٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
142
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية إنعامه على عباده بالمنافع النباتية أتبعها بذكر إنعامه عليهم بالمنافع الحيوانية. فقال: {وَمِنَ ٱلانْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: «الواو» في قوله: {وَمِنَ ٱلأنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا } توجب العطف على ما تقدم من قوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ } تفسير : [الأنعام: 141] والتقدير: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشاً وكثر أقوالهم في تفسير الحمولة والفرش وأقربها إلى التحصيل وجهان: الأول: أن الحمولة ما تحمل الأثقال والفرش ما يفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش. والثاني: الحمولة ـ الكبار التي تصلح للحمل، والفرش ـ الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض بسبب صغر أجرامها مثل الفرش المفروش عليها. ثم قال تعالى: {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } يريد ما أحلها لكم. قالت المعتزلة: إنه تعالى أمر بأكل الرزق، ومنع من أكل الحرام، ينتج أن الرزق ليس بحرام. ثم قال: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما فعله أهل الجاهلية {خُطُوٰتِ } جمع خطوة وهي ما بين القدمين قال الزجاج: وفي {خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } ثلاثة أوجه: بضم الطاء وفتحها وبإسكانها، ومعناه: طرق الشيطان أي لا تسلكوا الطريق الذي يسوله لكم الشيطان. ثم قال تعالى: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } أي بين العداوة، أخرج آدم من الجنة، وهو القائل {أية : لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 62]. ثم قال تعالى: {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } وفيه بحثان: البحث الأول: في انتصاب قوله: {ثَمَـٰنِيَة } وجهان: الأول: قال الفراء: انتصب ثمانية بالبدل من قوله: {حَمُولَةً وَفَرْشًا } والثاني: أن يكون التقدير: كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج. البحث الثاني: الواحد إذا كان وحده فهو فرد، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي زوجاً، وهما زوجان بدليل قوله: {أية : خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }تفسير : [النجم: 45] وبدليل قوله: {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } ثم فسرها بقوله: {مّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ... وَمِنَ ٱلإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ }. ثم قال: {وَمِنْ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ } يعني الذكر والأنثى، والضأن ذوات الصوف من الغنم. قال الزجاج: وهي جمع ضائن وضائنة مثل تاجر وتاجرة ويجمع الضأن أيضاً على الضئين بكسر الضاد وفتحها وقوله: {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ } قرىء {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ } بفتح العين، والمعز ذوات الشعر من الغنم ويقال للواحد: ماعز وللجمع: معزى. فمن قرأ {ٱلْمَعْزِ } بفتح العين فهو جمع ماعز، مثل خادم وخدم وطالب وطلب، وحارس وحرس. ومن قرأ بسكون العين فهو أيضاً جمع ماعز كصاحب وصحب، وتاجر وتجر، وراكب وركب. وأما انتصاب اثنين فلأن تقدير الآية أنشأ ثمانية أزواج أنشأ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين وقوله: {قُلْ ءآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ } نصب الذكرين بقوله: {حَرَّمَ } والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله. قال المفسرون: إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يحرمون بعض الأنعام، فاحتج الله تعالى على إبطال قولهم بأن ذكر الضأن والمعز والإبل والبقر وذكر من كل واحد من هذه الأربعة زوجين، ذكراً وأنثى. ثم قال إن كان حرم منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراماً وإن كان حرم الأنثى، وجب أن يكون كل إناثها حراماً، وقوله: {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ } تقديره: إن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلها لأن الأرحام تشتمل على الذكور والإناث، هذا ما أطبق عليه المفسرون في تفسير هذه الآية، وهو عندي بعيد جداً، لأن لقائل أن يقول: هب أن هذه الأنواع الأربعة، أعني: الضأن، والمعز، والإبل، والبقر، محصورة في الذكور والإناث، إلا أنه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة، بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاماً أو سائر الاعتبارات، كما أنا إذا قلنا: أنه تعالى حرم ذبح بعض الحيوانات لأجل الأكل. فإذا قيل: إن ذلك الحيوان إن كان قد حرم لكونه ذكراً وجب أن يحرم كل حيوان ذكر، وإن كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن يحرم كل حيوان أنثى، ولما لم يكن هذا الكلام لازماً علينا، فكذا هذا الوجه الذي ذكره المفسرون في تفسير هذه الآية، ويجب على العاقل أن يذكر في تفسير كلام الله تعالى وجهاً صحيحاً فأما تفسيره بالوجوه الفاسدة فلا يجوز والأقرب عندي فيه وجهان: أحدهما: أن يقال: إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم، بل هو استفهام على سبيل الإنكار يعني أنكم لا تقرون بنبوة نبي، ولا تعرفون شريعة شارع، فكيف تحكمون بأن هذا يحل وأن ذلك يحرم؟ وثانيهما: أن حكمهم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام مخصوص بالإبل، فالله تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة، فلما لم تحكموا بهذه الأحكام في الأقسام الثلاثة، وهي: الضأن والمعز والبقر، فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم على التعيين؟ فهذا ما عندي في هذه الآية والله أعلم بمراده. ثم قال تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّـٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا } والمراد هل شاهدتم الله حرم هذا إن كنتم لا تؤمنون برسول؟ وحاصل الكلام من هذه الآية: أنكم لا تعترفون بنبوة أحد من الأنبياء، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة؟ ولما بين ذلك قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ } قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحي، لأنه هو الذي غير شريعة إسمعيل، والأقرب أن يكون هذا محمولاً على كل من فعل ذلك، لأن اللفظ عام والعلة الموجبة لهذا الحكم عامة، فالتخصيص تحكم محض. قال المحققون: إذا ثبت أن من افترى على الله الكذب في تحريم مباح استحق هذا الوعيد الشديد، فمن افترى على الله الكذب في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والنبوات والملائكة ومباحث المعاد كان وعيده أشد وأشق. قال القاضي: ودل ذلك على أن الإضلال عن الدين مذموم، لا يليق بالله، لأنه تعالى إذا ذم الإضلال الذي ليس فيه إلا تحريم المباح، فالذي هو أعظم منه أولى بالذم. وجوابه: أنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله تعالى ألا ترى أن الجمع بين العبيد والإماء وتسليط الشهوة عليهم وتمكينهم من أسباب الفجور مذموم منا وغير مذموم من الله تعالى فكذا ههنا. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال القاضي: لا يهديهم إلا ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها. وقال أصحابنا: المراد منه الإخبار بأنه تعالى لا يهدي أولئك المشركين، أي لا ينقلهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، والكلام في ترجيح أحد القولين على الآخر معلوم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} عطف (على ما تقدّم). أي وأنشأ حمولة وفرشاً من الأنعام. وللعلماء في الأنعام ثلاثة أقوال: أحدها: أن الأنعام الإبل خاصّة؛ وسيأتي في «النحل» بيانه. الثاني: أن الأنعام الإبل وحدها، وإذا كان معها بقر وغنم فهي أنعام أيضاً. الثالث: وهو أصحها قاله أحمد بن يحيـى: الأنعام كل ما أحله الله عز وجل من الحيوان. ويدلّ على صحة هذا قوله تعالى: {أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [المائدة: 1] وقد تقدّم. والحَمُولة ما أطاق الحِمْل والعمل؛ عن ٱبن مسعود وغيره. ثم قيل: يختص اللفظ بالإبل. وقيل: كل ما ٱحتمل عليه الحيَّ من حمار أو بغل أو بعير؛ عن أبي زيد، سواء كانت عليه الأحمال أو لم تكن. قال عنترة:شعر : ما رَاعنِي إلا حَمولةُ أهلِها وسْط الدِّيارِ تَسُفُّ حَبَّ الْحِمْحِم تفسير : وفَعولة بفتح الفاء إذا كانت بمعنى الفاعل ٱستوى فيها المؤنّث والمذكر؛ نحو قولك: رجل فَروقة وٱمرأة فَروقة للجبان والخائف. ورجل صَرورة وٱمرأة صرورة إذا لم يَحُجَّا؛ ولا جمع له. فإذا كانت بمعنى المفعول فرق بين المذكر والمؤنث بالهاء كالحَلُوبة والرَّكوبة. والحمُولة (بضم الحاء): الأحمال. وأما الحمُول (بالضم بلا هاء) فهي الإبل التي عليها الهوادج، كان فيها نساء أو لم يكن؛ عن أبي زيد. «وَفَرْشاً» قال الضحاك: الحمولة من الإبل والبقر. والفرش: الغنم. النحاس: وٱستشهد لصاحب هذا القول بقوله: «ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ» قال: فـ«ثَمَانِيَةَ» بدل من قوله: «حَمُولَةً وَفَرْشاً». وقال الحسن: الحَمولة الإبل. والفَرْش: الغنم. وقال ٱبن عباس: الحمولة كل ما حَمل من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير. والفَرْش: الغنم. وقال ٱبن زيد: الحمولة ما يركب، والفرش ما يؤكل لحمه ويحلب؛ مثل الغنم والفِصلان والعجاجيل؛ سُمِّيت فَرْشاً للطافة أجسامها وقربها من الفرش، وهي الأرض المستوية التي يتوطأها الناس. قال الراجز:شعر : أورثني حَمولة وفَرْشاً أَمُشُّها في كلّ يومٍ مَشّا تفسير : وقال آخر:شعر : وَحَوَيْنَا الفَرْش من أنعامكم والحَمُولات ورَبَّاتِ الحَجَل تفسير : قال الأصمعي: لم أسمع له بجمع. قال: ويحتمل أن يكون مصدراً سُمِّيَ به؛ من قولهم: فرشها الله فرشاً، أي بَثّها بَثًّا. والفَرْش: المفروش من متاع البيت. والفَرْش: الزرع إذا فرش. والفرش: الفضاء الواسع. والفَرْش في رجل البعير: ٱتّساع قليل، وهو محمود. وٱفترش الشيءُ ٱنبسط؛ فهو لفظ مشترك. وقد يرجع قوله تعالى: «وَفَرْشاً» إلى هذا. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيهما أن الحمولة المسخرة المذلّلة للحمل. والفَرْش ما خلقه الله عز وجل من الجلود والصّوف مما يُجلس عليه ويُتَمَهّد. وباقي الآية قد تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} عطف على جنات أي وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح، أو ما يفرش المنسوج من شعره وصوفه ووبره. وقيل الكبار الصالحة للحمل والصغار الدانية من الأرض مثل الفرش المفروش عليها. {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} كلوا مما أحل لكم منه. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} في التحليل والتحريم من عند أنفسكم. {إِنَهُ لَكُمْ عَدُو مُبِينٌ ظاهر العداوة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} أنشأ {مِّنَ ٱلاْنْعَٰمِ حَمُولَةً } صالحة للحمل عليها كالإِبل الكبار {وَفَرْشًا } لا تصلح له كالإِبل الصغار والغنم، سميت (فرشاً) لأنها كالفرش للأرض لدنوّها منها {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ } طرائقه في التحريم والتحليل {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } بيِّن العداوة.
ابن عطية
تفسير : {حمولة} عطف على {أية : جنات معروشات} تفسير : [الأنعام:141] التقدير وأنشأنا من الأنعام حمولة، وبالحمولة ما تحمل الأثقال من الإبل والبقر عند من عادته أن يحمل عليها والهاء في {حمولة} للمبالغة، وقال الطبري هو اسم جمع لا واحد من لفظه، و "الفرش" ما لا يحمل ثقلاً كالغنم وصغار البقر والإبل، هذا هو المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وغيرهم، يقال له الفرش ويفرش، وذهب بعض الناس إلى أن تسميته {فرشاً} إنما هي لوطاءته وأنه مما يمتهن ويتوطأ ويتمكن من التصرف فيه إذ قرب جسمه من الأرض. وروي عن ابن عباس أنه قال: "الحمولة" الإبل والخيل والبغال والحمير، ذكره الطبري. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا منه تفسير لنفس اللفظة لا من حيث هي في هذه الآية، ولا تدخل في الآية لغير الأنعام وإنما خصت بالذكر من جهة ما شرعت فيها العرب، وقوله {مما رزقكم} نص إباحة وإزالة ما سنه الكفار من البحيرة والسائبة وغير ذلك، ثم تابع النهي عن تلك السنن الآفكة بقوله اختلاف القراء في "خطوات"، ومن شاذها قراءة علي رضي الله عنه والأعرج وعمرو بن عبيد "خُطُؤات" بضم الخاء والطاء وبالهمزة، قال أبو الفتح وذلك جمع خطأة من الخطأ ومن الشاذ قراءة أبي السمال "خطوات" بالواو دون همزة وهو جمع خطوة وهي ذرع ما بين قدمي الماشي، ثم علل النهي عن ذلك بتقرير عداوة الشيطان لابن آدم، وقوله تعالى {ثمانية} اختلف في نصبها فقال الأخفش علي بن سليمان بفعل مضمر تقديره كلوا لحم ثمانية أزواج فحذف الفعل والمضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل نصب على البدل من ما في قوله {كلو مما رزقكم الله} ، وقيل نصبت على الحال، وقيل نصبت على البدل من قوله {حمولة وفرشاً} ، وهذا أصوب الأقوال وأجراها مع معنى الآية، وقال الكسائي نصبها {أية : أنشأ} تفسير : [الأنعام:141] والزوج الذكر والزوج الأنثى كل واحد منهما زوج صاحبه، وهي أربعة أنواع فتجيء ثمانية أزواج، و {الضأن} جمع ضائنة وضائن، وقرأ طلحة بن مصرف وعيسى بن عمر والحسن من "الضأن" بفتح الهمزة، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي "ومن المعْز" بسكون العين وهو جمع ماعز وماعزة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر"ومن المعَز" بفتح العين فضأن ومعز كراكب وركب وتاجر وتجر وضان ومعز كخادم وخدم ونحوه، وقرأ أبان بن عثمان "من الضأن اثنان" على الابتداء والخبر المقدم، ويقال في جمع ماعز معز ومعز ومعيز وأمعوز وقوله تعالى: {قل الذكرين} هذا تقسيم على الكفار حتى يتبين كذبهم على الله, أي لا بد أن يكون حرم الذكرين فيلزمكم تحريم الذكور أو الأنثيين فيلزمكم تحريم جميع الإناث، أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فيلزمكم تحريم الجميع وأنتم لم تلتزموا شيئاً مما يوجبه هذا التقسيم، وفي هذه السؤالات تقرير وتوبيخ ثم اتبع تقريرهم وتوبيخهم بقوله {نبئوني} أخبروني {بعلم} أي من جهة نبوءة أو كتاب من كتب الله {إن كنتم صادقين} و {إن} شرط وجوابه في {نبئوني}، وجاز تقديم جواب هذا الشرط لما كانت {إن} لا يظهر لها عمل في الماضي، ولو كانت ظاهرة العمل لما جاز تقدم الجواب.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَمُولَةً وَفَرْشاً} الحمولة: ما حُمِل عليه من الإبل، والفرش: ما لم يحمل عليه من الإبل لصغره لافتراش الأرض بها على استواء كالفرش، أو الفرش: الغنم، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ. {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} طريقه في الكفر، أو في تحليل الحرام وتحريم الحلال. {مُّبِينٌ} يريد ما بان من عداوته لآدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أو لأوليائه من الشياطين.
الخازن
تفسير : {ومن الأنعام} يعني وأنشأ من الأنعام {حمولة} وهي كل ما يحمل عليها من الإبل {وفرشاً} يعني صغار الإبل التي لا تحمل. قال ابن عباس: الحمولة هي الكبار من الإبل والفرش هي الصغار من الإبل، وقال في رواية أخرى عنه ذكرها الطبري. أما الحمولة: فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه وأما الفرش فالغنم. وقال الربيع بن أنس: الحمولة: الإبل والبقر والفرش والمعز والضان فالحمولة كل ما يحمل عليها من الأنعام والفرش ما لا يصلح للحمل سمي فرشاً لأنه يفرش للذبح ولأنه قريب من الأرض لصغره {كلوا مما رزقكم الله} يعني كلوا مما أحله الله لكم من هذه الأنعام والحرث {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} يعني لا تسلكوا طريقه وآثاره في تحريم الحرث والأنعام كما فعله أهل الجاهلية {إنه} يعني الشيطان {لكم عدو مبين} يعني أنه مبين العداوة لكم ثم بين الحمولة والفرش فقال عز وجل: {ثمانية أزواج} يعني وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج يعني ثمانية أصناف والزوج في اللغة الفرد إذا كان معه آخر من جنسه لا ينفك عنه فيطلق لفظ الزوج على الواحد كما يطلق على الاثنين فيقال للذكر زوج وللأنثى زوج {من الضأن اثنين} يعني الذكر والانثى والضأن ذوات الصوف من الغنم والواحد ضائن والأنثى ضائنة والجمع ضوائن {ومن المعز اثنين} يعني الذكر والأنثى والمعز ذوات الشعر من الغنم والواحد ماعز والجمع معزى: {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين} استفهام إنكار، أي: قل يا محمد لهؤلاء الجهلة الذكرين من الضأن والمعز حرم عليكم أم الأنثيين منهما، فإن كان حرم الذكرين من الغنم فكل ذكورها حرام وإن كان حرم الأنثيين منهما فكل إناثها حرام {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} يعني أم حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضأن والمعز فإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى {نبئوني} أي أخبروني وفسروا لي ما حرمتم {بعلم إن كنتم صادقين} يعني أن الله حرم ذلك عليكم.
ابن عادل
تفسير : قوله - تعالى - {حَمُولَةً وَفَرْشاً} مَنْصُوبان على أنَّهُما نُسِقَا على "جَنَّاتِ" أي: وأنشأ من الأنْعام حَمُولَة، و "الأنْعَام" قيل: هي من الإبل خَاصَّة، وقيل: الإبل والبَقَر والغَنَم. وقيل: ما أحَلَّه الله - تعالى - من الحيوانِ؛ قاله أحمد بن يَحْيَى، قال القُرْطُبيُّ: وهذا أصَحُّهَا. وقال القُرْطُبِي: فَعُوله بفتح الفَاءِ، إذَا كانت بمعنى الفَاعِل اسْتَوى فيها المُذَكَّر والمؤنَّث؛ نحو قولك: رَجُل فَرُوقَه للجَبَان والخَائِفِ، ورجل صَرُورَة وامرأة صرورة إذا لم يَحُجَّا؛ ولا جَمْع له فإذا كانت بِمَعْنَى المَفْعُول, فرق بين المُذَكَّر والمؤنَّث بالهَاءِ، كالحَلُوبة والرَّكُوبة، والحَمُولة بضم الحاءِ: أحْمَال وأما الحُمُول: بالضَّمِّ بغير هاء فهي الإبل الَّتِي عليه الهَوَادِجُ كان فيها نِساءٌ أو لم يَكُنِّ؛ قاله أبو زَيْد. والحَمُولة: ما أطَاق الحمل عَلَيْه من الإبل, والفَرْش: صِغَارها هذا هو المشْهُور في اللُّغَة. وقيل الحَمُولة: كبارُ الأنْعَام، أعني: الإبل والبَقَر والغَنَم، والفَرْشُ: صغارها قال: "ويدُلُ له أنَّهُ أبدل منه قوله بعد ذلك: "ثَمَانِيَة أزْوَاجٍ من الضَّأنِ" كما سيأتيِ لأنها دَانِية من الأرْض بسبب صغَر أجْرَامِها مثل الفَرْشِ وهي الأرْض المَفْرُوشُ عليها". وقال الزَّجَّاج: أجمع أهْل اللُّغَة على أنّ الفَرْشَ صِغَار الإبل، وأنشد القَائِل: [الرجز] شعر : 1257- أوْرَثَنِي حَمُولَةً وَفَرْشَا أمُشُّهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَشَّا تفسير : وقال الآخر: [الرمل] شعر : 2358- وَحَوَيْنَا الفَرْشَ مِنْ أنْعَامِكُمْ والحَمُولاتِ وَربَّاتِ الحِجَالْ تفسير : قال أبو زَيْد: "يحتمل أن يكون سُمِّيَتْ بالمَصْدَر؛ لأن الفَرْشَ في الأصْل مصدر" والفَرْش لفظ مُشْتَرك بين مَعَانِ كثيرة: منها ما تقدَّم، ومنها: مَتَاع البَيْت والفَضَاء الوَاسِع، واتِّسَاع خُفِّ البَعير قليلاً، والأرْض الملساء، عن أبي عَمْرو بن العَلاء، ونباتٌ يلْتَصِق بالأرْضِ، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : 2359- كَمِشْفَرِ النَّابِ تلُوكُ الفَرْشَا تفسير : وقيل الحَمُولة: كل ما حُمِل عليه من إبل وبَقَر وبَغْل وحِمَار. والفَرْشُ هنا: ما اتُّخِذَ من صُوفه ووبَرِه وشَعْرِه ما يُفْتَرشُ، وأنشدوا للنَّابعة: [الطويل] شعر : 2360- وَحَلَّتْ بُيُوتِي فِي يَفَاعٍ مُمَنَّعٍ تَخَالُ بِهِ رَاعِي الحَمُولَةِ طَائِرا تفسير : وقال عنترة: [الكامل] شعر : 2361- مَا رَاعَنِي إلاَّ حَمُولَةُ أهْلِهَا وَسْطَ الدِّيار تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ تفسير : قوله: {كُلُوا ممَّا رزَقُكم اللَّه} يريد: ما أحَلَّها لكم. قالت المعتزلة: إنه - تبارك وتعالى - أمر بأكْل الرِّزْقِ، ومنع من أكل الحَرامِ ينتج أن الرِّزْق ليس بَحَرَام. ثم قال - تعالى -: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَان} أي: التَّحْلِيل والتَّحريم من عِنْد أنْفُسكُم، كما فعله أهْل الجَاهِليَّة، أي: لا تَسْلكُوا طرائق الشَّيْطَان وأبان {إنه لَكُم عَدُوٌّ مُبِينٌ} أي: بيَّن العداوة أخرج آدم من الجنَّة، وقوله: {أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء:62]. قال الزجاج: في خُطُوات الشَّيْطَانِ ثلاثة أوجُه: ضم الطاء، وفتحها، وإسْكَانها.
البقاعي
تفسير : ولما كان السياق للمآكل من الحرث والأنعام من حلال وحرام، وفرغ من تقرير أمر الحرث الذي قدم في الجملة الأولى لأنه مادة الحيوان، قال: {ومن} أي وأنشأ من {الأنعام حمولة} أي ما يحمل الأثقال {وفرشاً} أي وما يفرش للذبح أو للتوليد، ويعمل من وبره وشعره فرش؛ ولما استوفى القسمين أمر بالأكل من ذلك كله على وجه يشمل غيره مخالفة للكفار فقال: {كلوا مما رزقكم الله} أي لأنه الملك الأعظم الذي لا يسوغ رد عطيته {ولا تتبعوا} ولعله شدد إشارة إلى العفو عن صغيرة إذا ذكّر الإنسان فيها رجع ولم يعتد في هواه {خطوات الشيطان} أي طريقه في التحليل والتحريم كما قال في البقرة {أية : كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان} تفسير : [البقرة: 168] وعبر بذلك لأنه - مع كونه من مادة الخطيئة دال على أن شرائعه شريعة الأندراس، لولا مزيد الاعتناء من الفسقة بالتتبع في كل خطوة حال تأثيرها لبادر إليها المحو لبطلانها في نفسها، فلا أمر من الله يحييها ولا كتاب يبقيها، وإنما أسقط هنا {حلالاً طيباً} لبيانه سابقاً في قوله {أية : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} تفسير : [الأنعام: 118]، {أية : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} تفسير : [الأنعام: 121]، ولاحقاً في قوله {أية : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً}تفسير : [الأنعام: 125]؛ ثم علل نهيه عن اتباعه فقال: {إنه لكم عدو} أي فهو لذلك لا يأمركم بخير {مبين *} أي ظاهر العداوة لأن أمره مع أبيكم شهير. ولما رد دين المشركين وأثبت دينه، وكانوا قد فصلوا الحرمة بالنسبة إلى ذكور الآدمي وإناثه، ألزمهم تفصيلها بالنسبة إلى ذكور الأنعام وإناثه، ففصل أمرها في أسلوب أبان فيها أن فعلهم رث القوى هلهل النسيج بعيد من قانون الحكمة، فهو موضع للاستهزاء وأهل للتهكم، فقال بياناً لـ {حمولة وفرشاً} {ثمانية أزواج} أي أصناف، لا يكمل صنف منها إلا بالآخر، أنشأها بزواج كل من الذكر والأنثى الآخر، ولحق بتسميتهم الفرد بالزوج - بشرط أن يكون آخر من جنسه - تسميتهم الزجاجة كأساً بشرط أن يكون فيها خمر. ولما كان الزوج يطلق على الاثنين وعلى ما معه آخر من نوعه، قال مبيناً أن هذا هو المراد لا الاثنان مفصلاً لهذه الثمانية: {من الضأن} جمع ضائن وضائنة كصاحب وصحب {اثنين} أي ذكراً وأنثى كبشاً ونعجة {ومن المعز} جمع ماعز وماعزة كخادم وخدم في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر، وتاجر وتجر في قراءة غيرهم {اثنين} أي زوجين ذكراً وأنثى تيساً وعنزاً. ولما كان كأنه قيل: ما المراد بهذا التفصيل قبل سؤالهم عن دينهم، قال: {قل} أي لهم مستفهماً؛ ولما كان هذا الاستفهام بمعنى التوبيخ والتهكم والإنكار، أتى فيه بـ "ام" التي هي مع الهمزة قبلها بمعنى "أيّ" ليتفهم بها عما يعلم ثبوت بعضه وإنما يطلب تعيينه، فقال معترضاً بين المعدودات تأكيداً للتوبيخ، لأن الاعتراضات لا تساق إلاّ للتأكيد: {ءآلذكرين}. ولما كان المستفهم عنه بنصبه ما بعده لا ما قبله، قال: {حرم} أي الله، فإن كان كذلك لزمكم تحريم جميع الذكور {أم الأنثيين} ليلزمكم تحريم جميع الإناث، واستوعب جميع ما يفرض من سائر الأقسام في قوله: {أما} أي أم حرم ما {اشتملت} أي انضمت {عليه} وحملته {أرحام الأنثيين} أي من الذكور والإناث، ومتى كان كذلك لزمكم تحريم الكل فلم تلزموا شيئاً مما أوجبه هذا التقسيم فلم تمشوا على نظام. ولما علم أنه لا نظام لهم فعلم أنهم جديرون بالتوبيخ، زاد في توبيخهم فقال: {نبئوني} أي أخبروني عما حرم الله من هذا إخباراً جليلاً عظيماً؛ ولما كان هذا الإخبار الموصوف لا يكون بشيء فيه شك، قال: {بعلم} أي أمر معلوم من جهة الله لا مطعن فيه {إن كنتم صادقين} أي إن كان لكم هذا الوصف. ولما فصل الغنم إلى ضان ومعز، أغنى ذلك عن تنويع الإبل إلى العراب والبخت والبقر إلى العراب والجواميس، - ولأن هذه يتناتج بعضها من بعض بخلاف الغنم فإنها لا يطرق أحد نوعيها الآخر - نقله الشيخ بدر الدين الزركشي في كتاب الوصايا من شرح المنهاج عن كتاب الأعداد لابن سراقة فقال: {ومن الإبل اثنين} أي ذكراً وأنثى {ومن البقر اثنين} أي كذلك {قل} أي لهؤلاء الذين اختلقوا جهلاً وسفهاً ما تقدم عنهم {ءآلذكرين} أي من هذين النوعين {حرم} أي حرمهما الله {أم الأنثيين} أي حرمهما {أما} أي الذي {اشتملت عليه} أي ذلك المحرم على زعمكم {أرحام الأنثيين} أي حرمهما الله. ولما كان التقدير: أجاءكم هذا عن الله الذي لا حكم لغيره على لسان نبي؟ عادله توبيخاً لهم وإنكاراً عليهم بقوله: {أم كنتم شهدآء} أي حاضرين {إذ وصاكم الله} أي الذي لا ملك غيره فلا حكم لسواه {بهذا} أي كما جزمتم عليه به، أو جزمتم بالحرمة فيما حرمتموه والحل فيما أحللتموه، ولا محرم ولا محلل غير الله، فكنتم بذلك ناسبين الحكم إليه؛ ولما كان التقدير كما أنتجه السياق: لقد كذبتم على الله حيث نسبتم إليه ما لم تأخذوه عنه لا بواسطة ولا بغير واسطة، سبب عنه قوله معمماً ليعلم أن هذا إذا كان في التحريم والتحليل كان الكذب في أصول الدين أشد: {فمن أظلم} ووضع موضع "منكم" قوله معمماً ومعلقاً للحكم بالوصف: {ممن افترى} أي تعمد {على الله} أي الذي لا أعظم منه لأنه ملك الملوك {كذباً} كعمرو بن لحي الذي غير شريعة إبراهيم عليه السلام، وكل من فعل مثل فعله. ولما كان يلزم من شرعهم لهذه الأمور إضلال من تبعهم فيها عن الصراط السوي، وكانوا يدعون أنهم أفطن الناس وأعرفهم بدقائق الأمور في بداياتها ونهاياتها وما يلزم عنها، جعل غاية فعلهم مقصوداً لهم تهكماً بهم فقال: {ليضل الناس} ولما كان الضلال قد يقع من العالم الهادي خطأ، قال: {بغير علم}. ولما كان هذا محل عجب ممن يفعل هذا، كشفه سبحانه بقوله استئنافاً: {إن الله}وهو الذي لا حكم لأحد سواه لا يهديهم، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر تعميماً بما هو أعم من وصفهم ليكون الحكم عليهم بطريق الأولى فقال: {لا يهدي القوم الظالمين} أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها فكيف بالأظلمين! وما أحسن هذا الختم لأحكامهم وأنسبه لما بناها عليه من قوله {أية : إنه لا يفلح الظالمون} تفسير : [الأنعام: 21].
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: الحمولة ما حمل عليه من الإِبل، والفرش صغار الإِبل التي لا تحمل. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: الحمولة الكبار من الإِبل، والفرش الصغار من الإِبل . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {ومن الأنعام حمولة وفرشاً} قال: الإِبل خاصة، والحمولة ما حمل عليه، والفرش ما أكل منه . وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {حمولة وفرشاً} قال: الفرش الصغار من الأنعام. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول: شعر : ليتني كنت قبل ما قد رآنـــــي في قلال الجبال أرعى الحمـولا تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الحمولة الإِبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، والفرش الغنم . وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية في قوله {حمولة وفرشاً} قال: الحمولة الإِبل والبقر، والفرش الضان والمعز .
ابو السعود
تفسير : {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} شروعٌ في تفصيل حال الأنعامِ وإبطالِ ما تقوَّلوا على الله تعالى في شأنها بالتحريم والتحليل، وهو عطفٌ على مفعول أنشأ، ومِنْ متعلقةٌ به أي وأنشأ من الأنعام ما يُحمل عليه الأثقالُ وما يُفرش للذبح أو ما يُفرش المصنوعُ من شعره وصوفِه ووبرِه، وقيل: الكبارُ الصالحةُ للحمل والصغارُ الدانيةُ من الأرض كأنها فُرشٌ مفروشٌ عليها {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} (ما) عبارةٌ عما ذُكر من الحَمولة والفَرْش ومِنْ تبعيضيةٌ أي كلوا بعضَ ما رزقكم الله تعالى أي حلالَه، وفيه تصريحٌ بأن إنشاءَها لأجلهم ومصلحتِهم {وَلاَ تَتَّبِعُواْ} في أمر التحليلِ والتحريمِ بتقليد أسلافِكم المجازفين في ذلك من تلقاء أنفسِهم المفترين على الله سبحانه {خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} فإن ذلك منهم بإغوائه واستتباعِه إياهم {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظاهرُ العداوة. {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ} الزوجُ ما معه آخَرُ من جنسه يُزاوجُه ويحصُل منهما النسلُ والمرادُ بها الأنواعُ الأربعةُ، وإيرادُها بهذا العنوان وهذا العددِ تمهيدٌ لما سيق له الكلامُ من الإنكار المتعلّقِ بتحريم كلِّ واحدٍ من الذكر والأنثى وبما في بطنها، وهو بدلٌ من حَمولةً وفرشاً منصوبٌ بما نَصَبهما، وجعلُه مفعولاً لكلوا ـ على أن قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ} الآية، معترِضٌ بـينهما، أو حالٌ مِنْ ما بمعنى مختلفةً أو متعددةً ـ يأباه جزالةُ النظمِ الكريم لظهور أنه مَسوقٌ لتوضيح حالِ الأنعام بتفصيلها أولاً إلى حمولةٍ وفرْشٍ ثم بتفصيلها إلى ثمانية أزواجٍ حاصلةٍ من تفصيل الأولى إلى الإبل والبقر وتفصيلِ الثاني إلى الضأن والمَعَز ثم تفصيلِ كلَ من الأقسام الأربعة إلى الذكر والأنثى كلُّ ذلك لتحرير الموادِّ التي تقوّلوا فيها عليه سبحانه وتعالى. {مّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} بدلٌ من ثمانيةَ أزواج منصوبٌ بناصبه وهو العاملُ في مِنْ، أي أنشأ من الضأن زوجين الكبشَ والنعجة وقرىء اثنان على الابتداء، والضأنُ اسمُ جنس كالإبل وجمعُه ضَئين كأمير أو جمعُ ضائن كتاجر وتجْرٍ وقرىء بفتح الهمزة {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} عطفٌ على مثله شريكْ له في حكمه أي وأنشأ من المعز زوجين التيسَ والعنز وقرىء بفتح العين وهو جمعُ ماعز كصاحب وصحْب وحارس وحرَس، وقرىء ومن المِعْزى، وهذه الأزواجُ الأربعةُ تفصيلٌ للفَرْش ولعل تقديمَها في التفصيل مع تأخر أصلِها في الإجمال لكون هذين النوعين عرضةً للأكل الذي هو معظمُ ما يتعلق به الحِلُّ والحُرمة، وهو السرُّ في الاقتصار على الأمر به في قوله تعالى: {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} [الأنعام، الآية 142] من غير تعرضٍ للانتفاع بالحمل والركوب وغيرِ ذلك مما حرموه في السائبة وأخواتِها. {قُلْ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إثرَ تفصيلِ أنواعِ الأنعامِ التي أنشأها، أي قل تبكيتاً لهم وإظهاراً لانقطاعهم عن الجواب {آلذكرين} من ذَيْنك النوعين وهما الكبشُ والتيسُ {حَرَّمَ} أي الله عز وجل كما تزعُمون أنه هو المحرّمُ {أَمِ ٱلأنثَيَيْنِ} وهما النعجةُ والعنزُ؟ ونُصب الذكرين والأنثيـين بحَرَّم وهو مؤخّرٌ عنهما بحسب المعنى وإن توسط بـينهما صورةً، وكذا قوله تعالى: {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأنثَيَيْنِ} أي أم ما حملت إناثُ النوعين حَرَّم ذكراً كان أو أنثى؟ وقوله تعالى: {نَبّئُونِي بِعِلْمٍ} الخ، تكريرٌ للإلزام وتثنيةٌ للتبكيت والإفحام أي أخبروني بأمر معلومٍ من جهة الله تعالى من الكتاب أو أخبارِ الأنبـياءِ يدل على أنه تعالى حرم شيئاً مما ذُكر، أو نبئوني تنبئةً ملتبسةً بعلم صادرةً عنه {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي في دعوى التحريمِ عليه سبحانه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً}. يعني تسخير الحيوانات للإنسان آية مزية في الفضيلة على المخلوقات. وكما سخَّر الأعيان للإنسان كذلك سخر الأزمان في تصريف الحدثان لخواصِّ الإنسان. قوله جلّ ذكره: {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ}. الرزق لا يتخصص بالمأكولات بل هو شائعٌ في جميع ما يحصل به الانتفاع. وينقسم الرزق إلى رزق الظواهر ورزق السرائر، ذلك وجود النعم وهذا شهود الكَرَم بل الخمود في وجود القِدَم. وللقلب رزق وهو التحقيق من حيث العرفان، وللروح رزق وهو المحبة بصدق التحرر عن الأكوان، وللسِّر رزق وهو الشهود الذي يكون للعبد وهو قرين العيان. قوله {ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} الإشارة من ذكر الضأن أن يتأدَّب العبدُ باستدامة السكون والتزام حُسْنِ الخُلُق، فإِنَّ الضانية مستسلمةٌ لمن يلي عليها، فلا بصياحها تُؤذِي ولا (بـ.... وها)، يعني كذلك سبيل من وَطُئَ هذا البساط. وكذلك "في الإبل آيات" منها انقيادها لمن جَرَّ زِمَامَها، واستناختها حيثما تُنَاخ، بلا نزاع ولا اختيار. ومنها ركوبها عند الحَمْل، ومنها صبرها على مقاساة العطش، وذوبانها في السير.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} اى من قوى الانسانية ما لا يحمل اثقال المجاهدات ومنها ما يحمل اثقال وقار الامتحانات فما يحمل الانسانية يضعف تحت امتحان الله وما يحمل بقوى الربانية يكون مطية حلم امانة المعرفة قال تعالى وحملها الانسان الا ترى الى قول امير المؤمنين على ابن ابى طالب كرم الله وجهه والله ما قلعت باب خيبر بقوة جمسانية وانما قلعتها بقوة ربانية قوله تعالى {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} للاشباح رزق وللارواح رزق وللقلوب رزق وللعقول رزق وللاسرار رزق واما رزق الاشباح فما استطابته من عالم الفعل بما وافقه العلم واما رزق الارواح فمشاهدة تجلى الصفات واما رزق القلوب فما ينكشف لها من انور الغيبو واما رزق العقول فما يلوح لها من سنا الأيات واما رزق الاسرار فما تلجلى فيها من مكنون علوم الخاص فى رؤية الذات قال الاستاد الرزق ما يحصل به الانتفاع وينقسم الى رزق الظاهر والسرائر فهذا وجود النعم وذاك شهود والكرم بل الحموج فى وجود العدم وللقلب رزق وهو التحقيق من حيث العرفان وللروح رزق رزق وهو المحبة بصدق التحرز عن الاكوان وللسر رزق وهو الشهود كالذى قريته العيان.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن الأنعام} اى انشأ من الانعام {حَمُولة} ما يحمل عليه الاثقال {وفرشا} وما يفرش للذبح او يتخذ من صوفه ووبره وشعره ما يفرش ولعله من قبيل التسمية بالمصدر {كلوا مما رزقكم الله} من تبعيضية وما عبارة عن الحمولة والفرش اى كلوا بعض ما رزقكم الله اى حلاله وفيه تصريح بان انشاءها لاجلهم ومصلحتهم وتخصيص الاكل بالذكر من غير تعرض للانتفاع بالحمل والركوب وغير ذلك مما حرموه فى السائبة واخواتها لكونه معظم ما ينتفع به ويتعلق به الحل والحرمة {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} اى لا تسلكوا الطريق التى سولها الشيطان لكم فى امر التحليل والتحريم فانه لا يدعوكم الا الى المعصية {انه لكم عدو مبين} اى ظاهر العداوة وقد ابان عداوته لابيكم آدم عليه السلام.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {حَمولة وفرشًا}: عطف على جنات، و {ثمانية أزواج}: بدل من حَمولة، و {من الضأن اثنين}: بدل من ثمانية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} أنشأ أيضًا {من الأنعام} أنعامًا {حَمولة}؛ ما يحمل الأثقال، كالكبار منها، {وفَرشَا}؛ ما لا يحمل، كالصغار لدنوها من الأرض، أو حمولة للإبل، وفرشًا للغنم، لأنها تفرش للذبح، ويُفرَشُ ما ينسج من صوفها، {كلوا مما رزقكم الله} أي: كلوا ما أحل الله لكم منها، {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} في التحليل والتحريم من عند أنفسكم، {إنه لكل عدو مبين}؛ ظاهر العداوة. ثم فصلها فقال: {ثمانية أزواج}؛ ذكر وأنثى من كل صنف، والصنف: ما معه آخر من جنسه يزاوجه، ثم بيَّنها فقال: {من الضأن اثنين}؛ ذكر وأنثى؛ كبش ونعجة، {ومن المعز أثنين}؛ التيس وهو الذكر، والعنز وهي الأنثى، {قل} لهم {آلذكرين} أي: ذكر الضأن والمعز، {حرَّم أم الأنثيين} منهما؟ {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} من الأجنة ذكرًا كان أو أنثى؟ {نبّئوني بعلم} يدل على أن الله تعالى حرم شيئًا من ذلك، {إن كنتم صادقين} في دعوى التحريم عليه. {ومن الإبل اثنين}؛ ذكر وأنثى، {ومن البقر اثنين} كذلك. {قل آلذكرين حرَّم أم الأُنثيين} أم حرم ما {اشتملت عليه أرحام الأُنثيين} من الجنين مطلقًا؟ وهذا تقسيم على الكفار حتى يتبين كذبهم على الله، وتوبيخ لهم، حيث حرموا بعض الذكور مرة وبعض الأناث مرة، فألزمهم تحريم جميع الذكور، إن كان علة التحريم وصف الذكورة، أو تحريم جميع الإناث، إن كانت العلة الأنوثة، أو تحريم الجميع إن كان المُحرم ما اشتملت عليه الأرحام، ولا وجه للتخصيص، فالاستفهام للإنكار، وأكده بقوله: {أم كنتم شهداء} حاضرين حين {وصّاكم الله بهذا} التحريم، ولا طريق لكم إلى معرفة هذا إلا المشاهدة والسماع، وليس لكم شيء من ذلك، وإنما أنتم مفترون على الله. {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا}؛ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، والمراد: كبراؤهم الأوائل كعمرو بن لحي وأمثاله، أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، {ليُضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} إلى مراشدهم، أو إلى ما ينفعهم. الإشارة: ومن الأحوال ما تحمل صاحبها إلى مقام الحرية، بشهود الربوبية، فيغلب عليه العز والاستظهار، ومنها ما تحمله إلى مقام العبودية، فيغلب عليه الذل والإنكسار، وإليه الإشارة بقوله: {حمولة وفرشًا}، فليتمتع المريد بما يظهر عليه منهما، ولا يتبع خطوات الشيطان فيتعدى طوره، ولا يعرف قدره. وهذه الأحوال ثمانية أنواع: أربعة سفلية تناسب العبودية، وأربعة علوية تناسب الربوبية. فالإربعة السفلية: الذل، والفقر، والعجز والضعف. والأربع العلوية: العز، والغنى، والقدرة، والقوة. فمن أراد التعلق بهذه الأوصاف فليناد من كوة الذل: يا عزيز من للذليل سواك؟، ومن كوة الفقر: يا غني من للفقير سواك؟، ومن كوة العجز: يا قدير من للعاجز سواك؟ ومن كوة الضعف: يا قوي من للضعيف سواك؟، ير الإجابة طوع يديه، ومن أراد التحقيق بها، فليتحقق بذله يمده بعزه، وليتحقق بفقره يمده بغناه، وليتحقق بعجزه يمده بقدرته، وليتحقق بضعفه يمده بقوته، "تحقق بوصفك يمدك بوصفه". وبالله التوفيق. ثم بيَّن ما حرم عليهم ليقفوا عنده، فقال: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً}.
الطوسي
تفسير : العامل في قوله {حمولة وفرشا} قوله {أنشأ} المتقدم، كأنه قال وانشأ لكم من الانعام {حمولة وفرشا. وقيل في معنى: {حمولة وفرشا} ثلاثة أقوال: أحدها - ما روي عن ابن مسعود، وابن عباس في احدى الروايتين، والحسن في رواية - ومجاهد: ان الحمولة كبار الابل، والفرش الصغار. الثاني - ما روي عن الحسن - في رواية - وقتادة والربيع والسدي والضحاك وابن زيد: ان الحمولة ما حمل من الابل والبقر، والفرش الغنم. الثالث - ما روي عن ابن عباس - في رواية - ان الحمولة كل ما حمل من الابل والبقر والخيل والبغال والحمير، والفرش الغنم، كأنه ذهب الى أنه يدخل في الانعام ذو الحافر على الاتباع. و (الحمولة) لا واحد لها من لفظها كالركوبة والجزورة. و (الحمولة) بضم الحاء هي الاحمال، وهي الحمول. وانما قيل للصغار: فرش، لامرين: احدهما - لاستواء اسنانها في الصغر والانحطاط، كاستواء ما يفترش. الثاني - من الفرش وهي الارض المستوية التي يتوطأها الناس. وقال الجبائي: في التفسير، وابو بكر الرازي في احكام القرآن: ان الفرش ما يفترش من البسط، والزرابي. وهذا غلط قبيح جدا في اللغة. وقوله {خطوات} يجوز فيه ثلاثة أوجه - بضم الخاء والطاء، وضم الخاء وسكون الطاء، وضم الخاء وفتح الطاء - وفي معناه قولان: احدهما - ما يتخطى بكم الشيطان اليه من تحليل الى تحريم، ومن تحريم الى تحليل. الثاني - طرق الشيطان، فانه لا يسعى الا في عصيان. وقوله {إنه} الهاء كناية عن الشيطان {لكم عدو مبين} فيه اخبار من الله ان الشيطان عدو للبشر {مبين} أي ظاهر. وقيل في معنى {مبين} قولان: أحدهما - أنه أبان عداوته لكم بما كان منه الى أبيكم آدم حين اخرجه من الجنة. الثاني - بين العداوة أي لاظهاره ذلك في حزبه، وأوليائه من الشياطين هذا قول الحسن.
الجنابذي
تفسير : {وَ} أنشأ{مِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً} ما يحمل الاثقال {وَفَرْشاً} من شعرها وصوفها ووبرها قائلاً {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} من لحومها والبانها ولا تحرّموا شيئاً ممّا اباحه الله لكم منها {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} بالاسراف فيما اباحه الله لكم والتّجاوز الى تحريم ما احلّه الله وتحليل ما حرّمه منها وقد سبق فى سورة البقرة تحقيق وتفصيل لخطوات الشّيطان والآية تكون كسابقها اشارةً الى التّوسّط بين الافراط والتّفريط {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} الاهلىّ والوحشىّ {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} كذلك {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ} من الجنسين {حَرَّمَ} الله {أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ} من الجنسين {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ} اى الجنين من الجنسين ذكراً كان او انثى {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ} لا بظنّ وهوى وخديعة من النّفس او بما به يحصل العلم بانّ الله حرّم شيئاً من ذلك او بأمر معلوم مقطوع به لكم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فى دعويكم حرمة شيءٍ من ذلك.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ومن الأنعام حمولة وفرشاً} أي وأنشأ من الأنعام ما تحمل الأثقال وما يفرش للذبح، وما ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش، وقيل: الحمولة الكبار الذي تصلح للحمل والفرش الصغار كالفصلان والغنم والعجاجيل {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية ثم بين الحمولة والفرش، فقال تعالى: {ثمانية أزواج} أي وأنشأنا من الأنعام ثمانية أزواج يريد الذكر والأنثى كالجمل والناقة والثور والبقرة والكبش والنعجة والتيس والعنز،وروي أنه أتى مالك بن عوف الجشمي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول هذه الآيات وكان رجلاً ذا رأي فقال: يا محمد انك تحرم أشياء كانت أباؤنا تحللها وتحل أشياء كانت تحرمها فلم ذلك؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من قبل الذكر أم من قبل الانثى أم من قبل ما اشتملت عليه أرحام الانثيين؟" تفسير : فسكت مالك ثم تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {قل} يا محمد {آلذكرين حرم ام الانثيين} يعني ذكر الضأن والمعز حرمهما الله تعالى أو أُنثاهما فان كانت الذكور حرمهما في مواكل ذكر وان كانت الأنوثة فحرموا كل انثى {أمَّا اشتملت عليه أرحام الانثيين} وهو النعاج والماعز أم حرم ما خصَّهما الرحم من الانثيين ولا تشتمل الرحم إلاَّ على اما ذكر أو انثى فلم تحرمون بعضاً وتحلون بعضاً؟ {نبئوني بعلم} أي أخبروني بأمر معلوم من جهة الله تعالى يدل على تحريم ما حرمتم {ان كنتم صادقين} في ان الله تعالى حرمه، وكانوا يقولون ان الله حرم هذا الذي نحرمه فقال تعالى: {أم كنتم شهداء} على معنى عرفتم الوصية مشاهدين على أنكم لا تؤمنون بالله ورسوله {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} ينسب إليه تحريم ما لم يحرم {ليضل النَّاس بغير علم} وهو عمرو بن لحي الذي بحر البحائر وسيب السوائب ثم بين سبحانه المحرمات فقال: {قل} يا محمد {لا أجد فيما أُوحي إلي محرما} أي شيئاً محرماً {على طاعم يطعمه} أكل يأكله، قوله تعالى: {إلاَّ أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً} أي مصبوباً كدم العروق فأما الكبد والطحال فدمٌ جامدٌ غير مسفوح، وكذا الدم الذي يخالط اللحم فليسَ بمسفوح {أو لحم خنزير فانه رجسٌ} اي نجس خبيث حرام {أو فسقاً} معصية {أهل لغير الله به} يعني ما ذبح وذكر عنده اسم الأوثان {فمن اضطر} قيل: بلغ الضرورة في المجاعة {غير باغ} طالب التلذذ بأكله {ولا عاد} مجاوز قدر حاجته {فان ربك غفور رحيم}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} أي: وأنشأ من الأنعام، تبعاً للكلام الأول، {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشاتٍ} وأنشأ حمولة، أي: وخلق حمولة وفرشاً. قال بعضهم: الحمولة ما حمل من الإِبل، والفرش الصغار التي لا تطيق الحمل. وتفسير الحسن وغيره: الحمولة الإِبل والبقر، والفرش الغنم. قال: {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ} أي الحلال منه {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي خطايا الشيطان وقال بعضهم: أمر الشيطان فيما حرّم عليهم من الأنعام والحرث الذي ذكرنا قبل هذا الموضع. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي: بيّن العداوة. قوله: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ} أي ذكر وأنثى، والواحد زوج {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} على الاستفهام {أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ} من ذكر وأنثى، أم كل ذلك حرام، فإنه لم يحرّم منه شيئاً. {نَبِّئونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. أي إن الله حرم هذا؛ وهو ما حرموا من الأنعام التي ذكرنا مثل هذا الموضع.
اطفيش
تفسير : {ومِنَ الأنْعام حَمولةً وفَرْشاً} من الأنعام متعلق بأنشأ السابق بواسطة تسلطه على حمولة، وفرشا بالنصب على المفعولية بواسطة عطفهما بالواو على جناب، ومن للابتداء أى من جنس الأنعام، أو يتعلق بمحذوف حالا من حمولة وفرشا، فتكون من للتبعيض أو للبيان، والمعنى أنه أنشأ الحمولة والفرش لأبيكم آدم، فهى تتوالد حتى وصلتكم بالولادة وأنشأها لكم بمعنى أنه لم يقطع توالدها عنكم، بل صيرها تلد لكم، وقيل: يقدر أو أنشأ من الأنعام حمولة وفرشا، والحمولة ما يحمل على ظهره وهو الإبل، وإنما كانت فيه التاء مع أنه فعول بمعنى فاعل، لأنه اسم خارج عن الوصية، وأصله أن يكون وصفا والفرش ما دونه من الأنعام وهو البقر والغنم، شبهت لقربها من الأرض لصغرها بالنسبة إلى الإبل بما يفرش على الأرض. والفرش مصدر سمى به البساط المفروش على الأرض، ثم أطلق على البقر والغنم بالتشبه، والحمل ولو كان قد يكون على البقر وعلى كبش الراعى الذى يحمل عليه الشئ اليسير، لكن ذلك قليل غير مطرد، فوجب التيسير بالمطرد وهو الإبل. وقال الربيع ابن أنس: الحمولة الإبل والبقر، والفرش والغنم، وذلك باعتبار من اعتاد الحمل على البقر، وقيل: الحمولة الإبل الكبار، والفرش الصغار من الإبل وهو رواية عن ابن عباس رضى الله عنه، وعن ابن مسعود وابن عباس والحسن: الحمولة ما يحمل وهو الإبل الكبار، والبقر الكبار، والفرش الإبل الصغار، والبقر الصغار، والغنم. وعن ابن عباس: الحمولة الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، وكلما يحمل عليه، والفرش الغنم، وفى هذا تسميته غير الإبل والبقر والغنم أنعاماً مثلهن، وقيل: سمى الصغار من ذلك فرشا لقربه من الفرش الذى هو اسم للأنعام، أو قيل: لأنه يضطجع على الأرض فيكون كالفرش إذا أريد ذبحه، وقيل: لأنه يتخذ من صوفه وشعره ووبره ما يفرش على الأرض. {كلُوا ممَّا رزَقَكُم اللهُ} وهو تلك الأنعام والحروث وغيرها، لا تحرموا منه شيئا كالبحيرة وأخواتها، وما تجعلون للأصنام، والجملة مفعول لحال محذوف ناصبه أنشأ المذكور أو المحذوف، أى قائلين كلوا وهى محكيته إن قيل الإنشاء غير إنشاء أولها، أو أنشأها الأول، أو ما بعده باعتبار آدم ومقدرة إن قلنا الإنشاء الذى قبل آدم، أو الجملة معترضة كلام بلا تقدير قول، ومعلوم أن الله لا يسمع الحرام، فالمعنى مما رزقكم الله وكان حلالا، فالرزق يطلق على الحلال والحرام عندنا، لا كما قالت المعتزلة: إنه لا يطلق على الحرام، زعموا هنا أن الله أمر بأكل الرزق ومنع بعد من اتباع خطوات الشيطان، ومنها أكل الحرام، ولا يتعين ذلك، بل الآية أنسب بما قلنا بأن أباح الرزق ونهانا عما حرم منه وهو الحرام. {ولا تتَّبعُوا خُطُوات الشَّيْطان} وساويسه فى تحريم البحيرة وأخواتها، وأعنى بأخواتها السائبة والوصيلة والحامى، وفى تحريم ما يجعل للأصنام ونحو ذلك، فشبه وساويسه بآثار القدم، لأنهما شئ قد أثبته لهم ولمن قبلهم، فمتبعه كمتبع آثار القدم، وقرئ بضم الطاء اتباعا للخاء وبفتحها تخفيفا عن الضم، وأما الإسكان فعلى أصله المفرد. {إنَّه لكُم عدوٌّ مبينٌ} تعليل جملى أى لأنه لكم عدو ظاهر العداوة، أو مظهرها لكم غير مخفيها، فكيف تتبعون من يريد إهلاكهم؟! مبين حق، أبان بمعنى ظهر أو أظهر.
الالوسي
تفسير : {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} شروع في تفصيل حال الأنعام وإبطال ما تقوَّلوا على الله تعالى في شأنها بالتحريم والتحليل، وهو عطف على { أية : جَنَّـٰتٍ } تفسير : [الأنعام: 141] والجهة الجامعة إباحة الانتفاع بهما. والجار والمجرور متعلق بأنشأ. والحمولة ما يحمل عليه لا واحد له كالركوبة. والمراد به ما يحمل الأثقال من الأنعام وبالفرش ما يفرش للذبح أو ما يفرش المنسوج من صوفه وشعره ووبره، وإلى الأول ذهب أبو مسلم وروي عن الربيع بن أنس. وإلى الثاني ذهب الجبائي، وقيل: الحمولة الكبار الصالحة للحمل والفرش الصغار الدانية من الأرض مثل الفرش المفروش عليها، وروي ذلك عن ابن مسعود لكنه رضي الله تعالى عنه خص ذلك بكبار الإبل وصغارها وهو إحدى روايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي رواية أخرى الحمولة الإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه والفرش الغنم. {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } أي كلوا بعض ما رزقكم الله تعالى وهو الحلال فمن تبعيضية. والرزق شامل للحلال والحرام، والمعتزلة خصوه بالحلال كما تقدم أوائل الكتاب وادعوا أن هذه الآية أحد أدلتهم على ذلك وركبوا شكلاً منطقياً أجزاؤه سهلة الحصول تقديره الحرام ليس بمأكول شرعاً وهو ظاهر والرزق ما يؤكل شرعاً لقوله تعالى: { أية : كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [الأنعام: 142] فالحرام ليس برزق. وأنت تعلم أن هذا إنما يفيد لو صدق كل رزق مأكول شرعاً، والآية لا تدل عليه، أما إذا كانت تبعيضية فظاهر، وأما إن كانت ابتدائية فلأنه ليس فيها ما يدل على تناول الجميع، وقيل: معنى الآية استحلوا الأكل مما أعطاكم الله تعالى. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ } في أمر التحليل والتحريم بتقليد أسلافكم المجازفين في ذلك من تلقاء أنفسهم المفترين على الله سبحانه: {خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} أي طرقه فإن ذلك منهم بإغوائه واستتباعه إياهم {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي ظاهر العداوة فقد أخرج آدم عليه السلام من الجنة وقال: { أية : لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 62] أعاذنا الله تعالى والمسلمين من شره إنه الرحمن الرحيم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} في عين الجمع المطلق قائلاً {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ} أي القوى النفسانية: {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مّنَ ٱلإنْسِ} أي من الحواس والأعضاء الظاهرة أو من الصور الإنسانية بأن جعلتموهم أتباعكم بإغوائكم إياهم وتزيين اللذائذ الجسمانية لهم {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } وانتفع كل منا في صورة الجمعية الإنسانية بالآخر {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا ٱلَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا} بالموت أو المعاد على أقبح الهيآت وأسوأ الأحوال {قَالَ ٱلنَّارُ} أي نار الحرمان ووجدان الآلام {مَثْوَاكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ} ولا يشاء إلا ما يعلم ولا يعلم سبحانه الشيء إلا على ما هو عليه في نفسه { أية : إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } تفسير : [الأنعام: 128] لا يعذبكم إلا بهيئات نفوسكم على ما تقتضيه الحكمة عليهم بهاتيك الهيئات فيعذب على حسبها {وَكَذٰلِكَ نُوَلّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً} أي نجعل بعضهم ولي بعض أو إليه وقرينه في العذاب { أية : بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } تفسير : [الأنعام: 129] من المعاصي حسب استعدادهم. { أية : يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ } تفسير : [الأنعام: 130] وهي عند كثير من أرباب الإشارة العقول وهي رسل / خاصة ذاتية إلى ذويها مصححة لإرسال الرسل الآخر وهي رسل خارجية. وبعض المعتزلة حمل الرسول في قوله تعالى: { أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15] على العقل أيضاً. وهذه الأسئلة عند بعض المؤولين والأجوبة والشهادات كلها بلسان الحال وإظهار الأوصاف {ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ } أي الأبدان أو القلوب { أية : بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ } تفسير : [الأنعام: 131] بل ينبههم بالعقل وإرشاده إقامة للحجة ولله تعالى الحجة البالغة { أية : وَلِكُلّ دَرَجَـٰتٌ } تفسير : [الأنعام: 132] مراتب في القرب والبعد {وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ} لذاته عن كل ما سواه {ذُو ٱلرَّحْمَةِ } العامة الشاملة فخلق العباد ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، والغني عند الكثير مشير إلى نعت الجلال وذو الرحمة إلى صفة الجمال {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} لغناه الذاتي عنكم { أية : وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ } تفسير : [الأنعام: 133] من أهل طاعته برحمته {قُلْ... ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} أي جهتكم من الاستعداد { أية : إِنّى عَـٰمِلٌ } تفسير : [الأنعام: 135] على مكانتي من ذلك {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ} في قلوب عباده {جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ} ككرم العشق والمحبة {وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ} وهي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء والوفاء والعفة والحلم. والشجاعة {وَٱلنَّخْلَ} أي نخل الإيمان {وَٱلزَّرْعَ} أي زرع إرادات الأعمال الصالحة {وَٱلزَّيْتُونِ} أي زيتون الإخلاص {وَٱلرُّمَّانَ } أي رمان شجر الإلهام، وقيل في كل غير ذلك وباب التأويل واسع {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} وهو المشاهدات والمكاشفات {إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ} المريدين {حَقَّهُ } وهو الإرشاد والموعظة الحسنة {يَوْمَ حَصَادِهِ } أوان وصولكم فيه إلى مقام التمكين والاستقامة {وَلاَ تُسْرِفُواْ } بالكتمان عن المستحقين أو بالشروع في الكلام في غير وقته والدعوة قبل أوانها { أية : إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ } تفسير : [الأنعام: 141] لا يرتضي فعلهم {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ} أي قوى الإنسان {حَمُولَةً } ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع {وَفَرْشًا } ما هو مستعد لإصلاح القالب وقيام البشرية {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } وهو مختلف فرزق القلب هو التحقيق من حيث البرهان ورزق الروح هو المحبة بصدق التحرز عن الأكوان. ورزق السر هو شهود العرفان بلحظ العيان {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } بالميل إلى الشهوات الفانية والاحتجاب بالسوي { أية : إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } تفسير : [الأنعام: 142] يريد أن يحجبكم عن مولاكم والله تعالى الموفق لسلوك الرشاد.
ابن عاشور
تفسير : عُطف: {حمولة} على: { أية : جنات معروشات } تفسير : [الأنعام: 141] أي: وأنشأ من الأنعام حمولة وفَرْشاً، فينسحب عليه القصر الّذي في المعطوف عليه، أي هو الّذي أنشأ من الأنعام حمولة وفرشاً لا آلهة المشركين، فكان المشركون ظالمين في جعلهم للأصنام حقّاً في الأنعام. و(مِنْ) في قوله: {ومن الأنعام} ابتدائيّة لأنّ الابتداء معنى يصلح للحمولة وللفرش لأنَّه أوسع معاني (مِن). والمجرور: إمَّا متعلّق بــــ { أية : أنشأ } تفسير : [الأنعام: 141]، وإمَّا حال من {حمولة} أصلها صفة فلمّا قدمت تحوّلت. وأيًّا ما كان فتقديم المجرور على المفعول الّذي هو أولى بالتّقديم في ترتيب المتعلّقات، أو تقديمُ الصّفة على الموصوف، لقصد الاهتمام بأمر الأنعام، لأنَّها المقصود الأصلي من سياق الكلام، وهو إبطال تحريم بعضها، وإبطالُ جعل نصيب منها للأصنام، وأمَّا الحمل والفَرْش فذلك امتنان أُدمج في المقصود توفيراً للأغراض، ولأنّ للامتنان بذلك أثراً واضحاً في إبطال تحريم بعضها الّذي هو تضييق في المنّة ونبذ للنّعمة، وليتمّ الإيجاز إذ يغني عن أن يقول: وأنشأ لكم الأنعام وأنشأ منها حمولة وفرشاً، كما سيأتي. والأنعام: الإبل، والبقر، والشّاء، والمعز، وقد تقدّم في صدر سورة العقود، والحمولة ــــ بفتح الحاء ــــ ما يحمل عليه المتاع أو النّاس يقال: حمل المتاع وحمل فلاناً، قال تعالى: { أية : إذا ما أتَوْك لتحملهم } تفسير : [التوبة: 92] ويلزمها التّأنيث، والإفراد مثل (صَرورة) للّذي لم يحجّ يقال: امرأة صَرورة ورجل صّرورة. والفرش: اختلف في تفسيره في هذه الآية. فقيل: الفرش ما لا يُطيق الحَمل من الإبل أي فهو يركب كما يُفرش الفَرش، وهذا قول الراغب. وقيل: الفَرش الصّغار من الإبل أو من الأنعام كلّها، لأنَّها قريبة من الأرض فهي كالفرش، وقيل: الفرش ما يذبح لأنّه يفرش على الأرض حين الذبح أو بعده، أي فهو الضان والمعز والبقر لأنَّها تذبح. وفي «اللّسان» عن أبي إسحاق: أجمع أهل اللّغة على أنّ الفرش هو صغار الإبل. زاد في «الكشاف»: «أو الفَرْش: ما يُنْسَج من وبره وصوفه وشَعْره الفرْش» يريد أنه كما قال تعالى: { أية : ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين } تفسير : [النحل: 80]، وقال: { أية : والأنعام خلقها لكم فيها دِفْءٌ ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم } تفسير : [النحل: 5 ـــ 7] الآية، ولأنَّهم كانوا يفترشون جلود الغنم والمعز للجلوس عليها. ولفظ {فرشا} صالح لهذه المعاني كلّها، ومحامله كلّها مناسبة للمقام، فينبغي أن تكون مقصودة من الآية، وكأنّ لفظ الفرش لا يوازنه غيره في جمع هذه المعاني، وهذا من إعجاز القرآن من جانب فصاحته، فالحمولة الإبل خاصّة، والفَرش يكون من الإبل والبقر والغنم على اختلاف معاني اسم الفرش الصّالحة لكلّ نوع مع ضميمته إلى كلمة (من) الصالحة للابتداء. فالمعنى: وأنشأ من الأنعام ما تحملون عليه وتركبونه، وهو الإبل الكبيرة والإبل الصّغيرة، وما تأكلونه وهو البقر والغنم، وما هو فرش لكم وهو ما يُجزّ منها، وجلودها. وقد علم السّامع أنّ الله لمّا أنشأ حمولة وفرشاً من الأنعام فقد أنشأ الأنعام أيضاً، وأول ما يتبادر للنّاس حين ذكر الأنعام أن يتذكّروا أنَّهم يأكلون منها، فحصل إيجاز في الكلام ولذلك عقّب بقوله: {كلوا مما رزقكم الله}. وجملة: {كلوا مما رزقكم الله} معترضة مثل آية: { أية : كلوا من ثمره إذا أثمر } تفسير : [الأنعام: 141]. ومناسبة الأمر بالأكل بعد ذكر الأنعام: أنَّه لمّا كان قوله: {وفرشا} شيئاً ملائماً للذّبح، كما تقدّم، عقّب بالإذن بأكل ما يصلح للأكل منها. واقتصر على الأمر بالأكل لأنَّه المقصود من السّياق إبطالاً لتحريم ما حرّموه على أنفسهم، وتمهيداً لقوله: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} فالأمر بالأكل هنا مستعمل في النَّهي عن ضدّه وهو عدم الأكل من بعضها، أي لا تحرّموا ما أحلّ لكم منها اتّباعاً لتغرير الشّيطان بالسوسوسة لزعماء المشركين الّذين سنّوا لهم تلك السّنن الباطلة، وليس المراد بالأمر الإباحة فقط. وعدل عن الضّمير بأن يقول: كلوا مِنها: إلى الإتيان بالموصول، {مما رزقكم الله} لما في صلة الموصول من الإيماء إلى تضليل الّذين حرّموا على أنفسهم، أو على بعضهم، الأكل من بعضها، فعطّلوا على أنفسهم بعضاً ممّا رزقهم الله. ومعنى: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} النّهي عن شؤون الشّرك فإنّ أول خطوات الشّيطان في هذا الغرض هي تسويلهُ لهم تحريم بعض ما رزقهم الله على أنفسهم. وخطوات الشّيطان تمثيل، وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : يأيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّباً ولا تتّبعوا خطوات الشّيطان } تفسير : في سورة البقرة (168). وجملة: {إنه لكم عدوٌ مبين} تعليل للنّهي، وموقع (إنّ) فيه يغني عن فاء التّفريع كما تقدّم غير مرّة، وقد تقدّم بيانه في آية البقرة.
القطان
تفسير : الحمولة: الكبير من الابل والبقر الذي يحمل الناس عليه الاثقال. والفرش: هو ما يتخذ من صوف الحيوان ووبره وشعره. الخطوات (واحدها خطوة بضم الخاء): المسافة بين القدمين في المشي. ولقد خلق الله لكم من الانعام، وهي الابل والبقر والضأن والماعز، ما يحمل أثقالكم، وما تتخذون من أصوافها وأوبارها واشعارها فراشا لكم. وهي رزقٌ من الله لكم، فكلوا ما أحلّ الله منها ولا تتّبعوا الشيطان واولياءه في افتراء التحليل والتحريم، كما كان يفعل اهل الجاهلية.. ان الشيطان لا يريد لكم الخير لانه عدوُّ لكم ظاهر مبين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَنْعَامِ} {خُطُوَاتِ} {ٱلشَّيْطَانِ} (142) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ خَلَقَ مِنَ الأَنْعَامِ حَيَوَانَاتٍ كِبَاراً، لِيَحْمِلُوا عَلَيْهَا مَتَاعَهُمْ وَأَثْقَالَهُمْ (حَمُولَةً) كَالجِمَالِ وَالأَبْقَارِ، وَخَلَقَ مِنَ الأَنْعَامِ صِغَاراً كَالفُصْلانِ الدَّانِيَةِ مِنَ الأَرْضِ لِصِغَرِ أَجْسَامِهَا، كَالفرْشِ المَفْرُوشَةِ عَلَيها، لِيَأْكُلُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَلُحُومِهَا، وَلِسْتَفِيدُوا مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِها. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ مِنَ الأَنْعَامِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ طَرَائِقِ الشَّيْطَانِ وَمَسَالِكِهِ وَأَوَامِرِهِ كَمَا اتَّبَعَهَا المُشْرِكُونَ الذِينَ حَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَيْهِ. وَالشَّيْطَانُ عَدُوٌّ لِلإِنْسَانِ بيِّنُ العَدَاوَةِ، لاَ يُرِيدُ لَهُ الخَيْرَ، وَلا يُرِيدُ لَهُ الأَمْنَ وَالسَّلاَمَةَ، وَلاَ الفَوْزَ بِرِضْوَانِ اللهِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُضِلَّهُ وَيُودِي بِهِ إِلى الهَلاَكِ. حَمُولَةً - مَا يَحْمِلُ الأَثْقَالَ كَالإِبْلِ. فَرْشاً - مَا يُفْرَشُ لِلْذَّبْحِ، كَالغَنَمِ وَالمَاعِزِ. أَوْ مَا هُوَ صَغيرُ الجِسْمِ قَرِيبٌ مِنَ الأَرْضِ كَالفِرَاشِ. خُطُوَاتِ - طُرُقَهُ وَآثَارَهُ تَحْرِيماً وَتَحْلِيلاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبعد أن تكلم سبحانه عن نعمه علينا في الزراعة ونعمه علينا في الماشية قال: {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ} وهي الإبل والبقر والغنم، {حَمُولَةً} والحمولة هي التي تحمل، فيقال: "فلان حَمول" أي يتحمل كثيراً. والحق يقول: {أية : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ...} تفسير : [النحل: 7] والذي تحمله فوق ظهرها يسمى "حُمُولة". ولذلك نقول عن السيارة التي تنتقل "حمولة كذا طن". "ومن الأنعام حمولة وفرشاً". والإبل نحمل عليها الرحال، وكل متطلباتنا، و"فرشا" معناها: مقابل الحمولة. فالحمولة هي المشتدة التي تقوى على أن تحمل. وكل ما لا يستطيع الحمل لصغره، أو لأنه لم يعد لذلك، إذا ما نظرت إليه نظرة سطحية تجده وكأنه فارش للأرض. أو "ومن الأنعام حمولة"؛ وهي التي تحمل متاعكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس. "وفرشا" أي ومن ما تتخذون منه فرشاً بأن ننسج من وبره وصوفه وشعره ما نفرشه. {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [الأنعام: 142] وفي الحديث عن الأنعام، جاء بالحمولة والفرش ويأتي أيضاً بسيرة الأكل؛ لأننا نأكل لحمها وألبانها ومشتقات الألبان كلها، وهكذا تتعدد المنافع، فهي تحملنا ونأخذ من أصوافها وأوبارها وشعورها الفرش، والوبر وهو شعر الجمال، والصوف وهو شعر الغنم، وشعر الماعز يتميز بلمعة وانفصالية بين شعيراته. ونلحظ أنه سبحانه قال في الآية الأولى: "كلوا" وفي الثانية: "كلوا"؛ لأن ذلك جاء بعد الكلام عما حرموه على أنفسهم من أرزاق الله في الأرض. فكان ولابد أن يؤكد هذا المعنى، ويوضح: إن الذي خلق هو الله، والذي كلف هو الله، فلا تأخذوا تحليلاً لشيء ولا تحريماً لشيء إلا ممن خلق وممن كلف. {... كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}. الشيطان هو الذي يوسوس لهم بالمخالفة لمنهج الله، وعداوة الشيطان ظاهرة. فإذا ماكنت العداوة سابقة، فقد أنزل آدم وحواء من رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية وجرأهما على المخالفة فخرجا من الجنة، كان من الواجب أن نحتاطُ في قبول هذه الوسوسة. ثم يفصل الحق لنا الأنعام التي نتخذها حمولة، أو نأخذ منها فرشاً فقال: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ..}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {حَمُولَةً وَفَرْشاً} فالحَمولةُ: الكِبارُ مِن الإِبلِ والفَرشُ: الصِغار. ويقالُ الفَرشُ: الغَنمُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { و } خلق وأنشأ { من الأنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا } أي: بعضها تحملون عليه وتركبونه، وبعضها لا تصلح للحمل والركوب عليها لصغرها كالفصلان ونحوها، وهي الفرش، فهي من جهة الحمل والركوب، تنقسم إلى هذين القسمين. وأما من جهة الأكل وأنواع الانتفاع، فإنها كلها تؤكل وينتفع بها. ولهذا قال: { كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } أي: طرقه وأعماله التيمن جملتها أن تحرموا بعض ما رزقكم الله. { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } فلا يأمركم إلا بما فيه مضرتكم وشقاؤكم الأبدي. وهذه الأنعام التي امتن الله بها على عباده، وجعلها كلها حلالا طيبا، فصلها بأنها: { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ } ذكر وأنثى { وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } كذلك،فهذه أربعة، كلها داخلة فيما أحل الله، لا فرق بين شيء منها، فقل لهؤلاء المتكلفين، الذين يحرمون منها شيئا دون شيء، أو يحرمون بعضها على الإناث دون الذكور، ملزما لهم بعدم وجود الفرق بين ما أباحوا منها وحرموا: { آلذَّكَرَيْنِ } من الضأن والمعز { حَرَّمَ } الله، فلستم تقولون بذلك وتطردونه، { أَمِ الأنْثَيَيْنِ } حرم الله من الضأن والمعز، فليس هذا قولكم، لا تحريم الذكور الخلص، ولا الإناث الخلص من الصنفين. بقي إذا كان الرحم مشتملا على ذكر وأنثى، أو على مجهول فقال: { أَمْ } تحرمون { ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ } أي: أنثى الضأن وأنثى المعز، من غير فرق بين ذكر وأنثى، فلستم تقولون أيضا بهذا القول. فإذا كنتم لا تقولون بأحد هذه الأقوال الثلاثة، التي حصرت الأقسام الممكنة في ذلك، فإلى أي شيء تذهبون؟. { نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } في قولكم ودعواكم، ومن المعلوم أنهم لا يمكنهم أن يقولوا قولا سائغا في العقل، إلا واحدا من هذه الأمور الثلاثة. وهم لا يقولون بشيء منها. إنما يقولون: إن بعض الأنعام التي يصطلحون عليها اصطلاحات من عند أنفسهم، حرام على الإناث دون الذكور، أو محرمة في وقت من الأوقات، أو نحو ذلك من الأقوال، التي يعلم علما لا شك فيه أن مصدرها من الجهل المركب، والعقول المختلة المنحرفة، والآراء الفاسدة، وأن الله، ما أنزل -بما قالوه- من سلطان، ولا لهم عليه حجة ولا برهان. ثم ذكر في الإبل والبقر مثل ذلك. فلما بين بطلان قولهم وفساده، قال لهم قولا لا حيلة لهم في الخروج من تبعته، إلا في اتباع شرع الله. { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ } أي: لم يبق عليكم إلا دعوى، لا سبيل لكم إلى صدقها وصحتها. وهي أن تقولوا: إن الله وصَّانا بذلك، وأوحى إلينا كما أوحى إلى رسله، بل أوحى إلينا وحيا مخالفا لما دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب، وهذا افتراء لا يجهله أحد، ولهذا قال: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي: مع كذبه وافترائه على الله، قصده بذلك إضلال عباد الله عن سبيل الله، بغير بينة منه ولا برهان، ولا عقل ولا نقل. { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } الذين لا إرادة لهم في غير الظلم والجور، والافتراء على الله.
همام الصنعاني
تفسير : 862- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، عن الحسن، في قوله تعالى: {حَمُولَةً وَفَرْشاً}: [الآية: 142]، قال: الحمولة ما حمل عليه مِنْهَا والفرش: حواشيها يعني صِغَارها. 863- حدثنا عبد الرزاق، قال: مَعْمَر، وقال قَتَادَة: وكانَ غير الحسن يَقُول: الحمولة: الإِبل والبقر، والفرش: الْغَنَمُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):