Verse. 929 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قَدْ خَسِرَ الَّذِيْنَ قَتَلُوْۗا اَوْلَادَہُمْ سَفَہًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَّحَرَّمُوْا مَا رَزَقَہُمُ اللہُ افْتِرَاۗءً عَلَي اؘ۝۰ۭ قَدْ ضَلُّوْا وَمَا كَانُوْا مُہْتَدِيْنَ۝۱۴۰ۧ
Qad khasira allatheena qataloo awladahum safahan bighayri AAilmin waharramoo ma razaqahumu Allahu iftiraan AAala Allahi qad dalloo wama kanoo muhtadeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قد خسر الذين قتلوا» بالتخفيف والتشديد «أولادهم» بالوأد «سفها» جهلا «بغير علم وحرَّموا ما رزقهم الله» مما ذكر «افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين».

140

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى ذكر فيما تقدم قتلهم أولادهم وتحريمهم ما رزقهم الله. ثم إنه تعالى جمع هذين الأمرين في هذه الآية وبين ما لزمهم على هذا الحكم، وهو الخسران والسفاهة، وعدم العلم، وتحريم ما رزقهم الله، والافتراء على الله، والضلال وعدم الاهتداء، فهذه أمور سبعة وكل واحد منها سبب تام في حصول الذم. أما الأول: وهو الخسران، وذلك لأن الولد نعمة عظيمة من الله على العبد، فإذا سعى في إبطاله، فقد خسر خسراناً عظيماً لا سيما ويستحق على ذلك الإبطال الذم العظيم في الدنيا، والعقاب العظيم في الآخرة. أما الذم في الدنيا فلأن الناس يقولون قتل ولده خوفاً من أن يأكل طعامه وليس في الدنيا ذم أشد منه. وأما العقاب في الآخرة، فلأن قرابة الولادة أعظم موجبات المحبة فمع حصولها إذا أقدم على إلحاق أعظم المضار به كان ذلك أعظم أنواع الذنوب، فكان موجباً لأعظم أنواع العقاب. والنوع الثاني: السفاهة وهي عبارة عن الخفة المذمومة، وذلك لأن قتل الولد إنما يكون للخوف من الفقر، والفقر وإن كان ضرراً إلا أن القتل أعظم منه ضرراً، وأيضاً فهذا القتل ناجز وذلك الفقر موهوم فالتزام أعظم المضار على سبيل القطع حذراً من ضرر قليل موهوم، لا شك أنه سفاهة. والنوع الثالث: قوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ } فالمقصود أن هذه السفاهة إنما تولدت من عدم العلم ولا شك أن الجهل أعظم المنكرات والقبائح. والنوع الرابع: تحريم ما أحل الله لهم، وهو أيضاً من أعظم أنواع الحماقة، لأنه يمنع نفسه تلك المنافع والطيبات، ويستوجب بسبب ذلك المنع أعظم أنواع العذاب والعقاب. والنوع الخامس: الافتراء على الله، ومعلوم أن الجراءة على الله، والافتراء عليه أعظم الذنوب وأكبر الكبائر. والنوع السادس: الضلال عن الرشد في مصالح الدين ومنافع الدنيا. والنوع السابع: أنهم ما كانوا مهتدين، والفائدة فيه أنه قد يضل الإنسان عن الحق إلا أن يعود إلى الاهتداء، فبين تعالى أنهم قد ضلوا ولم يحصل لهم الاهتداء قط فثبت أنه تعالى ذم الموصوفين بقتل الأولاد وتحريم ما أحله الله تعالى لهم بهذه الصفات السبعة الموجبة لأعظم أنواع الذم، وذلك نهاية المبالغة.

القرطبي

تفسير : أخبر بخسرانهم لِوَأْدِهِم البنات وتحريمهم البَحِيرة وغيرها بعقولهم؛ فقتلوا أولادهم سَفَهاً خوف الإملاق، وحجروا على أنفسهم في أموالهم ولم يخشُوا الإملاق؛ فأبان ذلك عن تناقض رأيهم. قلت: إنه كان من العرب من يقتل ولده خَشْية الإملاق؛ كما ذكر الله عز وجل في غير هذا الموضع. وكان منهم من يقتله سَفهاً بغير حجة منهم في قتلهم؛ وهم ربيعة ومُضَر، كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحَمِيّة. ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله؛ فألحقوا البنات بالبنات. حديث : ورُوِي أن رجلاً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كان لا يزال مغتماً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مالك تكون محزوناً»؟ فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنباً في الجاهلية فأخاف ألاّ يغفره الله لي وإن أسلمتٰ فقال له: «أخبرني عن ذنبك». فقال: يا رسول الله، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فوُلِدَت لي بِنت فتشفّعْت إليّ ٱمرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبِرْت وأدركتْ، وصارت من أجمل النساء فخطبوها؛ فدخلتني الحَمِيّة ولم يحتمل قلبي أن أزوّجها أو أتركها في البيت بغير زوج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبِيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فٱبعثيها معي، فسُرّت بذلك وزينتها بالثياب والحُلِيّ، وأخذت عليّ المواثيق بألاّ أخونها، فذهبتُ بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطِنت الجارية أني أريد أن ألقِيها في البئر؛ فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول: يا أبتٰ أيْشِ تريد أن تفعل بيٰ فرحمتها، ثم نظرتُ في البئر فدخلت عليّ الحمِيّة، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيّع أمانة أمِّي؛ فجعلت مرةً أنظر في البئر ومرّة أنظر إليها فأرحمها، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسةً، وهي تنادي في البئر: يا أبت، قتلتني. فمكثتُ هناك حتى ٱنقطع صوتُها فرجعتُ. فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال: «لو أُمِرْتُ أن أعاقب أحداً بما فعل في الجاهلية لعاقبتك».

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة، فيصيرون إلى أسوأ المنازل؛ بكذبهم على الله وافترائهم؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَـٰعٌ فِي ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } تفسير : [يونس:69-117] وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام: { قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} وهكذا رواه البخاري منفرداً في كتاب مناقب قريش من صحيحه، عن أبي النعمان محمد بن الفضل عارم، عن أبي عوانة، واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر، واسمه جعفر بن أبي وحشية بن إياس به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُواْ } بالتخفيف والتشديد {أَوْلاَدَهُمْ } بالوأد {سَفَهاً } جهلاً {بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ } مما ذكر {ٱفْتِرَاءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }.

ابن عطية

تفسير : هذا لفظ يتضمن التشنيع بقبح فعلهم والتعجب من سوء حالهم في وأدهم البنات وحجرهم الأنعام والحرث، وقال عكرمة: وكان الوأد في ربيعة ومضر. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وكان جمهور العرب لا يفعله، ثم إن فاعليه كان منهم من يفعله خوف العيلة والأقتار وكان منهم من يفعله غيرة مخافة السباء وقرأ ابن عامر وابن كثير: "قتّلوا" بتشديد التاء على المبالغة وقرأ الباقون: "قتلوا" بتخفيفها و {ما رزقهم الله}: هي تلك الأنعام والغلات التي توقف بغير شرع ولا مثوبة في معاد بل بالافتراء على الله والكذب و {قد ضلوا} إخباراً عنهم بالحيرة وهو من التعجيب بمنزلة قوله {قد خسر} ، {وما كانوا} يريد في هذه الفعلة ويحتمل أن يريد: وما كانوا قبل ضلالهم بهذه الفعلة مهتدين لكنهم زادوا بهذه الفعلة ضلالاً وقوله تعالى: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات} الآية هذا تنبيه على مواضع الاعتبار و {أنشأ} معناه خلق واخترع "والجنة" مأخوذة من جن إذا ستر، و {معروشات} قال ابن عباس: ذلك في ثمر العنب، ومنها ما عرش وسمك ومنها ما لم يعرش وقال السدي "المعروشات" ما عرش كهيئة الكرم، وغيره البساتين وقيل: المعروش هو ما يعترشه بنو آدم من أنواع الشجر وغير المعروش ما يحدث في الجبال والصحراء ونحو ذلك وقيل: المعروش ما خلق بحائط وغير المعروش ما لم يخلق، و {مختلفاً} : نصب على الحال على تقدير حصول الاختلاف في ثمرها لأنها حين الإنشاء لا ثمرة فيها فهي حال مقدرة تجيء بعد الإنشاء، و {متشابهاً} يريد في المنظر، {وغير متشابه} في المطعم قاله ابن جريج وغيره وقوله {كلوا من ثمره} نفس الإباحة وهو مضمن الإشارة إلى النعمة بذلك، ويقرأ "من ثُمره" بضم الثاء وقد تقدم، {وآتوا حقه يوم حصاده} فقالت طائفة من أهل العلم: هي في الزكاة المفروضة منهم ابن عباس وأنس بن مالك والحسن بن أبي الحسن وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب وقتادة ومحمد بن الحنفية والضحاك وزيد بن أسلم وابنه، وقاله مالك بن أنس. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قول معترض بأن السورة مكية وهذه الآية على قول الجمهور غير مستثناة، وحكى الزجّاج أن هذه الآية قيل فيها إنها نزلت بالمدينة، ومعترض أيضاً بأنه لا زكاة فيما ذكر من الرمان وجميع ما هو في معناه، وقال ابن الحنفية أيضاً وعطاء ومجاهد وغيرهم من أهل العلم: بل قوله {وآتوا حقه} ندب إلى إعطاء حقوق من المال غير الزكاة، والسنة أن يعطي الرجل من زرعه عند الحصاد وعند الذرو وعند تكديسه في البيدر، فإذا صفا وكال أخرج من ذلك الزكاة، وقال الربيع بن أنس حقه وإباحة لقط السنبل، وقالت طائفة كان هذا حكم صدقات المسلمين حتى نزلت الزكاة المفروضة فنسختها. وروي هذا عن ابن عباس وابن الحنفية وإبراهيم والحسن، وقال السدي في هذه السورة مكية نسختها الزكاة فقال له سفيان عمن قال عن العلماء. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والنسخ غير مترتب في هذه الآية، لأن هذه الآية وآية الزكاة لا تتعارض بل تنبني هذه على الندب وتلك على الفرض، وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي "حِصاده" وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر "حَصاده" بفتح الحاء وهما لغتان في المصدر، وقوله تعالى: {ولا تسرفوا} الآية، من قال إن الآية في الزكاة المفروضة جعل هذا النهي عن الإسراف إما للناس عن التمنع عن أدائها لأن ذلك إسراف من الفعل وقاله سعيد بن المسيب، وإما للولاة عن التشطط على الناس والإذاية لهم فذلك إسراف من الفعل، وقاله ابن زيد، ومن جعل الآية على جهة الندب إلى حقوق غير الزكاة ترتب له النهي عن الإسراف في تلك الحقوق لما في ذلك من الإجحاف بالمال وإضاعته. وروي أن الآية نزلت بسبب لأن ثابت بن قيس بن شماس حصد غلة له فقال والله لا جاءني اليوم أحد إلا أطعمته فأمسى وليس عنده ثمرة، فنزلت هذه الآية، وقال أبو العالية كانوا يعطون شيئاً عند الحصاد ثم تباروا وأسرفوا فنزلت الآية، ومن قالها إنها منسوخة ترتب له النهي في وقت حكم الآية.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم} قال عكرمة: نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر وكان الرجل يقاضي الرجل على أن يستحيي جارية ويئد أخرى فإذا كانت الجارية التي توأد غدا الرجل أو راح من عندها امرأته وقال لها أنت عليّ كظهر أمي إن رجعت إليك ولم تئديها فتخدّ لها في الأرض خداً وترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها ثم يتداولنها بينهن حتى إذا أبصرته راجعاً دستها في حفرتها ثم سوت عليها التراب. وقال قتادة: هذا من صنيع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل ابنه مخافة السبي والفاقة ويفدو كلبه. أما سبب الخسران المذكور في قوله قد خسر الذين قتلوا أولادهم: أن الولد نعمة عظيمة أنعم الله بها على الوالد فإذا تسبب الرجل في إزالة هذه النعمة عنه وإبطالها فقد استوجب الذم وخسر في الدنيا والآخرة، أما اخسارته في الدنيا فقد سعى في نقص عدده وإزالة ما أنعم الله به عليه. وأما خسارته في الآخرة فقد استحق بذلك العذاب العظيم. وقوله {سفها بغير علم} يعني فعلوا ذلك للسفاهة وهي الخفة والجهالة المذومومة وسبب حصول هذه السفاهة هو قلة العلم بل عدمه لأن الجهل كان هو الغالب عليهم قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا سموا جاهلية وقوله تعالى: {وحرموا ما رزقهم الله} يعني البحائر والسوائب والحامي وبعض الحروث وبعض ما في بطون الأنعام، وهذا أيضاً من أعظم الجهالة {افتراء على الله} يعني أنهم فعلوا هذه الأفعال المذمومة وزعموا أن الله أمرهم بذلك وهذا افتراء على الله وكذب وهذا أيضاً من أعظم الجهالة لأن الجرأة على الله والكذب عليه من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر ولهذا قال تعالى: {قد ضلوا} يعني في فعلهم عن طريق الحق والرشاد {وما كانوا مهتدين} يعني إلى طريق الحق والصواب في فعلهم (خ). عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم إلى قوله {قد ضلوا وما كانوا مهتدين}. قوله عز وجل: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات} يعني والله الذي ابتدع وخلق جنات يعني بساتين معروشات {وغير معروشات} يعني مسموكات مرتفعات وغير مرتفعات وأصل العرش في اللغة شيء مسقف يجعل عليه الكرم وجمعه عروش يقال عرشت الكرم أعرشه عرشاً وعرشته تعريشاً إذا جعلته كهيئة السقف واعترش العنب العريش إذا علاه وركبه. واختلفوا في معنى قوله {معروشات وغير معروشات} فقال ابن عباس: المعروشات ما انبسط على الأرض وانتشر مما يعرش مثل الكرم والقرع والبطيخ ونحو ذلك وغير معروشات ما قام على ساق ونسق كالنخل والزرع وسائر الشجر. وقال الضحاك: كلاهما في الكرم خاصة لأن منه ما يعرش ومنه ما لم يعرش بل يلقى على وجه الأرض منبسطاً، وقيل: المعروشات ما غرسه الناس في البساتين واهتموا به فعرشوه من كرم وغيره وغير معروشات وهو ما أنبته الله في البراري والجبال من كرم أو شجر {والنخل والزرع} يعني وأنشأ النخل والزرع وهو جميع الحبوب التي تقتات وتدخر {مختلفاً أكله} يعني به اختلاف الطعوم في الثمار كالحلو والحامض والجيد والرديء ونحو ذلك {والزيتون والرمان متشابهاً} يعني في المنظر {وغير متشابه} يعني في المطعم كالرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف، وقيل: إن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان ولكن ثمرتهما مختلفة في الجنس والطعم {كلوا من ثمره إذا أثمر} لما ذكر ما أنعم الله به على عباده من خلق هذه الجنات المحتوية على أنواع من الثمار ذكر ما هو المقصود الأصلي وهو الانتفاع بها، فقال تعالى: كلوا من ثمره إذا أثمر، وهذا أمر إباحة. وتمسك بهذا بعضهم فقال: الأمر قد يرد إلى غير الوجوب لأن هذه الصيغة مفيدة لدفع الحجر. وقال بعضهم: المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق لأنه تعالى لما أوجب الزكاة في الحبوب والثمار كان يحتمل أن يحرم على المالك أن يأكل منها شيئاً قبل إخراج الواجب فيها لمكان شركة الفقراء والمساكين معه فأباح الله أن يأكل قبل إخراجه لأن رعاية حق النفس مقدمة على رعاية حق الغير وقيل إنما قال تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر بصيغة الأمر ليعلم أن المقصود من خلق هذه الأشياء التي أنعم الله بها على عباده وهو الأكل {وآتوا حقّه يوم حصاده} يعني يوم جذاذه وقطعه. واختلفوا في هذا الحق المأمور بإخراجه، فقال ابن عباس وأنس بن مالك: هو الزكاة المفروضة. وهذا قول طاوس والحسن وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب ومحمد بن الحنفية وقتادة. قال قتادة في قوله {وآتوا حقه يوم حصاده} أي من الصدقة المفروضة ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سن فيما سقت السماء والعين السائحة أو سقاه النيل والندى أو كان بعلاً العشر كاملاً وإن سقي بنضح أو سانية فنصف العشر وهذا فيما يكال من الثمرة أو الزرع وبلغ خمسة أوسق وذلك ثلمثائة صاع فقد وجب فيها حق الزكاة وفي رواية عن ابن عباس في قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} قال هو العشر ونصف العشر. فإن قلت على هذا التفسير إشكال وهو أن فرض الزكاة كان بالمدينة وهذه السورة مكية فكيف يمكن حمل قوله وآتوا يوم حصاده على الزكاة المفروضة، قلت: ذكر ابن الجوزي في تفسيره عن ابن عباس وقتادة: إن هذه الآية نزلت بالمدينة فعلى هذا القول تكون الآية محكمة نزلت في حكم الزكاة وإن قلنا إن هذه الآية مكية تكون منسوخة بآية الزكاة، لأنه قد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن وقيل في قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} أنه حق سوى الزكاة فرض يوم الحصاد وهو إطعام من حضر وترك ما سقط من الزرع والثمر، وهذا قول علي بن الحسن وعطاء ومجاهد وحماد. قال إبراهيم: هو الضغث، وقال الربيع: هو لقاط السنبل، وقل مجاهد: كانوا يجيئون بالعذق عند الصرام فيأكل منه من مر. وقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق فيعلقونه في جانب المسجد فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فما سقط منه أكله فعلى هذا القول هل هذا الأمر أمر وجوب أو استحباب وندب فيه قولان: أحدهما: أنه أمر وجوب فيكون منسوخاً بآية الزكاة. وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي "حديث : هل علي غيرها قال إلا أن تطوع ". تفسير : والقول الثاني: إنه أمر ندب واستحباب فتكون الآية محكمة، وقال سعيد بن جبير: كان هذا حقاً يؤمر بإخراجه في ابتداء الإسلام ثم صار منسوخاً بإيجاب العشر، ولقول ابن عباس: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن واختار هذا القول الطبري وصححه واختار الواحدي والرازي القول الأول وصححاه. فإن قلت: فعلى القول الأول كيف تؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل وإنما يجب الإخراج بعد التصفية والجفاف، قلت: معناه قدروا أداء إخراج الواجب منه يوم الحصاد فإنه قريب من زمان التنقية والجفاف ولأن النخل يجب إخراج الحق منه يوم حصاده وهو الصرام والزرع محمول عليه إلا أنه لا يمكن إخراج الحق منه إلا بعد التصفية. وقيل معناه وآتوا حقه الذي وجب يوم حصاده بعد التصفية، وقيل: إن فائدة ذكر الحصاد أن الحق لا يجب بنفس الزرع وبلوغه إنما يجب يوم حصاده وحصوله في يد مالكه لا فيما يتلف من الزرع قبل حصوله في يد مالكه. قوله تعالى: {ولا تسرفوا} الإسراف تجاوز الحد فيما يفعله الإنسان وإن كان في الإنفاق أشهر وقيل السراف تجاوز ما حد لك وسرف المال إنفاقه في غير منفعة. ولهذا قال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سرف وإن كان قليلاً. قال ابن عباس في رواية عنه: عمد ثابت بن قيس بن شماس فصرم خمسمائة نخلة فقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيء فأنزل الله هذه الآية {ولا تسرفوا} قال السدي: معناه لا تعطوا أموالكم وتقعدوا فقراء. قال الزجاج فعلى هذا لو أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف لأنه قد صح في الحديث "حديث : ابدأ بمن تعول"تفسير : . وقال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة فتأويل الآية على هذا القول لا تجاوزوا الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد إلا أن الأول في البذل والإعطاء والثاني في الإمساك والبخل، وقال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام وهذا القول أيضاً يرجع إلى مجاوزة الحد لأن من شرك الأصنام في الحرث والأنعام فقد جاوز ما حد له. وقال الزهري: معناه لا تنفقوا في معصية الله عز وجل. وقال مجاهد: الإسراف ما قصرت به في حق الله تعالى ولو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقته في طاعة الله لم تكن مسرفاً ولو أنفقت درهماً أو مداً في معصية الله كنت مسرفاً. وقال ابن زيد: إنما خوطب بهذا السلطان نهي أن يأخذ من رب المال فوق الذي ألزم الله ماله. يقول الله عز وجل للسلاطين: لا تسرفوا أي لا تأخذوا بغير حق فكانت الآية بين السلطان وبين الناس. وقوله تعالى: {إنه لا يحب المسرفين} فيه وعيد وزجر عن الإسراف في كل شيء لأن من لا يحبه الله فهو من أهل النار.

ابن عادل

تفسير : هذا جواب قسم مَحْذُوف وقرأ ابن كثير وابن عامر، وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن: "قَتَّلُوا" بالتشديد؛ مُبَالغَة وتكثيراً، والباقون بالتَّخْفِيف. و "سَفَهاً" نصب على الحالِ، أي: ذوي سَفَهٍ أو على المَفْعُول من أجْلِه، وفيه بُعْدٌ؛ لأنه ليس عِلَّة بَاعِثة أو عَلَى أنه مصدر لِفِعْل مقدَّر، أي: سَفَهُوا سَفَهاً أو على أنه مَصْدر على غير الصَّدْر؛ لأن هذا القَتْل سَفَهٌ. وقرأ اليماني "سُفَهاء" على الجَمْع، وهي حال وهذه تقوِّي كون قراءة العامَّة مَصْدَراً في موضع الحالِ، حيث صرّح بها، و "بِغَيْر عِلِمٍ": إما حالٌ أيضاً وإما صِفَة لـ "سَفَهاً" وليس بِذَاكَ. فصل في إلزام الكفار الخسران. واعلم أنه - تبارك وتعالى - ذكر فيما تقدَّم قَتْلَهم أولادهم وتحريمهم ما رَزَقَهم الله، ثم إنه - تبارك وتعالى - جمع هَذَيْن الأمْرَيْن في هذه الآية الكريمة، وبيَّن ما لَزمهم على هذا الحكم وهو الخُسْرَان والسَّفَاهة وعدم العِلم، وتَحْرِيم ما رَزَقَهم الله والافتراء على اللَّه، والضَّلال وعدم الاهْتِداء، فهذه أمور سَبْعَة وكل واحد منها سَبَبٌ تامٌّ في حصول الذَّمِّ، أما الخُسْرَان: فلأن الولد نِعْمة عَظِيمة على العَبْد من الله، فمن سَعَى في إبْطَالهِ، فقد خَسِر خُسْرَاناً عظيماً، ولا سيَّما يستحق على ذلك الإبْطَال الذَّم العَظِيم في الدُّنْيَا والعِقَاب في الآخرة، أما لذم في الدُّنيا: فلأن النَّاسَ يَقُولون: قَتَلَ وَلَدَهُ خوفاً من أن يَأكُل طعامه، وليس في الدُّنْيا ذَمٌّ أشد منه. وأما العِقَاب في الآخِرة: فلأن قرابة الولادَة أعظم مُوجبات المحبَّة، فمع حُصُولها إذا أقدم على إلْحاق أعْظَم المَضارِّ به، كان ذلك أعْظَم أنْوَاع الذُّنُوب، فكان مُوجباً لأعْظَم أنْواع العقاب. وأما السَّفَاهة: فهي عِبَارة عن الخِفَّة المذمومة؛ وذلك لأن قَتْل الولد إنما يكون للخَوف من الفَقْر، والفقر وإن كان ضَرراً إلاَّ أن القَتْل أعْظَم منه، وأيضاً فهذا القَتْل نَاجِزٌ وذلك الفقر مَوْهُوم، فالتزام أعْظَم المضارِّ على سبيل القَطْع حَذَراً من ضرر موهُوم لا شَكَّ أنه سَفَاهة. وأما قوله: "بِغَيْر عِلْمِ" فالمقصود أن هذه السِّفاهة إنما تولَّدت من عدم العلم، ولا شك أن الجهل أعظم المُنْكَرات والقَبَائح. وأما تَحْرِيم ما رَزَقَهُم اللَّه: فهو من أعْظَم أنْواع الحَمَاقَة؛ لأنه يتبعه أعْظَم أنْوَاع العذاب. وأما الافْتِراء على اللَّه: فلا شَكَّ أن الجُرْأة على اللَّه، والافْتِرَاء عليه أعظم الذُّنُوب وأكبر الكبائر. وأما الضلال: فهو عِبَارة عن الضَّلال عن الرُّشد في مصالح الدِّين ومنافع الدُّنْيَا. وأما قوله: {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين} فالفَائِدة فيه أنَّه قد يضِلُّ الإنْسَان عن الحقِّ، إلا أنَّه يعُود إلى الاهتداء، فبين - تبارك وتعالى- أنَّهُم قد ضَلُّوا ولم يَحْصل لهم الاهْتِداء قط، وهذا نِهَاية المُبَالغة في الذِّمِّ. فصل في نزول الآية قال المفسِّرون: نزلت هذه الآية في رَبِيعة ومُضَر وبَعْض من العرب وغيرهم، كانوا يَدْفِنُون البَنَات أحْيَاء مخافة السَّبْي والفَقْر، وكان بنو كَنَانة لا يَفْعَلُون ذلك وحَرَّموا ما رَزَقَهُم اللَّه يعني بالبَحيرة والسَّائِبة والوَصِيلة والحَامِي افترِاءً على اللَّهِ، حيث قَالُوا: إن الله أمَرهُم بهذا {قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر تعالى تفاصيل سفههم، وأشار إلى معانيها، جمعها - وصرح بما أثمرته من الخيبة - في سبع خلال كل واحدة منها سبب تام في حصول الندم فقال: {قد خسر} وأظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {الذين قتلوا} قرأها ابن عامر وابن كثير بالتشديد لإرادة التكثير والباقون بالتخفيف {أولادهم سفهاً} أي خفة إلى الفعل المذموم وطيشاً، تؤزهم الشياطين الذين يتكلمون على ألسنة الأصنام أو سدنتها إلى ذلك أزاً. ولما كان السفه منافياً لرزانة العلم الذي لا يكون الفعل الناشئ عنه إلا عن تأن وتدبر وتفكر وتبصر، قال مصرحاً بما أفهمه: {بغير علم} أي وأما من قتل ولده بعلم - كما إذا كان كافراً أو قاتلاً أو محصناً زانياً - فليس حكمه كذلك؛ ولما ذكر عظيم ما أقدموا عليه، ذكر جليل ما أحجموا عنه فقال: {وحرموا ما رزقهم الله} أي الذي لا ملك سواه رحمة لهم، من تلك الأنعام والغلات، بغير شرع ولا نفع بوجه {افتراء} أي تعمداً للكذب {على الله} أي الذي له جميع العظمة. ولما كانوا قد خسروا ثلاث خسرات مع ادعائهم غاية البصر بالتجارات: النفس بقتل الأولاد، والمال بتحريم ما رزقهم الله، فأفادهم ذلك خسارة الدين، كانت نتيجته قوله: {قد ضلوا} أي جاوزوا وحادوا عن الحق وجاروا؛ ولما كان الضال قد تكون ضلالته فلتة عارضة له، وتكون الهداية وصفاً أصيلاً فيه، نبه على أن الضلال وصفهم الثابت بقوله: {وما كانوا} أي في شيء من هذا من خلق من الأخلاق {مهتدين *} أي لم يكن في كونهم وصف الهداية، بل زادوا بذلك ضلالاً؛ قال البخاري في المناقب من صحيحه: حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً} - إلى قوله: {وما كانوا مهتدين}. وله في وفد بني حنيفة من المغازي عن مهدي بن ميمون قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجراً أحسن منه ألقيناه فأخذنا الآخر، وإذا لم نجد حجراً جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة، فلا ندع رمحاً فيه حديدة ولا سهماً فيه حديدة إلا نزعناه فألقيناه شهر رجب. ولما كان مدار القرآن على تقرير التوحيد والنبوة وتوابعها والمعاد والقضاء والقدر والفعل بالاختيار، وأتقن تقرير هذه الأصول لا سيما في هذه السورة، وانتهى إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، وعجب سبحانه ممن أشرك وأنكر البعث وفعل أفعال المشركين تعجيباً بعد تعجيب، وهجن طريقتهم ووبخهم توبيخاً في إثر توبيخ بتكذيبهم للداعي من غير حجة، وحكى أقوالهم الباطلة ودعاويهم الفاسدة مع ادعائهم أنهم أنصف الناس، ومخالفتهم للهادي بغير ثبت ولا بينة مع ادعائهم أنهم أبصر الناس، وبطلبهم للآيات تعنتاً مع ادعائهم أنهم أعقل الناس، وإخلاصهم في الشدة وإشراكهم في الرخاء مع ادعائهم أنهم أشكر الناس، وعبادتهم للجن وتعوذهم بهم مع ادعائهم أنهم أشجع الناس - إلى أن عجب منهم فيما شرعوه لأنفسهم فيما رزقهموه سبحانه من حيوان وجماد ومضوا عليه خلفاً عن سلف، تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة علومهم تنفيراً للناس عن الالتفات إليهم واغترار بأقوالهم، قال في موضع الحال من {أية : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام} تفسير : [الأنعام: 136] مبيناً عظيم ملكه وشمول قدرته وباهر اختياره وعظمته، زيادة في التعجيب منهم في تصرفهم في ملكه بغير إذنه سبحانه وشرعهم ما لم يأذن فيه في سياق كافل بإقامة الحجة على تقرير التوحيد عوداً على بدء وعللاً بعد نهل، لأنه المدار الأعظم والأصل الأقوم: {وهو} أي لا غيره {الذي أنشأ} أي من العدم {جنات} أي من العنب وغيره {معروشات} أي مرفوعات عن الأرض على الخشب ونحوه، أي لا تصلح إلا معروشة، ومتى لم ترفع عن الأرض تلف ثمرها {وغير معروشات} أي غير مرفوعات على الخشب، أي لا تصلح إلا مطروحة على الأرض مثقلة بما يحكم وصولها إليها، ومتى ارتفعت عن الأرض تلفت، فما ذلك لطبيعة ولا غيرها وإلاّ لاستوت الجنات كلها لأن نسبتها إلى السماء والأرض واحدة، فما اختلف إلا بفاعل مختار واحد لا شريك له، لا يكون إلا ما يريد. ولما ذكر الجنات الجامعة، خص أفضلها وأدلها على الفعل بالاختيار، وبدأ بأشهرها عند المخاطبين بهذه الآيات فقال: {والنخل} أي وأنشأ النخل {والزرع} حال كونه {مختلفاً أكله} أي أكل أحد النوعين، وهو ثمره الذي يؤكل بالنسبة إلى الآخر، وأكل كل نوع بالنسبة إلى الأشجار وغيرها في الحمل والطعم وغيره، بل ويوجد في العذق الواحد الاختلاف، وأما اختلاف مقداره بكون هذا في غاية الطول وهذا في غاية القصر فأمر واضح جداً {والزيتون والرمان}. ولما كان معظم القصد في هذا السياق نفي الشريك وإثبات الفعل بالاختيار، لم يدع الحال إلى ذكر كمال الشبه فاكتفى بأصل الفعل فقيل: {مشتبهاً} أي كذلك {وغير متشابه} أي في اللون والطعم والفساد وعدمه والتفكه والاقتيات والدهن والماء - إلى غير ذلك من أحوال وكيفيات لا يحيط بها حق الإحاطة إلا بارئها سبحانه وعز شأنه، ولعله جمع الأولين لأن كلاًّ منهما يدخر للاقتيات ولا يسرع فساده مع المفارقة في الشكل، والاختلاف في النوع بالشجر والنجم، والتفاوت العظيم في المقدار، والأخيرين لأن الأول لا يفسد بوجه، والثاني يسرع فساده، ويدخر كل منهما على غير الهيئة التي يدخر عليها الآخر مع كونهما من الأشجار وتقاربهما في المقدار وتفاوت ثمرتهما في الشكل والقدر وغير ذلك. ولما كان قوله {أية : وهو الذي أنزل من السماء ماء} تفسير : [الأنعام: 99] في سياق الاستدلال على أنه لا فاعل إلا الله، أمر فيه بالنظر إلى الثمر والينع ليعتبر بحالهما، وكانت هذه الآية في سياق التعنيف لمن حرم ما رزقه الله والأمر بالأكل من حلال ما أنعم به والنهي عن تركه تديناً فقال تعالى هنا: {كلوا} وقدم الأولى المستدل بها على وجود البارئ وتفرده بالأمر لأن اعتقاد ذلك سعادة روحانية أبدية؛ وقال أبو حيان في النهر: لما كان مجيء تلك الآية في معرض الاستدلال بها على الصانع وقدرته والحشر وإعادة الأرواح إلى الأجساد بعد العدم وإبراز الجسد وتكوينه من العظم الرميم وهو عجب الذنب، قال {أية : انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} تفسير : [الأنعام: 99] إشارة إلى الإيجاد أولاً وإلى غايته، وهنا لما كان في معرض الامتنان وإظهار الإحسان بما خلق لنا قال: كلوا، ودل على أن الرزق أكثر من خلقه بقوله: {من ثمره}، ولما كان هذا الأمر للإباحة لا للارادة، قيده لئلا يقتضي إيجاد الثمر في كل جنة في كل وقت فقال: {إذا أثمر} فحصل بمجموعها الحياة الأبدية والحياة الدنياوية السريعة الانقضاء وتقدم النظر وهو الفكر على الأكل لهذا السبب. انتهى. وعبر بـ "إذا" دون "إن" تحقيقاً لرجاء الناس في الخصب وتسكيناً لآمالهم رحمة لهم ورفقاً بهم إعلاماً أنه إن وقع جدب كان في ناحية دون أخرى وفي نوع دون آخر، وإباحة للأكل في جميع أحوال الثمرة نضيجة وغير نضيجة. ولما كان في الآيات الحاكية مذاهب الكفار تقبيح أن يجعلوا شيئاً من أموالهم لأحد بأهوائهم، أشار هنا إلى أنه فرض فيها حقاً وجعل له مصارف بقوله: {وآتوا حقه} ولما أباح سبحانه أكله ابتداء وانتهاء، بين أنه خفف عنهم الوجوب قبل الانتهاء فقال: {يوم حصاده} أي قطعه جذاذاً كان أو حصاداً، فكذلك أول وقت نصاب الأمر وهو موسع، والحق أعم من الواجب والمندوب، فإن أريد الندب عم الأنواع الخمسة الماضية: العنب المشار إليه بالعرش وما بعده، وإن أريد الوجوب فقد أشير بالتعبير بالحصاد إلى أن الأصل في ذلك الحبوب المقتاتة، وأما غيرها فتابع علمه ببيان النبي صلى الله عليه وسلم فيطلق عليه الحصاد مجازاً. ولما أمر الله بالأكل من ثمره وبإيتاء حقه، نهى عن مجاوزة الحد في البسط أو القبض فقال: {ولا تسرفوا} وهذا النهي يتضمن أفراد الإسراف، فيدخل فيه الإسراف في أكل الثمرة حتى لا يبقى شيء منها للزكاة، والإسراف في الصدقة حتى لا يبقى لنفسه ولا لعياله شيئاً، ويؤيده {أية : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} تفسير : [الأعراف: 31]، {أية : ولا تبسطها كل البسط} تفسير : [الإسراء: 29]، ثم علله بقوله: {إنه لا يحب المسرفين *} أي لا يعاملهم معاملة المحب فلا يكرمهم، وقيل لحاتم الطائي: لا خير في السرف فقال: ولا سرف في الخير.

السيوطي

تفسير : أخرج البخاري وعبد بن حميد وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً} إلى قوله {وما كانوا مهتدين} . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم} قال: نزلت فيمن كان يئد البنات من مضر وربيعة، كان الرجل يشترط على امرأته إنك تئدين جارية وتستحبين أخرى، فإذا كانت الجارية التي توأد غداً من عند أهله أو راح وقال: أنت علي كأمي إن رجعت إليك ولم تئديها، فترسل إلى نسوتها فيحفرن لها حفرة فيتداولنها بينهن، فإذا بصرن به مقبلاً دسسنها في حفرتها وسوّين عليها التراب . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم} قال: هذا صنع أهل الجاهلية، كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة ويغذو كلبه. وفي قوله {وحرموا ما رزقهم الله} قال: جعلوا بحيرة وسائبة ووصيلة وحامياً تحكماً من الشيطان في أموالهم، وجزأوا من مواشيهم وحروثهم، فكاق ذلك من الشيطان افتراء على الله. وأخرج أبو الشيخ عن أبي رزين أنه قرأ {قد ضلوا قبل ذلك وما كانوا مهتدين} .

ابو السعود

تفسير : {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَـٰدَهُمْ} جوابُ قسمٍ محذوفٍ وقرىء بالتشديد وهم ربـيعةُ ومضرُ وأضرابُهم من العرب الذين كانوا يئِدون بناتِهم مخافةَ السبْـي والفقر أي خسِروا دينَهم ودنياهم {سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} متعلقٌ بقتلوا على أنه علة له أي لخِفة عقلهم وجهلِهم بأن الله هو الرزاقُ لهم ولأولادهم، أو نُصب على الحال ويؤيده أنه قرىء سفهاءَ، أو مصدر {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} من البحائر والسوائب ونحوهما {ٱفْتِرَاء عَلَى ٱللَّهِ} نُصب على أحد الوجوه المذكورة، وإظهارُ الاسم الجليل في موقع الإضمارِ لإظهار كمالِ عُتوِّهم وطغيانهم {قَدْ ضَلُّواْ} عن الطريق المستقيم {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} إليه وإن هُدوا بفنون الهدايات أو وما كانوا مهتدين من الأصل لسوء سيرتِهم فالجملةُ حينئذ اعتراضٌ، وعلى الأول عطف على ضلوا. {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ} تمهيد لما سيأتي من تفصيل أحوال الأنعامِ أي هو الذي أنشأهن من غير شركة لأحد في ذلك بوجه من الوجوه والمعروشاتُ من الكروم المرفوعاتُ على ما يحملها {وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ} وهن المُلْقَياتُ على وجه الأرض وقيل: المعروشاتُ ما غرسه الناسُ وعرّشوه وغيرُ المعروشات ما نبت في البوادي والجبال {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ} عطفٌ على جناتٍ أي أنشأهما {مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} وقرىء أُكْله بسكون الكاف أي ثمرُه الذي يُؤكل في الهيئة والكيفية، والضميرُ إما للنخل والزرعُ داخلٌ في حكمه ـ أو للزرع والباقي مَقيسٌ عليه، أو للجميع على تقدير كلِّ ذلك أو كلِّ واحد منهما ومختلفاً حالٌ مقدرة إذ ليس كذلك وقت الإنشاء {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} أي أنشأهما وقوله تعالى: {مُتَشَـٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ} نُصب على الحالية أي يتشابه بعضُ أفرادِهما في اللون والهيئةِ أو الطعم ولا يتشابه بعضها {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} أي من ثمر كل واحدٍ من ذلك {إِذَا أَثْمَرَ} وإن لم يدرك ولم يـينع بعد وقيل: فائدته رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله تعالى {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} أريد به ما كان يُتصدَّق به يوم الحصاد بطريق الواجب من غير تعيـين المقدارِ لا الزكاةُ المقدرةُ فإنها فُرِضت بالمدينة والسورةُ مكية وقيل: الزكاةُ والآيةُ مدنيةٌ والأمر بإيتائها يوم الحصادِ لِيُهتمَّ به حينئذ حتى لا يؤخَّر عن وقت الأداء وليعلم أن الوجوبَ بالإدراك لا بالتصفية، وقرىء يومَ حِصاده بكسر الحاء وهو لغةٌ فيه {وَلاَ تُسْرِفُواْ} أي في التصدق كما رُوي عن ثابت بن قيس أنه صرَم خمسَمائة نخلةٍ ففرَّق ثمرَها كلِّها ولم يُدخل منه شيئاً إلى منزله. كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ }تفسير : [الإسراء، الآية 29] {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي لا يرتضي إسرافَهم.

القشيري

تفسير : فسدت عليهم طريقة الثقة بالله فحملتهم خشيةُ الفقر على قتل الأولاد، ولذلك قال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.

اسماعيل حقي

تفسير : {قد خسر الذين قتلوا اولادهم} جواب قسم محذوف وهم ربيعة ومضر واضرابهم من العرب الذين كانوا يئدون بناتهم مخافة السبى والفقر اى خسروا دينهم ودنياهم بالفارسى [زيان كرند] {سفها بغير علم} متعلق بقتلوا على انه علة له وبغير علم صفة لسفها اى لخفة عقلهم وجهلهم بان الله تعالى هو الرزاق لهم ولاولادهم {وحرموا} على انفسهم {ما رزقهم الله} من البحائر ونحوها {افتراء على الله} اى افت روا على الله افتراء حيث قالوا ان الله امرهم بها {قد ضلوا} عن الطريق المستقيم {وما كانوا مهتدين} اليه وان هدوا بفنون الهدايات ـ روى ـ "حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان رجلا من اصحابه كان لا يزال مغتما بين يديه فقال عليه السلام "مالك تكون محزونا" فقال يا رسول الله انى قد اذنبت فى الجاهلية ذنبا فاخاف ان لا يغفر لى وان اسلمت فقال عليه السلام "اخبرنى عن ذنبك". فقال يا رسول الله انى كنت من الذين يقتلون بناتهم فولدت لى بنت فشفعت الىّ امرأتى ان اتركها فتركتها حتى كبرت وادركت فصارت من اجمل النساء فخطبوها فدخلت على الحمية ولم يتحمل قلبى ان ازوجها او اتركها فى البيت بغير زوج فقلت للمرأة انى اريد ان اذهب الى قبيلة كذا فى زيارة اقربائى فابعثيها معى فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلل واخذت على المواثيق بان لا اخونها فذهبت بها الى رأس بئر فنظرت فى البئر ففطنت الجارية بى انى اريد ان القيها فى البئر فالتزمتنى وجعلت تبكى وتقول يا ابى أى شئ تريد ان تفعل بى فرحمتها ثم نظرت فى البئر فدخلت على الحمية ثم التزمتنى وجعلت تقول يا ابى لا تضيع امانة امى فجعلت مرة انظر الى البئر ومرة انظر اليها وارحمها وغلبنى الشيطان فاخذتها وألقيتها فى البئر منكوسة وهى تنادى فى البئر يا ابى قتلتنى فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت فبكى رسول الله وقال "لو امرت ان اعاقب احدا بما فعل فى الجاهلية لعاقبتك بما فعلت" " .تفسير : واعلم انهم لما انسد عليهم طريق الثقة بالله حملتهم خشية الفقر على قتل الاولاد ولذلك قال اهل التحقيق من امارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر من دخل هذا الطريق وهو ذو زوج فلا يطلق او عزب فلا يتزوج حتى يكمل فاذا كمل فهو فى ذلك على ما يلقى اليه ربه انتهى واختار اكثر الكمل موت اولادهم لان كل ما يشغل الطالب عن الله من الاموال والاولاد فهو فتنة. ومنهم ابراهيم بن ادهم حيث اجتمع بولده بمكة فرأى فى قلبه ميلا اليه فقال الهى امتنى او هذا مشيرا الى ولده فمات والانسب ان يدفعه من قلبه بالتوحيد ولا يدعو عليه بالموت لان الدعاء تصرف من عند نفسه والمتصرف فى الحقيقة هو الله فاذا ادخل عبده فى امر لا يتولى العبد اخراج نفسه منه بل يصبر وينتظر الى امر الله تعالى وقلة المال مع كثرة العيال والصبر عليها من المجاهدات المعتبرة عند السلاك. قال حضرة الشيخ افتاده افندى خطابا لحضرة الهدايى اذا اظهر اهل بيتك جوعا شديدا ورأيتهم قد اشرفوا على الهلاك فعليك ان تتوكل على الله وتسلم الامر اليه بان تقول عن صميم قلبك لا بمجرد لسانك الهى انا عبد ذليل مثلهم وهم عبادك فامرى وامرهم اليك لا احل انا بينك وبين عبادك يتم المقصود بالسهولة ويقضى الرب جميع حوائجك قال ويكون توكل الطالب على وجه لو ان اولاده ما توا من الجوع لما ترحم عليهم بل قال هذا الرب وهذا عبده وافوض امرى الى الله ان الله بصير بالعباد: قال الصائب شعر : فكر آب اودانه دركنج قفس بيحاصلست زير جرخ انديشه روزى جرا بلشد مراد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {سفهًا}: حال أو مصدر، وكذلك: {افتراء}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم}؛ يعني: العرب الذين كانوا يقتلون بناتهم مخافة السبي أو الفقر، {بغير علم} ولا دليل؛ لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله رازق أولادهم كما يرزقهم، وليسوا هم الرزاقين لهم، {وحرَّموا ما رزقهم الله} من البحائر والسوائب ونحوهما؛ {افتراء على الله} من عند أنفسهم، {قد ضلوا وما كانوا مهتدين} إلى الحق الصواب. الإشارة: قد خسر الذين ضيعوا قلوبهم فلم تنتج لهم شيئًا من أبكار الحقائق وأسرار العلوم، بل اشتغلوا بالسفه من القول والفعل، بغير علم ولا بصيرة نافذة، وحرموا ما رزقهم الله من العلوم والأسرار، لو طهروا قلوبهم، وخربوا ظواهرهم وخرقوا عوائدهم، لكنهم حكموا على فعل ذلك بالتحريم، تجمدوا على علم الرسوم وحفظ المروءة، والمروءة إنما هي التقوى والدين، كما قال الإمام مالك رضي الله عنه، قد ضلوا عن طريق الوصول، وما كانوا مهتدين إلى طريق الخصوص، ما داموا على ما هم عليه من زيّ اللصوص. ثم بيَّن أن الأشياء كلها لله، ليس لأحد فيها شيء حتى يحلل منها أو يحرم، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّاتٍ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابن عامر {قتَّلوا} بتشديد التاء. الباقون بالتخفيف. من شدد حمله على التكرار، كقوله {أية : جنات عدن مفتَّحة}.تفسير : ومن خفف فلانه يدل على الكثرة. اخبر الله تعالى ان هؤلاء الكفار الذين قتلوا أولادهم الاناث خوفا من الفقر وهربا من العار قد خسروا، ومعناه هلكت نفوسهم باستحقاقهم على ذلك عذاب الابد. والخسران هلاك رأس المال. وقوله {سفها بغير علم} نصب على انه مفعول له ويجوز ان يكون نصبا على المصدر، وتقديره سفهوا بما فعلوه سفها خوفا من الفقر وهربا من العار. والسفه خفة الحلم بالعجلة الى ما لا ينبغي ان يعجل اليه. واصله الخفة. وضد السفيه الحليم. والفرق بين السفه والنزق ان السفه عجلة يدعو اليها الهوى، والنزق عجلة من جهة حدة الطبع والغيظ. وقوله {وحرموا ما رزقهم الله} يعني ما حرموه على نفوسهم من الحرث بزعمهم انه حجر. وقال الحسن: انه راجع الى الانعام. وقال الرماني: لا يجوز ذلك لانها محرمة عليهم بحجة العقل حتى يأتي بسمع. والقتل نقض البنية التي تحتاج الحياة اليها والموت - عند من أثبته معنى ـ ضد الحياة. وقوله {افتراء على الله} يعني كذبا. ونصبه على المصدر والعامل فيه قوله {وحرموا} لان ذلك قول منهم أضافوه الى الله. ثم اخبر تعالى انهم قد ضلوا بما فعلوه وجازوا عن طريق الحق وأنهم لم يكونوا مهتدين الى طريق الرشاد والحق.

الجنابذي

تفسير : {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلاَدَهُمْ} تصريح بخسرانهم وضلالهم التّلويح تأكيداً وتفضيحاً، قيل: كانوا يقتلون الاولاد للاصنام ويقتلون بناتهم مخافة العار والسبى والعيلة {سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} بانّ الله رازق لاولادهم وانّه خالقهم لمصلحة النّظام {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} من الانعام السّالفة على انفسهم او على غيرهم من النّساء او حرّموا ما رزقهم الله من الاولاد فانّهم نعمة ايضاً رزقهم الله {ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ} صرّح هنا بالافتراء تأكيداً لما سلف {قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} الى امر الحقّ تعالى وابتغاء رضاه.

الأعقم

تفسير : {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم} قيل: انها نزلت في ربيعة ومضر وغيرهم ممن دفن بناته خوف الفقر والسبي، وروي أن قيس بن عاصم قتل من بناته سبعين بنتاً فسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك فقال: هل لي من توبة؟ فقال له أبو بكر: لم قتلتهنَّ؟ فقال: لا ينكحهن سفلة مثلك {وحرموا ما رزقهم الله} قيل: هو الحرث الذي زعموا أنه حجر، وقيل: الأنعام، وقيل: السائبة والوصيلة والحام {افتراء على الله} كذباً حيث قالوا: ان الله تعالى أمرهم بذلك {وهو الذي أنشأ} أي اخترع {جنات معروشات} أي مرفوعات بدعائم مسموكات {وغير معروشات} متروكات على وجه الأرض لم يعرش، وقيل: ما عرشه الناس من الكرم وغير معروشات ما خرج من البراري والجبال من الثمار والأشجار، وعن ابن عباس: معروشات ما انبسط على وجه الأرض وانتشر مما يعرش مثل الكرم والقرح والبطيخ وهي معروشات الكرم منها خاصة منها ما عرش ومنها ما لم يعرش وقرأ علي (عليه السلام) مغروسات بالغين والسين المهملة {والنخل والزرع مختلفاً أكله} في اللون والطعم الحلو والحامض {والزيتون والرمان متشابهاً} في المنظر {وغير متشابه} في المطعم {وآتوا حقه يوم حصاده} أي وقت قطع الزرع، وقيل: غير الزكاة وقال مجاهد: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} والآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري أدخل المساكين على نخل له وكانت خمسمائة فأتوا على جميعها وعاد عليه من ذلك مكروه، وقيل: لا تسرفوا بأن تضعوه في غير موضعه، وقيل: لا تسرفوا بالأكل قبل الحصاد كي لا تؤدي إلى بخس حق الفقراء.

اطفيش

تفسير : {قَد خَسر الَّذينَ قَتَلُوا} وقرأ ابن كثير وابن عامر بتشديد التاء للتكثير، لأن الموءودات كثيرات لا للتعظيم، لأن القتل لا يتفاوت، اللهم إلا أن يعتبر بما زاد تعذيباً ولا يحتمل الحياة {أولادَهُم سَفهاً بغَيْر علمٍ} سفهاً مفعول مطلق لخسر، لأن السفه خسران، أو لمحذوف أى سفهوا سفها، والجملة بدل من الأولى بدل مطابق، أو سفها مفعول لأجله ناصبه خسر، أو حال أى ذوى سفه أو سفهاء أو هم سفهاء مبالغة، ويدل للحال قراءة بعضهم سفهاء جمع سفيه، وبغير علم نعت سفهاء، والسفه خفة العقل والجهل، ويجوز إطلاقه على الخسران، لأن الخفة والجهل سبب للخسران، والمراد الذين يقتلون بناتهم مخافة أن لا تزوج فى التزوج إن كانت ذميمة، أو مخافة الفقر والسبى أو الغيرة بشئ تأتيه، وربما أخذت أحدهم الغيرة أن توطأ ابنته. والمذكور فى القرآن القتل خوف الفقر لقوله تعالى: {من إملاق} وصفهم الله بالخسران إذ خسروا الجنة، وخسروا أولادهم، وهم نعمة من الله لهم فى النفع، وزيادة العدد، وصفهم بالسفه إذ جهلوا لأنهم آكلون للرزق لا رازقون، فرزقهم وزرقهن عند الله، وكان قتل البنات فى ربيعة ومضر، وجمهور العرب لا يفعلون ذلك، وقيل فى ربيعة ومضر وبعض العرب، وكان أيضا فى بعض غير العرب، وكانوا يقتلونهن بالدفن وبالإلقاء فى بئر بعيدة القعر، وقد تفعل المرأة ذلك بقهر زوجها لها على ذلك بالظهار، وذلك عندما تلدها، وظل وجهه مسوداً، تلدها مثلا فى العدو، فيقول لزوجته الوالدة لها: أنت علىَّ كظهر أمى إن رجعت فى الزواج ولم تئديها، فتحفر لها حفرة فترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها، ثم يتداولنها بينهن، فإذا أبصرنه راجعا دستها فى حفرتها وسوت عليها التراب. وروى أنه حديث : كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال مغتما بين يديه، فقال صلى الله عليه وسلم: "مالك تكون مخزونا؟" فقال: يا رسول الله إنى قد أذنبت ذنباً فأخاف أن لا يغفر لى وإن أسلمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخبرنى عن ذنبك" فقال: يا رسول الله إنى كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لى بنت فشفعت إلىَّ امرأتى أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت وصارت من أجمل النساء، فخطبوها فدخلت على الحمية فلم يحملنى قلبى على أن أزوجها أو أتركها فى البيت بلا زوج، فقلت للمرأة: إنى أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا فى زيارة أقاربى فابعثيها معى، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلى، وأخذت علىَّ المواثيق بأن لا أخونها، فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت فى البئر ففطنت الجارية أنى أريد أن ألقيها فى البئر، فالتزمتنى، يعنى التصقت بى تضرعاً كالمصافح المعانق، وجعلت تبكى وتقول: يا أبتى أى شئ تريد أن تفعل بى، فرحمتها ثم نظرت فى البئر فدخلت على الحمية فالتزمتنى وجعلت تقول: يا أبتى لا تضيع أمانة أمى، فجعلتُ مرة أنظر إلى البئر، ومرة أنظر إليها فأرحمها، فغلبنى الشيطان فأخذتها فألقيتها فى البئر منكوسة وهى تنادى فى البئر يا أبى قتلتنى، فمكثت هناك حتى انقطع صوتها، فرجعت، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال: "لو أمرت أن أعاقب أحداً بما فعل فى الجاهلية لعاقبتك بما فعلت" تفسير : وكانوا يقولون للملائكة: بنات الله، فألحقوا البنات به، فكانوا يقتلون إلحاقا به بالموت. {وَحرَّموا ما رَزقهُم اللهُ} من الحوامى والسوائب والبحائر والوصائل، ونصيب الأصنام من الحرث والأنعام {افْتراءً عَلى اللهِ} إذ قالوا: حرمها الله وهو مفعول مطلق للتحريم، لأنه منه أو تعليل له أو حال، أى ذوى افتراء أو مفترين، أو نفس افتراء مبالغة {قَد ضلُّوا} عن الحق فى ذلك {وما كانُوا مُهْتدينَ} فيه إلى الحق، أو ضلوا بذلك وليسوا قبله بمهتدين. قال ابن عباس: من أراد أن يعلم جهالة العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام: {قد خسر الذين قتلوا} إلى {وما كانوا مهتدين} ذمهم الله جل وعلا بالخسران والسفاهة وعدم العلم، أو تحريم ما رزقهم الله، والافتراء على الله والضلال وعدم الاهتداء.

اطفيش

تفسير : {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا} بالدفن {أَوْلاَدَهُمْ} من ربيعة ومضر وبعض العرب وبعض النصارى تفعله قديما، والمراد بالأَولاد الإِناث، وتقدم كلام فى ذلك يقتلونهن خوف السبى والفاقة وغير ذلك، والمذكور فى القرآن أَنه خشية الإِملاق، وخسرانهم فى الدنيا بنقص الذرية وعددهم فإِن فى البنات الذرية بالتناسل وهن نفسهن ذرية نافعة وفيهن رقة على الأَبوين لا توجد فى الذكور، وخسرانهم فى الآخرة تعوض النار عن الجنة {سَفَهاً} لأَجل السفه منهم وهو خفة العقل، أَو سافهين أَو ذوى سفه، أَو ضمن قتلوا معنى سفهوا أَو سفهوا سفها، وذلك أَنهم لم يتيقنوا أَن الله هو الرزاق لهم ولأَولادهم، وعن ابن عباس: إِذا سرك أَن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من الأَنعام {قد خسر الذين} إِلى قوله {وما كانوا مهتدين} {بِغَيْرِ عِلْمٍ} نعت سفها أَو حال أَو متعلق بقتلوا، كان رجل لا يزال مُغتمّاً فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: حديث : مالك تفسير : فقال: أَذنبت يا رسول الله ذنباً أَخاف أَلا يغفر لى، وأَنا أَسلمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما هوتفسير : ، قال: ولدت لى بنت فشفعت لى امرأَتى أَن أَتركها فتركتها حتى أَدركت فصارت من أَجمل النساء فخطبوها فدخلتنى الحمية أَن أَزوجها أَو اتركها بلا تزويج، فقلت لأمها: أريد أَن أَذهب إِلى قبيلة كذا لأقربائى فابعثيها معى فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلى وأَخذت على المواثيق أَلا أَخونها فذهبت بها إِلى رأس بير ففطنت فالتزمتنى وجعلت تقول: يا أَبى لا تضيع أُمى، فجعلت أَنظر تارة إِلى البير ومرة أَنظر إِليها فأَرحمها فغلبنى الشيطان فأَخذتها فأَلقيتها فى البير منكوسة وهى تنادى فى البير يا أَبى قتلتنى. فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : لو أمرت أَن أعاقب أَحداً بما فعل فى الجاهلية لعاقبتك تفسير : {وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ} من البحائر والسوائب والوصائل والحوامى والحرث {افْتِرَاءً عَلَى اللهِ} مثل سفها فى إِعرابه {قَد ضَلُّوا} عن الحق {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} إِليه، وصفهم الله عز وجل بسبع: الخسران والسفه وعدم العلم وتحريم ما رزقهم الله والافتراء على الله سبحانه والضلال وعدم الاهتداء، ولما ذم أَحوال الأَشقياء بالاشراك رجع إِلى تقرير التوحيد بقوله: {وَهُوَ الَّذِى أَنْشَأَ} أَنبت {جَنَّاتٍ} بساتين من شجر العنب {مَعْرُوشَاتٍ} أَى ملقاة الأَشجار على العرائش أَى الأَشياء المرتفعة كالسقف فإِنهم يسقفون لها فتلقى على السقف، سقف عيدان أَو خشب أَو غير ذلك {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} بل ملقاة على الأَرْض أو ما خرج منها على الجبال وفى الأَودية بلا غارس فلا يكون له عريش لأَنه لا يعتنى به كما يعتنى بما غرس، أَو المراد بساتين من شجر العنب المبسوط بل علق إِلى شئ كنخل وجدار وركيزة، أَو المراد بساتين مما يسقف له ويفرش على السقف ومما لا يسقف له مما يقوم على ساق كشجر التين وشجر العنب الذى لا يترك يميل بأَن يقطع ما يميل منه أَو بغير القطع. وعن ابن عباس إِدخال القرع والبطيخ ونحوه مما يبسط على الأَرض فى المعروش، وذلك بالتبع، وأَنا حائط نحو بطيخ وقرع لا نخل ولا شجر فيه فلا يسمى بستاناً {وَالنَّخْلَ} أَى وأَنشأَ النخل أَى أَظهره ورفعه بالخلق {وَالزَّرْعَ} ما يحرث كالحبوب الست والفول والعدس {مُخْتَلِفاُ أُكُلُهُ} بضم الهمزة فما منقولا إِلى التنوين أَى ثمرة المأكول واختلافه بالهيئة وبالطعم والهضم والحرارة والبرودة واليبوسة ونحو ذلك، وعلى دخول النخل والزرع فى الجنات فذكرهما على حدة تنبيه على مزية، ولكل شئ مزية إِذا أَراد الله ذكرها ذَكَرهَا ولا تنافى ما لم يذكرها فيه، ولهم أَيضاً مزية على ما ينبت فى الجنات وعلى عدم الدخول فكذلك، إِذا لولا المزية لقيل جنات من معروشات وغير معروشات، ونخل وزرع بالجر، ومختلفاً حال مقدرة وصاحبها الزرع يقدر مثله لما قبله هكذا مختلفاً أكلها أَى أكل الجنات والنخل، أَو يرد ضمير أكله إِلى ذلك كله أَى أَكل ما ذكر، وإِنما قلت مقدرة لأَن النخل والزرع والشجر ليس لها ثمار من حين الإِنبات بل بعد {والزَّيْتُون والرُّمَّانَ مُتَشَابِها وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} حال من الرمان، ويقدر مثله للزيتون أَو يعكس، أَو حال منهما بتأويل ما ذكر زيتون يشبه زيتوناً أَو يخالفه رقة وغلظاً وطعماً وطبعاً، وكذا الرمان وبحلاوة وحموضة، أَو المراد متشابه الورق وغير متشابه الطعم فى كل نوع منهما على حدة وفيما بينهما، فإِن ورق الزيتون كورق الرمان، وعلى هذا يكون المراد شجر الزيتون والرمان، ومن ذكر الخمسة على غير هذا الترتيب بطريق الاستدلال على الله جل وعلا بالنظر فيها وفى أَحوالها إِذ قال: {أية : انظروا إِلى ثمره إِذا أَثمر وينعه} تفسير : [الأنعام: 99]، وخالف المادة فى لفظ الشبه تفننا، وذكرهن هنا للاستدلال على أَن الله هو المستحق للعبادة والوحدانية، وزاد الإِذن فى أَكلها وإِخراج الحق منها، وقدم ما فى الاستدلال وحده لعظمة الله جل وعلا، وقدم الإِذن فى الأَكل إِيناساً وتوسعة على إِخراج الحق إِذ قال {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ومحل كل منهما بعد التوحيد والاستدلال عليه، والآية أباحت الأَكل من الثمار قبل الإِدراك وبعده، ونهت عن تحريم الأَكل إِلى الحصاد كقولهم هذه أَنعام وحرث حجر، وإِذا قطعت تلك الثمار أَعطى منها الفقراء الذين حضروا ما تيسر وما أَخطأَه المنجل وما وقع فى النبات أَو فى الجذوع والأَوراق حين القطع وحين الدرس، ولا يختص ذلك بحبوب الزكاة ولا نصاب مخصوص، وذلك قبل فرض الزكاة إِذ فرضت فى المدينة والسورة مكية. ولما فرضت كانت ناسخة، وقيل ذلك على الندب فهو باق مع فرض الزكاة، وحديث الأَعرابى هل علىّ غير ذلك قال لا إِلا أَن تطوع يحتمل أَنه بعد النسخ، وكانوا قبل يلقون العذق فيأكل منه من مر ويعلقون العذق فى جانب المسجد فيضربه المسكين بعصاه فيأكل ما سقط. وعن ابن عباس: كان يتصدق يوم الحصاد به بطريق الوجوب من غير تعيين مقدار ثم نسخ بالزكاة... وعن الشعبى أَن هذا حق فى المال غير الزكاة، ويزكى أَيضاً بعد، ولا نسخ قال مجاهد: اطرح لمن حضر من المساكين إِذا حصدت واطرح لهم إِذا درست وإِذا صفيته فاعزل زكاته، وقيل: المراد الزكاة والسورة مكية أَيضاً إِلا أن تفصيل الزكاة فى المدينة ولا يؤاخذون عليها ما لم تفصل، وقيل نزلت الآية فى المدينة، وقيل نزلت السورة مرتين، وعلى كل حال فصلت الزكاة فى المدينة، وعلى أَن المراد بالآية الزكاة قبل المراد الثمار كلها، وقال أَصحابنا الحبوب الستة، ويوم الحصاد يوم حصدت تجب زكاتها إِن تم النصاب فى الحصد، وقيل: يحسب فيه ما أكل وأَتلف قبله وبعد الإِدراك، وقيل يحسب ويتم العد به ولا يعطى عنه، وقيل يوم حصاده يوم إِدراكه لأَنه كل ما أَدرك أَمكن قطعه، والحصاد بمعنى القطع فشمل الثمار كلها أَو الحبوب الستة وخمسة أَوسق شرط فى الحديث، وزعم أَو حنيفة أَن الزكاة فى القليل والكثير لإِطلاق الآية وفى كل ثمرة قلت أَو كثرت، وإِذا لم يضيع القطع عن وقته أَو الدرس عن وقته وتلفت لم تجب الزكاة كما قال بعض قومنا بعد حصاده وبعد التصفية لأَنه إِنما يتوصل إِلى إِخراج مقدار الزكاة بعدها {وَلاَ تُسْرِفُوا} بإِعطائه كله أَو جله، ويبقى عيالكم أَو تبقون محتاجين، أَو باعطائه أَو قليل منه فى المعصية أَو فى غير نفع، ولا تكثروا الأَكل منه وقضاء المصالح به قصداً لتقليل ما للفقراء منه. عن ابن المسيب: لا تمنعوا الصدقة ومنعها إِسراف، وفى الحديث: حديث : ابدأ بمن تعولتفسير : ، ولا يقبل الله صدقة على الأَجانب مع ترك الأَقارب، ودخل فى الإِسراف إِشراك الأَصنام فى الحرث أَو الأَنعام أَو مالها ودخل في الإِسراف أَخذ الولاة أَكثر من الواجب والتصرف فيه بما لا يجوز، وقد قيل: الخطاب لهم ولأَصحاب الأَموال، ودخل في الإِسراف منه الزكاة أَو بعضها وإِعطاؤها غير أَهلها لأَن الإِسراف مجاوزة الحد، وعن مجاهد لو أَنفق رجل أَبا قبيس ذهبا لم يكن مسرفاً وإِن أَنفق درهما أَو أَقل فى معصية كان مسرفاً {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} لا يرضى إِسرافهم أَو يبغضهم، وذلك كناية عن عقابهم، والآية ناسبت أن ثابت بن قيس حرم خمسمائة نخلة فقسمها فى يوم واحد ولم يعط أَهله منها حتى قيل نزلت الآية فيه، والمعنى أَنها طابقته، أَو عنى بها قيل النزول وإِلا فالسورة نزلت مرة لا شيئاً فشيئاً، روى أَنه قال: لا يأْتينى اليوم أَحد إِلا أَطعمته فأَطعم حتى أَمسى وليس له ثمرة فنزلت الآية، ولا مانع من نزول آية بعد نزول السورة كلها فتجعل الآية فيها وما تقدم إِبطال لما يجعلونه لأَصنامهم من الحرث، وذكر إِبطال بدعتهم فى البحيرة ونحوها من الأَنعام والثمار بقوله عز وجل: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشَا} عطف على جنات كأَنه قيل وأَنشأَ من الأَنعام حمولة وفرشا، الحمولة ما يحمل عليه فى الحال أَو فى المآل ككبار الإِبل والبقر وصغارها، والفرش الغنم لصغرها وكأَنها فرشت على الأَرض ولأَنه يفرش ما ينسج من صوفها ووبرها، أَو الفرش الغنم وصغار الإِبل والبقر، أَو الفرش ما يفرش للذبح، والفرش ما نسج من الصوف أَو الوبر أَو الشعر فيكون فراشاً، والفرش فى ذلك كله تسمية بالمصدر، وقيل بدخول البغال والحمير فى الأَنعام فالحمولة الإِبل والبقر والبغال والحمير، والفرش ما صغر منهن أَو ما ينسج من وبرهن وشعرهن. أَو الغنم، ويعارض تفسير الأَنعام بما يشمل البغال والحمير أَو إِياهما والبقر أن المذكور فى القرآن للحمل الإِبل ويعارضه أَيضاً فى جانب البغال والحمير قوله تعالى {كُلُوا مِمَّا رَزَقْكُمُ اللهُ} من الأَنعام والثمار حلالا طيباً، وما عند الإِنسان من حرام وعلم بأنه حرام فليس رزقا له إِلا إِن انتفع به فهو رزقه، ولو كان حراماً إِلا أَنه يعاقب عليه {وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} فإِنه متبادر فى الأَزواج الثمانية من أَمر الله بالأَكل. وذكر الله البغال والحمير للركوب والزينة وحمل العرب إِنما هو على الإِبل وإِن كان على البغال والحمير فقليل، وأَيضاً المشهور بتحريمهم الأَزواج الثمانية من البحيرة ونحوها، وما يجعلون منها للأَصنام فيقول الله جل وعلا لا تحرموها، كلوها حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان فى تحريمها، ويعارضه أَيضاً إِبدال الأَزواج الثمانية من حمولة وفرشا فى قوله تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} إِلخ، بدلا مطابقاً من حمولة وفرشاً إِذ الإِبدال أَولى من جعل ثمانية مفعولا لكلوا المذكور أَو لكلوا محذوفاً، ولو كان قريبا، وجمل الاعتراض قليل إِذا جعل مفعولا لكلوا المذكور لأَن المعروف الكثير كل من كبش لأَكل كبشاً، ومن هذا كان جعل ثمانية حالا من أَولى من جعله مفعولا لكلوا، وخطوات الشيطان مجازيا لاستعارة عما يأْمر به أَو ينهى عنه، وأَصله الطرق أَو أَثر القدم أَو ما بين القدمين. والزوج ما اقترن به آخر من جنسه كالرجل والمرأَة وشقى الرحا وكل فرد من ذلك زوج كما فى الآية، وهما زوجان، وإِطلاق الزوج على اثنين خطأ، وقيل: لغية، ولو كان كذلك لكان فى الآية ستة عشر، ومعنى مبين ظاهر، والمراد ظاهر العداوة من أَبان اللازم، ويجوز أَن يكون من المتعدى أَى أَظهر لكم عداوته ولو لم تنتبهوا لها، والرزق الحلال والحرام لقوله مما رزقكم حلالاً يقول كلوا من الرزق ما هو حلال لا ما هو حرام منه، والمعتزلة يقولون الرزق لا يطلق إِلا على الحلال فيجعلون من للبيان، زعموا أن الله إِذا رزق الحرام كان إِعانة على المعصية، ويرد عليهم كل ما خلقة الله من الحرام كالخنزير والميتة {مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ} اثنين الأَول بدل من ثمانية بدل مطابق باعتبار ما عطف عليه، وهو اثنين فى ثلاثة مواضع بعده، ولو جعلنا ثمانية بدلا على القول بجواز الإِبدال من البدل، والمانع يقول مفعول لأَنشأَ محذوفاً ومن الضأن حال منه لو نكرة لتقدم الحال، ومن المعز حال من اثنين بعده كذلك، واثنين معطوف على اثنين فهو فى حكم الأَول والاثنان ذكر وأُنثى كبش ونعجة من الضأْن وتيس للذكر والعنز للأُنثى من المعز، وهذه أَربعة أَزواج مفسرة للفرش فى أَحد تأويلاته، وقدمهن هنا مع تأخير الفرش هنالك لأَنهن معظم أَكل اللحم، والأَكل معظم ما يتعلق به الحل والحرمة كما هو السر فى التعرض للأكل، إِذ قال كلوا ولم يتعرض للحمل والركوب، وما حرموه فى نحو السائبة والضأن والمعز اسم جمع أَو جنس أَو جمع وهما كراكب وركب وتاجر وتجر وراكبة وتاجرة، والمفرد ضائن وضائنة وماعز وماعزة {قُلْ آلذَّكَرَيْن حَرَّمَ} الله {أَمِ الأُنْثَيَيْن أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْه أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ} نقلت فتحة همزة الاستفهام للام قبل وحذفت الهمزة وقلبت همزة أل أَلفاً مدت بها اللام مدّاً موسطاً قدر أَلف ونصف، وقيل مشبعاً قدر أَلفين، وقيل ثلاث أَلفات والاستفهام إِنكار، والمعنى أَحرم الذكرين من الضأْن والمعز لكونهما ذكرين أَو الأُنثيين منهما لكونهما انثيين أَم ما فى الأرحام لاشتمال الأَرحام ذكراً وأُنثى كأَنه قيل أَحرم الذكرين من حيث الذكورة أَم الأُنثيين من حيث الأُنوثة أَم ما فى الأَرحام من حيث الأَرحام، وإِن كان ذلك فلم حللتم بعض الذكور وبعض الإِناث وبعض الأَجنة مع وجود الذكورة والأُنوثة والكون فى الأَرحام، ولهذه الحيثية قدم المفعول، ولكونه هو الذى نفاه الله فتلا الهمزة، وهذا أَولى لدقته من أَن يقال المعنى إِنكار أَن يحرم الله من جنس الغنم وإِظهار كذبهم، ولما كانوا يحرمون الذكور تارة والإِناث أُخرى وما فى الأَرحام فصل ذلك هنا وفيما يأتى، كما ذكروه مبالغة فى الرد عليهم، وبالغ أيضاً بذكر الضأْن والمعز والأَرحام على حدة، وبذكر الإِبل والبقر والأَرحام على حدة، ولولا ذلك لقال على كل الأَزواج الثانية ما نصه، الذكور حرم أَم الإِناث أَم ما اشتملت عليه أَرحام الإِناث، أَو قال من الضان اثنين ومن المعز اثنين ومن الإِبل اثنين ومن البقر اثنين، قل الذكور حرم أَم الإِناث أَم ما اشتملت عليه أَرحام الإِناث {نَبِّئُونِى بِعِلْمٍ} من أَين جاءَ التحريم {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فى كون ذلك حراماً، وفى أَن الله حرمه.

الالوسي

تفسير : {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَـٰدَهُمْ} وهم العرب الذين كانوا يقتلون أولادهم على ما مر، وأخرج ابن المنذر عن عكرمة أنها نزلت فيمن كان يئد البنات من ربيعة ومضر أي هلكت نفوسهم باستحقاقهم على ذلك العقاب أو ذهب دينهم ودنياهم. وقرأ ابن كثير وابن عامر {قَـٰتِلُواْ } بالتشديد لمعنى التكثير أي فعلوا ذلك كثيراً {سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي لخفة عقلهم وجهلهم بصفات ربهم سبحانه، ونصب {سَفَهاً} على أنه علة لقتلوا أو على أنه حال من فاعله، ويؤيده أنه قرىء {سفهاء} أو على المصدرية لفعل محذوف دل عليه الكلام، والجار والمجرور إما صفة أو حال. {وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} من البحائر والسوائب ونحوهما {ٱفْتِرَاء عَلَى ٱللَّهِ} نصب على أحد الأوجه المذكورة، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لإظهار كمال عتوهم وطغيانهم {قَدْ ضَلُّواْ } عن الطريق السوي {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } إليه وإن هدوا بفنون الهدايات أو ما كانوا مهتدين من الأصل، والمراد المبالغة في نفي الهداية عنهم لأن صيغة الفعل تقتضي حدوث الضلال بعد أن لم يكن فأردف ذلك بهذه الحال لبيان عراقتهم في الضلال وأن ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض، وصرح بعض المحققين بأن الجملة عطف على {ضَلُّواْ } على الأول واعتراض على الثاني، وقرأ ابن رزين {قَدْ ضَلُّواْ قَبْلَ ذَلِكَ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}.

ابن عاشور

تفسير : تذييل جُعل فذلكة للكلام السّابق، المشتمل على بيان ضلالهم في قتل أولادهم، وتحجير بعض الحلال على بعض من أحلّ له. وتحقيق الفعل بــــ {قد} للتّنبيه على أنّ خسرانهم أمر ثابت، فيفيد التّحقيق التّعجيب منهم كيف عَمُوا عمَّا هم فيه من خسرانهم. وعن سعيد بن جبير قال ابن عبّاس: إذا سرّك أن تعلم جهلَ العرب فاقرأ ما فوق الثّلاثين ومائة من سورة الأنعام: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم} إلى {وما كانوا مهتدين}. أي من قوله تعالى: { أية : وجعلوا لله ممّا ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً } تفسير : [الأنعام: 136] وجعلها فوق والثّلاثين ومائة تقريباً، وهي في العدّ السادسة والثلاثون ومائة. ووصف فعلهم بالخسران لأنّ حقيقة الخسران نقصان مال التّاجر، والتّاجر قاصد الرّبح وهو الزّيادة، فإذا خسر فقد باء بعكس ما عَمِل لأجلِه (ولذلك كثر في القرآن استعارة الخسران لعمل الّذين يعملون طلباً لمرضاة الله وثوابه فيقعون في غضبه وعقابه، لأنَّهم اتّعبوا أنفسهم فحصلوا عكس ما تعبوا لأجله) ذلك أنّ هؤلاء الّذين قتلوا أولادهم قد طلبوا نفع أنفسهم بالتخلّص من أضرارٍ في الدّنيا مُحْتَمَللٍ لحَاقُها بهم من جراء بَناتهم، فوقعوا في أضرار محقّقة في الدّنيا وفي الآخرة، فإنّ النّسل نعمة من الله على الوالدين يأنسون به ويجدونه لكفاية مهمّاتهم، ونعمة على القبيلة تكثر وتعتزّ، وعلى العالَم كلّه بكثرة من يعمره وبما ينتفع به النّاس من مواهب النّسل وصنائعه، ونعمة على النّسل نفسِه بما يناله من نعيم الحياة وملذاتها. ولتلك الفوائد اقتضت حكمة الله إيجاد نظام التّناسل، حفظاً للنّوع، وتعميراً للعالم، وإظهاراً لما في الإنسان من مواهبَ تنفعه وتنفع قومه، على ما في عملهم من اعتداء على حقّ البنت الّذي جعله الله لها وهو حقّ الحياة إلى انقضاء الأجل المقدّر لها وهو حقّ فطري لا يملكه الأب فهو ظلم بيّن لرجاء صلاح لغير المظلوم ولا يُضَرّ بأحد ليَنتفع غيره. فلما قتل بعض العرب بناتِهم بالوأْد كانوا قد عطّلوا مصالحَ عظيمة محقّقة، وارتكبوا به أضراراً حاصلة، من حيث أرادوا التخلّص من أضرار طفيفة غير محقّقة الوقوع، فلا جرم أن كانوا في فعلهم كالتّاجر الّذي أراد الرّبح فباء بضياع أصل ماله، ولأجل ذلك سمَّى الله فعلهم: سفهاً، لأنّ السّفه هو خفّة العقل واضطرابه، وفعلهم ذلك سفه محض، وأيُّ سفه أعظم من إضاعة مصالح جمّة وارتكاب أضرار عظيمة وجناية شنيعة، لأجل التخلّص من أضرار طفيفة قد تحصُل وقد لا تحصل. وتعريف المسند إليه بالموصولية للإيماء إلى أنّ الصّلة علّة في الخبر فإنّ خسرانهم مسبّب عن قتل أولادهم. وقوله: {سفهاً} منصوب على المفعول المطلق المبين لنوع القتل: أنّه قتلُ سفه لا رأي لصاحبه، بخلاف قتل العَدوّ وقتْل القاتل، ويجوز أن ينتصب على الحال من {الذين قتلوا}، وصفوا بالمصدر لأنّهم سفهاءُ بالغون أقصى السفه. والباء في قوله: {بغير علم} للملابسة، وهي في موضع الحال إمَّا منْ {سفهاً} فتكون حالاً مؤكّدة، إذ السفه لا يكون إلاّ بغير علم، وإمَّا من فاعل {قتلوا}، فإنَّهم لمّا فعلوا القتل كانوا جاهلين بسفاهتهم وبشناعة فعلهم وبعاقبة ما قدّروا حصوله لهم من الضرّ، إذ قد يحصل خلاف ما قدّروه ولو كانوا يزنون المصالح والمفاسد لما أقدموا على فعلتهم الفظيعة. والمقصود من الإخبار عن كونه بغير علم، بعد الإخبار عنه بأنّه سفَه. التّنبيه على أنَّهم فعلوا ذلك ظنّا منهم أنَّهم أصابوا فيما فعلوا، وأنَّهم علموا كيف يَرأبُون ما في العالم من المفاسد، وينظمون حياتهم أحسن نظام، وهم في ذلك مغرورون بأنفسهم، وجاهلون بأنَّهم يجهلون { أية : الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنّهم يُحسنون صُنعا } تفسير : [الكهف: 104]. وتقدّم الكلام على الوأد آنفاً، ويأتي في سورة الإسراء عند قوله: { أية : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } تفسير : [الإسراء: 31]. وقرأ الجمهور: {قَتَلوا أولادهم} ــــ بتخفيف التّاء ــــ وقرأه ابن عامر ــــ بتشديد التّاء ــــ لأنّه قتْل بشدّة، وليست قراءة الجمهور مفيتة هذا المعنى، لأنّ تسليط فعل القتل على الأولاد يفيد أنَّه قتل فظيع. وقوله: {وحرموا ما رزقهم الله} نَعَى عليهم خسرانهم في أن حرّموا على أنفسهم بعض ما رزقهم الله، فحُرِموا الانتفاع به، وحَرَموا النّاس الانتفاع به، وهذا شامل لجميع المشركين، بخلاف الّذين قتلوا أولادهم.والموصول الّذي يراد به الجماعة يصحّ في العطف على صلته أن تكون الجمل المتعاطفة مع الصّلة موزّعة على طوائف تلك الجماعة كقوله تعالى: { أية : إنّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النّبيين بغير حقّ ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من النّاس فبشّرهم بعذاب أليم } تفسير : [آل عمران: 21]. وانتصب {افتراء} على المفعول المطلق لــــ {حرّموا}: لبيان نوع التّحريم بأنَّهم نسبوه لله كذباً. وجملة {قد ضلوا} استئناف ابتدائي لزيادة النّداء على تحقّق ضلالهم. والضّلال: خطأ الطّريق الموصِّل إلى المقصود، فهم راموا البلوغ إلى مصالح دنيوية، والتّقرب إلى الله وإلى شركائهم، فوقعوا في المفاسد العظيمة، وأبعدهم الله بذنوبهم، فلذلك كانوا كمن رام الوصول فسلك طريقاً آخر. وعَطْف {وما كانوا مهتدين} على {قد ضلوا} لقصد التّأكيد لمضمون جملة {ضلوا} لأنّ مضمون هذه الجملة ينفي ضدّ الجملة الأولى فتؤول إلى تقرير معناها. والعرب إذا أكّدوا بمثل هذا قد يأتون به غير معطوف نظراً لمآل مُفاد الجملتين، وأنَّهما باعتباره بمعنى واحد، وذلك حقّ التّأكيد كما في قوله تعالى: { أية : أموات غيرُ أحياء } تفسير : [النحل: 21] وقوله: { أية : فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير } تفسير : [المدثر: 9، 10]. وقول الأعشى: شعر : إمَّا تَرَيْنَا حُفَاة لا نِعَالَ لنا تفسير : وقد يأتون به بالعطف وهو عطف صوري لأنَّه اعتداد بأنّ مفهوم الجملتين مختلف، ولا اعتداد بمآلهما كما في قوله تعالى: { أية : وأضلّ فرعون قومَه وما هَدى } تفسير : [طه: 79] وقوله: { أية : قد ضللتُ إذنْ وما أنا من المهتدين } تفسير : [الأنعام: 56] وقول المتنبّي: شعر : والبَيْنُ جارَ على ضُعفي وما عَدَلا تفسير : وكذلك جاء في هذه الآية ليفيد، بالعطف، أنَّهما خبران عن مساويهم. و(كان) هنا في حكم الزائدة: لأنَّها زائدة معنى، وإن كانت عاملة، والمراد: وما هم بمهتدين، فزيادة (كان) هنا لتحقيق النّفي مثلَ موقعها مع لام الجحود، وليس المراد أنَّهم ما كانوا مهتدين قبل أن يقتلوا أولادهم ويُحرّموا ما رزقهم الله، لأنّ هذا لا يتعلّق به غرض بليغ.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَوْلاَدَهُمْ} (140) - أَنْكَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مُشْرِكِي العَرَبِ أَمْرَيْنِ، وَنَعَاهُمَا عَلَيْهِمْ وَهُمَا: أ - قَتْلُ أَوْلاَدِهِمْ وَوَأَدُ بَنَاتِهِمْ سَفَهاً، وَالأَوْلاَدُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَإِذَا سَعَى العَبْدُ فِي زَوَالِها فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً عَظِيماً. ب - وَتَحْرِيمُ بَعْضِ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَقَدْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَشْيَاءَ ابْتَدَعُوهَا هُمْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ. فَقَالَ تَعَالَى: إنَّ الذِينَ أَقْدَمُوا عَلَى قَتْلِ أَوْلاَدِهِمْ، وَوَأْدِ بَنَاتِهِمْ، وَتَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَدْ خَسِرُوا فِي الدُّنْيا، لأَِنَّهُمْ حَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ، وَخَسِرُوا فِي الآخِرَةِ، لأِنَّهُمْ سَيَكُونُونَ فِي أَسْوَأِ المَنَازِلِ بِسَبَبِ كَذِبِهِمْ عَلَى اللهِ، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ، إِذْ ادَّعُوا أَنَّ اللهَ هُوَ الذِي أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ. وَكُلُّ ذَلِكَ ضَلاَلٌ مِنْهُمْ وَسَفَهٌ، وَبُعْدٌ عَنِ الهُدَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وجْه الخسران أنهم لم يلتفتوا إلى أن الله يرزقهم ويرزق أبناءهم أيضاً، ولعلك أيها الأب قتلت ولداً، كنت ستعيش أنت في رحاب رزقه، وكثيراً ما يكون البعض من الأولاد صاحب رزق وفير، ويقال عن مثل هذا الابن: إن وجهه وجه الخير والسعد والبركة، فمن يوم أن وُلد ولد معه الخير، وذلك حتى لا يتأبى الإنسان على عطاء الله؛ لأنك حين تتأبى على عطاء الله تحرم نفسك العطاء فيما تظنه غير عطاء، وهذا خسران كبير. إننا نلحظ أن العرب كانوا في بيئة تستجيب وتلبي الصريخ، فساعد يصرخ من في شدة نزلت به واستنجد، يجد من ينقذه، والأولى بالنجدة أهل الرجل وأولاده. والمثال على ذلك ما حدث من جد رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ذهب ليحفر البئر، وجاءت قريش ووقفت له حتى لا يحفر. فقال: لو أن لي عشرة أبناء سأضحي بواحد منهم. إذن فكثرة الأولاد في هذه المسائل تعطي العزوة وتكثر الصريخ، ولا يفعل ذلك إلا المفطور على النجدة. وإن قتلت ابناً خوفاً من الفقر فقد تخسر رزقاً قد يكون في طي من تقتل من الذرية، وفوق ذلك تفقد مباهج الشأن أو العزوة أو الآل. أو على الأقل أنهم قد خسروا الا أنهم عاكسوا مرادات الله في الإيجاد بالإنجاب. {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ..} [الأنعام: 140] و{سَفَهاً} تعني طيشاً، وحمقاً، وجهلاً. {..وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140] وهم حين يحرمون على أنفسهم ما رزقهم الله من الأنعام، فهم أهل حمق وضلال وخسران فلو تركوها لانتفعوا منها في حمل أثقالهم أو فيما تدره من لبن، أو في أكل لحمها. إنهم بحمقهم وجهلهم قد خسروا كثيراً، وهم مع ذلك فعلوا ما فعلوا بكذب متعمد على الله، وهم قد ضلوا ولم يكونوا أهلاً للهداية، وكان يكفي أن يصفهم بقوله: {قَدْ ضَلُّواْ}؛ لكنه أضاف:{وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} لأن الضلال هو عدم الذهاب إلى المقصد الموصل للغاية، وقد يكون ذلك عن جهل بالطريق، لكن الحق سبحانه رسم لهم طريق الحق فآثروا الذهاب إلى الضلال مع وجود طريق الحق. ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ..}

الأندلسي

تفسير : {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ} الآية، كان جمهور العرب لا يئدون بناتهم وكان بعض ربيعة مضر يئدونهن وهو دفنهن أحياء فبعضهم يئد خوف العيلة والاقتار، وبعضهم خوف السَبْي. فنزلت هذه الآية في ذلك إخباراً بخسران فاعل ذلك. ولما تقدم تزيين قتل الأولاد وتحريم ما حرموه في قولهم: هذه أنعام وحرث. حجر جاء هنا تقديم قتل الأولاد وتلاه التحريم. وفي قوله: {سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} إشارة إلى خفة عقولهم وجهلهم بأن الله تعالى هو الرزاق والمقدر السبي وغيره. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ} الآية، مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما أخبر عنهم أنهم حرموا أشياء مما رزقهم الله أخذ يذكر تعالى ما امتن به عليهم من الرزق الذي تصرفوا فيه بغير إذنه تعالى إفتراء منهم واختلاقاً فذكر نوعي الرزق النباتي والحيواني، فبدأ بالنباتي كما بدأ به في الآية المشبهة لهذه واستطرد منه إلى الحيواني إذ كانوا قد حرموا أشياء من النوعين. {مَّعْرُوشَٰتٍ} ويقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تنعطف عليه القضبان. {وَٱلنَّخْلَ} قدمه على الزرع لأن العرب كانت أحوج إليه إذ كانت غالب قوتهم واختلاف أكله وهو المأكول، هو بأن لكل نوع من أنواع النخل والزرع طعماً ولوناً وحجماً ورائحة تخالف به النوع الآخر. والمعنى مختلفاً أكل ثمره وانتصب مختلفاً على أنه حال مقدرة، لأنه لم يكن وقت الإِنشاء مختلفاً. قال الزمخشري: والضمير في أكله عائد على النخل والزرع، وأفرد لدخوله في حكمه بالعطفية. "انتهى". ليس بجيد لأن العطف بالواو لا يجوز إفراد ضمير المتعاطفين. وقال الحوفي: والهاء في أكله عائدة على ما تقدم من ذكره هذه الأشياء والمنشآت. "انتهى". وعلى هذا لا يكون ذو الحال النخل والزرع فقط بل جميع ما أنشأ لاشتراكها كلها من اختلاف المأكول ولو كان كما زعم لكان التركيب مختلفاً أكلها، إلا أن أخذ على حذف مضاف، أي ثمر جنات وروعي هذا المحذوف فقيل: أكله بالإِفراد على مراعاته فيكن ذلك نحو قوله: {أية : أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ} تفسير : [النور: 40] أي أو كذي ظلمات. والظاهر عوده على أقرب مذكور وهو الزرع فيكون قد حذفت حال النخل لدلالة هذه الحال عليها التقدير النخل مختلفاً أكله والزرع مختلفاً أكله كما في زيد وعمرو قائم. وتقدم الكلام على قوله: والزيتون والرمان كلوا من ثمره إذا أثمر لما كان مجيء تلك الآية في معرض الاستدلال بها على الصانع وقدرته والحشر وإعادة الأرواح إلى الأجساد بعد العدم وإبراز الجسد وتكوينه من العظم الرميم وهو عجب الذنب. قال: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إشارة إلى الإِيجاد أولاً، وإلى غايته وهنا لما كان معرض الغاية الامتنان، وإظهار الإِحسان بما خلق لنا. قال: كلوا من ثمره إذا أثمر فحصل بمجموعها الحياة الأبدية والحياة الدنيوية السريعة الانقضاء. وتقدم النظر وهو الفكر على الأكل لهذا السبب، وهو أمر بإِباحة الأكل، واستدل به على أن الأصل في المنافع الإِباحة والإِطلاق، وقيده بقوله: إذا أثمر وإن كان من المعلوم أنه إذا لم يثمر فلا أكل، تنبيهاً على أنه لا ينتظر به محل إدراكه واستوائه بل متى أمكن الأكل منه فعل. {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} والذي يظهر عود الضمير على ما عاد عليه من ثمره وهو جميع ما تقدم ذكره مما يمكن أن يؤكل إذا أثمر وألحق هنا مجمل، واختلف فيه أهو الزكاة أم غيرها. وقرىء: حَصاده وحِصاده بفتح الحاء وكسرها. {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} روى ابن عباس أن ثابت بن قيس بن شماس جذ خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئاً. فنزلت. ولما أمر تعالى بالأكل من ثمره وإيتاء حقه نهى عن مجاوزة الحد، فقال: ولا تسرفوا، وهذا النهي يتضمن إفراد الإِسراف فيدخل فيه الإِسراف من أكل الثمرة حتى لا يبقى منها شيء للزكاة، والإِسراف في الصدقة بها حتى لا يبقى لنفسه ولا لعياله شيئاً. {وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} هذا معطوف على جنات، أي وأنشأ من الانعام حمولة وفرشاً. والحمولة ما يحمل عليه من الإِبل والبقر، والحمولة: الأحمال. ويقال: الحمول بفتح الحاء بمعنى الحمولة. قال الشاعر: شعر : حي الحمول بجانب العزل إذ لا يلائم شكلها شكل تفسير : والفرش: الغنم. وقدم الحمولة على الفرش لأنها أعظم في الانتفاع إذ ينتفع بها في الأكل والحمل. {ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ} تقدم تفسير ما أحل المشركون وما حرموا ونسبتهم ذلك إلى الله تعالى، فلما قام الإِسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم وكان خطيبهم مالك بن عوف بن أبي الأحوص الجشمي فقال: حديث : يا محمد بلغنا أنك تحل أشياء فقال له: إنكم قد حرمتم أشياء على غير أصل وإنما خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها، فمن أين جاء هذا التحريم؟ أمن قبل المذكر أم من قبل الأنثى؟ فسكت مالك بن عوف وتحيرتفسير : . وقوله ثمانية أزواج بدل من قوله: حمولة وفرشاً. {مَّنَ ٱلضَّأْنِ} الضأن: معروف بسكون الهمزة وفتحها. ويقال ضيئن. وكلاهما اسم جمع لضائنة وضائن. {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} المعز معروف، بسكون العين وفتحها، ويقال: معيز ومعزى، وهي أسماء جموع لماعزة وماعز وأمعوز. {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ} وهذا الاستفهام هو استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع حيث نسبوا ما حرموه إلى الله تعالى وكانوا مرة يحرمون الذكور والإِناث مرة أولادها ذكوراً أو إناثاً ومختلطة فبين تعالى أن هذا التقسيم هو من قبل أنفسهم لا من قبله تعالى. {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ} في نسبة ذلك التحريم إلى الله تعالى فأخبروني عن الله تعالى بعلم لا بافتراء ولا بتخرص وأنتم لا علم لكم بذلك إذ لم يأتكم بذلك وحي من الله تعالى فلا يمكن منكم تنبئة بذلك وفصل بهذه الجملة المعترضة بين المتعاطفين على سبيل التقريع لهم والتوبيخ، حيث لم يستندوا في تحريمهم إلا إلى الكذب البحت والافتراء.

الجيلاني

تفسير : {قَدْ خَسِرَ} وخاب خيبة مؤبدة الأعراب {ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهاً} مخالفة سبي وإملاق {بِغَيْرِ عِلْمٍ} منهم بما يؤول أمرهم عليه، ولا شك أن الرازق لعباده هو الله لا هم {وَ} أيضاً {حَرَّمُواْ} على نفوسهم {مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ} وأباح عليهم ن البحائر والسوائب وغيرها ونسبوا تحريمها {ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ} هوى وميلاً إلى الباطل، وبالجملة: {قَدْ ضَلُّواْ} بهذه الجرائم عن طريق الحق {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140] إلى توحيده وما يرجى منهم الهداية والفلاح أصلاً. {وَ} كيف تضلون عن طريق الحق أيها الجاهلون المسرفون مع أنه سبحانه {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ} لكم لمعاشكم في النشأة الأولى {جَنَّٰتٍ} من الكروم {مَّعْرُوشَٰتٍ} مرتفعات من الأرض {وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ} ملقيات على وجه الأرض {وَ} أنشأ لكم أيضاً {ٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ} أي: أكمل كل واحد منهما رطباً ويابساً {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً} بعضها ببعض {وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ} بل مختلف في الشكل والطعم {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} أي: ثمر كل واحد من المذكورات حيث شئتم {إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ} أي: أخرجوا حق الله منه على الوجه المفروض {يَوْمَ حَصَادِهِ} إدراكه وبدو صلاحه {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} في الأكل إلى حيث تقسى قلوبكم وبكل إدراككم {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] أي: لا يرضى: عنهم وعن فعلهم؛ إذ الأكل إنما هو لقوام البدن وتقوية الروح على فعله، وإسرافه يفضي إلى التعطيل والتكليل المخل للحكمة الإلهية. {وَ} إنشاء لكم أيضاً {مِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً} تحملون أثقالكم يوم ظعنكم {وَفَرْشاً} تفرشون من أصوافها وأشعارها وأوبارها المنسوجة تحتكم يوم إقامتكم {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} وأباحه عليكم منها {وَلاَ تَتَّبِعُواْ} أثر {خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ} ولا تسمعوا وساوسه في تحليل المحرمات وتحريم المباحات؛ يعني: لا تتبعوا أهويتكم التي هي من جنود الشياطين {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [الأنعام: 142] ظاهر العداوة فاجتنبوا من إغوائها.