هذه القراءة هم الذين زينوا القتل، وقرأ ابن عامر: بضم الزاي؛ على البناء للمفعول، ورفع {قتل}؛ على النيابة عن الفاعل، ونصب {أولادهم} على أنه مفعول بقتل، وخفض "شركائهم" بالإضافة إلى قتل، إضافة المصدر إلى فاعله، أي: زُين لهم أن يقتل شركاؤهم أولادهم، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بأولادهم، وهو معمول للمصدر، وهو جائز في العربية، قال ابن مالك في الألفية: شعر : فَصلَ مُضَافٍ شِبهِ فِعلٍ مَا نَصب مَفعولاً أو ظَرفًا أجِز، ولم يُعب تفسير : وهذا من فصل المفعول، فهو جائز في السعة؛ خلافًا للزمخشري ومن تبعه، وقد شنَّع عليه الشاطبي في حرز الأماني. يقول الحقّ جلّ جلاله: ومثل ذلك التزيين الذي وقع لهم في الحرث والأنعام، {زَيَّن لكثير من المشركين قتل أولادهم}؛ زين لهم ذلك شركاؤهم من الجن، أو من السدنَة، وحملوهم عليه، خوفًا من الجوع أو من العار، وكانوا يقتلون البنات دون البنين، زينوا لهم ذلك {لُيردُوهم} أي: ليهلكوهم بالإغواء، {وليلبسوا عليهم دينهم} أي: ليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل، أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به، {ولو شاء الله ما فعلوه} أي: ما فعل المشركين ما زين لهم، أو ما فعل الشركاء التزيين، أو الفريقان جميع ذلك، {فذرهم وما يفترون} أي: اتركهم مع افترائهم، أو: والذي يفترونه من الإفك، وهذا قبل الأمر بالسيف، ثم نسخ به. الإشارة: مما ينخرط في سلك الآية: إهانة البنات وتعظيم البنين، وقد نهى الشارع ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن تخصيص الذكور بالوصية، وقال للذي أراد أن يفعله: "حديث : لا تُشهدني على جور "تفسير : ، وهنا إشارة أرق من هذا، وهو أن يراد بالأولاد ما تنتجه الفكرة الصافية من العلوم والمواهب، وقتلها: إهمال الفكرة عن استخراجها حتى ضاعت عليه، والذي زين له ذلك هو شرك القلب، واشتغاله برسوم الفرق، حتى تعطلت الفكرة، وماتت تلك العلوم من قلبه، وقع ذلك التزيين بأهل الفرق ليسقطوهم عن درجة المقربين؛ أهل العلوم اللدنية والأسرار الربانية، وليلبسوا عليهم دينهم بالخواطر والشكوك، والأوهام، ولو شاء الله لهدى الناس جميعًا. ثم ذكر أيضاً نوعاً آخر من جهالتهم، فقال: {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وحده {زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم} بضم الزاي، ونصب (الاولاد) وخفض {شركائهم}. الباقون بفتح الزاي، {قتل} مفتوح اللام {أولادهم} بجر الدال {شركاؤهم} بالرفع بالتزيين. فوجه قراءة ابن عامر انه فرق بين المضاف والمضاف اليه بالمفعول، والتقدير: قتل شركائهم اولادهم، وشركاؤهم فاعل القتل، وانما جرب الاضافة ومن اضاف القتل الى الاولاد في القراءة الآخرى يكون الاولاد في موضع النصب، وهو مفعول به بالقتل وانشدوا فيه بيتا على الشذوذ أنشده بعض الحجازيين ذكره ابو الحسن: شعر : فزججتها بمزجة زج القلوص أبي مزاده تفسير : وذلك لا يجوز عند اكثر النحويين لان القراءة لا يجوز حملها على الشاذ القبيح، ولانه اذا ضعف الفصل بالظرف حتى لم يجز الا في ضرورة الشعر كقول الشاعر: شعر : كما خط الكتاب بكف يوما يهودي تفسير : فان لا يجوز في المفعول به أجدر، ولم يكن بعد الضعف الا الامتناع. وقيل انما حمل ابن عامر على هذه القراءة انه وجد {شركائهم} في مصاحف اهل الشام بالياء لا بالواو، وهذا يجوز فيه قتل اولادهم شركائهم على ايقاع الشرك للاولاد يعني شركائهم في النعم وفي النسب وفي الاولاد، ولو قيل أيضا زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركاؤهم على ذكر الفاعل بعد ما ذكر الفعل على طريقة ما لم يسم فاعله جاز كما قال الشاعر: شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح تفسير : أي ليبكه ضارع. ومثله {أية : يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال} تفسير : وتقديره كأنه لما قال {زين لكثير من المشركين قتل أولادهم} قال قائل من زينه؟ قيل زينه شركاؤهم. وقال الفراء تكون {شركائهم} على لغة من قال في عشاء عشاي كما قال الشاعر: شعر : اذا الثريا طلعت عشايا فبع لراعي غنم كسايا تفسير : وابو العباس يأبى هذا البيت، ويقول الرواية الصحيحة بالهمزة. ووجه التشبيه في قوله {وكذلك زين} أنه كما جعل اولئك في الآية الاولى ما ليس لهم كذلك زين هؤلاء ما ليس لهم ان يزينوه. والشركاء الذين زينوا قتل الاولاد قيل فيهم خمسة اقوال: احدها - قال الحسن ومجاهد والسدي: هم الشياطين زينوا لهم وأدِ البنات أحياء خوف الفقر والعار. والثاني - قال الفراء والزجاج: هم قوم كانوا يخدمون الاوثان. والثالث - انهم الغواة من الناس. والرابع - قيل: شركاؤهم في نعمهم. والخامس - شركاؤهم في الاشراك. وقوله {ليردوهم} فالارداء الاهلاك، تقول: أراده يرديه إِرداء وردي يردي ردى اذا هلك، وتردي ترديا، ومنه قوله {أية : وما يغني عنه ماله إذا تردَّى}تفسير : والمراد به الحجر يتردَّى من رأس جبل. واللام في قوله {ليردوهم} قال قوم هي لام العاقبة، كما قال {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}تفسير : لانهم لم يكونوا معاندين فيقصدوا أن يردوهم ويلبسوا عليهم دينهم، هذا قول أبي عليٍّ. وقال غيره: يجوز ان يكون فيهم المعاند، ويكون ذلك على التغليب. وقوله {ولو شاء الله ما فعلوه} معناه لو شاء ان يضطرهم الى تركه، او لو شاء ان يمنعهم منه لفعل، ولو فعل المنع والحيلولة لما فعلوه، لكن ذلك ينافي التكليف. ثم أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يذرهم اي يتركهم ولا يمنعهم ويخلي بينهم وبين ما يكذبون وذلك غاية التهديد كما يقول القائل: دعني وإِياه.
الجنابذي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ} اى مثل تزيين جعل النّصيب لله من مخلوقاته {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} وهم الّذين كانوا يرتكبون قتل اولادهم او وأدهم للعار او لخوف العيلة او للاصنام وقرئ زيّن مجهولاً وقتل بالرّفع واولادهم بالنّصب وشركاؤهم بالجرّ بناءً على توسّط المفعول بين المضاف والمضاف اليه، وقرئ زيّن مجهولاً وقتل بالرّفع واولادهم بالجرّ وشركاؤهم بالرّفع على ان يكون شركاؤهم فاعل القتل، وقرئ زيّن معلوماً وقتل بالنّصب واولادهم بالجرّ وشركاؤهم بالرّفع، وحينئذٍ يكون فاعل زيّن ضميراً راجعاً الى الله وشركاؤهم فاعلاً للمصدر او شركاؤهم فاعل زيّن وفاعل المصدر محذوف يعنى المشركين او شركاؤهم متنازع فيه لزيّن وللمصدر، وتعميم القتل والاولاد والشّركاء لما فى الكبير والصّغير يناسب كون شركاؤهم فاعلاً للمصدر او متنازعاً فيه {لِيُرْدُوهُمْ} ليهلكوهم بالاغواء عن الحيوة الانسانيّة {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ} ليخلطوا عليهم {دِينَهُمْ} الفطرىّ الّذى كانوا عليه بحسب الفطرة من التّوجّه الى الآخرة والتّوحيد او طريقتهم الّتى كانوا عليها، آلهيّةً كانت او شيطانيّةً حتّى لا يستقيموا على تلك الطّريقة الّتى يسمّونها ديناً {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} تسلية للرّسول (ص) بصرف نظره عن صورة افعالهم الى السّبب الاصلىّ لها، حتّى لا يضيق صدره بما فعلوا ولا يتحسّر عليهم {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} تسكين له (ص) عن تعب الدّعوة والاهتمام بمنعهم من شنائع اعمالهم.
الهواري
تفسير : قوله: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} يعني الشياطين الذين عبدوهم من دون الله، لأن الشياطين هي التي حملتهم على عبادة أوثانهم، وإنما عبدوا الشياطين. قال الله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} أي: أمواتاً، يعني أوثانهم، (أية : وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً) تفسير : [النساء:117] وقال: (أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) تفسير : [يس:60] وقال: (أية : بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ) تفسير : أي الشياطين من الجن. [سبأ:41]. وقال مجاهد: شركاؤهم: شياطينهم، أمروهم بقتل أولادهم خشية العَيْلة. وقال بعضهم: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} يقول: شركاؤهم زيّنوا لهم قتل أولادهم. قال: {لِيُرْدُّوهُمْ} أي ليبعدوهم عن الله. وقال بعضهم: ليُهْلِكوهم، وهو واحد. {وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} أي وليخلطوا عليهم دينهم الذي أمرهم الله به. أي الإِسلام. {وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ} كقوله: (أية : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) تفسير : [يونس:99]. قال: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}. قوله: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} أي حرام {لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ} وهذا ما كان يأكل الرجال دون النساء، وتفسيره في الآية التي بعد هذه. قال: {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} وهو الحام في تفسير الكلبي. وقال الحسن: {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} هو ما حرَّموا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وقد فسّرنا أمر الحام في سورة المائدة. قوله: {وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا} قال الحسن: هو ما استحلوا من أكل الميتة وأشباه ذلك. وهو قوله: (أية : وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) تفسير : [الأنعام: 121]. قال: {افْتِرَاءً عَلَيْهِ} أي على الله {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} زعموا أن الله أمرهم بهذا.
اطفيش
تفسير : {وكذلِكَ زَيَّن لكثيرٍ مِنَ المشْركينَ قَتْل أوْلادِهم شُركاؤهم} الإشارة إلى ذلك الحكم، وشركاؤهم فاعل زَيَّن أى شركاؤهم فى المال، أو شركاء العبادة، والمعنى كما زين الشيطان لهم هذا الحكم الذى هو جعل نصيب لشركائهم تقربين به إليها، وكون نصيبها لا يصل إلى الله، ونصيب الله يصل إليها زين لهم شركاؤهم أن يقتلوا أولادهم، والعطف على {وجعلوا لله} ويجوز أن يراد أن التزيين هكذا كما ذكره لكم، فليس تنبيها بما سبق، وقَتْل مفعول زين مضاف لأولاد إضافة مصدر للمفعول، وإسناد تزيين القتل إلى الشركاء وهى الأصنام مجاز، لأنها لا لسان لها ولا عقل، ولكن تزيينها قتل الأولاد إنما هو بلسان حالها، لأنه من كان معبوداً يتقرب إليه، فمن شأنه أن يشرع الحكم ويأمر وينهى، وهذا تهكم كقوله تعالى: {أية : أصلاتك تأمرك} تفسير : هذا ما ظهر لى تقرير، وقيل: شركاؤهم شياطين شركائهم كانت لشركائهم شياطين يتكلمون لهم من أجوافها، يأمرونهم تقتل أولادهم. وقال مجاهد: شركاؤهم الشياطين الذين يوحون إليهم بالوسوسة وبالكهانة، يأمرونهم بقتل أولادهم، وسماهم شركاء لأنهم أشركوا فى العبادة، وقد كانوا يعبدون الجن، وأيضا إذا أمروهم بقتلهم فأطاعوهم فى المعصية فقد أشركوهم فى الطاعة بالله، وقال الكلبى: شركاؤهم سدنة أصنامهم وهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل الأولاد، واختلفوا فيما ذا يقتلونهم؟ فقيل: مخافة الفقر إذا ضاق العيش قتلوا بناتهم، ومخافة أن تأتى بعيب فيعيرون بها، ومخافة أن لا تزوج عليهم إذا كانت عليهم جميلة، وذلك بالدفن. وقيل: ينحرون أولادهم لآلهتهم، وقال الكلبى: الآية فى قتل الرجل ولده الذكر، يقول الرجل منهم على أيدى سدنة الصنم، لئن ولد لى كذا ولد من الذكور لأنحرن أحدهم، كما حلف عبد المطلب: ئن كمل لى عشرة لأذبحن آخرهم، تعالى الله على الكعبة. وقيل قال: لأنحرن آخرهم عليها لله، فلما كمل عشرة أخبرهم بنذره فأطاعوه وكتب كل واحد اسمه فى قدح فخرج على عبد الله، فأخذ الشفرة لينحره، فقامت قريش من أنديتها فقالوا: لا تفعل حتى ننظر فيه، فانطلقوا به إلى الكاهن فقال: قربوا عشرة من الإبل ثم اضربوا عليها القداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإذا خرجت على الإبل فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم، فقربوا عشراً فخرجت على عبد الله، فزادوا عشراً فخرجت عليه، وهكذا إلى مائة فخرجت القداح على الإبل فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أنا ابن الذبيحين" تفسير : يريد أباه وإسماعيل عليه السلام، وقال له أعرابى: يا ابن الذبيحين فتبسم. وقرأ ابن عامر ببناء زين للمفعول، ورفع قتل على أنه نائب الفاعل، ونصب أولاد على أنه مفعول لقتل وجر شركائهم على إضافة قتل إليه فقتل مصدر مضاف لشركاء مفعول عنه بمفعول له المنصوب به، وذلك قليل وارد فى الشعر، وبسطه فى النحو لكنه لم يقرأه من عنده، فإن الفقراء يسندون قراءتهم إلى أن تصل رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عامر أقدم السبعة قرأ على أبى الدرداء وأبى وائلة بن الأسقع، وفضالة بن عبيد، ومعاوية بن أبى سفيان، والمغيرة المخزومى، قيل: وعثمان نفسه، فتقول هذه القراءة أخذها عن بعضهم فلا نقول: اعتمد فى هذه القراءة على مجرد مصحف الشام الذى أرسله عثمان حيث فيه شركائهم بالياء، بل أخذ القراءة نقلا، وكانت على وفق هذا الرسم، وسهلها أن المصدر المضاف لمعموله مقدر بأن والفعل ولا سيما إذا نصب معموله الآخر، أو رفع معموله الآخر فإنه أشد قرباً من الفعل، فضعفت جهة الإضافة، لأن الفعل لا يضاف حتى قال بعض: إن إضافة المصدر إلى معمولة لفظية، فكأنه فصل عن مفعوله المنصوب بفاعله المرفوع، وعن فاعله بمفعوله فلم يضر الفعل بين المضاف والمضاف إليه. وحمل السكاكى فى المفتاح هذه القراءة على حذف المضاف إليه من الأول، وحذف المضاف من الثانى، أى قتلهم أولادهم قتل شركائهم، وقيل: الثانى بدل من الأول، وقرئ بالبناء للمفعول وجر أولاد على الإضافة، ورفع قتل على النيابة عن الفاعل، ورفع شركاء على أنه فاعل لزين مقدرا مبنيا للفاعل كأنه قيل: من زينه لهم فقيل شركاؤهم وبسطت الكلام على مثل هذا فى النحو، ويأتى فى سورة النور إن شاء الله الرحمن الرحيم. {ليردُّوهم} ليهلكوهم بالإغواء، واللام متعلق بزين كما تعلق به لكثير، وإنما صح تعلق جر فى جر بفعل واحد بلا تبعية معنييهما، لأن لام لكثير للتعدية، ولام ليردوهم للتعليل، وإذا جاء ما اتفق معناه من ذلك فاجعل الثانى قيداً للفعل وللأول ومدخوله لا للفعل وحده، وإنما تكون الثانية للتعليل إذ قيل: المزين الله بالخذلان أو الشيطان بالوسوسة، وإن كان المزين السدنة، أو الكهان فهى لام الصيرورة لأنه ليس غرضهم الإرداء ولبس دينهم، ولا مانع من لبس الله دينه عليهم بمعنى خذلانهم لا غير باختيارهم، وقد بين لهم ولم يقبلوا. {وليَلبسُوا عَليهم دِينَهم} أى ليخلطوا عليهم دين الله الواجب عليهم الذى يجب أن يكون ديناً لهم بغيره وهو دين الضلال، أو ليخالطوا عليهم دينهم الذى كانوا عليه وهو دين إسماعيل عليه السلام، وهو دين إبراهيم عليه السلام بغيره من الضلال، وبهذا الوجه يقول ابن عباس رضى الله عنهما: وقال ليدخلوا عليهم الشك فى دينهم. {ولوْ شَاء اللهُ} أن لا يفعلوه {ما فعَلُوه} أى ما فعلوا ما ذكر من قتل الأولاد، وجعل النصيب للأصنام وإقرار ما وصل إليه من نصيب الله، ولكن شاء فعله ففعلوه، ومن زعم أنه لا يشاء المعصية زعم أن المعنى لو شاء إجبارهم عن المعصية لم يفعلوها بأن يجبرهم عنها، والواو للمشركين من العرب، أو لشركائهم المزينين لهم، ففى هذا الوجه يكون ما فعلوه هو القتل، فترجع الهاء للقتل، ويجوز عود الواو للمشركين وشركائهم فيشمل الهاء القتل فى جنبهم وجنب الشركاء، وشمل جعل النصيب وإقرار ما لله فى نصيب الأصنام فى جنب المشركين. {فَذَرهُم وما يفْترُون} لتركهم وافتراءهم فما مصدرية، أو ذرهم والكذب الذى يفترونه، أى يوقعونه فهى اسم موصول، والآية تهديد لهم وعذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن قد بلغ، ومن زعم أنه بمعنى لا تقاتلهم قال نسخ بالسيف.
اطفيش
تفسير : {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤهُم} زين لهم شركاؤهم من الجن أَو من خدمة الأَصنام قتل أَولادهم، والمراد بناتهم بدفنهن أَحياء لعدم جمالهن أَو لخوف الفقر أَو لخوف مسية تلحقهم منهن أَو من السبى أَو من الزنا. وسمى الجن شركاءَ لأَنهم أَطاعوهم فى الأَمر بقتل البنات كما يطاع الله، أَو لأَنهم عبدوا الأَصنام كما عبدوها، كذا قيل. وإِنما عرف هذا فى خدمة الأَصنام؛ وقيل الأَولى أَنهم سموا شركاءَ لاستمتاع البعض بالبعض، وقيل سمى خدمة الأَصنام شركاءَ لأَنهم أَطاعوهم فى قتل الأَولاد وكان الرجل فيما قيل يحلف بالله لئن ولد له كذا أَو كذا لينحرن أَحدهم فإِن صح هذا فالمراد بالأَولاد فى الآية ما يشمل الذكور والإِناث، ولا نعرف هذا إِلا لعبد المطلب بأَمر كاهنة، وقيل السبب فى قتل البنات أَن النعمان بن المنذر أَغار على قوم فسبى نساءَهم وفيهن بنت قيس بن عاصم ثم اصطلحوا، فرادت كل واحدة أَهلها إِلا بنت ابن عاصم اختارت سابيها، فحلف قيس لا تولد له بنت إِلا وأَدها فصار ذلك عادة فيهم، وكان بعض يقول: الملائكة بنات الله سبحانه فألحقوا البنات بالله تعالى فهو أَحق بها، وزعم بعض أَن المراد قتل أَولادهم للاصنام تقربا، ويجوز أَن الشركاءَ الأَصنام ومعنى تزيينها القتل أَنها سبب فيه بعبادتها فإِن المعصية تجر إِلى أُخرى. ويدل على أَن الشركاءَ الجن لا الخدمة قوله تعالى {لِيُرْدُوهُمْ} يهلكوهم بالإِغواءِ واللامان للتعليل هذه والتى فى قوله {وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} إِلا إِن قلنا الشركاءَ الخدمة والأصنام فللمآل، والمعنى ليدخلوا عليهم الشبه فى دينهم الذي يجب أَن يكونوا عليه وهو دين إِسماعيل، وكانوا على بقية قليلة منهم، وذلك قبل النسخ، أَو دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فإِنه لا غرض للأصنام أَلبتة، والخدمة ليس غرضهم الإِرداء واللبس بخلاف الشياطين فإِن غرضهم هما، وإِنما علقت اللام الأُولى والثانية بفعل واحد بلا عطف لاختلاف معناهما؛ فإِن قوله لكثير اللام فيه للتعدية، ولام ليردوهم للتعليل أَو للعاقبة {وَلَوْ شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ} أَى ما فعل المشركون القتل أَو ما فعل الشركاء التزيين أَو ما فعلوا الإِرداء واللبس. أَو الواو لكل من المشركين والشركاءِ والهاء لكل من التزيين والإِرداء واللبس، أَى ما فعل الفريقان {فَذَرْهُمْ} أَى المشركين أَو الشركاء أَو النوعين أَو الأَول لكن المراد كثير لأَن الكلام عليه لقوله زين لكثير عطف إِنشاء على إِخبار، أَو يقدر إِذا عرف ذلك، أَو إِذا كان ما كان بمشيئته فذرهم {وَمَا يَفْتَرُونَ} أَى وما يفترونه أَو وافترَاءهم.
الالوسي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان من الحرث والأنعام بين الله تعالى وبين شركائهم أو مثل ذلك التزيين البليغ المعهود من الشياطين {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي مشركي العرب {قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ } فكانوا يئدون البنات الصغار بأن يدفنونهن أحياء، وكانوا في ذلك على ما قيل فريقين أحدهما يقول: إن الملائكة بنات الله سبحانه فألحقوا البنات بالله تعالى فهو أحق بها. والآخر يقتلهن خشية الإنفاق، وقيل: خشية ذلك والعار وهو المروي عن الحسن وجماعة، وقيل: السبب في قتل البنات أن النعمان بن المنذر أغار على قوم فسبى نساءهم وكانت فيهن بنت قيس بن عاصم ثم اصطلحوا فأرادت كل امرأة منهن عشيرتها غير ابنة قيس فإنها أرادت من سباها فحلف قيس لا تولد له بنت إلا وأدها فصار ذلك سنة فيما بينهم، وقيل: إنهم كانوا ينذر أحدهم إذا بلغ بنوه عشرة نحر واحد منهم كما فعله عبد المطلب في قصته المشهورة، وإليها أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: « حديث : أنا ابن الذبيحين » تفسير : و {قَتْلَ} مفعول {زين} مضاف إلى {أولـٰدهم} من إضافة المصدر إلى مفعوله. وقوله سبحانه: {شُرَكَاؤُهُمْ} فاعل له، والمراد بالشركاء إما الجن أو السدنة، ووسموا بذلك لأنهم شركاء / في أموالهم كما مر آنفاً أو لإطاعتهم له كما يطاع الشريك لله عز اسمه. ومعنى تزيينهم لهم ذلك تحسينه لهم وحثهم عليه. وقرأ ابن عامر {زُيّنَ } بالبناء للمفعول الذي هو القتل، ونصب الأولاد وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولاً بينهما بمفعوله. وعقب ذلك الزمخشري «بأنه شيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر لكان سمجاً مردوداً كما سمج ورد شعر : زج القلوص أبي مزادة تفسير : فكيف به في الكلام المنثور فكيف به في الكلام المعجز، ثم قال: والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف {شُرَكَائِهِمْ} مكتوباً بالياء، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء لكان الأولاد شركاؤهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الإرتكاب» اهـ. «وقد ركب في هذا (الفصل متن) عمياء وتاه في تيهاء، فقد تخيل أن القراء أئمة الوجوه السبعة اختار كل منهم حرفاً قرأ به اجتهاداً لا نقلاً وسماعاً كما ذهب إليه بعض الجهلة فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه وأخذ يبين منشأ غلطه، وهذا غلط صريح يخشى منه الكفر والعياذ بالله تعالى فإن القراآت السبعة متواترة جملة وتفصيلاً عن أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم فتغليط شيء منها في معنى تغليط رسول الله صلى الله عليه وسلم بل تغليط الله عز وجل نعوذ بالله سبحانه من ذلك»، وقال أبو حيان: «أعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض قراءة متواترة [موجود] نظيرها في كلام العرب في غير ما بيت، وأعجب (لسوء ظن) هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله تعالى شرقاً وغرباً، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم» اهـ. وقد شنع عليه أيضاً غير واحد من الأئمة، ولعل عذره في ذلك جهله بعلمي القراءة والأصول. وقد يقال: إنه لم يفرق بين المضاف الذي لم يعمل وبين غيره ومحققو النحاة قد فرقوا بينهما بأن الثاني يفصل فيه بالظرف، والأول إذا كان مصدراً أو نحوه يفصل بمعموله مطلقاً لأن إضافته في نية الانفصال ومعموله مؤخر رتبة ففصله كلا فصل فلذا ساغ ذلك فيه ولم يخص بالشعر كغيره. وممن صرح بذلك ابن مالك، وخطأ الزمخشري بعدم التفرقة وقال في «كافيته»: شعر : وظرف أو شبيهه قد يفصل جزئي إضافة وقد يستعمل فصلان في اضطرار بعض الشعرا وفي اختيار قد أضافوا المصدرا لفاعل من بعد مفعول حجز كقول بعض القائلين للرجز بفرك حب السنبل الكنافج بالقاع فرك القطن المحالج وعمدتي قراءة ابن عامر وكم لها من عاضد وناصر تفسير : انتهى. وبعد هذا كله لو سلمنا أن قراءة ابن عامر منافية لقياس العربية لوجب قبولها أيضاً بعد أن تحقق صحة نقلها كما قبلت أشياء نافت القياس مع أن صحة نقلها دون صحة القراءة المذكورة بكثير، وما ألطف قول الإمام على ما حكاه عنه الجلال السيوطي، وكثيراً ما أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهد في تقريره ببيت مجهول فرحوا به وأنا شديد التعجب منهم لأنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلاً على صحته كان أولى، ومما ذكرنا يعلم ما في قول السكاكي: لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف، ونحو قوله: شعر : بين ذراعي وجبهة الأسد تفسير : محمول على حذف المضاف إليه من الأول، ونحو قراءة من قرأ {قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَائِهِمْ } لاستنادها إلى الثقات وكثرة نظائرها، ومن أرادها فعليه «بخصائص» ابن جني محمولة عندي على حذف المضاف إليه من الأول واضمار المضاف في الثاني كما في قراءة من قرأ { أية : وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ } تفسير : [الأنفال: 67] بالجر أي عرض الآخرة، وما ذكرت وإن كان فيه نوع بعد إلا أن تخطئة الثقات والفصحاء أبعد اهـ. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ببناء {زين} للمفعول ورفع {قتل} وجر {أولادهم} ورفع {ٰ شُرَكَائِهِمْ} بإضمار فعل دليل عليه {زين} كما في قوله: شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح تفسير : كأنه لما قيل: زين لهم قتل أولادهم قيل من زينه؟ شركاؤهم. {لِيُرْدُوهُمْ } أي ليهلكوهم بالإغواء {وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } أي ليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسمٰعيل عليه السلام حتى زلوا عنه إلى الشرك أو دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه. وقيل: المعنى ليوقعوهم في دين ملتبس، واللام للتعليل إن كان التزيين من الشياطين لأن مقصودهم من إغوائهم ليس إلا ذلك، وللعاقبة إن كان من السدنة إذ ليس محط نظرهم ذلك لكنه عاقبته {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} أي عدم فعلهم ذلك {مَّا فَعَلُوهُ} أي ما فعل المشركون ما زين لهم من القتل أو ما فعل الشركاء من التزيين أو الإرداء واللبس أو ما فعل الفريقان جميع ذلك على إجراء الضمير المفرد مجرى اسم الإشارة {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} الفاء فصيحة أي إذا كان ما كان بمشيئة الله تعالى فدعهم وافتراءهم أو ما يفترونه من الكذب ولا تبال بهم فإن في ما يشاء الله تعالى حكماً بالغة وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : عطفٌ على جملة: { أية : وجعلوا لله ممّا ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً } تفسير : [الأنعام: 136] والتقدير: جَعَلوا وزيَّنَ لهم شركاؤُهم قتلَ أولادِهم فقتلوا أولادَهم، فهذه حكاية نوع من أنواع تشريعاتهم الباطلة، وهي راجعة إلى تصرّفهم في ذُرّيَّاتهم بعد أن ذكر تصرّفاتهم في نتائج أموالهم. ولقد أعظم الله هذا التّزيين العجيب في الفساد الّذي حَسَّن أقبح الأشياء وهو قتْلهم أحبّ النّاس إليهم وهم أبناؤهم، فشبه بنفس التزيين للدّلالة على أنّه لو شاء أحد أن يمثّله بشيء في الفظاعة والشّناعة لم يَسَعْه إلاّ أن يشبهه بنفسه لأنَّه لا يبلغ شيء مبلغ أن يكون أظهرَ منه في بابه، فيلجأ إلى تشبيهه بنفسه، على حدّ قولهم «والسّفاهة كاسمها». والتّقدير: وزيّن شركاء المشركين لكثير فيهم تزييناً مثل ذلك التّزيين الّذي زيّنوه لهم، وهُو هُو نفسه، وقد تقدّم تفصيل ذلك عند قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً } تفسير : في سورة [البقرة: 143]. ومعنى التّزيين التّحسين، وتقدّم عند قوله تعالى: { أية : كذلك زيَّنَّا لكلّ أمّة عملهم } تفسير : في هذه السورة (108). ومعنى تزيين ذلك هنا أنَّهم خيَّلوا لهم فوائد وقُرَباً في هذا القتل، بأن يُلقوا إليهم مَضرّة الاستجداء والعار في النّساء، وأنّ النّساء لا يرجى منهنّ نفع للقبيلة، وأنَّهنّ يُجَبِّنّ الآباء عند لقاء العدوّ، ويؤثرن أزواجهن على آبائهن، فقتلهنّ أصلَحُ وأنفع من استبقائهن، ونحوَ هذا من الشّبه والتّمويهات، فيأتونهم من المعاني الّتي تروج عندهم، فإنّ العرب كانوا مُفرطين في الغيرة، والجموح من الغلب والعار كما قال النّابغة: شعر : حِذَاراً على أنْ لاَ تُنَالَ مَقَادَتِي ولا نسوتي حتَّى يَمُتْنَ حَرائراً تفسير : وإنَّما قال: {لكثير من المشركين} لأنّ قتل الأولاد لم يكن يأتيه جميع القبائل، وكان في ربيعة ومضر، وهما جمهرة العرب، وليس كلّ الآباء من هاتين القبيلتين يفعله. وأسند التّزيين إلى الشّركاء: إمّا لإرادة الشّياطين الشّركاءِ، فالتّزيين تزيين الشّياطين بالوسوسة، فيكون الإسناد حقيقة عقليّة، وإمّا لأنّ التّزيين نشأ لهم عن إشاعة كبرائهم فيهم، أو بشرع وضعه لهم مَن وضَع عبادة الأصنام وفرض لها حقوقاً في أموالهم مثل عَمْرو بن لُحَي، فيكون إسناد التّزيين إلى الشّركاء مجازاً عقلياً لأنّ الأصنام سبب ذلك بواسطةٍ أو بواسطتين، وهذا كقوله تعالى: { أية : فما أغنت عنهم آلِهَتُهم التي يَدْعُون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربّك وما زادوهم غير تتبيب } تفسير : [هود: 101]. والمعنيّ بقتل الأولاد في هذه الآية ونحوها هو الوأْد، وهو دفن البنات الصغيرات أحياء فيمتن بغمّة التّراب، كانوا يفعلون ذلك خشية الفقر، كما قال تعالى: { أية : ولا تقتلوا أولادكم خَشيةَ إملاق } تفسير : [الإسراء: 31]، وخشيةَ أن تفتضح الأنثى بالحاجة إذا هلك أبوها، أو مخافة السّباء، وذكر في «الروض الأنُف» عن النّقّاش في «تفسيره»: أنَّهم كانوا يئدون من البنات من كانت زَرقاء أو برشاء، أو شَيْماء، أو رَسْحاءَ، تشاؤما بِهنّ ــــ وهذا من خَوَر أوْهَامهم ــــ وأنّ ذلك قوله تعالى: { أية : وإذا الموءودة سُئِلت بأي ذنب قتلت } تفسير : [التكوير: 8، 9]، وقيل: كانوا يفعلون ذلك من شدّة الغيرة خشية أن يأتين ما يَتعيَّر منه أهلهنّ. وقد ذكر المبرّد في «الكامل»، عن أبي عبيدة: أنّ تميماً مَنَعت النّعمانَ بن المُنذر الإتاوة فوجّه إليهم أخاه الريان بن المنذر فاستاق النّعم وسبَى الذّراري، فوفدت إليه بنو تميم فأنابوا وسألوه النّساء فقال النّعمان: كلّ امرأة اختارت أباها رُدّت إليه وإن اختارت صاحبها (أي الّذي صارت إليه بالسبي) تُركت عليه فكُلّهنّ اختارت أباها إلاّ ابنة لقيس بن عاصم اختارت صاحبَها عمرو بن المشمرِج، فنذر قيس أن لا تولد له ابنة إلاّ قتلها فهذا شيء يَعتلّ به مَنْ وأدوا، يقولون: فعلناه أنفة، وقد أكذب الله ذلك في القرآن، أي بقوله: { أية : قد خَسِر الذين قتلوا أولادهم سَفَهاً } تفسير : [الأنعام: 140]. وذكر البخاري، أنّ أسماء بنت أبي بكر، قالت: كان زيدُ بن عَمرو بن نُفَيل يُحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتُلْها أنا أكفيكَ مؤونتها، فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئتَ دفعتُها إليك وإن شئتَ كفيتك مؤونتها. والمعروف أنَّهم كانوا يئدون البنت وقت ولادتها قبل أن تراها أُمّها، قال الله تعالى: { أية : وإذَا بشِّر أحدهم بالأنْثى ظَلّ وجهه مُسْوَدّا وهو كظيم يتوارى من القوم من سُوء ما بشِّر به أيُمْسِكه على هُون أم يدسّه في التّراب ألاَ ساء ما يحكمون } تفسير : [النحل: 58، 59]. وكان صعصعة بن معاوية من مجاشع، وهو جدّ الفرزدق، يفدي الموءودة، يفعل مثل فعل زيد بن عمرو بن نفيل. وقد افتخر الفرزدق بذلك في شعره في قوله: شعر : ومنّا الّذي منع الوائداتْ وأحيا الوئيد فلم تُوءَد تفسير : وقد أدرك جدّه الإسلام فأسلم. ولا يعرف في تاريخ العرب في الجاهليّة قتل أولادهم غير هذا الوأد إلاّ ما ورد من نذر عبد المطّلب الّذي سنذكره، ولا ندري هل كان مثل ذلك يقع في الجاهليّة قبل عبد المطّلب أو أنّه هو الذي ابتكر ذلك ولم يتابَع عليه. ولا شكّ أنّ الوأد طريقة سنّها أيمّة الشّرك لقومهم، إذ لم يكونوا يصدرون إلاّ عن رأيهم، فهي ضلالة ابتدعوها لقومهم بعلّة التخلّص من عوائق غزوهم أعداءَهم، ومن معرّة الفاقة والسباء، وربّما كان سدنة الأصنام يحرّضونهم على إنجاز أمر الموءودة إذا رأوا من بعضهم تثاقلا، كما أشار إليه «الكشاف» إذ قال: «والمعنى أنّ شركاؤهم من الشّياطين أو من سدنة الأصنام زيَّنوا لهم قتل أولادهم بالوأد أو بالنّحر». وقال ابن عطيّة: والشّركاء على هذه القراءة هم الّذين يتناولون وأد بنات الغير فهم القاتلون. وفي قصّة عبد المطّلب ما يشهد لذلك فإنَّه نذر إن رزقه الله عشرة أولاد ذكور، ثمّ بلغوا معه أن يمنعوه من عدوّه، لينحرنّ أحدهم عند الكعبة، فلمّا بلغ بنوه عشرة بهذا المبلغ دَعاهم إلى الوفاء بنذره فأطاعوه واستقسم بالأزلام عند (هُبل) الصّنم وكان (هبل) في جوف الكعبة، فخرج الزلم على ابنه عبد الله فأخذه ليذبحه بين (إساف) و(نائلة) فقالت له قريش: لا تذبحْه حتّى تُعذِر فيه، فإن كان له فداء فديناه، وأشاروا عليه باستفتاء عَرّافة بخيبرَ فركبوا إليها فسألوها وقصّوا عليها الخبر فقالت: قَرّبوا صاحبكم وقَرّبوا عشراً من الإبل ثمّ اضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرجتْ على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتّى يرضى رَبّكم، وكذلك فعلوا فخرج القِدح على عبد الله، فلم يزل عبد المطلب يزيد عشراً من الإبل ويضرب عليها بالقداح ويخرج القِدح على عبد الله حتّى بلغت الإبل مائة فضرب عليها فخرج القِدح على الإبل فنحرها. ولعلّ سدنة الأصنام كانوا يخلطون أمر الموءودة بقصد التقرّب إلى أصنام بعض القبائل (كما كانت سنّة موروثة في الكنعانيين من نَبط الشّام يقرّبون صبيانهم إلى الصنم ملوك، فتكون إضافة القتل إلى الشّركاء مستعملة في حقيقتها ومجازها. وقرأ الجمهور: {زَيَّنَ} ــــ بفتح الزاي ــــ ونصب: {قتل} على المفعوليّة لــــ {زيَّن}، ورفععِ شركاؤهم على أنّه فاعل: {زين}، وجرّ {أولادهم} بإضافة قَتْل إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله. وقرأه ابن عامر: {زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائِهم} ببناء فعل {زين} للنّائب، ورفع {قتل} على أنه نائب الفاعل، ونصب {أولادهم} على أنَّه مفعول {قتل}، وجَرّ {شركائهم} على إضافة {قتل} إليه من إضافة المصدر إلى فاعله، وكذلك رسمت كلمة {شركائهم} في المصحف العثماني الّذي ببلاد الشّام، وذلك دليل على أنّ الّذين رَسموا تلك الكلمة راعوا قراءة {شركائهم} بالكسر وهم من أهل الفصاحة والتّثبت في سند قراءات القرآن، إذا كتب كلمة {شركائهم} بصورة الياء بعد الألف، وذلك يدلّ على أنّ الهمزة مكسورة، والمعنى، على هذه القراءة: أنّ مزيِّنا زَيَّن لكثير من المشركين أن يَقْتُلَ شركاؤُهم أولادَهم، فإسناد القتل إلى الشّركاء على طريقة المجاز العقلي إمّا لأنّ الشّركاء سبب القتل إذا كان القتل قُرباناً للأصنام، وإمَّا لأنّ الّذين شرعوا لهم القتل هم القائمون بديانة الشّرك مثل عمرو بن لُحي ومن بعده، وإذا كان المراد بالقتل الوأْدَ، فالشركاء سببَ وإن كان الوأد قُرباناً للأصنام وإن لم يكن قرباناً لهم (وهو المعروف) فالشركاء سبب السبب، لأنه من شرائع الشرك. وهذه القراءة ليس فيها ما يناكد فصاحة الكلام لأنّ الإعراب يُبيِّن معاني الكلمات ومواقعها، وإعرابها مختلف من رفع ونصب وجرّ بحيث لا لبس فيه، وكلماتها ظاهرٌ إعرابها عليها، فلا يعدّ ترتيب كلماتها على هذا الوصف من التّعقيد المخلّ بالفصاحة، مثل التّعْقيد الّذي في قول الفرزدق: شعر : وما مِثْلُه في النّاس إلاّ مُمَلَّكاً أبُو أمِّه حَيّ أبُوهُ يقاربهْ تفسير : ــــ لأنَّه ضَمَ إلى خلل ترتيب الكلام أنَّه خَلل في أركان الجملة وما حفّ به من تعدّد الضّمائر المتشابهة ــــ وليس في الآية ممّا يخالف متعارف الاستعمال إلاّ الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، والخَطْبُ فيه سهل: لأنّ المفعول ليس أجنبياً عن المضاف والمضاف إليه، وجاء الزمخشري في ذلك بالتّهويل، والضّجيج والعويل، كيف يفصَل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول وزاد طنبور الإنكار نغمة. فقال: والذي حَمَله على ذلك أنّه رأى في بعض المصاحف: {شركائهم} مكتوباً بالياء، وهذا جري على عادة الزمخشري في توهين القراءات المتواترة، إذا خالفت ما دُوّن عليه علم النّحو، لتوهّمه أنّ القراءات اختيارات وأقيسة من القُرّاء، وإنَّما هي روايات صحيحة متواترة وفي الإعراب دلالة على المقصود لا تناكد الفصاحة. ومُدوّناتُ النّحو ما قصد بها إلاّ ضبط قواعد العربيّة الغالبة ليجري عليها النّاشئون في اللّغة العربيّة، وليست حاصرة لاستعمال فصحاء العرب، والقرّاءُ حجّة على النّحاة دون العكس، وقواعد النّحو لا تمنع إلاّ قياس المولَّدين على ما ورد نادراً في الكلام الفصيح، والنّدرة لا تنافي الفصاحة، وهل يظنّ بمثل ابن عامر أنّه يَقرأ القرآن متابعة لصورة حروف التهجّي في الكتابة. ومثل هذا لا يروج على المبتدئين في علم العربيّة، وهلاّ كان رسم المصحف على ذلك الشّكل هادياً للزمخشري أن يتفطّن إلى سبب ذلك الرسم. أمَّا ابن عطيّة فقال: «هي قراءة ضعيفة في استعمال العَرب» يريد أنّ ذلك الفصل نادر، وهذا لا يُثبت ضعف القراءة لأنّ الندور لا ينَافي الفصاحة. وبَعَّد ابنُ عطيّة هذه القراءة بعدم مناسبتها للتّعليل بقوله: {ليردوهم} وتبعيد ابن عطيّة لها تَوَهُّمٌ: إذ لا منافاة بين أن يُزيّنوا لهم قتلَ أولادهم وبين التّعليل فإنّ التّعليل يستعمل في العاقبة مجازاً مثل قوله تعالى: { أية : فالتقطه آلُ فرعون ليكونَ لهم عدوّاً وحَزناً } تفسير : [القصص: 8]. ومن العجيب قول الطّبري: والقراءَة الّتي لا أستجيز غيرها ــــ بفتح الزاي ونصب: {القتل} وخفض: {أولادهم} ورفع: {شركائهم}. وذلك على عادته في نصب نفسه حكماً في التّرجيح بين القراءات. واللاّم في: {ليردوهم} لام العاقبة إن كان المراد بالشّركاء الأصنام، أي زيَّنوا لهم ذلك قصداً لنفعهم، فانكشف عن أضرارٍ جهلوها. وإن كان المراد بالشّركاء الجنّ، أي الشّياطين فاللاّم للتّعليل: لأنّ الإيقاع في الشرّ من طبيعة الوسواس لأنَّه يستحسن الشرّ وينسَاق إليه انسياق العقرب للَّسع من غير قصد إلى كون ما يدعونهم إليه مردِيا ومُلْبِساً فإنَّهم أولياؤهم لا يقصدون إضرارهم ولكنّهم لمّا دعوهم إلى أشياء هي في نفس الأمر مضارّ كان تزيينهم مُعلّلاً بالإرداء والإلباس وإن لم يفقهوه بخلاف من دعا لسبب فتبيّن خلافه، والضّمير للشّركاء والتّعليل للتّزيين. والإرْدَاء: الإيقاع في الرّدى، والردَى: الموت، ويستعمل في الضرّ الشّديد مجازاً أو استعارة وذلك المراد هنا. ولَبَس عليه أوقعه في اللّبس، وهو الخلط والاشتباه، وقد تقدّم في قوله تعالى: { أية : ولا تَلبسوا الحقّ بالباطل } تفسير : في سورة [البقرة: 42]، وفي قوله: { أية : وللبَسْنا عليهم ما يلبسون } تفسير : في هذه السّورة (9). أي أن يخلطوا عليهم دينهم فيوهموهم الضّلال رشداً وأنّه مراد الله منهم، فهم يتقرّبون إلى الله وإلى الأصنام لتقرّبهم إلى الله، ولا يفرّقون بين ما يرضاه الله وما لا يرضاه، ويخيّلون إليهم أنّ وأد البنات مصلحة. ومن أقولهم: دَفْن البناهْ من المَكْرمَاهْ (البناه. والمكرماه. بالهاء ساكنة في آخرهما. وأصلها تاء جمع المؤنث فغيّرت لتخفيف المثَل) وهكذا شأن الشّبه والأدلّة الموهومة التي لا تستند إلى دليل. فمعنى: {وليلبسوا عليهم دينهم} أنَّهم يحدثون لهم ديناً مختلطاً من أصناف الباطل، كما يقال: وسِّعْ الجبّة، أي اجعلها واسعة، وقيل: المراد ليدخلوا عليهم اللّبس في الدّين الّذي كانوا عليه وهو دين إسماعيل عليه السّلام، أي الحنيفيّة، فيجعلوا فيه أشياء من الباطل تختلط مع الحقّ. والقول في معنى: {ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون} كالقول في قوله آنفاً { أية : ولو شاء ربك ما فعلوه } تفسير : [الأنعام: 112] وضمير الرّفع في: {فعلوه} يعود إلى المشركين، أي: لو شاء الله لعصمهم من تزيين شركائهم، أو يعود إلى الشّركاء، أي: لو شاء الله لصدّهم عن إغواء أتباعهم، وضمير النّصب يعود إلى القتل أو إلى التّزيين على التوزيع، على الوجهين في ضمير الرّفع. والمراد: بـ {ما يَفترون} ما يفترونه على الله بنسبة أنّه أمرهم بما اقترفوه، وكان افتراؤهم اتِّباعاً لافتراء شركائهم، فسمّاه افتراء لأنَّهم تقلّدوه عن غير نظر ولا استدلال، فكأنَّهم شاركوا الّذين افتروه من الشّياطين، أو سدنة الأصنام، وقادة دين الشّرك، وقد كانوا يموّهون على النّاس أنّ هذا ممّا أمر الله به كما دلّ عليه قوله في الآية بعد هذه: { أية : افتراء عليه } تفسير : [الأنعام: 138] وقوله في آخر السّورة: { أية : قل هلمّ شهداءكم الذين يشهدون أنّ الله حرّم هذا } تفسير : [الأنعام: 150].
القطان
تفسير : شركاؤهم: سدنة الآلهة التي يعبدونها من الاوثان. لِيُرْدوهم: ليهلكوهم. ليلبسوا: ليخلطوا عليهم. حجر: محجور ممنوع. سيجزيهم: سيعاقبهم الله على هذه المنكرات. كما زيّنتْ لهم أوهامهم تلك القسمة الظالمة التي مر ذكرها في الآية السابقة من الحرث والابل والبقر وغيرها - زيّنت لهم اوهامهم وتضليلُ شركائهم من خدّام الاوثان وشياطين الانس ان يقتلوا اولادهم. وكان ذلك يتم إما تديُّناً وتقرباً لآلهتهم في الجاهلية، او بسبب من الفقر، كما جاء في بعض الآيات. ومنهم من كان يئد البنات، اي يدفنهن في التراب، خوفا من العار الذي يمكن ان يُلحقنه به. وكان نَذْر قتل بعض الأولاد جاريا في دينهم، ومن ذلك نذْرُ عبد المطلب ان يقتل آخر اولاده ان وُلد له عشرة ذكور فكان العاشر عبد الله. وفداه بمئة من الابل كما أفتاه بذلك بعض الكهان. {لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ}. لقد زينوا لهم هذه الخرافات المنكرة ليهلِكوهم بالاغواء، ويفسدوا عليهم فِطرتهم، حين تنقلب عواطف الوالدين من رحمة ورأفة الى قسوة ووحشية. من ثَمَّ ينحر الوالدُ ولده، ويدفن بنتَه الضعيفة وهي حية. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}. تلك مشيئة الله في خلقه بما ينتحلونه من شرائع وما يفترون عليه من كذب، فاتركهم ايها الرسول. ان عليك ان تقوم بما أُمرت به من التبليغ، والله هو الذي يتولى أمرهم، وله سُنن فيه هداية خلقه لا تتغير ولا تتبدل. ثم ذكر الله تعالى ثالثا من آرائهم وديانتهم الفاسدة فقال: {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ...}. يعني: ومن أوهامهم انهم قسموا أنعامهم وزرعهم أقساما ثلاثة: 1- أنعام وأقوات وحبوب وغيرها ممنوعة، تُجعل لمعبوداتهم، لا يأكلها أحد الا من يشاؤون من خَدَمة الاوثان، ويقولون هي "حِجْر" أي: محجورة للآلهة لا تعطى لغيرهم. 2- أنعام حَرُمت ظهروها، فلا تُركب ولا يُحمل عليها، كما جاء في قوله تعالى بسورة المائدة: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}. 3- أنعام لا يذكرون اسم الله تعالى عليها عند الذبح، بل يُهدونها لألهتهم وحدها وذلك لكذبهم علىالله تعالى بشِركهم. ان الله تعالى سيجزيهم بالعذاب في الآخرة، بسبب افترائهم عليه وتحريمهم ما لم يحرمه هو. ثم ذكر نوعاً آخر من أحكامهم في التحريم بيّن فيه سخفهم وكذبهم على الله فقال: {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ...}. ومن ديانتهم الباطلة أنهم يقولون: ان ما في بطون الأنعام التي لا تُذبح ولا تُركب هو للذكور خاصة، ويحرُم على النساء. لكن لك الجنين اذا سقط ميتا اشترك في أكل لحمه الذكور والاناث فكيف يجوز ذلك! ان الله سيجزيهم على كذبهم الذي وصفوا به فعلهم، اذا ادعوا ان هذا التحريم من عند الله وهو من عند أنفسهم. إن الله عليم بكل شيء، حكيم تسير جميع أفعاله على مقتضى الحكمة. {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}. لقد خسر اولئك قتلوا أولادهم، وَوَأَدُوا بناتهم سَفَهاً وحُمقاً، فالولد نعمةٌ من الله على العبد، {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} فاذا سعى العبد في زوال هذه النعمة خسر خسرانا عظيما، واستحق الذم في الدنيا، والعقاب في الآخرة. كذلك أولئك الذين حرموا على انفسهم ما رزقهم الله من زرع وحيوان.. لقد ضلُّوا وبعُدوا عن الحق، فهم لا يتّصفون بالهداية بحالٍ من الأحوال. قراءات: قرأ ابن عامر: "وكذلك زُيّن لكثيرٍ، المشركين قتلُ اولادَهم شركائِهم بنصب اولادهم وجرّ شركائهم، وهنا فصل بين المضاف والمضاف اليه. وقرأ الباقون "زَيَّن لكثيرٍ من المشركين قتلَ اولاَدِهم شركاؤُّهم" وقرأ ابن كثير وابن عامر: "قد خسر الذين قَتَّلوا" بالتشديد.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَوْلاَدِهِمْ} (137) - وَكَمَا زَيَّنَتِ الشَّيَاطِينُ لِهَؤُلاَءِ أَنْ يَجْعَلُوا للهِ نَصِيباً مِمَّا خَلَقَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ، وَلِلأَوْثَانِ نَصِيباً آخَرَ، كَذَلِكَ زَيَّنُوا لَهُمْ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ، خَشْيَةَ الفَقْرِ وَالإِمْلاَقِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ خَشْيَةَ العَارِ (وَالشُّرَكَاءُ، هُنَا، هُمُ الشَّيَاطِينُ). وَقَدْ زَيَّنَتْ لَهُمُ الشَّيَاطِينُ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ، لِيُهْلِكُوهُمْ بِالإِغْوَاءِ، وَيُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ فِطْرَتَهُمْ، فَتَنْقَلِبَ عَوَاطِفُ وَدِّ الوَالِدِينِ، مِنْ رَأْفَةٍ وَرَحْمَةٍ، إِلَى قَسْوَةٍ وَوَحْشِيَّةٍ، فَيَنْحَرَ الوَالِدُ وَلَدَهُ، وَيَدْفُنَ الأَبُّ ابْنَتَهُ وَهِيَ حَيَّةٌ. وَقَدْ لَبَسَتِ الشَّيَاطِينُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا يَدَّعُونَهُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِدِينِ أَبِيهِمْ إِسْمَاعِيلَ، وَجَدِّهِمْ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيهِمَا السَّلاَمُ. وَقَدِ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ تَقَالِيدِ الشِّرْكِ، حَتَّى لَمْ يَعُدْ يُعْرَفُ مَا هُوَ الأَصْلُ، وَمَا هُوَ المُبْتَدَعُ فِيهِ. وَلُوَ شَاءَ اللهُ أَلاَّ يَفْعَلُوا ذَلِكَ مَا فَعَلُوهُ، وَلَكِنَّ إِرَادَتَهُ وَحِكْمَتَهُ قَضَتَا بِجَعْلِهِمْ مُسْتَعِدِّينَ لِلْتَّأَثُّرِ بِكُلِّ مَا يَرِدُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الأَفْكَارِ وَالآرَاءِ، وَاخْتِيَارِ مَا يَتَرَجَّحُ لَدَيْهِمْ. فَذَرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ وَمَا يَتَقَوَّلُونَ وَمَا يَفْتَرُونَ وَيَبْتَدِعُونَ. لِيَرُدُّوهُمْ - لِيُهْلِكُوهُمْ بِالإِغْوَاءِ. لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ - لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ وَلِيُمَوِّهُوا عَلَيْهِمْ. يَفْتَرُونَ - يَخْتَلِقُونَ مِنَ الكَذِبِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وأيضاً نقلوا تلك القسمة الضيزى إلى ما يتعلق بذواتهم في الإنجاب والإنسال؛ فشركاؤهم زينوا لهم قتل أولادهم، و"التزيين" هو إدخال عنصر التحسين على التزيين أمراً عرضياً طارئاً، ووجه التزيين أنهم كانوا إما أغنياء، وإما فقراء، فإن كانوا فقراء يقل الواحد منهم لماذا أجلب لنفسي هِّما على همّ، وإن كانوا أغنياء يقل الواحد منهم: إن الأبناء سيأخذون منك ويفقرونك. إذن ففيه أمران: إما فقر موجود بالفعل، وإما فقر مخوَّف منه، ولذلك تجد الآيات التي تعرضت لهذا المعنى، تأتي على أسلوبين اثنين؛ فالعَجُز مختلف باختلاف الصدر، والذين يحبون أن يستدركوا على أساليب القرآن لأنه مرة يقول: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم...} تفسير : [الإسراء: 31] ومرة ثانية يقول: {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ...} تفسير : [الأنعام: 151] فما الفرق بين العبارتين؟ ونقول لمثل هذا القائل: أنت تقارن بين التذييل {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}، و{نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم}. هذا تذييل لآية، وهذه تذييل لآية ثانية. هات ذيل الآية مع صدرها نجد أن ذيل كل آية مناسب لصدرها. ومادام قد اختلف في الصدر فلابد أن يختلف في الختام، ففي الآية الأولى يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} فالإملاق وهو الفقر واقع موجود. إذن فشغل الإنسان برزقه أولى من شغله برزق من يعوله من الأولاد، فيقول الحق لهؤلاء: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ...} تفسير : [الأنعام: 151] فالإملاق موجود، وشغلهم برزق أنفسهم يملأ نفوسهم. لذلك يقول لهم: {نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} فيطمئنهم سبحانه نحن نرزقكم ثم نرزقهم. أما إن كان الإملاق غير موجود فالحق يقول: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم...} تفسير : [الإسراء: 31] أي لا تقتلوا أولادكم خوفاً من فقر، فأنتم تملكون رزقكم، وحين يأتي الأولاد نرزقهم ونرزقكم معهم. وهكذا نرى أن الصدر مختلف في الآيتين، وكذلك العجز، والشركاء كانوا يزينون قتل الأولاد، وهذه مسألة تحتاج إلى تزيين قاس؛ لأن حب الأبناء غريزة في النفس البشرية، والنفس تحب أن يكون لها ذرية؛ لأن الإنسان يفهم أنه مهما طال عمره فسوف يموت فيحب أن يظل اسمه في الأجيال المتتابعة. ونجد الإنسان وهو ممتلئ بالسعادة حين يأتيه حفيد، ويقول: لقد ضمنت ذكري لجيلين قادمين، وينسى أن الذكر الحقيقي هو الذي يقدمه الإنسان من عمل، لا ذكرى الأبناء وحب امتداد الذات. وقتل الأبناء يحتاج إلى تزيين شديد، كأن يقال: إن أنجبت أبناء فسيفقرونك ويذلونك، فأنتم أمة غارات وأمة حروب وكل يوم يدخلك أبناؤك في قتال ونزال فتكون بين فقد لأبنائك أو انتهاب لمالك، وإن كانوا بنات فسيتم سبيهن من بعدك، وهكذا تكون المبالغة في الإغراء لعملية تناقض الفطرة السليمة في امتداد النسل. {وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ..} [الأنعام: 137] و{لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفيد أن بعضهم كان يرفض قتل الأولاد، و"يردوهم" من الردى، وهو الهلاك، والموت. {ولِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ..} [الأنعام: 137] أي يخلطوا عليهم الدين، فهل كان عندهم دين؟, لقد ورث هؤلاء من أمر قيم الدين ما كان سابقاً وهو ما كانوا عليه من دين إسماعيل عليه السلام حتى مالوا وزالوا عنه إلى الشرك، إنهم زينوا لهم أعمالا ليوردوهم موارد الهلكة. وحاولوا أن يخلطوا عليهم ما بقي لهم من دين. {... وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 137] لأن وأد الأولاد وقتلهم إنما ينافي فكرة خلق الله، فهل يخلق الله لتقتل أنت؟! كأنهم يصادمون إرادة الإِيجاد من الحق سبحانه وتعالى، لكنّه- سبحانه- لو شاء ما فعلوا ذلك، فهو قد أعطاهم الاختيار، ومن باب الاختيار ينفذون إلى كل مراد لهم، ولو لم يخلق الله فيهم اختياراً ما فعلوا ذلك؛ لأنه لو أراد ألا يضلوا لما فعلوا، وقد أراد الله أن يوجد خلقاً لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم الملائكة. إذن فهذه المسألة ليست عزيزة على الله، وسبحانه ساعة يقهر على مراد له، إنما يكون ذلك لمصلحة المخلوق، وساعة يتركه مختاراً فمن إمداد الخالق له بالاختيار ولا يفعل المختار شيئاً غصباً عن الله؛ لأن الألوهية تقتضي أمرين اثنين: تقتضي قدرة تتجلى في الأشياء القهرية التي لا يستطيع العباد أن يقفوا أمامها، والإِنسان هو الكائن الوحيد الذي له حق الاختيار بين البديلات في مراداته، أما بقية الكون فسائر بقانون التسخير وليس له اختيار. والكائنات المسخرة أثبتت لله طلاقة القدرة، ولكنها لا تثبت لله محبوبية المخلوق؛ لأن المحبوبية تنشأ من أنك تكون حرًّا في أن تفعل، ولكنك تؤثر فعلاً مراد لله على مرادك. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}. و"الافتراء" هو الاختلاق والكذب المتعمد، وهم مفترون، لأنهم أرادوا أن يغيروا صدق الواقع في الإِنجاب، فقد خلق الله الزوجين- الذكر والأنثى- من أجل الإِنجاب. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَامٌ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً}. قال: كانوا يسمون لله جزءاً. ولشركائهم، يعني لأَوثانهم جزءاً، فما ذهبت به الريح مما سمّوا لله إِلى جزءِ أَوثانهم تركوه، وقالوا: الله غني عن هذا، وما ذهبت به الريح من جزءِ أَوثانهم إِلى جزءِ الله ردوه. وأَما {ٱلأَنْعَامِ} [الآية: 137] فالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} [الآية: 137]. يعني: شياطينهم يأْمرونهم أَن يئدوا أَولادهم خيفة العيلة. يعني: الموءُودة. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ} [الآية: 139] يعني ما جعلوا لله ولشركائهم. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا} يعنون السائبة والبحيرة {وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا}. يعنون النساءَ [الآية: 140]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا إِسرائيل عن أَبي اسحق الهمذاني، عن عبد الله بن أَبي الهذيل عن ابن عباس في قوله: {مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ / 22 ظ / لِّذُكُورِنَا} [الآية: 140]. يعني: اللبن. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} [الآية: 140]. يعني: قولهم الكذب في ذلك. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الآية: 142]. قال: نافلة واجباً حين يصرم سوى الزكاة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لِيُرْدُوهُمْ} معناهُ ليهْلِكوهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):