Verse. 927 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَقَالُوْا ہٰذِہٖۗ اَنْعَامٌ وَّحَرْثٌ حِجْرٌ۝۰ۤۖ لَّا يَطْعَمُہَاۗ اِلَّا مَنْ نَّشَاۗءُ بِزَعْمِہِمْ وَاَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُہُوْرُہَا وَاَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُوْنَ اسْمَ اللہِ عَلَيْہَا افْتِرَاۗءً عَلَيْہِ۝۰ۭ سَيَجْزِيْہِمْ بِمَا كَانُوْا يَفْتَرُوْنَ۝۱۳۸
Waqaloo hathihi anAAamun waharthun hijrun la yatAAamuha illa man nashao bizaAAmihim waanAAamun hurrimat thuhooruha waanAAamun la yathkuroona isma Allahi AAalayha iftiraan AAalayhi sayajzeehim bima kanoo yaftaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالوا هذه أنعام وحرث حجر» حرام «لا يطعمها إلا من شاء» من خَدَمَةِ الأوثان وغيرهم «بزَعمهم» أي لا حجة لهم فيه «وأنعام حرمت ظهورها» فلا تركب كالسوائب والحوامي «وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها» عند ذبحها بل يذكرون اسم أصنامهم ونسبوا ذلك إلى الله «افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون» عليه.

138

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة، وهي أنهم قسموا أنعامهم أقساماً: فأولها: إن قالوا: {هَـٰذِهِ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ } فقوله: {حجر } فعل بمعنى مفعول، كالذبح والطحن، ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وأصل الحجر المنع، وسمى العقل حجراً لمنعه عن القبائح، وفلان في حجر القاضي: أي في منعه، وقرأ الحسن وقتادة {حجر } بضم الحاء وعن ابن عباس {حَرَجٌ } وهو من الضيق، وكانوا إذا عينوا شيئاً من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: {لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء } يعنون خدم الأوثان، والرجال دون النساء. والقسم الثاني: من أنعامهم الذي قالوا فيه: {وَأَنْعَـٰمٌ حُرّمَتْ ظُهُورُهَا } وهي البحائر والسوائب والحوامي، وقد مر تفسيره في سورة المائدة. والقسم الثالث: {أَنْعَـٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا } في الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام، وقيل لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها. ثم قال: {ٱفْتِرَاء عَلَيْهِ } فانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد، لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء. ثم قال تعالى: {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } والمقصود منه الوعيد.

القرطبي

تفسير : ذكر تعالى نوعاً آخر من جهالتهم. وقرأ أبان بن عثمان «حُجُرٍ» بضم الحاء والجيم. وقرأ الحسن وقتادة ««حَجْر» بفتح الحاء وإسكان الجيم، لغتان بمعنًى. وعن الحسن أيضاً «حُجر» بضم الحاء. قال أبو عبيد عن هارون قال: كان الحسن يضم الحاء في «حِجر» في جميع القرآن إلا في قوله: {أية : بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً}تفسير : [الفرقان: 53] فإنه كان يكسرها هاهنا. ورُوي عن ٱبن عباس وٱبن الزبير «وَحَرْثٌ حِرْج» الراء قبل الجيم؛ وكذا في مصحف أبَيٍّ؛ وفيه قولان: أحدهما أنه مثل جبَذ وجذب. والقول الآخر ـ وهو أصح ـ أنه من الحِرج؛ فإن الحِرج (بكسر الحاء) لغة في الحَرَج (بفتح الحاء) وهو الضيق والإثم؛ فيكون معناه الحرام. ومنه فلان يتحرّج أي يضيق على نفسه الدخولَ فيما يشتبه عليه من الحرام. والحِجر: لفظ مشترك. وهو هنا بمعنى الحرام، وأصله المنع. وسُمِّيَ العقل حجراً لمنعه عن القبائح. وفلان في حِجْر القاضي أي منعه. حجرت على الصبيّ حِجْراً. والحِجر العقل؛ قال الله تعالى: {أية : هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ } تفسير : [الفجر: 5] والحِجر الفرس الأنثى. والحِجر القرابة. قال:شعر : يريدون أن يُقصُوه عنِّي وإنه لذُو حَسَبٍ دانٍ إليّ وذو حِجْرِ تفسير : وحِجر الإنسان وحَجره لغتان، والفتح أكثر. أي حَرّموا أنعاماً وحَرْثاً وجعلوها لأصنامهم وقالوا: {لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ} وهم خدّام الأصنام. ثم بيّن أن هذا تحكّم لم يَرِد به شرع؛ ولهذا قال: «بِزعْمِهِمْ». {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} يريد ما يسيبونه لآلهتهم على ما تقدّم من النصيب. وقال مجاهد: المراد البَحِيرة والوصِيلة والحام. {وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} يعني ما ذبحوه لآلهتهم. قال أبو وائل: لا يحجّون عليها. {ٱفْتِرَآءً} أي للإفتراء {أية : عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 169]؛ لأنهم كانوا يقولون: الله أمرنا بهذا. فهو نصبٌ على المفعول له. وقيل: أي يفترون ٱفتراء؛ وانتصابه لكونه مصدراً.

ابن كثير

تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الحجر: الحرام؛ مما حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا، وكذلك قال مجاهد والضحاك والسدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما. وقال قتادة: {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم، وتغليظ وتشديد، ولم يكن من الله تعالى، وقال ابن زيد بن أسلم: {حِجْرٌ} إنما احتجروها لآلهتهم، وقال السدي: {لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ} يقولون: حرام أن يطعم إلا من شئنا. وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} تفسير : [يونس: 59] وكقوله تعالى: {أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [المائدة: 103] وقال السدي: أما الأنعام التي حرمت ظهورها، فهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها، لا إذا ولدوها، ولا إن نحروها. وقال أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود: قال لي أبو وائل: أتدري ما في قوله: {وَأَنْعَـٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَـٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا}؟ قلت: لا، قال: هي البحيرة، كانوا لا يحجون عليها. وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها، ولا في شيء من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا إن حملوا، ولا إن نتجوا، ولا إن عملوا شيئاً {ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ} أي: على الله، وكذباً منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه؛ فإنه لم يأذن لهم في ذلك، ولا رضيه منهم {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي: عليه، ويسندون إليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ هَٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ } حرام {لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاءُ } من خَدَمَة الأوثان وغيرهم {بِزَعْمِهِمْ } أي لا حجة لهم فيه {وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا } فلا تركب كالسوائب والحوامي {وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا } عند ذبحها بل يذكرون اسم أصنامهم ونسبوا ذلك إلى الله {ٱفْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } عليه.

الشوكاني

. تفسير : هذا بيان نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم، والحجر بكسر أوّله وسكون ثانيه في قراءة الجمهور. وقرأ أبان بن عثمان «حجر» بضم الحاء والجيم، وقرأ الحسن وقتادة بفتح الحاء وإسكان الجيم، وقرأ ابن عباس وابن الزبير «حرج» بتقديم الراء على الجيم، وكذا هو في مصحف أُبيّ، وهو من الحرج، يقال فلان يتحرّج، أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه. والحجر على اختلاف القراءات فيه هو مصدر بمعنى اسم المفعول، أي محجور، وأصله المنع، فمعنى الآية: هذه أنعام وحرث ممنوعة، يعنون أنها لأصنامهم، لا يطعمها إلا من يشاءون بزعمهم، وهم خدام الأصنام. والقسم الثاني قولهم: {وَأَنْعَـٰمٌ حُرّمَتْ ظُهُورُهَا } وهي البحيرة والسائبة والحام. وقيل: إن هذا القسم الثاني مما جعلوه لآلهتهم أيضاً. والقسم الثالث: {أَنْعَـٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا } وهي ما ذبحوا لآلهتهم فإنهم يذبحونها باسم أصنامهم لا باسم الله. وقيل: إن المراد لا يحجون عليها افتراء على الله، أي للافتراء عليه {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي بافترائهم أو بالذي يفترونه، ويجوز أن يكون افتراء منتصباً على أنه مصدر، أي افتروا افتراء أو حال، أي مفترين، وانتصابه على العلة أظهر، ثم بين الله سبحانه نوعاً آخر من جهالاتهم، فقال {وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ } يعنون البحائر والسوائب من الأجنة {خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا } أي حلال لهم {وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا } أي على جنس الأزواج، وهنّ النساء فيدخل في ذلك البنات والأخوات ونحوهنّ. وقيل: هو اللبن جعلوه حلالاً للذكور، ومحرّماً على الإناث، والهاء في خالصة للمبالغة في الخلوص كعلامة ونسابة، قاله الكسائي والأخفش. وقال الفراء: تأنيثها لتأنيث الأنعام. وردّ بأن ما في بطون الأنعام غير الأنعام، وتعقب هذا الردّ بأن ما في بطون الأنعام أنعام، وهي الأجنة، وما عبارة عنها، فيكون تأنيث خالصة باعتبار معنى ما، وتذكير محرّم باعتبار لفظها. وقرأ الأعمش «خالص» قال الكسائي: معنى خالص وخالصة واحد، إلا أن الهاء للمبالغة كما تقدّم عنه. وقرأ قتادة «خالصة» بالنصب على الحال من الضمير في متعلق الظرف الذي هو صلة لما، وخبر المبتدأ محذوف كقولك: الذي في الدار قائماً زيد، هذا قول البصريين. وقال الفراء: إنه انتصب على القطع. وقرأ ابن عباس «خالصة» بإضافة خالص إلى الضمير على أنه بدل من ما. وقرأ سعيد ابن جبير «خالصاً» {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً }. قرىء بالتحتية والفوقية، أي وإن يكن الذي في بطون الأنعام {مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ } أي في الذي في البطون {شُرَكَاء } يأكل منه الذكور والإناث {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } أي بوصفهم على أنه منتصب بنزع الخافض، والمعنى: سيجزيهم بوصفهم الكذب على الله. وقيل المعنى: سيجزيهم جزاء وصفهم. ثم بين الله سبحانه نوعاً آخر من جهالاتهم فقال: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهاً } أي بناتهم بالوأد الذي كانوا يفعلونه سفهاً، أي لأجل السفه، وهو الطيش والخفة لا لحجة عقلية ولا شرعية، كائناً ذلك منهم {بِغَيْرِ عِلْمٍ } يهتدون به. قوله: {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ } من الأنعام التي سموها بحائر وسوائب {ٱفْتِرَاء عَلَى ٱللَّهِ } أي للافتراء عليه أو افتروا افتراء عليه {قَدْ ضَلُّواْ } عن طريق الصواب بهذه الأفعال {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } إلى الحق، ولا هم من أهل الاستعداد لذلك. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ } قال: الحجر ما حرموا من الوصيلة، وتحريم ما حرموا. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ } قال: ما جعلوا لله ولشركائهم. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة {وَحَرْثٌ حِجْرٌ } قال: حرام. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في الآية قال: يقولون حرام أن يطعم الابن شيئاً {وَأَنْعَـٰمٌ حُرّمَتْ ظُهُورُهَا } قال: البحيرة والسائبة والحامي {وَأَنْعَـٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا } إذا نحروها. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أبي وائل في قوله: {وَأَنْعَـٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا } قال: لم تكن يحج عليها وهي البحيرة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس {وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأنْعَـٰمِ } الآية قال: اللبن. وأخرج هؤلاء إلا ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: السائبة والبحيرة محرّم على أزواجنا قال: النساء {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } قال: قولهم الكذب في ذلك. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال: كانت الشاة إذا ولدت ذكراً ذبحوه، فكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركوها فلم تذبح، وإن كانت ميتة كانوا فيها شركاء. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَـٰدَهُمْ } إلى قوله: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عكرمة في الآية قال: نزلت فيمن كان يئد البنات من مضر وربيعة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في الآية قال: هذا صنع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السبي والفاقة، ويغذو كلبه {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ } قال: جعلوه بحيرة وسائبة ووصيلة وحامياً تحكماً من الشيطان في أموالهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} أي ومنه قوله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 22] أي حراماً، قال الشاعر: شعر : قبت مرتفقاً والعين ساهرة كأن نومي عليَّ الليل محجور تفسير : {لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ} قال الكلبي: جعلوها للرجال دون النساء. وفي الأنعام والحرث التي قالوا إنه لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم قولان. أحدهما: أن الأنعام التي يحكمون فيها بهذا الحكم عندهم هي البَحِيْرَة والحام خاصة، والحرث ما جعلوه لأوثانهم، قاله الحسن، ومجاهد. والثاني: أن الأنعام هي ذبائح الأوثان، والحرث ما جعلوه لها. ثم قال تعالى: {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} فيها قولان: أحدهما: أنها السائبة. والثاني: أنها التي لا يحجون عليها، قاله أبو وائل. {وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} وهي قربان أوثانهم يذكرون عليها اسم الأوثان، ولا يذكرون عليها اسم الله تعالى. {افْتِرَآءً عَلَيْهِ} أي على الله وفيه قولان: أحدهما: أن إضافتهم ذلك إلى الله هو الافتراء عليه. والثاني: أن ذكرهم أسماء أوثانهم عند الذبيحة بدلاً من اسم الله هو الافتراء عليه.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية تتضمن تعديد ما شرعوه لأنفهسم والتزموه على جهة القربة كذباً منهم على الله وافتراء عليه، فوصف تعالى أنهم عمدوا إلى بعض أنعامهم وهي الإبل والبقر والغنم أو الإبل بانفرادها، وما غيرها إذا انفرد فلا يقال له أنعام، وإلى بعض زروعهم وثمارهم، وسمي ذلك "حرثاً" إذ عن الحرث يكون، وقالوا هذه حجر أي حرام، وقرأ جمهور الناس "حِجْر" بكسر الحاء وسكون الجيم، وقرأ قتادة والحسن والأعرج "حُجْر" بضم الحاء وسكون الجيم، وقرأ ابن عباس وأبيّ وابن مسعود وابن الزبير والأعمش وعكرمة وعمرو بن دينار "جِرْج" بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم وسكونها، فالأولى والثانية بمعنى التحجير وهو المنع والتحريم، والأخيرة من الحرج وهو التضييق والتحريم، وكانت هذه الأنعام على ما قال ابن زيد محللة للرجال محرمة على النساء، وقيل كانت وقفاً لمطعم سدنة بيوت الأصنام وخدمتها، حكاه المهدوي، فذلك المراد بقوله {من نشاء} وقوله {بزعمهم} أي بتقولهم الذي هو أقرب إلى الباطل منه إلى الحق، و"زعمهم" هنا هو في قولهم "حجر" وتحريمهم بذلك ما لم يحرم الله تعالى، وقرأ ابن أبي عبلة "بزَعَمهم" بفتح الزاي والعين، وكذلك في الذي تقدم، {وأنعام حرمت ظهورها} كانت للعرب سنن، إذا فعلت الناقة كذا من جودة النسل والمواصلة بين الإناث ونحوه حرم ظهورها فلم تركب وإذا فعل الفحل كذا وكذا حرم فعدد الله ذلك على جهة الرد عليهم إذ شرعوا بذلك برأيهم وكذبهم، {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} قيل كانت لهم سنة في أنعام ما أن لا يحج عليها فكانت تركب في كل وجه إلا في الحج، فذلك قوله {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} هذا قول جماعة من المفسرين. ويروى ذلك عن أبي وائل، وقالت فرقة: بل ذلك في الذبائح يريد أنهم جعلوا لآلهتهم منها نصيباً لا يذكرون الله على ذبحها، وقوله {افتراء} مصدر نصب على المفعول من أجله أو على إضمار فعل تقديره يفترون ذلك، و {سيجزيهم} وعيد بمجازاة الآخرة، والضمير في {عليه} عائد على اسم الله، و {يفترون} أي يكذبون ويختلفون.

ابن عبد السلام

تفسير : {هَذِهِ أَنْعَامٌ} ذبائح الأوثان، أو البحيرة، والحام خاصة. {وَحَرْثٌ} ما جعلوه لأوثانهم. {حِجْرٌ} حرام، قال: شعر : فبت مرتفقاً والعين ساهرة كأن نومي على الليل محجور تفسير : {حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} السائبة، أو التي لا يحجون عليها. {لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} قربان أوثانهم. {افْتِرَآءً عَلَيْهِ} بإضافة تحريمها إليه، أو بذكر أسمائها عند الذبح بدلاً من أسمه.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وقالوا} يعني المشركين {هذه أنعام وحرث حجر} أي حرام وأصله المنع لأنه منع من الانتفاع منه بتحريمه. وقيل: هو من التضييق والحبس لأنهم كانوا يحبسون أشياء من أنعامهم وحروثهم لآلهتهم. قال مجاهد: يعني بالأنعام البحيرة وسائبة والوصيلة والحامي {لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} يعني يأكلها خدام الأصنام والرجال دون النساء: {وأنعام حرمت ظهورها} يعني الحوامي وهي الأنعام التي حموا ظهورها عن الركوب فكانوا لا يركبونها {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} يعني لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح وإنما كانوا يذكرون عليها أسماء الأصنام: وقيل معناه لا يحجون عليها ولا يركبونها لفعل الخير لأنه لما جرت العادة بذكر الله على فعل كل خير ذم هؤلاء على ترك فعل الخير {افتراء عليه} يعني أنهم كانوا يفعلون هذه الأفعال ويزعمون أن الله أمرهم بها وذلك اختلاق وكذب على الله عز وجل: {سيجزيهم بما كانوا يفترون} فيه وعيد وتهديد لهم على افترائهم على الله الكذب. قوله عز وجل: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} يعني نساءنا، قال ابن عباس وقتادة والشعبي: أراد جنة البحائر والنساء جميعاً وهو قوله تعالى: {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} ودخلت الهاء في خالصة للتأكيد والمبالغة، كقولهم رجل علاَّمة ونسَّابه. وقال الفراء: دخلت الهاء لتأنيث الأنعام لأن ما في بطونها مثلها فأنث بتأنيثها. وقال الكسائي: خالص وخالصة واحد مثل وعظ وموعظة وقيل: إذا كان اللفظ عبارة عن مؤنث جاز تأنيثه على المعنى وتذكيره على اللفظ كما في هذه الآية فإنه أنث خالصة على المعنى وذكر ومحرم على اللفظ {سيجزيهم وصفهم} يعني سيكافئهم بسبب وصفهم على الله الكذب {إنه حكيم عليم} فيه وعيد وتهديد يعني أنه تعالى حكيم فيما يفعله عليم بقدر استحقاقهم.

ابن عادل

تفسير : وهذا نوع ثَالِثٌ من أحْكَامِهم الفَاسِدَةِ،و هو أنَّهُم قسموا أنْعَامهم اقْسَاماً: فأولها: قولهم: هذه أنْعَام وحرْثٌ حِجْر "لا يَطْعَمُها". قرأ الجمهور "أنْعَام" بصِيغَة الجَمْعِ وأبان بن عثمان "نَعَمٌ" بالإفْرَاد، وهو قَرِيبٌ لأن اسْم الجِنْسِ يقُوم مقام الجَمْعِ، وقرأ الجمهور: "حِجْر" بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم. وقرأ الحسن وقتادة والأعْرَج: بضم الحَاءِ وسُكُون الجيم. ونقل عن الحسن وقتادة أيضاً: فتح الحَاءِ وسكون الجيمِ، ونقل عن أبان بن عُثْمَان: ضمُّ الحاء الجيم معاً. وقال هَارُون: كان الحسن يَضُمَّ الحاء من "حِجْر" حيث وقع في القُرْآن إلاَّ موضعاً واحداً [وهو]: {أية : وَحِجْراً مَّحْجُوراً} تفسير : [الفرقان:53] والحاصل: أن هذه المادَّة تدل على المَنْع والحَصْر؛ ومنه: فلان في حِجْر القَاضِي أي: في مَنْعِه، وفي حِجْري، أي: ما يَمْنَع من الثُّوْب أن ينْفَلِت منه شَيْءٌ، وقد تقدم تَحْقِيق ذلك في النِّسَاء. فقوله: "وحَرْث حِجْر" أي: مَمْنُوع فـ "فِعْل" بمعنى مَفْعُول؛ كالذَّبْح والنَّطْح بمعنى مَذْبُوح ومَنْطُوح. فإن قيل: قد تقدَّم شيئان: وهما أنْعَام وحَرْث، وجيء بالصِّفَة مفردة. فالجواب: أنه في الأصْلِ مصْدّرٌ, والمصدر يُذكَّر ويُوحَّد مطلقاً. قال الزَّمَخْشَري: "ويستوي في الوَصْف به المذكَّر والمؤنَّث والواحد والجمع؛ لأن حكمه حكم الأسْمَاء غير الصِّفاتِ" يعني بكونه حُكْمُه حكم الأسْمَاء: أنه في الأصْل مصْدَر لا صِفَة، فالاسم هنا يُرَادُ به المَصْدَر، وهومُقَابِلُ الصِّفة. وأما بقية القراءات: فقال أبُو البقاء: "إنها لُغَاتٌ في الكَلِمَةِ" وفسر معناها بالممْنُوع. قال شهاب الدين: ويجوز أن يكُون المَضْمُوم الحاء والجيم مَصْدراً، وقد جاء من المصادر للثُّلاثي ما هُو عل وَزْن "فُعُل" بضمِّ الفاء والعَيْن، نحو حُلُم، ويجُوز أن يكون جَمْع "حَجْر" بفتح الحاءِ وسكون الجيم، و"فُعُل" قد جاء قَلِيلاً جمعاً "لفَعْل" نحو: سَقْف وسُقُف، ورَهْن ورُهُن، وأن يكون جَمْعاً لـ "فِعْل" بكسر الفاء، و "فُعُل" أيضاً قد جَاء جمعاً "لفِعْل" بكسر الفاءِ وسُكُون العين، حو: حِدْج وحُدُج، وأما حُجْر بضمِّ الحاء وسُكُون الجيم: فهو مخَفَّفٌ من المضمُومة، فيجوز أن يكُون مصدراً وأن يكون جَمْعاً لحَجْر أو حِجْر. وقرأ أبَيّ بن كَعْب، وعبد الله بن العبَّاس، وعبد الله بن مسعود، وعبد اللَّه بن الزُّبَيْر، وعِكْرِمَة، وعمرو بن دِينَار، والأعمش: حِرج بكسْر الحاَء وراء سَاكِنَة مقدَّمة على الجيم، وفيها تأويلان: أحدهما: أنَّهَا من مادة الحَرَج وهُو التَّضْييق. قال أبو البقاء: وأصلُه "حَرِج" بفتح الحاء وكسر الراء، ولكنه خُفِّف ونُقِل؛ مثل فَخْذ في فَخِذ. قال شهاب الدِّين: ولا حَاجَة إلى ادِّعَاء ذلك، بل هذا جَاءَ بطَريق الأصَالة على وَزْن فِعْل. والثاني: أنه مَقْلُوب من حجر، قُدِّمَتْ لامُ الكَلِمَة على عَيْنها، ووزنه "فِلْع"؛ كقولهم: نَاءَ في نَأى، ومعيق في عَمِيق، والقَلْب قليل في لسانِهم، وقد قدَّمْتُ منه جُمْلَة في المائدة عند قوله - تبارك وتعالى -: {أية : أَشْيَآءَ} تفسير : [المائدة:101]. قوله: {لاَّ يَطْعَهُما إِلاَّ مَنْ نَّشَاءُ} هذه الجُمْلَة في محلِّ رفْع نَعْتًا لـ "أنعام" وصفٌوه بوَصْفَيْن: أحدهما: أنه حِجْرٌ. والثاني: أنه لا يَأكُلُه إلا من شَاءُوا, وهم الرِّجال دُون النِّساء، أو سَدَنه الأصْنَام. قال مُجَاهد - رضي الله عنه -: يعني بالأنْعَام: البَحِيرة والسَّائِبَة والوصِيلَة والحَامِي، لا يَطْعَمُهَا ولا يأكُلها إلا الرِّجَال دُون النِّساء. وقال غيره: الأنْعام ما جَعَلُوها للَّه ولآلهتهم على ما تقدم ["ومَنْ نَشَاءُ" فاعل بـ "يَطْعَمُهَا" وهو استِثْنَاء مفرَّغ، و "بزعمهم": حالٌ كما تقدَّم] في نظيره. قوله: {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} وهي البَحَائِر والسَّوائِب والحَوَامِي، وهذا هو القِسْم الثَّانِي وقد تقدَّم في المَائِدةَ، والقسم الثالث: أنعام لا يَذْكُرُون اسْم اللَّه عليها بالذَّبْح، وإنما يَذْكُرُون عليها اسْمَاء الأصْنَام. وقيل: لا يَحُجُّون عليها، ولا يُلَبُّون على ظُهُورهِا، ولا يَرْكَبُونها لفعل الخَيْرِ؛ لأنه لما جرت العادة بِذِكْر اسْم اللَّه على فِعْل الخَيْر. قوله: "افْتِرَاءً" فيه أربعة أوجه: أحدها - وهو مذهب سيبويه -: أنه مَفْعُول من أجْلِه، أي: قالوا ما تقدَّم لأجْل الافْتِرَاء على البَاري - تبارك وتعالى- أي: يزْعُمُون أن الله أمَرهُم به افْتِرَاء عليه. الثاني: مَصْدر على غير الصَّدْر؛ لأن قَوْلَهُم المحْكِي عنهم افْتِرَاء, فهو نَظير "قَعَد القُرْفُصَاء" وهو قول الزَّجَّاج. الثالث: أنه مصدر عامله من لَفْظِه مُقَدَّر، أي: افْتَروا ذلك افْتِرَاء. الرابع: أنه مَصْدَر في موضع الحالِ، أي: قالوا ذلك حَال افْتِرَائهم، وهي تُشْبِه الحال المؤكِّدة؛ لأن هذا القَوْل المَخْصُوص لا يَكُون قَائِلُه إلا مُفْتَرِياً. وقوله: "عَلَى اللَّه" يجوز تعلُّقه بـ "افْتِرَاءً" على القول الأوَّل والرَّابع، وعلى الثاني والثَّالث بـ "قالوا" لا بـ "افْتِرَاءً"؛ لأن المصدر المؤكد لا يَعْمَل، ويجُوز ان يتعلَّق بمحذُوف صِفَة لـ "افْتِراءً" وهذا جَائِزٌ على كل الأقوالِ. قوله: {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} والمقصود منه الوعيد، و "الباء" في قوله: "بِمَا" سببيّة، و "مَا" مَصْدَريَّة، أو موصُوفة، أو بمَعْنَى الَّذِي.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر إقدامهم على ما قبحه الشرع، ولامه على تقبيحه العقلُ من قتل الأولاد، أتبعه إحجامهم عما حسنه الشرع من ذبح بعض الأنعام لنفعهم، وضم إليه جملة مما منعوا أنفسهم منه ودانوا به لمجرد أهوائهم فقال: {وقالوا} أي المشركون سفهاً وجهلاً {هذه} إشارة إلى قطعة من أموالهم عينوها لآلهتهم {أنعام وحرث حجر} أي حرام محجور عليه فلا يصل أحد إليه، وهو وصف يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات {لا يطعمها} أي يأكل منها {إلا من نشاء} أي من السدنة ونحوهم {بزعمهم} أي بتقولهم بمجرد الهوى من غير سند عن الله الذي له ملكوت السماوات والأرض، وهم كاذبون في هذا الزعم في أصل التحريم وفي نفوذ المنع، فلو أراد الله أن تؤكل لأكلت ولم يقدروا على منع {وأنعام}. ولما كان ذمهم على مجرد التجريم لا على كونه من معين، بني للمجهول قوله: {حرمت ظهورها} يعني البحائر وما معها فلا تركب {وأنعام لا يذكرون} أي هؤلاء المتقولون على الله {اسم الله} الذي حاز جميع العظمة {عليها} أي في الذبح أو غيره {افتراء} أي تعمداً للكذب {عليه}. ولما كان هذا لعظمه من جهة أنه تعمد للكذب على ملك الملوك موضع تشوف السامع إلى ما يكون عنه، استأنف قوله: {سيجزيهم} أي بوعد صادق لا خلف فيه {بما} أي بسبب ما {كانوا} أي جبلة وطبعاً {يفترون *} أي يتعمدون من الكذب، أما بعد إظهار الحق فواضح، وأما قبله فلكونه في غاية ما يكون من ظهور الفساد. ولما ذكر من سفههم ما فيه إقدام محض وما فيه إحجام خالص محت، أتبعه ما هو مختلط منهما فقال: {وقالوا} أي المشركون أو بعضهم وأقره الباقون {ما في بطون هذه} إشارة إلى ما اقتطعوه لآلهتهم، وبينوه بقولهم: {الأنعام} أي من الأجنة {خالصة} أي خلوصاً لا شوب فيه، أنث للحمل على معنى الأجنة، أو تكون التاء للمبالغة أو تكون مصدراً كالعافية، أي ذو خالصة {لذكورنا}؛ ولما كان المراد العراقة في كل صفة، أتى بالواو فقال: {ومحرم} وحذف الهاء إما حملاً على اللفظ أو تحقيقاً لأن المراد بـ "خالصة" المبالغة {على أزواجنا} أي إناثنا، وكأنه عبر بالأزواج بياناً لموضع السفه بكونهن شقائق الرجال، هذا إن ولد حياً {وإن يكن} أي ما في بطونها {ميتة} وكأنه أثبت هاء التأنيث مبالغة، وأنث الفعل أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر عن عاصم حملاً على معنى "ما" ورفع الاسم على التمام ابن كثير وأبو جعفر وابن عامر، وذكر ابن كثير لأن التأنيث غير حقيقي، ونصب الباقون على جعلها ناقصة مع التذكير حملاً على لفظ "ما" {فهم} أي ذكورهم وإناثهم {فيه} أي ذلك الكائن الذي في البطون {شركاء} أي على حد سواء. ولما كان ذلك كله وصفاً منهم للأشياء في غير مواضعها التي يحبها الله قال: {سيجزيهم وصفهم} أي بأن يضع العذاب الأليم في كل موضع يكرهون وصفه فيه، حتى يكون مثل وصفهم الذي لم يزالوا يتابعون الهوى فيه حتى صار خلقاً لهم ثابتاً فهو يريهم وخيم أثره، ثم علل ذلك بقوله: {إنه حكيم} أي لا يجازى على الشيء إلا بمثله ويضعه في أحق مواضعه وأعدلها {عليم *} أي بالمماثلة ومن يستحقها وعلى أيّ وجه يفعل، وعلى أيّ كيفية يكون أتم وأكمل، وفي ذلك أتم إشارة إلى أن هذه الأشياء في غاية البعد عن الحكمة، فهو متعال عن أن يكون شرعها وهي سفه محض لا يفعلها إلاّ ظالم جاهل.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر} قال: الحجر ما حرموا من الوصيلة، وتحريم ما حرموا . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر} قال: ما جعلوا لله ولشركائهم . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة {وحرث حجر} قال: حرام . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر} قال: إنما احتجروا ذلك الحرث لآلهتهم. وفي قوله {لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} قالوا: يحتجرها عن النساء ويجعلها للرجال، وقالوا: إن شئنا جعلنا للبنات فيه نصيباً وإن شئنا لم نجعل، وهذا أمر افتروه على الله. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} يقولون: حرام أن نطعم إلا من شئنا {وأنعام حرمت ظهورها} قال: البحيرة والسائبة والحامي {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} قال: لا يذكرون اسم الله عليها إذا ولدوها ولا إن نحروها. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي وائل في قوله {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} قال: لم يكن يحج عليها وهي البحيرة . وأخرج أبو الشيخ عن أبان بن عثمان. أنه قرأها {هذه أنعام وحرث حجر} . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس. أنه كان يقرأها "وحرث حرج" . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن الزبير أنه قرأ "أنعام وحرث حرج". وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {بزعمهم} بنصب الزاي فيهما . وأخرج أبو عبيد وابن الأنباري في المصاحف عن هرون قال: في قراءة عبد الله " هذه أنعام وحرث حرج " . وأخرج ابن الأنباري عن الحسن أنه كان يقرأ " وحرث حجر " بضم الحاء .

ابو السعود

تفسير : {وَقَالُواْ} حكايةٌ لنوعٍ آخرَ من أنواع كفرِهم {هَـٰذِهِ} إشارةٌ إلى ما جعلوه لآلهتهم والتأنيثُ للخبر {أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} أي حرام، فِعْلٌ بمعنى مفعول كالذِبح يستوي فيه الواحد والكثير والذكر والأنثى لأن أصله المصدر، ولذلك وقع صفةً لأنعامٌ وحرثٌ، وقرىء حُجُر بالضم وبضمتين وحَرَجٌ أي ضيق وأصله حرج وقيل: هو مقلوب من حجر {لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء} يعنون خدَمَ الأوثانِ من الرجال دون النساءِ والجملةُ صفةٌ أخرى لأنعامٌ وحرثٌ {بِزَعْمِهِمْ} متعلقٌ بمحذوف وهو حال من فاعل قالوا أي قالوه ملتبسين بزعمهم الباطلِ من غير حجة {وَأَنْعَـٰمٌ} خبرُ مبتدأ محذوفٍ والجملةُ معطوفةٌ على قوله تعالى: {هَـٰذِهِ أَنْعَـٰمٌ} الخ، أي قالوا مشيرين إلى طائفة أخرى من أنعامهم وهذه أنعامٌ {حُرّمَتْ ظُهُورُهَا} يعنون بها البحائرَ والسوائبَ والحواميَ {وَأَنْعَـٰمٌ} أي وهذه أنعام كما مرَّ وقوله تعالى: {لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} صفةٌ لأنعام لكنه غيرُ واقعٍ في كلامهم المحكيِّ كنظيره بل مَسوقٌ من جهته تعالى تعيـيناً للموصوف وتميـيزاً له عن غيره كما في قوله تعالى: {أية : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء، الآية 57] على أحد التفاسير، كأنه قيل: وأنعامٌ ذُبحت على الأصنام فإنها التي لا يُذكر عليها اسمُ الله وإنما يُذكر عليها اسمُ الأصنام، وقيل: لا يحجّون عليها فإن الحجَّ لا يَعْرىٰ عن ذكر الله تعالى. وقال مجاهد: كانت لهم طائفةٌ من أنعامهم لا يذكرون اسمَ الله عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركِبوا ولا إن حلَبوا ولا إن نُتجوا ولا إن باعوا ولا إن حمَلوا {ٱفْتِرَاء عَلَيْهِ} نُصب على المصدر إما على أن ما قالوه تقوُّلٌ على الله تعالى، وإما على تقدير عاملٍ من لفظه، أي افترَوا افتراءً والجارُّ متعلقٌ بقالوا أو بافترَوا المقدّر، أو بمحذوف هو صفةٌ له لا بافتراءً لأن المصدرَ المؤكد لا يعمل، أو على الحال من فاعل قالوا، أي مفترين أو على العلة أي للافتراء فالجارُّ متعلق به {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي بسببه أو بدله وفي إبهام الجزاءِ من التهويل ما لا يخفى. {وَقَالُواْ} حكايةٌ لفن آخَرَ من فنون كفرهم {مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ} يعنون به أجنة البحائرِ والسوائبِ {خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا} حلالٌ لهم خاصةً والتاء للنقل إلى الاسمية أو للمبالغة، أو لأن الخالصة مصدرٌ كالعافية وقع موقعَ الخالصِ مبالغةً أو بحذف المضافِ أي ذو خالصة، أو للتأنيث بناء على أن (ما) عبارةٌ عن الأجنة والتذكير في قوله تعالى: {وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا} أي جنس أزواجِنا وهن الإناثُ باعتبار اللفظ، وفيه كما ترى حملٌ للنظم الكريم على خلاف المعهودِ الذي هو الحملُ على اللفظ أولاً وعلى المعنى ثانياً كما في قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ }تفسير : [الأنعام، الآية 25] الخ ونظائرِه، وإما العكسُ فقد قالوا إنه لا نظيرَ له في القرآن، وهذا الحكمُ منهم إن وُلد ذلك حياً وهو الظاهر المعتادُ {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} أي إن ولدت ميتة {فَهُمُ} أي الذكورُ والإناث {فِيهِ} أي فيما في بطون الأنعامِ، وقيل: المرادُ بالميتة ما يعُمّ الذكرَ والأنثى فغلب الأولُ على الثاني {شُرَكَاء} يأكلون منه جميعاً وقرىء خالصةً بالنصب على أنه مصدرٌ مؤكد، والخبرُ لذكورنا، أو حالٌ من الضمير الذي في الظرف لا من الذي في ذكورنا ولا من الذكور لأنه لا يتقدم على العامل المعنويِّ ولا على صاحبه المجرورِ وقرىء خالصُهُ بالرفع والإضافة إلى الضمير على أنه بدل من (ما) أو مبتدأٌ ثانٍ {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي جزاءَ وصفِهم الكذبَ على الله تعالى في أمر التحليلِ والتحريمِ من قوله تعالى: {أية : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ } تفسير : [النحل، الآية 62] {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} تعليلٌ للوعيد بالجزاء، فإن الحكيمَ العليمَ بما صدر عنهم لا يكاد يترك جزاءَهم الذي هو من مقتضَيات الحكمة.

القشيري

تفسير : أخبر عن أشياء ابتدعوها على ما أرادوا، وأمورٍ شرعوها على الوجه الذي اعتادوا، ثم أضافوا ذلك إلى الحق بغير دليل، وشرعوها بلا حجةٍ من إذن رسول، والإشارة فيه أن من (نحا نحوهم) في زيادة شيء في الدين، أو نقصان شيءٍ من شرع المسلمين فمضاهٍ لهم في البطلان، ينخرط في سلكهم في الطغيان.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا هذه} اشارة الى ما جعلوه لآلهتهم {انعام وحرث حجر} اى حرام {لا يطعمها} بالفارسى [نجشد ونخورد آنرا] {الا من نشاء} يعنون خدم الاوثان والرجال دون النساء {بزعمهم} اى قالوه ملتبسين بزعمهم الباطل من غير حجة {وانعام} خبر مبتدأ محذوف والجملة معطوفة على قوله تعالى هذه انعام اى قالوا مشيرين الى طائفة اخرى من انعامهم اى وهذه انعام {حرمت ظهورها} يعنون بها البحائر والسوائب والحوامى {وانعام} اى وهذه انعام كما مر وقوله تعالى {لا يذكرون اسم الله عليها} صفة لانعام لكنه غير واقع فى كلامهم المحكى كنظائره بل مسوق من جهته تعالى تعيينا للموصوف وتمييزا له عن غيره كما فى قوله تعالى{أية : إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} تفسير : [النساء: 157]. على احد التفاسير كأنه قيل وانعام ذبحت على الاصنام فانها التى لا يذكر عليها اسم الله وانما يذكر عليها الاصنام {افتراء عليه} اى افتروا على الله افتراء يعنى انهم يفعلون ذلك ويزعمون ان الله تعالى امرهم به {سيجزيهم} بالفارسى [زود باشدكه خدا جزادهد ايشانرا] {بما كانوا يفترون} اى بسبب افترائهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {حِجْر}: فعل، بمعنى مفعول، يستوي فيه الواحد والكثير، والمذكر والمؤنث، ومعناه: حرام، و {افتراء}: حال، أو مفعول من أجله، أو مصدر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقالوا} أيضًا: {هذه} الأشياء التي جعلوها لأصنامهم، وهي {أنعام وحرث}، هي {حِجْرٌ} أي: حرام محجر، {لا يَطعمها}، لا يأكلها {إلا من نشاء}، وهم خُدام الأوثان وسدنتها، والرجال دون النساء. قالوا ذلك {بزعمهم} وافترائهم من غير حجة، {وأنعام} أخرى {حُرمت ظهورها}؛ وهي البحائر والسوائب والحوامي، {وأنعام} أخرى {لا يذكرون اسم الله عليها} في الذبح، وإنما يذكرون عليه اسم آلهتهم؛ {افتراء} على الله، لأنهم قسموا أموالهم على هذه القسمة، ونسبوا ذلك إلى الله؛ افتراءً وكذبًا، {سيجزيهم بما كانوا يفترون} أي: بسببه فيعذبهم عليه. الإشاره: ما عاب الله على المشركين إلا الشرك والتحكم على الله، فالواجب على من أراد السلامة أن يُوحد ربه، وينفرد بكُلِّيته إليه، ويُخلص أعماله لله، ويصرف أمواله في مرضاة الله، ويقف في أموره كلها عندما حدد له الله، وبَيَّنه رسولُ الله؛ يكونُ من أولياء الله. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جهالة أخرى لهم، فقال: {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار انهم {قالوا هذه أنعام وحرث} يعني الانعام والزرع الذي جعلوهما لآلهتهم وأوثانهم. وقوله {بزعمهم} يدل على أنهم فعلوا ذلك بغير حجة بل بقولهم العاري عن برهان. وقيل في الانعام الاولى قولان: احدهما - قال الجبائي: التي ذكرها أولا فهو ما جعلوه لاوثانهم كما جعلوا الحرث للنفقة عليها في خدامها وما ينوب من أمرها. وقيل: قرباناً للاوثان. وأما الانعام التي ذكرت ثانياً، فهي السائبة والبحيرة والحام، وهو الفحل الذي يخلونه ويقولون: حمى ظهره، وهو قول الحسن ومجاهد. وأما التي ذكرت ثالثا - قيل فيه قولان: أحدهما التي إِذا ولَّدوها أو ذبحوها أو ركبوها لم يذكروا اسم الله عليها، وهو قول السدي وغيره. والثاني قال ابو وائل هي التي لا يحجون عليها. وقوله {حجر} معناه حرام تقول: حجرت على فلان كذا أي منعته منه بالتحريم، ومنه قوله {أية : حجرا محجورا}تفسير : والحجر لامتناعه بالصلابة، والحجر العقل للامتناع به من القبيح، قال المتلمس: شعر : حنت الى النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام ألا تلك الدهاريس تفسير : وقال رؤبة: شعر : وجارة البيت لها حجريٌّ تفسير : وقال الآخر: شعر : فبت مرتفقاً والعين ساهرة كأن نومي عليَّ الليل محجور تفسير : وقيل: حجر وحرج مثل جذب وجبذ، وبه قرأ ابن عباس. وبضم الحاء قراءة الحسن وقتادة. ويقال: حِجر وحَجر وحُجر بمعنى المنع بالتحريم، وحَجر الانسان، وحِجره بالكسر والفتح. وانما أعيبوا بتحريم ظهور الانعام، والواجب تحريمها عقلا حتى يرد سمع باباحته، لانهم حرموا ذلك على وجه الكذب على الله، وانه اوجب ذلك اذا كانت على صفة مخصوصة. وانما أعيبوا بأكلها بعد ذبحها، وهي حينئذ تجري مجرى الميتة، وذلك لا يعلم تحريمه عقلا، لانهم ادعوا انه على وجه التذكية إِفتراء على الله، فقصدوا به هذا القصد، ولذلك أعيبوا بتملكها وان كانوا سبقوا اليها، وانما وجب تحريم الانتفاع باستهلال الانعام، لان الايلام لا يحسن الا مع تضمن العوض الموافي عليه، وذلك مفتقر الى السمع. وقوله {افتراء} يعني كذبا، وفي نصبه قولان: أحدهما - قالوا: إِفتراء على الله، الثاني - لا يذكرون اسم الله افتراء على الله، كأنه قيل: افتروا بتركهم التسمية الذي أضافوه الى الله إِفتراء عليه.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالُواْ} بيان لظلم آخر منهم {هَـٰذِهِ} الانعام والحرث {أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} الحجر بتثليث الحاء المنع والحرام {لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ} يعنى من نشاء بالمواضعة الّتى بيننا وفيه تعييرٌ لهم، بانّ حكمهم ليس الاّ بمقتضى اهويتهم كانوا يمنعون غير خدّام الاصنام من اكلها {بِزَعْمِهِمْ} متعلّق بقالوا يعنى قالوه بزعمهم من غير حجّة من الله {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} يعنى البحيرة والسّائبة والوصيلة والحام {وَأَنْعَامٌ} عطف على انعام اى قالوا هذه انعام لا ينبغى ان يذكر اسم الله عليها، او ابتداء كلام من الله والجملة معطوفة على قالوا اى لهم انعام وانعام اخر {لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} فى الذّبح والنّحر او لا يحجّون عليها يحرّمون ذكر اسم الله بالتلبية عليها {ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ وَقَالُواْ} وجه آخر لظلمهم وانحرافهم عن الحقّ واستبدادهم برأيهم من غير حجّةٍ {مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ} قرئ بالتأنيث والتّذكير مرفوعاً ومنصوباً فى كلا الحالين، والتّأنيث باعتبار معنى ما، وهى الاجنّة، او التّاء فيه للمبالغة او هو مصدر كالعافية {لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ} كانوا يحرّمون الجنين الّذى يخرجونه من بطون الانعام المفصّلة السّابقة حيّاً على النّساء فاذا كان ميتاً يأكله الرّجال والنّساء على السّواء، وقيل: المراد بما فى بطونها البانها، وقيل: المراد الالبان والاجنّة كلتاهما {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} اى جزاء وصفهم هذا او نفس وصفهم على تجسّم الاعمال {إِنَّهُ حِكِيمٌ} يعطى حقّ كلّ ذى حقّ من الخير والشّرّ {عَلِيمٌ} بمقادير استحقاقاتهم.

اطفيش

تفسير : {وقالُوا هَذه أنعامٌ وحَرثٌ} إشارة إلى الأنعام والحرث التى جعلوها نصيبا لشركائهم {حِجْرٌ} بمعنى محجورة عمن يأكلها، محرمة كالذبح بكسر الذال بمعنى المذبوح، يستوى فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والتثنية والجمع، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات، وقرأ الحسن وقتادة بضم الحاء والمعنى واحد، وعن ابن عباس حرج بكسر الحاء المهملة وتقديم الراء على الجيم ساكنة، أى ضيقة على من يأكلها، أى محرمة، وأصله حرج بفتح الحاء وكسر الراء نقلت كسرتها للحاء فكانت ساكنة. {لا يَطعَمُها} لا يأكلها {إلاَّ مَن نَشاءُ} خبر ثالث، والثانى حجر، والأول أنعام وحرث، وإنما أفاد بالثانى والثالث {بزَعْمهم} يتعلق بقالوا أى قالوا ذلك بمجرد اعتقادهم الباطل الذى لا دليل له من الله فيه، أو بزعمهم أن الله عز وجل أمرهم بذلك {وأنعامٌ حُرِّمت ظُهورهَا} عطف على أنعام، وحرمت ظهورها نعت لأنعام، والمراد الحامى والبحيرة والوصيلة عند من يجعل الوصيلة من الإبل والسائبة، ومرّ بيانهن فى سورة المائدة، وأنهم يحرمون ركوبها والحمل عليها، وقال مجاهد فى قوله تعالى: {هذه أنعام} هى الحامى والبحيرة والوصيلة والسائبة لا تؤكل، وقال فى قوله تعالى: {وأنعام حرمت ظهورها} أنها هذه الأربعة أيضا، وصفها الله عنهم بأنها محرمة الأكل وأنها محرمة الظهر، وما ذكرته أولا أحق. قال أبو عمر وعثمان بن خليفة: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذكراً نحروه وأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها أى شقوها، وكانت حراماً على النساء لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلت للنساء. والسائبة: البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلغه منزله أن يفعل ذلك فلا يحبس عن رعى ولا ماء ولا يركبه أحد. والوصيلة: من الغنم كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ذكرا ذبح، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت فى الغنم، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبح لمكانها، وكان لحمها حراماً على النساء، ولبن الأنثى حراماً على النساء إلا أن يموت منها شئ فيأكله الرجال والنساء. والحامى: الفحل إذا ركب ولد ولده، ويقال إذا نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ وماء. {وأنعامٌ لا يذكرُون اسْم اللهِ عَليْها} معطوف على أنعام الأول، وجملة لا يذكرون اسم الله عليها نعته، ويجوز أن يكون أنعام مبتدأ، وحرمت ظهورها خبر، وأنعام مبتدأ ولا يذكرون خبره، والمسوغ التنويع، والمراد أنعام يذبحوها ولا يذكرون اسم الله عليها، بل أسماء آلهتهم إذ يذبحونها لها، وقال قوم: كانت لهم سنة فى الأنعام ما أن لا يحجوا عليها فكانت تركب فى كل وجه إلا فى الحج، ولعلها أنعام يعينونها لأصنامهم، ولزم من الحج على الإبل ذكر الله عليها بنحو التلبية فنفى الحج عنها بنفى لازمه وهو الذكر لله عز وجل، وقيل: لا يركبونها للعمل خير، وجرت العادة بذكر الله جل وعلا على فعل الخير، فنفى فعل الخير عنها بنفى لازمه وهو ذكر الله تعالى، وعن الحسن: أنعام لا يذكرون اسم الله عليها وهو ما استحلوه من الميتة ونحوها. {افْتراءً عليهِ} مفعول مطلق ناصبه قالوا، لأن قولهم افتراء أى كذباً لأن المعنى قالوا على الله هذه أنعام، وعليه متعلق بقالوا أو بمحذوف نعت لافتراء، وإن قلنا افتراء مفعول لأجله أو حال أى مفترين، أو ذوى افتراء، أو هم أنفسهم افتراء بطريق المبالغة، أو فعلية متعلق به أو بمحذوف نعت لافتراء، ويجوز تعليقه بافتراء محذوفاً ناصباً لافتراء على المفعولية المطلقة. {سنَجْزِيهم بما كانُوا يفْترُون} سيعاقبهم بالنار بسبب ما كانوا يفترونه، أو بسبب كونهم يفترون، أو سيعوضهم النار بدل ما كانوا يفترونه، أو بدل كونهم يفترون.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا هَذِهِ} إِشارة إِلى ما جعلوا لآلهتهم من الأَنعام والحرث {أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} كانوا يعزلون قدرا من الحرث حين الحرث لها ولا يؤخرونه إِلى أَن تجنى ثماره أَو تحصد، أَو المراد ثمار حرث ويناسبه قوله {لاَ يَطْعَمُهَا} لا يأكلها {إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ} فإِن الحرث بالمعنى المصدرى لا يؤكل فتبين أَن المراد بالحرث ثمار تنشأ عنه، أَو المراد بالحر الحب مثلا المحروث فيقدر أَيضاً الثمار الناشئة عنه، أَو من مجاز الأَول فإِنه يصير بعد ثمار أَى لا يطعم ثماراً تتولد منه، أَو الحرث نفس الثمار المتولدة، وحجر محجور أَى ممنوعة نعت لأَنعام وحدث لأَنه مصدر أطلق بمعنى الوصف فصلح للقليل والكثير وللذكر والأُنثى ومن شأَنهم خدمة الأَوثان وسائر الرجال {بِزَعْمِهِمْ} متعلق بحال من واو قالوا أَى ملتبسين بزعمهم، أَو متعلق بقالوا أَى قالوا فى زعمهم لا بنشاء ولا حال من ضميره لأَنه ليس فى كلامهم لفظ بزعمهم بل هو من الله عز وجل، كما أَنه لا يجوز تعليق بزعمهم المذكور قبل هذا بالله ولا بمتعلقة لأَنه ليس من كلامهم {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} أَى وهذه أَنعام أخر. وجملة حرمت إِلخ نعت، وجملة هذه أَنعام معطوفة على هذه أَنعام، وهذه الأَنعام الأُخرى البحائر والوصائل والسوائب والحوامى ناقة تلد خمسة آخرها ذكر وإِن ولدت شاة أنثى فلهم أَو ذكر ذبح للصنم أَو إِياهما لم يذبح، إِن شفيت من مرض فناقتى سائب، الحامى ولد عشرة لا يركبونها لحج ولا لغيره ولا يحملون عليها {وَأَنْعَامٌ} عطف على أَنعام وقوله {لاَ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا} نعت أَنعام أَى لا يذكرون اسم الله عليها عند ذبحها، بل أَسماء أَصنامهم أَو المعنى لا يحجون عليها ولا يعتمرون، ولا يفعلون عليها خيراً، فإِن من شأن من دخل حجاً أَو عمرة أَو دخل فعل الخير أَو أَراد دخول ذلك أَن يذكر الله جل وعلا فذكر اللازم عن الملزوم بطريق النفى، وكان مضارعاً لقصد التجدد والاستمرار فى ترك التسمية، وكذا فى الطعم، بخلاف التحريم فإِنه بمعزل عن ذلك، فكان بلفظ الماضى؛ ووجه كون الجملة نعتاً لأَنعام مع أَنها ليست من كلامهم، والكلام قبل ذلك مسوق فى حكاية كلامهم أَنه نعت كعطف التلقين لتمييز المنعوت، كما زاد الله من عنده تمييزا لم يسقه من سياق كلامه فى قوله تعالى "أية : إِنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله" تفسير : [النساء: 157] فى أَحد أَوجه، وكأَنه قيل وأَنعام ذبحت على الأَصنام، أَو لا يحج ولا يعتمر ولا يفعل خير عليها، ويجوز أَن تكون الجملة من كلامهم على الالتفات السكاكى فإِن مقتضى الظاهر على هذا لا نذكر اسم الله عليها بل تخصص بالأَصنام، وفي هذا الوجه لا ينصب قوله {افْتِرَاءً عَلَيْهِ} بيذكرون بأَن يقال لأَنهم لا يقولون عن أَنفسهم لا نذكر اسم الله افتراء عليه، وإِن قلنا أَنعام مبتدأ للتنويع خبره حرمت وأَنعام مبتدأ للتنويع خبره لا يذكرون اسم الله لم يكن من كلامهم، بل إِخبار من الله عنهم بالنوعين انتصب بيذكرون، ويقدر مثله لحرمت، وهو حال أَى قالوا مفترين أَو ذوى افتراء أَو لا يذكرون الله مفترين، اللهم إِلا على معنى لام العاقبة وعليه متعلق بافتراء ويخرج بالتعلق به عن أَن يكون مصدراً مؤكداً {سَيَجْزِيهِمْ} بالنار الدائمة {بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} على كونهم يفترون أَو على ما يفترونه أَو بسببه أَو بدله.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ} حكاية لنوع آخر من أنواع كفر أولئك الكفار، وقيل: تتمة لما تقدم {هَـٰذِهِ} أي ما جعلوه لآلهتهم والتأنيث للخبر {أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ} أي زرع {حِجْرٍ } أي ممنوع منها وهو فعل بمعنى مفعول كالذبح يستوي فيه الواحد والكثير والذكر والأنثى لأن أصله المصدر ولذلك وقع صفة لأنعام وحرث. وقرأ الحسن وقتادة {حجر} بضم الحاء، وقرأ أيضاً بفتح الحاء وسكون الجيم وبضم الحاء والجيم معا. ويحتمل في هذا أن يكون مصدراً كالحلم، وأن يكون جمعا كسقف ورهن. وعن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما {حرج} بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم أي ضيق وأصله حرج بفتح الحاء وكسر الراء، وقيل: هو مقلوب من حجر كعميق ومعيق. {لاَّ يَطْعَمُهَا } أي يأكلها {إِلاَّ مَن نَّشَاء} يعنون ـ كما روي عن ابن زيد ـ الرجال دون النساء، وقيل: يعنون ذلك وخدم الأوثان، والجملة صفة أخرى لأنعام وحرث، وقوله سبحانه {بِزَعْمِهِمْ} متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل {قَالُواْ} أي قالوا ذلك متلبسين بزعمهم الباطل من غير حجة {وَأَنْعَـٰمٌ} خبر مبتدأ محذوف والجملة معطوفة على قوله سبحانه: {هَـٰذِهِ أَنْعَـٰمٌ} أي قالوا مشيرين إلى طائفة من أنعامهم وهذه أنعام. وقيل: إن الإشارة أولاً إلى ما جعل لآلهتهم السابق وما بينهما كالاعتراض وهذا عطف على { أية : أَنْعَـٰمٌ } تفسير : [الأنعام: 136] المتقدم إدخاله فيما تقدم لأن المراد به السوائب ونحوها وهي بزعمهم تعتق وتعفى لأجل الآلهة {حُرِّمَتْ} أي منعت {ظُهُورُهَا} فلا تركب ولا يحمل عليها / {وَأَنْعَـٰمٌ } أي وهذه أنعام على ما مر. وقوله سبحانه: {لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} صفة لأنعام مسوق من قبله تعالى تعييناً للموصوف وتمييزاً له عن غيره كما في قوله تعالى: { أية : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 157] في رأي لا أنه واقع في كلامهم المحكي كنظائره كأنه قيل: وأنعام ذبحت على الأصنام فإنها التي لا يذكر اسم الله تعالى عليها وإنما يذكر عليها اسم الأصنام. وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبي وائل أن المعنى لا يحجون عليها ولا يلبون. وعن مجاهد كانت لهم طائفة من أنعامهم لا يذكرون اسم الله تعالى عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركبوا ولا أن حلبوا ولاولا. {ٱفْتِرَاء عَلَيْهِ } أي على الله سبحانه وتعالى، ونصب {ٱفْتِرَاء} على المصدر إما على أن قولهم المحكي بمعنى الافتراء، وإما على تقدير عامل من لفظه أي افتروا افتراء أو على الحال من فاعل {قَالُواْ } أي مفترين أو على العلة أي للافتراء وهو بعيد معنى، و {عَلَيْهِ} قيل: متعلق بقالوا أو بافتروا المقدر على الاحتمالين الأولين وبافتراء على الاحتمالين الأخيرين. ولا يخفى بعد تعلقه بقالوا، والذي دعاهم إليه ومنعهم من تعلقه بالمصدر ـ على ما قيل ـ أن المصدر إذا وقع مفعولاً مطلقاً لا يعمل لعدم تقديره بأن والفعل، وفيه نظر لأن تأويله بذلك ليس بلازم لتعلق الجار به فإنه مما يكفيه رائحة الفعل. وجوز أبو البقاء أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف وقع صفة لافتراء أي افتراء كائناً عليه {سَيَجْزِيهِم} ولا بد {بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي بسببه أو بدله، وأبهم الجزاء للتهويل.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: { أية : وكذلك زَيَّن لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤُهم } تفسير : [الأنعام: 137] وهذا ضرب آخر من دينهم الباطل، وهو راجع إلى تحجير التّصرّف على أنفسهم في بعض أموالهم، وتعيين مصارفه، وفي هذا العطف إيماء إلى أنّ ما قالوه هو من تلقين شركائهم وسدنة أصنامهم كما قلنا في مَعْنى زيّن لهم شركاؤُهم. والإشارة بهذه وهذه إلى حاضر في ذهن المتكلّمين عند صدور ذلك القول: وذلك أن يقول أحدهم هذه الأصناف مصرفها كذا، وهذه مصرفها كذا، فالإشارة من مَحكِيّ قولهم حين يَشْرعون في بيان أحكام دينهم، كما يقول القَاسم: هذا لفلان، وهذا للآخر. وأجمل ذلك هنا إذ لا غرض في بيانه لأنّ الغرض التّعجيب من فساد شرعهم، كما تقدّم في قوله تعالى: { أية : فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا } تفسير : [الأنعام: 136] وقد صنّفوا ذلك ثلاثة أصناف: صنف محجّر على مالكه انتفاعه به، وإنَّما ينتفع به من يعّينه المالك. والّذي يؤخذ ممّا روي عن جابر بن زيد وغيره: أنَّهم كانوا يعيّنون مِن أنعامهم وزرعهم وثمارهم شيئاً يحجّرون على أنفسهم الانتفاع به، ويعيّنونه لمن يشاءون من سدنة بيوت الأصنام، وخدمتها، فتنحر أو تذبح عندما يرى من عُيِّنَت له ذلك، فتكون لحاجة النّاس والوافدين على بيوت الأصنام وإضافتهم، وكذلك الزّرع والثّمار تدفع إلى من عُيّنت له، يصرفها حيث يتعيّن. ومن هذا الصّنف أشياء معيَّنة بالاسم، لها حكم منضبط مثل البَحِيرة: فإنَّها لا تُنحر ولا تُؤكل إلاّ إذا ماتَت حتف أنفها، فيحلّ أكلها للرّجال دون النّساء، وإذا كان لها دَرّ لا يشربه إلاّ سدنة الأصنام وضيوفهم، وكذلك السائبة يَنتفع بدَرّها أبناءُ السَّبيل والسَدنة، فإذا ماتت فأكْلُهَا كالبَحِيرة، وكذلك الحامي، كما تقدّم في سورة المائدة. فمعنى {لا يطعمها} لا يأكل لحمها، أي يَحرم أكل لحمها. ونون الجماعة في {نشاء} مراد بها القائلون، أي يقولون لا يطعمها إلاّ من نشاء، أي من نُعيِّن أن يطعمها، قال في «الكشاف»: يعنون خدَم الأوثان والرّجال دون النّساء. والحرث أصله شق الأرض بآلة حديديّة ليزرع فيها أو يغرس، ويطلق هذا المصدر على المكان المحروث وعلى الأرض المزروعة والمغروسة وإن لم يكن بها حرث ومنه قوله تعالى: { أية : أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين } تفسير : [القلم: 22] فسمّاه حرثاً في وقت جذاذ الثّمار. والحِجْر: اسم للمحجّر الممنوع، مثل ذبح للمذبوح، فمنع الأنعام منع أكل لحومها، ومنع الحرث منع أكل الحبّ والتّمر والثّمار، ولذلك قال: {لا يطعمها إلا من نشاء}. وقوله: {بزعمهم} معترض بين {لا يطعمها إلاّ من نشاء} وبين: {وأنعام حرمت ظهورها}. والباء في: {بزعمهم} بمعنى (عن)، أو للملابسة، أي يقولون ذلك باعتقادهم الباطل، لأنَّهم لمّا قالوا: {لا يطعمها} لم يريدوا أنَّهم منعوا النّاس أكلها إلاّ من شاءوه، لأنّ ذلك من فعلهم وليس من زعمهم. وإنَّما أرادوا بالنَّفي نفي الإباحة، أي لا يحلّ أن يطعمها إلاّ من نشاء، فالمعنى: اعتقدوها حراماً لغير من عيّنوه، حتّى أنفسهم، وما هي بحرام، فهذا موقع قوله: {بزعمهم}. وتقدّم القول على الباء من قوله: {بزعمهم} آنفاً عند قوله تعالى: { أية : فقالوا هذا لله بزعمهم } تفسير : [الأنعام: 136]. والصّنف الثّاني: أنعام حُرّمت ظهورها، أي حُرّم ركوبها، منها الحامي: لا يَركبه أحد، وله ضابط متّبع كما تقدّم في سورة المائدة، ومنها أنعام يحرّمون ظهورها، بالنّذر، يقول أحدهم: إذا فعلتْ النّاقةُ كذا من نسللٍ أو مواصلة بين عِدة من إناث، وإذا فعل الفحل كذا وكذا، حَرم ظهره. وهذا أشار إليه أبو نواس في قوله مادحاً الأمين: شعر : وإذا المَطيُّ بنا بلغّن محمداً فظهورهن على الرجال حرام تفسير : فقوله: {وأنعام حرمت ظهورها} معطوف على: {أنعام وحرث حجر} فهو كخبر عن اسم الإشارة. وعُلم أنَّه عطف صنف لوروده بعد استيفاء الأوصاف الّتي أجريت على خبر اسم الإشارة والمعطوف عليه عقبه. والتّقدير: وقالوا هذه أنعام وحرث حجر وهذه أنعام حرّمت ظهورها وبُني فعل: {حرمت} للمجهول: لظهور الفاعل، أي حرّم الله ظهورها بقرينة قوله: {افتراء عليه}. والصّنف الثّالث: أنعام لا يذكرون اسم الله عليها، أي لا يذكرون اسم الله عند نحرها أو ذبحها، يزعمون أنّ ما أهدي للجنّ أو للأصنام يُذكر عليه اسم مَا قُرّب له، ويزعمون أنّ الله أمر بذلك لتكون خالصَة القربان لما عُيّنت له، فلأجل هذا الزعم قال تعالى: {افتراء عليه} إذ لا يعقل أن ينسب إلى الله تحريمُ ذِكر اسمه على ما يقرّب لغيره لولا أنَّهم يزعمون أنّ ذلك من القربان الّذي يُرضي الله تعالى، لأنَّه لشركائه، كما كانوا يقولون: «لَبَّيْك لا شريكْ لك، إلاّ شريكاً هُوَ لكْ، تَمْلِكُه ومَا مَلكْ». وعن جماعة من المفسّرين، منهم أبو وائل، الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها كانت لهم سنّة في بعض الأنعام أن لا يُحجّ عليها، فكانت تُركب في كلّ وجه إلاّ الحجّ، وأنَّها المراد بقوله: {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} لأنّ الحجّ لا يخلو من ذكر الله حين الكون على الرّاحلة من تلبية وتكبير، فيكون: {لا يذكرون اسم الله عليها} كناية عن منع الحجّ عليها، والظاهر أنّ هذه هي الحامي والبحيرة والسّائبة، لأنَّهم لمّا جعلوا نفعها للأصنام لم يجيزوا أن تستعمل في غير خدمة الأصنام. وقوله: {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} معطوف على قوله: {وأنعام حرمت ظهورها} وهو عطف صنف على صنف، بقرينة استيفاء أوصاف المعطوف عليه، كما تقدّم في نظيره. وانتصب: {افتراء عليه} على المفعولية المطلقة لــــ {قالوا}، أي قالوا ذلك قولَ افتراء، لأنّ الافتراء بعض أنواع القول، فصحّ أن ينتصب على المفعول المطلق المبين لنوع القول، والافتراء الكذب الّذي لا شبهة لقائله فيه وتقدّم عند قوله تعالى: { أية : فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون } تفسير : في سورة آل عمران (94)، وعند قوله: {أية : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} تفسير : في سورة العقود (103). وإنَّما كان قولهم افتراء: لأنَّهم استندوا فيه لشيء ليس وارداً لهم من جانب الله، بل هو من ضلال كبرائهم. وجملة: {سيجزيهم بما كانوا يفترون} استئناف بياني، لأنّ الافتراء على الخالق أمر شنيع عند جميع الخلق، فالإخبار به يثير سؤال من يسأل عمّا سيلقونه من جزاء افترائهم، فأجيب بأنّ الله سيجزيهم بما كانوا يفترون. وقد أبهم الجزاء للتهويل لتذهب النّفوس كلّ مذهب ممكن في أنواع الجزاء على الإثم، والباء بمعنى (عن)، أو للبدلية والعوض.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنْعَامٌ} (138) - وَإِنَّهُمْ، لِغِوَايَتِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، قَسَمُوا أَنْعَامَهُمْ وَزُرُوعَهُمْ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: أ - أَنْعَامٍ وَأَقْوَاتٍ مِنْ حُبُوبٍ وَغَيْرِها، تُقْتَطَعُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُجْعَلُ لِمَعْبُودَاتِهِمْ، تَعَبُّداً وَتَدَيُّناً، وَيَمْتَنِعُونَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا لِغَيرِ هذِهِ المَعْبُودَاتِ، وَيَقُولُونَ إِنَّهَا مُحْتَجَرَةٌ لِللآلِهَةِ، لاَ تُعْطَى لِغَيرِهَا وَلاَ يَطْعَمُهَا إلاَّ مَنْ يَشَاؤُونَ، أَيْ لاَ يَأْكُلُ مِنْهَا إلاَّ الذُّكُورُ دُونَ الإِنَاثِ. ب - أَنْعَامٌ حٌرِّمَتْ ظُهُورُهَا، فَلاَ تُرْكَبُ وَلاَ يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَهِيَ البَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالحَامِي. ج - وَأَنْعَامٍ لاَ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيها عِنْدَ الذَّبْحِ بَلْ يُهِلُّونَ بِهَا لآلِهَتِهِمْ وَحْدَها، وَكَانُوا إِذَا حَجُّوا لاَ يَحِجُّونَ عَلَيها، وَلاَ يُلَبُّونَ عَلَى ظُهُورِها. وَقَدْ قَسَمُوا هذا التَّقْسِيمَ، وَجَعَلُوهُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى اللهِ افْتِرَاءً عَلَيْهِ، وَاللهُ بَرِيءٌ مِنْهُ، فَهُوَ لَمْ يَشْرَعْهُ لَهُمْ، وَسَيَجْزِيهِم اللهُ، عَلَى هذا الافْتِرَاءِ، الجَزَاءَ الذَي يَسْتَحِقُّونَهُ. حِجْرٌ - مَحْجُورة وَمُحْتَجَرَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ. حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا - وَهِيَ السَّوائِبُ وَالبَحَائِرُ وَالحَوَامِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا تمادٍ في الشرك؛ لأنهم قسموا الحيوانات والحرث وحجزوا قسماً للأصنام، وهذه الأنعام المرصودة للأصنام لا يتصرف فيها أحد، فلا يؤخذ لبنها ولا يستخدمها أحد كمطايا، ولا يتعدى نفعها للناس. ولم يتنبهوا إلى أن هذه الأنعام نعمة من الله، ولابد من الانتفاع بها، وليس من حسن التعقل أن تترك حيواناً تستطيع أن تستفيد من تسخيره لك ولا تفعل، هم قد فعلوا ذلك وحكى الحق عنهم فقال: {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ..} [الأنعام: 138] أي هي أنعام محرم استخدامها، وحرموا أيضاً ركوبها. {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا..} [الأنعام: 138] وتمادوا في الكفر فذكروا أسماء الأصنام عليها: {وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ..} [الأنعام: 138] وهذا لون من الافتراءات قد فعلوه ونسبوه إلى أنه متلقَّى من الله، ومأمور به منه- سبحانه- ولو قالوا: إن هذه الأمور من عندهم لكان وقع الافتراء أقل حدة، لكنه افتراء شديد لأنهم جاءوا بهذه الأشياء ونسبوها إلى الله، وهم قد انحلوا عن الدين وقالوا على بعض من سلوكهم إنه من الدين، ولذلك يجازيهم الله بما افتروا مصداقاً لقوله: {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 138] ويقول الحق بعد ذلك: {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ..}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} معناهُ حَرامٌ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من جملة ما اخترعوها من تلقاء أنفسهم ونسبوها إلى الله وإلى كتابه ترويجاً أنهم {قَالُواْ هَـٰذِهِ} المعينة المفروضة {أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} حرام {لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ} إطعامه؛ يعنون سدنةن الأوثان وخدمتهم من الرجال دون النساء، فإنها يحل عليهم ويحرم على غيرهم وما هي إلا {بِزَعْمِهِمْ} الفاسد بلا حجة نقلية وعقلية {وَ} أيضاً قالوا: هذه {أَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} وأراد البحائر والسوائب والحوامي، {وَ} قالوا أيضاً: هذه {أَنْعَٰمٌ} معدة للتجارة والحمل والظعن {لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} أي: لا يركبونها للحج، كل ذل من مخترعاتهم التي يخترعونها من أهويتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة ويفترون {ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ} سبحانه بلا سند لهم نازل من عنده {سَيَجْزِيهِم} الله ويعذبهم {بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 138] أي: بسبب بافترائهم عليه. {وَ} من جملة مفترياتهم ومخترعاتهم أنهم {قَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ} أي: البحائر والسوائب إن كانت حياً فهي {خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا} مخصصة مستحلة لهم {وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا} لا نصيب لهن فيه {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} أي: وإن يخرج ميتة {فَهُمْ} أي: الذكور والإناث {فِيهِ شُرَكَآءُ} بلا تفاوت وخصوصية {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي: سيجزيهم الله على وصفهم، وتفصيلهم هذا افتراء عليه {إِنَّهُ حِكِيمٌ} في جزاء المفترين {عَلِيمٌ} [الأنعام: 139] بمقدار جزائهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ} [الأنعام: 138]؛ يعني: قالوا هذه المقالة من هوى نفسهم، وميل طبيعتهم لامتثال الشرع، فإن نور الشرع مزيل لظلمة الطبع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع من المجاهدات للنفس ومخالفاتها، فإن له ظلمة تزيد في ظلمة النفس والهوى، و{أية : ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}تفسير : [النور: 40]، {وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ} [الأنعام: 138]، هذا كله من تسويسات النفس ووساوس الشيطان؛ ليضل بهما عن سبيل الله. ثم قال تعالى في جوابهم: {سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 138]، ومجازاتهم بأن يطبع قلوبهم بطباع الافتراء، كما قال تعالى: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}تفسير : [النسا: 155]، أي: بطباع كفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً، وقالوا أيضاً: من هوى نفوسهم، {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ}، ثم قال تعالى: في جوابهم: {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} [الأنعام: 139]، سيجزيهم بتغير وصفهم من الصدق إلى الكذب؛ أي: ينقلهم من الأوصاف الحميدة إلى الأوصاف الذميمة، {إِنَّهُ حِكِيمٌ} [الأنعام: 139]، فيما حكم به وقضى عليهم، عليم باستحقاقهم لما قدر عليهم، وأيضاً {عَلِيمٌ} [الأنعام: 139]، بتغير أوصافهم. ثم أخبر عن خسرانهم فيما عملوا، وحرمانهم إذ ضلوا بقوله: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ} [الأنعام: 140] والإشارة فيها: إن خسارة أهل الأهواء وخسارة أهل الطبيعة تصير إلى حد قتلهم أولادهم، وذلك من قساوة قلوبهم وتبديل أوصافهم؛ لافترائهم على الله تعالى، قال الله عز وجل: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ} يعني: خسروا وأفسدوا استعدادهم الفطري، حتى نزعت الرحمة عن قلوبهم؛ لقسوتهم وتبديل أوصافهم حتى فعلوا ذلك، {سَفَهاً} [الأنعام: 140]، وجهلاً. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 140]، يعني: عند عدم فقد قلوبهم وانقطاع الهامات الربَّانية عنها لقسوتها وانسداد مسالكها إلى عالم الغيب وعند ذلك، {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} [الأنعام: 140]، في الصورة والحقيقة، أمَّا الصورة: فرزقناهم، وأمَّا الحقيقة: فحرمناهم من كمالات مراتب أهل القرب من المشاهدات والمكاشفات الربَّانية، {ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ} [الأنعام: 140]، يعني: بسبب افترائهم على الله تعالى، فإنهم {قَدْ ضَلُّواْ} [الأنعام: 140]، بالافتراء عن طريق الحق؛ لفساد استعدادهم في الاهتداء إلى الله، {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140]، إذ افسدوا استعداد الاهتداء؛ فانسد عليهم طريق الثقة بالله، فحملتهم خشية الفقر على قتل الأولاد؛ ولذلك قال أهل التحقيق: من إمارات اليقين وحقائق كثرة العيال على بساط التوكل.

همام الصنعاني

تفسير : 857- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {وَحَرْثٌ حِجْرٌ}: [الآية: 138]، قال حرامٌ.