٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
139
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: هذا نوع رابع من أنواع قضاياهم الفاسدة كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب ما ولد منها حياً فهو خالص لذكور لا تأكل منها الأناث، وما ولد ميتاً اشترك فيه الذكور والإناث سيجزيهم وصفهم، والمراد منه الوعيد {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق. المسألة الثانية: ذكر ابن الأنباري في تأنيث {خَالِصَةٌ } ثلاثة أقوال: قولين للفراء وقولاً للكسائي: أحدها: أن الهاء ليست للتأنيث وإنما هي للمبالغة في الوصف كما قالوا: راوية، وعلامة، ونسابة، والداهية، والطاغية كذلك يقول؛ هو خالصة لي، وخالص لي. هذا قول الكسائي. والقول الثاني: أن {مَا } في قوله: {مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأنْعَـٰمِ } عبارة عن الأجنة، وإذا كان عبارة عن مؤنث جاز تأنيثه على المعنى، وتذكيره على اللفظ، كما في هذه الآية، فإنه أنث خبره الذي هو {خَالِصَةٌ } لمعناه، وذكر في قوله: {وَمُحَرَّمٌ } على اللفظ. والثالث: أن يكون مصدراً والتقدير: ذو خالصة كقولهم: عطاؤك عافية، والمطر رحمة، والرخص نعمة. المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر {وإنْ تَكُنْ } بالتاء و {مَيْتَةً } بالنصب وقرأ ابن كثير {يَكُنِ } بالياء {مَيْتَة } بالرفع، وقرأ أبو بكر عن عاصم {تَكُنْ } بالتاء {مَيْتَةً } بالنصب، والباقون {يَكُنِ } بالياء {مَيْتَةً } بالنصب. أما قراءة ابن عامر، فوجهها أنه ألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل مؤنثاً في اللفظ وأما قراءة ابن كثير فوجهها أن قوله: {مَيْتَةً } اسم {يَكُنِ } وخبره مضمر. والتقدير: وإن يكن لهم ميتة أو وإن يكن هناك ميتة. وذكر لأن الميتة في معنى الميت. قال أبو علي: لم يلحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل المسند إليه تأنيثه غير حقيقي، ولا يحتاج الكون إلى خبر، لأنه بمعنى حدث ووقع. وأما قراءة عاصم {تَكُنْ } بالتاء {مَيْتَةً } بالنصب فالتقدير وإن تكن المذكور ميته فأنث الفعل لهذا السبب وأما قراءة الباقين {وَإِن يَكُنْ } بالياء {مَيْتَةً } بالنصب فتأويلها، وإن يكن المذكور ميتة ذكروا الفعل لأنه مسند إلى ضمير ما تقدم في قوله: {مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأنْعَـٰمِ } وهو مذكر، وانتصب قوله {مَيْتَةً } لما كان الفعل مسنداً إلى الضمير.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا} هذا نوع آخر من جهلهم. قال ابن عباس: هو اللبن، جعلوه حلالاً للذكور وحراماً على الإناث. وقيل: الأجِنّة؛ قالوا: إنها لذكورنا. ثم إنْ مات منها شيء أكله الرجال والنساء. والهاء في «خالِصة» للمبالغة في الخلوص؛ ومثله رجل علامة ونسابة؛ عن الكِسائيّ والأخفش. و«خالِصةٌ» بالرفع خبر المبتدأ الذي هو «ما». وقال الفراء: تأنيثها لتأنيث الأنعام. وهذا القول عند قوم خطأ؛ لأن ما في بطونها ليس منها؛ فلا يشبه قوله {أية : يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ}تفسير : [يوسف: 10]لأن بعض السَّيارة سَيّارة، وهذا لا يلزم قال الفراء: فإن ما في بطون الأنعام أنعام مثلها؛ فأنّث لتأنيثها، أي الأنعام التي في بطون الأنعام خالصة لذكورنا. وقيل: أي جماعة ما في البطون. وقيل: إن «ما» ترجع إلى الألبان أو الأجِنّة؛ فجاء التأنيث على المعنى والتذكير على اللفظ. ولهذا قال: «وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا» على اللفظ. ولو راعى المعنى لقال ومحرّمة. ويَعْضُد هذا قراءة الأعمش «خالِص» بغير هاء. قال الكسائي: معنى خالص وخالصة واحد، إلا أن الهاء للمبالغة؛ كما يقال؛ رجل داهية وعلامة؛ كما تقدمّ. وقرأ قَتادة «خالِصةً» بالنصب على الحال من الضمير في الظرف الذي هو صلة لـ«ما». وخبر المبتدأ محذوف؛ كقولك: الذي في الدار قائماً زيد. هذا مذهب البصريين. وٱنتصب عند الفرّاء على القطع. وكذا القول في قراءة سعيد بن جبير «خالِصاً». وقرأ ابن عباس «خالِصهُ» على الإضافة فيكون ابتداء ثانياً؛ والخبر «لذكورِنا» والجملة خبر «ما». ويجوز أن يكون «خالصِه» بدلاً من «ما». فهذه خمس قراءات. {وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا} أي بناتنا؛ عن ٱبن زيد. وغيره: نساؤهم. {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} قرىء بالياء والتاء؛ أي إن يكن ما في بطون الأنعام ميتة {فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ} أي الرجال والنساء. وقال «فيه» لأن المراد بالميتة الحيوان، وهي تقوّي قراءة الياء، ولم يقل فيها. «مَيْتَةٌ» بالرفع بمعنى تقع أو تحدث. «ميتةً» بالنصب؛ أي وإن تكن النَّسمة ميتة. {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي كذبهم وٱفتراءهم؛ أي يعذبهم على ذلك. وانتصب «وَصْفَهُمْ» بنزع الخافض؛ أي بوصفهم. وفي الآية دليل على أن العالم ينبغي له أن يتعلّم قول من خالفه وإن لم يأخذ به، حتى يعرف فساد قوله، ويعلم كيف يردّ عليه؛ لأن الله تعالى أعلم النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه قول من خالفهم من أهل زمانهم؛ ليعرفوا فساد قولهم.
ابن كثير
تفسير : قال أبو إسحاق السبيعي عن عبد الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس {وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا} الآية، قال: اللبن. وقال العوفي عن ابن عباس: {وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا} فهو اللبن، كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكراً، ذبحوه، وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى، تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة، فهم فيه شركاء، فنهى الله عن ذلك، وكذا قال السدي. وقال الشعبي: البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شيء، أكله الرجال والنساء، وكذا قال عكرمة وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال مجاهد في قوله: {وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا} قال: هي السائبة والبحيرة. وقال أبو العالية ومجاهد وقتادة في قول الله: {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي: قولهم الكذب في ذلك، يعني: كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَـٰعٌ} تفسير : [النحل: 116-117] الآية، {إِنَّهُ حَكِيمٌ} أي: في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره {عَلِيمٌ} بأعمال عباده من خير وشر، وسيجزيهم عليها أتم الجزاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ } المحرّمة وهي السوائب والبحائر {خَالِصَةٌ } حلالٌ {لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا } أي النساء {وإِنْ يَكُنْ مَيْتَةٌ } بالرفع والنصب مع تأنيث الفعل وتذكيره {فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ } الله {وَصْفَهُمْ } ذلك بالتحليل والتحريم أي جزاءه {إِنَّهُ حَكِيمٌ } في صنعه {عَلِيمٌ } بخلقه.
الماوردي
تفسير : {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا}، قرأ الأعمش {خَالِصٌ}، وفي {خَالِصَةٌ} وفي {خَالِصٌ} وجهان: أحدهما: أن {خَالِصَةٌ} أبلغ من {خَالِصٌ} وإن كانت في معناه فدخلت الهاء للمبالغة كقولهم: علاَّمة، ونسَّابة، قاله الكسائي. والثاني: أن دخول الهاء يوجب عوده إلى الأنعام لتأنيثها، وحذف الهاء، يوجب عوده إلى ما في بطونها لتذكيره، قاله الفراء. وفي ذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: أن ما في بطونها الأجنة، قاله: مجاهد. والثاني: الألبان، قاله قتادة. والثالث: الجميع: الأجنة والألبان، قاله مقاتل. وفي جعلهم ذلك لذكورهم دون إناثهم وأزواجهم قولان: أحدهما: لأن الذكور هم خدام الأوثان. والثاني: تفضيلاً للذكور على الإناث. وأصل الذكور من الذِّكْر، وفي أخذه من الذِّكْر وجهان: أحدهما: لأنه المذكور بين الناس فكان أنبه ذِكْراً من الأنثى. والثاني: لأنه أشرف، والذِّكْر هو الشرف، قاله الله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف: 44] أي شرف.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية تتضمن تعديد مذاهبهم الفاسدة، وكانت سنتهم في بعض الأنعام أن يحرموا ما ولدت على نسائهم ويخصصونه لذكورهم، والهاء في {خالصة} قيل هي للمبالغة كما هي في رواية غيرها، وهذا كما تقول فلان خالصتي وإن كان باب هاء المبالغة أن يلحق بناء مبالغة كعلامة ونسابة وبصيرة ونحوه، وقيل هي لتأنيث الأنعام إذ ما في بطونها أنعام أيضاً، وقيل هي على تأنيث لفظ {ما} لأن {ما} واقعة في هذا الموضع موقع قولك جماعة وجملة، وقرأ جمهور القراء والناس "خالصةٌ" بالرفع، وقرأ عبد الله بن مسعود وابن جبير وابن أبي عبلة والأعمش "خالصٌ" دون هاء ورفع هاتين القراءتين على خبر الابتداء. وقرأ ابن عباس بخلاف والأعرج وقتادة وسفيان بن حسين "خالصةً" بالنصب، وقرأ سعيد بن جبير فيما ذكر أبو الفتح "خالصاً" ونصب هاتين القراءتين على الحال من الضمير الذي في قوله {في بطون}، وذلك أن تقدير الكلام: وقالوا ما استقر هو في بطون هذه الأنعام فحذف الفعل وحمل المجرور الضمير، والحال من الضمير والعامل فيها معنى الاستقرار، قال أبو الفتح ويصح أن يكون حالاً من {ما} على مذهب أبي الحسن في إجازته تقديم الحال على العامل فيها، وقرأ ابن عباس أيضاً وأبو حيوة والزهري "خالصه" بإضافة "خالص" إلى ضمير يعود على {ما} ، ومعناه ما خلص وخرج حياً، والخبر على قراءة من نصب "خالصة" في قوله {لذكورنا} والمعنى المراد بما في قوله {ما في بطون} قال السدي: هي الأجنة، وقال ابن عباس وقتادة والشعبي: هو اللبن، قال الطبري واللفظ يعمهما، وقوله {ومحرم} يدل على أن الهاء في {خالصة} للمبالغة، ولو كانت لتأنيث لقال ومحرمة، و {أزواجنا} يريد به جماعة النساء التي هي معدة أن تكون أزواجاً، قال مجاهد، وحكى الطبري عن ابن زيد أن المراد بـ {أزواجنا} البنات. قال القاضي أبو محمد: وهذا يبعد تحليقه على المعنى، وقوله {إن يكن ميتة} كان من سنتهم أن ما خرج من الأجنة ميتاً من تلك الأنعام الموقوفة فهو حلال للرجال والنساء جميعاً وكذلك ما مات من الأنعام الموقوفة نفسها، وقرأ ابن كثير "وإن يكن" بالياء "ميتةٌ" بالرفع فلم يلحق الفعل علامة التأنيث لما كان تأنيث الفاعل المسند إليه غير حقيقي، والمعنى وإن وقع ميتة أو حدث ميتة، وقرأ ابن عامر "وإن تكن" بالتاء "ميتةٌ" بالرفع فألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل في اللفظ مؤنثاً، وأسند الفعل إلى الميتة كما فعل ابن كثير، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه "تكن" بالتاء "ميتةً" بالنصب فأنث وإن كان المتقدم مذكراً لأنه حمله على المعنى. قال القاضي أبو محمد: فالتقدير وإن تكن النسمة أو نحوها ميتة، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص "يكن" بالياء "ميتةً" بالنصب، فذكروا الفعل لأنهم أسندوه إلى ضمير ما تقدم من قوله {ما في بطون هذه الأنعام} وهو مذكر، وانتصبت الميتة على الخبر، قال أبو عمرو بن العلاء ويقوي هذه القراءة قوله {فهم فيه} ولم يقل فيها، وقرأ يزيد بن القعقاع "وإن تكن ميّتة" بالتشديد، وقرأ عبد الله بن مسعود "فهم فيه سواء" ثم أعقب تعالى بوعيدهم على ما وصفوا أنه من القربات إلى الله تعالى وشرعوه من الباطل والإفك {إنه حكيم} أي في عذابهم على ذلك {عليم} بقليل ما تقوّلوه من ذلك وكثيره.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ} الأجنة، أو الألبان، أو الأجنة والألبان. خصوا به الذكور، لأنهم خدم الأوثان، أو لفضلهم على الإناث، والذَّكَر مأخوذ من الشرف، لأنه أشرف من الأنثى، أو من الذّكِر، لأنه أذكر وأبين في الناس.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا...} الآية: كان مِنْ مذاهبهم الفاسدةِ في بَعْض الأنعامِ أنْ يحرِّموا ما وَلَدَتْ على نسائهم، ويخصِّصونه لذُكُورهم، فـ {أَزْوٰجِنَا}: يراد به جماعةُ النساءِ التي هِيَ معدَّة أن تكون أزواجاً؛ قاله مجاهد، وقوله: {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً}، يعني: أنه كان من سُنَّتهم أنَّ ما خرج من الأجنَّة ميتاً مِنْ تلك الأنعام الموقوفة، فهو حلالٌ للرجال والنساء جميعاً، وكذلك ما مات مِنَ الأنعامِ الموقوفةِ نَفْسِها، ثم أعقب تعالَىٰ بوعيدهم علَىٰ ما وصفوا أنه من القربات. وقوله سبحانه: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ...} الآية: تتضمَّن التشنيع بسوء فعلهم، والتَّعْجيبَ مِنْ سوء حالهم فيما ذَكَر، قال عكرمة: وكان الوَأْدُ في رَبِيعَةَ وفِي مُضَرَ. قال * ع *: وكان جمهورُ العرب لا يفعله، ثم إنَّ فاعليه كان منهم مَنْ يفعله خَوْفَ العَيْلَة والافتقار، وكان منهم من يفعله غَيْرَةً؛ مخافةَ السِّبَاءِ، و {قَدْ ضَلُّواْ}: إخبارٌ عنهم بالحَيْرة، {وَمَا كَانُواْ}: يريد في هذه الفَعْلَةِ، ويحتمل أن يريدَ: وما كانوا قبل ضلالهم بهذه الفَعْلة مهتدين، ولكنَّهم زادوا بهذه الفَعْلَةِ ضلالاً.
ابن عادل
تفسير : هذا نوع رَابعٌ من قضَايَاهُم الفَاسِدَة. قال ابن عبَّاس، وقتادة والشعبي: أراد أجنَّة البَحَائِر والسَّوَائِب، فما وُلِد منها حَيًّا، فهو خَالِصٌ للرِّجَال دون النِّسَاء، وما وُلِد منها مَيِّتاً، أكله الرِّجَال والنِّسَاء جميعاً. والجمهور على "خَالِصَة" بالتَّأنيث مَرْفُوعاً على أنه خَبَرَ "مَا" الموصُولة، والتَّأنيث: إمَّا حَمْلاً على المَعْنَى؛ لأن الذي في بُطُونِ الأنْعَام أنْعَامٌ، ثم حمل على لَفْظِها في قوله: "ومُحَرَّمٌ" وإمَّا لأنَّ التَّأنِيث للمُبالغة كهو في "عَلاَّمَة" و "نسَّابَة و "رَاوِيَة" و "الخاصَّة" و "العامَّة" وإما لأنَّ "خَالِصَة" مصْدَر على وَزْنَ "فَاعِلة" كالعَاقِبة والعَافِية؛ وقال - تبارك وتعالى -: {أية : بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ} تفسير : [ص:46] وهذا القَوْل قول الفرَّاء والأوَّل لَهُ ولأبِي إسْحاق الزَّجَّاج، والثاني للكسَائِي، وإذا قيل: إنها مَصْدرٌ كان ذلِك على حَذْف مُضَافٍ، أي: ذُو خُلُوصٍ، أو على المُبَالَغَة، أو على وقُوعِ المصدر مَوْقِع اسْمِ الفاعِل؛ كَنَظَائِره كقول الشاعر: شعر : 2355- وَكُنْتِ أمنِيَّتِي وَكُنْتِ خَالِصَتِي وَلَيْسَ كلُّ امْرِىءٍ بِمُؤتَمَنِ تفسير : قال الكسائي: خَالِص وخَالِصَة واحد، مثل وَعْظ ومَوْعِظَة. وهو مستفيض في لسانهم: فلان خَالِصَتي، أي: ذُو خُلُوصي. و "لِذُكرونا" مُتعلِّق به، ويجوز أن يتعلَّق بمحذُوف على أنَّه وَصْف لـ "خَالِصَة"، وليس بالقَوِيّ. وقرأ عبد الله وابن جُبَيْر، وأبُو العالية والضَّحَّاك، وابن أبي عَبْلَة: "خَالِصٌ" مَرْفُوعاً على ما تقدَّم من غير هَاءِ، و "لِذُكُورِنَا" متعلِّق به، أو بمَحْذُوف كما تقدَّم، وقرأ ابن جُبَيْر، نقله عنه ابن جنِّي: "خَالِصاً" نصباً من غير تَاءِ، ونصبه على الحَالِ وفي صاحبه وجهان: أظهرهما: أنه الضَّمَير المستتر في الصِّلة. الثاني: أنه الضَّمِير المسْتَتِر في "لِذُكُورِنَا" فإن "لِذُكُورنَا" على هذه القراءة خَبَر المُبْتَدأ، وهذا إنَّما يَجُوز على مَذْهَب أبِي الحَسَن؛ لأنه يُجِيزُ تَقْدِيم الحال على عَامِلهِا المَعْنَوِيّ، نحو: "زيْدٌ مستَقِرٌّ في الدَّارِ" والجمهور يَمْنَعُونَه، وقد تقدَّم تحقيقُهُ. وقرأ ابن عباس أيْضَاً والأعرج، وقتادة: "خَالِصَةً" نصباً بالتَّأنيث، والكلام في نصْبِه وتأنِيثِه كما تقدَّم في نَظِيره، وخرَّجه الزمخشري على أنه مَصْدَر مُؤكِّد كالعَاقِبَة. وقرأ ابن عبَّاس أيضاً، وأبُو رَزِين، وعِكْرمة، وأبو حَيْوة: "خَالِصة" برَفْع "خالص" مُضَافَاً إلى ضَمِير "مَا", ورفعُه على أحد وجهين: إما على البدل من الموصُول، بدل بَعْضَ من كُلِّ، و "لِذُكُورِنَا" خبر المَوْصُول. وإما على أنَّه مُبْتَدأ، و "لذكُورِنَا" خبره، والجُمْلة خبر الموصُول، وقد عَرَفْتَ ممَّا تقدَّم أنه حَيْثَ قُلْنَا: إن "خَالِصَةً" مصدر أو هي للمُبَالغَة، فليس في الكلام حَمْل على مَعْنَى ثم على لَفْظ، وإن قلنا: إن التَّأنيث فيها لأجْل تَأنيثِ ما فِي البُطُونِ، كان في الكلام الحَمْلُ على المَعْنَى أوَّلاً [ثم على اللَّفْظ في قوله: "مُحَرَّمٌ" ثانياً، وليس لِذَلك في القُرْآنَ نَظِير، أعني: الحَمْل على المَعْنَى أوّلاً] ثم على اللَّفْظِ ثانياً، إلاَّ أن مَكِّياً زعم في غَيْر إعْراب القُرْآن الكَرِيم، له: أنَّ لِهَذِه الآيَةِ نظائِر فذكرها وأما في إعرابه: فلم يَذْكُر أنَّ غيرها في القُرْآن شَارَكها في ذلك؛ فقال في إعرابه: "وإنَّما أنَّثَ الخَبَر؛ لأن مَا فِي بُطُون الأنْعَام أنْعَام؛ فحمل التأنيث على المَعْنَى، ثم قال: "ومُحَرَّم" فذكَّر حَمْلاً على لَفْظِ "مَا" وهذا نَادِر لا نَظِير له، وإنَّما يَأتِي في "مَنْ" و "مَا" حَمْل الكلام أوَّلاً على اللَّفْظِ ثم على المَعْنَى بعد ذلك، فاعرفه فإنه قَلِيلٌ". وقال في غير "الإعْرَاب": "هذه الآيةُ في قراءة الجماعة أتَتْ على خلاف نظائِرِهَا في القُرْآنِ؛ لأن كل ما يُحْمَل على اللفظِ مرة وعلى المَعْنَى مرَّة، إنما يبتَدِىء أولاً بالحَمْل على اللَّفْظِ ثم يليه الحَمْل على المَعْنَى، نحو: {أية : مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة:62] [ثم قال]: "فَلَهُم أجرُهم" هكذا يأتي في القُرْآن وكلام العرب، وهذه الآيةُ تقدَّم فيها الحملُ على المَعْنَى، فقال: "خَالِصَة" ثم حَمَل على اللَّفظِ، فقال: "وحُرِّمَ" ومثله {أية : كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ} تفسير : [الإسراء:38] في قراءة نافع ومن تابعه، فأنَّث على معنى "كُلّ" لأنها اسْم لجَمِيع ما تقدَّم ممَّا نهى عنه من الخَطَايَا، ثم قال: {أية : عِندَ ربِّك مَكْرُوهاً} تفسير : [الإسراء:38] فذكر على لَفْظِ "كُلّ" وكذلك {أية : مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} تفسير : [الرخرف:12، 13] جَمَعَ الظُّهُور حملاً على مَعْنَى "ما" [ووحَّد الهاء حَمْلاً على لَفْظ "مَا"، وحُكي عن العرب: "هذا الجَرَادُ قد ذَهَب فأراحَنَا مِنْ أنْفُسِهِ جمع الأنْفُس] ووحد الهَاء وذكَّرها". قال شهاب الدين: أما قوله: "هكذا أتى في القُرْآنِ" فصحيح، وأمَّا قوله: "وكلام العرب" فليس ذلك بِمُسَلَّم؛ إذ في كلام العرب البداية بالحَمْل على المَعْنَى ثم على اللَّفْظِ، وإن كان عَكْسُه هوالكَثِير، وأمَّا ما جعله نَظِير هذه الآيةِ في الحَمْل على المَعْنَى أوَّلاَ ثم على اللَّفْظ ثانياً، فليس بمُسَلَّم أيضاً، وكذلك لا نُسَلِّم أن هذه الآية مما حُمِل فيها على المَعْنَى أولاً ثم على اللفظِ ثانياً. وبيان ذلك: أن لقَائِل أن يَقُول: صِلَة "مَا" جارّ ومجرور وهُو مُتعلِّق بمحْذُوف، فتقدره مُسْنَداً لضمير مذكر، أي: ما استقرَّ في بُطُون هذه الأنْعَام، ويبعد تَقْديرهُ باسْتَقَرَّت، إذا عرف هذا، فيكُون قد حُمِل أوَّلاً على اللَّفْظ في الصِّلة المقدَّرة ثم على المَعْنَى ثانياً، وأما {أية : كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ} تفسير : [الإسراء:38] فَبَدأ فيه أيضاً بالحَمْل على اللَّفْظِ في قوله: "كَانَ" فإنه ذكر ضَميرَهُ المسْتَتِر في "كَانَ"، ثم حمل على المعنى في قوله: "سَيِّئهُ" فأنَّث، وكذلك {أية : لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} تفسير : [الزخرف:13] فإن قبله "مَا تَرْكَبُون" والتقدير: ما تركَبُونه، فحمل العِائِد المحذُوف على اللَّفْظ أوَّلاً ثم حُمِل على المَعْنَى ثانياً، وكذلك في قولهم: "هذا الجَرادُ قَدْ ذَهَب" حَمَل على اللَّفْظ فأفْرَد الضمير في "ذَهَبَ" ثم حمل على المعْنَى ثَانِياً، فجمع في قوله: "أنْفُسِهِ" وفي هذه المواضع يكون قد حَمَل فيها أوَّلاً على اللَّفْظ، ثم على المَعْنَى ثم على اللَّفْظ، وكُنْتُ قد قدَّمْتُ أن في القُرْآن من ذلك أيْضاً ثلاثة مواضع: آية المَائِدة: {أية : وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ} تفسير : [المائدة:60]، ولقمان: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [لقمان:6]، و الطلاق: {أية : مَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ} تفسير : [الطلاق:11]. قوله": "وإن يكن مَيْتَةً" قرأ ابن كَثِير: "يَكُنْ" بياء الغَيبة "مَيْتَةٌ" رفعاً، وابن عامر: "تكُنْ" بتاء التَّأنيث، "مَيْتَةٌ" رفعاً، وعاصم في رواية أبي بكر "تَكُنْ"بتاء التَّأنيث، "مَيْتَةً" نصباً، والباقون "تكن" كابن كَثِير "مَيْتَةً" كأبي بكر والتَّذكير والتَّأنيث واضحان؛ لأن المَيْتَة تأنيث مَجَازِيّ؛ لأنها تقع على الذَّكَر والأنثى من الحيوان فَمَنْ انَّث فبِاعْتِبَار اللَّفْظِ، ومن ذَكَّر فباعْتِبار المَعْنَى، هذا عند من يرفع "مَيْتَةٌ" بـ "تَكُنْ" أمَّا" من يَنْصِبُها، فإنه يسند الفِعْل حينئذٍ إلى ضَمير فيذكر باعْتِبار لَفْظ "مَا" في قوله: "مَا فِي بُطُون" ويؤنِّث باعتِبَار مَعْنَاها، ومن نصب "مَيْتَةً" فعلى خبر "كان" النَّاقِصة، ومن رفع فَيُحْتَمل وجهين: أحدهما: أن تكون التَّامَّة، وهذا هو الظَّاهِر، أي: وإن وُجِدَ مَيْتَةٌ أو حَدَثَتْ، وأن تكون الناقصة وحينئذٍ يكون خَبَرُوها مَحْذُوفاً، أي: وإن تكُن هُناكَ أو فِي البُطُون مَيْتَة وهذا رأي الأخْفَش، فيكون تَقْدير قراءة ابن كَثِير: وإن يَحْدُثْ حيوانٌ مَيْتَةٌ، أو وإن يَكُن في البُطُون مَيْتَةٌ على حَسَب التقديرين تماماً ونقصاناً، وتقدير قراءة ابن عَامِر كتقدير قراءته، إلا أنه أنَّث الفِعْل باعْتِبَار لفظ مَرْفُوعه، وتقدير قِراءة أبِي بكر: وإن تكُن الأنْعَام أو الأجنَّة مَيْتَة، فأنَّث حَمْلاً على المَعْنَى، وقراءة البَاقِين كتقدير قراءته، إلا أنَّهُم ذكروا باعتبار اللَّفْظِ. قال أبو عمرو بن العلاء: ويُقَوِّي هذه القراءة - يعني قراءة التَّذْكِير والنَّصْب - قوله: "فَهْمْ فِيهِ" ولم يَقُل: "فِيها" ورُدَّ هذا على أبي عَمْرو: بأن المَيْتَة لكل مَيِّتٍ ذكراً كان أوْ أنْثَى، فكأنه قيل: وإن يَكُن~ مَيِّتَاً فهم فيه، يعني: فَلَمْ يَصِر له في تَذْكِير الضَّمير في "فِيهِ" حُجَّةٌ. ونقل الزَّمَخْشَرِي قراءة ابن عَامِرِ عن أهْل مكَّة، فقال: "قرأ أهْل مكَّة "وإن تكنْ مَيْتَةٌ" بالتأنيث والرَّفْع" فإن عنى بأهل مَكَّة ابن كَثير - ولا أظنه عَنَاهُ - فليس كذلِك، وإن عنى غيره، فَيَجُوز على أنه يُجَوِزُ أن يكُون ابن كَثِير قرأ بالتَّأنيث أيضاً لكن لم يَشْتَهِر عنه اشْتِهَار التَّذْكِير. وقرأ يزيد "مَيِّتَة" بالتَّشْدِيد, وقرأ عبد الله: "فَهُمْ فيه سَوَاء" قال شهاب الدِّين: وأظنُّها تفسير لا قراءة، لمخالفتها السَّواد، وقوله: "وهُمْ فِيهِ" أي: أن الرِّجَال والنساء فيه شُرَكَاء. قوله: {سَيْجزِيهم وَصْفهُم} أي: بوصفهم أو على وَصْفِهِم بالكذبِ على اللَّهِ سبحانه وتعالى: إنه حَكِيم عَلِيم.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا} قال: اللبن . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا} قال: السائبة والبحيرة {ومحرم على أزواجنا} قال: النساء {سيجزيهم وصفهم} قال: قولهم الكذب في ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} قال: ألبان البحائر كانت للذكور دون النساء، وإن كانت ميتة اشترك فيها ذكرهم وأنثاهم {سيجزيهم وصفهم} أي كذبهم . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} قال: كانت الشاة إذا ولدت ذكراً ذبحوه فكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركوها فلم تذبح، وإن كانت ميتة كانوا فيه شركاء . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام} الآية قال: اللبن كانوا يحرمونه على إناثهم ويشربونه ذكرانهم، كانت الشاة إذا ولدت ذكراً ذبحوه فكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم شركاء. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم. أنه قرأ {وإن تكن ميتة} بالتاء منصوبة منوّنة. وأخرج البخاري في تاريخه عن عائشة قالت: يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور من ولده، إن هذا إلا كما قال الله {خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} .
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا ما فى بطون هذه الانعام} يعنون به اجنة البحائر والسوائب {خالصة لذكورنا ومحرم على ازواجنا} اى حلال للرجال خاصة دون الاناث وتأنيث خالصة محمول على معنى ما وتذكير محرم محمول على لفظه وهذا الحكم منهم ان ولد ذلك حيا {وان يكن ميتة} اى ولدت ميتة {فهم فيه} اى ما فى بطون الانعام {شركاء} يأكلون منه جميعا ذكورهم واناثهم {سيجزيهم وصفهم} اى جزاء وصفهم الكذب على الله تعالى فى امر التحليل والتحريم {إنه حكيم عليم} تعليل للوعد بالجزاء فان الحكيم العليم بما صدر عنهم لا يكاد يترك جزاءهم الذى هو من مقتضيات الحكمة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {خالصةٌ}: خبر لـ {ما}، وأنثه؛ حملاً على المعنى، لأن {ما} واقعة على الأجنة، وذكّر {محرم}؛ حملاً على لفظ {ما}، ويحتمل أن تكون التاء للمبالغة، ومن قرأ: {تكن}، بالتأنيث، فالمراد: الأجنة، ومن قرأ بالتذكير فراعى لفظ {ما}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقالوا ما} استقر {في بطون هذه الأنعام}، بمعنى: البحائر والسوائب، من الأجنة، {خالصة لذكورنا} لا يشاركون فيه، {ومحرم على أزواجنا} أي: نسائنا، يعني: أن ما يولد للبحائر والسوائب، قالوا هو حلال لذكورهم دون نسائهم، هذا إن وُلد حيًا، {وإن يكن ميتة}؛ بأن ولد ميتًا {فهم فيه شركاء}؛ فالذكور والإناث سواء، {سيجزيهم وصفهم} أي: سيجزيهم على ما وصفوا وافتروا على الله من الكذب في التحليل والتحريم، فهو كقوله: {أية : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ }تفسير : [النّحل:62]، {أنه حكيم} في صنعه، {عليم بخلقه}؛ فيجزي كلاًّ على قدر جُرمه. الإشارة: اعلم أن جيفة الدنيا اشترك النساء مع الرجال فيها، لقوله تعالى: {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء}، والزهد في النساء قليل بالنسبة إلى الرجال، واعلم أيضًا أن الحق تعالى يجازي عبده جزاء موافقًا لوصفه، فإن كان وصفه التعظيم لكل شيء عظمه الله، ومن كان وصفه التصغير صغره الله، ومن كان وصفه الإحسان أحسن الله إليه، ومن كان وصفه الإساءة أساء الله إليه، ومن كان وصفه الفرق فرقه الله، ومن كان وصفه الجمع جمعه الله، وهكذا: كما تدين تدان، كما تقابل الأشياء تقابلك، قال تعالى: {سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم}. ثم شَنَّعَ عليهم قتل الأولاد، فقال: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير {وإن يكن} بالياء {ميتة} رفع. وقرأ ابن عامر الا الداحوني عن هشام، وابو جعفر "تكن" بالتاء {ميتة} رفع. وقرأ ابو بكر عن عاصم الا الكسائي "يكن" باليا "ميتة" نصب. الباقون بالتاء "ميتة" نصب. وجه قراءة الاكثر ان يحمل على (ما) وتقديره وان يكن ما في بطون الانعام ميتة. ووجه قراءة ابن عامر ان يضيف الفعل الى الميتة فيرتفع الميتة به، فلذلك انث الفعل. ووجه قراءة ابي بكر ان ما في بطون الانعام مؤنث، لانها من الانعام. ويجوز ان يكون اراد ان تكون الاجنة ميتة. ووجه قراءة ابن كثير ان يضيف الفعل الى الميتة، لكن لما لم يكن تأنيث الميتة تأنيث ذوات الفروج، وتقدم الفعل جاز ان يذكر، كما قال {أية : فمن جاءه موعظة}تفسير : و {أية : أخذ الذين ظلموا الصيحة}تفسير : وتكون (كان) تامة، ومعناه وان وقع ميتة. اخبر الله تعالى في هذه الآية عن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم أنهم {قالوا ما في بطون هذه الأنعام} التي تقدم ذكرها أحياء، فهو خالص لذكروهم، ومحرم على ازواجهم الاناث وبناتهم. وقال بعضهم انه يختص بالزوجات، والاولى عموم النساء تفضيلا للذكور على الاناث. وقيل ان الذكور كانوا القوَّام بخدمة الاوثان. والمراد بما في بطون الانعام قيل فيه ثلاثة أقوال: احدها - قال قتادة المراد به الالبان. والثاني - قال مجاهد والسدي: انه الاجنة. الثالث - ان المراد به الجميع، وهو أعم. وقوله {خالصة لذكورنا} معناه لا يشركهم فيها أحد من الاناث وليس المراد به تسوية تصفية شيء عن شيء كالذهب الخالص والفضة الخالصة، ومن ذلك إِخلاص التوحيد واخلاص العمل لله. والهاء في قوله {خالصة} قيل فيها ثلاثة أقوال: احدها - أنها للمبالغة في الصفة كالعلامة والراوية. الثاني - على تأنيث المصدر كالعاقبة والعافية، ومنه قوله {أية : بخالصة ذكرى الدار}. تفسير : الثالث - لتأنيث ما في بطونها من الانعام. ويقال فلان خالصة فلان ومن خلصائه. وحكى الزجاج والفراء: انه قرىء خالصة لذكورنا، والمعنى ما خلص منها. وقيل أصل (الذكور) من الذكر سمي الذكر بذلك، لانه أنبه واذكر من الانثى. وقوله {وإن يكن ميتة} معناه ان كان جنين الانعام ميتة فالذكور والاناث فيه سواء، فقال الله تعالى {سيجزيهم وصفهم} يعني سيجزيهم جزاء وصفهم، وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه. وقوله {إنه حكيم عليم} معناه انه تعالى حكيم فيما يفعل بهم من العقاب آجلا، وفي امهالهم عاجلا {عليم} بما يفعلون لا يخفى عليه شيء منها. وقوله {خالصة} رفع بانه خبر الابتداء والمبتدأ قوله {ما في بطون} ولا يجوز عند البصريين النصب، لان العامل فيه لا يتصرف، فلا يتقدم عليه، وأجازه الفراء مع قوله انهم لا يكادون يتكلمون به، لا يقولون زيد قائما فيها، ولكنه قياس. وقد عاب الله على الكفار في هذه الآية من أربعة اوجه: أولها - ذبحهم الانعام بغير إِذن الله. وثانيها - أكلهم على ادعاء التذكية افتراء على الله. وثالثها - تحليلهم للذكور وتحريمهم على الاناث تفرقة بين ما لا يفترق الا بحكم من الله. ورابعها - تسويتهم بينهم في الميتة من غير رجوع الى سمع موثوق.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ}. أما قوله: {خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا} فذلك [لأنها] صارت جماعة وهو قوله في الآية الأولى: {لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاءُ بَزَعْمِهِمْ}. نزلت هذه الآية قبل الأولى، وهي بعدها في التأليف. قال: {وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} أي ما في بطون تلك الأنعام من ذكر أو أنثى. رجع إلى الكلام الأول: إلى [مَا]. وما مذكر، فهو محرّم على النساء كلُّه عندهم. كان ما ولد من تلك الأنعام من ذكر يأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت محرّمة على الرّجال والنساء، وإن كانت ميّتة فهم فيه شركاء، أكلها الرجال والنساء جميعاً فيما ذكر مجاهد. وبعضهم يقرأها (خَالِصٌ) أي: لبن خالص، أي لَبَنُه خالص لذكورنا، مثل قوله: (أية : لَّبَناً خَالِصاً) تفسير : [النحل:66] {وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} أي ذلك اللّبن. والعامّة على المقرأ الأول والتفسير الأول. قوله: {سَيَجْزِيهِمْ} أي في الآخرة {وَصْفَهُمْ} أي كذبهم بما فعلوا في ذلك، في تفسير الحسن ومجاهد: وقال الحسن: بما زعموا أن الله أمرهم به. {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. وبلغنا أن ابن عباس على المقرأ الأول؛ قال: وكانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن عمدوا إلى السابع، فإن كان ذكراً ذبح وكان لحمه للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى استحيوها فتركوها لآلهتهم، وإن كانت أنثى وذكراً استحيوا الذكر من أجل الأنثى وسمّوها الوصيلة التي وصلت أخاها، وإن ولدت ميتاً من ذكر أو أنثى أكله الرجال والنساء. وقال بعضهم في قوله: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} أي: ألبان البحائر؛ كانت ألبانها خالصة للرجال دون النساء، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء: الذكور والإِناث. قوله: {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي حكيم في أمره عليم بخلقه. قوله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهَاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي سفه الرأي، بغير علم أتاهم من الله يأمرهم فيه بقتل أولادهم، وهي الموءودة. كانوا يدفنون بناتهم وهن أحياء خشية الفاقة، ويقولون: إن الملائكة بنات الله، والله صاحب بنات، فألحقوا البنات به. وقال بعضهم: هذا صنيع أهل الجاهلية، كان أحدهم يقتل ابنتَه ويغذو كلبَه. قال: {وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ} أي ما حرّموا من الأنعام والحرث على أنفسهم. وهو الذي فسّرنا قبل هذا، وهو تفسير العامة. {افْتِرَاءً علَى اللهِ}، قال: {قَدْ ضَلُّوا} عن الحق، أي عن الهدى {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}.
اطفيش
تفسير : {وقالُوا ما فى بُطُون هَذه الأنعام خالصةٌ لذكُورنا ومحرَّمٌ على أزْواجنا} ما واقعة على الأجنة التى فى البطون عند الفراء، ولذلك جاء الخبر مؤنثا وهو خالصة، ولذكورنا متعلق، وذلك من الحمل على المعنى، وحمل بعد ذلك على اللفظ فى قوله ومحرم، ومثل هذا مرجوح، والراجح العكس بالنسبة إليه، وإنما قلت بالنسبة لأن الراجح مطلقا اعتبار اللفظ أولا وآخراً، وقد يجاب بأنه ليست التاء فى خالصة للتأنيث، بل للمبالغة كرجل رواية أى كثير الرواية للشعر أو للنسب أو غيره، يقولون: فلان راوية الشعر، أو هو مصدر، وبه قال الكلبى، والمصدر إذا أخبر به أطلق بما فيه من تذكير ولو على مؤنث، أو من لفظ تأنيث ولو على مذكر من المصادر التى بوزن فاعل، كما قيل فى عاقبة وعافية، فإذا كان مصدراً أول هنا باسم فاعل مذكر أى خالص، إذ لا يخبر بالحدث عن الجنة، أو بتقدير مضاف لذلك أيضا، أى ذو خالصة أى ذو خلوص، أو بالكون على طريق المبالغة، كان ما فى بطون هذه الأنعام نفس الخلوص لذكورهم. وقرأ ابن مسعود كما رسم فى مصحفه خالص بالرفع وإسقاط التاء وهو ظاهر لا خفاء فيه، وقرئ خالصاً بالنصب وإسقاط التاء، فيكون لذكورنا خبر، وخالصا حال من المستكن فى قوله: {فى بطون} لا حال من المستكن فى لذكورنا، لأنه ليس فى لذكورنا لفظ الفعل، فلا يتقدم حاله عليه، وقيل بجواز ذلك، وأجازه ابن مالك قليلا، ولا حال من ذكور، لأن الحال لا تتقدم على صاحبها المجرور بحرف غير زائد، وقيل بالجواز، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى خلوصا، فيكون مفعولا مطلقا مؤكداً أى خلص خلوصا، وقرأ ابن عباس خالصه بضم الصاد بعده هاء الضمير بلا نقطة ولا تنوين، فيكون خالصهُ بدلا ومضافاً إليه، والمبدل منه ما أو مبتدأ ثان ومضاف إليه، والخبر لذكورنا، ومعنى خالصة فى هذا القراءة حية أى ما كان حيا مما فى بطون هذه الأنعام، والمراد بالأنعام عند ابن عباس وقتادة والشعبى السائبة والصيلة والبحيرة، وقيل: ما لأصنامهم مطلقا، يعنون أن أجنتها حلال لذكور بنى آدم إن ولدت حية ثم ماتت أو ذبحت، ومحرم على أزواجنا أى على الإناث، لأن الإناث صالحة لأن تكون أزواجا، فالمراد تحريمه على الإناث كن أزواجا أولا فتأول بعموم المجاز على الجمع بينه وبين الحقيقة، وذلك إن ولد حياً ثم مات أو ذبح. ودل على اشتراط الحياة قوله تعالى: {وإنْ يَكُن مَيتةً} أى وإن يكن ما فى بطونها ميتة حين خروجه {فَهُم} أى ذكورنا وأزواجنا فيه شركاء فيه متعلق بشركاء، وإنما أنث خبر يكن مع أن اسمه مذكر معتبر فيه لفظ ما، لأن ميتة يطلق على المذكر والمؤنث، وهذه قراءة الجمهور، وعليها عاصم فى رواية حفص عنه، وروى أبو بكر عن عاصم: تكن ميتة بالتاء الفوقية برد الضمير المستتر فى تكن إلى ما باعتبار وقوع ما على الأجنة، وميتة بالنصب فى ذلك كله خبرا ليكون، وقرأ ابن كثير، وابن عامر بالفوقية، ورفع ميتة فذلك فعل وفاعل، ولا خبر ليكون، أى وإن حصلت ميتة مما فى بطونها، والميتة ولو وقعت على مذكر ويجوز تأنيثها، فلوقوع ميتة صالحا لمذكر أو مؤنث اعتبر التذكير لأنه الأصل، فقال: {فهم فيه} ولم يقل فيها، ولو فى قراءة من قرأ تكن بالفوقية، ونصب ميتة أو رفعه. وأما أن نجعل خالصة فى قراءتى التذكير بمعنى لبن خالص فيتعطل بقوله: {وإن يكن ميتة} فيتكلف له أن المعنى إنما فى بطونها من اللبن حلال الذكور فقط، وأن ما فيها من الجنين إن ولد ميتاً فهم شركاء فيه، والأخص به الذكور أيضا، فيعود ضمير يكن لما بالاعتبار أنه لبن، بل إنه جنين، وهذا استخدام، أو يختص هذا التفسير بقراءة رفع ميتة. {سيَجْزِيهم وصْفَهم} سيجزيهم بوصفهم بالنار، أى بجزاء وصفهم، أو سيجزيهم جزاء وصفهم، والمراد وصفهم ما يفعلونه من تلك الجهالات، لأنه من الله كما فى: {أية : لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} تفسير : {إنهُ حَكيمٌ} فى صنعه ومنه عقابه العصاة {عَليمٌ} بكل شئ فيجازى عليه، ومنه تحليلهم ما لم يحل الله، وتحريم ما لم يحرم الله.
اطفيش
تفسير : {وَقَالُوا مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ} البحائر والسوائب والوصائل، وما واقعة على الأَجنة ولذلك أَنث الخبر وأَفرد بتأْويل الجماعة كما أَن الأَجنة مفرد بتأْويل الجماعة، ولو كان جمع جنين وهو قوله {خَالِصَةٌ لِذكُورِنَا} وأَفرد الخبر المعطوف، وذكر باعتبار لفظ ما وهو قوله {وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} أَى نسائنا بدليل مقابلة الذكور، فقد يستدل به على جواز مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى، والمعروف العكس، وارتكب قيل للطف معنوى وهو موافقة القول للفعل من حيث إِن المعهود من ذوى المروءَة جبر قلوب الإِناث لضعفهن كما جاءَ الحديث فى الأطروفة أَن يبدأَ بالأُنثى من الأَولاد، وللطف لفظى وشبه الطباق بين خالصة وذكورنا وبين محرم وأَزواجنا. وعلى المعروف فالجواب أَن المعنى ونوع محرم على أَزواجنا، أَو خالصة ذكر مراعاة للفظ ما روعى لفظها فى محرم والتاء لمبالغة أَو للنقل كرجل راوية، أَو هو مصدر كعافية وعاقبة وقع موقع خالص، والمعنى أَن أَجنة البحائر والسوائب خالص للرجال دون النساء إِن ولدت حية لقوله تعالى {وإِنْ يكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ} أَى الذكور والنساء لأَن المراد بالأَزواج الإِناث ولو صبية فإِن الأُنثى قرينة للذكر فهى زوج له، وكل واحد من المقترنين زوج ولو باعتبار المقابلة، وضمير يكن عائد لما باعتبار اللفظ أَى إِن كان ما فى البطن ميتاً بأَن سقط ومات أَو سقط ميتاً أَو ماتت أمه أَو قتلت أَو ذبحت ووجد فيها ميتاً أَكله الذكور والإِناث والمراد بالميتة الذكر والأُنثى {فِيهِ} أَى فى بطون الأَنعام أَو فى الميتة، وذكر تغليباً للذكر الذى يعمه لفظ ما ويعم الأُنثى {شُرَكَاءُ} يأْكلون منه جميعاً {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أَى جزاءَ وصفهم ذلك بالتحليل والتحريم كذباً على الله، وتصف أَلسنتهم الكذب فى الحرث والأَنعام والأَجنة {إِنه حَكِيمٌ عَلِيمٌ} تعليل للجزاء جملى، أَى يجزيهم بالنار على وصفهم المذكور لأَنه حكيم فى صنعه عليم بخلقه لا يخفى عنه شئ ومن الحكمة أَلا يهملهم.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ} حكاية لفن آخر من فنون كفرهم. {مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ } يعنون به أجنة البحائر والسوائب كما روي عن مجاهد والسدي وروى ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم يعنون به الألبان، و «ما» مبتدأ خبره قوله سبحانه: {خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا} أي حلال لهم خاصة لا يشركهم فيه أحد من الإناث، والتاء للنقل إلى الإسمية أو للمبالغة كراوية الشعر أي كثير الرواية له أو لأن الخالصة مصدر ـ كما قال الفراء ـ كالعافية وقع موقع الخالص مبالغة أو بتقدير ذو وهذا مستفيض في كلام العرب تقول: فلان خالصتي أي ذو خلوصي، قال الشاعر: شعر : كنت أميني وكنت خالصتي وليس كل امرىء بمؤتمن تفسير : نعم قيل: مجيء المصدر بوزن فاعل وفاعلة قليل، وقيل: إن التاء للتأنيث بناء على أن «ما» عبارة عن الأجنة. والتذكير في قوله تعالى: {وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا} أي على جنس أزواجنا وهن الإناث باعتبار اللفظ، واستبعد ذلك بأن فيه رعاية المعنى أولاً واللفظ ثانياً وهو خلاف المعهود في الكتاب الكريم من العكس، وادعى بعض أن له نظائر فيه، منها قوله تعالى: { أية : كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } تفسير : [الإسراء: 38] إذ أنث فيه ضمير «كل» أولاً مراعاة للمعنى ثم ذكر حملاً على اللفظ، وقيل: إن ما هنا جار على المعهود من رعاية اللفظ أولاً لأن صلة «ما» جار ومجرور تقدير متعلقه استقر لا استقرت ولا وجه لذلك لأن المتعلق والضمير المستتر فيه لا يعلم تذكيره وتأنيثه حتى يكون مراعاة لأحد الجانبين، والذي يقتضيه الإنصاف أن الحمل على اللفظ بعد المعنى قليل وغيره أولى ما وجد إليه سبيل، وذكر بعضهم أن ارتكاب خلاف المعهود هٰهنا لا يخلو عن لطف معنوي ولفظي، أما الأول فموافقة / القول الفعل حيث إن المعهود من ذوي المروءة جبر قلوب الإناث لضعفهن. ولذا يندب للرجل إذا أعطى شيئاً لولده أن يبدأ بانثاهم، وأما الثاني فمراعاة ما يشبه الطباق بوجه بين خالصة وذكورنا وبين محرم وأزواجنا وهو كما ترى. {وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} عطف على ما يفهم من الكلام أي ذلك حلال للذكور محرم على الإناث إن ولد حياً وإن ولدت ميتة {فَهُمْ} أي الذكور والإناث {فِيهِ} أي فيما في بطون الأنعام، وقيل: الضمير للميتة إلا أنه لما كان المراد بها ما يعم الذكر والأنثى غلب الذكر فذكر الضمير كما فعل ذلك فيما قبله {شُرَكَاء} يأكلون منه جميعاً، وهذا الذي ذكر في هذه الشرطية إنما يظهر على القول الأول في تفسير الموصول، وأما على القول الثاني فيه فلا. ولعل الذي يقول به يقرأ الآية بإحدى الأوجه الآتية أو يتأول الضمير، وقرأ الأعرج وقتادة {خَالِصَةٌ} بالنصب وخرج ذلك على أنه مصدر مؤكد وخبر المبتدأ {لِّذُكُورِنَا}، وقال القطب الرازي: يجوز أن يكون حالاً من الضمير في الظرف الواقع صلة أي في حال خلوصه من البطون أي خروجه حياً، والتزم جعلها حالاً مقدرة ولعله ليس باللازم، ومنع غير واحد جعله حالاً من الضمير فيما بعده أو من ذكورنا نفسه لأن الحال لا تتقدم على العامل المعنوي كالجار والمجرور واسم الإشارة وها التنبيه العاملة بما تضمنته من معنى الفعل ولا على صاحبها المجرور كما تقرر في محله، وقرأ ابن جبير {خَالِصًا } بدون تاء مع النصب أيضاً؛ والكلام فيه نظير ما مر، وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش {خَالِصَةٌ } بالرفع والإضافة إلى الضمير على أنه بدل من ما أو مبتدأ ثان، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر «وإن تكن» بالتاء «ميتة» بالرفع، وابن كثير «يكن» بالياء وميتة بالرفع. وأبو بكر عن عاصم «تكن» بالتاء كابن عامر «ميتة» بالنصب. قال الإمام: «وجه قراءة ابن عامر أنه ألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل مؤنثاً في اللفظ، ووجه قراءة ابن كثير أن {مَيْتَةً} اسم {يَكُنِ} وخبره مضمر أي إن يكن لهم أو هناك ميتة، وذكر لأن الميتة في معنى الميت». وقال أبو علي: لم يلحق الفعل علامة التأنيث لأن تأنيث الفاعل المسند إليه غير حقيقي ولا تحتاج كان إلى خبر لأنها بمعنى وقع وحدث، ووجه القراءة الأخيرة أن المعنى وإن تكن الأجنة أو الأنعام ميتة. {سَيَجْزِيهِم} ولا بد {وَصْفَهُمْ } الكذب على الله تعالى في أمر التحليل والتحريم من قوله تعالى: { أية : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ } تفسير : [النحل: 62] وهو ـ كما قال بعض المحققين ـ من بليغ الكلام وبديعه فإنهم يقولون: وصف كلامه الكذب إذا كذب، وعينه تصف السحر أي ساحر، وقده يصف الرشاقة بمعنى رشيق مبالغة حتى كان من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما يشرحه له، قال المعري: شعر : سرى برق المعرة بعد وهن فبات برامة يصف الملالا تفسير : ونصب {وَصْفَهُمْ } على ما ذهب إليه الزجاج لوقوعه موقع مصدر «يجزيهم» فالكلام على تقدير المضاف أي جزاء وصفهم، وقيل: التقدير سيجزيهم العقاب بوصفهم أي بسببه فلما سقط الباء نصب {وَصْفَهُمْ }. {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } تعليل للوعد بالجزاء فإن الحكيم العليم بما صدر عنهم لا يكاد يترك جزاءهم الذي هو من مقتضيات الحكمة. واستدل بالآية على أنه لا يجوز الوقف على أولاده الذكور دون الإناث وأن ذلك الوقف يفسخ ولو بعد موت الواقف لأن ذلك من فعل الجاهلية، واستدل بذلك بعض المالكية على مثل ذلك/ في الهبة، وأخرج البخاري في «التاريخ» عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور من ولده إن هذا إلا كما قال الله تعالى: {خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا }.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: { أية : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر } تفسير : [الأنعام: 138]. وأعيد فعل: {قالوا} لاختلاف غرض المقول. والإشارة إلى أنعام معروفة بينهم بصفاتها، كما تقدّم، أو إلى الأنعام المذكورة قبل. ولا يتعلّق غرض في هذه الآية بأكثر من إجمال الأشياء الّتي حرموها لأنّ المقصود التّعجيب من فساد شرعهم كما تقدّم آنفاً، وهذا خبر عن دينهم في أجنّة الأنعام التي حجروها أو حرّموا ظهورها، فكانوا يقولون في أجنّة البحيرة والسّائبة: إذا خرجت أحياء يحلّ أكلها للذكور دون النّساء، وإذا خرجت ميّتة حلّ أكلها للذّكور والنّساء، فالمراد بما في البطون الأجنة لا محالة لقوله: {وإن يكن ميتة} وقد كانوا يقولون في ألبان البحيرة والسّائبة: يشربها الرّجال دون النّساء، فظنّ بعض المفسّرين أنّ المراد بما في بطون الأنعام ألبانها، وروي عن ابن عَبّاس، ولا ينبغي أن يكون هو معنى الآية ولكن محمل كلام ابن عبّاس أنّ ما في البطون يشمل الألبان لأنَّها تابعة للأجنّة وناشئة عن ولادتها. والخالصة: السّائغة، أي المباحة، أي لا شائبةَ حَرج فيها، أي في أكلها، ويقابله قوله: {ومحرم}. وتأنيث {خالصة} لأنّ المراد بمَا الموصولة {الأجِنَّة} فروعي معنى (ما) وروعي لفظ (ما) في تذكير {محرّم}. والمحرّم: الممنوع، أي ممنوع أكله، فإسناد الخلوص والتّحريم إلى الذّوات بتأويل تحريم ما تقصد له وهو الأكل أو هو والشرب بدلالة الاقتضاء. والأزواج جمع زوج، وهو وصف للشّيء الثّاني لغيره، فكلّ واحد من شيئين اثنين هو زوج، ولذلك سمّي حليل المرأة زوجاً وسمّيت المرأة حليلةُ الرّجل زوجاً، وهو وصف يلازم حالة واحدة فلا يُؤنث ولا يثنّى ولا يجمع. وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة } تفسير : في سورة البقرة (35). وظاهر الآية أن المراد أنّه محرّم على النساء المتزوّجات لأنّهم سمّوهنّ أزواجاً، وأضافوهنّ إلى ضميرهم، فتعيّن أنَّهن النّساء المتزوّجات بهم كما يقال: امرأة فلان. وإذا حملناه على الظاهر وهو الأوْلى عندي كان ذلك دالاً على أنّهم كانوا يتشاءمون بأكل الزّوجات لشيء ذي صفة كانوا يكرهون أن تصيب نساءَهم: مثللِ العقم، أو سوءِ المعاشرة مع الأزواج، والنّشوز، أو الفراق، أو غير ذلك من أوهام أهل الجاهليّة وتكاذيبهم، أو لأنّه نَتاج أنعام مقدّسة، فلا تحلّ للنّساء، لأنّ المرأة مرموقة عند القدماء قبل الإسلام بالنّجاسة والخباثة، لأجل الحيض ونحو ذلك، فقد كانت بنو إسرائيل يمنعون النّساء دخول المساجد، وكان العرب لا يؤاكلون الحائض، وقالت كبشة بنت معديكرب تعيّر قومها: شعر : ولا تَشرَبُوا إلاّ فُضُولَ نسائكم إذا ارتَمَلَتْ أعقابُهن منَ الدّم تفسير : وقال جمهور المفسّرين: أطلق الأزواج على النّساء مطلقاً، أي فهو مجاز مرسل بعلاقة الإطلاق والتّقييد، فيشمل المرأة الأيّم ولا يشمل البناتتِ، وقال بعضهم: أريد به البنات أي بمجاز الأوْل فلعلّهم كانوا يتشاءمون بأكل البنات منه أن يصيبهن عسر التّزوّج، أو ما يتعيَّرون منه، أو نحو ذلك. وكانت الأحوال الشّائعة بينهم دالّة على المراد. وأمّا قوله: {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} أي إنْ يولدْ ما في بطون الأنعام ميّتا جاز أكله للرّجال والأزواج، أو للرّجال والنّساء، أو للرّجال والنّساء والبنات، وذلك لأنّ خروجه ميّتا يبطل ما فيه من الشّؤم على المرأة، أو يذهب قداسته أو نحو ذلك. وقرأ الجمهور: {وإن يكن} ــــ بالتحتيّة ونصب {ميتة}. وقرأ ابنُ كثير ــــ برفع {ميتة} ــــ، على أنّ كان تامّة، وقد أجري ضمير: {يَكُن} على التّذكير: لأنّه جائز في الخبر عن اسم الموصول المفرد اعتبار التّذكير لتجرّد لفظه عن علامة تأنيث، وقد يراعى المقصود منه فيجري الإخبار على اعتباره، وقد اجتمعا في قوله تعالى: { أية : ومنهم من يستمع إليك حتّى إذا خرجوا من عندك } تفسير : [محمد: 16]. وقرأ ابنُ عامر ــــ بالفوقيّة ــــ على اتّباع تأنيث {خالصة}، أي إن تكن الأجنّة، وقرأ {ميتة} ــــ بالنّصب ــــ، وقرأه أبو بكر عن عاصم ــــ بالتّأنيث والنّصب ــــ. وجملة: {سيجزيهم وصفهم} مستأنفة استئنافاً بيانياً، كما قلتُ في جملة: { أية : سيجزيهم بما كانوا يفترون } تفسير : [الأنعام: 138] آنفاً. والوصف: ذكر حالات الشّيء الموصوف وما يتيمّز به لمن يريد تمييزه في غرض ما، وتقدّم في قوله: { أية : سبحانه وتعالى عمّا يصفون } تفسير : في هذه السّورة (100). والوصف، هنا: هو ما وصفوا به الأجنّة من حِلّ وحرمَة لفريق دون فريق، فذلك وصف في بيان الحرام والحلال منه كقوله تعالى: { أية : ولا تَقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } تفسير : [النحل: 116]. وجزاؤهم عنه هو جزاء سوءٍ بقرينة المقام، لأنّه سمّى مزاعمهم السّابقة افتراء على الله. وجُعل الجزاء متعدّيا للوصف بنفسه على تقدير مضاف، أي: سيجْزيهم جزاءَ وصفهم. ضمّن {يجزيهم} معنى يُعطيهم، أي جزاء وفاقاً له. وجملة: {إنه حكيم عليم} تعليل لكون الجزاء موافقا لجرُم وصفهم. وتؤذن (إنّ) بالربط والتّعليل، وتُغني غناء الفاء، فالحكيم يضع الأشياء مواضعها، والعليم يطّلع على أفعال المجزيين، فلا يضيع منها ما يستحقّ الجزاء.
الواحدي
تفسير : {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام} يعني: أجِنَّة ما حرَّموها من البحائر والسَّوائب {خالصةٌ لذكورنا} حلالٌ للرِّجال خاصَّة دون النِّساء. هذا إذا خرجت الأجنَّة أحياء، وإن كان ميتةً اشترك فيها الرِّجال والنِّساء {سيجزيهم وصفهم} سيجزيهم الله جزاء وصفهم الذي هو كذبٌ، أَيْ: سيعذِّبهم الله بما وصفوه من التَّحليل والتَّحريم الذي كلُّه كذبٌ {إنه حكيم عليم} أَيْ: هو أعلم وأحكم من أن يفعل ما يقولون. {قد خسر الذين قتلوا أولادهم} بالوأد {سفهاً} للسَّفه {وحرَّموا ما رزقهم الله} من الأنعام. يعني: البحيرة وما ذُكر معها. {وهو الذي أنشأ} أبدع وخلق {جنات معروشات} يعني: الكرم {وغير معروشات} ما قام على ساق ولم يُعرش له، كالنَّخل والشَّجر {والنخل والزرع مختلفاً أكله} أُكُلُ كلِّ واحدٍ منهما، وكلِّ نوعٍ من الثَّمر له طعمٌ غير طعم النَّوع الآخر، وكلُّ حبٍّ من حبوب الزَِّرع له طعمٌ غير طعم الآخر {كلوا من ثمره إذا أثمر} أمر إباحة {وآتوا حقه يوم حصاده} يعني: العشر ونصف العشر {ولا تسرفوا} فتعطوا كلَّه حتى لا يبقى لعيالكم شيء {إنه لا يحب المسرفين} يعني: المجاوزين أمر الله. {ومن الأنعام} وأنشأ من الأنعام {حمولة} وهي كلُّ ما حمل عليها ممَّا أطاق العمل والحمل {وفرشاً} وهو الصِّغار التي لا يحمل عليها، كالغنم، والبقر، والإِبل الصِّغار {كلوا مما رزقكم الله} أَيْ: أحلَّ لكم ذبحه {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} في تحريم شيءٍ ممَّا أحله الله {إنه لكم عدو مبين} بيِّنُ العداوة أخرج أباكم من الجنَّة، وقال: لأحتنكنَّ ذريته، ثمَّ فسر الحمولة والفرش فقال: {ثمانية أزواج} الذَّكر زوجٌ، والأنثى زوجٌ، وهي الضَّأن والمعز، وقد ذُكرا في هذه الآية، والإِبل والبقر ذُكرا فيما بعد، وجعلها ثمانيةً؛ لأنَّه أراد الذَّكر والأُنثى من كلِّ صنفٍ، وهو قوله: {من الضَّأن اثنين ومن المعز اثنين} والضَّأن: ذوات الصُّوف من المعز، والغنم: ذوات الشَّعر {قل} يا محمَّد للمشركين الذين يُحرِّمون على أنفسهم ما حرَّموا من النَّعم: {آلذكرين} من الضَّأن والمعز {حرَّم} الله عليكم {أم الأُنثيين} فإن كان حرَّم من الغنم ذكورها، فكلُّ ذكورها حرام، وإن كان حرَّم الأنثيين، فكلُّ الإِناث حرام {أمَّا اشتملت عليه أرحام الأُنثيين} وإن كان حرَّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضَّأْنِ والمعز، فقد حرَّم الأولاد كلَّها، وكلُّها أولادٌ فكلُّها حرام {نبئُوني بعلم} أَيْ: فسِّروا ما حرَّمتم بعلمٍ إن كان لكم علمٌ في تحريمه، وهو قوله: {إن كنتم صادقين}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 139- ومن أوهام هؤلاء المشركين أنهم يقولون: ما فى بطون الأنعام التى جعلوها ممنوعة محجورة لا تذبح ولا تركب، ما فى بطونها من أجِنَّة خالص للذكور من الرجال، ويُحْرَم منه النساء، ومع ذلك إذا نزل ميتاً فهم شركاء فيه، يأكلون منه، سيجزيهم الله تعالى على كذبهم الذى وصفوا به فعلهم، إذ ادَّعَوْا أن هذا التحريم من عند الله تعالى، وإن الله عليم بكل شئ، حكيمٌ، كل أفعاله على مقتضى الحكمة وهو يجزى الآثمين بإثمهم. 140- وقد خسر أولئك الذين قتلوا أولادهم حمقا ووهما، غير عالمين مغبّة عملهم ودَاعِيه، وحرَّموا على أنفسهم ما رزقهم الله من زرع وحيوان، مفترين على الله بادعاء أنه هو الذى حرم، وقد بعدوا عن الحق بسبب ذلك، وما كانوا بسبب هذا الافتراء ممن يتصفون بالهداية. 141- الله - وحده - هو الذى خلق حدائق من الكرم، منها ما يغرس ويرفع على دعائم، ومنها ما لا يقوم على دعائم وخلق النخل والزرع الذى يخرج ثمراً مختلفاً فى اللون والطعم والشكل والرائحة وغير ذلك، وخلق الزيتون والرمان متشابهاً فى بعض الصفات وغير متشابه فى بعضها الآخر، مع أن التربة قد تكون واحدة وتسقى جميعها بماء واحد. فكلوا من ثمرها إذا طاب لكم، وأخرجوا منها الصدقة عند نضجها وجمعها، ولا تسرفوا فى الأكل فتضروا أنفسكم وتضروا الفقراء فى حقهم، إن الله لا يرضى عن المسرفين فى تصرفاتهم وأعمالهم. 142- وخلق الله من الأنعام - وهى الإبل والبقر والماعز - ما يحمل أثقالكم، وما تتخذون من أصوافها وأوبارها وأشعارها فراشا، وهى رزق الله لكم، فكلوا ما أحل الله منها ولا تتبعوا الشيطان وأولياءه فى افتراء التحليل والتحريم، كما كان يفعل أهل الجاهلية. إن الشيطان لا يريد لكم الخير، لأنه عدو ظاهر العداوة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَنْعَامِ} {أَزْوَاجِنَا} (139) - وَخَصَّصُوا نِتَاجَ البَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ لِذُكُورِهِمْ، وَحَرَّمُوهُ عَلَى إِنَاثِهِمْ، فَلاَ تَشْرَبُ الإِنَاثَ مِنْ لَبَنِ هَذِهِ الأَنْعَامِ، وَإذَا وَلَدَتْ ذَكَراً كَانَ لَحْمُهُ مُخَصَّصاً لِلذُكُورِ دُونَ الإِنَاثِ، أَمَّا إِذا وَلَدَتْ أُنْثَى فَتُتْرَكُ لِلنِّتَاجِ. وَإِذَا وَلَدَتْ مَوُلُوداً مَيِّتاً اشْتَرَكَ فِي أَكْلِهِ الذُّكُورُ وَالإِنَاثُ. وَسَيَجْزِيهِمِ اللهُ تَعَالَى عَلَى قَوْلِهِم الكَذِبَ فِي ذَلِكَ، إِذِ ادَّعُوا أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ قَدْ أَمَرَهُمْ بِهِ اللهُ تَعَالَى (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) إِنَّهُ تَعَالَى حَكِيمٌ فِي أَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ، عَلِيمٌ بِأَعْمَالِ العِبَادِ. البَحِيرَةُ - المَشْقُوقَةُ الأُذْنِ مِنَ الأَنْعَامِ. السَّائِبَةُ - التِي تُسَيَّبُ وَتُتْرَكُ لِلآلِهَةِ فَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهَا أَحَدٌ. سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ - سَيَجْزِيهِمْ كَذِبَهُمْ عَلى اللهِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويقودهم الباطل إلى باطل آخر فادعوا أن ما في بطون هذه الأنعام من اللبن ومن الأجنة إذا نزلت حيّة فهي للذكور منهم فقط، ولا تأكل النساء من ذلك شيئاً، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء وهذا يدل على التشقيق في القسمة. ويذيل الحق الآية بالقول الكريم: {..سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 139] أي سيجزيهم على كذبهم وافترائهم بما يليق عقاباً للكاذبين؛ لأنه- سبحانه- (حكيم) في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره (عليم) بما يفعلونه من خير وشر، وإنه سيجازيهم على ما فعلوه أتم الجزاء وأكمله. ويقول الحق من بعد ذلك: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ...}
همام الصنعاني
تفسير : 858- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا}: [الآية: 139]، قال: ما في بطون البحائر يعني ألْبَانَهَا كانوا يجعلونه للرجال دون النساء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):