٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
141
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى جعل مدار هذا الكتاب الشريف على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر، وأنه تعالى بالغ في تقرير هذه الأصول، وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة من أنكر البعث والقيامة، ثم أتبعه بحكاية أقوالهم الركيكة، وكلماتهم الفاسدة في مسائل أربعة. والمقصود التنبيه على ضعف عقولهم، وقلة محصولهم، وتنفير الناس عن الالتفات إلى قولهم، والاغترار بشبهاتهم فلما تمم هذه الأشياء عاد بعدها إلى ما هو المقصود الأصلي، وهو إقامة الدلائل على تقرير التوحيد فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ }. واعلم أنه قد سبق ذكر هذا الدليل في هذه السورة، وهو قوله: {أية : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} تفسير : [الأنعام: 99] فالآية المتقدمة ذكر تعالى فيها خمسة أنواع، وهي: الزرع والنخل، وجنات من أعناب والزيتون والرمان، وفي هذه الآية التي نحن في تفسيرها ذكر هذه الخمسة بأعيانها لكن على خلاف ذلك الترتيب لأنه ذكر العنب، ثم النخل، ثم الزرع، ثم الزيتون ثم الرمان وذكر في الآية المتقدمة {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } وفي هذه الآية {مُتَشَـٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } ثم ذكر في الآية المتقدمة {ٱنْظُرُواْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } فأمر تعالى هناك بالنظر في أحوالها والاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم، وذكر في هذه الآية {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } فأذن في الانتفاع بها، وأمر بصرف جزء منها إلى الفقراء، فالذي حصل به الامتياز بين الآيتين أن هناك أمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم وههنا أذن في الانتفاع بها، وذلك تنبيه على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم مقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الاستدلال بها سعادة روحانية أبدية والحاصل من الانتفاع بهذه سعادة جسمانية سريعة الانقضاء، والأول أولى بالتقديم، فلهذا السبب قدم الله تعالى الأمر بالاستدلال بها على الإذن بالانتفاع بها. المسألة الثانية: قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ } أي خلق، يقال: نشأ الشيء ينشأ نشأة ونشاءة إذا ظهر وارتفع والله ينشئه إنشاء أي يظهره ويرفعه وقوله: {جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ } يقال عرشت الكرم أعرشه عرشاً وعرشته تعريشاً، إذا عطفت العيدان التي يرسل عليها قضبان الكرم، والواحد عرش، والجمع عروش، ويقال: عريش وجمعه عرش، واعترش العنب العريش اعتراشاً إذا علاه. إذا عرفت هذا فنقول: في قوله: {مَّعْرُوشَـٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ } أقوال: الأول: أن المعروشات وغير المعروشات كلاهما الكرم، فإن بعض الأعناب يعرش وبعضها لا يعرش، بل يبقى على وجه الأرض منبسطاً. والثاني: المعروشات العنب الذي يجعل لها عروش، وغير المعروشات كل ما ينبت منبسطاً على وجه الأرض مثل القرع والبطيخ. والثالث: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه، وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير المعروش هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وذهابه علواً لقوة ساقه عن التعريش. والرابع: المعروشات ما يحصل في البساتين والعمرانات مما يغرسه الناس واهتموا به فعرشوه {وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ } مما أنبته الله تعالى وحشياً في البراري والجبال فهو غير معروش وقوله: {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ } فسر ابن عباس {ٱلزَّرْعَ } ههنا بجميع الحبوب التي يقتات بها {مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } أي لكل شيء منها طعم غير طعم الآخر {والأكل} كل ما أكل، وههنا المراد ثمر النخل والزرع، ومضى القول في {ٱلأُكُلِ } عند قوله: {أية : فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ }تفسير : [البقرة: 265] وقوله: {مُخْتَلِفًا } نصب على الحال أي أنشأه في حال اختلاف أكله، وهو قد أنشأه من قبل ظهور أكله وأكل ثمره. الجواب: أنه تعالى أنشأها حال اختلاف ثمرها وصدق هذا لا ينافي صدق أنه تعالى أنشأها قبل ذلك أيضاً وأيضاً نصب على الحال مع أنه يؤكل بعد ذلك بزمان، لأن اختلاف أكله مقدر كما تقول: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً، أي مقدراً للصيد به غداً. وقرأ ابن كثير ونافع {أَكَلَهُ } بتخفيف الكاف والباقون {أَكَلَهُ } في كل القرآن وأما توحيد الضمير في قوله: {مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } فالسبب فيه: أنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعاً كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفسير : [الجمعة: 11] والمعنى: إليهما وقوله: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة: 62]. وأما قوله: {مُتَشَـٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } فقد سبق تفسيره في الآية المتقدمة. ثم قال تعالى: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } وفيه مباحث. البحث الأول: أنه تعالى لما ذكر كيفية خلقه لهذه الأشياء ذكر ما هو المقصود الأصلي من خلقها، وهو انتفاع المكلفين بها، فقال: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } واختلفوا ما الفائدة منه؟ فقال بعضهم: الإباحة. وقال آخرون: بل المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه، كان يجوز أن يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المساكين فيه، بل هذا هو الظاهر فأباح تعالى هذا الأكل، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعاً من هذا التصرف. وقال بعضهم: بل أباح تعالى ذلك ليبين أن المقصد بخلق هذه النعم إما الأكل وإما التصدق، وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق، لأن رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير. قال تعالى: {أية : وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } تفسير : [القصص: 77]. البحث الثاني: تمسك بعضهم بقوله: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } بأن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق، لأن قوله: {كُلُواْ } خطاب عام يتناول الكل، فصار هذا جارياً مجرى قوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً }تفسير : [البقرة: 29] وأيضاً يمكن التمسك به على أن الأصل عدم وجوب الصدقة، وأن من ادعى إيجابه كان هو المحتاج إلى الدليل، فيتمسك به في أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر، لا يلزمه قضاء ما مضى، وفي أن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام. البحث الثالث: قوله: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } يدل على أن صيغة الأمر قد ترد في غير موضع الوجوب وفي غير موضع الندب، وعند هذا قال بعضهم: الأصل في الاستعمال الحقيقة، فوجب جعل هذه الصيغة مفيدة لرفع الحجر، فلهذا قالوا: الأمر مقتضاه الإباحة، إلا أنا نقول: نعلم بالضرورة من لغة العرب أن هذه الصيغة تفيد ترجيح جانب الفعل، وأن حملها على الإباحة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل. أما قوله تعالى: {وآتو حقه يوم حصاده} ففيه أبحاث: البحث الأول: قرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم {حَصَادِهِ } بفتح الحاء والباقون بكسر الحاء قال الواحدي: قال جميع أهل اللغة يقال: حصاد وحصاد، وجداد وجداد، وقطاف وقطاف، وجذاذ وجذاذ، وقال سيبويه جاؤا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال، وربما قالوا فيه فعال. البحث الثاني: في تفسير قوله: {وآتو حقه} ثلاثة أقوال. القول الأول: قال ابن عباس في رواية عطاء يريد به العشر فيما سقت السماء، ونصف العشر فيما سقي بالدواليب، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك. فإن قالوا: كيف يؤدي الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل؟ وأيضاً هذه السورة مكية، وإيجاب الزكاة مدني. قلنا: لما تعذر إجراء قوله: {وآتو حقه} على ظاهره بالدليل الذي ذكرتم لا جرم حلمناه على تعلق حق الزكاة به في ذلك الوقت، والمعنى: اعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء. والجواب عن السؤال الثاني: لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة في مكة، بل لا نزاع أن الآية المدنية وردت بإيجابها، إلا أن ذلك لا يمنع أنها كانت واجبة بمكة. وقيل أيضاً: هذه الآية مدنية. والقول الثاني: أن هذا حق في المال سوى الزكاة. وقال مجاهد: إذا حصدت فحضرت المساكين فاطرح لهم منه، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا كربلته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته. والقول الثالث: أن هذا كان قبل وجوب الزكاة، فلما فرضت الزكاة نسخ هذا، وهذا قول سعيد بن جبير، والأصح هو القول الأول، والدليل عليه أن قوله تعالى: {وآتوا حقه} إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية لئلا تبقى هذه الآية مجملة وقد قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ليس في المال حق سوى الزكاة» تفسير : فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة. البحث الثالث: قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} بعد ذكر الأنواع الخمسة، وهو العنب والنخل، والزيتون، والرمان؛ يدل عى وجوب الزكاة في الكل، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار، كما كان يقوله أبو حنيفة رحمه الله. فإن قالوا: لفظ الحصاد مخصوص بالزرع فنقول: لفظ الحصد في أصل اللغة غير مخصوص بالزرع، والدليل عليه، أن الحصد في اللغة عبارة عن القطع، وذلك يتناول الكل وأيضاً الضمير في قوله حصاده يجب عوده إلى أقرب المذكورات وذلك هو الزيتون والرمان، فوجب أن يكون الضمير عائداً إليه. البحث الرابع: قال أبو حنيفة رحمه الله: العشر واجب في القليل والكثير. وقال الأكثرون إنه لا يجب إلا إذا بلغ خمسة أوسق. واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية، فقال: قوله: {وآتو حقه يوم حصاده} يقتضي ثبوت حق في القليل والكثير، فإذا كان ذلك الحق هو الزكاة وجب القول بوجوب الزكاة في القليل والكثير. أما قوله تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُواْ } فاعلم أن لأهل اللغة في تفسير الإسراف قولين: الأول: قال ابن الأعرابي: السرف تجاوز ما حد لك. الثاني: قال شمر: سرف المال، ما ذهب منه من غير منفعة. إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين فيه أقوال: الأول: أن الإنسان إذا أعطى كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف، لأنه جاء في الخبر، «حديث : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»تفسير : . وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها، ثم قسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فأنزل الله تعالى قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} أي ولا تعطوا كله. والثاني: قال سعيد بن المسيب: {لا تُسْرِفُواْ } أي لا تمنعوا الصدقة، وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد، إلا أن الأول مجاوزة في الإعطاء، والثاني: مجاوزة في المنع. الثالث: قال مقاتل: معناه: لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام، وهذا أيضاً من باب المجاوزة، لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام، فقد جاوز ما حد له. الرابع: قال الزهري معناه: لا تنفقوا في معصية الله تعالى. قال مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً، فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفاً. ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً. وهذا المعنى أراده حاتم الطائي حين قيل له: لا خير في السرف فقال لا سرف في الخير، وهذا على القول الثاني في معنى السرف، فإن من أنفق في معصية الله، فقد أنفق فيما لا نفع فيه. ثم قال تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ } والمقصود منه الزجر، لأن كل مكلف لا يحبه الله تعالى فهو من أهل النار، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم } تفسير : [المائدة: 18] فدل هذا على أن كل من أحبه الله فليس هو من أهل النار وذلك يفيد من بعض الوجوه أن من لم يحبه الله فهو من أهل النار.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {أَنشَأَ} أي خلق. {جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ} أي بساتين ممسوكات مرفوعات. {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} غير مرفوعات. قال ٱبن عباس: «مَعْرُوشَاتٍ» ما ٱنبسط على الأرض مما يفْرِشُ مثل الكروم والزروع والبَطّيخ. «وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ» ما قام على ساق مثل النخل وسائر الأشجار. وقيل: المعروشات ما ٱرتفعت أشجارها. وأصل التعريش الرفع. وعن ٱبن عباس أيضاً: المعروشات ما أثبته ورفعه الناس. وغير المعروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمار. يدل عليه قراءة عليّ رضي الله عنه «مَغْرُوسَاتٍ وَغَيْرَ مَغْرُوسَاتٍ» بالغين المعجمة والسين المهملة. الثانية: قوله تعالى: {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ} أفردهما بالذكر وهما داخلان في الجنات لما فيهما من الفضيلة؛ على ما تقدم بيانه في «البقرة» عند قوله: {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ}تفسير : [البقرة: 98] الآية. {مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ} يعني طعمه منه الجيّد والدُّون. وسمّاه أكلاً لأنه يؤكل. و«أُكُلُهُ» مرفوع بالابتداء. و«مُخْتَلِفاً» نعته؛ ولكنه لما تقدم عليه ووَلِي منصوباً نُصب. كما تقول: عندي طباخاً غلام. قال:شعر : الشَّرُّ مُنْتَشِرٌ يَلقاك عن عُرُض والصالحاتُ عليها مُغلقاً بابُ تفسير : وقيل: «مُخْتَلِفاً» نصب على الحال. قال أبو إسحاق الزجاج: وهذه مسألة مُشْكِلة من النحو؛ لأنه يقال: قد أنشأها ولم يختلف أكلها وهو ثمرها؛ فالجواب أن الله سبحانه أنشأها بقوله: «خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» فأعلم أنه أنشأها مختلفاً أكلها؛ أي أنه أنشأها مقدّراً فيه الاختلاف؛ وقد بيّن هذا سيبويه بقوله: مررت برجل معه صَقْرٌ صائداً به غداً، على الحال؛ كما تقول: لتدخلُنّ الدار آكلين شاربين؛ أي مقدّرين ذلك. جواب ثالث: ـ أي لما أنشأه كان مختلفاً أكله، على معنى أنه لو كان له أكُلٌ لكان مختلفاً أكله. ولم يقل أكلهما؛ لأنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما؛ كقوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}تفسير : [الجمعة: 11] أي إليهما. وقد تقدّم هذا المعنى. الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} عطف عليه {مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} نصب على الحال، وقد تقدم القول فيه. وفي هذه أدلة ثلاثة؛ أحدها: ما تقدم من قيام الدليل على أن المتغيرات لا بدّ لها من مغيِّر. الثاني: على المِنَّة منه سبحانه علينا؛ فلو شاء إذ خلقنا ألاّ يخلق لنا غذاء، وإذا خلقه ألاّ يكون جميل المَنْظر طيّب الطعم، وإذْ خلقه كذلك ألاّ يكون سهل الجَنْيِ؛ فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء؛ لأنه لا يجب عليه شيء. الثالث: على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرّسوب يصعَد بقدرة الله الواحِد عَلاّمِ الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها، حتى إذا ٱنتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراقٌ ليست من جنسها، وثمرٌ خارج من صفته الجِرْم الوافر، واللون الزاهر، والجَنَى الجديد، والطعم اللذيذ؛ فأين الطبائع وأجناسها، وأين الفلاسفة وأُناسُها، هل في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان، أو ترتّب هذا الترتيب العجيب! كلا! لا يتم ذلك في العقول إلا لِحَيّ عالمٍ قديرٍ مُريدٍ. فسبحان من له في كل شيء آية ونهاية! ووجه ٱتّصال هذا بما قبله أن الكفار لما افتَرَوْا على الله الكذب وأشركوا معه وحَلّلوا وحرّموا دَلّهُم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء، وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقاً لهم. الرابعة: قوله تعالى: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} فهذان بناءان جاءا بصيغة ٱفْعَلْ؛ أحدهما مباح كقوله: {أية : فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الجمعة: 10] والثاني واجب. وليس يمتنع في الشريعة ٱقتران المباح والواجب، وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق ليبيّن أن الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف. الخامسة: قوله تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} اختلف الناس في تفسير هذا الحق ما هو؛ فقال أنس بن مالك وٱبن عباس وطاوس والحسن وٱبن زيد وٱبن الحنفية والضّحاك وسعيد بن المسيب: هي الزكاة المفروضة، العُشْر ونِصْفُ العُشْر. ورواه ٱبن وَهْب وٱبن القاسم عن مالك في تفسير الآية، وبه قال بعض أصحاب الشافعيّ. وحكى الزجاج أن هذه الآيةَ قيل فيها أنها نزلت بالمدينة. وقال عليّ بن الحسين وعطاء والحَكَم وحمّاد وسعيد بن جُبير ومجاهد: هو حقٌّ في المال سوى الزكاة، أمر الله به نَدْباً. وروي عن ابن عمر ومحمد بن الحنفية أيضاً، ورواه أبو سعيد الخُدْرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال مجاهد: إذا حَصَدت فحضرك المساكين فٱطرح لهم من السُّنْبل، وإذا جَذَذت فألق لهم من الشماريخ، وإذا درسته ودسته وذَرّيْته فٱطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته. وقول ثالث هو منسوخ بالزكاة؛ لأن هذه السورة مكية وآية الزكاة لم تنزل إلا بالمدينة: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}تفسير : [التوبة: 103]، {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [البقرة: 43]. روي عن ٱبن عباس وٱبن الحنفية والحسن وعطية العَوْفي والنَّخَعِيّ وسعيد بن جبير. وقال سفيان: سألت السُّدّي عن هذه الآية فقال: نسخها العُشْر ونصف العُشر. فقلت عمّن؟ فقال عن العلماء. السادسة: وقد تعلّق أبو حنيفة بهذه الآية وبعموم ما في قوله عليه السلام: «حديث : فيما سَقَتِ السماءُ العُشْر وفيما سُقِي بنَضْح أو دَالِية نصفُ العُشْر»تفسير : في إيجاب الزكاة في كل ما تُنبت الأرض طعاماً كان أو غيره. وقال أبو يوسف عنه: إلا الحطب والحشيش والقَضْب والتِّين والسعف وقصَب الذرِيرة وقصب السكر. وأباه الجمهور، معوّلين على أن المقصود من الحديث بيان ما يؤخذ منه العشر وما يؤخذ منه نصف العشر. قال أبو عمر: لا ٱختلاف بين العلماء فيما علمت أن الزكاة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وقالت طائفة: لا زكاة في غيرها. رُوي ذلك عن الحسن وٱبنِ سِيرين والشَّعْبيّ. وقال به من الكوفيين ٱبن أبي لَيْلَى والثّورِيّ والحسن بن صالح وٱبن المبارك ويحيى بن آدم، وإليه ذهب أبو عبيد. ورُوي ذلك عن أبي موسى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب أبي موسى، فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة والشعير والتمر والزبيب؛ ذكره وَكيع عن طلحة بن يحيـى عن أبي بُرْدة عن أبيه. وقال مالك وأصحابه: الزكاة واجبة في كل مُقتات مدخر؛ وبه قال الشافعيّ. وقال الشافعيّ: إنما تجب الزكاة فيما يَيْبس ويُدَّخر ويقتات مأكولاً. ولا شيء في الزيتون لأنه إدام. وقال أبو ثور مثله. وقال أحمد أقوالاً أظهرها أن الزكاة إنما تجب في كل ما قاله أبو حنيفة إذا كان يُوسق؛ فأوجبها في اللَّوْز لأنه مكيل دون الجَوْز لأنه معدود. وٱحتج بقوله عليه السلام: «حديث : ليس فيما دون خمسة أوْسُق من تمر أو حب صدقة»تفسير : قال: فبيّن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن محل الواجب هو الوَسْقُ، وبيّن المقدار الذي يجب إخراج الحق منه. وذهب النَّخَعِيّ إلى أن الزكاة واجبة في كل ما أخرجته الأرض، حتى في عشر دَساتِج من بقل دستجةُ بقل. وقد ٱختلف عنه في ذلك، وهو قول عمر بن عبد العزيز فإنه كتب أن يؤخذ مما تنبت الأرض من قليل أو كثير العُشْر؛ ذكره عبد الرازق عن مَعْمَر عن سِماك بن الفضل، قال: كتب عمر...؛ فذكره. وهو قول حماد بن أبي سليمان وتلميذِه أبي حنيفة. وإلى هذا مال ٱبن العربيّ في أحكامه فقال: وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق، وأخذ يَعْضُد مذهب الحنفِيّ ويقوّيه. وقال في كتاب (القبس بما عليه الإمام مالك بن أنس) فقال: قال الله تعالى: {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}. وٱختلف الناس في وجوب الزكاة في جميع ما تضمنته أو بعضه، وقد بيّنا ذلك، في (الأحكام) لُبَابُه، أن الزكاة إنما تتعلق بالمقْتات كما بيّنا دون الخضراوات؛ وقد كان بالطائف الرمان والفِرسِك والأُتْرُجُّ فما ٱعترضه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ذكره ولا أحد من خلفائه. قلت: هذا وإن لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في المسألة، وأن الخضراوات ليس فيها شيء. وأما الآية فقد ٱختلف فيها، هل هي محكمة أو منسوخة أو محمولة على النَّدْب. ولا قاطع يبين أحد مَحَامِلها، بل القاطع المعلوم ما ذكره ابن بكير في أحكامه: أن الكوفة ٱفتتحت بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم وبعد ٱستقرار الأحكام في المدينة، أفيجوز أن يتوهّم متوهمٌ أو من له أدنى بصيرة أن تكون شريعة مثل هذه عُطّلت فلم يُعمل بها في دار الهجرة ومُستقَر الوحي ولا في خلافة أبي بكر، حتى عمِل بذلك الكوفيون؟. إن هذه لمصيبة فيمن ظن هذا وقال به!. قلت: ومما يدلّ على هذا من معنى التنزيل قوله تعالى: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}تفسير : [المائدة: 67] أتراه يكتم شيئاً أُمِر بتبليغه أو ببيانه؟ حاشاه عن ذلك وقال تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} تفسير : [المائدة: 3] ومن كمال الدّين كونه لم يأخذ من الخضراوات شيئاً. وقال جابر بن عبد الله فيما رواه الدّارَقُطْنِيّ: إن المقاثىء كانت تكون عندنا تُخرج عشرة آلاف فلا يكون فيها شيء. وقال الزُّهْرِيّ والحسن: تُزَكى أثمان الخضر إذا بيعت وبلغ الثمن مائتي درهم؛ وقاله الأوزاعيّ في ثمن الفواكه. ولا حجة في قولهما لما ذكرنا. وقد روى الترمذيّ حديث : عن معاذ أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي البقول فقال: «ليس فيها شيء»تفسير : . وقد رُوي هذا المعنى عن جابر وأنس وعليّ ومحمد بن عبد الله بن جحش وأبي موسى وعائشة. ذكر أحاديثهم الدّارَقُطْنِيّ رحمه الله. قال الترمذيّ: ليس يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء. وٱحتج بعض أصحاب أبي حنيفة بحديث صالح بن موسى عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة»تفسير : . قال أبو عمر: وهذا حديث لم يروه من ثقات أصحاب منصور أحد هكذا، وإنما هو من قول إبراهيم. قلت: وإذا سقط الاستدلال من جهة السُّنّة لضعف أسانيدها فلم يبق إلا ما ذكرناه من تخصيص عموم الآية، وعموم قوله عليه السلام: «حديث : فيما سقت السماء العُشْر» تفسير : بما ذكرنا. وقال أبو يوسف ومحمد: ليس في شيء من الخضر زكاة إلا ما كانت له ثمرة باقية، سوى الزعفران ونحوه مما يوزن ففيه الزكاة. وكان محمد يعتبر في العُصْفر والكَتّان البزر، فإذا بلغ بزرهما من القرطم والكتان خمسة أوسق كان العُصْفر والكتان تبعاً للبزر، وأخذ منه العشر أو نصف العشر. وأما القطن فليس فيه عنده دون خمسة أحمال شيء؛ والحمل ثلثمائة مَنٍّ بالعراقيّ. والوَرْس والزعفران ليس فيما دون خمسة أمْنَان منها شيء. فإذا بلغ أحدهما خمسة أمنان كانت فيه الصدقة، عُشْراً أو نصف العشر. وقال أبو يوسف: وكذلك قصب السكر الذي يكون منه السكر، ويكون في أرض العُشْر دون أرض الخرَاج، فيه ما في الزعفران. وأوجب عبد الملك بن الماجِشُون الزكاة في أصول الثمار دون البقول. وهذا خلاف ما عليه مالك وأصحابه، لا زكاة عندهم لا في اللَّوز ولا في الجَوْز ولا في الجلَّوْز وما كان مثلها، وإن كان ذلك يدّخَر. كما أنه لا زكاة عندهم في الإجّاص ولا في التفاح ولا في الكُمَّثْرَى، ولا ما كان مثل ذلك كله مما لا ييبس ولا يُدّخر. وٱختلفوا في التين؛ والأشهر عند أهل المغرب ممن يذهب مذهب مالك أنه لا زكاة عندهم في التّين. إلا عبد الملك بن حبيب فإنه كان يرى فيه الزكاة على مذهب مالك، قياساً على التمر والزبيب. وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم البغداديين المالكيين، إسماعيل بن إسحاق ومن ٱتبعه. قال مالك في الموطّأ: السنّة التي لا ٱختلاف فيها عندنا، والذي سمعته من أهل العلم، أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة: الرمّان والفِرْسَك والتّين وما أشبه ذلك. وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه. قال أبو عمر: فأدخل التّين في هذا الباب، وأظنه (والله أعلم) لم يعلم بأنه يُيْبَس ويُدّخَر ويُقتات، ولو علم ذلك ما أدخله في هذا الباب؛ لأنه أشبه بالتمر والزبيب منه بالرمان. وقد بلغني عن الأبْهَرِيّ وجماعة من أصحابه أنهم كانوا يُفتون بالزكاة فيه، ويرونه مذهب مالك على أصوله عندهم. والتين مكيل يراعى فيه الخمسة الأوْسُق وما كان مثلها وَزْناً، ويُحكم في التين عندهم بحكم التمر والزبيب المجتمع عليهما. وقال الشافعيّ: لا زكاة في شيء من الثمار غير التمر والعنب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الصدقة منهما وكانا قوتاً بالحجاز يدّخر. قال: وقد يدخر الجوز واللوز ولا زكاة فيهما؛ لأنهما لم يكونا بالحجاز قوتاً فيما علمت، وإنما كانا فاكهة. ولا زكاة في الزيتون؛ لقوله تعالى: {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ}. فقرنه مع الرمان، ولا زكاة فيه. وأيضاً فإن التين أنفع منه في القوت ولا زكاة فيه. وللشافعيّ قول بزكاة الزيتون قاله بالعراق، والأوّل قاله بمصر؛ فاضطرب قول الشافعيّ في الزيتون، ولم يختلف فيه قول مالك. فدلّ على أن الآية محكمة عندهما غير منسوخة. وٱتفقا جميعاً على أن لا زكاة في الرمّان، وكان يلزمهما إيجاب الزكاة فيه. قال أبو عمر: فإن كان الرمّان خرج باتفاق فقد بان بذلك المراد بأن الآية ليست على عمومها، وكان الضمير عائداً على بعض المذكور دون بعض. والله أعلم. قلت: بهذا ٱستدل من أوجب العشر في الخضراوات فإنه تعالى قال: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} والمذكور قبله الزيتون والرمّان، والمذكور عقيب جملة ينصرف إلى الأخير بلا خلاف؛ قاله الكِيَا الطبريّ. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: ما لَقِحت رمّانة قط إلا بقطرة من ماء الجنة. وروي عن عليّ كرّم الله وجهه أنه قال: إذا أكلتم الرمّانة فكلوها بشحمها فإنها دباغ المعدة. وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق عن ٱبن عباس قال: لا تكسروا الرمانة من رأسها فإن فيها دُودةً يعتري منها الْجُذام. وسيأتي منافع زيت الزيتون في سورة «المؤمنون» إن شاء الله تعالى. وممن قال بوجوب زكاة الزيتون الزُّهْرِي والأوزاعيّ والليث والثوريّ وأبو حنيفة وأصحابُه وأبو ثور. قال الزهريّ والأوزاعيّ والليث: يُخْرَصُ زيتوناً ويؤخذ زيتاً صافياً. وقال مالك: لا يخرص، ولكن يؤخذ العُشر بعد أن يُعصر ويبلُغ كيله خمسة أوْسق. وقال أبو حنيفة والثورِيّ: يؤخذ من حبه. السابعة: قوله تعالى: {يَوْمَ حَصَادِهِ} قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم «حَصَادِهِ» بفتح الحاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان مشهورتان؛ ومثله الصِّرام والصَّرام والجَذاذ والجِذَاذ والقَطَاف والقِطاف. واختلف العلماء في وقت الوجوب على ثلاثة أقوال: الأوّل: أنه وقت الجذاذ؛ قاله محمد بن مَسْلمة؛ لقوله تعالى: «يَوْم حَصَادِهِ». الثاني: يوم الطِّيب؛ لأن ما قبل الطيب يكون عَلفاً لا قُوتاً ولا طعاماً؛ فإذا طاب وحان الأكل الذي أنعم الله به وجب الحقّ الذي أمر الله به، إذ بتمام النعمة يجب شكر النعمة، ويكون الإيتاء وقت الحصاد لما قد وجب يوم الطِّيب. الثالث: أنه يكون بعد تمام الخَرْص؛ لأنه حينئذ يتحقق الواجب فيه من الزكاة فيكون شرطاً لوجوبها. أصله مجيء الساعي في الغنم؛ وبه قال المُغيرة. والصحيح الأوّل لنص التنزيل. والمشهور من المذهب الثاني، وبه قال الشافعي. وفائدة الخلاف إذا مات بعد الطِّيب زكّيت على ملكه، أو قبل الخَرْص على ورثته. وقال محمد بن مسلمة: إنما قدّم الخرص توسعةً على أرباب الثمار، ولو قدّم رجل زكاته بعد الخَرْص وقبل الجذاذ لم يُجْزه؛ لأنه أخرجها قبل وجوبها. وقد ٱختلف العلماء في القول بالخرص وهي: ـ الثامنة: فكرِهه الثوريّ ولم يُجْزِه بحال، وقال: الخرص غير مستعمل. قال: وإنما على ربِّ الحائط أن يؤدّيَ عشر ما يصير في يده للمساكين إذا بلغ خمسة أوْسُق. وروى الشيبانِيّ عن الشعبيّ أنه قال: الخرص اليومَ بدعةٌ. والجمهور على خلاف هذا، ثم ٱختلفوا فالمعظم على جوازه في النخل والعنب؛ لحديث عَتَّاب بن أَسِيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأمره أن يَخْرُص العنب كما يَخْرُص النخل وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ زكاة النخل تمراً. رواه أبو داود. وقال داود بن عليّ: الخرص للزكاة جائز في النخل، وغير جائز في العنب؛ ودفع حديث عتّاب بن أَسِيد لأنه منقطع ولا يتّصل من طريق صحيح، قاله أبو محمد عبد الحق. التاسعة: وصفة الخرص أن يُقَدّر ما على نخله رطباً ويقدّر ما ينقص لو يُتَمّر، ثم يعتدّ بما بقي بعد النقص ويضيف بعض ذلك إلى بعض حتى يكمل الحائط، وكذلك في العنب في كل دالية. العاشرة: ويكفي في الخرص الواحدُ كالحاكم. فإذا كان في التمر زيادة على ما خرص لم يلزم ربَّ الحائط الإخراجُ عنه، لأنه حكمٌ قد نفذ؛ قاله عبد الوهاب. وكذلك إذا نقص لم تنقص الزكاة. قال الحسن: كان المسلمون يُخْرَص عليهم ثم يؤخذ منهم على ذلك الخرص. الحادية عشرة: فإن استكثر ربّ الحائط الخرص خيّره الخارص في أن يعطيَه ما خَرَص وأخذ خرصه؛ ذكره عبد الرزاق أخبرنا ابن جُريج عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: خَرَص ٱبن رواحة أربعين ألف وَسْق، وزعم أن اليهود لما خيّرهم أخذوا التمر وأعطوه عشرين ألف وَسْق. قال ابن جريج فقلت لعطاء: فحقٌّ على الخارص إذا استكثر سَيِّدُ المال الخَرْص أن يخيّره كما خيّر ابنُ رواحة اليهودَ؟ قال: أي لعمري! وأيّ سُنّة خيرٌ من سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثانية عشرة: ولا يكون الخرص إلا بعد الطِّيب؛ لحديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث ٱبن رواحة إلى اليهود فَيَخْرُص عليهم النخلَ حين تطيب أوَّل التمرة قبل أن يؤكل منها، ثم يخيّر يهوداً يأخذونها بذلك الخرص أو يدفعونها إليه. وإنما كان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتُفَرّق. أخرجه الدّارَقُطْنِيّ من حديث ابن جريج عن الزهريّ عن عروة عن عائشة. قال: ورواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهرِيّ عن ابن المسيِّب عن أبي هريرة، وأرسله مالك ومَعْمر وعقيل عن الزهريّ عن سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. الثالثة عشرة: فإذا خَرص الخارص فحكمه أن يُسقط من خرصه مقداراً مَا؛ لما رواه أبو داود والترمذيّ والبُسْتِيّ في صحيحه عن سهل بن أبي حَثْمة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : إذا خرصتم فخذوا ودَعُوا الثلث فإن لم تدَعوا الثلث فدعوا الرّبع»تفسير : . لفظ الترمذي. قال أبو داود: الخارص يدع الثلث للخُرْفة. وكذا قال يحيـى القَطّان. وقال أبو حاتم البُسْتِيّ: لهذا الخبر صفتان: أحدهما أن يترك الثلث أو الربع من العشر، والثاني أن يترك ذلك من نفس التمر قبل أن يُعشر، إذا كان ذلك حائطاً كبيراً يحتمله. الخُرْفة بضم الخاء: ما يُخْتَرَف من النخل حين يُدْرِك ثمره، أي يُجْتَنَى. يقال: التمر خرفةُ الصائم؛ عن الجوهرِيّ والهَروِيّ. والمشهور من مذهب مالك أنه لا يَترك الخارصُ شيئاً في حين خَرصه من تمر النخل والعنب إلا خَرَصه. وقد روى بعض المدنيين أنه يخفف في الخرص ويترك للعَرايا والصّلة ونحوها. الرابعة عشرة: فإن لَحِقت الثمرة جائحةٌ بعد الخرص وقبل الجذاذ سقطت الزكاة عنه بإجماع من أهل العلم، إلا أن يكون فيما بقي منه خمسة أوْسق فصاعداً. الخامسة عشرة: ولا زكاة في أقل من خمسة أوْسق، كذا جاء مبيَّناً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهو في الكتاب مُجْمَل، قال الله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ}تفسير : [البقرة: 267]. وقال تعالى: «وَآتُوا حَقَّهُ». ثم وقع البيان بالعُشر ونصف العُشر. ثم لما كان المقدار الذي إذا بلغه المال أخذ منه الحق مُجملاً بيّنه أيضاً فقال: «حديث : ليس فيما دون خمسة أوْسق من تمر أو حب صدقة»تفسير : وهو ينفي الصدقة في الخضراوات، إذ ليس مما يُوسق؛ فمن حصل له خمسة أوْسق في نصيبه من تمر أو حب وجبت عليه الزكاة، وكذلك من زبيب؛ وهو المسمَّى بالنصاب عند العلماء. يقال: وِسْق ووَسْق (بكسر الواو وفتحها) وهو ستون صاعاً، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالبغداديّ ومبلغ الخمسة الأوْسق من الأمداد ألف مدّ ومائتا مدّ، وهي بالوزن ألف رِطل وستمائة رِطل. السادسة عشرة: ومن حصل له من تمر وزبيب معاً خمسةُ أوْسُق لم تلزمه الزكاة إجماعاً؛ لأنهما صنفان مختلفان. وكذلك أجمعوا على أنه لا يضاف التمر إلى البُر ولا البر إلى الزبيب؛ ولا الإبل إلى البقر، ولا البقر إلى الغنم. ويضاف الضأن إلى المَعْز بإجماع. واختلفوا في ضم البُرّ إلى الشعير والسَّلْت وهي: ـ السابعة عشرة: فأجازه مالك في هذه الثلاثة خاصّةً فقط؛ لأنها في معنى الصِّنف الواحد لتقاربها في المنفعة واجتماعها في المنبت والمحصد، وافتراقها في الاسم لا يوجب افتراقها في الحكم كالجواميس والبقر، والمعز والغنم. وقال الشافعيّ وغيره: لا يجمع بينها؛ لأنها أصناف مختلفة، وصفاتها متباينة، وأسماؤها متغايرة، وطعمها مختلف؛ وذلك يوجب افتراقها. والله أعلم. قال مالك: والقَطَانيّ كلها صِنف واحد، يُضَمّ بعضها إلى بعض. وقال الشافعيّ: لا تُضم حبة عُرفت باسم منفرد دون صاحبتها، وهي خلافها مباينة في الخلقة والطعم إلى غيرها. ويُضَمُّ كل صنف بعضه إلى بعض، رَدِيئهُ إلى جَيّده؛ كالتمر وأنواعه، والزبيب أسودِه وأحمره، والحنطةِ وأنواعها من السمراء وغيرها. وهو قول الثَّوْرِيّ وأبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد وأبي ثور. وقال اللّيث: تُضم الحبوب كلها: القُطنية وغيرها بعضها إلى بعض في الزكاة. وكان أحمد بن حنبل يَجبُن عن ضم الذهب إلى الوَرِق، وضم الحبوب بعضها إلى بعض، ثم كان في آخر أمره يقول فيها بقول الشافعيّ. الثامنة عشرة: قال مالك: وما استهلكه منه ربُّه بعد بُدُوِّ صلاحه أو بعد ما أفْرك حسِب عليه، وما أعطاه ربُّه منه في حصاده وجذاذه، ومن الزيتون في التقاطه، تَحَرّى ذلك وحُسب عليه. وأكثر الفقهاء يخالفونه في ذلك، ولا يوجبون الزكاة إلا فيما حصل في يده بعد الدَّرْس. قال الليث في زكاة الحبوب: يُبدأ بها قبل النفقة، وما أكل من فرِيك هو وأهله فلا يحسب عليه، بمنزلة الرّطب الذي يترك لأهل الحائط يأكلونه فلا يُخْرَص عليهم. وقال الشافعيّ: يترك الخارِصُ لربّ الحائط ما يأكله هو وأهله رطباً، لا يَخْرصه عليهم. وما أكله وهو رطب لم يُحسب عليه. قال أبو عمر: ٱحتج الشافعيّ ومن وافقه بقول الله تعالى: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}. وٱستدلّوا على أنه لا يُحتسب بالمأكول قبل الحصاد بهذه الآية. وٱحتجوا بقوله عليه السلام: «حديث : إذا خرصتم فدعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع»تفسير : . وما أكلت الدواب والبقر منه عند الدّرس لم يُحسب منه شيء على صاحبه عند مالك وغيره. التاسعة عشرة: وما بيع من الفول والحِمّص والجُلبان أخضر؛ تحرّى مقدار ذلك يابساً وأخرجت زكاته حبًّا. وكذا ما بيع من الثمر أخضر ٱعتبر وتُوُخّى وخرص يابساً وأخرجت زكاته على ذلك الخرص زبيباً وتمراً. وقيل: يخرج من ثمنه. الموفية عشرين: وأما ما لا يتتمّر من ثمر النخل ولا يتزبّب من العنب كعنب مصر (وبلحها)، وكذلك زيتونها الذي لا يُعصر، فقال مالك: تخرج زكاته من ثمنه، لا يكلّف غير ذلك صاحبه، ولا يراعَى فيه بلوغ ثمنه عشرين مثقالاً أو مائتي درهم، وإنما ينظر إلى ما يرى أنه يبلغه خمسة أوسق فأكثر. وقال الشافعيّ: يخرج عشره أو نصف عشره من وسطه تمراً إذا أكله أهله رطباً أو أطعموه. الحادية والعشرون: روى أبو داود عن ٱبن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بَعْلاً العشر، وفيما سُقي بالسواني أو النَّضْح نصف العشر وكذلك إن كان يشرب سَيْحاً فيه العشر»تفسير : . وهو الماء الجاري على وجه الأرض؛ قاله ٱبن السِّكِّيت. ولفظ السَّيْح مذكور في الحديث، خرّجه النَّسائيّ. فإن كان يشرب بالسّيح لكن ربّ الأرض لا يملك ماء وإنما يكتريه له فهو كالسماء؛ على المشهور من المذهب. ورأى أبو الحسن اللخميّ أنه كالنضح؛ فلو سُقي مرّة بماء السماء ومَرّة بداليِة؛ فقال مالك: يُنظر إلى ما تمّ به الزرع وحيـي وكان أكثر؛ فيتعلّق الحكم عليه. هذه رواية ٱبنِ القاسم عنه. ورَوى عنه ٱبن وهب: إذا سُقي نصف سنة بالعيون ثم انقطع فسُقي بقيّة السنة بالناضح فإنّ عليه نصف زكاته عشراً، والنصف الآخر نصف العشر. وقال مَرّة: زكاته بالذي تمت به حياته. وقال الشافعيّ: يُزَكَّى كلُّ واحد منهما بحسابه. مثاله أن يشرب شهرين بالنضح وأربعة بالسماء؛ فيكون فيه ثلثا العشر لماء السماء وسدس العشر للنضح! وهكذا ما زاد ونقص بحسابه. وبهذا كان يفْتي بكّار بن قتيبة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يُنظر إلى الأغلب فيزكّى، ولا يلتفت إلى ما سوى ذلك. وروي عن الشافعيّ. قال الطحاوِيّ: قد ٱتفق الجميع على أنه لو سقاه بماء المطر يوماً أو يومين أنه لا ٱعتبار به، ولا يجعل لذلك حصّة؛ فدلّ على أن الاعتبار بالأغلب، والله أعلم. قلت: فهذه جملة من أحكام هذه الآية، ولعلّ غيرنا يأتي بأكثَر منها على ما يفتح الله له. وقد مضى في «البقرة» جملة من معنى هذه الآية، والحمد لله. الثانية والعشرون: وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس في حب ولا تمر صدقة»تفسير : فخرّجه النَّسائيّ. قال حمزة الكِنانيّ: لم يذكر في هذا الحديث «في حب» غير إسماعيل بن أمَيّة، وهو ثقة قرشِيّ من ولد سعيد بن العاص. قال: وهذه السّنة لم يروها أحد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من أصحابه غير أبي سعيد الخُدْرِيّ. قال أبو عمر: هو كما قال حمزة، وهذه سنة جليلة تلقّاها الجميع بالقبول، ولم يروها أحد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت محفوظٍ غيرُ أبي سعيد. وقد روى جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، ولكنه غريب. وقد وجدناه من حديث أبي هريرة بإسناد حسن. الثالثة والعشرون: قوله تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} الإسراف في اللغة الخطأ. وقال أعرابي أراد قوماً: طلبتكم فَسَرِفْتكم؛ أي أخطأت موضعكم. وقال الشاعر:شعر : وقال قائلهم والخيلُ تخبِطُهم أسرفتم فأجبنا أننا سَرَف تفسير : والإسراف في النفقة: التبذير. ومُسرف لقب مسلم بن عُقْبَةَ المُرِّي صاحب وقعة الحَرَّة؛ لأنه قد أسرف فيها. قال عليّ بن عبد الله بن العباس:شعر : هُمُ منعوا ذِمارِي يوم جاءت كتائبُ مُسْرِفٍ وبنِي اللَّكِيعهْ تفسير : والمعنى المقصود من الآية: لا تأخذوا الشيء بغير حقه ثم تضعوه في غير حقه؛ قاله أصْبَغ بن الفرج. ونحوه قول إياس بن معاوية: ما جاوزتَ به أمر الله فهو سَرَف وإسراف. وقال ٱبن زيد: هو خطاب للوُلاة، يقول: لا تأخذوا فوق حقكم وما لا يجب على الناس. والمعنيان يحتملهما قوله عليه السلام: «حديث : المُعْتَدِي في الصدقة كمانِعها»تفسير : . وقال مجاهد: لو كان أبو قُبيس ذهباً لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مُسْرفاً، ولو أنفق درهماً أو مُدًّا في معصية الله كان مسرفاً. وفي هذا المعنى قيل لحاتم: لا خير في السّرف؛ فقال: لا سَرَف في الخير. قلت: وهذا ضعيف؛ يردّه ما رَوى ٱبن عباس أن ثابت بن قَيس بن شَمّاس عَمَد إلى خمسمائة نخلة فجذّها ثم قسّمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئاً؛ فنزلت: «وَلاَ تُسْرِفُوا» أي لا تعطوا كلّه. وروى عبد الرزاق عن ٱبن جريج قال: جَذّ معاذ بن جبل نخله فلم يزل يتصدّق حتى لم يبق منه شيء: فنزل «ولا تسرفوا». قال السدّي: «ولا تسرفوا» أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. ورُوي عن معاوية بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله تعالى: «وَلاَ تُسْرِفُوا» قال: الإسراف ما قصّرتَ عن حق الله تعالى. قلت: فعلى هذا تكون الصدقة بجميع المال ومنع إخراج حق المساكين داخلين في حكم السرف، والعدل خلاف هذا؛ فيتصدق ويُبقي كما قال عليه السلام: «حديث : خير الصدقة ما كان عن ظَهْرِ غِنًى» تفسير : إلا أن يكون قوِيّ النفس غنيًّا بالله متوكّلاً عليه منفرداً لا عيال له، فله أن يتصدّق بجميع ماله، وكذلك يخرج الحق الواجب عليه من زكاة وما يَعُنّ في بعض الأحوال من الحقوق المتعيّنة في المال. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الإسراف ما لم يقدر على ردّه إلى الصلاح. والسّرَف ما يقدر على ردّه إلى الصلاح. وقال النّضْر بن شُميل: الإسراف التبذير والإفراط، والسرف الغفلة والجهل. قال جرير:شعر : أعْطَوْا هُنيدةَ يحدُوها ثمانية ما في عطائِهمُ مَنٌّ ولا سَرَفُ تفسير : أي إغفال، ويقال: خطأ. ورجلٌ سَرِف الفؤاد، أي مخطىء الفؤاد غافله. قال طَرفة:شعر : إنّ ٱمرأً سَرِفَ الفُؤاد يرى عَسلاً بماء سحابة شَتْمِي
البيضاوي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ} من الكروم. {مَّعْرُوشَـٰتٍ} مرفوعات على ما يحملها. {وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ} ملقيات على وجه الأرض. وقيل المعروشات ما غرسه الناس فعرشوه وغير معروشات ما نبت في البراري والجبال. {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} ثمره الذي يؤكل في الهيئة والكيفية، والضمير للزرع والباقي مقيس عليه، أو النخل والزرع داخل في حكمه لكونه معطوفاً عليه، أو للجميع على تقدير أكل ذلك أو كل واحد منهما ومختلفاً حالاً مقدرة لأنه لم يكن ذلك عند الإِنشاء. {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ} يتشابه بعض أفرادهما في اللون والطعم ولا يتشابه بعضها. {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} من ثمر كل واحد من ذلك. {إِذَا أَثْمَرَ} وإن لم يدرك ولم يينع بعد. وقيل فائدته رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله تعالى. {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ} يريد به ما كان يتصدق به يوم الحصاد لا الزكاة المقدرة لأنها فرضت بالمدينة والآية مكية. وقيل الزكاة والآية مدنية والأمر بإيتائها يوم الحصاد ليهتم به حينئذ حتى لا يؤخر عن وقت الأداء وليعلم أن الوجوب بالإِدراك لا بالتنقية. وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي {حَصَادِهِ} بكسر الحاء وهو لغة فيه. {وَلاَ تُسْرِفُواْ} في التصدق كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ } تفسير : [الإسراء: 29] {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} لا يرتضي فعلهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مبيناً أنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار والأنعام التي تصرف فيها هؤلاء المشركون بآرائهم الفاسدة، وقسموها وجزؤوها، فجعلوا منها حراماً وحلالاً، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِىۤ أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: معروشات: مسموكات، وفي رواية: فالمعروشات: ما عرش الناس، وغير معروشات: ما خرج في البر والجبال من الثمرات، وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس: معروشات: ما عرش من الكرم، وغير معروشات: ما لم يعرش من الكرم، وكذا قال السدي، وقال ابن جريج {مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}، قال: متشابهاً في المنظر، وغير متشابه في المطعم، وقال محمد بن كعب: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} قال: من رطبه وعنبه، وقوله تعالى: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال ابن جرير: قال بعضهم: هي الزكاة المفروضة، حدثنا عمرو، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: الزكاة المفروضة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} يعني: الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله، وكذا قال سعيد بن المسيب، وقال العوفي عن ابن عباس: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وذلك أن الرجل كان إذا زرع، فكان يوم حصاده، لم يخرج مما حصد شيئاً، فقال الله تعالى: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وذلك أن يعلم ما كيله؟ وحقه من كل عشرة واحد، وما يلقط الناس من سنبله، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في سننه من حديث محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى ابن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل جاذّ عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين، وهذا إسناد جيد قوي، وقال طاوس وأبو الشعثاء وقتادة والحسن والضحاك وابن جريج: هي الزكاة، وقال الحسن البصري: هي الصدقة من الحب والثمار، وكذا قال زيد بن أسلم، وقال آخرون: وهو حق آخر سوى الزكاة، وقال أشعث عن محمد بن سيرين، ونافع عن ابن عمر في قوله: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة، رواه ابن مردويه. وروى عبد الله بن المبارك وغيره عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح في قوله: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: يعطي من حضره يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة، وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين، طرحت لهم منه، وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: عند الزرع يعطي القبضة، وعند الصرام يعطي القبضة، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام، وقال الثوري: عن حماد عن إبراهيم النخعي قال: يعطي مثل الضغث، وقال ابن المبارك عن شريك عن سالم عن سعيد بن جبير: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: كان هذا قبل الزكاة، للمساكين القبضة، والضغث لعلف دابته، وفي حديث ابن لهيعة: عن دراج عن أبي الهيثم عن سعيد مرفوعاً: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: «حديث : ما سقط من السنبل» تفسير : رواه ابن مردويه، وقال آخرون: هذا شيء كان واجباً، ثم نسخه الله بالعشر، أو نصف العشر، حكاه ابن جرير عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية وإبراهيم النخعي والحسن والسدي وعطية العوفي وغيرهم، واختاره ابن جرير رحمه الله، قلت: وفي تسمية هذا نسخاً نظر؛ لأنه قد كان شيئاً واجباً في الأصل، ثم إنه فصل بيانه، وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم. وقد ذم الله سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون؛ كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة "ن": {أية : إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ } تفسير : [القلم:17-20] أي: كالليل المدلهم؛ سوداء محترقة {أية : فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰرِمِينَ فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ } تفسير : [القلم:21-25] أي: قوة وجلد وهمة {أية : قَـٰدِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ قَالُواْ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَـٰوَمُونَ قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَـٰغِينَ عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ وَلَعَذَابُ ٱلاَْخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } تفسير : [القلم:25-33]. وقوله تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} قيل: معناه: لا تسرفوا في الإعطاء؛ فتعطوا فوق المعروف، وقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئاً، ثم تباروا فيه، وأسرفوا، فأنزل الله: وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ وقال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، جذ نخلاً له، فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} رواه ابن جرير عنه، وقال ابن جريج عن عطاء: نهوا عن السرف في كل شيء، وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف، وقال السدي في قوله: {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} قال: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء، وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب في قوله: {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} قال: لا تمنعوا الصدقة، فتعصوا ربكم، ثم اختار ابن جرير قول عطاء: إنه نهي عن الإسراف في كل شيء، ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر والله أعلم من سياق الآية، حيث قال تعالى: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} أن يكون عائداً على الأكل، أي: لا تسرفوا في الأكل؛ لما فيه من مضرة العقل والبدن؛ كقوله تعالى: {أية : وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} تفسير : [الأعراف: 31] الآية. وفي صحيح البخاري تعليقاً: «حديث : كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير إسراف ولا مخيلة» تفسير : وهذا من هذا، والله أعلم، وقوله عز وجل: {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} أي: وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة، وما هو فرش، قيل: المراد بالحمولة: ما يحمل عليه من الإبل، والفرش: الصغار منها؛ كما قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: حمولة: ما حمل عليه من الإبل، وفرشاً: الصغار من الإبل، رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال ابن عباس: الحمولة: هي الكبار، والفرش: الصغار من الإبل، وكذا قال مجاهد، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} أما الحمولة، فالإبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش، فالغنم، واختاره ابن جرير، قال: وأحسبه إنما سمي فرشاً؛ لدنوه من الأرض، وقال الربيع بن أنس والحسن والضحاك وقتادة وغيره: الحمولة: الإبل والبقر، والفرش: الغنم، وقال السدي: أما الحمولة، فالإبل، وأما الفرش، فالفصلان والعجاجيل والغنم، وما حمل عليه، فهو حمولة، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحمولة: ما تركبون، والفرش: ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل، تأكلون لحمها، وتتخذون من صوفها لحافاً وفرشاً، وهذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن يشهد له قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعـٰماً فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } تفسير : [يس:71ـ72] وقال تعالى: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِى بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ} تفسير : [النحل: 66] إلى أن قال: {أية : وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَـٰثاً وَمَتَـٰعاً إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [النحل: 80]. وقال تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ } تفسير : [غافر:79-81] وقوله تعالى: {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} أي: من الثمار والزروع والأنعام، فكلها خلقها الله، وجعلها رزقاً لكم {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} أي: طريقه، وأوامره؛ كما اتبعها المشركون الذين حرموا ما رزقهم الله، أي: من الثمار والزروع؛ افتراء على الله، {إِنَّهُ لَكُمْ} أي: إن الشيطان أيها الناس لكم {عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي: بين، ظاهر العداوة؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [فاطر: 6] وقال تعالى: {أية : يَـٰبَنِىۤ آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ} تفسير : [الأعراف: 37] الآية، وقال تعالى: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً} تفسير : [الكهف: 50] والآيات في هذا كثيرة في القرآن.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ } خلق {جَنَّٰتٍ } بساتين {مَّعْرُوشَٰتٍ } مبسوطات على الأرض كالبطيخ {وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ } بأن ارتفعت على ساق كالنخل {وَ} أنشأ {ٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } ثمره وحبه في الهيئة والطعم {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً } ورقهما حال {وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ } طعمهما {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } قبل النضج {وَءَاتُواْ حَقَّهُ} زكاته {يَوْمَ حَصَادِهِ } بالفتح والكسر، من العشر أو نصفه {وَلاَ تُسْرِفُواْ } بإعطاء كله فلا يبقى لعيالكم شيء {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ } المتجاوزين مَا حُدَّ لهم.
الشوكاني
. تفسير : هذا فيه تذكير لهم ببديع قدرة الله وعظيم صنعه {أَنشَأَ } أي خلق، والجنات: البساتين {مَّعْرُوشَـٰتٍ } مرفوعات على الأعمدة {وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ } غير مرفوعات عليها. وقيل المعروشات ما انبسط على وجه الأرض مما يعرش مثل الكرم والزرع والبطيخ، وغير المعروشات: ما قام على ساق مثل النخل وسائر الأشجار. وقيل المعروشات: ما أنبته الناس وعرشوه، وغير المعروشات: ما نبت في البراري والجبال. قوله: {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ } معطوف على جنات، وخصهما بالذكر مع دخولهما في الجنات لما فيها من الفضيلة {مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } أي حال كونه مختلفاً أكله في الطعم والجودة والرداءة. قال الزجاج: وهذه مسألة مشكلة في النحو، يعني انتصاب {مختلفاً} على الحال لأنه يقال قد أنشأها ولم يختلف أكلها، فالجواب أن الله سبحانه أنشأها مقدّراً فيها الاختلاف، وقد بين هذا سيبويه بقوله: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً، أي مقدّراً للصيد به غداً، كما تقول: لتدخلنّ الدار آكلين شاربين، أي مقدّرين ذلك، وهذه هي الحال المقدرة المشهورة عند النحاة المدوّنة في كتب النحو. وقال {مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } ولم يقل أكلهما، اكتفاء بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفسير : [الجمعة: 11] أو الضمير بمنزلة اسم الإشارة، أي أكل ذلك. قوله: {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ } معطوف على جنات، أي وأنشأ الزيتون والرمان حال كونه متشابهاً وغير متشابه، وقد تقدم الكلام على تفسير هذا {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } أي: من ثمر كل واحد منهما، أو من ثمر ذلك {إِذَا أَثْمَرَ} أي إذا حصل فيه الثمر وإن لم يدرك ويبلغ حدّ الحصاد. قوله: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه}. وقد اختلف أهل العلم هل هذه محكمة أو منسوخة أو محمولة على الندب؟ فذهب ابن عمر، وعطاء، ومجاهد وسعيد بن جبير، إلى أن الآية محكمة، وأنه يجب على المالك يوم الحصاد أن يعطي من حضر من المساكين القبضة والضغث ونحوهما. وذهب ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، والحسن، والنخعي، وطاووس، وأبو الشعثاء، وقتادة، والضحاك وابن جريج، أن هذه الآية منسوخة بالزكاة. واختاره ابن جرير، ويؤيده أن هذه الآية مكية، وآية الزكاة مدنية في السنة الثانية بعد الهجرة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف. وقالت طائفة من العلماء: إن الآية محمولة على الندب لا على الوجوب. قوله: {وَلاَ تُسْرِفُواْ } أي في التصدق، وأصل الإسراف في اللغة: الخطأ. والإسراف في النفقة: التبذير. وقيل: هو خطاب للولاة يقول لهم لا تأخذوا فوق حقكم. وقيل المعنى: لا تأخذوا الشيء بغير حقه وتضعونه في غير مستحقه. قوله: {وَمِنَ ٱلأنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا } معطوف على جنات، أي وأنشأ لكم من الأنعام حمولة وفرشاً، والحمولة ما يحمل عليها، وهو يختص بالإبل فهي فعولة بمعنى فاعلة، والفرش ما يتخذ من الوبر والصوف والشعر، فراشاً يفترشه الناس. وقيل: الحمولة الإبل، والفرش: الغنم. وقيل الحمولة: كل ما حمل عليه من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، والفرش: الغنم، وهذا لا يتم إلا على فرض صحة إطلاق اسم الأنعام على جميع هذه المذكورات. وقيل الحمولة: ما تركب، والفرش: ما يؤكل لحمه {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ } من هذه الأشياء {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } كما فعل المشركون من تحريم ما لم يحرمه الله، وتحليل ما لم يحلله {إِنَّهُ} أي الشيطان {لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } مظهر للعداوة ومكاشف بها. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ } قال: المعروشات ما عرش الناس {وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ } ما خرج في الجبال والبرّية من الثمار. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة قال: معروشات بالعيدان والقصب وغير معروشات قال: الضاحي. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس {مَّعْرُوشَـٰتٍ } قال: الكرم خاصة. وأخرج ابن المنذر، والنحاس، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه} قال: "حديث : ما سقط من السنبل"تفسير : . وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والنحاس، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر في قوله {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه} قال: كانوا يعطون من اعتزّ بهم شيئاً سوى الصدقة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي عن مجاهد في الآية قال: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ميمون بن مهران ويزيد الأصم قال: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق فيضعونه في المسجد فيجيء السائل، فيضربه بالعصا فيسقط منه، فهو قوله: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه}. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن حماد بن أبي سليمان، في الآية قال: كانوا يطعمون منه رطباً. وأخرج أحمد، وأبو داود في سننه، من حديث جابر بن عبد الله: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أمر من كل حادي عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين. وإسناده جيد. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، قال: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه} نسخها العشر، ونصف العشر. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن المنذر عن السديّ نحوه. وأخرج النحاس، وأبو الشيخ، والبيهقي، عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة نحوه. وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن الضحاك نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن الشعبي قال: إن في المال حقاً سوى الزكاة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي العالية قال: ما كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة، ثم إنهم تبادروا وأسرفوا، فأنزل الله {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذّ نخلاً فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليس له تمرة، فأنزل الله {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ }. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله لم يكن إسرافاً. ولو أنفقت صاعاً في معصية الله كان إسرافاً، وللسلف في هذا مقالات طويلة. وأخرج الفريابي، وأبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال: الحمولة ما حمل عليه من الإبل، والفرش صغار الإبل التي لا تحمل. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الحمولة الكبار من الإبل، والفرش الصغار من الإبل. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: الحمولة ما حمل عليه، والفرش ما أكل منه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً قال: الحمولة الإبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، والفرش الغنم. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية قال: الحمولة الإبل والبقر، والفرش الضأن والمعز.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْروشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ...} أما الجنات فهي البساتين يحفها الشجر، وأما الروضة فهي الخضراء بالنبات، وأما الزهرة فهي باختلاف الألوان الحسنة. وفي قوله: {مَعْرُوشَاتٍ} أربعة أقاويل: أحدها: أنه تعريش الناس الكروم وغيرها، بأن ترفع أغصانها، قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: أن تعريشها هو رفع حظارها وحيطانها. والثالث: أنها المرتفعة عن الأرض لعلو شجرها، فلا يقع ثمرها على الأرض، لأن أصله الارتفاع ولذلك سُمِّيَ السرير عرشاً لارتفاعه، ومنه قوله تعالى: {أية : خاوية على عروشها} تفسير : [الكهف: 42] و [الحج: 45] أي على أعاليها وما ارتفع منها. والرابع: أن المعروشات ما عرشه الناس، وغير المعروشات ما نبت في البراري والجبال. {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وإنما قدم ذكر الأكل لأمرين: أحدهما: تسهيلاً لإيتاء حقه. والثاني: تغليباً لحقهم وافتتاحاً بنفعهم بأموالهم. وفي قوله: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ثلاثة أقاويل: أحدها: الصدقة المفروضة فيه: العُشْر فيما سقي بغير آلة، ونصف العشر فيما سقي بآلة، وهذا قول الجمهور. والثاني: أنها صدقة غير الزكاة، مفروضة يوم الحصاد والصرام وهي إطعام من حضر وترك ما تساقط من الزرع والثمر، قاله عطاء ومجاهد. والثالث: أن هذا كان مفروضاً قبل الزكاة ثم نسخ بها، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وإبراهيم. {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن هذا الإسراف المنهي عنه هو أن يتجاوز رب المال إخراج القدر المفروض عليه إلى زيادة تجحف به، قاله أبو العالية، وابن جريج. وقد روى سعد بن سنان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا" تفسير : وقيل: إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وقد تصدق بجميع ثمرته حتى لم يبق فيها ما يأكله. والثاني: هو أن يأخذ السلطان منه فوق الواجب عليه، قاله ابن زيد. والثالث: هو أن يمنع رب المال من دفع القدر الواجب عليه، قاله سعيد بن والمسيب. والرابع: أن المراد بهذا السرف ما كانوا يشركون آلهتهم فيه من الحرث والأنعام، قاله الكلبي. والخامس: هو أن يسرف في الأكل منها قبل أن يؤدي زكاتها، قاله ابن بحر. قوله عز وجل: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الحمولة كبار الإبل التي يُحْمَلُ عليها، والفرش صغارها التي لا يحمل عليها، مأخوذ من افتراش الأرض بها على الاستواء كالفرش. وقال ابن بحر الافتراش الإضجاع للنحر، فتكون الحمولة كبارها، والفرش صغارها، قال الراجز: شعر : أورثني حمولة وفرشا أمشّها في كل يوم مشّا تفسير : أي أمسحها، قاله ابن مسعود، والحسن، ومجاهد. والثاني: أن الحَمُولة ما حُمِلَ عليه من الإبل والبقر، والفرش: الغنم، قاله ابن عباس، وقتادة، ومنه قول ابن مسلمة: شعر : وحوينا الفرش من أنعامكم والحمولات وربات الحجل تفسير : والثالث: أن الحملة ما حمل من الإبل، والبقر، والخيل، والبغال، الحمير، والفرش ما خلق لهم من أصوافها وجلودها. {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: من الحمولة ليبين أن الانتفاع بظهرها لا يمنع من جواز أكلها. والثاني: أنه إذن منه في عموم أكل المباح من أموالهم، ونهى عن أكل ما لا يملكونه. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} فيها قولان: أحدهما: أنها طريقه التي يدعوكم إليها من كفر وضلال. والثاني: أنها تخطيه إلى تحريم الحلال وتحريم الحرام، وقد ذكرنا ما في ذلك من زيادة التأول ومن الاحتمال، وأنه الانتقال من معصية إلى أخرى حتى يستوعب جميع المعاصي، مأخوذ من خطو القدم: انتقالها من مكان إلى مكان. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} فيه قولان: أحدهما: أنه ما بان لكم من عداوته لأبيكم آدم. والثاني: ما بان لكم من عداوته لأوليائه من الشياطين، قاله الحسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّعْرُوشَاتٍ} تعريش الكروم وغيرها برفع أغصانها أو برفع حظارها وحيطانها، أو المرتفعة لعلو شجرها فلا يقع ثمرها على الأرض مأخوذ من الارتفاع، السرير: عرش لارتفاعه { أية : عَلَىٰ عُرُوشِهَا} تفسير : [البقرة: 259] على أعاليها. {كُلُواْ} قدم الأكل تغليباً لحقهم وافتتاحاً لنفعهم بأموالهم، أو تسهيلاً لإيتاء حقه. {حَقَّهُ} الزكاة المفروضة عند الجمهور، أو صدقة غير الزكاة، إطعام من حضر، وترك ما تساقط من الزرع والثمر، أو كان هذا فرضاً ثم نسخ بالزكاة، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ. {وَلا تُسْرِفُواْ} بإخراج زيادة على المفروض تجحف بكم، أو لا تدفعوا دون الواجب، أو أن يأخذ السلطان فوق الواجب، أو يراد به ما أشركوا آلهتهم فيه من الحرث والأنعام.
النسفي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي أَنشَأَ } خلق {جَنَّـٰتٍ } من الكروم {مَّعْرُوشَـٰتٍ } مسموكات مرفوعات {وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ } متروكات على وجه الأرض لم تعرش، يقال عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القضبان {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا } في اللون والطعم والحجم والرائحة، وهو حال مقدرة لأن النخل وقت خروجه لا أكل فيه حتى يكون مختلفاً وهو كقوله {أية : فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ }تفسير : [الزمر: 73] {أَكُلُهُ } {أَكْله } حجازي وهو ثمره الذي يؤكل، والضمير للنخل، والزرع داخل في حكمه لأنه معطوف عليه، أو لكل واحد {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهاً } في اللون {وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } في الطعم {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } من ثمر كل واحد، وفائدة {إِذَا أَثْمَرَ } أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك {وَءَاتُواْ حَقَّهُ } عشره وهو حجة أبي حنيفة رحمه الله في تعميم العشر {يَوْمَ حَصَادِهِ } بصري وشامي وعاصم، وبكسر الحاء غيرهم. وهما لغتان {وَلاَ تُسْرِفُواْ } بإعطاء الكل وتضييع العيال. وقوله {كُلُواْ } إلى {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ } اعتراض {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا } عطف على {جَنَّـٰت } أي وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح، أو الحمولة الكبار التي تصلح للحمل والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض مثل الفرش المفروش عليها {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } أي ما أحل الله لكم منها ولا تحرموها كما في الجاهلية } {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } طرقه في التحليل والتحريم كفعل أهل الجاهلية {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } فاتهموه على دينكم {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } بدل من {حَمُولَةً وَفَرْشًا } {مّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ } زوجين اثنين يريد الذكر والأنثى، والواحد إذا كان وحده فهو فرد، وإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان بدليل قوله {أية : خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }تفسير : [النجم: 45] ويدل عليه قوله {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } ثم فسرها بقوله {مّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ } {وَمِنَ ٱلإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ } والضأن والمعز جمع ضائن وماعز كتاجر وتجر. وفتح عين المعز: مكي وشامي وأبو عمرو وهما لغتان. والهمزة في {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ } للإنكار. والمراد بالذكرين الذكر من الضأن والذكر من المعز، وبالأنثيين الأنثى من الضأن والأنثى من المعز والمعنى إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما تحمل الإناث، وذلك أنهم كانوا يحرمون ذكورة الأنعام تارة وإناثها طوراً وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً أو مختلطة تارة، وكانوا يقولون: قد حرمها الله فأنكر ذلك عليهم. وانتصب {آلذكرين} بـ { حَرَّمَ } وكذا {أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ } أي أم حرم الأنثيين وكذا «ما» في {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ } {نَبّئُونِي بِعِلْمٍ } أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في أن الله حرمه. {وَمِنَ ٱلإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ } منهما {حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ } منهما {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ } أم ما تحمل إناثها {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ } «أم» منقطعة أي بل أكنتم شهداء {إِذْ وَصَّـٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا } يعني أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم. ولما كانوا لا يؤمنون برسول الله وهم يقولون الله حرم هذا الذي نحرمه تهكم بهم في قوله {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ} على معنى أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } فنسب إليه تحريم ما لم يحرم {لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي الذين في علمه أنهم يختمون على الكفر. ووقع الفاصل بين بعض المعدود وبعضه اعتراضاً غير أجنبي من المعدود، وذلك أن الله تعالى مَنَّ على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وبإباحتها لهم، فالاعتراض بالاحتجاج على من حرمها يكون تأكيداً للتحليل، والاعتراضات في الكلام لا تساق إلا للتوكيد. {قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ} أي في ذلك الوقت أو في وحي القرآن لأن وحي السنة قد حرم غيره، أو من الأنعام لأن الآية في رد البحيرة وأخواتها. وأما الموقوذة والمتردية والنطيحة فمن الميتة، وفيه تنبيه على أن التحريم إنما يثبت بوحي الله وشرعه لا يهوى الأنفس {مُحَرَّمًا } حيواناً حرم أكله {عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } على آكل يأكله {إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } إلا أن يكون الشيء المحرم ميتة {أَن تَكُونَ } مكي وشامي وحمزة {مَيْتَةً } شامي {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } مصبوباً سائلاً فلا يحرم الدم الذي في اللحم والكبد والطحال {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ } نجس {أَوْ فِسْقًا } عطف على المنصوب قبله. وقوله {فَإِنَّهُ رِجْسٌ } اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه {أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } منصوب المحل صفة لـ {فِسْقًا } أي رفع الصوت على ذبحه باسم غير الله، وسمي بالفسق لتوغله في باب الفسق {فَمَنِ ٱضْطُرَّ } فمن دعته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات {غَيْرَ بَاغٍ } على مضطر مثله تارك لمواساته {وَلاَ عَادٍ } متجاوز قدر حاجته من تناوله {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لا يؤاخذه {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } أي ماله أصبع من دابة أو طائر ويدخل فيه الإبل والنعام {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } أي حرمنا عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه وكل شيء منه، ولم يحرم من البقر والغنم إلا الشحوم وهي الثروب وشحوم الكلى {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السَّحفة {أَوِ ٱلْحَوَايَا } أو ما اشتمل على الأمعاء واحدها حاوياء أو حوية {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } وهو الألية أو المخ {ذٰلِكَ } مفعول ثان لقوله {جَزَيْنَـٰهُم } والتقدير جزيناهم ذلك {بِبَغْيِهِمْ } بسبب ظلمهم {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } فيما أخبرنا به وكيف نشكر من سبب معصيتهم لتحريم الحلال ومعصية سالفنا لتحليل الحرام حيث قال: {أية : وعفا عنكم فالآن باشروهن{ تفسير : [البقرة: 187] {فَإِن كَذَّبُوكَ } فيما أوحيت إليك من هذا {فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وٰسِعَةٍ } بها يمهل المكذبين ولا يعاجلهم بالعقوبة {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ } عذابه مع سعة رحمته {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ } إذا جاء فلا تغتر بسعة رحمته عن خوف نقمته.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {حصاده} بفتح الحاء: أبو عمرو وعاصم وابن عامر وسهل ويعقوب، الباقون: بالكسر وكلاهما مصدر {من الضان} بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية والأعشى والأصبهاني عن ورش ويزيد وحمزة في الوقف. {ومن المعز} ساكن العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وأبو جعفر وابن فليح وزمعة والخزاعي عن البزي والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل عنه، الباقون: بفتحها {إلا أن تكون} بتاء التأنيث: ابن كثير وابن عامر ويزيد وحمزة وعباس مَن طريق ابن رومي عنه. {ميتة} بالتخفيف والرفع: ابن عامر وزاد يزيد التشديد. الباقون: بالياء وبالنصب. {الحوايا} ممالة: علي وحمزة وخلف. {فقل ربكم} وبابه مظهراً: الحلواني عن قالون والبرجمي. الوقوف: {متشابه} ط. {ولا تسرفوا} ط {المسرفين} ه لا لأن قوله: {حمولة} منصوب بـ {أنشأ} {وفرشاً} ط {الشيطان} ط {مبين} ه لا لأن {ثمانية} منصوب بـ {أنشأ} {جنات} {أزواج} ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى {المعز اثنين} ط {أرحام الأنثيين} ط لانتهاء الاستفهام {صادقين} ه لا لأن {اثنين} منصوب بـ {أنشأ} أيضاً {ومن البقر اثنين} ط {أرحام الأنثيين} ط لأن "أم" في قوله: {أم كنتم} بمعنى ألف استفهام توبيخ. {بهذا} ج للاستفهام مع الفاء ولانقطاع النظم مع اتحاد المعنى {علم} ط {الظالمين} ه. {لغير الله} ج {رحيم} ه {ظفر} ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى. {بعظم} ط {ببغيهم} ز للابتداء بأن وإثبات وصف الصدق مطلقاً. وللوصل وجه لأن المعنى وإنا لصادقون فيما أخبرنا عن التحريم ببغيهم. {واسعة} ط لاختلاف الجملتين {المجرمين} ه {من شيء} ط {بأسنا} ط {لنا} ط {تخرصون} ه {البالغة} ج للشرط مع الفاء {أجمعين} ه {حرم هذا} ج لذلك {معهم} ج لتناهي جزاء الشرط مع العطف {يعدلون} ه. التفسير: إنه سبحانه جعل مدار هذا الكتاب الكريم على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر وإنه بالغ في تقرير هذه الأصول وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة منكري البعث والقيامة، ثم أتبعه حكاية أقوالهم الركيكة تنبيهاً على ضعف عقولهم، فلما تمم هذه المقاصد عاد إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على إثبات ذاته ووجوب توحيده فقال: {وهو الذي أنشأ} الآية نشأ الشيء ينشأ نشأ إذا ظهر وارتفع، وأنشأه الله ينشئه إنشاء أظهره ورفعه {جنات معروشات وغير معروشات} يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القبضان. وقيل: كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب تعرش وبعضها يبقى على وجه الأرض منبسطاً كالقرع والبطيخ. وقيل: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عروش يحمل عليها فتمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير معروشات هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقة عن التعريش. وقيل: المعروشات ما في البساتين والعمارات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه، وغير معروشات ما أنبته الله وحشياً في البراري والجبال فيبقى غير معروش. {والنخل والزرع} فسر ابن عباس الزرع بجميع الحبوب التي الذكر تقتات {مختلفاً أكله} والأكل كل ما يؤكل والمراد ههنا ثمر النخل والزرع فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: {أية : وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها}تفسير : [الجمعة: 11] أي إليهما. والمراد أن لكل شيء منهما طعماً غير طعم الآخر و{مختلفاً} حال مقدّرة أي أنشأه مقدرّاً اختلاف أكله لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك {متشابهاً وغير متشابه} في القدر واللون والطعم. ثم قال {كلوا من ثمره} وقد قال في الآية المتقدمة أعني نظير هذه الآية وذلك قوله: {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء} الآية إلى قوله {أية : انظروا إلى ثمره}تفسير : [الأنعام: 99] تنبيهاً على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم متقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الأول سعادة روحانية أبدية، والحاصل من الانتفاع سعادة جسمانية زائلة. وفائدة هذا الأمر الإباحة، وقدم إباحة الأكل على إخراج الحق كيلا يظن أنه يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المتشاركين فيه. وفي الآية إشارة إلى أن خلق هذه النعم إما للأكل وإما للتصدق، والأول لكونه حق النفس مقدم على الثاني لأنه حق الغير. وفيه أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق لأن قوله: {كلوا} خطاب عام يتناول الكل، ويمكن أن يستدل به على أن الأصل عدم وجوب الصوم وأن من ادعى إيجابه فهو المحتاج إلى الدليل، وأن المجنون إذا أفاق في أثناء النهار لا يلزمه قضاء ما مضى، وأن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام. قال علماء الأصول: من المعلوم من لغة العرب أن صيغة الأمر تفيد ترجيح جانب الفعل؛ فحملها على الإباحة أو الوجوب لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، وفائدة قوله: {إذا أثمر} وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه هي أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت اطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع، أما قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} فعن ابن عباس في رواية عطاء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك.، أن الآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة وعلى هذا فكيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل. والجواب أن المراد فاعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد واهتموا به حتى لا تؤخروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء، وقال مجاهد: الآية مكية وإن هذا حق في المال سوى الزكاة وكان يقول: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، وكذا إذا دسته وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته وزيف بقوله صلى الله عليه وآله: "حديث : ليس في المال حق سوى الزكاة" تفسير : وبأن قوله: {وآتوا حقه} إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية والإلزام الإجمال. وعن سعيد بن جبير أن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرض العشر أو نصف العشر فيما سقي بالسواقي نسخ، والقول الأول أصح. ثم إن أبا حنيفة احتج بالآية على وجوب الزكاة في الثمار لأنه قال: {وآتوا حقه} بعد ذكر الأنواع الخمسة وهي العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان. واعترض عليه بأن لفظ الحصاد مخصوص بالزرع. وأجيب بأن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل. واحتج هو أيضاً بها على أن العشر واجب في القليل والكثير للإطلاق. والجواب أن بيانه في الحديث "حديث : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"تفسير : . ثم قال تعالى: {ولا تسرفوا} ولأهل اللغة فيه تفسيران: فعن ابن الأعرابي: السرف تجاوز ما حد لك. فعلى هذا إذا أعطى الكل ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف كما جاء في الخبر "حديث : إبدأ بنفسك ثم بمن تعول" تفسير : وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فخذها فقسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فنزلت الآية {ولا تسرفوا} أي لا تعطوا كله وإذا منع الصدقة فقد أسرف وبه فسر الآية سعيد بن المسيب، فإن مجاوزة الحد تكون إلى طرف الإفراط وإلى طرف التفريط. وقال عمر: سرف المال ما ذهب منه في غير منفعة. وعلى هذا فقد قال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الأنعام والحرث. وقال الزهري: ولا تنفقوا في معصية الله تعالى. وعن مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير. ثم ختم الآية بقوله: {إنه لا يحب المسرفين} والمقصود منه الزجر فإن كل مكلف لا يحبه الله فإنه من أهل النار لأن محبة الله تعالى عبارة عن إرادة إيصال الثواب إليه. قوله: {حمولة وفرشاً} معطوف على جنات أي وأنشأ من الأنعام هذين الجنسين. فالحمولة ما يحمل الأثقال "فعولة" بمعنى "فاعلة" والفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش مصدر بمعنى "مفعول". وقيل: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها مثل الفرش المفروش عليها. {كلوا مما رزقكم الله} قالت المعتزلة. أي مما أحلها لكم {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} لا تسلكوا طريقه الذي يدعوكم إليه في التحليل والتحريم من عن أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية {إنه لكم عدوّ مبين} بين العداوة. وفي انتصاب {ثمانية أزواج} وجهان: قال الفراء: هو بدل من قوله: {حمولة وفرشاً}. وجوز غيره أن يكون مفعول {كلوا} والعرب تسمي الواحد فرداً إذا كان وحده فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان، قال عز من قائل: {أية : خلق الزوجين الذكر والأنثى}تفسير : [النجم: 45] وقال: {ثمانية أزواج} ثم فسرها بقوله: {من الضأن اثنين} أي زوجين اثنين {ومن المعز اثنين} وفي الآية الثانية: {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين} قال الجوهري: الضائن خلاف الماعز والجمع يعني اسم الجمع الضأن والمعز مثل راكب وركب وسافر وسفر. وضأن أيضاً مثل حارس وحرس. وقال في الكشاف: إنه قرىء بفتح العين. والضأن ذوات الصوف من الغنم والمعز ذوات الشعر منها {قل ءالذكرين حرم الأنثيين} نصب بقوله: {حرم} والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله. ويريد بالذكرين الذكر من الضأن وهو الكبش، والذكر من المعز وهو التيس، وبالأنثيين الأنثى من الضأن وهي النعجة، والأنثى من المعز وهي العنز، وذلك على طريق الجنسية والمشاكلة. ومعنى الاستفهام إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما يشتمل عليه أرحام الأنثيين أي مما يحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكر من جنسي الإبل والبقر يعني الجمل والثور والأنثيان منهما الناقة والبقرة وما يحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكوراً أو إناثاً، أو من خلط تارة وكانوا يقولون: قد حرمها الله فقيل لهم: إنكم لا تقرون بنبوّة نبي ولا شريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم؟ وأكد ذلك بقوله: {نبؤني بعلم} أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم {إن كنتم صادقين} في أن الله حرمه. واعلم أنه سبحانه منّ على عباده بإنشاء الأزواج الثمانية من الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم إلا أنه فصل بين بعض المعدود وبعضه بالاحتجاج على من حرمها وليس ذلك بأجنبي وإنما هي جملة معترضة جيء بها تأكيداً وتشديداً للتحليل، فالاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد، أما قوله: {أم كنتم شهداء} فـ"أم" منقطعة أي بل أكنتم شهداء ومعناه الإنكار وفحواه أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل وتقولون إن الله حرم هذا فلم يبق إلا المشاهدة فتهكم بهم بذلك وسجل عليهم وعلى مثالهم بالظلم بقوله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، قال المفسرون: يريد عمرو بن لحي بن قمعة الذي غيَّر شريعة إسماعيل عليه السلام وبَحَّر البحائر وسَيَّب السوائب. والأقرب أن للفظ عام فيتناول كل مفتر وإذا استحق هذا الوعيد على افتراء الكذب في تحريم مباح فكيف إذا كذب على الله تعالى في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والملائكة وفي النبوّات وفي المعاد؟! قال القاضي: في الآية دلالة على أن الإضلال عن الدين مذموم فلا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى. وأجيب بأنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله تعالى فإن تمكين العبيد من أسباب الفجور وتسليط الشهوة عليهم مذموم منّا دونه {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} قال القاضي: لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها. وقالت الأشاعرة: معناه أنه لا ينقل المشركين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم لما بيّن فساد طريقة الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطاعم أتبعه البيان الصحيح في الباب فقال: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً} أي طعاماً محرماً {على طاعم يطعمه} على آكل يأكله {إلا أن يكون} ذلك المأكول أو الموجود أو الطعام {ميتة أو دماً مسفوحاً} مصبوباً سائلاً. قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء وما خرج من الأوداج عند الذبح فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، وما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل. وسئل أبو مجلز عما يتلطّخ باللحم من الدم وعن القدر التي سلف في أمثالها، وانتصاب {فسقاً} على أنه معطوف على المنصوبات قبله، و {أهل} صفة له منصوبة المحل سمي ما أهل به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود. وجوز أن يكون {فسقاً} مفعولاً له من {أهل} وعلى هذا فقد عطف {أهل} على {يكون} والضمير في {به} يعود إلى ما يرجع إليه المستكن في {يكون} قالت العلماء: إن هذه السورة مكية وقد بيّن في الآية أنه لم يجد فيما أوحي إليه قرآناً أو غيره محرماً سوى هذه الأربعة، وقد أكد هذا بما في النحل وفي البقرة مصدرة بكلمة "إنما" الدالة على الحصر فصارت المدنية مطابقة للمكية، والذي جاء في المائدة {أية : حرمت عليكم الميتة والدم} تفسير : [الآية:3] إلى قوله: {أية : وما أكل السبع إلا ما ذكيتم}تفسير : [الآية: 3] من أقسام الميتة ولكنه خص بالذكر لأنهم كانوا يحكمون على تلك الأشياء بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى اخرها كانت مستقرة على هذا الحكم. وعلى هذا الحصر بقي الكلام في الخمر وفي سائر النجاسات والمستقذرات فنقول: إنه سبحانه قد وصف الخمر بأنه رجس وههنا علل تحريم لحم الخنزير بكونه رجساً فعلمنا أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات. وإن جوزنا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد كما روي أنه صلى الله عليه وآله نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور. فلا إشكال. وقيل: المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرم على اليهود وزيف بأن تحريم شيء خامس نسخ والأصل عدمه. ثم بين سبحانه أنه حرم على اليهود أشياء أخر سوى هذه الأربعة فقال: {وعلى الذين هادوا حرمنا} وذلك نوعان: الأول أنه حرم عليهم {كل ذي ظفر} وفيه لغات: ضم الفاء والعين وهي الفصحى، وكسرهما وهي قراءة ابن السماك، والضم مع السكون والكسر مع السكون وهي قراءة الحسن، واختلف في ذي الظفر فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه الإبل فقط، وعنه في رواية أخرى وهو قول مجاهد أنه الإبل والنعام، وقيل: كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفراً على الاستعارة، وزيف بأن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً وبأن البقرة والغنم مباحان لهم كما يجيء مع أن لهما حافراً فإذن يجب حمل الظفر على المخلب والبراثن من الجوارح والسباع بل على كل ما له إصبع من دابة وطائر. وكان بعض ذوات الظفر حلالاً لهم فلما ظلموا عمم التحريم. فعموم التحريم خاص بهم ولهذا قدم الجار في قوله {وعلى الذين هادوا حرمنا} فيستدل بذلك على حل بعض هذه الحيوانات على المسلمين وهو ما سوى ذات المخلب والناب فيكون الخبر مبيناً للآية لا مخالفاً كما ظن صاحب التفسير الكبير. النوع الثاني قوله {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} قال في الكشاف: هو كقولك: "من زيد أخذت ماله" تريد بالإضافة يعني إضافة الأخذ إلى زيد بواسطة من زيادة الربط. والمعنى أنه حرم عليهم من كل ذي ظفر كله ومن البقرة والغنم بعضهما وذلك شحومهما فقط، هذا أيضاً ليس على الإطلاق لقوله: {إلا ما حملت ظهورهما} قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم فإني لم أحرمه. وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها. وقيل: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة وهي الشحمة التي على الظهر الملتزقة بالجلد فيما بين الكتفين إلى الوركين. وهي بالحقيقة لحم سمين لأنه يحمر عند الهزال ولهذا لو حلف لا يأكل الشحم فأكل من ذلك اللحم السمين لم يحنث على الأصح. والاستثناء الثاني قوله: {أو الحوايا} قال الجوهري: الحوايا الأمعاء واحدها حوية وفي معناها حاوية البطن وحاوياء البطن. وقال الواحدي: هي المباعر والمصارين والفحوى، أو ما اشتمل على الأمعاء يعني أن الشحوم المتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة، والاستثناء الثالث: {أو ما اختلط بعظم} قال جمهور المفسرين: يعني شحم الآلية. وقال ابن جريج: كل شحم في القوائم والجنب والرأس وفي العينين والأذنين فإنه مخلوط بعظم فهو حلال لهم. والحاصل أن الشحم الذي حرم الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية. وقيل: إن الحوايا غير معطوف على المستثنى وإنما هو معطوف على المستثنى منه والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم. ودخوله كلمة "أو" كدخولها في قوله تعالى: {أية : ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} تفسير : [الإنسان: 24] والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا واعص هذا فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا {ذلك} الجزاء وهو تحريم الطيبات {جزيناهم ببغيهم} بسبب قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وغير ذلك من قبائح أفعالهم {وإنا لصادقون} في هذه الأخبار أو فيما يوعد به العصاة. قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم لأن التكليف تعريض للثواب والتعريض للثواب إحسان. وأجيب بأن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد الثواب ويمكن أن يكون بشؤم الجرم المتقدم {فإن كذبوك} في ادعاء النبوّة والرسالة أو في تبليغ الأحكام، وعلى أصول المعتزلة فإن كذبوك في إنجاز إيعاد العصاة وزعموا أن الله واسع الرحمة وأنه يخلف الوعيد جوداً وكرماً. {فقل ربكم ذو رحمة واسعة} فلذلك لا يعجل بالعقوبة {ولا يردّ بأسه} إذا جاء وقت عذابه {عن القوم المجرمين} يعني المكذبين. وعلى أصولهم رحمته واسعة لأهل طاعته ولا يرد بأسه مع ذلك عن الذين ارتكبوا الكبائر فماتوا قبل التوبة. ثم حكى أعذار الكفار الواهية فقال: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} وإنما جاز العطف عل الضمير المرفوع المتصل من غير أن أكد بالمنفصل لمكان الفصل بعد حرف العطف بلا الزائدة لتأكيد النفي. أخبر الله تعالى بما سوف يقولونه ولما قالوه. قال في سورة النحل: {أية : وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} تفسير : [النحل: 35] وإنما قال في سورة النحل بزيادة "نحن" و "من دونه" مرتين لأن الإشراك مستنكر مطلقاً. فلفظ الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته، وعلى تحليل أشياء وتحريم أشياء من دون الله فلم يحتج إلى لفظ من دونه، وأما العبادة فإنها غير مستنكرة على الإطلاق وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله سبحانه، ولا تدل على تحريم شيء فلم يكن بد من تقييده بقوله: {من دونه} ولما حذف من الآية لفظة {من دونه} مرتين حذف معه {نحن} لتطرد الآية في حكم التخفيف. أما تفسير الآية فزعمت المعتزلة أنها تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: الأول أن الذي حكى عن الكفار في معرض الذم والتقبيح وذلك قولهم: "لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك" هو صريح قول المجبرة فيكون هذا المذهب مذموماً. الثاني قوله: {كذلك كذب الذين من قبلهم} فلم يذكر المكذب به تنبيهاً على أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وعلا ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئته القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله ورسوله وكتبه ونبذ أدلة السمع والعقل وراء ظهره. والحاصل أن هذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين منهم والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم لأنهم يقولون الكل بمشيئة الله تعالى. الثالث قوله: {حتى ذاقوا بأسنا} وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله تعالى في هذا المذهب. الرابع قوله: {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} وإنه استفهام على سبيل الإنكار أي لا علم لهؤلاء القائلين ولا حجة. الخامس: {إن تتبعون إلا الظن} السادس: {وإن أنتم إلا تخرصون} السابع: {قل فلَّله الحجة البالغة} لأنه أزال الأعذار بالتمكين والإقدار فلم يبق لكم على الله حجة وإنما الحجة البالغة له عليكم وذلك أنكم تقولون: لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله لزم أن يكون الإله عاجزاً مغلوباً. وهذا الكلام غير لازم لأن الله قادر على أن يحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء إلا أن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف وهذا هو المراد من قوله: {فلو شاء لهداكم أجمعين} وبوجه آخر إن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلَّله الحجة الكاملة عليكم فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته فتوالوا جميع أهل الأديان ولا تعادوهم. أجابت الأشاعرة بأنا قد بينا بالدلائل القاطعة من أول القرآن إلى ههنا صحة مذهبنا فوجب تأويل هذه الآية دفعاً للتناقض فنقول: إن القوم كانوا يتمسكون بمشيئة الله تعالى في إبطال دعوة الأنبياء، وفي أن التكليف عبث فبين الله تعالى أن ذلك من تكاذيبهم وأكاذيبهم، وأن التشبث بهذا العذر لا يفيدهم لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، شاء الكفر من الكافر ومع ذلك بعث الأنبياء وأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فجرى بما يكون إلى قيام الساعة. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله "حديث : المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة" تفسير : ثم إن ظاهر آخر الآية معناه وهو قوله: {فلو شاء لهداكم أجمعين} وحمل المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر تعسف والله أعلم. ثم لما أبطل جميع حجج الكفار بين أنه ليس لهم على قولهم شهود فقال: {قل هلم} ومعناه إذا كان لازماً أقبل وإذا كان متعدياً أحضر. قال الخليل: أصله "هالم" من قولهم لمَّ الله شعثه أي جمعه كأنه قال: لمَّ نفسك إلينا أي أقرب والهاء للتنبيه واستعطاف المأمور، ثم حذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسماً واحداً يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها "هلما هلموا هلمي هلممن" والأول أفصح وقد يوصل بإلى كقوله تعالى: {أية : والقائلين لإخوانهم هلم إلينا}تفسير : [الأحزاب: 18] وقال الفراء: أصلها "هل أم" أرادوا بهل حرف الاستفهام ومعنى أم اقصد. وقيل: إن أصل استعماله أن قالوا هل لك في الطعام أم أي اقصد. ثم شاع في الكل. أمر الله تعالى نبيه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه. وإنما لم يقل شهداء يشهدون لأنه ليس الغرض أحضار أناس يشهدون بالتحريم وإنما المراد إحضار شهدائهم الموسومين بالشهادة لهم المعروفين بنصرة مذهبهم ولهذا قال: {فإن شهدوا} أي فإن وقعت شهادتهم {فلا تشهد معهم} أي لا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأن شهادتهم محض الهوى والتعصب ولأجل ذلك قال أيضاً: {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا} فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالتكذيب وليرتب عليه باقي الآية فيعلم أن المتصف بهذه الصفات لا تكون شهادتهم عند العقلاء مقبولة. التأويل: {وهو الذي أنشأ جنات} في القلوب {معروشات} من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان {وغير معروشات} هي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء والحياء والوفاء والمودة والفتوة والشفقة والعفة والعلم والحلم والعقل والشجاعة والقناعة ونخل الإيمان وزرع الأعمال الصالحة وزيتون الأخلاق الحميدة ورمان الإخلاص بالشواهد والأحوال {متشابهاً} أعمالها {وغير متشابه} أحوالها {كلوا من ثمره} انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والإخلاص بالشواهد والأحوال لا بالدعاوى والقيل والقال. {وآتوا حقه} وحقه دعوة الخلق وتربيتهم بالحكمة والمواعظة الحسنة و {يوم حصاده} أوان بلوغ السالك مبلغ الرجال البالغين عند إدراك ثمرة الكمال للواصلين دون السالك الذي يتردد بعد بين المنازل والمراحل. {ولا تسرفوا} بالشروع في الكلام في غير وقته والحرص على الدعوة قبل أوانها. {ومن الأنعام} أي ومن الصفات الحيوانية التي هي مركوزة في الإنسان ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها ما هو مستعد للأكل والشرب لصلاح القالب وقيام البشرية. {كلوا مما رزقكم الله} فرزق القلب هو التحقيق من حيث البرهان، ورزق الروح هو المحبة بصدق التحرز عن الأكوان، ورزق السر هو شهود العرفان يلحظ العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق بقدر ما ينبغي. {إنه لكم عدو مبين} يخرجكم بالتفريط والإفراط إلى ضد المقصود. ثم إن الصفات الحيوانية ثمان بعضها ذكور وبعضها إناث يتولد منها صفات أخر كلها محمودة إذ استعملت في محالها، وبمقدار ما ينبغي {من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} والضأن والمعز من جنس الفرشية كما أن الإبل والبقر من جنس الحمولية. والذكر من الضأن والمعز هما صفة شهوة البطن والفرج والأنثى منهما صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها وصفة التسليم عند تحمل الأذى، والذكر من الإبل والبقر صفتا الظلومية والجهولية، وأنثاهما الحمولية والاستسلام للاستعمال. فبهذه الصفات الإنسانية صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها وهن أيضاً حملة عرش القلب فافهم، وقد أحل الله تعالى استعمالها واستعمال المتولد منها على قانون الشرعية والطريقة، ومن زعم أنه يجب تركها وفصلها بالكلية فقد افترى {لو شاء الله ما أشركنا} الكلام في نفسه حق وصدق إلا أنهم لما ذكروه في معرض الإلزام دفعاً للأذية والآلام كذبوا فيما قالوا والله سبحانه أعلم بالصواب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ...} الآية: تنبيهٌ علَىٰ مواضع الاِعتبار، و {أَنشَأَ}: معناه: خلَقَ وٱخترع، و {مَّعْرُوشَـٰتٍ}، قال ابنُ عَبَّاس: ذلك في ثَمَر العِنَبِ، مِنْها: ما عرش وسمك، ومنها: ما لم يعرش، و {مُّتَشَـٰبِهاً}: يريد: في المَنْظَر، و {غَيْرِ مُتَشَـٰبِهٍ}: في الطعم؛ قاله ابن جُرَيْج وغيره، وقوله: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ}: نصٌّ في الإباحة، وقوله سبحانه: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}: قال ابن عباس وجماعة: هي في الزكاة المفْرُوضة. قال * ع *: وهذا القولُ مُعْتَرَضٌ بأن السورة مكِّيَّةٌ؛ وبأنَّه لا زكاة فيما ذُكِرَ من الرُّمَّانِ، وما في معناه، وحكى الزجَّاج؛ أنَّ هذه الآية قيل فيها: إنها نزلَتْ بالمدينة، وقال مجاهدٌ وغيره: بل قوله: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}: نَدْبٌ إلى إعطاء حقوقٍ مِنَ المال غَيْر الزكاة، والسُّنَّة أن يُعْطِيَ الرجُلُ من زرعه عند الحصَادِ، وعِنْدَ الذَّرْوِ، وعنْدَ تكديسه في البَيْدَرِ، فإذا صَفَّىٰ وكال، أخرَجَ من ذلك الزكاةَ. وقالتْ طائفة: هذا حكم صدَقَاتِ المسلمين؛ حتى نزلَت الزكاةُ المفروضةُ، فنسخَتْها. قال * ع *: والنسخ غَيْرُ مترتِّب في هذه الآية، ولا تَعَارُضَ بينها وبيْن آية الزكاة، بل تَنْبَنِي هذه على النَّدْبِ، وتلك على الفرض. وقوله سبحانه: {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} النهْيُ عن الإسراف: إما للناس عن التمنُّع عن أدائها؛ لأن ذلك إسراف من الفعْلِ، وإما للولاة عن التشطُّط على الناسِ والإذاءة لهم، وكلٌّ قد قيلَ به في تأويل الآية. وقوله سبحانه: {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} {حَمُولَةً}: عطْفٌ على {جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ}. التقدير: وأنشأنا من الأنعامِ حمولةً، والحَمُولَةُ: ما تحمل الأثقال مِنَ الإبل والبقر عنْدَ مَنْ عادته أنْ يحمل عليها، والفَرْش: ما لا يحمل ثقلاً؛ كالغنم وصِغَار البَقَر والإبل، وهذا هو المرويُّ عن ابْنِ مسعود وابن عباس والحَسَن وغيرهم، ولا مَدْخَل في الآية لغَيْر الأنعام، وقوله: {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ}: نصُّ إباحةٍ، وإزالةُ مَا سَنَّه الكفرة من البَحِيرَة والسَّائبة وغير ذلك، ثم تابع النهْيَ عن تلك السُّنَن الآفكة؛ بقوله سبحانه: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ}، وهي جمع خُطْوَة، أي: لا تَمْشُوا في طريقه، قُلْتُ: ولفظ البخاريِّ: {خُطُوٰتِ} من الخَطْو، والمَعْنَىٰ: آثاره. انتهى.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنه - تعالى - لما جعل مدار هذا الكتاب الشَّريف على تقرير التَّوْحِيد والنبوة والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، وإنه - تبارك وتعالى - بالغ في تَقْرِير هذه الأصُول، ثم شرح أحْوَال السُّعداء والأشْقِياء وانْتَقَل إلى تهْجِين طَريِقَة منْكِري البَعْث، ونبه على ضَعْف عُقُولِهِم، وتَنْفِير النَّاسِ عن الالْتِفَات إلى قوهم والاعْتِزَاء بشُبُهاتهم، عاد بعدها إلى المقصُود الأصْلي، وهو إقامة الدَّلائِل على تَقْرير التًّوحيد، فقال - تعالى -: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ} وهذا الدَّليل قد سبق في هذه السُّورة، وهو قوله - تعالى -: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام:99] فالآية المتقدمة ذكر فيها خَمْسة أنواع: وهي الزَّرع، والنخل، وجنَّات من أعْناب، والزيتون والرُّمَان، وذكر في هذه الآية الكريمة [هذه الخمسة وقال:] {أية : مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} تفسير : [الأنعام:99] وهنا {مَتَشابِهاً وغير مُتَشَابه} وذكر في الآية المتقدمة: {أية : ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} تفسير : [الأنعام:99] وذكر في هذه الآية: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} فأذن في الانتفاع بها، وأمر بِصَرف جُزْء مِنْها إلى الفُقَراء، فالذي حَصَل به الامْتِيَاز بين الآيتين: أن هُنَاك أمر بالاسْتِدْلال بها على الصَّانع الحكيم وههنا أذن في الانْتِفَاع بها، وذلك تَنْبِيهٌ على أن الأمْرَ بالاسْتِدْلال بها على الصَّانِع الحَكيم مقدَّم على الإذن في الانتفاع، لأن الاستدلال على الصَّانِع يَحْصُل به سَعَادَة أبدية, والانتفاع يَحْصُل به سعادة جُسْمانِيَّة سريعة الانْقضَاء والأول أولى بالتَّقْديم. وقال القرطبي: ووجه اتِّصَال هذا بما قَبْلَه: أن الكُفَّار لما افْتَروا على الله الكذب، وأشْركُوا معه وحَلَّلُوا أو حَرَّمُوا، دَلَّهم على وحْدانِيَّته بأنه خَالِق الأشْيَاءِ، وأنه جَعَل هذه الأشْيَاء أرْزَاقاً لهُمْ. قوله: {أنْشَأ جَنَّاتٍ} أي: خَلَقها، يقال: نشأ الشَّيْء يَنْشَأ نَشْأه ونَشَاءَةً، إذا ظهر وارتفع، والله يُنْشِئُه إنْشَاءً، أي: يُظْهرُه ويرفعه. وقوله: "مَعْرُوشَاتٍ" يقال: عَرَشْت الكَرَم أعْرِشُه عَرْشاً وعَرَّشْتُه تَعْريشاً إذا عطفت العيدان الَّتِي تُشَال عليها قُضْبَان الكَرْم، والواحِدُ عَرْشٌ، والجمع عُرُوشٌ، ويُقَال: عَرِيش وجمعه عُرُشٌ، واعْتَرش العِنَبُ العَرِيش اعْتِرَاشاً، وفيه أقوال: أحدها: قال الضَّحَّاك: إن المَعْرُوشاتِ وغَيْر المَعْرُوشَاتِ كلاهما الكَرْم؛ فإن بَعْضَ الأعناب يُعَرَّش وبَعْضُها لا يُعَرَّش، بل يَبْقَى على وجْهِ الأرْضِ مُنْبَسِطاً. وثانيها: المَعْرُوشات: العِنَب الَّتِي يجعل لها عُرُوش، وغير المعروشات: كُلُّ ما يَنْبُت منبَسِطاً على وَجْه الأرض؛ مثل القَرْع والبطِّيخ. وثالثها: قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: المَعْرُوشات: ما يُحْتَاجُ أن يتَّخذ له عَرِيشٌ يحمل عَلَيْه؛ مثل الكَرْم والبطِّيخِ والقَرْع وغيرها، وغير المَعْرُوش: هو القَائِم على سَاقِهِ كالنَّخْلِ والزَّرْع. ورابعها: المَعْرُوشات: ما يَحْصُل في البَسَاتين والعمرانات مما يغرسه النَّاسِ، وغير المعروشات: مما أنْبَتَهُ اللَّه - تبارك وتعالى - وجني في البَرَارِي والجِبَال. فصل في معنى الزرع والنخل والزَّرغ والنَّخْل؛ فسر ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - الزَّرْع هَهُنا: لجميع الحُبُوب التي تقْتَات، أي: وأنْشَأ الزَّرْع، وأفْرِدا بالذِّكر وهما دَاخِلان في النِّبات؛ لما فيهما من الفَضِيلَة على ما تقدَّم بيانه في البقرة عند قوله - تعالى -: {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ} تفسير : [البقرة:98]. قوله - تعالى -: {مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ}: مَنْصُوب على الحَالِ وفيها قولان: أحدهما: أنها حَالٌ مُقَدَّرة؛ لأن النَّخْل والزرع وَقْت خروجهما لا أكْلَ فِيهمَا؛ حتى يقال فيه: مُتَّفِقٌ أو مُخْتَلِف؛ فهو كقوله - تبارك وتعالى -: {أية : فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر:73]، كقولهم: "مَرَرْت برجُلٍ معه صَقْرٌ صَائِداً به غداً" أي: مُقَدِّراً الاصطِيَاد به. والثاني: أنها حَالٌ مُقَارِنَة، وذلك على حَذْفِ مُضَافٍ، أي: وثمر النَّخْل وحَبُّ الزَّرع، و "أكُلُه" مَرْفُوعٌ بـ "مُخْتَلِفاً" [لأنه اسْم فاعل، وشروط الإعْمَال مَوْجُودة، والأكُل: الشَّيْء المَأكُول، وقد تقدَّم أنه يُقْرأ بضمّ الكافِ وسُكُونها، ومضى تحقيقُه في البقرة: [265] والضَّمِير في "أكُله" الظاهر أنَّه يَعُودُ على الزَّرْعِ فقط: إمَّا لأنَّه حذف حالاً من النَّخْلِ؛ لدلالة هذه عَلَيْه، تقديره: والنَّخْل مُخْتَلِفاً أكُلُه، والزَّرْع مُخْتَلِفاً] أكله. وإمَّا لأن الزَّرع هو الظَّاهِر فيه الاخْتِلافُ بالنِّسْبَة إلى المأكُول مِنْه؛ كالقَمْح والشَّعِير والفول والحِمص والعَدس وغير ذلك. وقيل: إنها تعود عليهما. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: والضَّمِير للنَّخْل والزَّرع داخل في حُكْمِهِ، لكونه مَعْطُوفاً عليه. وقال أبو حيًّان: وليس بِجيِّد؛ لأن العَطْف بالواوِ، ولا يَجُوز إفْرَاد ضَمير المتَعَاطِفين. وقال الحُوفِيُّ: "والهاءُ في "أكُلُه" عائدة على ذِكْر ما تقدَّم من هذه الاشْيَاء المُنْشَآت" وعلى هذا الذي ذكرَهُ الحوفي: لا تخْتَصُّ الحَالُ بالنخل والزَّرْعِ، بل يكُون لِمَا تقدَّم جَمِيعه. قال أبو حيَّان: "ولو كَانَ كما زَعَم، لكان التَّرْكيب: "أكُلُهَا" إلا إنْ أُخِذ ذَلِك على حَذْفِ مُضَافِ، أي: ثَمَرَ جَنَّات، وروعي هذا المَحْذُوف فقيل: "أكُلُهُ" بالإفْرَاد على مُرَاعَاته، فيكون ذلِك كَقَوْله: {أية : أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ} تفسير : [النور:40] أي: أو كَذَا ظُلُمات، ولذلك أعَادَ الضمير في يَغْشَاهُ عليه". قال شهابُ الدِّين: فَيَبْقَى التَّقْدِير: مُخْتَلِفاً أكُل ثمر الجنَّاتِ وما بعدها، [وهذا] يلْزَمُ منه إضَافَة الشَّيءِ إلى نَفْسِه؛ لأن الأكل كما تقدَّم غير مرَّة أنه الثَّمَر المأكُول. قال الزمخشري في الأكُل: "وهُوَ ثمره الذي يُؤكَل". وقال ابن الأنْبَاريِّ: إن "مُخْتَلِفاً" نصبٌ على القَطْع، فكأنه قال: "والنَّخْل والزَّرْع المختلفُ أكُلُهما" وهذا رأي الكُوفيِّين، وقد تقدم إيضاحُه غير مرَّةٍ. وقوله: {أية : وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : وقد تقدَّم إيضاحه [الأنعام:99]. قال القرطبُّي: "والزَّيْتُون والرُّمَّان" عَطفٌ عليه، {مُتَشَابهِاً وغير مُتَشَابِه} نصب على الحالِ، وفي هذه أدلَّة ثلاثة: أحدها: ما تقدَّم من إقَامَة الدّلِيل على أنَّ المتغيّرات لا بُدَّ لها من مُغَيَّر. الثاني: أن الدَّلالة على المِنَّة منه - سبحانه وتعالى - علينا، فلو شَاءَ إذ خَلَقَنَا ألاَّ يَخْلُق لنا غِذَاءً، وإذا خَلَقَهُ ألاّ يَكُون جميلَ المَنْظَر طيِّب الطَّعْم، وإذا خلقَهُ كذلك ألاَّ يكون سَهْل الجَنْي، فلم يَكُن عليه أن يَفْعَل ذلك ابتداء؛ لأنه لا يَجِب عليه شَيْء. الثالث: الدَّلالة على القُدْرَة في أن يكُون الماءُ الذي مِنْ شَأنه الرسوب، يصعد بقُدْرَةِ علاَّم الغُيُوب من أسَافِل الشَّجَرة إلى أعاليها، حتى إذا انْتَهَى إلى آخِرِها، نشأ فيها أوْرَاق لَيْست من جِنْسِها، وثمر خَارجٌ من الجِرمْ الوَافِر، واللَّوْن الزَّاهِر، والجَنَى الجَدِيد، والطَّعم اللذيد؛ فأين الطِّبَاع وأجْنَاسُها؟ وأين الفلاسفة وأنَاسُها؟ هل في قُدْرة الطَّبيعة أن تُتْقِن هذا الإتْقَان، أو تُرَتِّب هذا التَّرْتِيب العجيب؟ كلاَّ لم يَتِمَّ ذلك في العُقُول إلاَّ بتَدِبير عالمٍ قديرٍ مريدٍ، فسبحان من لَهُ في كل شيء آية ونهايةَ! فصل في المقصود من خَلْق المنافع لما ذكر كيْفِيَّة خلقِهِ لهذه الأشْيَاءِ، ذكر ما هُو المَقْصُود الأصْلِيُّ من خلقها، وهو انْتِفَاع المكَلَّفين؛ فقال: {كلُوا من ثَمِرِهِِ إذَا أثْمَرَ} واخْتَلَفُوا ما الفائدة منه؟ قال بَعْضهُم: فائدته الإبَاحَة. وقال آخَرُون: المَقْصُود منه إبَاحَة الأكل قبل إخْرَاج الحقِّ؛ لأنه - تعالى - لمَّا أوجَبَ الحقِّ فيه، كان يجُوزُ أن يَحْرُمَ على المَالِكِ تَنَاوله لِمُشَاركة المساكين، بل هذا هو الظَّاهر، فأباح هذا الأكْل وأخرج وُجُوب الحقِّ فيه من أنْ يكون مَانِعاً من هذا التَّصَرُّف. وقال بعضهم: بل أبَاحَ - تعالى - ذلك ليُبَيِّن أنَّ المقْصِد بِخَلْق هذه النِّعَم الأكْل، وأما تَقْديم ذكر الأكْل على التصدُّق؛ لأن رِعَاية النَّفْسِ متقدِّمة على الغَيْر؛ قال: {أية : وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [القصص:77]. فصل في بيان الأصل في المنافع تمسَّك بَعْضُهم بقوله: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أثْمَرَ} بأن الأصْل في المَنَافِع: الإباحة؛ لأن قوله - تعالى -: "كُلُوا" خطاب عَامٌّ يتناول الكُلًّ، فصار كقوله: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة:29] ويمكن التمَسُّك به على أنَّ الأصْل: عدم وُجوب الصَّدَقة؛ لأن من ادَّعى إيجابَهُ، كان هو المُحْتَاج إلى الدَّلِيل، فيُتَمسَّك به في أنَّ المَجْنُون إذا أفَاق في أثْنَاء الشَّهْر، لا يَلْزَمُه قَضَاء ما قَضَى، وفي أنَّ الشَّارع في صوم النَّفْل لا يجبُ عليه الإتمام. فصل قال القُرْطُبيُّ: قوله - تعالى - {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَر} هذان بناءان جاءا بصيغة أفعل. أحدهما: للإباحة؛ كقوله: {أية : فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الجمعة:10] والثاني: للوجوب، وليس يَمْتَنِع في الشَّريعة اقتران الإبَاحَة والواجب وبدأ بذكر نِعْمَة الأكْل قبل الأمر بإيتاء الحق؛ ليبيِّن أن الابتداء بالنِّعْمَة كان من فَضْلِه قبل التكليف. وقال ابن الخَطِيب: وعلى أنَّ صِيغَة الأمْر ترد لِغَيْر الوُجُوب والنًّدْب، وعند هذا، قال بَعْضُهم: الأصْل في الاستِعْمَال: الحَقِيقَة؛ فوجَبَ جعل هذه الصِّيغَة مفيدةً لرفع الحَرَج؛ فلهذا قالوا: الأمْر يقتضي الإبَاحَة إلا أن نَقُول: يُعْلَم بالضَّرُورة من لُغَة العَرَب، أن هذه الصِّيغَة تُفِيد تَرْجِيح جَانِب الفِعْل، فحملُهَا على الإبَاحة لا يُصَار إليه إلاَّ بِدَليلٍ مُنْفَصِل. قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قرأ أبُو عَمْر وابن عامر وعاصم بِفَتْح الحاء: "حَصاده" والباقون بكسرها، وهما لُغَتَان في المَصْدَر؛ كقولهم؛ جَداد وجِدَاد، وقَطَاف وقِطَاف، وحَرَان وحِرَان والصِّرَام والصَّرَام. قال سيبويه: جاءوا بالمَصْدَر حين أرَادُوا انْتِهاء الزَّمَان على مثال: "فِعَال " وربما قَالُوا فيه: "فَعَال" يعني: أنَّ هذا مَصْدر خَاصٌّ دالٌّ على مَعْنى زَائِد على مُطْلَق المَصْدَر؛ فإن المَصْدَر الأصْلِيُّ إنما هو الحَصْد، فالحَصْد ليس فيه دلالة على انْتِهَاء زَمَان ولا عدمها؛ بخلاف الحَصَاد والحِصَاد. ونسب الفرَّاء الكَسْر لأهل الحِجَاز، والفتح لـ "تميم" و "نَجْد"، واخْتَار أبو عُبَيْد الفَتْحَ؛ قال: للفخامةٍ، وإن كانت الأخرى "فَاشِيَةً غير مَدفُوعة"، ومكي الكَسْر؛ قال: "لأنَّه الأصْل، وعليه أكثر الجماعة". وقوله: "يَوْم حصاده" فيه وجهان: أحدهما: أنه مَنْصُوب بـ "آتُوا" أي: أعْطُوا واجِبَة يوم الحَصَادِ، واستَشْكَل بعض النَّاسِ ذلك بأنَّ الإيتاء إنما يكون بعد التَّصْفِيَة، فيكيف يُوجِب الأيتَاء في يَوْم الحَصْد؟ وأجِيبُ: بأنّ ثَمَّ مَحْذُوفاً، والتّقْدير: إلى تَصْفِيتهِ، قالوا: فيكون الحَصاد سَبباً للوُجُوب المُوسَّع، والتَّصْفِيَة سَبَبٌ للأدَاءِ، وأحسن من هَذَا أن يَكُونَ المَعْنَى: واهتموُّا بإيتاءِ الواجِبَة فيه واقْصُدُوه في ذلك اليَوْم. الثاني: أنه مَنْصُوب بلفظ "حَقَّهُ" على معنى: وأعطوا ما اسْتِحقَّ منه يوم حَصَادِه، فيكون الاستِحْقَاق ثابتاً يوم الحَصَادِ والأدَاء بعد التَّصْفِيَة؛ ويؤيد ذلك تَقْدير المَحْذُوف عند بَعْضِهِم كما قَدَّمْتُه، وقال في نَظِير هذه الآية: {أية : ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ} تفسير : [الأنعام:99]، وفي هذه: "كُلُوا" قيل: لأن الأولى سيقت للدَّلالة على كَمَال قُدْرَته، وعلى إعْادة الأجْسام من عجب الذنب، فأمر بالنظر والتَّفَكُّر في البدَاية والنِّهاية، وهذه سيقت في مَعْرِض كمال الامْتِنَان فناسب الأمْر بالأكْلِ، وتحصَّل من مجموع الآيَتَيْنِ: الانتِفَاعُ الأخْرَوِيّ والدُّنْيَوي، وهذا هو السَّبَب لتقدُّم النَّظَر على الأمْر بالأكْل كما قدمنا. فصل في معنى الحق هنا اخْتَلَفُوا في هذا الحق: فقال ابن عبَّاس في رِوَاية عَطَاء وطاوس والحَسَن وجابر بن زيد وسعيد بن المُسَيَّب: أنَّها الزَّكَاة المفروضَةُ من العُشْر فيما سقَتِ السَّمَاءُ، ونصف العُشْر فيما سُقِي بالكُلْفة. وقال علي بن الحُسَيْن وعطاء ومُجَاهد وحمَّاد والحكم هو حَقُّ في المال سوى الزَّكَاة أمر بإيتائه، لأن الآية مَكيَّة وفرضت الزَّكاة بالمَدِينَة. قال إبراهيم: هو الضِّغث وقال الرَّبيع: لقاط السُّنْبُل. وقال مُجَاهد: كانوا يُعَلِّقُون العذق عند الحَرَم، فيأكُلُ مِنْهُ كلُّ من مَرَّ. وقال يزيد بن الأصَمّ: كان أهْل المَدِينَة إذا أحْرَمُوا يجيئون بالعذق فَيُعَلِّقونه في جانِب المَسْجِد، فيجيء المسْكِينُ فيضْربه بعَصَاه فَيَسْقُط منه. وقال سَعيد بن جُبَيْر: كان هذا حقاً يُؤمر بإيتَائِه شفي ابْتداء الإسْلام، فصار مَنْسُوخاً بإيجاب العُشْر. وقال مُقْسِم عن ابن عبَّاس: نسخت الزَّكَاةٌ كُلُّ نفقةٍ في القُرْآنِ. والصَّحيح الأوَّل؛ لأن قوله - تعالى -: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} إنما يَحْسُن ذكره إذا كان ذلك الحَقُّ مَعْلوماً قبل وُرودِ هذه الآيةِ؛ لئلا تَبْقَى هذه الآية مُجمَلة. وقال - عليه السلام -: "حديث : لَيْسَ في المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاة" تفسير : فوجَبَ أن يكون المُراد بهذا الحقِّ حق الزَّكَاةِ. قوله: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} بعد ذكر العِنَب والنَّخْل والزَّرْع والزَّيْتُون والرُّمَّان يدلُّ على وُجُوب الزَّكَاةِ في الثِّمار كما يقوله أبو حنيفة، فإن لفظ الحَصَادِ قيل: هو مَخْصُوص بالزَّرْع. فالجواب: لفظ الحَصْد في اللُّغَة عبارة عن القَطْع، وذلك يتناول الكلَّ، وأيضاً فالضَّمِير في قوله: "حَصَادِهِ" يجب عَوْده إلى أقْرب المذْكُورات وذلك هو الزَّيْتُون والرُّمَّان، فوجَبَ أن يَعُود الضَّمِير. فصل في بيان زكاة الزروع قال أبو حنيفة: العُشْر واجِبٌ في القَلِيل والكَثِير لهذه الآية. وقال الأكثرون: لا يِجِب إلاَّ إذا بلغ خَمْسَة أوْسُق؛ لأن الحَدِيث عن الحقِّ الواجب هَهُنا ما هو. قال القرطبي: وبهذه الآيةِ استَدَلَّ من أوجب العُشْر في الخضْرَواتِ؛ لقوله تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} والمذكور قَبْله الزَّيْتُون والرُّمَّان، والمذكور عَقِب الجملة يَنْصَرِف إلى الأخِيرَة بلا خلافٍ قاله الكيا الطبري. قوله: "ولا تُسْرِفُوا" قال أبو العبَّاس عن ابن الأعْرَابيِّ: السَّرَف تجاوز الحدِّ. وقال غيره: سَرَف المال: ما ذهب منه من غَيْر مَنْفَعَةٍ. قال القُرْطُبِي: الإسْرَاف في اللُّغَة: الخطأ. قال ابن عبَّاس "وحَقُّ اللَّه" في رواية الكلبي عنه؛ أن ثابت بن قيس بن شماس جَذَذَ خمسمائة نَخْلَةٍ, وقسَّمَها في يوم واحدٍ ولم يترك لأهْلِه شَيْئاً؛ فأنزل اللَّه هذه الآية. وقال السُّدِّيُّ: "لا تُسْرِفُوا؛ أي: لا تعْطُوا أمْوَالُكم فتَقْعُدوا فُقَرَاء". قال الزَّجَّاج - رحمه الله -: فعلى هذا إذن: إعْطَاء الإنْسَان كل مَالِهِ، ولم يوصل إلى عياله شَيْئاً وقد أسْرَف؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : ابْدَأ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ ". تفسير : وقال سعيد بن المسيَّب: مَعْنَاه لا تَمْنَعُوا الصِّدقة فعلى الأوَّل معنى الإسْرَاف؛ تجاوُز [الحَدِّ في الإعْطَاء، وعلى هذا الإسْرَاف: تجاوز] الحَدِّ في المَنْع. وقال مُقَاتِل: لا تُسْرِفُوا: لا تُشْرِكُوا الأصْنَام في الحَرْث والأنْعام. وقال الزُّهري: معناه: لا تُنْفِقُوا في مَعْصية اللَّه - تعالى -. قال مُجَاهِد: لو كان أبُو قُبَيْس ذَهَباً فأنفقه أحد في سَبيل اللَّه وطاعة اللَّه، لم يكن مُسْرِفاً: ولو أنْفق دِرْهَمان في مَعْصِيَة اللًّه، كان مسرفاً، وهذا المَعْنَى أراده الشَّاعِر بقوله: [الوافر] شعر : 2356- ذَهَابُ المَالِ في جُهْدٍ وأجْرٍ ذَهَابٌ لا يُقَالُ لَهُ: ذَهَابُ تفسير : قيل لِحَاتِمٍ الطَائيِّ: لا خير في السَّرفِ، فقال: لا سَرَف في الخَيْر. ورَوَى ابن وهب عن ابن زيد قال: الخِطَاب إلى السَّلاطين، يَقُول: لا تَأخُذُوا فوق حَقكم، قال - عليه الصَّلاة والسلام - "حديث : المعتدي في الصِّدَقَةِ كَمَانِعِهَا ". تفسير : وقال أبو عَبْد الرَّحمن بن زيد بن أسْلَم: الإسْرَاف ما لم يُقْدَر على رَدِّه إلى الصَّلاحِ. وقال النَّصْر بن شميل: الإسْرَاف: التَّبْذِير والإفرَاط، والسَّرَف: الغفلة والجَهَلة، وقوله - عز وجل -: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِين} [الأنعام:141] المقصود منه الزَّجْر؛ لأن كل مَنْ لا يُحِبُّه الله - تعالى - فهو من أهْل النَّار؛ لقوله - تعالى - {أية : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} تفسير : [المائدة:18] حين قالوا {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة:18].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات} قال: المعروشات ما عرش الناس {وغير معروشات} ما خرج في الجبال والبرية من الثمرات . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {معروشات} قال: بالعيدان والقصب {وغير معروشات} قال: الضاحي . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {معروشات} قال: الكرم خاصة . وأخرج من وجه آخر عن ابن عباس {معروشات} ما يعرش من الكرم وغير ذلك {وغير معروشات} ما لا يعرش منها . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله {متشابهاً} قال: في المنظر {وغير متشابه} قال: في المطعم . وأخرج ابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: ما سقط من السنبل . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: نسخها العشر ونصف العشر . وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن عطية العوفي في قوله {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: كانوا إذا حصدوا وإذا ديس وإذا غربل أعطوا منه شيئاً، فنسخها العشر ونصف العشر . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن المنذر عن سفيان قال: سألت السدي عن هذه الآية {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: هي مكية نسخها العشر ونصف العشر. قلت له: عمن؟ قال: عن العلماء . وأخرج النحاس وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، الرجل يعطى زرعه، ويعلف الدابة، ويعطى اليتامى والمساكين، ويعطى الضغث . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن . وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك قال: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: كانوا يعطون من اعتربهم شيئاً سوى الصدقة . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد في قوله {وأتوا حقه يوم حصاده} قال: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، فإذا طيبته وكرسته فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، فإذا دسته وذريته فحضرك المساكين فاطرح لهم منه، فإذا ذريته وجمعته وعرفت كيله فاعزل زكاته، وإذا بلغ النخل فحضرك المساكين فاطرح لهم من التفاريق والبسر، فإذا جددته فحضرك المساكين فاطرح له منه، فإذا جمعته وعرفت كيله فاعزل زكاته . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ميمون بن مهران ويزيد بن الأصم قال: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق فيضعونه في المسجد، فيجيء السائل فيضربه بالعصا فيسقط منه. فهو قوله {وأتوا حقه يوم حصاده} . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حماد بن أبي سليمان في قوله وأتوا حقه يوم حصاده قال كانوا يطعمون منه رطباً . وأخرج أبو عبيد وأبو داود في ناسخه وابن المنذر عن الحسن في قوله {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: هو الصدقة من الحب والثمار . وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أنس. أن رجلاً من بني تميم قال: يا رسول الله أنا رجل ذو مال كثير وأهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ قال "حديث : تخرج زكاة مالك فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقاربك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي قال: إن في المال حقاً سوى الزكاة . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي العالية في قوله {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة، ثم إنهم تباذروا واسرفوا، فأنزل الله {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وجد نخلاً فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فاطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} . وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال: ليس شيء أنفقته في طاعة الله اسرافاً . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لو أنفقت مثل أبي قيس ذهباً في طاعة الله لم يكن إسرافاً ولو أنفقت صاعاً في معصية الله كان إسرافاً . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله {ولا تسرفوا} قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا . وأخرج ابن أبي حاتم عن عون بن عبد الله في قوله {إنه لا يحب المسرفين} قال: الذي يأكل مال غيره . وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: عشوره. وقال للولاة {لا تسرفوا} لا تأخذوا ما ليس لكم بحق {إنه لا يحب المسرفين} فأمر هؤلاء أن يؤدوا حقه وأمر الولاه أن لا يأخذوا إلا بالحق . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: {ولا تسرفوا} قال: لا تعطوا أموالكم وتقعدوا فقراء . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب في قوله {كلوا من ثمره إذا أثمر} قال: من رطبه وعنبه وما كان، فإذا كان يوم الحصاد فاعطوا حقه يوم حصاده {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} قال: السرف أن لا يعطى في حق . وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير عن أبي بشر قال: أطاف الناس باياس بن معاوية فقالوا: ما السرف؟ قال: ما تجاوزت به أمر الله فهو سرف. قال سفيان بن حسين: وما قصرت به عن أمر الله فهو سرف. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: الصدقة التي فيه " ذكر لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم سن فيما سقت السماء، أو العين السائحة، أو سقى النيل، أو كان بعلاً: العشر كاملاً، وفيما سقى بالرشا نصف العشر، وهذا فيما يكال من الثمر. قال: وكان يقال: إذا بلغت الثمرة خمسة أوسق وهو ثلثمائة صاع فقد حقت فيه الزكاة. قال: وكانوا يستحبون أن يعطى مما لا يكال من الثمرة على نحو ما يكال منها" . وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس وابن عدي والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: الزكاة المفروضة . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وآتوا حقه يوم حصاده} يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله . وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه والبيهقي عن طاووس {وآتوا حقه يوم حصاده} قال: الزكاة .
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ}. يعني كما أنشأ في الظاهر جناتٍ وبساتينَ كذلك أنشأ في السِّر جناتٍ وبساتين، ونزهة القلوب أثم من جنات الظاهر؛ فأزهار القلوب مونِقة، وشموس الأسرار مشرقة، وأنهار المعارف زاخرة. ويقال كما تتشابه الثمار كذلك تتماثل الأحوال، وكما تختلف طعومها وروائحها مع تشاكلها من وجه، فكذلك الأحوال مختلفة القضايا، وإن اشتركت في كونها أحوالاً. قوله جلّ ذكره: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}. حَقُّ الواجبِ يومَ الحصاد إقامة الشكر، فأمَّا إخراج البعض فبيانه على لسانه العلم، وشهودُ المِنعم في عين النعمة أتمُّ من الشكر على وجود النعمة. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ}. الإسراف - على لسان العلم - مجاوزة الحد. وعلى بيان الإشارة فالإسرافُ كلُّ ما أَنْفَقْتَه في حظِّ نَفْسِكَ - ولو كانت سمسمة، وما أنفقته في سبيله - سبحانه - فليس بإسراف، ولو أربى على الآلاف.
البقلي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} ان الله سبحانه فى قلوب العارفين جنان ورد المشاهدات وعبهر المكاشفات وزهر الجمال ونور الوصال وياسمين المودة ورياحين الزلفة فبعضها معروشات كرم حقائق معاملاتها وحالاتها بحيث تلاصق ثمراتها الى حضرة القديم وانوار معارفها تسطع الى سماء اليقين لقوله سبحانه اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ذلك من جذب الله صميمها واغصان انوراها الى قربه بقوة ازلية فى ارفاعها اليه وبعض ثمراتها غيره معروشة لبقائها على اشجار الهموم والقهوم ليستناولها كل طالب وكل مريد صادق تحلها هو الايمان الثابت فى ارض القلب وفرغها فى عالم الملكوت قال تعالى {أية : أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : وزروعها تنبت فيها من بذر المحبة وهى مختلفة ثمراتها فمنها الانس ومنها القدس ومنها الشوق ومنها العش ومنها الخوف ومنها الرجاء ومنها العصمة ومنها المعرفة ومنها التوتحيد ومنها التجريد وزيتونها اخلاصها تنبت من سينا الوصال بدهن نور الجمال وصبغ صبح الحلال متشابها فى لباس الالتبسا منتهيا فى منظر نور التجلى قال تعالى فى وصفها من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لمتمس نار نور على نور ووصفها ايضا بقوله شجرة تخرج من طور سينا تنبت بالدهن وصبغ للاكلين ومن ههنا خاطب كليمه بقوله ونودى من شاطى الواد الايمن فى البقعة المباركة من الشجرة ان يا موسى انى انا الله ورمانها شجرة الالهام الذى ثمره وحكمة الحاقئق ولطائف الدقائق متشابها وغير متشابه مقاماتها بعضها متدانية من بعضها وعبهضا متابعدة من عبضها لان بعضها معاملات وبعضها حالات وبعضها واردات وبعضها مكاشفات وبعضها اسرار وبعضها انوار مخاطبهم رب هذه البساتين بان يستمتعوا بثمراتها ومنافعها الزيادة قوة الايقان ونور الايمان بقوله {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} ثم امرهم بان يعطوا زكوة هذه النعم المتواترة المريدين الطالبين باخراج لطائفها بنعت البيان على لسان العلم ونشر فضائل المقامات والحالات بقوله {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} يوم اكملت الاحوال واستقيم الاعمال بنعت التمكين والاستقامة ثم امرهم بان يبخلوا ولا يكتموا عن اهلها هذه النعم الغيبية المستفادة من لطف الله العزيز بقوله {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} فان كتمانهم عن اهلها ظلم واسراف {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} يعنى من كتمانها يكون محجبا بعدها ما هذه البساتين ما اطيب ثمراتها وما الطف زهراتها وما اعذب انهار وما اشرق شموسها وما انور اقمارها وما ازهر خضرتها وما اكرم نظرتها وما احلى صوات الحان بلابل اشجارها حين ترغت بسجاتى انا الحق قال الاستاد فى تفسير هذه الأية بساتين القلوب اتم من جنان الظاهر فازهار القلوب مونقة ومشوس الاسرار مشرقة وانها المعرفة زاخرة قال ما اخرج البعض فبينانه على لسان العلم وشهود المنعم فى عين النعمة اتم من الشكر وجود النعمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو الذى انشأ} اى خلق يقال نشأ الشئ نشأة اذا ظهر وارتفع وانشأه الله تعالى اى اظهره ورفعه {جنات} اى بساتين من الكروم {معروشات} اى مرفوعات على ما يحملها من خشب ونحوه {وغير معروشات} ملقيات على وجه الارض فان بعض الاعناب يعرش وبعضها لا يعرش بل يلقى على وجه الارض منبسطا او المعروشات الاعناب التى يجعل لها عروش وغير المعروشات كل ما نبت منبسطا على وجه الارض مثل القرع والبطيخ او المعروشات ما يحتاج الى ان يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه وهو الكرم وما يجرى مجراه وغير المعروش ما لا يحتاج اليه بل يقوم على ساقه كالنخل والزرع ونحوهما من الاشجار والبقول او المعروشات ما لا يحتاج اليه بل يقوم على ساقه كالنخل والزرع ونحوهما من الاشجار والبقول او المعروشات ما يحصل فى البساتين والعمرانات مما يهتم به الناس ويغرسونه وغير المعروشات ما انبته الله تعالى فى البرارى والجبال {والنخل والزرع} اى انشأهما وافرادهما بالذكر مع انهما داخلان فى الجنات لكونهما اعم نفعا من جملة ما يكون فى البساتين والمراد بالزرع ههنا جميع الحبوب التى يقتات بها {محتلفا أكله} حال مقدرة اذ ليس كذلك وقت الانشاء اى انشأ كل واحد منهما فى حال اختلاف ثمره الذى يؤكل فى الهيئة والكيفية. قال البغوى ثمره وطعمه منها الحلو والحامض والجيد والردى {والزيتون والرمان} اى انشأهما {متشابها وغير متشابه} نصب على الحالية اى يتشابه بعض افرادهما فى اللون والهيئة والطعم ولا يتشابه بعضها مثل الرمانين لونهما واحد وطعمهما مختلف {كلوا من ثمره} اى من ثمر كل واحد من ذلك {اذا اثمر} وان لم يدرك ولم يينع بعد ففائدة التقييد بقوله اذا اثمر اباحه الاكل منه قبل ادراكه وينعه {وآتوا حقه يوم حصاده} اشهر الاقوال على ان المراد ما كان يتصدق به على المساكين يوم الحصاد اى يوم قطع العنب والنخل ونحوهما بطريق الوجوب من غير تعيين المقدار حتى نسخه افتراض العشر فيما يسقى بماء السماء ونصف العشر فيما يسقى بالدلو والدالية او نحوهما {ولا تسرفوا} اى فى التصدق كما روى ان ثابت بن قيس جذ خمسمائة نخلة فقسمها فى يوم واحد ولم يترك لاهله شيئاً وقد جاء فى الخبر "حديث : ابدأ بمن تعول " .تفسير : وقيل الخطاب للسلاطين اى لا تأخذوا فوق حقكم {انه لا يحب المسرفين} اى لا يرضى فعلهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {مختلفًا}: حال مقدَّرة؛ لم يكن كذلك عند الإنشاء، والضمير في {أُكله}: يعود على النخل، والزرعُ مقيس عليه، أو للجميع؛ على تقدير: كل واحد منهما. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهو الذي أنشأ} أي: خلق {جنات}؛ بساتين مشتملة على كروم ـ أي: دوالي ـ {معروشات} أي: مرفوعة بالعرشان والدعائم، {وغير معروشات} أي: مبسوطة على وجه الأرض، قيل: المعروشات: ما غرسه الناس في العمران، وغير المعروشات: ما أنبته في الجبال والبراري. {و} أنشأ {النخل والزرع مختلفًا أُكله} أي: ثمره الذي يؤكل منه، واختلافه في اللون والطعم والرائحة والحجم والهيئة والكيفية، وذلك دليل على عظمة القادر المريد، {و} أنشأ {الزيتون والرمان متشابهًا وغير متشابه} أي: تتشابه بعض أفرادهما في اللون والطعم، ولا يتشابه بعضها. {كُلوا من ثمره} أي: من ثمر كل واحد منهما، {إذا أثمر} وإن لم يطب، قيل: فائدة الأمر بالأكل: رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله منه قبل الطيب، أي: قبل أن تجب زكاته، وأما إذا طاب فلا بد من التخريص. {وآتوا حقه يوم حصاده}؛ يريد: ما كان يتصدق به يوم الحصاد، لا الزكاة المقدرة؛ لأنها فرضت بالمدينة، وكان ذلك واجبًا ثم نسخ بالعشر. وقيل: الزكاة حقيقةً، والآية مدنية، وقيل: مكية، ولم يعيَّن قدرها إلا بالمدينة، والأمر بإتيانها يوم الحصاد؛ ليُهتم به حينئذٍ، حتى لا يؤخر عن وقت الأداء، خلاف ما يفعله العامة من خزنها مع ماله، حتى يدفعها في نوائب المخزن، وليعلم أن الوجوب بالإفراك والطيب، لا بالتصفية، ولذلك شرع التخريص، {ولا تُسرفوا} بصرفها في غير محلها، ولا تتعدوا ما أمرتم به فتجعلوا ما أنشأ الله للأصنام، أو: لا تسرفوا في التصدق بالكل، كقوله: {أية : وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ }تفسير : [الإسرَاء:29]، {إنه لا يحب المسرفين} أي: لا يرضى فعلهم. الإشارة: وهو الذي أنشأ جنات المعارف لمن خرق عوائده، معروشات بشهود أسرار الحبروت، وغير معروشات بشهود أنوار الملكوت، أو معروشات بشهود المعاني مع الأواني، وغير معروشات بشهود الأواني فقط، أو معروشات بشهود المؤثر والأثر، وغير معروشات بشهود المؤثر فقط، وكلها ترجع لمعنى واحد، والمعروش أرفع من غيره وأكمل، والأول: مقام البقاء والصحو، والثاني: مقام الفناء والسكر، والنخل والزرع: الحقيقة والشريعة على اختلاف علومهما، والزيتون والرمان: الأعمال والأحوال، متفقة وغير متفقة، وثمره: حلاوة الشهود، فليأكل منها المريد إذا طاب وقته، ولا تُسرفوا في الأحوال، إنه لا يحب المسرفين. ثم ذكر إنشاء الأنعام، فقال: {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً}.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل البصرة وابن عامر وعاصم (حصاده) - بفتح الحاء - الباقون بكسرها. وهم لغتان. وقال سيبويه: جاءوا بالمصادر حين أرادوا أنتهاء الزمان على مثال (فعال) نحو الضرام والجزاز، والجداد والقطاف والحصاد. وربما دخلت اللغتان في بعض هذا، وكان فيه (فِعال وفَعال). لما اخبر الله عن هؤلاء الكفار وعن عظيم ما ابتدعوه وافتروا به على الله وشرعوا من الدين ما لم يأذن الله فيه، عقب ذلك البيان بأنه الخالق لجميع الاشياء فلا يجوز اضافة شيء منها الى الاوثان، ولا تحليله، ولا تحريمه الا بأذنه، فقال {وهو الذي أنشأ جنات معروشات} والانشاء هو احداث الافعال ابتداء لا على مثال سبق، وهو كالابتداع. والاختراع هو أحداث الافعال في الغير من غير سبب، والخلق هو التقدير والترتيب. والجنات جمع جنة، وهي البساتين التي يجنها الشجر من النخل وغيره. والروضة هي الخضرة بالنبات والزهور المشرقة باختلاف الالوان الحسنة. وقوله {معروشات وغير معروشات} قيل في معناه قولان: احدهما - ما قال ابن عباس والسدي: المعروشات هو ما عرش الناس من الكروم ونحوها، وهو رفع بعض اغصانها على بعض {وغير معروشات} ما يكون من قبل نفسه في البراري والجبال. والثاني - قال ابو علي يعرشه أي يرفع له حظائر كالحائط. واصله الرفع ومنه قوله تعالى {أية : خاوية على عروشها}تفسير : يعني على اعاليها، وما ارتفع منها لم يندك فيستوي بالارض، ومنه العرش للسرير لارتفاعه. و {معرشات} في موضع النصب، لانها صفة لـ {جنات} والنخل والزرع معناه وأنشأ النخل والزرع {مختلفا أكله} يعني طعمه، ونصب مختلفا على الحال، وانما نصبه على الحال، وهو يؤكل بعد ذلك بزمان، لامرين: احدهما - ان معناه مقدرا اختلاف أكله كقولهم: مررت برجل معه صقر صايدا به غدا أي مقدرا الصيد به غدا. الثاني - ان يكون معنى {أكله} ثمره الذي يصلح ان يؤكل منه. {والزيتون والرمان} أي وانشأ الزيتون والرمان. وانما قرن الزيتون الى الرمان، لانه لما ذكر الكرم والنخل والزرع اقتضى ذكر ما خرج عن ذلك، فقرنا لفضلهما بعدما ذكره. وقيل: لانهما يشتبهان باكتناف الاوراق في اغصانها {متشابها وغير متشابه} معناه متماثلا وغير متماثل. وقيل {متشابها} في النظر {وغير متشابه} في الطعم بل الطعم مختلف. وقوله {كلوا من ثمره إذا أثمر} المراد به الاباحة لا الامر. وقال الجبائي وجماعة: ان ذلك يدل على جواز الاكل من ثمره، وان كان فيه حق للفقراء. وقوله {وآتوا حقه يوم حصاده} أمر ايجاب بايتاء الحق يوم الحصاد على طريق الجملة، والحق الذي يجب اخراجه يوم الحصاد فيه قولان: احدهما - قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية وزيد بن أسلم والحسن وسعيد بن المسيب وطاووس وجابر بن عبد الله وبريد وقتادة والضحاك: انه الزكاة العشر، او نصف العشر. الثاني - روي عن جعفر (ع) عن أبيه (ع) وعطاء ومجاهد وابن عامر وسعيد بن جبير والربيع بن أنس: انه ما ينثر مما يعطي المساكين. وروي أصحابنا أنه الضغث بعد الضغث والحفنة بعد الحفنة. وقال ابراهيم والسدي: الآية منسوخة بفرض العشر ونصف العشر، قالوا: لان الزكاة لا تخرج يوم الحصاد، وقالوا لان هذه الآية مكية وفرض الزكاة نزل بالمدينة. ولما روي بأن فرض الزكاة نسخ كل صدقة. قال الرماني: وهذا غلط، لان يوم حصاده ظرف لحقه، وليس بظرف الايتاء المأمور به. وقوله {ولا تسرفوا} قيل في المخاطبين به ثلاثة أقوال: احدها - قال ابو العالية وابن جريح انه يتوجه الى ارباب الاموال، لانهم كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة يسرفون فيه، فروي عن ثابت بن شماس انه كان له خمس مئة رأس نخلا فصرمها وتصدق بها، ولم يترك لاهله منها شيئا فنهى الله عن ذلك، وبين أنه مسرف، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وسلم) ابدأ بمن تعول. الثاني - قال ابن زيد انه خطاب للسلطان. الثالث - انه خطاب للجميع وهو أعم فائدة. وقيل: ان السرف يكون في التقصير، كمايكون في الزيادة قال الشاعر: شعر : اعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما في عطائهم من ولا سرف تفسير : معناه ولا تقصير. وقيل ولا إِفراط، لانه لا يستكثر كثيرهم. والاسراف هو مجاوزة حد الحق وهو افراط وغلو. وضده تقصير واقتار. ومسرف صفة ذم في العادة. وينبغي ان يؤدي الحق الذي في الغلات الى امام المسلمين ليصرفه الى اهل الصدقات ولهم ان يخرجوه الى المساكين اذا لم يأخذهم الامام بذلك فأما مقدار ما يجب من الزكاة، والنصاب الذي يتعلق به وصفه الارض الزكوية فقد بيناه في كتب الفقه مستوفى لا نطول بذكره الكتاب.
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّاتٍ} مشتملات على الاشجار المثمرة من الكروم وغيرها {مَّعْرُوشَاتٍ} مرفوعات على اصولها كالاشجار الّتى لها اصول او على ما يحملها كالكروم الّتى تحمل على غيرها {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} كالّتى تلقى على وجه الارض من الكروم {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ} اكل ذلك المذكور من الاثمار والحبوب والبقول فى الشّكل واللّون والطّعم والرّائحة والنّوع والجنس مع اتّفاقها فى الارض والماء {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً} فى المذكروات {وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} قائلاً {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} على ألسنة الانبياء (ع) والاولياء (ع) ترخيصاً لكم فى التّصرّف قبل اخراج حقوقه او قائلاً بلسان الحال حيث اباحه لكم {إِذَآ أَثْمَرَ} والمراد بالثّمر مطلق ما يحصل منها من المنافع حتّى يدخل فيه ثمر الزّرع {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} اى حقّه المفروض بناءً على وجوب الاداء اوّل وقت الامكان او حقّه المسنون من التّصدّقات على السّائلين وهكذا فسّرت فى الاخبار، فعن الصّادق: (ع) فى الزّرع حقّان حقّ تؤخذ به وحقّ تعطيه، امّا الّّذى تؤخذ به فالعشر ونصف العشر، وامّا الّذى تعطيه فقول الله تعالى عزّ وجلّ: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} فالضّغث تعطيه ثمّ الضّغث حتّى تفرغ ويؤيدّ كون المراد هو الحقّ المسنون قوله تعالى {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} فانّ المفروض لا يتصوّر السّرف فيه بخلاف المسنون {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} عن الرّضا (ع) انّه سئل عن هذه الآية فقال كان ابى يقول: من الاسراف فى الحصاد والجذاذ ان يتصدّق الرّجل بكيفيّه جميعاً، وكان ابى اذا حضر شيئاً من هذا فرأى احداً من غلمانه يتصدّق بكفّيه صاح به: اعط بيدٍ واحدة.
الهواري
تفسير : قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ}. والمعروشات في تفسير الكلبي العنب، وغير معروشات الشجر والنخل. وفي تفسير مجاهد: العنب منه معروش وغير معروش. قال: {وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ}. تفسير الكلبي: منه الجيِّد ومنه الرّدىء. {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مَتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} أي متشابهاً في المنظر وغير متشابه في المطعم. ذكروا عن مجاهد عن ابن عباس قال: اختلاف الطعم والشجر. وتفسير بعضهم في الآية الأولى: متشابهاً في الورق مختلفاً في الثمر. قوله: {كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} أي: الزكاة المفروضة فيما ذكر الحسن. وقال غيره: هي الصدقة التي فيه. وكذلك قال سعيد بن جبير: هي الزكاة. ذكروا عن ابن عمر ومجاهد قالا: هو سوى العشر ونصف العشر أن يُتَنَاوَل منه يوم يحصد. ذكر الحسن قال: "حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يُصرم ليلاً، أو يُحصد أو يُضَحّى ليلاً".تفسير : قال بعضهم: نراه من أجل من يحضره من المساكين؛ كقوله: في سورة ن في (أية : أًصْحَابَ الجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ)تفسير : [ن:17]... إلى قوله {أية : أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ} تفسير : [سورة ن:24]. ذكروا "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنّ فيما سقت السماء والعيون السائحة وما سقي الطّل ـ والطل الندى ـ وكان بعلاً، العشر، كاملاً، وما سقي بالدوالي والسَّواني نصف العشر ".تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة . تفسير : ذكر بعضهم أنه قال: كان رجال من أهل العلم يقولون: لا يؤخذ من الحب اليابس شيء حتى يبلغ ثلاثمائة صاع، فإذا بلغ ثلاثمائة صاع ففيه الزكاة. ذكروا "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذ بن جبل إلى اليمن فأمره أن يأخذ الزكاة من التمر والزبيب والبر والشعير والذرة ". تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ليس في الخضراوات صدقة . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: الزكاة في تسعة: الذهب والفضة، والإِبل والبقر والغنم والبر والشعير، والتمر والزبيب. قوله: {وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ}. أي لا تحرّموا ما حرّم أهل الجاهلية من الأنعام والحرث، وهو الذي فسّرنا قبل هذا.
اطفيش
تفسير : {وهُو الَّذى أنشَأ} خلق بإبداع {جنَّات} من بين الكروم {مَعْروشَاتٍ} مرفوعات الكروم على بناء يبنى لها، أو على نحو خشب تغرز أو تمدها فتكون عليها {وغيرَ معْروشاتٍ} غير مرفوعات لم يبن لها ذلك، ولم يغرز فتكون منبسطة على الأرض، يقال عرّشت الكرم أعرشه بالتخفيف وبالتشديد إذا جعلته عريشا، أى سقفاً على ما غرز له أو بنى، أو رفعته على سقف سابق، واعترش الكرم صار عريشاً على غيره أى سقفاً، أو على سقف فالجنات المعروشات، وغير المعروشات، كلها من الكروم، وذلك قول الضحاك ومجاهد، ويسمى الكرم عريشاً. وقال ابن عباس والكلبى: المعروشات كل ما ينفرش على الأرض ولا ساق له، فيكون كسقف عليها كالكروم والقرع والبطيخ، وفيه نظر، فإنهُ لا يعهد نحو نبات القرع والبطيخ فى جنات، وغير المعروشات ما لا يكون كالسقف على الأرض، لأن له ساقاً يرفعه كالنخل والزرع وغير ذلك، ونسب أيضا لابن عباس القول الأول، وقيل: المعروشات ما من شأنه أن يعرش عرش أو لم يعرش وهو ما فى البساتين المتخذة عند القرى والأمصار من الكروم وغيرها، وغير المعروشات ما كان فى البرارى والجبال من الكروم وغيره، فإنهُ لمن شأنه أن لا يعرش، وفيه نظر، لأنهُ لا تعهد تسمية الشجرة الواحدة أو اثنين جنة، ولا تعهد الكثرة والاتصال فى البرارى إلا أن يعد شجر البرارى المثمرة، وقيل: المعروشات الكروم، وغير المعروشات ما ينبت على الأرض ينبسط عليها. {والنَّخل والزَّرع} ذكرهما بالعطف على الجنات إذا لم يدخلا فى المعروشات وغير المعروشات وعلى دخولهما، فذكرهما لأنهما المقصود الأصلى، وكذا ذكر الزيتون والرمان والزرع وكلما يحرث كالبر والشعير ونحوهما، وكاللفت والجزر ونحوهما. {مُخْتلفاً أُكُلُه} حلاوة وحموضة، وجودة ورداءة، وهيئة وقدرا ولونا، والهاء للزرع والنخل وغيرهما، بتأويل ما ذكر، ولذلك أفرد، أو أفرد باعتبار فرد فرد على العموم البدلى، أى أكل كل واحد أو الهاء لأقرب مذكور وهو الزرع، ويعلم الباقى بالقياس عليه، قيل: أو للنخل والباقى يحمل عليه، واختص لأنه أول بالنسبة للزرع، فهو كالعمدة مع فصله عما بعده، ومختلفا حال مما عادت إليه هاء أكله وهى مقدرة لا مقارنة، لأنه حال لأنشأ ليس فيه ما يؤكل، فضلا عن أن يختلف هذا الذى يؤكل، والأكل بضم الهمزة ما يؤكل وهو ثماره، لكن الضم منقول عندنا للتنوين. {والزَّيتُون والرُّمان مُتشابهاً وغيرَ مُتشابهٍ} يتشابه بعضه مع بعض، ولا يتشابه بعضه مع الآخر لوناً وطعماً، وقدراً وهيئة، وورقاً وثمراً، ومر كلام فى ذلك عند قوله: {أية : وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات} تفسير : الآية فإن هذه الآية وتلك سواء ذكر فيهما أنواعاً خسمة، ولكن اختلف الترتيب بينهما، ذكر هنالك الحب والنخل أولا لكونهما العمدة، وذكر هنا العنب أولا لكونه ألذ مع ما زاد من تطريته بتنويعه إلى معروش وغيره، إذا قلنا: إنه العنب، وذكر هنا متشابهاً مرتين، وهنالك الأول مشْتبها، والأخير متشابها لزيادة التأكيد هنا، فإن متفاعلا أبلغ من مفتعل، لأن التفاعل للمسابقة أظهر، وما للمسابقة يشتد التفاوت فيه، واختص المبالغة بما هنا لأنه ثانٍ بالنسبة لما هنالك، وهكذا كان مترفاً تزداد تشديداً وكالمبالغة بثم فى قوله: {أية : كلا سوف تعلمون* ثم كلا سوف تعلمون}تفسير : دالة على ازدياد الإنذار والتشديد فيه، وقال هنالك: {أية : انظروا إلى ثمره}تفسير : قصداً للاستدلال على الوجود والوحدانية والقدرة التامة، فالآية سبقت فى ذلك وقال هنا. {كلُوا من ثَمره إذا أثمرَ} وقرئ بضم الثاء والميم قصداً إلى ذكر الانتفاع والامتنان به، والدلالة على وجود الله، والقدرة التامة والوحدانية أحق بالتقديم، لأن هذا هو المقصود بالذات، أعنى ما ذكرته من الوجود والقدرة والوحدانية، وهاء ثمره كهاء أكله، ومعنى الأمر بالأكل من ثمره الأمر بالأكل منه، ولو لم يدرك، أو إباحة الأكل منه، ولو قيل إيتاء حقه دفعاً لما يتوهم من تحريم الأكل منه، لأن فيه حقا لأهله وهم المساكين، وضمير أثمر عائد إلى ما عادت إليه الهاء لا إلى ثمره، أى كلوا من ثمره إذا أخرج ثماراً، وقد يعود إلى ثمره على معنى الإدراك، أى إذا كمل ذلك الثمر بأن أدرك، كما ضيقوا على أنفسهم بتحريم البحائر ونحوها، وتحريم نصيب من الحرث والأنعام يجعلونه للأصنام وغير ذلك، ويكون الأمر للإرشاد إذا كان أثمر بمعنى كمل ثمره بأن أدرك. {وآتُوا حقَّه يَوم حَصَاده} أوصلوا حقه الواجب فيه إلى أهه أعطوهم إياه وهم المساكين يوم قطعه، والحصاد فى الآية أصل لقطع ثمر النخل وحقه والزكاة إذا بلغ ثمره خمسة أو ساق كما بينته السنة، وكان الحب ثمراً أو براً أو شعيراً أو زبيباً أو ذرة أو سلتاً كما جاءت الآثار عندنا، وقيل: بالزكاة فى جميع الحبوب والثمار حتى الرمان والزيتون والتين والفول، بتقدم عموم الجنات، وعموم الزرع، وقيل: بوجوب الزكاة ولو فى القليل لعموم الآية، وليس كذلك، لأن السنة قد بينت. ومنها ما روى أنه صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فأمره أن يأخذ الزكاة من التمر والزبيب والبر والشعير والذرة ودخل السلت، أما فى البر أو الشعير فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس فى الخضروات زكاة" تفسير : وذلك الحق هو العشر فيما يسقى بلا علاج، ونصفه فيما يسقى كالسقى على الناضح وغيره من الدواب، وكالسقى بالدولاب والبابور، ويعتبر الفرض يوم الحصاد، فكلما حصد وجب فيه إذا جمع عرمة أو عرمات فلا يأكل منه إلا بحساب، ولكن إن ضاع قبل الدوس والتصفية بلا تضييع لم تغرم فيه، وإن جف ونقص عن النصاب وجبت بالقدر الذى هو حال الحصاد، وذلك يوجب تحزيراً كما قيل أيضا: تجب إذا أدركت فلا يأكل فى هذا القول إذا أدركت إلا بحساب، وقيل: تجب بالإدراك ويؤدى على الموجود فقط إذا دوس إذا أمرنا بالأكل منه إباحة وأمرنا بالإعطاء منه إذا حصد، وذلك على الإمكان منه ما يمكن الإعطاء، والكيل منه بمجرد القطع كالتمر. ومنه ما يحتاج للتصفية، وعلى هذا فقال: {يوم حصاده} تعجيلا وإنشاطا وترغيبا، ولقربه حينئذ من التصفية، فيوم بمعنى زمان، ووقت حصاده وتصفيته زمان واحد متصل يحمل الإعطاء على قدر الإمكان وهو يمكن إذا صفى، ومسائل الزكاة مبسوطة فى الفقه، وحمل الآية على الزكاة الواجبة المعهودة هو قول ابن عباس، وأنس، وطاووس، والحسن، وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن الحنفية، وقتادة. والزكاة مشروعة فى المدينة، ففى هذا القول نزلت هذه الآية فى المدينة، وجعلت فى هذا الموضع من الأنعام وهى محكمة، وقيل: ليست الآية فى الزكاة المذكورة، بل المراد صدقة واجبة فى مكة عند الحصاد لا قبله، ولا يؤخر فنسخت بآية الزكاة، وعن ابن عباس: نسخت آية الزكاة كل صدقة فى القرآن، فإن كانت هذه غير الزكاة فقد نسخت بأول آية نزلت فى الزكاة، وإن كانت هذه فى الزكاة فهى ناسخة لكل صدقة غير الزكاة. وقيل: إن هذه غير الزكاة الواجبة المعهودة الآن، وإنما غير واجبة، فليست منسوخة بالزكاة، بل بقى استحبابها، وبه قال سعيد بن المسيب فى رواية عنه، وهو قول مجاهد قال: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه شيئا قبل لقط السنبل، فإذا دوسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته عشره أو نصف عشره، وهذا بيان الحق المندوب إليه، وكذا بيانه على القول بأنه حق واجب غير الزكاة، فإنه هو الذى ذكره من الطرح فى الوقتين، ولكن لفظ الحق أنسب بالوجوب فقد وجب، ثم نسخ بالزكاة، وأنسب بأن يكون هو الزكاة، لكن يضعفه لزوم إيجابه فى كل ما يخرجه، وفى كل غلات الشجر المتخذ حتى الرمان. وقيل فى بيان الحق المذكور: إنه غير الزكاة واجبا أو مندوبا إليه على القولين أنه إطعام من حضرك، وترك ما سقط من الزروع والتمر لمن يلقطه، وهو رواية عن الحسن، وعطاء، ومجاهد، وحماد، وعن ربيعة: هو السنبل، وعن مجاهد: كانوا يلقون العذق عند الصرام فيأكل منه من مر، وقيل: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق فيعلقونه فى جانب المسجد فيضربه بعصاه، فما سقط أكله، واتفقوا أن لا واجب من ذلك بعد نزول الزكاة، قال صلى الله عليه وسلم للأعرابى القائل بعد ذكر الزكاة: هل علىَّ غير ذلك؟ قال: "حديث : لا إلا أن تطوع" تفسير : والحديث فى صحيح الربيع بن حبيب، وقرأ غير الأخوين والحرمين بفتح حاء حصاده وذلك لغتان. {ولا تُسْرفوا} لا تجاوزوا ما حده الشرع بأن تنفقوا فى المعصية ولو قليلا كالنفقة على الصنم، وتحريم نحو البحيرة وسهم الصنم، أو تضيعوا أو تمنعوا الزكاة أو بعضها، أو يأخذ السلطان الزكاة مما لم تجب فيه، أو يأخذ أكثر مما وجب، أو يعطوا ما لهم ويبقوا يتكففون الناس، أو يحتاج عيالهم: {أية : ولا تبسطها كل البسط} تفسير : قال سفيان: ما أنفقت فى غير طاعة الله فهو سرف ولو قليل، قال مجاهد: لو أنفقت درهماً أو مداً فى معصية الله كنت مسرفاً، قالا: وما أنفقت فى طاعة الله فلا سرف ولو كان أباقبيس ذهبا إذا أبقى لنفسه ولعياله. ولما صرم ثابت بن قيس بن شماس خمسمائة نخلة فقسمها فى يوم واحد، ولم يترك لأهله شيئا، نزلت فيه: {ولا تسرفوا} فهى مدنية، ولعله فعل ذلك، وقرأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {ولا تسرفوا} وذلك لأنه لم يترك لعياله، وكذا قال السدى: الإسراف أن تعطى مالك وتقعد فقيراً، قال الزجاج: إن أعطى ولم يوصل لعياله شيئاً فقد أسرف، وقد جاء فى الحديث: "ابدأ بمن تعول" وعن سعيد: الإسراف هنا منع الزكاة لأنه مجاوزة الحد. {إنَّه لا يحبُّ المسْرفينَ} لا يعد لهم ما يعد الحبيب لحبيبه، بل يعاقبهم إذ لم يرض عن إسرافهم.
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ جَنَّـٰتُ مَّعْرُوشَـٰتٍ} تمهيد لما سيأتي من تفصيل أحوال الأنعام. وقال الإمام: «إنه عود إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على تقرير التوحيد» أي وهو الذي خلق وأظهر تلك الجنات من غير شركة لأحد في ذلك بوجه من الوجوه، والمعروشات من الكرم ما يحمل على العريش وهو عيدان تصنع كهيئة السقف ويوضع الكرم عليها {وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ} وهي الملقيات على وجه الأرض من الكرم أيضاً، وهذا قول من قال: إن المعروشات وغيرها كلاهما للكرم، وعن أبـي مسلم أن المعروش ما يحتاج إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه من الكرم وما يجري مجراه، وغير المعروش هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقه عن التعريش، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعروش ما يحصل في البساتين والعمرانات مما يغرسه الناس وغير المعروش ما نبت في البراري والجبال، وقيل: المعروش العنب الذي يجعل له عريش وغير المعروش كل ما نبت منبسطاً على وجه الأرض مثل القرع والبطيخ، وقال عصام الدين: ولا يبعد أن يراد بالمعروش المعروش بالطبع كالأشجار التي ترتفع وبغير المعروش ما ينبسط على وجه الأرض كالكرم، ويكون قوله سبحانه: {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ} تخصيصاً بعد التعميم وهو عطف على {جَنَّـٰتٍ} أي أنشأهما {مُخْتَلِفًا} في الهيئة والكيفية {أُكُلُهُ} أي ثمره الذي يؤكل منه. وقرأ ابن كثير ونافع {أكله} بسكون الكاف وهو لغة فيه على ما يشير إليه كلام الراغب، والضمير إما أن يرجع إلى أحد المتعاطفين على التعيين ويعلم حكم الآخر بالمقايسة إليه أو إلى كل واحد على البدل أو إلى الجميع والضمير بمعنى اسم الإشارة، وعن أبـي حيان «أن الضمير لا يجوز إفراده مع العطف بالواو... فالظاهر عوده على أقرب مذكور وهو {ٱلزَّرْعَ } ويكون قد حذف حال النخل لدلالة هذه الحال عليها، والتقدير / والنخل مختلفاً أكله والزرع مختلفاً أكله»، وجوز وجهاً آخر وهو أن في الكلام مضافاً مقدراً والضمير راجع إليه أي ثمر جنات، والحال المشار إليها على كل حال مقدرة إذ لا اختلاف وقت الإنشاء. وزعم أبو البقاء أنها كذلك إن لم يقدر مضاف أي ثمر النخل وحب الزرع وحال مقارنة إن قدر. {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} أي أنشأهما {مُتَشَـٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } أي يتشابه بعض أفرادهما في اللون أو الطعم أو الهيئة ولا يتشابه في بعضها، وأخرج ابن المنذر. وأبو الشيخ عن ابن جريج أنه قال: متشابهاً في المنظر وغير متشابه في المطعم، والنصب على الحالية. {كُلُواْ } أمر إباحة كما نص عليه غير واحد {مِن ثَمَرِهِ } الكلام في مرجع الضمير على طرز ما تقدم آنفاً {إِذَا أَثْمَرَ } وإن لم ينضج وينيع بعد ففائدة التقييد إباحة الأكل قبل الإدراك، وقيل: فائدته رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله تعالى وهو اختيار الجبائي وغيره. {وَءَاتُواْ حَقَّهُ } الذي أوجبه الله تعالى فيه {يَوْمَ حَصَاده } وهو على ما في رواية عطاء عن ابن عباس العشر ونصف العشر، وإليه ذهب الحسن وسعيد بن المسيب وقتادة وطاوس وغيرهم، والظرف قيد لما دل عليه الأمر بهيئته من الوجوب لا لما دل عليه بمادته من الحدث إذ ليس الأداء وقت الحصاد والحب في سنبله كما يفهم من الظاهر بل بعد التنقية والتصفية. وادعى علي بن عيسى أن الظرف متعلق بالحق فلا يحتاج إلى ما ذكر من التأويل. وفي رواية أخرى عن الحبر أنه ما كان يتصدق به يوم الحصاد بطريق الوجوب من غير تعيين المقدار ثم نسخ بالزكاة، وإلى ذلك ذهب سعيد بن جبير والربيع بن أنس وغيرهما، قيل: ولا يمكن أن يراد به الزكاة المفروضة لأنها فرضت بالمدينة والسورة مكية، وأجاب الإمام عن ذلك بأنا «لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة في مكة وكون آيتها مدنية لا يدل على ذلك، على أنه قد قيل: إن هذه الآية مدنية أيضاً»، وعن الشعبـي أن هذا حق في المال سوى الزكاة، وأخرج ابن منصور وابن المنذر، وغيرهما عن مجاهد أنه قال في الآية إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل فإذا دسته فحضرك المساكين فاطرح لهم فإذا ذريته وجمعته وعرفت كيله فاعزل زكاته وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي {حَصَادِهِ } بكسر الحاء وهي لغة فيه، وعدل عن حصده وهو المصدر المشهور لحصد إليه لدلالته على حصد خاص وهو حصد الزرع إذا انتهى وجاء زمانه كما صرح به سيبويه وأشار إليه الراغب. {وَلاَ تُسْرِفُواْ} أي لا تتجاوزوا الحد فتبسطوا أيديكم كل البسط في الإعطاء. أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن جريج قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذ نخلاً فقال: لا يأتين اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة فأنزل الله تعالى ذلك، وروي مثله عن أبـي العالية. وعن أبـي مسلم أن المراد ولا تسرفوا في الأكل قبل الحصاد كيلا يؤدي إلى بخس حق الفقراء، وأخرج عبد الرزاق عن ابن المسيب أن المعنى لا تمنعوا الصدقة فتعصوا، وقال الزهري: المعنى لا تنفقوا في معصية الله تعالى. ويروى نحوه عن مجاهد. فقد أخرج ابن أبـي حاتم عنه أنه قال: لو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفاً ولو أنفق درهماً في معصية الله تعالى كان مسرفاً، وقال مقاتل: المراد لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام. والخطاب على جميع هذه الأقوال لأرباب الأموال، وأخرج ابن أبـي حاتم عن زيد بن أسلم أن الخطاب / للولاة أي لا تأخذوا ما ليس لكم بحق وتضروا أرباب الأموال. واختار الطبرسي أنه خطاب للجميع من أرباب الأموال والولاة أي لا يسرف رب المال في الإعطاء ولا الإمام في الأخذ والدفع. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} بل يبغضهم من حيث إسرافهم ويعذبهم عليه إن شاء جل شأنه.
ابن عاشور
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِىۤ أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ}. الواو في: {وهو الذي أنشأ} للعطف، فيكون عطف هذه الجملة على جملة { أية : وحرّموا ما رزقهم الله } تفسير : [الأنعام: 140] تذكيراً بمنة الله تعالى على النّاس بما أنشأ لهم في الأرض ممّا ينفعهم، فبعد أن بيّن سوء تصرّف المشركين فيما مَنّ به على النّاس كلّهم مع تسفيه آرائهم في تحريم بعضها على أنفسهم، عطف عليه المنّة بذلك استنزالاً بهم إلى إدراك الحقّ والرّجوععِ عن الغي، ولذلك أعيد في هذه الآية غالب ما ذكر في نظيرتها المتقدّمة في قوله: { أية : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كلّ شيء فأخرجنا منه خَضِراً نُخرِج منه حبّاً متراكباً ومن النّخل من طلعها قنوان دانية وجنّات من أعناب والزّيتون والرمّان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } تفسير : [الأنعام: 99] لأنّ المقصود من الآية الأولى الاستدلال على أنَّه الصّانع، وأنَّه المنفرد بالخلق، فكيف يشركون به غيره. ولذلك ذيّلها بقوله: { أية : إنّ في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } تفسير : [الأنعام: 99]، وعطف عليها قوله: { أية : وجعلوا لله شركاء الجنّ } تفسير : [الأنعام: 100] الآيات. والمقصود من هذه: الامتنانُ وإبطالُ ما ينافي الامتنان ولذلك ذيّلت هذه بقوله: {كلوا من ثمره إذا أثمر}. والكلام موجّه إلى المؤمنين والمشركين، لأنَّه اعتبار وامتنان، وللمؤمنين الحظّ العظيم من ذلك، ولذلك أعقب بالأمر بأداء حق الله في ذلك بقوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} إذ لا يصلح ذلك الخطاب للمشركين. وتعريف المسند يفيد الاختصاص، أي هو الّذي أنشأ لا غيره، والمقصود من هذا الحصرِ إبطالُ أن يكون لغيره حظّ فيها، لإبطال ما جعلوه من الحرث والأنعام من نصيب أنصامهم مع أنّ الله أنشأه. والإنشاءُ: الإيجاد والخلق، قال تعالى: { أية : إنَّا أنشأناهنّ إنشاءً } تفسير : [ الواقعة: 35] أي نساء الجنّة. والجنّات هي المكان من الأرض النّابت فيه شجر كثير بحيث يَجِنّ أي يَستر الكائن فيه، وقد تقدّم عند قوله: { أية : كمثل جنّة برُبْوة } تفسير : في سورة البقرة (265). وإنشاؤها إنباتها وتيسير ذلك بإعطائها ما يعينها على النماء، ودفعِ ما يفسدها أو يقطع نبتها، كقوله: { أية : أأنتم تزرعونه أم نحن الزّارعون } تفسير : [الواقعة: 64]. والمعروشات: المرفوعات. يقال: عرش الكرمة إذا رفعها على أعمدة ليكون نماؤها في ارتفاع لا على وجه الأرض، لأنّ ذلك أجود لعنبها إذ لم يكن ملقى على وجه الأرض. وعَرش فعل مشتقّ من العَرْش وهو السقف، ويقال للأعمدة التي تُرفع فوقها أغصان الشّجر فتصير كالسّقف يَستظلّ تحته الجالسُ: العَريشُ. ومنه ما يذكر في السيرة: العريش الّذي جُعل للنّبيء صلى الله عليه وسلم يومَ بدر، وهو الّذي بني على بقعته مسجد بعد ذلك هو اليوم موجود ببدر. ووصف الجنّات بمعروشات مجاز عقلي، وإنَّما هي معروش فيها، والمعروش أشجارها. وغير المعروشات المبقاة كرومها منبسطة على وجه الأرض وأرفع بقليل، ومن محاسنها أنَّها تزيّن وجه الأرض فيرى الرائي جميعها أخضر. وقوله: {معروشات وغير معروشات} صفة: لــــ {جنّات} قصد منها تحسين الموصوف والتّذكيرُ بنعمة الله أن ألْهَم الإنسان إلى جعلها على صفتين، فإنّ ذكر محاسن ما أنشأه الله يزيد في المنّة، كقوله في شأن الأنعام { أية : ولكم فيها جَمَالٌ حين تريحون وحين تسرحون } تفسير : [النحل: 6]. و{مختلفا أكلهُ} حال من الزّرع، وهو أقرب المذكورات إلى اسم الحال، ويعلم أنّ النّخل والجنّات كذلك، والمقصود التّذكير بعجيب خلق الله، فيفيد ذكرُ الحال مع أحد الأنواع تذكّر مثله في النوع الآخر، وهذا كقوله تعالى: { أية : وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها } تفسير : [الجمعة: 11] أي وإليه، وهي حال مقدّرة على ظاهر قول النّحويين لأنَّها مستقبلة عن الإنشاء، وعندي أنّ عامل الحال إذا كان ممّا يحصل مَعناه في أزمنة، وكانت الحال مقارنة لبعض أزمنة عاملها، فهي جديرة بأن تكون مقارنة، كما هنا. (والأُكْل) ــــ بضمّ الهمزة وسكون الكاف ــــ لنافع وابن كثير، و ــــ بضمّهما ــــ قرأه الباقون، هو الشّيء الّذي يؤكل، أي مختلفا مَا يؤكل منه. وعُطف: {والزيتون والرمان} على: {جنّاتٍ... والنّخلَ والزّرعَ}. والمراد شجر الزّيتون وشجر الرمّان. وتقدّم القول في نظيره عند قوله تعالى: { أية : وهو الذي أنزل من السّماء ماء } تفسير : الآية في هذه السّورة (99). إلاّ أنَّه قال هناك: { أية : مُشْتَبِها } تفسير : [الأنعام: 99] وقال هنا: {متشابها} وهما بمعنى واحد لأنّ التّشابه حاصل من جانبين فليست صيغة التّفاعل للمبالغة ألا ترى أنَّهما استويا في قوله: {وغير متشابه} في الآيتين. غُيّر أسلوبُ الحكاية عن أحوال المشركين فأُقبل على خطاب المؤمنين بهذه المنّة وهذا الحكم؛ فهذه الجمل معترضة وهي تعريض بتسفيه أحلام المشركين لتحريمهم على أنفسهم ما مَنّ الله به عليهم. والثَمَر: ــــ بفتح الثّاء والميم ــــ وبضمّهما ــــ وقرىء بهما كما تقدّم بيانه في نظيرتها. والأمر للإباحة بقرينة أن الأكل من حقّ الإنسان الّذي لا يجب عليه أن يفعله، فالقرينة ظاهرة. والمقصود الردّ على الّذين حجّروا على أنفسِهِم بعض الحرث. و{إذا} مفيدة للتّوقيت لأنها ظرف، أي: حين إثماره، والمقصود من التّقييد بهذا الظّرف إباحة الأكل منه عند ظهوره وقبل حصاده تمهيداً لقوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} أي: كلوا منه قبل أداء حقّه. وهذه رخصة ومنّة، لأنّ العزيمة أن لا يأكلوا إلاّ بعد إعطاء حقّه كيلا يستأثروا بشيء منه على أصحاب الحقّ، إلاّ أنّ الله رخّص للنّاس في الأكل توسعة عليهم أن يأكلوا منه أخضر قبل يبسه لأنَّهم يستطيبونه كذلك، ولذلك عقّبه بقوله: {ولا تسرفوا} كما سيأتي. وإفراد الضّميرين في قوله: {من ثمره إذا أثمر} على اعتبار تأويل المعاد بالمذكور. والأمر في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} خطاب خاصّ بالمؤمنين كما تقدم. وهذا الأمر ظاهر في الوجوب بقرينة تسمية المأمور به حقّاً. وأضيف الحقّ إلى ضمير المذكور لأدنى ملابسة، أي الحقّ الكائن فيه. وقد أُجمل الحقّ اعتماداً على ما يعرفونه، وهو: حقّ الفقير، والقربى، والضّعفاء، والجيرة. فقد كان العرب، إذا جَذّوا ثمارهم، أعطوا منها من يحضر من المساكين والقرابة. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: { أية : فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } تفسير : [القلم: 23، 24]. فلمّا جاء الإسلام أوجب على المسلمين هذا الحقّ وسمَّاه حقاً كما في قوله تعالى: { أية : والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم } تفسير : [المعارج: 24، 25]، وسمّاه الله زكاة في آيات كثيرة ولكنّه أجمل مقداره وأجمل الأنواعَ الّتي فيها الحقّ ووكلهم في ذلك إلى حرصهم على الخير، وكان هذا قبل شرع نصُبُها ومقاديرها. ثمّ شرعت الزّكاة وبيّنت السنّة نصبها ومقاديرها. والحِصاد ــــ بكسر الحاء وبفتحها ــــ قطع الثّمر والحبّ من أصوله، وهو مصدر على وزننِ الفِعال أو الفَعال. قال سيبويه «جاءوا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزّمان على مثال فِعال وذلك الصِّرام والجِزاز والجِدَاد والقِطاع والحِصاد، وربَّما دخلتتِ اللّغة في بعض هذا (أي اختلفت اللّغاتُ فقال بعض القبائل حَصاد ــــ بفتح الحاء ــــ وقال بعضهم حصاد ــــ بكسر الحاء ــــ) فكان فيه فعال وفَعال فإذا أرادوا الفعل على فَعَلْت قالوا حَصَدته حَصْداً وقَطَعْته قطعاً إنَّما تريد العمل لا انتهاء الغاية». وقرأه نافع، وابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف ــــ بكسر الحاء ــــ. وقرأ أبُو عمرو، وعاصم، وابن عامر، ويعقوب ــــ بفتح الحاء ــــ. وقد فرضت الزّكاة في ابتداء الإسلام مع فرض الصّلاة، أو بعده بقليل، لأنّ افتراضها ضروري لإقامة أود الفقراء من المسلمين وهم كثيرون في صدر الإسلام، لأنّ الّذين أسلموا قد نبذهم أهلوهم ومواليهم، وجحدوا حقوقهم، واستباحوا أموالهم، فكان من الضّروري أن يسدّ أهل الجدة والقوّة من المسلمين خَلَّتهم. وقد جاء ذكر الزّكاة في آيات كثيرة ممّا نزل بمكّة مثل سورة المزمّل وسورة البيّنة وهي من أوائل سور القرآن، فالزّكاة قرينة الصّلاة. وقول بعض المفسّرين: الزّكاة فرضت بالمدينة، يحمل على ضبط مقاديرها بآية { أية : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } تفسير : [التوبة: 103] وهي مدنيَّة، ثمّ تطرّقوا فمنعوا أن يكون المراد بالحقّ هنا الزّكاة، لأنّ هذه السّورة مكّيّة بالاتّفاق، وإنَّما تلك الآية مؤكّدة للوجوب بعد الحلول بالمدينة، ولأنّ المراد منها أخذها من المنافقين أيضاً، وإنَّما ضبطت الزّكاة. ببيان الأنواع المزكاة ومقدار النُّصب والمُخْرَج منه، بالمدينة، فلا ينافي ذلك أن أصل وجوبها في مكّة، وقد حملها مالك على الزّكاة المعيّنة المضبوطة في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه وهو قول ابن عبّاس، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيّب، وجمع من التّابعين كثير. ولعلّهم يرون الزّكاة فرضت ابتداء بتعيين النّصب والمقادير، وحَملها ابنُ عمر، وابنُ الحنفية، وعليّ بن الحسين، وعطاء، وحمَّاد، وابن جبير، ومجاهد، على غير الزّكاة وجعلوا الأمر للنّدب، وحملها السُدّي، والحسن، وعطيّة العوفي، والنّخعي، وسعيد بن جبير، في رواية عنه، على صدقة واجبة ثمّ نسختها الزّكاة. وإنَّما أوجب الله الحقّ في الثّمار والحبّ يوم الحصاد: لأنّ الحصاد إنَّما يراد للادّخار وإنَّما يَدّخِر المرء ما يريده للقوت، فالادّخار هو مظنة الغني الموجبة لإعطاء الزّكاة، والحصاد مبدأ تلك المظنة، فالّذي ليست له إلاّ شجرة أو شجرتان فإنَّما يأكلُ ثمرها مخضوراً قبل أن ييبس، فلذلك رخَّصت الشّريعة لصاحب الثّمرة أن يأكل من الثّمر إذا أثمر، ولم توجب عليه إعطاء حقّ الفقراء إلاّ عند الحصاد. ثمّ إنّ حصاد الثّمار، وهو جذاذها، هو قطعها لادّخارها، وأمَّا حصاد الزّرع فهو قطع السّنبل من جذور الزّرع ثمّ يُفرك الحبّ الّذي في السّنبل ليدّخر، فاعتبر ذلك الفرك بقيّة للحصاد. ويظهر من هذا أنّ الحقّ إنَّما وجب فيما يحصد من المذكورات مثل الزّبيب والتَّمر والزّرع والزّيتون، من زيته أو من حبّه، بخلاف الرمّان والفواكه. وعلى القول المختار: فهذه الآية غير منسوخة، ولكنّها مخصّصة ومبيَّنة بآيات أخرى وبما يبيّنه النَّبيء صلى الله عليه وسلم فلا يُتعلّق بإطلاقها، وعن السدّي أنَّها نسخت بآية الزّكاة يعني: { أية : خذ من أموالهم صدقة } تفسير : [التوبة: 103] وقد كان المتقدّمون يسمّون التّخصيص نسخاً. وقوله: {ولا تسرفوا} عطف على {كلوا}، أي: كلوا غيرَ مسرفين. والإسراف والسّرف: تجاوز الكافي من إرضاء النّفس بالشّيء المشتهى. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولا تأكلوها إسرافاً} تفسير : في سورة النّساء (6). وهذا إدماج للنّهي عن الإسراف، وهو نهي إرشاد وإصلاح، أي: لا تسرفوا في الأكل وهذا كقوله: { أية : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} تفسير : [الأعراف: 31]. والإسراف إذا اعتاده المرء حمله على التّوسّع في تحصيل المرغوبات، فيرتكب لذلك مَذمَّات كثيرة، وينتقل من ملذّة إلى ملذّة فلا يقف عند حدّ. وقيل عطف على {وآتوا حقه} أي ولا تسرفوا فيما بقي بعد إتيان حقّه فتنفقوا أكثر ممّا يجب، وهذا لا يكون إلاّ في الإنفاق والأكل ونحوه، فأمَّا بذله في الخيرْ ونفع النّاس فليس من السّرف، ولذلك يعدّ من خطأ التّفسير: تفسيرُها بالنَّهي عن الإسراف في الصّدقة، وبما ذكروه أنّ ثابتَ بن قيس صَرَم خمسمائة نخلة وفرّق ثمرها كلّه ولم يدخل منه شيئاً إلى منزله، وأنّ الآية نزلت بسبب ذلك. وقوله: {إنه لا يحب المسرفين} استئناف قصد به تعميم حكم النّهي عن الإسراف. وأكّد بــــ {إنّ} لزيادة تقرير الحكم، فبيّن أنّ الإسراف من الأعمال التي لا يحبّها، فهو من الأخلاق الّتي يلزم الانتهاء عنها، ونفي المحبّة مختلف المراتب، فيعلم أنّ نفي المحبّة يشتدّ بمقدار قوّة الإسراف، وهذا حكم مجمل وهو ظاهر في التّحريم، وبيان هذا الإجمال هو في مطاوي أدلّة أخرى والإجمال مقصود. ولغموض تأويل هذا النّهي وقوله: {إنَّه لا يحبّ المسرفين} تفرّقت آراء المفسّرين في تفسير معنى الإسراف المنهي عنه، ليعينوه في إسراف حرام، حتّى قال بعضهم: إنَّها منسوخة، وقد علمت المنجى من ذلك كلّه. فوجه عدم محبّة الله إيّاهم أنّ الإفراط في تناول اللّذّات والطّيّبات، والإكثار من بذل المال في تحصيلها، يفضي غالباً إلى استنزاف الأموال والشّره إلى الاستكثار منها، فإذا ضاقت على المسرف أمواله تطلب تحصيل المال من وجوه فاسدة، ليخمد بذلك نهمته إلى اللّذات، فيكون ذلك دأبه، فربَّما ضاق عليه ماله، فشقّ عليه الإقلاع عن معتاده، فعاش في كرب وضيق، وربَّما تطلّب المال من وجوه غير مشروعة، فوقع فيما يؤاخذ عليه في الدّنيا أو في الآخرة، ثمّ إنّ ذلك قد يعقب عياله خصاصة وضنك معيشة. وينشأ عن ذلك مَلام وتوبيخ وخصومات تفضي إلى ما لا يحمد في اختلال نظام العائلة. فأمَّا كثرة الإنفاق في وجوه البرّ فإنَّها لا توقع في مثل هذا، لأنّ المنفق لا يبلغ فيها مبلغ المنفق لمحبّة لَذّاته، لأنّ داعي الحكمة قابل للتأمّل والتّحديد بخلاف داعي الشّهوة. ولذلك قيل في الكلام الّذي يصحّ طَرْداً وعكساً: «لاَ خَيْرَ في السَّرف، ولا سرف في الخير» وفي معنى هذه الآية قوله في سورة الأعراف (31): { أية : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } تفسير : [الأعراف: 31] وقول النَّبيء صلى الله عليه وسلم « حديث : ويُكره لكم قيل وقال وكثرة السُّؤال وإضاعة المال».
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}. اختلف العلماء في المراد بهذا الحق المذكور هنا، وهل هو منسوخ أو لا؟ فقال جماعة من العلماء: هذا الحق هو الزكاة المفروضة، وممن قال بهذا أنس بن مالك، وابن عباس وطاوس، والحسن وابن زيد وابن الحنفية، و الضحاك وسعيد بن المسيب، ومالك، نقله عنهم القرطبي، ونقله ابن كثير عن أنس وسعيد وغيرهما، ونقله ابن جرير عن ابن عباس وأنس والحسن وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب وقتادة وطاوس ومحمد ابن الحنفية، والضحاك وابن زيد. وقال قوم: ليس المراد به الزكاة، وإنما المراد به أنه يعطي من حضر من المساكين يوم الحصاد القبضة والضغث ونحو ذلك، وحمله بعضهم على الوجوب، وحمله بعضهم على الندب قال القرطبي: وقال علي بن الحسين، وعطاء والحكم، وحماد وسعيد بن جبير، ومجاهد: هو حق في المال سوى الزكاة أمر الله به ندباً، وروي عن ابن عمر ومحمد ابن الحنفية أيضاً، ورواه أبو سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وسلم، قال مجاهد: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، وإذا جذذت فألق لهم من الشماريخ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته. وقال قوم: هو حق واجب غيرالزكاة، وهو غير محدد بقدر معين، وممن قال به عطاء كما نقله عنه ابن جرير. وقال قوم: هي منسوخة بالزكاة، واختاره ابن جرير، وعزاه الشوكاني في تفسيره لجمهور العلماء، وأيده بأن هذه السورة مكية، وآية الزكاة نزلت بالمدينة في السنة الثانية بعد الهجرة. وقال ابن كثير في القول بالنسخ نظر، لأنه قد كان شيئاً واجباً في الأصل، ثم إنه فصل بيانه، وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة. والله أعلم. انتهى من ابن كثير. ومراده أن شرع الزكاة بيان لهذا الحق لا نسخ له، وممن روى عنه القول بالنسخ ابن عباس ومحمد بن الحنفية، والحسن والنخعي وطاوس، وأبو الشعثاء وقتادة والضحاك وابن جريج، نقله عنهم الشوكاني والقرطبي أيضاً، ونقله عن السدي وعطية، ونقله ابن جرير أيضاً عن ابن عباس وابن الحنفية، وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن، والسدي وعطية، واستدل ابن جرير للنسخ بالإجماع على أن زكاة الحرث لا تؤخذ إلا بعد التذرية والتنقية، وزكاة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجذاذ، فدل على عدم الأخذ يوم الحصاد فعلم أن الآية منسوخة، أو أنها على سبيل الندب، فالأمر واضح. وعلى أن المراد بها الزكاة، فقد اشير إلى أن هذا الحق المذكور هو جزء المال الواجب في النصاب في آيات الزكاة، وهو المذكور في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 267] الآية، وبينته السنة، فإذا علمت ذلك، فاعلم أنه يحتاج هنا إلى بيان ثلاثة اشياء: الأول: تعيين ما تجب فيه الزكاة مما تنبته الأرض. الثاني: تعيين القدر الذي تجب فيه الزكاة منه. الثالث: تعيين القدر الواجب فيه وسنبينها إن شاء الله مفصلة. اعلم أولاً أنه لا خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة في الحنطة، والشعير والتمر والزبيب. واختلف فيما سواها مما تنبته الأرض فقال قوم: لا زكاة في غيرها من جميع ما تنبته الأرض، وروي ذلك عن الحسن، وابن سيرين والشعبي. وقال به من الكوفيين ابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، ويحيى بن آدم، وإليه ذهب ابو عبيد. وروي ذلك عن أبي موسى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب أبي موسى، فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة، والشعير والتمر والزبيب. ذكره وكيع عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبيه، كما نقله عنهم القرطبي. واستدل أهل هذا القول بما رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وفي رواية عن أبيه عن جده عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "حديث : والعشر في التمر والزبيب والحنطة والشعير"تفسير : ، وعن موسى بن طلحة عن عمر أنه قال: "حديث : إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب".تفسير : وعن أبي بردة عن أبي موسى، ومعاذ "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم ألا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة، الحنطة، والشعير، والتمر، و الزبيب"تفسير : رواها كلها الدارقطني، قاله ابن قدامة في المغني. قال مقيده عفا الله عنه: أما ما رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من أنه صلى الله عليه وسلم إنما سن الزكاة في الأربعة المذكورة، فإسناده واه لأنه من رواية محمد بن عبيد الله العزرمي، وهو متروك، قاله ابن حجر في (التلخيص)، وما رواه الدارقطني من حديث موسى بن طلحة، عن عمر أنه صلى الله عليه وسلم إنما سن الزكاة في الأربعة المذكورة، قال فيه أبو زرعة: موسى عن عمر: مرسل، قاله ابن حجر أيضاً، وما عزاه للدارقطني عن أبي بردة عن أبي موسى، ومعاذ رواه الحاكم والبيهقي عن أبي بردة عنهما. وقال البيهقي: رواته ثقات، وهو متصل، قاله ابن حجر أيضاً، وقال مالك وأصحابه: تجب الزكاة في كل مقتات مدخر، وذلك عنده في ثمار الأشجار، إنما هو التمر والزبيب فقط، ومشهور مذهبه وجوب الزكاة في الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق. ولكنها تخرج من زيته بعد العصر، فيخرج عشره أو نصف عشره على ما سيأتي، فإن لم يبلغ حبه خمسة أوسق فلا زكاة عنده في زيته: وحكم السمسم وبزر الفجل الأحمر والقرطم حكم الزيتون في مشهور مذهبه يخرج من زيتها إن بلغ حبها النصاب. وقال اللخمي: لا يضم زيت بعضها إلى بعض لاختلاف أجناسها، ومشهور مذهبه عدم وجوبها في التين، وأوجبها فيه جماعة من أصحابه بمقتضى أصوله وقال ابن عبد البر: أظن مالكاً ما كان يعلم أن التين ييبس ويقتات ويدخر. ولو كان يعلم ذلك لجعله كالزبيب، ولما عده مع الفواكه التي لا تيبس، ولا تدخر كالرمان والفرسك، والذي تجب فيه من الحبوب عنده هو ما يقتات ويدخر، وذلك الحنطة والشعير والسلت والعس والدخن والذرة والأرز والعدس والجلبان واللوبيا والجلجلان والترمس والفول والحمص والبسيلة. ومشهور مذهبه أن الكرسنة لا زكاة فيها، لأنها علف، وعن أشهب وجوب الزكاة فيها، وهي من القطاني على مشهور مذهبه في باب الربا، دون باب الزكاة. وقيل هي البسيلة، وجميع أنواع القطاني عند مالك جنس واحد في الزكاة، فلو حصد وسقا من فول ووسقاً من حمص، وآخر من عدس وآخر من جلبان، وآخر من لوبيا وجب عليه أن يضم بعضها إلى بعض، ويخرج الزكاة منها كل واحد يحسبه، وكذلك يضم عنده القمح والشعير والسلت بعضها إلى بعض كالصنف الواحد، وتخرج الزكاة منها كل بحسبه، ولا يضم عنده تمر إلى زبيب ولا حنطة إلى قطنية، ولا تمر إلى حنطة ولا أي جنس إلى جنس آخر غير ما ذكرنا عنه ضمه لتقارب المنفعة فيه عنده، والنوع الواحد كالتمر والزبيب، والحنطة يضم بعض انواعه إلى بعض كصيحاني وبرني وسمراء ومحمولة وزبيب أسود وزبيب أحمر ونحو ذلك. ولا زكاة عند مالك رحمه الله في شيء من الفواكه غير ما ذكرنا، كالرمان والتفاح والخوخ والإجاص، والكمثري، واللوز، والجوز، والجلوز، ونحو ذلك كما لا زكاة عنده في شيء من الخضراوات. قال في الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعت من أهل العلم أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة، الرمان والفرسل والتين، وما أشبه ذلك، وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه. قال: ولا في القضب، ولا في البقول كلها صدقة، ولا في أثمانها إذا بيعت صدقة حتى يحول على أثمانها الحول من يوم بيعها، ويقبض صاحبها ثمنها وهو نصاب اهـ. والفرسك - بكسر الفاء والسين بينها راء ساكنة آخره كاف - الخوخ، وهي لغة يمانية، وقيل: نوع مثله في القدر، وهو أجرد أملس أحمر وأصفر جيد، وقيل: ما ليس ينفلق عن نواة من الخوخ، وإذا كان الزرع أو الثمر مشتركاً بين اثنين فأكثر، فقد قال فيه مالك في الموطأ: في النخيل يكون بين الرجلين فيجذان منه ثمانية أوسق من التمر أنه لا صدقة عليهما فيها، وأنه إن كان لأحدهما منها ما يجذ منه خمسة أوسق، وللآخر ما يجذ أربعة أوسق أو أقل من ذلك في أرض واحدة، كانت الصدقة على صاحب الخمسة الأوسق، وليس على الذي جذ أربعة أوسق أو أقل منها صدقة، وكذلك العمل في الشركاء كلهم في كل زرع من الحبوب كلها يحصد، أو النخل يجذ أو الكرم يقطف، فإنه إذا كان كل رجل منهم يجذ من التمر، أو يقطف من الزبيب خمسة أوسق، أو يحصد من الحنطة خمسة أوسق، فعليه الزكاة، ومن كان حقه أقل من خمسة أوسق فلا صدقة عليه. وإنما تجب الصدقة على من بلغ جذاذه أو قطافه أو حصاده خمسة أوسق، انتهى من موطأ مالك رحمه الله. وإذا أمسك ذلك الحب أو التمر الذي أخرج زكاته سنين، ثم باعه فحكمه عند مالك ما ذكره في موطئه حيث قال: السنة عندنا أن كل ما أخرجت زكاته من هذه الأصناف كلها الحنطة والتمر والزبيب والحبوب كلها، ثم أمسكه صاحبه بعد أن أدى صدقته سنين ثم باعه، أنه ليس عليه في ثمنه زكاة حتى يحول على ثمنه الحول من يوم باعه، إذا كان أصل تلك الأصناف من فائدة أو غيرها، وأنه لم يكن للتجارة. وإنما ذلك بمنزلة الطعام والحبوب والعروض يفيدها الرجل، ثم يمسكها سنين، ثم يبيعها بذهب أو ورق فلا يكون عليه في ثمنها زكاة حتّى يحول عليها الحول من يوم باعها، فإن كان أصل تلك العروض للتجارة فعلى صاحبها فيها الزكاة حين يبيعها، إذا كان حبسها سنة من يوم زكى المال الذي ابتاعها به، انتهى في الموطأ، وهذا في المحتكر، أما المدير فإنه يقومها بعد حول من زكاته، كما في المدونة عن ابن القاسم. هذا هو حاصل مذهب مالك رحمه الله فيما تجب فيه الزكاة من الثمار والحبوب، ومذهب الشافعي رحمه الله، أنه لا تجب الزكاة في شيء من ثمار الأشجار أيضاً، إلا فيما كان قوتاً يدخر، وذلك عنده التمر والزبيب فقط، كما تقدم عن مالك، ولا تجب عنده في سواهما من الثمار كالتين والتفاح والسفرجل والرمان، ونحو ذلك، لأنه ليس من الأقوات ولا من الأموال المدخرة، ولا تجب عنده في طلع الفحال، لأنه لا يجيء منه الثمار. واختلف قوله في الزيتون، فقال في القديم، تجب فيه الزكاة لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه جعل في الزيت العشر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: في الزيتون الزكاة، وقال في الجديد: لا زكاة في الزيتون. لأنه ليس بقوت فهو كالخضراوات. واختلف قول الشافعي رحمه الله أيضاً في الورس، فقال في القديم: تجب فيه الزكاة، ملا روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب إلى بني خفاش، أن أدوا زكاة الذرة والورس، وقال في الجديد: لا زكاة فيه، لأنه نبت لا يقتات، فأشبه الخضراوات، وقال الشافعي رحمه الله من قال: لا عشر في الورس لم يوجب في الزعفران، ومن قال: يجب في الورس، فيحتمل أن يوجب في الزعفران، لأنهما طيبان، ويحتمل ألاّ يوجب في الزعفران ويفرق بينهما بأن الورس شجر له ساق والزعفران نبات، واختلف قوله أيضاً في العسل فقال في القديم: يحتمل أن تجب فيه، ووجهه ما روي أن بني شَبابة بطن من فَهْم، كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحل كان عندهم العُشر من عشر قرب قربة، وقال في الجديد: لا تجب لأنه ليس بقوت فلا يجب فيه العشر كالبيض. واختلف قوله أيضاً في القرطم، وهو حب العصفر، فقال في القديم: تجب إن صح فيه حديث أبي بكر رضي الله عنه، وقال في الجديد: لا تجب لأنه ليس بقوت، فأشبه الخضراوات، قاله كله صاحب (المهذب)، وقال النووي في شرح المهذب: الأثر المروي عن عمر "أنه جعل في الزيت العشر" ضعيف، رواه البيهقي، وقال: إسناده منقطع، وراويه ليس بقوي، قال: وأصحّ ما روي في الزيتون قول الزهري مضت السنة في زكاة الزيتون، أن يؤخذ ممن عصر زيتونه حين يعصره، فيما سقت السماء أن كان بعلا العشر، وفيما سقي برش الناضح نصف العشر، وهذا موقوف لا يعلم اشتهاره، ولا يحتج به على الصحيح. وقال البيهقي: وحديث معاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما أعلى، وأولى أن يؤخذ به، يعني روايتهما "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لهما، لما بعثهما إلى اليمن: لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والتمر، والزبيب ". تفسير : وأما الأثر المذكور عن ابن عباس فضعيف أيضاً، والأثر المذكور عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ضعيف أيضاً، ذكره الشافعي وضعفه هو وغيره، واتفق الحفاظ على ضعفه، واتفق أصحابنا في كتب المذهب على ضعفه، قال البيهقي: ولم يثبت في هذا إسناد تقوم به حجة، قال: والأصل عدم الوجوب فلا زكاة فيما لم يرد فيه حديث صحيح، أو كان في معنى ما ورد به حديث صحيح، وأما حديث بني شبابة في العسل فرواه أبو داود، والبيهقي، وغيرهما من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده بإسناد ضعيف، قال الترمذي في جامعه: لا يصح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا كبير شيء، قال البيهقي: قال الترمذي في كتاب العلل: قال البخاري: ليس في زكاة العسل شيء يصح. فالحاصل أن جميع الآثار، والأحاديث التي في هذا الفصل ضعيفة، انتهى كلام النووي. وقال ابن حجر في (التلخيص) في أثر عمر المذكور في الزيتون: رواه البيهقي بإسناد منقطع، والراوي له عثمان بن عطاء ضعيف. قال: وأصح ما في الباب قول ابن شهاب: "مضت السنة في زكاة الزيتون" الخ. وقال في (التلخيص) أيضاً في أثر ابن عباس المذكور في الزيتون: ذكره صاحب (المهذب)، عن ابن عباس، وضعفه النووي، وقد أخرجه ابن أبي شيبة، وفي إسناده ليث بن أبي سليم. وقال ابن حجر ايضاً: روى الحاكم في تاريخ "نيسابور" من طريق عروة، عن عائشة مرفوعاً "الزكاة في خمس: في البر، والشعير. والأعناب والنخيل، والزيتون"، وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن، وهو الوقاصي: متروك الحديث. وقال ابن حجر في الأثر المذكور عن أبي بكر: أنه كان يأخذ الزكاة من حب العصفر، وهو القرطم، لم أجد له أصلاً، وقال في (التلخيص) أيضاً في خبر أخذه صلى الله عليه وسلم زكاة العسل، أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : في العسل في كل عشرة أزقاق زق"تفسير : ، وقال في إسناده مقال، ولا يصح، وفي إسناده صدقة السمين، وهو ضعيف الحفظ. وقد خولف، وقال النسائي: هذا حديث منكر، ورواه البيهقي، وقال: تفرد به صدقة، وهو ضعيف، وقد تابعه طلحة بن زيد عن موسى بن يسار، ذكره المروزي، ونقل عن أحمد تضعيفه، وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عنه فقال: هو عن نافع، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسل، ونقل الحاكم في تاريخ "نيسابور"، عن ابن أبي حاتم، عن أبيه، قال: حدث محمد بن يحيى الذهلي بحديث كاد أن يهلك، حدث عن عارم، عن ابن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعاً "أخذ من العسل العشر". قال أبو حاتم: وإنما هو عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده كذلك: حدثناه عارم، وغيره قال: ولعله سقط من كتابه عمرو بن شعيب، فدخله هذا الوهم. قال الترمذي: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، قلت: رواه أبو داود والنسائي من رواية عمرو بن الحارث المصري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نحل له، وسأله أن يحمي وادياً له يقال له "سلبة" فحماه له، فلما ولى عمر كتب إلى سفيان بن وهب، إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشور نحله فاحم له سلبة، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء. قال الدارقطني: يروى عن عبد الرحمن بن الحارث، وابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب مسنداً، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرو بن شعيب، عن عمر مرسلاً قلت: فهذه علته، وعبد الرحمن، وابن لهيعة ليسا من أهل الاتقان، ولكن تابعهما عمرو بن الحارث أحد الثقات، وتابعهما أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب عند ابن ماجه، وغيره كما مضى. حديث : قال الترمذي: وفيه عن أبي سيارة، قلت: هو المتعي، قال: "قلت يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لي نحلاً، قال: "العشور"، قال: قلت يا رسول الله أحم لي جبلها"،تفسير : رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي من رواية سليمان بن موسى، عن أبي سيارة، وهو منقطع. قال البخاري: لم يدرك سليمان أحداً من الصحابة، وليس في زكاة العسل شيء يصح، وقال أبو عمر: لا تقوم بهذا حجة. قال وعن أبي هريرة قلت: رواه البيهقي، وفي إسناده عبد الله بن محرر، وهو متروك، ورواه أيضاً من حديث سعد بن أبي ذباب: "أن النَّبي صلى الله عليه وسلم استعمله على قومه، وأنه قال لهم: حديث : أدّوا العشر في العسلتفسير : ، وأتى به عمر، فقبضه، فباعه، ثم جعله في صدقات المسلمين"، وفي إسناده منير بن عبد الله ضعفه البخاري، والأزدي، وغيرهما. قال الشافعي: وسعد بن أبي ذباب، يحكي ما يدل على أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر فيه بشيء. وأنه شيء رآه هو فتطوع له به قومه، وقال الزعفراني عن الشافعي: الحديث في أن في العسل العشر ضعيف، واختياري أنه لا يؤخذ منه، وقال البخاري: لا يصح فيه شيء. وقال ابن المنذر: ليس فيه شيء ثابت، وفي (الموطأ) عن عبد الله بن أبي بكر قال: "جَاء كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي، وهو بمنى ألا تأخذ من الخيل، ولا من العسل صدقة"، انتهى كلام ابن حجر بلفظه. وقال في (التلخيص) أيضاً: إن حديث معاذ، أنه لم يأخذ زكاة العسل، وأنه قال: "لم يأمرني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء"، أخرجه أبو داود في (المراسيل)، والحميدي في (مسنده)، وابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق طاوس عنه، وفيه انقطاع بين طاوس ومعاذ، لكن قال البيهقي: هو قوي. لأن طاوساً كان عارفاً بقضايا معاذ. قال مقيده، عفا الله عنه: ولا شك أن إخراج زكاته أحوط، وهو مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - ونقله صاحب (المغني) عن مكحول، والزهري، وسليمان بن موسى، والأوزاعي، وإسحاق. وحجتهم الأحاديث التي رأيت، ولا شيء فيه عند مالك، والشافعي في (الجديد)، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وابن المنذر، وغيرهم. وحجتهم عدم صحة ما ورد فيه، وأن الأصل براءة الذمة، وأنه مائع خارج من حيوان فأشبه اللبن. وقال أبو حنيفة: إن كان في أرض للعشر ففيه الزكاة، وإلا فلا زكاة فيه، ونصاب العسل، قيل: خمسة أفراق، وهو قول الزهري، وقيل: خمسة أوسق، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: تجب في قليله وكثيره. والفرق ستة عشر رطلاً بالعراقي، وقيل: ستون رطلاً، وقيل: مائة وعشرون رطلاً، وقيل: ثلاثة آصع، وقيل: غير ذلك. قاله في (المغني). وأما الحبوب: فلا تجب الزكاة عند الشافعي إلا فيما يقتات، ويدخر منها، ولا زكاة عنده في شيء من الفواكه التي لا تقتات، ولا تدخر، ولا في شيء من الخضراوات، فمذهبه يوافق مذهب مالك، كما قدمنا، إلا أن الشافعي لا يضم بعض الأنواع إلى بعض، ومالك يضم القطاني بعضها إلى بعض في الزكاة، وكذلك القمح والشعير والسلت، كما تقدم. وأما مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - فهو وجوب الزكاة فيما تنبته الأرض، مما ييبس، ويبقى. مما يكال. فأوصاف المزكي عنده مما تنبته الأرض ثلاثة: وهي الكيل، والبقاء، واليبس. فما كان كذلك من الحبوب والثمار وجبت فيه عنده، سواء كان قوتاً أم لا، وما لم يكن كذلك لم تجب فيه. فتجب عنده في الحنطة، والشعير، والسلت، والأرز، والذرة، والدخن، والقطاني، كالباقلا، والعدس، والحمص، والأبازير. كالكمون، والكراويا، والبزر كبزر، الكتاب، والقثاء، والخيار. وحب البقول، كالرشاد، وحب الفجل، والقرطم، والسمسم، ونحو ذلك من سائر الحبوب. كما تجب عنده أيضاً فيما جمع الأوصاف المذكورة من الثمار، كالتمر والزبيب واللوز، والفستق والبندق. ولا زكاة عنده في شيء من الفواكه: كالخوخ والإجاص والكمثري والتفاح والتين والجوز، ولا في شيء من الخضر: كالقثاء، والخيار، والباذنجان، واللفت، والجزر، ونحو ذلك. ويروى نحو ما ذكرنا عن أحمد في الحبوب، عن عطاء، وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو عبد الله بن حامد: لا شيء في الأبازير، ولا البزر. ولا حب البقول. قال صاحب (المغني): ولعله لا يوجب الزكاة إلا فيما كان قوتاً، أو أدماً. لأن ما عداه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص فيبقى على النفس الأصلي، ولا زكاة في مشهور مذهب أحمد - رحمه الله - فيما ينبت من المباح الذي لا يملك، إلا بأخذه: البطم، وشعير الجبل، وبزر قطوناً، وبزر البقلة، وحب النمام، وبزر الأشنان، ونحو ذلك، وعن القاضي انه تجب فيه الزكاة، إذا نبت بأرضه. والصحيح الأول: فإن تساقط في أرضه حب كحنطة مثلاً فنبت ففيه الزكاة. لأنه يملكه، ولا تجب الزكاة فيما ليس بحب، ولا ثمر سواء وجد فيه الكيل، والإدخار، أو لم يوجدا، فلا تجب في ورق مثل ورق السدر، والخطمي، والأشنان، والصعتر، والآس، ونحوه. لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، ولا زكاة عنده في الأزهار: كالزعفران، والعصفر، والقطن. لأنها ليست بحب، ولا ثمر، ولا هي بمكيل، فلم تجب فيها زكاة. كالخضراوات. قال الإمام أحمد: رحمه الله ليس في القطن شيء، وقال: ليس في الزعفران زكاة، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي بكر. قاله ابن قدامة في (المغني). واختلفت عن أحمد - رحمه الله - الرواية في الزيتون: فروى عنه ابنه صالح أن فيه الزكاة وروي عنه أنه لا زكاة فيه وهو اختيار أبي بكر وظاهر كلام الخرقي يقتضيه. قاله أيضاً صاحب المغني، وأما أبو حنيفة - رحمه الله - فإنه قائل بوجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض طعاماً كان أو غيره، وقال أبو يوسف عنه إلا الحطب والحشيش، والقصب والتبن، والسعف وقصب الذريرة، وقصب السكر اهـ. والذريرة: قصب يجاء به من الهند، كقصب النشاب، أحمر يتداوى به، وممن قال مثل قول أبي حنيفة النخعي، وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وهو قول حماد بن ابي سليمان شيخ أبي حنيفة ونصره ابن العربي المالكي في أحكامه. قال: وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق. هذا هو حاصل مذاهب الأئمة الأربعة رضي الله عنهم. في تعيين ما تجب فيه الزكاة مما تنبته الأرض، وسنشير إن شاء الله إلى دليل كل واحد منهم فيما ذهب إليه. أما أبو حنيفة: فقد احتج على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض من قليل وكثير بعموم هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها. لأن الله قال فيها {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] الآية وبعموم قوله تعالى {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 267] الآية. وبعموم قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : فيما سقت السماء العُشْر" تفسير : الحديث ولم يقبل تخصيصه بحديث "حديث : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" تفسير : لأن القاعدة المقررة في أصوله رحمه الله أن العام قطعي الشمول، والتناول لجميع أفراده كما أشار له في "مراقي السعود" بقوله: شعر : وهو على فرد يدل حتما وفهم الاستغراق ليس جزما بل هو عند الجل بالرجحان والقطع فيه مذهب النعمان تفسير : فما كان أقل من خمسة أوسق يدخل عنده دخولاً مجزوماً به في عموم الآيات المذكورة، والحديث. فلا يلزم عنده تخصيص العام بالخاص، بل يتعارضان. وتقديم ما دل على الوجوب أولى من تقديم ما دل على غيره للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب. وأما مالك والشافعي - رحمهما الله تعالى - فحجتهما في قولهما: إنه لا زكاة غير النخل والعنب عن الأشجار، ولا في شيء من الحبوب إلا فيما يقتات ويدخر. ولا زكاة في الفواكه ولا الخضراوات، لأن النص والإجماع دلا على وجوب الزكاة في الحنطة والشعير، والتمر والزبيب. وكل واحد منهما مقتات مدخر فألحقوا بها كل ما كان في معناها لكونه مقتاتاً ومدخراً غير التمر مقتاتاً ومدخراً. ولم يريا أن في الأشجار مقتاتاً ولا مدخراً غير التمر والزبيب، فلم يشاركهما في العلة غيرهما من الثمار، ولذا قال جماعة من أصحاب مالك بوجوبها في التين على أصول مذهب مالك لأنه كالزبيب في الاقتيات والإدخار. وقال ابن عبد البر: الظاهر أن مالكاً ما كان يعلم أن التين كذلك وأما الحبوب فيوجد فيها الاقتيات والإدخار فألحقا بالحنطة والشعير كل ما كان مقتاتاً مدخراً كالأرز والذرة والدخن والقطاني ونحو ذلك. - فهو إلحاق منهما - رحمهما الله - للمسكوت بالمنطوق بجامع العلة التي هي عندهما الاقتيات والإدخار. لأن كونه مقتاتاً مدخراً مناسب لوجوب الصدقة فيه. لاحتياج المساكين إلى قوت يأكلون منه ويدخرون. وأما أحمد - رحمه الله - فحجته في قوله إن الزكاة تجب فيما يبقى وييبس ويكال: أن ما لا ييبس ولا يبقى كالفواكه والخضراوات لم تكن تؤخذ منه الزكاة في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولا زمن الخلفاء الراشدين. ودليله في اشتراطه الكيل قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" تفسير : قال: فبين النَّبي صلى الله عليه وسلم أن محل الواجب في الوسق، وهو خاص بالمكيل كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. أما دليل الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله على أن الفواكه والخضراوات. لا زكاة فيها فظاهر. لأن الخضراوات كانت كثيرة بالمدينة جداً والفواكه كانت كثيرة بالطائف، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه أنه أخذ الزكاة من شيء من ذلك. قال القرطبي: في تفسير هذه الآية. وقد كان بالطائف الرمان والفرسك والأترج، فما اعترضه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ذكره، ولا أحد من خلفائه، قلت: وهذا وإن لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في المسالة، وأن الخضراوات ليس فيها شيء، وأما الآية فقد اختلف فيها: هل هي محكمة أو منسوخة، أو محمولة على الندب؟ ولا قاطع يبين أحد محاملها، بل القاطع المعلوم ما ذكره ابن بكير في أحكامه أن الكوفة افتتحت بعد موت النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبعد استقرار الأحكام بالمدينة. أفيجوز أن يتوهم متوهم، أو من له أدنى بصيرة أن تكون شريعة مثل هذه عطلت فلم يعمل بها في دار الهجرة ومستقر الوحي، ولا خلافه أبي بكر حتى عمل بذلك الكوفيون؟ إن هذه لمصيبة فيمن ظن هذا، أو قال به. قلت: ومما يدل على هذا من معنى التنزيل قوله تعالى: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} تفسير : [المائدة: 67] أتراه يكتم شيئاً أمر بتبليغه أو بيانه - حاشاه من ذلك - وقال تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}تفسير : [المائدة: 3]، ومن كمال الدين كونه لم يأخذ من الخضراوات شيئاً. وقال جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - فيما رواه الدارقطني: إن المقاثئ كانت تكون عندنا تخرج عشرة آلاف فلا يكون فيها شيء. وقال الزهري والحسن: تزكى أثمان الخضر إذا أينعت وبلغ الثمن مائتي درهم، وقاله الأوزاعي في ثمن الفواكه، ولا حجة في قولهما لما ذكرنا. وقد روى الترمذي عن معاذ: أنه كتب إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم يساله عن الخضراوات وهي البقول فقال: ليس فيها شيء وقد روي هذا المعنى عن جابر وأنس وعلي ومحمد بن عبد الله بن جحش وأبي موسى وعائشة: ذكر أحاديثهم الدارقطني - رحمه الله - وقال الترمذي ليس يصح في هذا الباب عن النَّبي صلى الله عليه وسلم شيء، واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة - رحمه الله - بحديث صالح بن موسى عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة" تفسير : قال أبو عمر: وهذا حديث لم يروه من ثقات أصحاب منصور أحد هكذا، وإنما هو من قول إبراهيم قلت وإذا سقط الإستدلال من جهة السنة لضعف أسانيدها لم يبق إلا ما ذكرناه من تخصيص عموم الآية، وعموم قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : فيما سقت السماء العشر" تفسير : بما ذكرنا اهـ. كلام القرطبي. وحجة من قال: بأنه لا زكاة في غير الأربعة المجمع عليها التي هي الحنطة والشعير والتمر والزبيب هي الأحاديث التي قدمنا في أول هذا المبحث، وفيها حديث معاذ وأبي موسى الذي تقدم عن البيهقي أنه قوي متصل. وقال أبو يوسف ومحمد: ليس في شيء من الخضر زكاة إلا ما كانت له ثمرة باقية، سوى الزعفران ونحوه مما يوزن ففيه الزكاة وكان محمد يعتبر في العصفر، والكتان البزر. فإذا بلغ بزرهما من القرطم والكتاب خمسة أوسق. كان العصفر والكتان تبعاً للبزر وأخذ منه العشر أو نصف العشر، وأما القطن فليس عنده فيما دون خمسة أحمال شيء، والحمل ثلاثمائة من بالعراقي، والورس والزعفران ليس فيما دون خمسة أمنان منهما شيء. فإذا بلغ احدهما خمسة أمنان كانت فيه الصدقة، وقال أبو يوسف وكذلك قصب السكر الذي يكون فيه منه السكر، ويكون في أرض العشر دون أرض الخراج فيه ما في الزعفران، وأوجب عبد الملك بن الماجشون الزكاة في أصول الثمار دون البقول، وهو مخالف لما عليه أهل مذهبه مالك وأصحابه. قاله القرطبي. تنبيه من قال لا زكاة في الرمان وهم جمهور العلماء، ومن قال لا زكاة في الزيتون يلزم على قول كل منهم، أن تكون الآية التي نحن بصددها التي هي قوله تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] منسوخة أو مراداً بها غير الزكاة لأنها على تقدير أنها محكمة، وأنها في الزكاة المفروضة لا يمكن معها القول بعدم الزكاة الزيتون والرمان، لأنها على ذلك صريحة فيها. لأن المذكورات في قوله تعالى: {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} [الأنعام: 141] يرجع إلى كلها الضمير في قوله: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} [الأنعام: 141]، وقوله: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] كما هو واضح لا لبس فيه فيدخل فيه الزيتون والرمان دخولاً أولياً لا شك فيه، فقول أكثر أهل العلم بعدم الزكاة في الرمان يقوي القول بنسخ الآية، أو أنها في غير الزكاة المفروضة - والله تعالى أعلم - وعن أبي يوسف أنه أوجب الزكاة في الحناء، واعلم أن مذهب داود بن علي الظاهري في هذه المسألة قوي جداً من جهة النظر. لأنه قال ما أنبتته الأرض ضربان موسق وغير موسق فما كان موسقاً وجبت الزكاة فيما بلغ منه خمسة أوسق لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا زكاة فيما دونها منه" تفسير : وما كان غير موسق ففي قليله وكثيره الزكاة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فيما سقت السماء العشر" تفسير : ولا يخصص بحديث ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة لأنه غير موسق أصلاً. قال مقيده-: عفا الله عنه - وهذا القول هو اسعد الأقوال بظاهر النصوص وفيه نوع من الجمع بينها إلا أنه يرد عليه ما قدمنا من أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للخضراوات مع كثرتها في المدينة ولا الفواكه مع كثرتها بالطائف، ولو كان العموم شاملاً لذلك لبينه صلى الله عليه وسلم، وإذا عرفت كلام العلماء في تعيين ما تجب فيه الزكاة وأدلة اقوالهم مما ذكرنا. فاعلم أن جمهور العلماء قالوا لا تجب الزكاة إلا في خمسة أوسق فصاعداً لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" تفسير : الحديث. أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ومسلم من حديث جابر - رضي الله عنه -. وممن قال بهذا الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد - رحمهم الله - وأصحابهم، وهو قول ابن عمر، وجابر وأبي أمامة بن سهل، وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد، والحسن وعطاء ومكحول الحكم والنخعي، وأهل المدينة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى، وأبي يوسف ومحمد وسائر أهل العلم، كما نقله عنهم ابن قدامة وغيره. وقال ابن قدامة في المغني: لا نعلم أحداً خالف فيه إلا أبا حنيفة، ومن تابعه، ومجاهداً، وقد اجمع جميع العلماء على أن الوسق ستون صاعاً. وهو بفتح الواو وكسرها والفتح أشهر وأفصح. وقيل: هو بالكسر اسم وبالفتح مصدر، ويجمع على أوسق في القلة وأوساق وعلى وسوق في الكثرة. واعلم أن الصاع أربعة أمداد بمده صلى الله عليه وسلم. والمد بالتقريب: ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، وتحديده بالضبط وزن رطل وثلث بالبغدادي فمبلغ الخمسة الأوسق من الأمداد ألف مد ومائتا مد، ومن الصيعان ثلاثمائة، وهي بالوزن ألف رطل وستمائة رطل. والرطل: وزن مائة وثمانية وعشرين درهماً مكياً. وزاد بعض أهل العلم: أربعة أسباع درهم، كل درهم وزن خمسين وخمسي حبة من مطلق الشعير كما حرره علماء المالكية ومالك - رحمه الله - من أدرى الناس بحقيقة المد والصاع كما هو معلوم، وقيل فيه: غير ما ذكرنا. وأما الحكم الثالث من أحكام هذه المسالة الثلاثة المذكورة في أول هذا المبحث وهو تعيين القدر الواجب إخراجه. فلا خلاف فيه بين العلماء وهو العشر فيما ليس في سقيه مشقة. كالذي يسقيه المطر أو النهر أو عروقه في الأرض، وأما ما يسقى بالآلة كالذي يسقى بالنواضح ففيه نصف العشر، وهذا ثابت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث جابر وابن عمر، فإن سقى تارة بمطر السماء مثلا وتارة بالسانية فإن استويا فثلاثة أرباع العشر بلا خلاف بين العلماء وإن كان أحد المرين أغلب. فقيل: يغلب الأكثر ويكون الأقل تبعاً له، وبه قال أحمد وأبو حنيفة والثوري وعطاء، وهو أحد قولي الشافعي، وقيل: يؤخذ بالتقسيط، وهذان القولان كل منهما شهره بعض المالكية، وحكى بعضهم رواية عن مالك: أن المعتبر ما حيى به الزرع وتم، وممن قال بالتقسيط من الحنابلة: ابن حامد، فإن جهل المقدار وجب العشر احتياطاً، كما نص عليه الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - في رواية عبد الله. قاله في المغني. وعلله بأن الأصل وجوب العشر وإنما يسقط نصفه بتحقق الكلفة. وإذا لم يتحقق المسقط وجب البقاء على الأصل وهو ظاهر جداً. وإن اختلف الساعي ورب المال في أيهما سقى به أكثر؟ فالقول: قول رب المال بغير يمين، لأن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم، ولا وقص في الحبوب والثمار، بل كل ما زاد على النصاب أخرج منه بحسبه. مسائل تتعلق بهذا المبحث المسالة الأولى: قد قدمنا إجماع العلماء على وجوب الزكاة في التمر والزبيب. وجمهورهم على أنهما يخرصان إذا بدا صلاحهما، لأن المالكين يحتاجون إلى أكل الرطب والعنب. فبسبب ذلك شرع خرص التمر والعنب، ويخرص كل واحد منهما شجرة شجرة - حتى يعلم قدر ما في الجميع الآن من الأوساق، ثم يسقط منه قدر ما ينقصه الجفاف. فلو كان فيه خمسة أوسق من العنب أو الرطب وإذا جف كانت أربعة أوسق مثلاً. فلا زكاة فيه، لأن النصاب معتبر من التمر والزبيب اليابسين، لا من الرطب والعنب وإذا خرص على الوجه الذي ذكرنا خلى بين مالكيه، وبينه، وبعد الجذاذ يأتون بقدر الزكاة على الخرص المذكور تمراً أو زبيباً، وبذلك يحصل الجمع بين الاحتياط للفقراء والرفق بأرباب الثمار، فإن اصابته بعد الخرص جائحة اعتبرت وسقطت زكاة ما اجتاحته الجائحة، فإن بقي بعدها خمسة أوسق فصاعداً أخرج الزكاة وإلا فلا، ولا خلاف في اعتبار الجائحة بعد الخرص بين العلماء. وممن قال بخرص النخيل والأعناب: الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد - رحمهم الله تعالى - وعمر بن الخطاب وسهل بن أبي حثمة، ومروان والقاسم بن محمد، والحسن وعطاء والزهري، وعمرو بن دينار وعبد الكريم بن أبي المخارق، وأبو عبيد، وأبو ثور: وأكثر أهل العلم كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وحكي عن الشعبي، أن الخرص بدعة، ومنعه الثوري، وقال أبو حنيفة وأصحابه: الخرص ظن وتخمين لا يلزم به حكم، وإنما كان الخرص تخويفاً للقائمين على الثمار لئلا يخونوا، فأما أن يلزم به حكم فلا. قال مقيده عفا الله عنه: لا يخفى أن هذا القول تبطله نصوص السنة الصحيحة الصريحة، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، قال: حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة "تبوك" فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اخرصوها"، فخرصناها، وخرصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق" وقال: أحصيها حتى نرجع إليك، إن شاء الله، وانطلقنا حتى قدمنا تبوك،تفسير : فذكر الحديث. قال: "حديث : ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها؟ قالت: بلغ عشرة أوسق"تفسير : فهذا الحديث المتفق عليه دليل واضح على مشروعية الخرص، كما ترى. وعن عتاب بن أسيد رضي الله عنه: "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم"تفسير : أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه وابن حبان. وعن عتاب رضي الله عنه أيضاً قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب، كما يخرص النخل فتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ صدقة النَّخل تمراً" أخرجه أيضاً أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني. والتحقيق في حديث عتاب هذا، أنه من مراسيل سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، لأنه لم يدرك عتاباً، لأن مولد سعيد في خلافة عمر، وعتاب مات يوم مات أبو بكر رضي الله عنهما، وقد أثبت الحجة بمراسيل سعيد كثير ممن يقولون بعدم الاحتجاج بالمرسل، وقال النووي في شرح المهذب: إن من أصحابنا: من قال يحتج بمراسيل ابن السيب مطلقاً، والأصح أنه إنما يحتج بمراسيله، إذا اعتضدت بأحد أربعة أمور: أن يسند أو يرسل من جهة أخرى، أو يقول به بعض الصحابة، أو أكثر العلماء، وقد وجد ذلك هنا. فقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على وجوب الزكاة في التمر، والزبيب. قال مقيده عفا الله عنه: وبما ذكره النووي تعلم اتفاق الشافعية على الاحتجاج بهذا المرسل، والأئمة الثلاثة يحتجون بالمرسل مطلقاً فظهر إجماع المذاهب الأربعة على الاحتجاج بمثل هذا المرسل، وروى هذا الحديث الدارقطني بسند فيه الواقدي متصلاًن فقال عن سعيد بن المسيب، عن المسور بن مخرمة عن عتاب بن أسيد. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يوكل منه، ثم يخير يهود يأخذونه بذلك الخرص، أو يدفعونه إليهم بذلك الخرص، لكي يحصي الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق"تفسير : أخرجه أحمد وأبو داود، وقد أعل بأن فيه واسطة بين ابن جريج والزهري، ولم يعرف، وقد رواه عبد الرزاق والدارقطني بدون الواسطة المذكورة، وابن جريج مدلس فلعله تركها تدليساً قاله ابن حجر، وقال ذكر الدارقطني الاختلاف فيه قال: فرواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، وأرسله معمر ومالك، وعقيل: فلم يذكروا ابا هريرة، وأخرج أبو داود من طريق ابن جريج: أخبرني ابو الزبير أنه سمع جابراً يقول خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق. وقال ابن حجر في التلخيص: أيضاً روى أحمد من حديث ابن عمر "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر يخرص عليهم"تفسير : الحديث. وروى أبو داود والدارقطني من حديث جابر "حديث : لما فتح الله على رسوله خيبر أقرهم، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم"تفسير : الحديث ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس. وروى الدارقطني حديث : عن سهل بن أبي خيثمة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أباه خارصاً فجاء رجل، فقال: يا رسول الله إن أبا خيثمة قد زاد علي"تفسير : الحديث، ثم ذكر ابن حجر حديث عتاب، وحديث عائشة اللذين قدمناهما، ثم قال وفي الصحابة، لأبي نعيم من طريق حديث : الصلت بن زبيد بن الصلت عن أبيه عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على الخرص، فقال: "ثبت لنا النصف، وأبق لهم النصف، فإنهم يسرقون، ولا نصل إليهم ". تفسير : فبهذا الحديث ذكرنا كله تعلم أن الخرص حكم ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ظن وتخمين باطل، بل هو اجتهاد ورد به الشرع في معرفة قدر الثمر وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير والمعايير، فهو كتقويم المتلفات ووقت الخرص حتى يبدو صلاح الثمر، كما قدمنا لما قدمنا، من الرواية "بأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث الخارص فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل"، ولا خلاف في ذلك بين العلماء. والجمهور القائلون بالخرص اختلفوا في حكمه، فقيلك هو سنة، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم، كان يأمر به، وقيل: واجب لما تقدم في حديث عتاب من قوله "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب" الحديث المتقدم، قالوا: الأمر للوجوب، ولأنه إن ترك الخرص قد يضيع شيء من حق الفقراء، والأظهر عدم الوجوب، لأن الحكم بأن هذا الأمر واجب يستوجب تركه العقاب يحتاج إلى دليل ظاهر قوي، و الله تعالى اعلم. واختلف العلماء القائلون بالخرص هل على الخارص أن يترك شيئاً، فقال بعض العلماء: عليه أن يترك الثلث أو الربع، لما رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن إلا ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه عن سهل ابن أبي حثمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا خرصتم فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" تفسير : فإن قيل في إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن سهل بن أبي حثمة. وقد قال البزار: إنه انفرد به، وقال ابن القطان لا يعرف حاله، فالجواب أن له شاهداً بإسناد متفق عليه على صحته "أن عمر بن الخطاب أمر به، قاله الحاكم، ومن شواهده ما رواه ابن عبد البر عن جابر مرفوعاً "خففوا، في الخرص" الحديث، وفي إسناده ابن لهيعة. وممن قال بهذا القول الإمام أحمد، وإسحاق، والليث، وأبو عبيد وغيرهم، ومشهور مذهب مالك. والصحيح في مذهب الشافعي أن الخارص لا يترك شيئاً. قال مقيده عفا الله عنه: والقول بأنه يترك الثلث أو الربع هو الصواب لثبوت الحديث الذي صححه ابن حبان، والحاكم بذلك، ولم يثبت ما يعارضه، ولأن الناس يحتاجون إلى أن يأكلوا ويطعموا جيرانهم وضيوفهم، وأصدقاءهم، وسؤالهم، ولأن بعض الثمر يتساقط وتنتابه الطير وتأكل منه المارة، فإن لم يترك لهم الخارص شيئاً. فالظاهر أن لهم الأكل بقدر ما كان يلزم إسقاطه، ولا يحسب عليهم. وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو مقتضى ما دل عليه الحديث المذكور، فإن زاد الثمر أو نقص عما خرصه به الخارص، فقال بعض العلماء: لا زكاة عليه فيما زاد، وتلزمه فيما نقص، لأنه حكم مضى. وقال بعضهم: يندب الإخراج في الزائد، ولا تسقط عنه زكاة ما نقص. قال مقيده عفا الله عنه، أما فيما بينه وبين الله، فلا شك أنه لا تجب عليه زكاة شيء لم يوجد، وأما فيما بينه وبين الناس، فإنها قد تجب عليه قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره، وإن زادت على تخريص عارف فالأحب الإخراج، وهل على ظاهره أو الوجوب تأويلان. قال شارحه المواق من المدونة: قال مالك: من خرص عليه اربعة أوسق فرفع خمسة أوسق أحببت له أن يزكي ابن يونس، قال بعض شيوخنا: لفظة أحببت ها هنا على الإيجاب، وهو صواب كالحاكم يحكم بحكم، ثم يظهر أنه خطأ صراح ابن عرفة، على هذا حملها الأكثر، وحملها ابن رشد، وعياض على الاستحباب. قال مقيده عفا الله عنه: ووجوب الزكاة في الزائد هو الأظهر، وعليه أكثر المالكية، وهو الصحيح عند الشافعية، وأما النقص، فإذا ثبت ببينة أنها نقصت عما خرصت به، فالظاهر أنه تسقط عنه زكاة ما نقصت به، وإن ادعى غلط الخارص. فقد قال بعض أهل العلم: لم تقبل دعواه لأن الخارص أمين، وقال بعض العلماء: تقبل دعواه غلط الخارص، إذا كانت مشبهة، أما إذا كانت بعيدة، كدعواه زيادة النصف، أو الثلثين فلا يقبل قوله في الجميع، وهذا التفصيل هو مذهب الشافعي، وأحمد إلا أن بعض الشافعية قال، يسقط عنه من الكثير الذي ادعى قدر النقص الذي تقبل دعواه فيه، وأما إن ادعى أن الخارص جار عليه عمداً، فلا تقبل دعواه عليه بلا خلاف، كما لو ادعى جور الحاكم، أو كذب الشاهد، وكذا أذا ادعى أنه غلط في الخرص، ولم يبين قدر ما زاد لم يقبل منه نص عليه علماء الشافعية، وإن ادعى رب الثمر أنه أصابته جائحة أذهبت بعضه، فالظاهر تصديقه فيما يشبه قوله، كما لو ادعى أن بعضه سرق بالليل مثلاً قيل بيمين. وقيل: لا وإن أضاف هلاك الثمرة إلى سبب يكذبه الحس، كأن يقول هلكت بحريق وقع في البحرين في وقت كذا، وعلمنا أنه لم يحترق في ذلك الوقت لم يلتفت إلى كلامه، فإن علم وقوع السبب الذي ذكر، وعموم أثره صدق بلا يمين، وإن اتهم حلف، قيل: وجوباً، وقيل: استحباباً، وإن لم يعرف عدم السبب المذكور ولا وجوده، فالصحيح أنه يكلف بالبينة على وجود أصل السبب، ثم القول قوله في الهلاك به، وهذا التفصيل الأخير للشافعية ذكره النووي في شرح المهذب، ووجهه ظاهر، والله تعالى أعلم. وجمهور العلماء على أنه لا يخرص غير التمر، والزبيب، فلا يخرص الزيتون والزرع ولا غيرهما، وأجازه بعض العلماء في الزيتون، وأجازه بعضهم في سائر الحبوب. والصحيح أنه لا يجوز إلا في التمر والعنب لثلاثة أمور: الأول: أن النص الدال على الخرص لم يرد إلا فيهما كما تقدم في حديث عتاب بن أسيد وغيره من الأحاديث. الثاني: أن غيرهما ليس في معناهما، لأن الحاجة تدعو غالباً إلى أكل الرطب قبل أن يكون تمراً، والعنب قبل أن يكون زبيباً، وليس غيرهما كذلك الثالث: أن ثمرة النخل ظاهرة مجتمعة في عذوقها، والعنب ظاهر أيضاً مجتمع في عناقيده، فحزرهما ممكن بخلاف غيرهما من الحبوب، فإنه متفرق في شجره والزرع مستتر في سنبله. والظاهر أن ما جرت العادة بالحاجة إلى أكله لا يحسب، لما قدمنا، وقال المالكية يحسب عليهم كلما أكلوه من الحب، ولا يحسب ما تأكله الدواب في درسها. المسالة الثانية: لا يجوز إخراج زكاة الثمار إلا من التمر اليابس والزبيب اليابس، وكذلك زكاة الحبوب لا يجوز إخراجها، إلا من الحب اليابس بعد التصفية، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وأجرة القيام على الثمار والحبوب حتى تيبس وتصفى من خالص مال رب الثمرة والزرع، فإن دفع زكاة التمر بسراً أو رطباً أو دفع مكاة الزبيب عنباً لم يجزه ذلك، لأنه دفع غير الواجب، لأن الواجب تمر وزبيب يابسان إجماعاً. وقد قال ابن قدامة في المغني: فإن كان المخرج للرطب رب المال لم يجزه ولزمه إخراج الفضل بعد التجفيف، لأنه أخرج غير الفرض فلم يجزه، كما لو أخرج الصغير عن الماشية الكبار، وهو نص صريح منه في أن الرطب غير الواجب، وأن منزلته من التمر الذي هو الواجب كمنزلة صغار الماشية من الكبار التي هي الواجبة في زكاة الماشية. وقال النووي في شرح المهذب ما نصه فلو أخرج الرطب والعنب في الحال لم يجزئه بلا خلاف، ولو أخذه الساعي غرمه بلا خلاف، لأنه قبضه بغير حق، وكيف يغرمه فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف في آخر الباب: الصحيح: الذي قطع به الجمهور، ونص عليه الشافعي رضي الله عنه، أنه يلزمه قيمته. والثاني: يلزمه مثله وهما مبنيان على أن الرطب والعنب مثليان أم لا، والصحيح المشهور أنهما ليسا مثليين ولو جف عند الساعي، فإن كان قدر الزكاة أجزأ، وإلا رد التفاوت أو أخذه كذا قاله العراقيون وغيرهم، وحكى ابن كج وجهاً أنه لا يجزئ بحال لفساد القبض، قال الرافعي: وهذا الوجه أولى والمختار ما سبق انتهى كلام النووي بلفظه، وهو صريح في عدم إجزاء الرطب والعنب بلا خلاف عند الشافعية. وقال صاحب المهذب ما نصه: فإن أخذ الرطب وجب رده، وإن فات وجب رد قيمته، ومن أصحابنا من قال: يجب رد مثله، والمذهب الأول لأنه لا مثل له، لأنه يتفاوت، ولهذا لا يجوز بيع بعضه ببعض اهـ. منه بلفظه، وهو صريح في عدم إجزاء الرطب في زكاة التمر، وهذا الذي ذكرنا عن عامة العلماء من أن الزكاة لا تؤخذ إلا من التمر والزبيب اليابسين، هو مذهب مالك وعامة أصحابه وفي الموطأ ما نصه. قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن النخل تخرص على أهلها وثمرها في رؤوسها إذا طاب وحل بيعه، ويؤخذ منه صدقته تمراً عند الجذاذ إلى أن قال: وكذلك العمل في الكرم انتهى محل الفرض منه بلفظه، وفيه تصريح مالك رحمه الله بأن الأمر المجتمع عليه من علماء زمنه، أن الزكاة تخرج تمراً، وهو يدل دلالة واضحة على أن من ادعى جواز إخراجها من الرطب أو البسر، فدعواه مخالفة للأمر المجتمع عليه عند مالك وعلماء زمنه. ومن أوضح الأدلة على ذلك، أن البلح الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يتزبب كبلح مصر وعنبها، لا يجوز الإخراج منه مع تعذر الواجب الذي هو التمر والزبيب اليابسان، بل تدفع الزكاة منه ثمنه أو قيمته عند مالك وأصحابه، فلم يجعلوا العنب والرطب أصلاً، ولم يقبلوهما بدلاً عن الأصل، وقالوا: بوجوب الثمن إن بيع، والقيمة إن أكل. قال خليل في مختصره: وثمن غير ذي الزيت وما لا يجف ومراده بقوله: وما لا يجف أن الرطب والعنب اللذين لا ييبسان يجب الإخراج من ثمنهما لا من نفس الرطب والعنب، وفي المواق في شرح قول خليل، وإن لم يجف ما نصه. قال مالك: إن كان رب هذا النخل لا يكون تمراً، ولا هذا العنب زبيباً فليخرص أن لو كان ذلك فيه ممكناً، فإن صح في التقدير خمسة أوسق أخذ من ثمنه انتهى محل الغرض منه بلفظه، وهو نص صريح عن مالك أنه لا يرى إخراج الرطب، والعنب في الزكاة لعدوله عنهما إلى الثمن في حال تعذر التمر والزبيب اليابسين، فكيف بالحالة التي لم يتعذرا فيها. والحاصل أن إخراج الرطب والعنب عما يبس من رطب وعنب، لم يقل به أحد من العلماء، ولا دل عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا قياس وأما الذي لا ييبس كبلح مصر وعنبها ففيه قول مرجوح عند المالكية بإجزاء الرطب والعنب، ونقل هذا القول عن ابن رشد، وسترى إن شاء الله في آخر هذا المبحث كلام الشافعية والحنابلة فيه، فإن قيل: فما الدليل على أنه لا يجزئ إلا التمر والزبيب اليابسان دون الرطب والعنب؟ فالجواب: أن ذلك دلت عليه عدة أدلة الأول: هو ما قدمنا من حديث عتاب بن أسيد رضي الله عنه قال: "حديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل فتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ صدقة النخل تمراً"تفسير : وقد قدمنا أن هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والدارقطني، وقد قدمنا أنه من مراسيل سعيد بن المسيب، وقدمنا أيضاً أن الاحتجاج بمثل هذا المرسل من مراسيل سعيد صحيح عند الأئمة الأربعة، فإذا علمت صحة الاحتجاج بحديث سعيد بن المسيب هذا. فاعلم أنه نص صريح في "أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر بخرص العنب والنخل، وأن تؤخذ زكاة العنب زبيباً، وصدقة النخل تمراً، فمن ادعى جواز أخذ زكاة النخل رطباً أو بسراً" فدعواه مخالفة لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه أمر بأخذها في حال كونها تمراً في النخل وزبيباً في العنب، ومعلوم أن الحال وصف لصاحبها قيد لعاملها. فكون زكاة النخل تمراً وصف لها أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بإخراجها في حال كونها متصفة به. وكذلك كونها تمراً قيد لأخذها، فهو تقييد من النَّبي صلى الله عليه وسلم لأخذها بأن يكون في حال كونها تمراً، فيفهم منه أنها لا تؤخذ على غير تلك الحال ككونها رطباً مثلاً وإذا اتضح لك أن أخذها رطباً - مثلاً - مخالف لما أمر به صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه قال في الحديث المتفق عليه "حديث : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد"تفسير : ، وفي الكتاب العزيز {أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} تفسير : [النور: 63] الآية. ومما يوضح لك أن إخراج الرطب مثلاً في الزكاة مخالف لما سنه وشرعه صلى الله عليه وسلم من أخذها تمراً، وزبيباً يابسين ما ذكره البيهقي في السنن الكبرى في باب "كيف تؤخذ زكاة النخل والعنب" فإنه قال فيه وأخبرنا أبو الحسن بن أبي المعروف الفقيه المهرجاني. أنبأ بشر بن أحمد. أنبأ أحمد بن الحسين بن نصر الحذاء. ثنا علي ابن عبد الله - ثنا يزيد بن زريع، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، أخبرني الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أمر عتاب بن أسيد أن يخرص العنب كما يخرص النخل"تفسير : ثم تؤدى زكاته زبيباً كما تؤدى زكاة النخل تمراً" قال: فتلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النخل والعنب - اهـ. منه بلفظه، وفيه التصريح بأن إخراج التمر والزبيب: هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمخرج الرطب والعنب مخالف لسننه صلى الله عليه وسلم كما ترى. الدليل الثاني: إجماع المسلمين على أن زكاة الثمار والحبوب من نوع ما تجب الزكاة في عينه، والعين الواجبة فيها الزكاة هي: التمر والزبيب اليابسان. لا الرطب والعنب بدليل إجماع القائلين بالنصاب في الثمار. على أن خمسة الأوسق التي هي النصاب لا تعتبر من الرطب، ولا من العنب، فمن كان عنده خمسة أوسق من الرطب أو العنب، ولكنها إذا جفت نقصت عن خمسة أوسق فلا زكاة عليه. لأن النصاب معتبر من التمر والزبيب اليابسين، فلو أخرج الزكاة من الرطب أو العنب لكان مخرجاً من غير ما تجب في عينه الزكاة كما ترى، ويدل له ما ذكره الزرقاني في شرح الموطأ، فإنه قال فيه في شرح قول مالك. ثم يؤدون الزكاة على ما خرص عليهم ما نصه، ومبنى التخريص أن يحزر ما في النخل أو العنب من التمر اليابس إذا جذ على حسب جنسه، وما علم من حاله أنه يصير إليه عند الإتمار. لأن الزكاة إنما تؤخذ منه تمراً. انتهى محل الفرض منه بلفظه. وقد تقرر عند جماهير العلماء أن لفظة إنما للحصر وهو الحق. فقول الزرقاني لأن الزكاة إنما تؤخذ منه تمراً معناه حصر أخذ زكاة النخل في خصوص التمر دون غيره من رطب ونحوه، معللاً بذلك اعتبار النصاب من التمر اليابس. لأن الإخراج مما تجب في عينه الزكاة من الثمار والحبوب وهو واضح، ولا يرد على ما ذكرناه أن وقت وجوب الزكاة: هو وقت طيب الثمر قبل أن يكون يابساً، لإجماع العلماء على أنه لا يجب إخراجها بالفعل إلا بعد أن يصير تمراً يابساً ولإجماعهم أيضاً على أنه إن أصابته جائحة اعتبرت، فتسقط زكاة ما أجيح، كما تسقط زكاة الكل إن لم يبق منه نصاب. وسيأتي له زيادة إيضاح. الدليل الثالث: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذها تمراً بعد الجذاذ لا بلحاً ولا رطباً، والله جل وعلا يقول: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}تفسير : [الأحزاب: 21] الآية، ويقول: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ} تفسير : [الحشر: 7] الآية، ويقول: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80] الآية، ويقول: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي} تفسير : [آل عمران: 31] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. قال البخاري في صحيحه: "حديث : باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل وهل يترك الصبي فيمس الصدقة"تفسير : حدثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسدي. حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالتمر عند صرام النخل فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره حتى يصير عنده كوماً من تمر، فجعل الحسن والحسين رضي الله عنهما يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجها من فيه. فقال: "أما علمت أن آل محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يأكلون الصَّدقة"تفسير : اهـ. فهذا الحديث الصحيح نص صريح في أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ صدقة النخل تمراً بعد الجذاذ، وقد تقرر في الأصول أن صيغة المضارع بعد لفظة كان في نحو كان يفعل كذا: تدل على كثرة التكرار والمداومة على ذلك الفعل، فقول أبي هريرة في هذا الحديث المرفوع الصحيح: كان صلى الله عليه وسلم: "حديث : يؤتى بالتمر عند صرام النخل ". تفسير : الحديث يدل دلالة واضحة على أن إخراج التمر عند الجذاذ هو الذي كان يفعل دائماً في زمنه صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يأخذ في الزكاة ذلك التمر اليابس، فمن ادعى جواز إخراج زكاة النخل رطباً أو بلحاً فهو مخالف لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن حجر في "فتح الباري" في شرح هذا الحديث المذكور آنفاً ما نصه "قال الإسماعيلي: قوله عند صرام النخل. أي بعد أن يصير تمراً، لأن النخل قد يصرم وهو رطب، فيتمر في المريد، ولكن ذلك لا يتطاول فحسن أن ينسب إلى الصرام كما في قوله تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] فإن المراد بعد أن يداس وينقى والله تعالى أعلم" اهـ. منه بلفظه وهو واضح فيما ذكرنا. وبما ذكرنا تعلم أن ما يدعيه بعض أهل العلم من المتاخرين من جواز إخراج زكاة النخل رطباً وبسراً غير صحيح، ولا وجه له، ولا دليل عليه، وأما إن كان التمر لا ييبس، كبلح مصر وعنبها فقد قدمنا عن مالك وأصحابه أن الزكاة تخرج من ثمنه إن بيع، أو قيمته إن أكل، لا من نفس الرطب أو العنب. وقد قدمنا عن ابن رشد قولاً مرجوحاً بإجزاء الرطب والعنب في خصوص ما لا ييبس. ومذهب الشافعي رحمه الله في زكاة ما لا ييبس: أنه على القول بأن القسمة تمييز حق لا بيع، فيجوز القسم ويجعل العشر أو نصفه متميزاً في نخلات، ثم ينظر المصدق: فإن رأى أن يفرق عليهم فعل، وإن رأى البيع وقسمة الثمن فعل، وأما على القول بأن القسمة بيع فلا تجوز في الرطب والعنب، ويقبض المصدق عشرها مشاعاً، بالتخلية بينه وبينها، ويستقر عليه ملك المساكين، ثم يبيعه ويأخذ ثمنه ويفرقه عليهم، وهكذا الحكم عنده فيما إذا احتيج إلى قطع الثمرة رطباً خوفاً عليها من العطش ونحوه. وحكم هذه المسألة في المذهب الحنبلي فيه قولان. أحدهما: أنه يخير الساعي بين أن يقاسم رب المال الثمرة قبل الجذاذ بالخرص، ويأخذ نصيبهم نخلة مفردة، وياخذ ثمرتها. وبين أن يجذها ويقاسمه إياها بالكيل، ويقسم الثمرة في الفقراء، وبين أن يبيعها من رب المال أو غيره قبل الجذاذ أو بعده، ويقسم ثمنها في الفقراء. القول الثاني: أن عليه الزكاة من تمر وزبيب يابسين، قاله أبو بكر. وذكر أن أحمد - رحمه الله - نص عليه. قاله صاحب المغني، وهذا الذي ذكرنا هو حاصل مذهب أحمد - رحمه الله - في المسالتين. أعني الثمر الذي لا ييبس، والذي احتيج لقطعه قبل اليبس. المسألة الثالثة: اختلف في وقت وجوب الزكاة فيما تنبته الأرض من ثمر وحب. فقال جمهور العلماء: تجب في الحب إذا اشتد، وفي الثمر إذا بدا صلاحه فتعلق الوجوب عند طيب التمر. ووجوب الإخراج بعد الجذاذ. وفائدة الخلاف أنه لو تصرف في الثمر والحب قبل الوجوب لم يكن عليه شيء، وإن تصرف في ذلك بعد وجوب الزكاة لم تسقط الزكاة عنه. ومن فوائده أيضاً: أنه إذا مات بعد وقت الوجوب زكيت على ملكه، وإن مات قبل الوجوب زكيت على ملك الورثة، وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: واختلف العلماء في وقت الوجوب على ثلاثة أقوال. الأول: أنه وقت الجذاذ. قاله محمد بن مسلمة: لقوله تعالى: {يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. الثاني: يوم الطيب. لأن ما قبل الطيب يكون علفاً لا قوتاً ولا طعاماً، فإذا طاب وحان الأكل الذي أنعم الله به، وجب الحق الذي أمر الله به، إذ بتمام النعمة يجب شكر النعمة، ويكون الإيتاء وقت الحصاد لما قد وجب يوم الطيب. الثالث: أنه يكون بعد تمام الخرص. لأنه حينئذ يتحقق الواجب فيه من الزكاة فيكون شرطاً لوجوبها كمجيء الساعي في الغنم، وبه قال المغيرة، والصحيح الأول لنص التنزيل، والمشهور في المذهب الثاني، وبه قال الشافعي. اهـ منه. وقد قدمنا أن مالكاً - رحمه الله - يقول: بأن كل ما أكله المالك أو تصدق به يحسب عليه، وجمهور العلماء يخالفونه - رحمه الله - في ذلك. واحتجوا لأن ما يأكله لا يحسب عليه بقوله تعالى {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. وبالحديث المتقدم. أن على الخارص أن يدع الثلث أو الربع. وقوله تعالى {يَوْمَ حَصَادِهِ} قرأه ابن عامر وأبو عمرو وعاصم بفتح الحاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان مشهورتان كالصرام والصرام والجذاذ والجذاذ والقطاف والقطاف. فائدة: ينبغي لصاحب الحائط إذا اراد الجذاذ ألا يمنع المساكين من الدخول، وأن يتصدق عليهم لقوله تعالى في ذم أصحاب أهل الجنة المذكورة في سورة القلم {أية : إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}تفسير : [القلم: 17] الآيات، والعلم عند الله تعالى قوله تعالى {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} تفسير : [الأنعام: 145] الآية. هذه الآية الكريمة صريحة في أنه لم يحرم من المطعومات إلا هذه الأربعة المذكورة فيها، التي هي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، ولكنه تعالى بين في بعض المواضع تحريم غير المذكورات كتصريحه بتحريم الخمر في سورة المائدة بقوله تعالى {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [المائدة: 90]. وقال بعض العلماء لا يحرم مطعوم إلا هذه الأربعة المذكورة، وهو قول يروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة قال القرطبي: ويروى عنهم أيضاً خلافه، وقال البخاري في صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله. حدثنا سفيان. قال عمرو: قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية فقال: "قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} تفسير : [الأنعام: 145] اهـ. وقال ابن خويز منداد من المالكية: تضمنت هذه الآية تحليل كل شيء من الحيوان وغيره إلا ما استثنى في الآية من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. ولهذا قلنا: إن لحوم السباع وسائر الحيوان ما سوى الإنسان، والخنزير مباحة. وقال القرطبي: روي عن عائشة وابن عباس وابن عمر إباحة أكل لحوم السباع، والحمر، و البغال، وذكر حديث البخاري الذي قدمنا آنفاً. ثم قال: وروي عن ابن عمر أنه سئل عن لحوم السباع فقال: لا بأس بها. فقيل له حديث أبي ثعلبة الخشني. فقال: لا ندع كتاب ربنا لحديث أعرابي يبول على ساقيه. وسئل الشعبي عن لحم الفيل، والأسد. فتلا هذه الآية. وقال القاسم: كانت عائشة تقول: لما سمعت الناس يقولون حرم كل ذي ناب من السباع. ذلك حلال. وتتلو هذه الآية: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ} تفسير : [الأنعام: 145] الآية. قال مقيده: - عفا الله عنه - اعلم أنا نريد في هذا المبحث أن نبين حجة من قال بعدم تحريم لحوم السباع والحمير ونحوها، وحجة من قال بمنعها، ثم نذكر الراجح بدليله. واعلم أولاً: أن دعوى أنه لا يحرم مطعوم غير الأربعة المذكورة في هذه الآية باطلة. بإجماع المسلمين لإجماع جميع المسلمين، ودلالة الكتاب والسنة على تحريم الخمر فهو دليل قاطع على تحريم غير الأربعة. ومن زعم أن الخمر حلال لهذه الآية. فهو كافر بلا نزاع بين العلماء، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذين استدلوا بهذه الآية على عدم تحريم ما ذكر قالوا: إن الله حصر المحرمات فيها في الأربعة المذكورة، وحصرها أيضاً في النحل فيها في قوله: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} تفسير : [النحل: 115] لأن إنما أداة حصر عند الجمهور، والنحل بعد الأنعام، بدليل قوله في النحل {أية : وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} تفسير : [النحل: 118] الآية. والمقصوص المحال عليه هو المذكور في الأنعام في قوله {أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}تفسير : [الأنعام: 146] الآية، ولأنه تعالى قال في الأنعام: {أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا} تفسير : [الأنعام: 148] الآية. ثم صرح في النحل بأنهم قالوا ذلك بالفعل في قوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [النحل: 35] الآية. فدل ذلك على أن النحل بعد الأنعام، وحصر التحريم أيضاً في الأربعة المذكورة في سورة البقرة في قوله: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 173] فقالوا: هذا الحصر السماوي الذي ينزل به الملك مرة بعد مرة في مكة في الأنعام، والنحل، وفي المدينة عند تشريع الأحكام في البقرة لا يمكننا معارضته، ولا إخراج شيء منه إلا بدليل قطعي المتن. متواتر كتواتر القرآن العظيم. فالخمر مثلاً دل القرآن على أنها محرمة فحرمناها، لأن دليلها قطعي. أما غيرها، كالسباع والحمر والبغال: فأدلة تحريمها أخبار آحاد يقدم عليها القاطع وهو الآيات المذكورة آنفاً. تنبيه اعلم أن ما ذكره القرطبي وغيره من أن زيادة تحريم السباع والحمر مثلاً بالسنة على الأربعة المذكورة في الآيات - كزيادة التغريب بالسنة على جلد الزاني مائة الثابت بالقرآن - وزيادة الحكم بالشاهد واليمين في الأموال الثابت بالسنة على الشاهدين، أو الشاهد والمرأتين المذكور في قوله تعالى: {أية : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} تفسير : [البقرة: 282] الآية. غير ظاهر عندي. لوضوح الفرق بين الأمرين، لأن زيادة التغريب والحكم بالشاهد واليمين على آية: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} تفسير : [النور: 2] الآية. في الأول، وآية: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ} الآية. في الثاني زيادة شيء لم يتعرض له القرآن بنفي ولا إثبات، ومثل هذه الزيادة لا مانع منه عند جمهور العلماء، لأن الزيادة على النص ليست نسخاً له عند الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة - رحمه الله. وبناء على ذلك منع التغريب والحكم بالشاهد واليمين، لأن الزيادة عنده نسخ، والقرآن لا ينسخ بأخبار الآحاد، لأنه قطعي المتن وليست كذلك، أما زيادة محرم آخر على قوله: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ} تفسير : [الأنعام: 145] الآية. فليست زيادة شيء سكت عنه القرآن كالأول، وإنما هي زيادة شيء نفاه القرآن لدلالة الحصر القرآني على نفي التحريم عن غير الأربعة المذكورة، وبين الأمرين فرق واضح، وبه تعلم أن مالكاً - رحمه الله - ليس ممن يقول: بأن الزيادة على النص نسخ، اللهم إلا إذا كانت الزيادة أثبتت ما كان منفياً بالنص قبلها، فكونها إذن ناسخة واضح، وهناك نظر آخر، قال به بعض العلماء: وهو أن إباحة غير الربعة المذكورة من الإباحة العقلية المعروفة عند أهل الأصول بالبراءة الأصلية، وهي استصحاب العدم الأصلي، لأن الأصل عدم تحريم شيء إلا بدليل، كما قاله جمع من أهل الأصول. وإذا كانت إباحته عقلية: فرفعها ليس بنسخ حتّى يشترط في ناسخها التواتر، وعزا ابن كثير في تفسيره هذا القول بعدم النسخ للأكثرين من المتأخرين. قال مقيده - عفا الله عنه - وكونه نسخاً أظهر عندي، لأن الحصر في الآية يفهم منه إباحة ما سوى الأربعة شرعاً فتكون إباحة شرعية لدلالة القرآن عليها، ورفع الإباحة الشرعية نسخ بلا خلاف، وأشار في (مراقي السعود) إلى أن الزيادة التي لا تناقض الحكم الأول ليست نسخاً بقوله: شعر : وليس نسخاً كل ما أفادا فيما رسا بالنص الازديادا تفسير : وهذا قول جمهور العلماء، ووجهوه بعدم منافاة الزيادة للمزيد وما لا ينافي لا يكون ناسخاً، وهو ظاهر. واعلم أن مالك بن أنس - رحمه الله - اختلفت عنه الرواية في لحوم السباع، فروي عنه أنها حرام، وهذا القول هو الذي اقتصر عليه في الموطأ: لأنه ترجم فيه بتحريم أكل كل ذي ناب من السباع، ثم ساق حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه بإسناده عن النَّبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع" ثم ساق بإسناده حديث أبي هريرة مرفوعاً: "حديث : أكل كل ذي ناب من السباع حرام" تفسير : ثم قال: وهو الأمر عندنا وهذا صريح في أن الصحيح عنده تحريمها، وجزم القرطبي بأن هذا هو الصحيح من مذهبه، وروي عنه أيضاً أنها مكروهة وهو ظاهر المدونة وهو المشهور عند أهل مذهبه، ودليل هذا القول هو الآيات التي ذكرنا، ومن جملتها الآية التي نحن بصددها. وما روى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة من إباحتها، وهو قول الأوزاعي. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر رجحانه بالدليل هو ما ذهب إليه الجمهور من أن كل ما ثبت تحريمه بطريق صحيحة من كتاب أو سنة فهو حرام، ويزاد على الأربعة المذكورة في الآيات، ولا يكون في ذلك أي مناقضة للقرآن لأن المحرمات المزيدة عليها حرمت بعدها. وقد قرر العلماء أنه لا تناقض يثبت بين القضيتين إذا اختلف زمنهما لاحتمال صدق كل منهما في وقتها، وقد اشترط عامة النظار في التناقض: اتحاد الزمان، لأنه إن اختلف جاز صدق كل منهما في وقتها، كما لو قلت: لم يستقبل بيت المقدس قد استقبل بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما بعد النسخ، وبالثانية ما قبله، فكلتاهما تكون صادقة، وقد أشرت في أرجوزتي في فن المنطق إلى أنه يشترط في تناقض القضيتين اتحادهما فيما سوى الكيف. أعني الإيجاب والسلب، من زمان ومكان، وشرط وإضافة، وقوة وفعل، وتحصيل وعدول، وموضوع ومحمول، وجزء وكل، بقولي: شعر : والاتحاد لازم بينهما فيما سوى الكيف كشرط علما والجزء والكل مع المكان والفعل والقوة والزمان إضافة تحصيل أو عدول ووحدة الموضوع والمحمول تفسير : فوقت نزول الآيات المذكورة لم يكن حراماً غير الأربعة المذكورة، فحصرها صادق قبل تحريم غيرها بلا شك، فإذا طرأ تحريم شيء آخر بأمر جديد. فذلك لا ينافي الحصر الأول لتجدده بعده، وهذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى، وبه يتضح أن الحق جواز نسخ المتواتر بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه، وإن منعه أكثر أهل الاصول. وإذا عرفت ذلك: فسنفصل لك إن شاء الله تعالى المحرمات التي حرمت بعد هذا، وأقوال العلماء فيها. فمن ذلك كل ذي ناب من السباع، فالتحقيق تحريمه لما قدمنا من حديث أبي هريرة، وأبي ثعلبة الخشني من النهي عنها، وتحريمها، أما حديث أبي ثعلبة، فمتفق عليه، وأما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه مسلم في صحيحه عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: بلفظ "حديث : كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام ". تفسير : والأحاديث في الباب كثيرة، وبه تعلم أن التحقيق هو تحريم أكل كل ذي ناب من السباع. والتحقيق أن أكل كل ذي مخلب من الطير منهي عنه، ولا عبرة بقول من قال من المالكية وغيرهم: أنه لم يثبت النهي عنه صلى الله عليه وسلم، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس، أنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : نهى عن كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير"تفسير : اهـ. فقرن في الصحيح بما صرح بأنه حرام مع أن كلاً منهما ذو عداء وافتراس، فدل كل ذلك على أنه منهي عنه. والأصل في النهي التحريم، وبتحريم ذي الناب من السباع، وذي المخلب من الطير. قال جمهور العلماء منهم الأئمة الثلاثة وداود. وقد قدمنا أنه الصحيح عن مالك في السباع، وأن مشهور مذهبه الكراهة، وعنه قول بالجواز وهو أضعفها، والحق التحريم لما ذكرنا. ومن ذلك الحمر الأهلية، فالتحقيق أيضاً أنها حرام، وتحريمها لا ينبغي أن يشك فيه منصف: لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بتحريمها، وقد روى البخاري ومسلم تحريمها من حديث علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وأبي ثعلبة الخشني رضي الله عنهم، وأحاديثهم دالة دلالة صريحة على التحريم، فلفظ حديث أبي ثعلبة عند البخاري، ومسلم: "حديث : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية"تفسير : وهذا صريح صراحة تامة في التحريم، ولفظ حديث أنس عندهما أيضاً "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس"، وفي رواية لمسلم "فإنها رجس من عمل الشيطان" وفي رواية له أيضاً "فإنها رجس أو نجس". قال مقيده - عفا الله عنه - حديث أنس هذا المتفق عليه الذي صرح فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لحوم الحمر الأهلية رجس. صريح في تحريم أكلها، ونجاسة لحمها، وأن علة تحريمها ليست لأنها لم يخرج خمسها، ولا أنها حمولة كما زعمه بعض أهل العلم. والله تعالى أعلم-. ولا تعارض هذه الأحاديث الصحيحة المتفق عليها بما رواه أبو داود من حديث حديث : غالب بن أبجر المزني رضي الله عنه قال: أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم: فقلت يا رسول الله: أصابتنا السنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرمت الحمر الأهلية فقال: "أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية" تفسير : اهـ. والجوال: جمع جالة، وهي التي تأكل الجلة، وهي في الأصل البعر، والمراد به هنا أكل النجاسات كالعذرة. قال النووي في شرح المهذب: اتفق الحفاظ على تضعيف هذا الحديث. قال الخطابي: والبيهقي: هو حديث يختلف في إسناده. يعنون مضطرباً، وما كان كذلك لا تعارض به الأحاديث المتفق عليها. وأما البغال فلا يجوز أكلها أيضاً. لما رواه أحمد والترمذي من حديث جابر قال: "حديث : حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، - يعني يوم خيبر - لحوم الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطَّير"تفسير : أصل حديث جابر هذا في الصحيحين كما تقدم. وهو بهذا اللفظ: بسند لا بأس به. قاله ابن حجر والشوكاني. وقال ابن كثير في تفسيره: وروى الإمام أحمد وأبو داود بإسنادين كل منهما على شرط مسلم عن جابر قال: "ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل"، وهو دليل واضح على تحريم البغال، ويؤيده أنها متولدة عن الحمير وهي حرام قطعاً. لصحة النصوص بتحريمها. وأما الخيل فقد اختلف في جواز أكلها العلماء. فمنعها مالك - رحمه الله - في أحد القولين، وعنه أنها مكروهة، وكل من القولين صححه بعض المالكية، والتحريم أشهر عندهم. وقال أبو حنيفة - رحمه الله - أكره لحم الخيل، وحمله أبو بكر الرازي على التنزيه. وقال: لم يطلق ابو حنيفة فيها التحريم، وليست عنده كالحمار الأهلي. وصحح عنه صاحب المحيط، وصاحب الهداية، وصاحب الذخيرة: التحيرم، وهو قول أكثر الحنفية. وممن رويت عنه كراهة لحوم الخيل الأوزاعي، وأبو عبيد وخالد بن الوليد رضي الله عنه، وابن عباس والحكم. ومذهب الشافعي وأحمد - رحمهما الله تعالى - جواز أكل الخيل، وبه قال أكثر أهل العلم. وممن قال به عبد الله بن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وإسحاق وأبو يوسف، ومحمد، وداود، وغيرهم. كما نقله عنهم النووي، في "شرح المهذب" وسنبين - إن شاء الله - حجج الجميع وما يقتضي الدليل رجحانه. اعلم أن من منع أكل لحم الخيل احتج بآية وحديث: أما الآية فقوله تعالى: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} تفسير : [النحل: 8] الآية. فقال: قد قال تعالى {أية : وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} تفسير : [النحل: 5] فهذه للأكل. وقال: {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} فهذه للركوب لا للأكل، وهذا تفصيل من خلقها وامتن بها، وأكد ذلك بأمور: أحدها أن اللام للتعليل، أي خلقها لكم لعلة الركوب والزينة، لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها يقتضي خلف ظاهر الآية. ثانيها: عطف البغال والحمير عليها، فدل على اشتراكها معهما في حكم التحريم. ثالثها: أن الآية الكريمة سيقت للامتنان، وسورة النحل تسمى سورة الامتنان. والحكيم لا يمتن بأدنى النعم، ويترك أعلاها، لا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها. رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب والزينة. وأما الحديث: فهو ما رواه الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي وابن ماجه، عن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: "حديث : نَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لُحُوم الخيل والبغال والحَمِير ". تفسير : ورد الجمهور الاستدلال بالآية الكريمة. بأن آية النحل نزلت في مكة اتفاقاً، والإذن في أكل الخيل يوم خيبر كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النَّبي صلى الله عليه وسلم المنع من الآية لما أذن في الأكل، وأيضاً آية النحل ليست صريحة في منع أكل الخيل، بل فهم من التعليل، وحديث جابر، وحديث أسماء بنت أبي بكر المتفق عليهما. كلاهما صريح في جواز أكل الخيل. والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول. وأيضاً فالآية على تسليم صحة دلالتها المذكورة، فهي إنما تدل على ترك الأكل، والترك أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه، أو خلاف الأولى، وإذا لم يتعين واحد منهما بقي التمسك بالأدلة المصرحة بالجواز. وأيضاً فلو سلمنا أن اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة. فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقاً، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل. ونظيره حديث البقرة المذكور في الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت: "إنا لم نخلق لهذا. إنا خلقنا للحرث" فإنه مع كونه أصرح في الحصر لم يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقاً. وأيضاً فلو سلم الاستدلال المذكور للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير للحصر المزعوم في الركوب والزينة. ولا قائل بذلك. وأما الاستدلال بعطف الحمير والبغال عليها. فهو استدلال بدلالة الاقتران، وقد ضعفها أكثر العلماء من أهل الأصول. كما أشار له في (مراقي السعود) بقوله: شعر : أما قران اللفظ في المشهور فلا يساوي في سوى المذكور تفسير : وأما الاستدلال بأن الآية الكريمة سيقت للامتنان: فيجاب عنه بأنه قصد به ما كان الانتفاع به أغلب عند العرب. فخوطبوا بما عرفوا وألفوا، ولم يكونوا يألفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، وشدة الحاجة إليها في القتال، بخلاف الأنعام: فأكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال، وللأكل. فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به فيه. فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق للزم مثله في الشق الآخر كما قدمنا. وأما الاستدلال بأن الإذن في أكلها. سبب لفنائها وانقراضها: فيجاب عنه: بأنه أذن في أكل الأنعام ولم تنقرض، ولو كان الخوف عن ذلك علة لمنع في الأنعام لئلا تنقرض، فيتعطل الانتفاع بها في غير الأكل. قاله ابن حجر، وأما الاستدلال بحديث خالد بن الوليد رضي الله عنه: فهو مردود من وجهين: الأول: أنه ضعفه علماء الحديث. فقد قال ابن حجر في (فتح الباري) في باب "لحوم الخيل" ما نصه: "وقد ضعف حديث خالد أحمد والبخاري وموسى بن هارون، والدارقطني، والخطابي، و ابن عبد البر، وعبد الحق، وآخرون". وقال النووي: في "شرح المهذب" واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم. على أن حديث خالد المذكور حديث ضعيف، وذكر أسانيد بعضهم بذلك. وحديث خالد المذكور مع أنه مضطرب. في إسناده صالح بن يحيى ابن المقدام بن معد يكرب. ضعفه غير واحد، وقال فيه ابن حجر في "التقريب": لين. وفيه أيضاً: والده يحيى المذكور الذي هو شيخه في هذا الحديث. قال فيه في "التقريب": مستور. الوجه الثاني: أنا لو سلمنا عدم ضعف حديث خالد. فإنه معارض بما هو أقوى منه كحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "حديث : نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل"،تفسير : وفي لفظ في الصحيح "حديث : وأذن في لحوم الخيل"،تفسير : وكحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها قالت: "حديث : نحرنا فرساً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه"تفسير : متفق عليهما. ولا شك في أنهما أقوى من حديث خالد، وبهذا كله تعلم أن الذي يقتضي الدليل الصريح رجحانه إباحة أكل لحم الخيل، والعلم عند الله تعالى، ولا يخفى أن الخروج من الخلاف أحوط، كما قال بعض أهل العلم. شعر : وإن الأورع الذي يخرج من خلافهم ولو ضعيفاً فاستبن تفسير : ومن ذلك الكلب: فإن أكله حرام عند عامة العلماء، وعن مالك قول ضعيف جداً بالكراهة. ولتحريمه أدلة كثيرة. منها: ما تقدم في ذي الناب من السباع. لأن الكلب سبع ذو ناب، ومنها أنه لو جاز أكله لجاز بيعه، وقد ثبت النهي عن ثمنه في الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري، مقروناً بحلوان الكاهن، ومهر البغي، وأخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة، وأخرجه مسلم من حديث رافع بن خديج، رضي الله عنه، بلفظ "ثمن الكلب خبيث" الحديث. وذلك نص في التحريم لقوله تعالى: {أية : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} تفسير : [الأعراف: 157] الآية. فإن قيل: ما كل خبيث يحرم لما ورد في الثوم أنه خبيث، وفي كسب الحجام أنه خبيث. مع أنه لم يحرم واحد منهما. فالجواب: أن ما ثبت بنص أنه خبيث كان ذلك دليلاً على تحريمه، وما أخرجه دليل يخرج، ويبقى النص حجة فيما لم يقم دليل على إخراجه، كما هو الحكم في جل عمومات الكتاب، والسنة يخرج منها بعض الأفراد بمخصص، وتبقى حجة في الباقي. وهذا مذهب الجمهور، وإليه أشار في (مراقي السعود) بقوله: شعر : وهو حجة لدى الأكثر إن مخصص له معيناً يبن تفسير : فإن قيل: تحريم الخبائث لعلة الخبث، وإذا وجد خبيث غير محرم كان ذلك نقضاً في العلة تخصيصاً لها. فالجواب: أن أكثر العلماء على أن النقض تخصيص للعلة، لا إبطال لها. قال في (مراقي السعود): شعر : منها وجود الوصف دون الحكم سماه بالنقض وعاة العلم والأكثرون عندهم لا يقدح بل هو تخصيص وذا مصحح تفسير : إلخ... كما حررناه في غير هذا الموضع. ومن الأدلة على تحريم الكلب: ما ثبت في الصحيحين من الأحاديث الصريحة في تحريم اقتنائه، وأن اقتناءه ينقص أجر مقتنيه كل يوم، فلو كان أكله مباحاً، لكان اقتناؤه مباحاً. وإنما رخص صلى الله عليه وسلم، في كلب الصيد، والزرع، والماشية للضرورة. فمن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : من اتخذ كلباً إِلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية انتقص من أجره كل يوم قيراط"تفسير : ، ومنه أيضاً ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث سفيان بن أبي زهير الشنائي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه سولم، يقول: "حديث : من اقتنى كلباً لا يغنى عنه زرعاً، ولا ضرعاً نقص من عمله كل يوم قيراط"تفسير : ، ورواه البخاري عن ابن عمر بثلاث طرق بلفظ "نقص كل يوم من عمله قيراطان"، وأخرجه مسلم أيضاً عن ابن عمر من طرق: في بعضها قيراط، وفي بعضها قيراطان. والأحاديث في الباب كثيرة وهذا أوضح دليل على أن الكلب لا يجوز أكله، إذ لو جاز أكله لجاز اقتناؤه للأكل وهو ظاهر، ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن المغفل، رضي الله عنهم. من أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ولو كانت مباحة الأكل لما أمر بقتلها، ولم يرخص صلى الله عليه وسلم فيها إلا لضرورة الصيد، أو الزرع، أو الماشية. وإذا عرفت أن في كلب الصيد، وما ذكر معه بعض المنافع المباحة، كالانتفاع بصيده، أو حراسته الماشية، أو الزرع، فاعلم أن العلماء اختلفوا في بيعه. فمنهم من قال: بيعه تابع للحمه، ولحمه حرام، فبيعه حرام، وهذا هو أظهر الأقوال دليلاً لما قدمنا من أن ثمن الكلب خبيث، وأن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه مقروناً بحلوان الكاهن، ومهر البغي، وهو نص صحيح صريح في منع بيعه. ويؤيده ما رواه أبو داود بإسناد صحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً قال: "حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب"،تفسير : وقال: إن جاء يطلب ثمن الكلب، فاملأ كفه تراباً. قال النووي في (شرح المهذب):، وابن حجر في (الفتح): إسناده صحيح، وروى أبو داود أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "حديث : لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي"تفسير : . قال ابن حجر في (الفتح): إسناده حسن، وقال النووي في (شرح المهذب): إسناده حسن صحيح. وإذا حققت ذلك، فاعلم أن القول بمنع بيع الكلب الذي ذكرنا أنه هو الحق. عام في المأذون في اتخاذه وغيره لعموم الأدلة، وممن قال بذلك: أبو هريرة، والحسن البصري، والأوزاعي، وربيعة، والحكم، وحماد، والشافعي، وأحمد، وداود، وابن المنذر وغيرهم، وهو المشهور الصحيح من مذهب مالك. خلافاً لما ذكره القرطبي في (المفهم) من أن مشهور مذهبه الكراهة، وروي عن مالك أيضاً جواز بيع كلب الصيد. ونحوه دون الذي لم يؤذن في اتخاذه، وهو قول سحنون. لأنه قال: ابيع كلب الصيد وأحج بثمنه. وأجاز بيعه أبو حنيفة مطلقاً إن كانت فيه منفعة من صيد، أو حراسة لماشية مثلا، وحكى نحوه ابن المنذر عن جابر، وعطاء، والنخعي قاله النووي. وإن قتل الكلب المأذون فيه ككلب الصيد، ففيه القيمة عند مالك، ولا شيء فيه عند أحمد والشافعي، وأوجبها فيه أبو حنيفة مطلقاً إن كانت فيه منفعة. وحجة من قال لا قيمة فيه: أن القيمة ثمن والنص الصحيح نهى عن ثمن الكلب، وجاء فيه التصريح بأن طالبه تملأ كفه تراباً، وذلك أبلغ عبارة في المنع منه. واحتج من أوجبها بأنه فوت منفعة جائزة فعليه غرمها. واحتج من أجاز بيع الكلب، وألزم قيمته إن قتل بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد"، وعن عمر رضي الله عنه أنه غرم رجلاً عن كلب قتله عشرين بعيراً وعن عبد الله ابن عمرو بن العاص أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهماً، وقضى في كلب ماشية بكبش. واحتجوا أيضاً بأن الكلب المأذون فيه تجوز الوصية به والانتفاع به فأشبه الحمار. وأجاب الجمهور بأن الأحاديث والآثار المروية في جواز بيع كلب الصيد ولزوم قيمته كلها ضعيفة: قال النووي في "شرح المهذب" ما نصه "وأما الجواب عما احتجوا به من الأحاديث والآثار فكلها ضعيفة باتفاق المحدثين"، وهكذا أوضح الترمذي والدارقطني والبيهقي ضعفها، والاحتجاج بجواز الوصية به وشبهه بالحمار مردود بالنصوص الصحيحة المصرحة بعدم حلية ثمنه، وما ذكره ابن عاصم المالكي في "تحفته" من قوله: شعر : واتفقوا أن كلاب البادية يجوز بيعها ككلب الماشية تفسير : فقد رده عليه رحمه الله علماء المالكية، وقد قدمنا أنه قول سحنون. واعلم أن ما روي عن جابر وابن عمر مرفوعاً مما يدل على جواز بيع كلب الصيد كله ضعيف كما بين تضعيفه ابن حجر في (فتح الباري) في باب "ثمن الكلب". قال القرطبي: وقد زعم ناس أنه لم يكن في العرب من يأكل لحم الكلب إلا قوم من فقعس. ومن ذلك القرد: فإنه لا يجوز أكله، قال القرطبي في تفسيره: قال أبو عمر يعني ابن عبد البر: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكل القرد لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله، ولا يجوز بيعه لأنه لا منفعة فيه. قال: وما علمت أحداً رخص في أكله إلا ما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن أيوب سئل مجاهد عن أكل القرد فقال: ليس من بهيمة الأنعام. قلت: ذكر ابن المنذر أنه قال: روينا عن عطاء أنه سئل عن القرد يقتل في الحرم. قال: يحكم به ذوا عدل. قال: فعلى مذهب عطاء يجوز أكل لحمه لأن الجزاء لا يجب على من قتل غير الصيد، وفي "بحر المذهب" للروياني على مذهب الشافعي. وقال الشافعي: يجوز بيع القرد لأنه يعلم وينتفع به لحفظ المتاع اهـ. وقال النووي في "شرح المهذب": القرد حرام عندنا، وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد، ومكحول والحسن وابن حبيب المالكي. وقال ابن قدامة في (المغني): وقال ابن عبد البر: لا أعلم بين علماء المسلمين خلافاً أن القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه، وروي عن الشعبي: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "حديث : نهى عن لحم القرد"،تفسير : ولأنه سبع، فيدخل في عموم الخبر، ولأنه مسخ ايضاً فيكون من الخبائث المحرمة. وقد قدمنا جزم ابن حبيب، وابن عبد البر من المالكية: بأنه حرام، وقال الباجي: الأظهر عندي من مذهب مالك وأصحابه. أنه ليس بحرام. ومن ذلك الفيل: فالظاهر فيه أنه من ذوات الناب من السباع، وقد قدمنا أن التحقيق فيها التحريم لثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب الجمهور. وممن صححه من المالكية: ابن عبد البر والقرطبي. وقال بعض المالكية كراهته أخف من كراهة السبع، وأباحه أشهب، وعن مالك في المدونة كراهة الانتفاع بالعاج: وهو سن الفيل. وقال ابن قدامة في (المغني): والفيل محرم. قال أحمد: ليس هو من أطعمة المسلمين، وقال الحسن: هو مسخ وكرهه أبو حنيفة، والشافعي، ورخص في أكله الشعبي، ولنا نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، وهو من أعظمها ناباً، ولأنه مستخبث فيدخل في عموم الآية المحرمة للخبائث اهـ. وقال النووي في شرح المهذب: الفيل حرام عندنا، وعند أبي حنيفة والكوفيين، والحسن. وأباحه الشعبي، و ابن شهاب، ومالك في رواية. وحجة الأولين أنه ذو ناب اهـ. ومن ذلك الهر، والثعلب، والدب: فهي عند مالك من ذوات الناب من السباع. وعنه رواية أخرى أنها مكروهة كراهة تنزيه، ولا تحريم فيها قولاً واحداً. والهر الأهلي والوحشي عنده سواء. وفرق بينهما غيره من الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة: فمنعوا الأهلي. قال ابن قدامة في (المغني): فأما الأهلي فمحرم في قول إمامنا ومالك وأبي حنيفة والشافعي. وقد روي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل الهر، وقال ابن قدامة في (المغني) أيضاً: واختلفت الرواية في الثعلب: فأكثر الروايات عن أحمد تحريمه. وهذا قول أبي هريرة ومالك وأبي حنيفة لأنه سبع، فيدخل في عموم النهي، ونقل عن أحمد إباحته، واختاره الشريف أبو جعفر، ورخص فيه عطاء وطاوس وقتادة والليث، وسفيان بن عيينة والشافعي، لأنه يفدى في الإحرام والحرم إلى أن قال: واختلفت الرواية عن أحمد في سنور البر، والقول فيه كالقول في الثعلب. وحكى النووي: اتفاق الشافعية على إباحة الثعلب. وقال صاحب (المهذب): وفي سنور الوحش وجهان: أحدهما: لا يحل. لأنه يضطاد بنابه فلم يحل كالأسد والفهد. والثاني: يحل. لأنه حيوان ينتوع إلى حيوان وحشي وأهلي، فيحرم الأهلي منه، ويحل الوحشي كالحمار. وأما الدب: فهو سبع ذو ناب عند مالك والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة. وقال أحمد: إن كان الدب ذا ناب منع أكله، وإن لم يكن ذا ناب فلا بأس بأكله. واختلف العلماء في جواز أكل الضبع: وهو عند مالك كالثعلب. وقد قدمنا عنه أنه سبع في رواية، وفي أخرى أنه مكروه، ولا قول فيه بالتحريم، والأحاديث التي قدمناها في سورة المائدة بأن الضبع صيد تدل على إباحة أكلها، وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضباع. قاله القرطبي، ورخص في أكلها الشافعي وغيره، وقال البيهقي في السنن الكبرى: قال الشافعي: وما يباع لحم الضباع بمكة إلا بين الصفا والمروة. وحجة مالك في مشهور مذهبه: أن الضبع من جملة السباع، فيدخل في عموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ولم يخص سبعاً منها عن سبع، قال القرطبي: وليس حديث الضبع الذي خرجه النسائي في إباحة أكلها مما يعارض به حديث النهي: لأنه حديث انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار، وليس مشهوراً بنقل العلم ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه. قال أبو عمر: وقد روي النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من طرق متواترة، روى ذلك جماعة من الأئمة الثقات الأثبات، ومحال أن يعارضوا بمثل حديث ابن أبي عمار اهـ. قال مقيده - عفا الله عنه - للمخالف أن يقول أحاديث النهي عامة في كل ذي ناب من السباع، ودليل إباحة الضبع خاص، ولا يتعارض عام وخاص: لأن الخاص يقضي على العام فيخصص عمومه به كما هو مقرر في الأصول. ومن ذلك القنفذ: فقد قال بعض العلماء بتحريمه، وهو مذهب الإمام أحمد، وأبي هريرة، وأجاز أكله الجمهور. منهم مالك والشافعي والليث وأبو ثور وغيرهم. واحتج من منعه بما رواه أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة أنه قال: ذكر القنفذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: "حديث : هو خبيث من الخبائث ". تفسير : واحتج من إباحه - وهم الجمهور - بأن الحديث لم يثبت، ولا تحريم إلا بدليل. قال البيهقي في السنن الكبرى: - بعد أن ساق حديث أبي هريرة المذكور في خبث القنفذ - هذا حديث لم يرو إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد فيه ضعف. وممن كره أكل القنفذ. أبو حنيفة وأصحابه. قاله القرطبي وغيره. ومن ذلك حشرات الأرض، كالفأرة، والحيات، والأفاعي، والعقارب، والخنفساء: والعظاية، والضفادع، والجرذان، والوزغ، والصراصير، والعناكب، وسام أبرص، والجعلان، وبنات وردان، والديدان، وحمار قبان، ونحو ذلك. فجمهور العلماء على تحريم أكل هذه الأشياء لأنها مستخبثة طبعاً، والله تعالى يقول: {أية : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} تفسير : [الأعراف: 157]. ومن قال بذلك الشافعي وابو حنيفة، وأحمد وابن شهاب وعروة وغيرهم - رحمهم الله تعالى -. ورخص في أكل ذلك: مالك، واشترط في جواز أكل الحيات أن يؤمن سمها. وممن روي عنه الترخيص في أكل الحشرات، الأوزاعي، وابن أبي ليلى، واحتجوا بما رواه أبو داود والبيهقي، من حديث ملقام بن تلب، عن أبيه تلبِّ بن ثعلبة بن ربيعة التميمي العنبري، رضي الله عنه قال: صحبت النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلم أسمع لحشرة الأرض تحريماً. واحتجوا أيضاً بأن الله حرم أشياء، وأباح أشياء، فما حرم فهو حرام، وما أباح فهو مباح، وما سكت عنه فهو عفو. وقالت عائشة، رضي الله عنها في الفأرة: ما هي بحرام، وقرأت قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} تفسير : [الأنعام: 145] الآية. ويجاب عن هذا بأن ملقام بن تلبّ مستور لا يعرف حاله، وبأن قول أبيه تلبّ بن ثعلبة، رضي الله عنه، لم أسمع لحشرة الأرض تحريماً لا يدل على عدم تحريمها، كما قاله الخطابي، والبيهقي. لأن عدم سماع صحابي لشيء لا يقتضي انتفاءه كما هو معلوم، وبأنه تعالى لم يسكت عن هذا. لأنه حرم الخبائث، وهذه خبائث لا يكاد طبع سليم يستسيغها، فضلاً عن أن يستطيبها، والذين يأكلون مثل هذه الحشرات من العرب، إنما يدعوهم لذلك شدة الجوع، كما قال أحد شعرائهم: شعر : أكلنا الربى يا أم عمرو ومن يكن غريباً لديكم يأكل الحشرات تفسير : والربى جمع ربية، وهي الفأرة. قاله القرطبي، وفي اللسان أنها دوبية بين الفأرة وأم حبين، ولتلك الحاجة الشديدة لما سئل بعض العرب عما يأكلون. قال: كل ما دب ودرج، إلا أم حبين، فقال: لتهن أم حبين العافية. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أباح قتل الفأرة، وما ذكر معها من الفواسق، فدل ذلك على عدم إباحتها. واعلم أن ما ذكره بعض أهل العلم كالشافعي. من أن كل ما يستخبثه الطبع السليم من العرب الذين نزل القرآن عليهم في غير حال ضرورة الجوع حرام. لقوله تعالى: {أية : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} تفسير : [الأعراف: 157] الآية. استدلال ظاهر لا وجه لما رده به أهل الظاهر من أن ذلك أمر لا يمكن أن يناط به حكم. لأنه لا ينضبط. لأن معنى الخبث معروف عندهم، فما اتصف به فهو حرام، للآية. ولا يقدح في ذلك النص على إباحة بعض المستخبثات، كالثوم. لأن ما أخرجه الدليل يخصص به عموم النص، ويبقى حجة فيما لم يخرجه دليل، كما قدمنا. ويدخل فيه أيضاً كل ما نص الشرع على أنه خبيث، إلا لدليل يدل على إباحته، مع إطلاق اسم الخبث عليه. واستثنى بعض أهل العلم من حشرات الأرض الوزغ، فقد ادعى بعضهم الإجماع على تحريمه، كما ذكره ابن قدامة في (المغني) عن ابن عبد البر. قال مقيده - عفا الله عنه -: ويدل له حديث أم شريك المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ، وكذلك روى الشيخان أيضاً من حديث سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، موصولاً عند مسلم، ومحتملاً للإرسال عند البخاري، فإن قوله: وزعم سعد بن أبي وقاص أنه أمر بقتله، محتمل لأن يكون من قول عائشة، ومحتمل لأن يكون من قول عروة، وعليهما، فالحديث متصل، ويحتمل أن يكون من قول الزهري، فيكون منقطعاً، واختاره ابن حجر في (الفتح)، وقال: كأن الزهري وصله لمعمر وصله لمعمر، وأرسله ليونس. اهـ، ومن طريق يونس رواه البخاري، ومن طريق معمر رواه مسلم، وروى مسلم في (صحيحه) من حديث أبي هريرة مرفوعاً، الترغيب في قتل الوزغ، وكل ذلك يدل على تحريمه. واختلف العلماء أيضاً في ابن آوى: وابن عرس: فقال بعض العلماء: بتحريم أكلهما، وهو مذهب الإمام أحمد، وأبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - قال في (المغني): سئل أحمد عن ابن آوى، وابن عرس. فقال: كل شيء ينهش بأنيابه من السباع، وبهذا قال أبو حنيفة، وأسحابه اهـ. ومذهب الشافعي - رحمه الله - الفرق بينهما، فابن عرس حلال عند الشافعية بلا خلاف، لأنه ليس له ناب قوي، فهو كالضب، واختلف الشافعية في ابن آوى. فقال بعضهم: يحل أكله، لأنه لا يتقوى بنابه فهو كالأرنب. والثاني: لا يحل. لأنه مستخبث كريه الرائحة، ولأنه من جنس الكلاب، قاله النووي، والظاهر من مذهب مالك كراهتهما. وأما الوبر، واليربوع، فأكلهما جائز عند مالك وأصحابه. وهو مذهب الشافعي، وعليه عامة أصحابه، إلا أن في الوبر وجهاً عندهم بالتحريم. وقد قدمنا أن عمر أوجب في اليربوع جفرة، فدل ذلك على أنه صيد، ومشهور مذهب الإمام أحمد أيضاً جواز أكل اليربوع، والوبر. وممن قال بإباحة الوبر عطاء: وطاوس، ومجاهد، وعمرو بن دينار، و ابن المنذر، وأبو يوسف. وممن قال بإباحة اليربوع أيضاً: عروة، وعطاء الخراساني، وأبو ثور، وابن المنذر، كما نقله عنهم صاحب (المغني). وقال القاضي من الحنابلة بتحريم الوبر، قال: في (المغني)، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، إلا أبا يوسف، وقال أيضاً: إن أبا حنيفة. قال: في اليربوع أيضاً هو حرام، وروي ذلك عن أحمد أيضاً، وعن ابن سيرين والحكم، وحماده. لأنه يشبه الفأر، ونقل النووي في (شرح المهذب) عن صاحب البيان عن أبي حنيفة تحريم الوبر، واليربوع، والضب، والقنفذ، وابن عرس. وممن قال بإباحة الخلد والضربوب مالك وأصحابه. وأما الأرنب: فالتحقيق أن أكلها مباح لما ثبت في الصحيحين عن أنس، رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم "أهدي له عضو من أرنب فقبله"، وفي بعض الروايات "فأكل منه"، وقال ابن قدامة: في (المغني) أكل الأرنب سعد بن أبي وقاص، ورخص فيها أبو سعيد، وعطاء، وابن المسيب، والليث، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. ولا نعلم أحداً قائلاً بتحريمها، إلا شيئاً روي عن عمرو بن العاص. اهـ. وأما الضب: فالتحقيق أيضاً جواز أكله لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "كلوا أو أطعموا فإِنه حلال". وقال: "لا بأس به، ولكنه ليس من طعامي" يعني الضب، ولما ثبت أيضاً في الصحيحين من حديث خالد، رضي الله عنه: "أنه أكل ضباً في بيت ميمونة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه"، وقد قدمنا قول صاحب البيان عن أبي حنيفة بتحريم الضب. ونقله في (المغني) عن أبي حنيفة أيضاً، والثوري تحريم الضب، ونقل عن علي النهي عنه، ولم نعلم لتحريمه مستنداً، إلا ما رواه مسلم في الصحيح من حديث جابر، رضي الله عنه، حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "أتي بضب، فأبى أن يأكله" قال: "إني لا أدري لعله من القُرون الأولى التي مسخت"،تفسير : وأخرج مسلم نحوه أيضاً من حديث أبي سعيد مرفوعاً، فكأنه في هذا الحديث علل الامتناع منه باحتمال المسخ، أو لأنه ينهش، فأشبه ابن عرس، ولكن هذا لا يعارض الأدلة الصحيحة الصريحة التي قدمناها بإباحة أكله، وكان بعض العرب يزعمون أن الضب من الأمم التي مسخت، كما يدل له قول الراجز: شعر : قالت - وكنت رجلاً فطيناً- هذا - لعمر الله - إسرائينا تفسير : فإن هذه المرأة العربية أقسمت على أن الضب إسرائيلي مسخ. وأما الجراد: فلا خلاف بين العلماء في جواز أكله، وقد ثبت في الصحيحين من حديث حديث : عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد"تفسير : اهـ. وميتة الجراد من غير ذكاة حلال عند جماهير العلماء لحديث "حديث : أحلت لنا ميتتان ودَمان" تفسير : الحديث. وخالف مالك الجمهور، فاشترط في جواز أكله ذكاته، وذكاته عنده ما يموت به بقصد الزكاة، وهو معنى قول خليل بن إسحاق المالكي في مختصره، وافتقر نحو الجراد لها بما يموت به، ولو لم يعجل كقطع جناح. واحتج له المالكية بعدم ثبوت حديث ابن عمر المذكور "أحلت لنا ميتتان" الحديث. لأن طرقه لا تخلو من ضعف في افسناد، أو وقف، والأصل الاحتياج إلى الذكاة لعموم {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} تفسير : [المائدة: 3]، وقال ابن كثير في تفسير آية المائدة. ما نصه وقد قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أحل لنا ميتتان ودمان. فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال:"، وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه، والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. قال الحافظ البيهقي: ورواه إسماعيل بن أبي إدريس عن أسامة، وعبد الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعاً. قلت: وثلاثتهم كلهم ضعفاء، ولكن بعضهم أصلح من بعض، وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر فوقفه بعضهم عليه. قال الحافظ أبو زرعة الرازي: وهو أصح. اهـ من ابن كثير، وهو دليل لما قاله المالكية، والله تعالى أعلم. قال مقيده - عفا الله عنه-: لكن للمخالف أن يقول: إن الرواية الموقوفة على ابن عمر من طريق سليمان ابن بلال عن زيد بن أسلم عنه صحيحة، ولها حكم الرفع. لأن قول الصحابي: أحل لنا، أو حرم علينا له حكم الرفع. لأنه من المعلوم أنهم لا يحل لهم، ولا يحرم عليهم، إلا النَّبي صلى الله عليه وسلم. كما تقرر في علوم الحديث، وأشار النووي في (شرح المهذب) إلى أن الرواية الصحيحة الموقوفة على ابن عمر لها حكم الرفع، كما ذكرنا وهو واضح، وهو دليل لا لبس فيه على إباحة ميتة الجراد من غير زكاة. والمالكية قالوا: لم يصح الحديث مرفوعاً، وميتة الجراد داخلة في عموم قوله {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} تفسير : [المائدة: 3] الآية، وافتقار الجراد إلى الزكاة بما يموت به، كقطع رأسه بنية الذكاة أو صلقه أو قليه. كذلك رواية أيضاً عن الإمام أحمد نقلها عنه النووي في (شرح مسلم) (وشرح المهذب)، والله تعالى أعلم. وأما الطير: فجميع أنواعه مباحة الأكل إلا أشياء منها اختلف فيها العلماء. فمن ذلك كل ذي مخلب من الطير يتقوى به ويصطاد: كالصقر والشاهين والبازي والعقاب والباشق، ونحو ذلك. وجمهور العلماء على تحريم كل ذي مخلب من الطير كما قدمنا، ودليلهم ثبوت النهي عنه في صحيح مسلم وغيره، وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة. ومذهب مالك - رحمه الله - إباحة أكل ذي المخلب من الطير لعموم قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ}تفسير : [الأنعام: 145] الآية. ولأنه لم يثبت عنده نص صريح في التحريم. وممن قال كقول مالك: الليث والأوزاعي ويحيى بن سعيد، وقال مالك: لم أر أحداً من أهل العلم يكره سباع الطير، وقال ابن القاسم: لم يكره مالك أكل شيء من الطير كله الرخم والعقبان والنسور والحدأة والغربان، وجميع سباع الطير وغير سباعها، ما أكل الجيف منها، وما لم يأكلها. ولا بأس بأكل الهدهد والخطاف، وروى على كراهة أكل الخطاف ابن رشد لقلة لحمها مع تحرمها بمن عششت عنده، انتهى من المواق في شرحه لقول خليل في مختصره وطير، ولو جلالة. ومن ذلك الحدأة والغراب الأبقع: لما تقدم من أنهما من الفواسق التي يحل قتلها في الحل والحرم، وإباحة قتلها دليل على منع أكلها، وهو مذهب الجمهور خلافاً لمالك، ومن وافقه كما ذكرنا آنفاً. وقالت عائشة رضي الله عنها: إني لأعجب ممن يأكل الغراب، وقد أذن صلى الله عليه وسلم في قتله، وقال صاحب "المهذب" بعد أن ذكر تحريم أكل الغراب الأبقع، ويحرم الغراب الأسود الكبير لأنه مستخبث يأكل الجيف فهو كالأبقع. وفي الغداف، وغراب الزرع وجهان: أحدهما: لا يحل: للخبر. والثاني: يحل: لأنه مستطاب يلقط الحب فهو كالحمام والدجاج، وقال ابن قدامة في "المغني" ويحرم منها ما يأكل الجيف كالنسور والرخم وغراب البين وهو أكبر الغربان والأبقع. قال عروة: ومن يأكل الغراب، وقد سماه النَّبي صلى الله عليه وسلم فاسقاً؟ والله ما هو من الطيبات اهـ. قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر المتبادر أن كل شيء أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله بغير الذكاة الشرعية أنه محرم الأكل، إذ لو كان الانتفاع بأكله جائزاً لما أذن صلى الله عليه وسلم في إتلافه كما هو واضح. وقال النووي: الغراب الأبقع حرام بلا خلاف للأحاديث الصحيحة، والأسود الكبير فيه طريقان: إحداهما: أنه حرام. والأخرى: أن فيه وجهين: أصحهما التحريم. وغراب الزرع فيه وجهان مشهوران: أصحهما أنه حلال، وهو الزاغ، وهو أسود صغير، وقد يكون محمر المنقار والرجلين اهـ، منه بالمعنى في (شرح المهذب). ومن ذلك الصرد. والهدهد. والخطاف. والخفاش: وهو الوطواط. ومذهب الشافعي: تحريم أكل الهدهد والخطاف. قال صاحب "المهذب": ويحرم أكل الهدهد والخطاف. لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتلهما، وقال النووي في "شرح المهذب" أما حديث النهي عن قتل الهدهد فرواه عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنخلة، والهدهد والصرد" رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ذكره في آخر كتابه، ورواه ابن ماجه في كتاب الصيد بإسناد على شرط البخاري، وأما النهي عن قتل الخطاف فهو ضعيف ومرسل، رواه البيهقي بإسناده عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، وهو من تابعي التابعين، أو من التابعين عن النَّبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى عن قَتل الخطاطيف"، ثم قال: قال البيهقي: هذا منقطع. قال: وروى حمزة النصيبي فيه حديثاً مسنداً إلا أنه كان يرمى بالوضع اهـ. ومما ذكره النووي تعلم أن الصرد والهدهد لا يجوز أكلهما في مذهب الشافعي لثبوت النهي عن قتلهما، وقال النووي أيضاً: وصح عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفاً عليه أنه قال: "لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم، قال البيهقي إسناده صحيح. قال مقيده - عفا الله عنه -: والظاهر في مثل هذا الذي صح عن عبد الله بن عمرو من النهي عن قتل الخفاش والضفدع أنه في حكم المرفوع لأنه لا مجال للرأي فيه. لأن علم تسبيح الضفدع وما قاله الخفاش لا يكون بالرأي، وعليه فهو يدل على منع أكل الخفاش والضفدع. وقال ابن قدامة في "المغني": ويحرم الخطاف والخشاف أو الخفاش وهو الوطواط، قال الشاعر: شعر : مثل النهار يزيد أبصار الورى وراً ويعمي أعين الخفاش تفسير : قال أحمد: ومن يأكل الخشاف؟ وسئل عن الخطاف فقال: لا أدري، وقال النخعي: أكل الطير حلال إلا الخفاش، وإنما حرمت هذه لأنها مستخبثة لا تأكلها العرب اهـ. من المغني. والخشاف هو الخفاش، وقد قدمنا عن مالك وأصحابه جواز أكل جميع أنواع الطير: واستثنى بعضهم من ذلك الوطواط. وفي الببغا والطاوس وجهان للشافعية: قال البغوي وغيره وأصحهما التحريم. وفي العندليب والحمرة لهم أيضاً وجهان: والصحيح إباحتهما، وقال أبو عاصم العبادي: يحرم ملاعب ظله وهو طائر يسبح في الجو مراراً كأنه ينصب على طائر، وقال أبو عاصم أيضاً: والبوم حرام كالرخم، قال: والضوع بضم الضاد المعجمة وفتح الواو وبالعين المهملة حرام على أصح القولين، قال الرافعي: هذا يقتضي أن الضوع غير البوم، قال: لكن في صحاح الجوهري أن الضوع طائر من طير الليل من جنس الهام، وقال المفضل: هو ذكر البوم، قال الرافعي: فعلى هذا إن كان في الضوع قول لزم إجراؤه في البوم لأن الذكر والأنثى من الجنس الواحد لا يفترقان، قاله النووي: ثم قال: قلت: الأشهر أن الضوع من جنس الهام فلا يلزم اشتراكهما في الحكم. وأما حشرات الطير، كالنحل، والزنانير، والذباب، والبعوض، ونحو ذلك: فأكلها حرام عند الشافعي وأحمد، وأكثر العلماء لأنها مستخبثة طبعاً، والله تعالى يقول: {أية : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} تفسير : [الأعراف: 157]. ومن ذلك الجلالة: وهي التي تأكل النجس، وأصلها التي تلتقط الجلة بتثليث الجيم: وهي البعر، والمراد بها عند العلماء: التي تأكل النجاسات من الطير والدواب. ومشهور مذهب الإمام مالك جواز أكل لحم الجلالة مطلقاً، أما لبنها وبولها فنجسان في مشهور مذهبه ما دام النجس باقياً في جوفها، ويطهر لبنها وبولها عنده إن أمسكت عن أكل النجس، وعلفت علفاً طاهراً مدة يغلب على الظن فيها عدم بقاء شيء في جوفها من الفضلات النجسة، وكره كثير من العلماء لحم لجلالة ولبنها، وحجتهم حديث ابن عباس أن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ألبان الجلالة: قال النووي في "شرح المهذب": حديث ابن عباس صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح اهـ. وقال النووي في حد الجلالة: والصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا اعتبار بالكثرة، وإنما الاعتبار بالرائحة والنتن، فإن وجد في عرقها وغيره ريح النجاسة فجلالة، وإلا فلا، وأكل لحم الجلالة وشرب لبنها مكروه عند الشافعية، والصحيح عندهم أنها كراهة تنزيه، وقيل: كراهة تحريم. وقال ابن قدامة في "المغني": قال أحمد: أكره لحوم الجلالة وألبانها. قال القاضي في المجرد: هي التي تأكل القذر، فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها. وفي بيضها روايتان: وإن كان أكثر علفها الطاهر لم يحرم أكلها ولا لبنها، وتحديد الجلالة بكون أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد، ولا هو ظاهر كلامه، لكن يمكن تحديده بما يكون كثيراً في مأكولها ويعفى عن اليسير، وقا لالليث إنما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها إلا الرجيع وما أشبهه، وقال ابن أبي موسى في الجلالة روايتان: إحداهما: أنها محرمة. والثانية: أنها مكروهة غير محرمة، وهذا قول الشافعي، وكره أبو حنيفة لحومها والعمل عليها حتّى تحبس، ورخص الحسن في لحومها وألبانها. لأن الحيوانات لا تتنجس بأكل النجاسات. بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجساً، ولو نجس لما طهر بالإسلام ولا الاغتسال، ولو نجست الجلالة لما طهرت بالحبس اهـ. والظاهر كراهة ركوب الجلالة، وهو مكروه عند الشافعي، وأحمد وعمر وابنه عبد الله، وروي عن ابن عمر مرفوعاً كراهة ركوب الجلالة، أخرجه البيهقي وغيره. والسخلة المرباة بلبن الكلبة حكمها حكم الجلالة فيما يظهر، فيجري فيها ما جرى فيها، والله تعالى أعلم. ومن ذلك الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات أو سمدت بها فأكثر العلماء على أنها طاهرة، وأن ذلك لا ينجسها، وممن قال بذلك مالك والشافعي وأصحابهما خلافاً للإمام أحمد، وقال ابن قدامة في "المغني" وتحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات، أو سمدت بها، وقال ابن عقيل يحتمل أن يكره ذلك ولا يحرم. ولا يحكم بتنجيسها، لأن النجاسة تستحيل في باطنها فتطهر بالاتسحالة. كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان لحماً، ويصير لبناً. وهذا قول اكثر الفقهاء. منهم أبو حنيفة والشافعي، وكان سعد بن أبي وقاص يدمل أرضه بالعرة ويقول: مكتل عرة مكتل بر، والعرة: عذرة الناس، ولنا ما روي عن ابن عباس: كنا نكري أراضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشترط عليهم ألا يدملوها بعذرة الناس، ولأنها تتغذى بالنجاسات، وتترقى فيها أجزاؤها والاستحالة لا تطهر، فعلى هذا تطهر إذا سقيت الطاهرات. كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات". اهـ من المغني بلفظه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أنشأ جنات: خلق جنات جمع جنة وهي البستان. معروشات: ما يعمل له العريش. من العنب، وما لا يعرش له من سائر الأشجار. مختلفاً أكله: أي ثمره الذي يأكله منه. متشابهاً: في الورق وغير متشابه في الحب والطعم. حقه: ما وجب فيه من الزكاة. يوم حصاده: يوم حصاده إن كان حباً وجذاذه إن كان نخلاً. ولا تسرفوا في إخراجه: أي بأن لا تبقوا لعيالكم منه شيئاً. حمولة: الحمولة ما يحمل عليها من الإِبل. وفرشا: الفرش الصغار من الحيوان. خطوات الشيطان: مسالكه في التحريم والتحليل للإِضلال والغواية. أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين: أنثى الضأن وأنثى الماعز ذكراً كان أو أنثى. نبئوني بعلم: خبروني بأيهما حرم بعلم صحيح لا بوسواس الشياطين. أم كنتم شهداء: أي حاضرين وقت تحريمه تعالى ذلك عليكم إن كان قد حرمه كما تزعمون. معنى الآيات: لما توعد الحق تبارك وتعالى المفترين عليه حيث حرموا وحللوا ما شاءوا ونسبوا ذلك إليه إفتراء عليه تعالى، وما فعلوه ذلك إلا لجهلهم بالله تعالى وعدم معرفتهم بعلمه وقدرته وإلا لما اتخذوا له أنداداً من الأحجار وقالوا: شركاؤنا، وشفعاؤنا عند الله. ذكر تعالى في هذه الآيات الأربع مظاهر قدرته وعلمه وحكمته وأمره ونهيه وحجاجه في إبطال تحريم المشركين ما أحل الله لعباده فقال تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ} أي بساتين وحدائق من العنب معروشات أي محمول شجرها على العروش التي توضع للعنب ليرتفع فوقها وغَير معروشات أي غير معرش لها، وأنشأ النخل والزرع مختلفاً ثمره وطعمه، وأنشأ الزيتون والرمان متشابهاً في الورق، وغير متشابه في الحب والطعم أيضاً. وأذن تعالى في أكله وأباحه وهو مالكه وخالقه فقال: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} أي نضج بعض النضج وأمر بإخراج الواجب فيه وهو الزكاة فقال {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} أي بعد درسه وتصفيته إذ لا يعطى السنبل، ونهى عن الإِسراف وهو تجاوز الحد في إخراج الزكاة غلو حتى لا يبقوا لمن يعولون ما يكفيهم، فقال: {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} وأنشأ من الأنعام: الإِبل والبقر والغنم {حَمُولَةً} وهي ما يحمل عليها لكبرها {وَفَرْشاً} وهي الصغار التي لا يحمل عليها، وأذن مرة أخرى في الأكل مما رزقهم سبحانه وتعالى من الحبوب والثمار واللحوم وشرب الألبان، فقال: {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} ونهى عن اتباع مسالك الشيطان في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم فقال: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ} وعلل للنهي فقال: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ومَن عرف عدوه اتقاه ولو بالبعد عنه، وأنشأ {ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} وهما الكبش والنعجة، {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} وهما التيس والعنزة، وأمر رسوله أن يحاج المفترين في التحريم والتحليل فقال له {قُلْ} يا رسولنا لهم {ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} الله عليكم {أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ} أي النعجة والعنزة {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ} فإن قلتم حرم الذكرين فلازم ذلك جميع الذكور حرام، وإن قلتم حرم الأنثيين فلازمه أن جميع الإِناث حرام وإن قلتم حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فكل ما ولد منهما حرام ذكراً كان أو أنثى فكيف إذا حرمتم البعض وحللتم البعض فبأي علم أخذتم نبوئوني به إن كنتم صادقين قوله تعالى {وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ} وهما الناقة والجمل، {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ} وهما الثور والبقرة {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ}، فهل حرم الذكرين أو الأنثيين هذه الأزواج الأربعة فإن حرم الذكرين فسائر الذكور محرمة، وإن حرم الأنثيين فسائر الإِناث محرمة، أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وحينئذ يكون كل مولود منهما محرماً ذكراً كان أو أنثى، وبهذا تبين أنكم كاذبون على الله مفترون فالله تعالى لم يحرم من هذه الأزواج الثمانية شيئاً، وإنما حرم الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه. وقوله تعالى {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ} بهذا التحريم فهو تبكيت لهم وتقريع، إذ لم يحرم الله تعالى هذا الذي حرموه، ولم يوصهم بذلك ولم يكونوا حال الوصية حضوراً، وإنما هو الإِفتراء والكذب على الله تعالى. وأخيراً سجل عليهم أنهم كذبة ظالمون مضلون لغيرهم بغير علم، وأنهم لا يستحقون الهداية فقال عز وجل: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إباحة أكل التمر والعنب والرمان والزيتون. 2- وجوب الزكاة في الزيتون والتمر والحبوب إذا بلغت النصاب وهو خمسة أوسق والوسق ستون صاعاً، والصاع أربع حفنات. 3- جواز الأكل من الثمر قبل جذاذه وإخراج الزكاة منه. 4- حرمة الإِسراف في المال بأن ينفقه فيما لا يعني، أو ينفقه كله ولم يترك لأهله شيئاً. 5- إباحة أكل بهيمة الأنعام وهي ثمانية أزواج، ضأن وماعز، وإبل وبقر وكلها ذكر وأنثى. 6- إبطال تشريع الجاهلية في التحريم والتحليل، فالحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله. 7- جواز الجدال والحجاج لإِحقاق الحق أو إبطال الباطل. 8- لا أظلم من يكذب على الله تعالى، فيشرع لعباده ما لم يشرع لهم.
القطان
تفسير : أنشأ: خلق الجنات: الحدائق والبساتين والكروم الملتفة الاشجار لأنها تجُنُّ الارض وتسترها. معروشات: محمولات على العرائش. غير معروشات: الاشجار التي تقوم عل سوقها ولا تحتاج الى دعائم. الأكُل (بضم الهمزة والكاف): ما يؤكل متشابهاً في النظر وغير متشابه في الطعم. ان اصول الدين التي عُني بها القرآن الكريم واهتم ببيانها وكررها كثيرا هي: التوحيد، ولقد شدَد عليه لانتشار الوثنية في الجاهلية وتعدد الآلهة، والنبوة والبعث والقضاء والقدر. وقد شدد سبحانه وتعالى في تقرير هذه الاصول، وسفّه أراءَ المشركين وبيّن سُخفهم وجهلهم، وجاء هنا ليبيّن عظمة الخالق، والحث على توحيده وإفراده بالعبادة. وأنه خالقُ كل شيء. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ...}. الله وحدَه هو الذي خلق حدائق منها ما يغُرس ويُرفع على دعائم كالعنب وما شابهه، ومنها ما يقوم على ساقِه من مختلِف الأشجار. كذلك خلق النخلَ والزرع الذي يُخرجٍ ثمراً مختلفا في اللون والطعم والشكل والرائحة وغير ذلك، كما خلق الزيتون والرمّان متشابهاً في المنظر، وغير متشابه في الطعم، مع ان التربة قد تكون واحدة وتُسقى بماءٍ واحد. فكُلوا ايها الناس من ثمر ما خلق لكم اذا نضِج وطاب. وأخرِجوا الصدقة منه وقت حصاده، ولا تٌسرفوا في الأكل فَتَضُرُّوا أنفسكم. إن الله لا ير ضى عن المسرِفين في تصرُّفاتهم وأعمالهم. فالله سبحانه بعد ان أعلم بأنه هو الذي انشأ لهم ما في الارض من الشجر والنبات الذي يستعملون منه أقواتهم، أعلَمَهم بأنه أباح لهم ذلك كلَّه، فليس لأحدٍ غيره أن يُحرِّم شيئا منه عليهم، لأن التحريم حق الله وحده. فمن ادّعاه لنفسه فقد جعل نفسه شريكا له تعالى، كما ان من اذعن لتحريم غير الله أشرك معه بعض ما خلق. قراءات: قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم: "حصاده" بفتح الحاء، والباقون بكسر الحاء وهما لغتان.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَنَّاتٍ} {مَّعْرُوشَاتٍ} {مُتَشَابِهاً} {مُتَشَابِهٍ} {وَآتُواْ} (141) - وَرَبُّكُمُ اللهُ، أيُّهَا النَّاسُ، هُوَ الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وَخَلَقَ بَسَاتِينَ فِيهَا أَشْجَارٌ مَعْرُوشَاتٌ - أَيْ مَرْفُوعَاتٌ عَلَى عَرَائِشَ كَأَشْجَارِ الكُرُومِ - وَغَيْرُ مَعْرُوشَاتٍ، وَخَلَقَ الزُّرُوعَ، وَمِنْهَا الحُبُوبُ، وَخَلَقَ النَّخِيلَ مُخْتَلِفاً فِي طَعْمِهِ حِينَ أَكْلِهِ، وَخَلَقَ الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً فِي مَنْظَرِهِ، وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ فِي طَعْمِهِ، مَعْ أَنَّهُ كُلَّهُ يَنْبُتُ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَيُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، فَكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ حِينَ يُثْمِرُ، وَأَدُّوا الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ عَلَيْهِ يَوْمَ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ. وَلا تُسْرِفُوا فِي كُلِّ شَيءٍ: فِي الأَكْلِ وَفِي الإِنْفَاقِ وَفِي اللِّبَاسِ، لأَِنَّهُ تَعَالَى لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ. (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَ مَنْ يَجُزُّ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِقِنْوٍ مِنْهَا يُعَلِّقُهُ فِي المَسْجِدِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ المَسَاكِينُ). وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "حديث : إِذَا حَضَرَكَ المَسَاكِينُ حِينَ الجَنْيِ وَالقِطَافِ طَرَحْتَ لَهُمْ شَيْئاًتفسير : ). مَعْرُوشَاتٍ - مُحْتَاجَةٍ إِلى الرَّفْعِ عَلَى العَرَائِشِ كَأَشْجَارِ الكُرُومِ. مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ - مُخْتَلِفَ الطَّعْمِ حِينَ الأَكْلِ.
الثعلبي
تفسير : {مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} مسموكات مرفوعات وغير مرفوعات قال ابن عباس: معروشات ما انبسط على وجه الأرض وأنتثر ممّا يعرش مثل الكرم والقرع والبطيخ وغيرها، وغير معروشات ما كان على ساق مثل النخيل وسائر الأشجار وما كان على نسق، ومثل [البروج]، وقال الضحاك: معروشات وغير معروشات الكرم خاصة منها ما عرش ومنها ما لم يعرش. وروي عن ابن عباس إيضاً أنَّ المعروشات ما عرش الناس، وغير معروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمار. يدلّ عليه قراءة علي (معروشات وغير معروشات) بالغين والسين. (والنخل) يعني وأنشأ {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ} ثمره وطعمه الحامض والمرّ والحلو والجيّد والرديء وارتفع معنى الأكل [ومختلفاً نعته] إلاّ أنّه لمّا تقدّم النعت على الاسم وولي منصوباً نصب، كما تقول: عندي طبّاخاً غلام وأنشد: شعر : الشر منتشر لقاك (من مرض) والصالحات عليها مغلقاً باب تفسير : {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً} في المنظر {وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} في الطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف، إحداهما حلوة والأخرى حامضة وقد مرّ القول فيه {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} ولا تحرّموه كفعل أهل الجاهلية {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قرأ أهل مكّة والمدينة والكوفة حِصاده بكسر الحاء والباقون بالفتح، وهما واحدة كالجَداد والجِداد [والصَرام والصِرام] واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال ابن عباس وطاووس والحسن وجابر بن زيد ومحمد ابن الحنفية وسعيد بن المسيب والضحاك وابن زيد: [هي الزكاة] المفروضة العُشْر ونصف العشر. وقال عليّ بن الحسين وعطاء وحمّاد والحكم: هو حق في المال سوى الزكاة. قال مجاهد: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، وإذا جذذت فألف لهم من الشماريخ، وإذا درسته ودسته وذرّيته فاطرح لهم منه، وإذا كدسته ونقيته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته. وقال إبراهيم: هو الضغث، قال الربيع: لقاط السنبل. قال مجاهد: كانوا يعلّقون العذق عند الصرام فيأكل منه الضيف [ومن مرَّ به]. قال زيد بن الأصم: كان أهل [الجاهليّة] إذا صرموا يجيئون بالعذق فيُعلّقونه في جانب المسجد فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه ويأخذه. وقال سعيد بن جبير وعطيّة: كان هذا قبل الزكاة فلمّا فرض الزكاة نسخ هذا. وقال سفيان والسدي: سألت عن هذه الآية فقال: نسخها العشر ونصف العشر، قلت: ممّن؟ فقال: من العلماء مقسّم عن ابن عباس: نسخت الزكاة كلّ [صدقة] في القرآن. {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} كان رجال [ينفقونها بالحرام] فيقول الرجل لا أمنع سائلا حتّى [أمسي] فعمد ثابت بن قيس بن شمّاس إلى خمس مائة نخلة فجذها ثمّ قسّمها في يوم واحدولم يترك لأهله شيّئاً فنزلت (ولا تُسرفوا) أي لا تعطوا كلّه، وقال السدي: لا تُسرفوا لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء، وقال سعيد بن المسيّب: لا تمنعوا الصدقة، وقال [يمان بن رئاب]: ولا تُبذّروا تبذيراً، مجاهد وعطية العوفي: ولا تتركوا الأصنام في الحرث والأنعام. وقال الزهري: [فوقعوا في] المعصية، وقال مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفاً ولو أنفق درهماً أو مدّاً في معصية الله [كان] مسرفاً، وفي هذا المعنى قيل لحاتم الطائي: لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير. وقال محمد بن كعب: السرف أن لا يعطي في حق، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الإسراف ما لا يقدر على ردّه إلى الصلاح، والفساد ما يقدر على ردّه إلى الصلاح. قال النضر بن شميل: الإسراف التبذير والإفراط، والسرف الغفلة والجهل. قال الشاعر: شعر : أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية مافي عطائهم منٌ ولا سرف تفسير : قال إياس بن معاوية: ما تجاوز أمر الله فهو سرف، وروى ابن وهب عن ابن زيد قال: الخطاب [للمساكين] يقول: لا تأخذوا فوق حقّكم. {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ} يعني أنشأ من الأنعام {حَمُولَةً} بمعنى كلّ ما محمّل عليها ويركب مثل كبار الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، سمّيت بذلك لأنّها تحمل أثقالهم، قال عنترة: شعر : ما دعاني إلا حمولة أهلها وسط الديار (تسف) حب الخمخم تفسير : والحمولة الأحمال. وقال أهل اللغة: الفعولة بفتح الفاء إذا كانت [يعني] الفاعل استوى فيه المذكّر والمؤنّث نحو قولك: رجل فروقة وامرأة فروقة للجبان والخائف، ورجل صرورة وامرأة صرورة إذا لم يحجا، وإذا كانت بمعنى المفعول فرّق بين الذكر والأُنثى بالهاء كالخلويّة والزكويّة {وَفَرْشاً} والفرش ما يؤكل ويجلب ولا يحمل عليه مثل الغنم والفصلان والعجاجيل، سمّيت فرشاً للطافة أجسامها وقربها من الفرش. هي الأرض المستوية، وأصل الفرش الخفة واللطافة ومنه فراشة العقل وفراش العظام، والفرش أيضاً نبت ملتصق بالأرض (تأكله) الإبل قال الراجز: شعر : كمفشر الناب تلوك الفرشا والفرش: صغار الأولاد من الأنعام تفسير : وقال الراجز: شعر : أورثني حمولة وفرشاً أمشها في كلّ يوم مشاً تفسير : {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} ما حرم الحرث الأنعام {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ثمّ بيّن الحمولة والفرش فقال: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} نصبها على البدل من الحمولة [بالفرض] يعني [واحد من] الأنعام ثمانية أزواج أي أصناف {مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} فالذكر زوج والأُنثى زوج والضأن والنعاج جمعه، واحده: ضائن، والأُنثى: ضائنة، والجمع: ضوائن. قرأ الحسن وطلحة بن مصرف: الضأن مفتوحة الهمزة، والباقون ساكنة الهمزة، تميم بهمزة وسائر لا بهمزة {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} والمعز المعزى لا واحد له من لفظه، وأمّا الماعز فجمعه معيزة وجمع الماعزة مواعز، وقرأ أهل المدينة والكوفة: من المعز ساكنة العين والباقون بالفتح، وفي مصحف أُبيّ: من المعزى، وقرأ أبان بن عثمان: من الضأن اثنان ومن المعز اثنين، قل يا محمد: {ءَآلذَّكَرَيْنِ} حرّم الله عليكم؟ ذكر الضأن {حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ} والمعز؟ أم أُنثييهما [والنصب] قوله {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ} منهما {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} {وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ}. وذلك أنّهم كانوا يقولون هذه أنعام [وحرث حجر]، وقالوا: أمّا في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرّم على أزواجنا، فحرّموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. حديث : فلما قام الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان خطيبهم يومئذ مالك بن عوف وأبو النضر [النصري] فقال:يا محمد [رأينا] أنّك تحرّم ما كان أباؤنا يفعلونه؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم قد حرّمتم أصنافاً من النعم على [غير........] إن الله خلق هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها فمن أين حرمت ذكران هذه النعم على نسائكم دون رجالكم؟ فإن زعمتم أن تحريمه من أجل الذكران وجب أن تحرموا كل ذكر، لأن للذكر فيها حظاً، وإن زعمتم أنّ تحريمه من جهة الأنثى وجب أن تحرموا كل انثى لأن للأناث فيها حظّاً، وإن زعمتم أن تحريمه لإجتماع الذكر والأنثى فيه وما اشتمل الرحم عليه وجب أن تحرّموا الذكر والأنثى والحي والميّت، لأنَّه لا يكون ولد إلاّ من ذكر وأنثى ولا يشتمل الرحم إلاّ على ذكر وأنثى، فَلِم تحرمون بعضاً وتحّلون بعضاً؟ فسكت. فلما لزمته الحجّة أخذ بالإفتراء على الله فقال: كذا أمرنا الله فقال الله تعالى {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} [حضوراً] {إِذْ وَصَّاكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا} . تفسير : {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقول الحق: {أَنشَأَ} أي أوجد على إبداع لم يسبق له مثيل فلم يكن هناك نماذج توضيحية تدل الله سبحانه، وإنما ابتدأها على غير مثال سابق؛ لأنه لا يوجد خالق سواه. والخالق إذا لم يكن هناك سواه من شريك أو ندٍ فإنه حين يخلق إنما ينشىء خلقاً على غير نظام أو مثالٍ كان قد سبقه. وكلمة {جَنَّاتٍ} تؤدي ما نعرفه من المكان المحدد الذي يجمع صنوف الزروع والثمار مما نقتات، ومما نتفكه به، وتسمى جَنَّة وتسمى جَنَّات؛ لأن المادة كلها تدل على الستر وعلى التغطية، ومنه الجُنون لأن فيه ستراً للعقل، ومنها الجنِّ لأنهم مستورون عن رؤية العين، وكذلك "المِجَنّ" لأنه الذي يستر عن الإِنسان طعنات الخصم. والجَنَّة هي المكان الممتلئ بالزرع والثمار وتعلو الأشجار فيه وتكثف وتلتف أغصانها وفروعها بحيث تستر من يكون بداخلها وتستره أيضاً عن بقية الأمكنة؛ لأنه لا حاجة له إلى الأمكنة الأخرى؛ ففي الجنة كل مقومات الحياة من غذاء وفاكهة ومرعى، وماء وخضرة ومتعة، وفيها كل شيء. كما تسمى البيت العظيم المكتمل الذي يضم ويشتمل على كل المرافق "قصراً" لأنَّه قَصَرَك على أي مكان سواه؛ لأن فيه الأشياء التي تحتاج إليها كلها، فلا تحتاج إلى شيء بعده. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ..} [الأنعام: 141] ومادة العرش تدل على العلو، ومنه قيل للسقف "عرش" ويطلق العرش أيضاًَ على السرير؛ مثل قوله الحق" {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ}. ويطلق العرش على الملك مثل قوله الحق: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}. كل ذلك يدل على "العلو" وقوله الحق هنا: {مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ}، أي أن الزرع من نوع العنب، حين نعني به نجعل له القوائم والقواعد التي يقوم عليها؛ لأن امتداد أغصانه اللينة لا تنهض أن تقوم وحدها، ولكن هناك نوع أيضاً يقوم وحده نسميه العنب الأرضي، وكأن الكلام فيما يختص بالكَرْم. أي: أنك إذا ما نظرت إلى الزرع الذي لا ساق له كالبطيخ، والشمام، وكالكوسة، وكل الزروع التي ليس لها ساق تجدها مفروشة في الأرض أي غير قائمة على قواعد وقوائم وعروش. وإن كنا الآن نحاول أن نرفعها لنعطي لها قوة الإنتاج. والكلام جاء على ما كان موجوداً عند العرب أيام بعثة النبي صلى الله عليه وسلم {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ}. والزرع يطلق ويراد به ما نقتات به من الحبوب. {مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ..} [الأنعام: 141} وحين ننظر إلى هذه الآية نجد أنه قد سبقتها آية فيها كل هذه المعاني يقول سبحانه: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنعام: 99] وبعض الناس يحاولون نقد القرآن فيقولون: إنه يكرر المعاني الواحدة؛ لأنهم لا يمتلكون فطنة أن المتكلم هو الله، وسبحانه يتكلم في كل شيء لأمر حكيم، فهو هنا يتكلم عن هذه الأشياء كدليل على الخالق ووحدانيته بدليل أنه ذيل الآية بقوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، ولكن الكلام في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد جاء بقصد الحديث عن الانتفاع بها فيقول: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ...} [الأنعام: 141] ولا شك أن استقامة العقيدة بالإيمان بالإِله الواحد تحتاج إلى الدليل أولاً؛ لأن فائدتها أشمل، وأعم، وأعمق، وأخلد من الأكل، لأن الأكل قصارى ما فيه أنه يقوتنا هذه الحياة، ولكن الأدلة الأولى تعطينا الثواب الباقي والنعيم المقيم؛ لذلك فالآية الأولى متعلقة بالدليل، وهذه الآية متعلقة بالانتفاع، وهنا نلاحظ أنه قال: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ}، وفي هذه إباحة لتناول الأشياء منه قبل أن تنضج دون أن يترتب على ذلك لون من الضرر وإلا عالجناها بما يزيل وينفي عنا الضرر، فإذا ما وجدت ثماراً لم تنضج لك أن تأكل منها، ولم يجعل الحق لنا حرجاً فيما نحرث ونبذر ونروي ولكن الله سبحانه هو الذي يزرع ونحن نأكل منه، ونجد أهل الريف يشوون الذرة قبل أن تنضج ويقول سبحانه: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}. لقد قالوا إن الآية مختصة بما يُحصَد وهي الزروع، أما الأشياء التي لا يقال فيها: حصد فهي خارجة عن ذلك مثل الفواكه، لكن الإِمام أبا حنيفة يرفض ذلك ويرى: أن كل ما تنبته الأرض ينطبق عليه هذا النص؛ لأنه لا يصح أن تأخذ معنى الحصاد على العرف، ولكن بفهم اللغة. ما معنى الحصاد في اللغة؟. الحصاد في اللغة القطع، فحينما تفصل الثمرة المطلوبة فهذا هو الحصاد. ولكن يوم الحصاد للحبوب؛ تكون الغلال في السنابل، ويرى الإِمام أبو حنيفة أن تعطي من البداية لمن حضر القسمة، وكذلك حينما تدرسه وتذريه تعطي، وعندما تغربل الحبوب أعط أيضاً، ويبتدئ الحصاد من ساعة أن تُكيل، وما تقدم غير محسوب، ما تأتيه من الحق يوم حصاده هو غير المفروض؛ لأنه لم يقل الحق المعلوم، وفي هذا اتساع لدائرة امتداد الخير إلى غير الزارعين. {... وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] والإسراف هو مجاوزة الحد، والبعض قد فسّر الإِسراف بالزيادة فقط، ولكن الحقيقة أن أي تجاوز للحد زيادة أو نقصاً يسمى إسرافا؛ لأنه مأخوذ من "سرف الماء"، وهو أن يُطلق الماء ويذهب في غير نفعٍ، وسيدنا مجاهد يقول: لو أن للإِنسان مثل جبل أبي قبيس ذهباً ثم أنفقه في حلّ ما عُدَّ سرفاً، ولو صرف درهماً واحداً في معصية يعد سرفاً. إذن فمعنى: "ولا تسرفوا" أمران اثنان بمعنى لا تتجاوزوا الحدود التي شرعها الحق فتستعملوا هذا في معصية، أو لا تسوفوا في أن تعطوا للفقير أقل مما يستحق. وكان حاتم الطائي كريماً جداً، وقعدوا يلومونه على هذا الكرم، فقال واحد له: لا خير في السرف. رد عليه فقال له: ولا سرف في الخير. أي أنه مادام في الخير فلا يكون سرفاً. وإذا كنا سنأخذ الأمر على المعنيين الاثنين: النقص والزيادة، فما المانع أن نعطي للفقير أكثر؟. ويحكي الأثر أن أناساً قد تأخذهم الأريحية والنشاط للبذل والعطاء ساعة يرون كثرة غلتهم، وما أفاء الله عليهم من ريع أرضهم. إنهم يعطون الكثير مثلما عمل ثابت بن قيس، وكان عنده خمسون نخلة وجزها وأعطاها كلها للفقراء، ولم يترك لأولاده شيئاً. فلما رُفِع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أعط ولا تسرف، لماذا؟ مخافة أن تحتاج بعد ذلك إلى ما أعطيت فتندم على أنك أعطيت. ويقول الحق بعد ذلك: {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً..}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لمّا أخبر تعالى عن المشركين أنهم حرّموا أشياء مما رزقهم الله وحكى طرفاً من قبائحهم وجرائمهم، ذكر تعالى هنا ما امتنَّ به عليهم من الرزق الذي تصرفوا فيه بغير إِذنه تعالى افتراءً منهم عليه واختلاقاً، ثم أعقبه باحتجاجهم على الشرك وعدم الإِيمان بالقضاء والقدر، وهذا أيضاً من جملة الكذب والبهتان والافتراء على الله. اللغَة: {مَعْرُوشَاتٍ} مرفوعات على ما يحملها من العيدان {حَصَادِهِ} الحصاد: جمع الثمر كالجُذاذ {حَمُولَةً} الحمولة: الإِبل التي تحمل الأثقال على ظهورها {فَرْشاً} الفرش: الصغار التي لا تصلح للحمل كالفُصلان والعجاجيل قال الزجاج: الفرشُ صغار الإِبل قال الشاعر: شعر : أورثني حمولةً وفرْشاً أمُشُّها في كلِّ يومٍ مَشَاً تفسير : {ٱلْحَوَايَآ} قال الواحدي: هي المباعر والمصارين واحدتها حاوية وحويّة وقيل: الحوايا الأمعاء التي عليها الشحوم سميت حوايا لأن البطن يحويها {هَلُمَّ} هاتوا {يَعْدِلُونَ} يشركون به. التفسِير: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} أي هو الذي أنعم عليكم بأنواع النعم لتعبدوه وحده، فخلق لكم بساتين من الكروم منها مرفوعات على عيدان، ومنها متروكات على وجه الأرض لم تعرش {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ} أي وأنشأ لكم شجر النخيل المثمر بما هو فاكهة وقوت، وأنواع الزرع المحصّل لأنواع القوت مختلفاً ثمره وحبُّه في اللون والطعم والحجم والرائحة {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} أي متشابهاً في اللون والشكل وغير متشابه في الطعم {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} أي كلوا أيها الناس من ثمر كل واحد مما ذكر إِذا أدرك من رطبه وعنبه {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} أي أعطوا الفقير والمسكين من ثمره يوم الحصاد ما تجود به نفوسكم وقال ابن عباس: يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيْلُه {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي ولا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن قال الطبري: المختار قول عطاء أنه نهيٌ عن الإِسراف في كل شيء {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} أي وخلق لكم من الأنعام ما يحمل الأثقالَ وما يُفرش للذبح "أي يضجع" قال ابن أسلم: الحمُولةُ ما تركبون، والفَرْشُ ما تأكلون وتحلبون {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} أي كلوا من الثمار والزروع والأنعام فقد جعلها الله لكم رزقاً {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} أي طريقه وأوامره في التحليل والتحريم كفعل أهل الجاهلية {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي إِن الشيطان ظاهر العداوة للإِنسان فاحذروا كيده {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} أي وأنشأ لكم من الأنعام ثمانية أنواعٍ أحلّ لكم أكلها، من الضأن ذكراً وأنثى، ومن المعز ذكراً وأنثى قال القرطبي: يعني ثمانية أفرادٍ، وكلُّ فردٍ عند العرب يحتاج إِلى آخر يُسمَّى زوجاً فيقال للذكر: زوجٌ وللأنثى زوجٌ ويراد بالزوجين من الضأن: الكبشُ والنعجة، ومن المعز: التيسُ والعنز {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ}؟ هذا إِنكارٌ لما كانوا يفعلونه من تحريم ما أحلَّ الله أي قل لهم يا محمد على وجه التوبيخ والزجر: آلذكرين من الضأن والمعز حرّم الله عليكم أيها المشركون أم الانثيين منهما؟ {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ} أي أو ما حملت إِناث الجنسين ذكراً كان أو أنثى؟ {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تعجيزٌ وتوبيخ أي أخبروني عن الله بأمرٍ معلوم لا بافتراءٍ ولا بتخرص إِن كنتم صادقين في نسبة ذلك التحريم إِلى الله {وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ} أي وأنشأ لكم من الإِبل اثنين هما الجمل والناقة ومن البقر اثنين هما الجاموس والبقرة {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ}؟ كرره هنا مبالغة في التقريع والتوبيخ قال أبو السعود: والمقصود إِنكار أن الله سبحانه حرّم عليهم شيئاً من الأنواع الأربعة وإِظهار كذبهم في ذلك فإِنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارةً، وإِناثها تارةً، وأولادها تارة أخرى {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا} زيادة في التوبيخ أي هل كنتم حاضرين حين وصاكم الله بهذا التحريم؟ وهذا من باب التهكم {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله فنسب إِليه تحريم ما لم يحرّم بغير دليلٍ ولا برهان {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} عمومٌ في كل ظالم، ثم أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبيّن لهم ما حرمه الله عليهم فقال {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} أي قل يا محمد لكفار مكة لا أجد فيما أوحاه الله إِليَّ من القرآن شيئاً محرماً على أيّ إِنسان إِلا أن يكون ذلك الطعام ميتةً أو دماً سائلاً مصبوباً أو يكون لحم خنزير فإِنه قذرٌ ونجس لتعوده أكل النجاسات {أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} أي أو يكون المذبوح فسقاً ذبح على اسم غير الله كالمذبوح على النُّصب، سُميّ فسقاً مبالغةً كأنه نفس الفسق لأنه ذبح على اسم الأصنام {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي من أصابته الضرورة واضطرته إِلى أكل شيء من المحرمات فلا إِثم عليه إِن كان غير باغٍ أي غير قاصد التلذذ بأكلها بدون ضرورة ولا عادٍ أي مجاوزٍ قدر الضرورة التي تدفع عنه الهلاك فالله غفور رحيم بالعباد، ثم بيّن تعالى أن ما حرّمه على اليهود إِنما كان بسبب بغيهم وعصيانهم فقال {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} أي وعلى اليهود خاصةً حرمنا عليهم كل ذي ظُفر قال ابن عباس: هي ذوات الظِّلْفِ كالإِبل والنعام وما ليس بذي أصابع منفرجة كالبط والأوز {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ} أي وحرّمنا عليهم أكل شحوم البقر وشحوم الغنم {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} أي إِلا الشحم الذي علق بالظهر منهما {أَوِ ٱلْحَوَايَآ} أي الأمعاء والمصارين {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} كشحم الألية والمعنى أن الشحم الذي تعلَّق بالظهور أو احتوت عليه المصارين أو اختلط بعظم كشحم الألية جائز لهم {ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} أي ذلك التحريم بسبب ظلمهم وعدوانهم الذي سبق من قتل الأنبياء وأكل الربا واستحلال أموال الناس بالباطل وإِنّا لصادقون فيما قصصنا عليك يا محمد، وفي ذلك تعريضٌ بكذب من حرّم ما لم يحرّم الله والتعريض بكذب اليهود {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} أي فإِن كذبك يا محمد هؤلاء اليهود فيما جئت به من بيان التحريم فقل متعجباً من حالهم ربكم ذو رحمةٍ واسعة حيث لم يعاجلكم بالعقوبة مع شدة إِجرامكم قال في البحر: وهذا كما تقول عند رؤية معصيةٍ عظيمة: ما أحلم الله تعالى! وأنت تريد ما أحلمه لإِمهاله العاصي، ثم أعقب وصفه بالرحمة الواسعة بالوعيد الشديد فقال {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي لا تغتروا بسعة رحمته فإِنه لا يُردُّ عذابه وسطوتُه عمن اكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات فهو مع رحمته ذو بأس شديد، وقد جمعت الآية بين الترغيب والترهيب حتى لا يقنط المذنب من الرحمة ولا يغتر العاصي بحلم الله. {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} أي سيقول مشركو العرب لو أراد الله ما كفرنا ولا أشركنا لا نحن ولا آباؤنا يريدون أن شركهم وتحريمهم لما حرّموا كان بمشيئة الله ولو شاء ألا يفعلوا ذلك ما فعلوه، فاحتجوا على ذلك بإِرادة الله كما يقول الواقع في معصية إِذا طلب منه الإِقلاع عنها: هذا قدرُ الله لا مهربَ ولا مفرَّ منه، ولا حجة في هذا لأنهم مكلفون مأمورون بفعل الخير وترك القبيح ولكنها نزعةٌ جبرية يحتج بها السفهاء عندما تدمغهم الحجة قال تعالى في الرد عليهم {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا} أي كذلك كذَّب من سبقهم من الأمم حتى أنزلنا عليهم العذاب {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ} استفهام إِنكاري يقصد به التهكم أي قل لهم هل عندكم حجة أو برهان على صدق قولكم فتظهروه لنا {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} أي ما تتبعون في ذلك إِلا الظنون والأوهام وما أنتم في الحقيقة إِلا تكذبون على الله عز وجل {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} أي قل لهم إِن لم تكن لكم حجة فللّه الحجة البينة الواضحة التي بلغت غاية الظهور والإِقناع، فلو شاء لهداكم إِلى الإِيمان أجمعين ولكنه تعالى ترك للخلق أمر الاختيار في الإِيمان والكفر ليتم التكليف {أية : وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29] {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا} أي قل لهم يا محمد احضروا لي من يشهد لكم على صحة ما تزعمون أن الله تعالى حرَّم هذه الأشياء التي تدَّعونها من البحيرة والسائبة وغيرهما {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} أي فإِن حضروا وكذبوا في شهادتهم وزوَّروا فلا تشهد بمثل شهادتهم ولا تصدّقهم فإِنه كذبٌ بحتٌ {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي ولا تتبع أهواء المكذبين بآيات الرحمن الذين لا يصدقون بالآخرة {وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أي وهم يشركون بالله غيره فيعبدون الأوثان. البَلاَغَة: 1- {حَمُولَةً وَفَرْشاً} بينهما طباقٌ لأن الحمولة الكبارُ الصالحة للحمل، والفرشُ الصغار الدانية من الأرض كأنها فرش. 2- {خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} هذا من لطيف الاستعارة وهي أبلغ عبارة للتحذير من طاعة الشيطان والسير في ركابه. 3- {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} من صيغ المبالغة أي مبالغ في المغفرة والرحمة. 4- {رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} جاءت الأولى جملة اسمية لأنها أبلغ في الإِخبار من الفعلية فناسبت وصفه تعالى بالرحمة الواسعة وجاءت الجملة الثانية فعلية {وَلاَ يُرَدُّ} لئلا يتعادل الإِخبار عن الوصفين، وباب الرحمة أوسع أفاده في البحر. فَائِدَة: في قوله تعالى {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} إِيذان بأن التحريم إِنما يعلم بالوحي لا بالهوى، وأن الله جل وعلا هو المشرع للأحكام والرسول مبلّغٌ عن الله ذلك التشريع كقوله {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} تفسير : [النجم: 2 - 3]
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ} قَد عَرُشَ عِنَبُها {وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ} من النَّخلِ وَمن سَائِرِ الشَّجرِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر بربوبيته عن هويته، بقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ} [الأنعام: 141]، إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأنعام: 144]، الإشارة فيها: إن الله تعالى عرَّف ذاته بصفاته، وقال: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ}؛ بساتين في الظاهر كما مرَّ ذكره في المعاني، وبساتين في القلوب، مغروسات وغير مغروسات، كما هي قراءة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ورضي الله عنه - فالمغروسات: لمغرسة الله تعالى في أرض القلوب من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان، وما يتعلق بصفات الحق تعالى، كما قال جل جلاله: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [إبراهيم: 24]، وغير المغروسات: هي أشجار من صفات الروحانية، التي جبلت القلوب عليها مثل: السخاء والحياء والوفاء والمروة والفتوة والشفقة والعفة والحلم والعلم والعقل والشجاعة والقناعة وأمثالها، فإن بساتين القلوب بها موفقة، وشموس الأسرار منها مشرقة، وأنهار المعارف فيها زاخرة، وأزهار الشواهد عنها زاهرة. {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ} [الأنعام: 141]، يشير إلى: نخل الإيمان، وزرع للأعمال الصالحة، وزيتون الأخلاق الحميدة، {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} [الأنعام: 141]؛ يعني: انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والأخلاق والإخلاص بالشواهد، والأحوال بالدَّعاوي، والنيل قبل الإثمار، {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، حقه دعوة الخلق بالحكمة والموعظة إلى الحق وتربيتهم بالتسليك إليه، ويشير بيوم الحصاد: إلى أوآن بلوغ سلوك السالك مبلغ الرجال البالغين، عند إدراكه ثمرة الكمال للواصلين، دون السالك الذي يعد متردد بين المنازل والمراحل، فإن اشتغل بالدعوة ينقطع عن الوصول والوصال، والبلوغ إلى الكمال، {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} [الأنعام: 141]، والإسراف عند القوم: الشروع في الكلام قبل وقته والحرص على الدعوة، {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]، الموصوفين بهذه الصفات الممكورين المنكورين {وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} [الأنعام: 142]، يشير بها: إلى أن الصفات الحيوانية التي هي مركزة في الإنسان، منها: ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها: ما هو مستعد للأكل والشرب لعلاج القالب في قوام البشرية وقوام الإنسانية. {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} [الأنعام: 142]، فالرزق لا يتخصص بالمأكولات فحسب، بل هو شائع في جميع ما يحصل به الانتفاع، فالظاهر رزق: وهو النعم، والباطن رزق: وهو الكرم، فرزق القلب: هو التحقيق من حيث البرهان، ورزق السر: هو شهود العرفان بلحظة العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق، {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ} [الأنعام: 142]، في ترك الانتفاع ببعض هذه الأرزاق، ومبالغة الانتفاع ببعضها، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [الأنعام: 142]، يخرجكم بالتفريط والإفراط عند حد الاعتدال. ثم أشار إلى: تلك الصفات المذكورة، وأربعة منها بمثابة الحيوانية، وشرحها بقوله تعالى: {ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ} [الأنعام: 143]، أي: من ثمانية صفات؛ أربعة منها بمثابة الأثاث، يتولد من كل ذكر أو أنثى، منها صفات أخرى ليست واحدة منها موصوفة في محلها، أو محرمة، بل جميعها حميدة مندوب إليها في محلها، إذا كانت محروزة عن طرف الإفراط والتفريط. ومنها ما أشار إليه، بقوله تعالى: {مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} [الأنعام: 143]، يعني: بهما الذكر والأنثى، {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ} [الأنعام: 143]، {وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ}، والضأن والمعز جنس واحد في الفرشية، كما أن الإبل والبقر جنس واحد في الحمولة، فيشير: بالضأن والمعز إلى الصفات البهيمية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكور؛ وهما: صفة شهوة البطن، وشهوة الفرج، واثنين منهما بمثابة الأنثى؛ وهي: صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها، والتسليم عند تحمل الأذى وإصابة الخير منها، ما أشار إليها، بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ} [الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ} [الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، والإبل والبقر من جنس واحد، أراد في الحمولة، فيشير: بالإبل والبقر إلى الصفات الحيوانية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكر؛ وهما: صفتا الظلومية والجهولية، واثنان منها بمثابة الأنثى؛ وهما: الحمولية والاستسلام، فهذه الصفات صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها أشفقن منها، وهي أيضاً حملة عرش القلب، كما أن الملائكة الذين يحملون فوقهم عرش ربك ثمانية، فافهم جيداً. ثم قال تعالى: {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ} [الأنعام: 144]؛ يعني: من بعد هذه الصفات {حَرَّمَ} [الأنعام: 144]، أي: أمر الله فيها، ومحوها وترك استعمالها، كما هو مذهب الفلاسفة في نفي الصفات الحيوانية والبهيمية، {أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ} فما مر ذكرها {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا} [الأنعام: 144]، يعني: المتولدة من هذه الصفات الثمانية، عند استعمالها على قانون الشريعة ودعائم دقائق الطريقة في تزكيتها وتثبيتها على صراط مستقيم الاعتدال، {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ} [الأنعام: 143]، معقول، أو منقول، أو منظور، أو مشاهد مكشوف، {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ} [الأنعام: 143]، أيها المتفلسفة الظَّالُّون عن متابعة الأنبياء والأولياء والمرسلين. ثم قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} [الأنعام: 144]، أي: من الذين يدعون الحكمة، ويقولون: قد أغنانا الله تعالى عن متابعة الأنبياء، والأنبياء حكم، ونحن أيضاً حكماً، {لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ} [الأنعام: 144]، بهذه الشبهة وغيرها من الشبهات، {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 144]، أي: حكمة أتاهم الله من فضله، كما أتاها أنبياءه وأولياءه، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأنعام: 144]، إلى طريق السداد وسبيل الرشاد، وهم في الضلالة دائمون، وعلى ظلم الإضلال قائمون.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى تصرف المشركين في كثير مما أحله الله لهم من الحروث والأنعام، ذكر تبارك وتعالى نعمته عليهم بذلك، ووظيفتهم اللازمة عليهم في الحروث والأنعام فقال: { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ } أي: بساتين، فيها أنواع الأشجار المتنوعة، والنباتات المختلفة. { مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } أي: بعض تلك الجنات، مجعول لها عرش، تنتشر عليه الأشجار، ويعاونها في النهوض عن الأرض.وبعضها خال من العروش، تنبت على ساق، أو تنفرش في الأرض، وفي هذاتنبيه على كثرة منافعها، وخيراتها، وأنه تعالى، علم العباد كيف يعرشونها، وينمونها. { وَ } أنشأ تعالى { النخل وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } أي: كله في محل واحد، ويشرب من ماء واحد، ويفضل الله بعضه على بعض في الأكل. وخص تعالى النخل والزرع على اختلاف أنواعه لكثرة منافعها، ولكونها هي القوت لأكثر الخلق. { وَ } أنشأ تعالى { الزيتون وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا } فيشجره { وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } في ثمره وطعمه. كأنه قيل: لأي شيء أنشأ الله هذه الجنات، وما عطف عليها؟ فأخبر أنه أنشأها لمنافع العباد فقال: { كُلُوا مِنْثَمَرِهِ } أي: النخل والزرع { إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } أي: أعطوا حقالزرع، وهو الزكاة ذات الأنصباء المقدرة في الشرع، أمرهم أن يعطوها يوم حصادها، وذلك لأن حصاد الزرع بمنزلة حولان الحول، لأنه الوقت الذي تتشوف إليه نفوس الفقراء، ويسهل حينئذ إخراجه على أهل الزرع، ويكون الأمر فيها ظاهرا لمن أخرجها، حتى يتميز المخرج ممن لا يخرج. وقوله: { وَلا تُسْرِفُوا } يعم النهي عن الإسراف في الأكل، وهو مجاوزة الحد والعادة، وأن يأكل صاحب الزرع أكلا يضر بالزكاة، والإسراف في إخراج حق الزرع بحيث يخرج فوق الواجب عليه، ويضر نفسه أو عائلته أوغرماءه، فكل هذا من الإسراف الذي نهى الله عنه، الذي لا يحبه الله بل يبغضه ويمقت عليه. وفي هذه الآية دليل على وجوب الزكاة في الثمار، وأنه لا حول لها، بل حولها حصادها في الزروع، وجذاذ النخيل، وأنه لا تتكرر فيها الزكاة، لو مكثت عند العبد أحوالا كثيرة، إذا كانت لغير التجارة، لأن الله لم يأمر بالإخراج منه إلا وقت حصاده. وأنه لو أصابها آفة قبل ذلك بغير تفريط من صاحب الزرع والثمر، أنه لا يضمنها، وأنه يجوز الأكل من النخل والزرع قبل إخراج الزكاة منه، وأنه لا يحسب ذلك من الزكاة، بل يزكي المال الذي يبقى بعده. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يبعث خارصا، يخرص للناس ثمارهم، ويأمره أن يدع لأهلها الثلث، أو الربع، بحسب ما يعتريها من الأكل وغيره، من أهلها، وغيرهم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 274 : 13 : 10 - سفين عن المغيرة عن إبراهيم في قوله {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال، نسختها العشر ونصف العشر. [الآية 141]. 275 : 14 : 11 - سفين عن منصور عن مجاهد قال، يخرج شيئا من السنبلة سوى زكاته، ثم يخرج زكاته بعد. 276 : 15 : 17 - سفين قال. لما نزلت {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} جعل ثابت بن قيس بن شماس يعطي. لا يجيء أحد إلاَّ أعطاه. فنزلت {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} ابق لعيالك. [الآية 141].
همام الصنعاني
تفسير : 859- حدثنا عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيهِ، ومَعْمَر عن قتادةَ، في قوله تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}: [الآية: 141]، قالا: هو الزكاة. 860- عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الآية: 141]، قال: عند الزرع يعطى القبص، وعند الصرام يعطى القبض ويتركهم يتبعون آثار الصرام. 861- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، قال: كانوا يعلِّقون العزق عند الصِّرامِ فيأكل منه الضيف ومَنْ مَرَّ بِهِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):