٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
143
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} «ثمانِيةَ» منصوب بفعل مضمر، أي وأنشأ «ثمانية أزواج»؛ عن الكسائي. وقال الأخفش سعيد: هو منصوب على البدل من «حَمُولَةً وَفَرْشاً». وقال الأخفش عليّ بن سليمان: يكون منصوباً بـ«كُلُوا»؛ أي كلوا لَحم ثمانية أزواج. ويجوز أن يكون منصوباً على البدل من «ما» على الموضع. ويجوز أن يكون منصوباً بمعنى كلوا المباح «ثمانية أزواج من الضأن ٱثنين». ونزلت الآية في مالك بن عوف وأصحابه حيث قالوا: «مَا فِي بطون هذهِ الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا» فنبّه الله عز وجل نبيّه والمؤمنين بهذه الآية على ما أحلّه لهم؛ لئلا يكونوا بمنزلة من حرّم ما أحله الله تعالى. والزوج خلاف الفَرْد؛ يقال: زَوْج أو فَرْد. كما يقال: خَساً أو زَكاً، شفع أو وتر. فقوله: «ثمانية أزواج» يعني ثمانية أفراد. وكل فَرْد عند العرب يحتاج إلى آخر يُسَمَّى زوجاً، فيقال للذكر زوج وللأنثى زوج. ويقع لفظ الزوج للواحد وللاثنين؛ يقال هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيّان وهما سواء. وتقول: ٱشتريت زَوْجي حمام. وأنت تعني ذكراً وأنثى. الثانية: قوله تعالى: {مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} أي الذكر والأنثى. والضأن: ذوات الصوف من الغنم، وهي جمع ضائن. والأنثى ضائنة، والجمع ضوائن. وقيل: هو جمعٌ لا واحد له. وقيل في جمعه: ضئين؛ كعَبْد وعَبِيد. ويقال فيه: ضِئين. كما يقال في شَعير: شِعير، كسرت الضاد ٱتباعاً. وقرأ طلحة ابن مُصَرِّف «من الضَّأَنِ ٱثنينِ» بفتح الهمزة، وهي لغة مَسموعة عند البصريين. وهو مطّرد عند الكوفيين في كل ما ثانيه حرفُ حلق. وكذلك الفتح والإسكان في المعز. وقرأ أبَان بن عثمان «مِن الضَّأْن ٱثْنَانِ ومِن المعز ٱثنان» رفعاً بالابتداء. وفي حرف أُبَيّ. «وَمِنَ الَمْعز ٱثنان» وهي قراءة الأكثر. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بالفتح. قال النحاس: الأكثر في كلام العرب المعْز والضّأْن بالإسكان. ويدل على هذا قولهم في الجمع: معيز؛ فهذا جمع معْز. كما يقال: عبد وعبيد. قال ٱمرؤ القيس:شعر : ويَمْنَحُها بنو شَمَجَى بن جَرْم مَعِيزَهُم حَنانَكَ ذا الحنَانِ تفسير : ومثله ضأن وضئين. والمعز من الغنم خلاف الضأن، وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار، وهو ٱسم جنس، وكذلك المَعَز والمِعيزُ والأُمعُوز والمِعزى. وواحد المَعْز ماعز؛ مثل صاحب وصَحْب وتاجر وتَجْر. والأنثى ماعزة وهي العَنز، والجمع مواعز. وأمعز القومُ كثرت معزاهم. والمعّاز صاحب المعزى. قال أبو محمد الفَقْعَسِيّ يصف إبلاً بكثرة اللبن ويفضلها على الغنم في شدة الزمان:شعر : يَكِلْنَ كَيْلاً ليس بالْمَمحُوقِ إذْ رَضِيَ المعَّاز باللعُوقِ تفسير : والمَعَز الصلابة من الأرض. والأمْعَز: المكان الصُّلب الكثير الحصى؛ والمعْزَاء أيضاً. واستمعز الرجل في أمره: جَدّ. {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ} منصوب بـ«حرّم». {أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ} عطف عليه. وكذا {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ}. وزيدت مع ألف الوصل مَدّة للفرق بين الاستفهام والخبر. ويجوز حذف الهمزة لأن «أم» تدل على الاستفهام. كما قال:شعر : تَرُوحُ مـن الحَيِّ أم تَبْتَكِـرْ تفسير : الثالثة: قال العلماء: الآية ٱحتجاج على المشركين في أمر البَحيرة وما ذُكر معها. وقولهم: «مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا». فدلّت على إثبات المناظرة في العلم؛ لأن الله تعالى أمر نبيّه عليه السلام بأن يناظرهم، ويبيّن لهم فساد قولهم. وفيها إثبات القول بالنظر والقياس. وفيها دليل بأن القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به. ويروى: «إذا ورد عليه النقض»؛ لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة، وأمرهم بطرد علتهم. والمعنى: قل لهم إن كان حرّم الذكور فكل ذكر حرام. وإن كان حرم الإناث فكل أنثى حرام. وإن كان حرّم ما ٱشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني من الضأن والمعز، فكل مولود حرام، ذكراً كان أو أنثى. وكلها مولود فكلها إذاً حرام لوجود العلة فيها، فبيّن ٱنتقاض علّتهم وفساد قولهم؛ فأعلم الله سبحانه أن ما فعلوه من ذلك ٱفتراء عليه {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ} أي بعلم إن كان عندكم، مِن أين هذا التحريم الذي افتعلتموه؟ ولا علم عندهم؛ لأنهم لا يقرءون الكتب. والقول في: {وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ} وما بعده كما سبق {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} أي هل شاهدتم الله قد حرّم هذا. ولمّا لزمتهم الحجة أخذوا في الافتراء فقالوا: كذا أمر الله. فقال الله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} بيّن أنهم كذبوا؛ إذ قالوا ما لم يقم عليه دليل.
البيضاوي
تفسير : {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ} بدل من حمولة وفرشاً، أو مفعول كلوا، ولا تتبعوا معترض بينهما أو فعل دل عليه أو حال من ما بمعنى مختلفة أو متعددة والزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه وقد يقال لمجموعهما والمراد الأول. {مّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} زوجين اثنين الكبش والنعجة، وهو بدل من ثمانية وقرىء «اثنان» على الابتداء. و {ٱلضَّأْنِ} اسم جنس كالإِبل وجمعه ضئين أو جمع ضائن كتاجر وتجر. وقرىء بفتح الهمزة وهو لغة فيه. {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} التيس والعنز، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بالفتح وهو جمع ماعز كصاحب وصحب وحارس وحرس، وقرىء «المعزى». {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ} ذكر الضأن وذكر المعز. {حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ} أم أنثييهما ونصب الذكرين والانثيين بحرم {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ} أو ما حملت إناث الجنسين ذكراً كان أو أنثى {نَبّئُونِي بِعِلْمٍ} بأمرٍ معلوم يدل على أن الله تعالى حرم شيئاً من ذلك {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ دعوى التحريم عليه.
ابن كثير
تفسير : هذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام؛ فيما كانوا حرموا من الأنعام، وجعلوها أجزاء وأنواعاً: بحيرة وسائبة ووصيلة وحاماً، وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام والزروع والثمار، فبين تعالى أنه أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشاً، ثم بين أصناف الأنعام إلى غنم، وهو بياض، وهو الضأن، وسواد، وهو المعز، ذكره وأنثاه، وإلى إبل؛ ذكورها وإناثها، وبقر كذلك، وأنه تعالى لم يحرم شيئاً من ذلك، ولا شيئاً من أولادها، بل كلها مخلوقة لبني آدم؛ أكلاً وركوباً وحمولة وحلباً، وغير ذلك من وجوه المنافع، كما قال: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَاجٍ} تفسير : [الزمر: 6] الآية. وقوله تعالى: {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ} رد عليهم في قولهم: {أية : مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا} تفسير : [الأنعام: 139] الآية. وقوله تعالى: {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: أخبروني عن يقين، كيف حرم الله عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك؟ وقال العوفي عن ابن عباس: قوله: {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} فهذه أربعة أزواج {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ} يقول: لم أحرم شيئاً من ذلك {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ} يعني: هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرمون بعضاً وتحلون بعضاً؟ {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} يقول تعالى: كله حلال. وقوله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّـٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا} تهكم بهم فيما ابتدعوه وافتروه على الله؛ من تحريم ما حرموه من ذلك، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: لا أحد أظلم منهم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} وأول من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي ابن قمعة؛ لأنه أول من غير دين الأنبياء، وأول من سيب السوائب، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي؛ كما ثبت ذلك في الصحيح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثَمَٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } أصناف بدل من (حمولة وفرشاً) {مِّنَ ٱلضَّأْنِ } زوجين {ٱثْنَيْنِ } ذكر وأنثى {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ } بالفتح والسكون {ٱثْنَيْنِ قُلْ } يا محمد لمَن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى ونسب ذلك إلى اللّهِ {آلذَّكَريْن} من الضأن والمعز { حَرَّمَ } اللّهُ عليكم {أَمِ ٱلانثَيَيْنِ } منهما {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلانثَيَيْنِ } ذكراً كان أو أنثى {نَبّئُونِي بِعِلْمٍ } عن كيفية تحريم ذلك {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } فيه، المعنى: من أين جاء التحريم؟ فإن كان من قبل الذكورة فجميع الذكور حرام، أو الأنوثة فجميع الإِناث، أو اشتمال الرحم فالزوجان، فمن أين التخصيص؟ والاستفهام للإنكار.
الشوكاني
تفسير : اختلف في انتصاب {ثَمَـٰنِيَةَ} على ماذا؟ فقال الكسائي: بفعل مضمر، أي وأنشأ ثمانية أزواج، وقال الأخفش سعيد: هو منصوب على البدل من حمولة وفرشاً؛ وقال الأخفش علي بن سليمان: هو منصوب بـ {كلوا}، أي كلوا لحم ثمانية أزواج. وقيل: منصوب على أنه بدل من «ما» في «ممارزقكم الله» والزوج خلاف الفرد، يقال زوج أو فرد، كما يقال شفع أو وتر، فقوله: {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } يعني ثمانية أفراد، وإنما سمي الفرد زوجاً في هذه الآية لأن كل واحد من الذكر والأنثى زوج بالنسبة إلى الآخر، ويقع لفظ الزوج على الواحد، فيقال هما زوج، وهو زوج، ويقول اشتريت زوجي حمام، أي ذكرا وأنثى. والحاصل أن الواحد إذا كان منفرداً سواء كان ذكراً أو أنثى، قيل له فرد، وإن كان الذكر مع أنثى من جنسه قيل لهما زوج، ولكل واحد على انفراده منهما زوج، ويقال لهما أيضاً زوجان، ومنه قوله تعالى: {أية : فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأنثَىٰ }تفسير : [القيامة: 39]. قوله: {مِنْ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ } بدل من ثمانية منتصب بناصبه على حسب الخلاف السابق، والضأن ذوات الصوف من الغنم، وهو جمع ضائن، ويقال للأنثى ضائنة، والجمع ضوائن. وقيل: هو جمع لا واحد له. وقيل: في جمعه ضئين كعبد وعبيد. وقرأ طلحة بن مصرف «الضأن» بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بسكونها. وقرأ أبان بن عثمان {وَمِنْ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَانِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَانِ } رفعاً بالابتداء. قوله: {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ } معطوف على ما قبله مشارك له في حكمه. وقرأ ابن عامر، وأبو عمرو، وابن كثير، وأهل البصرة، بفتح العين {من المعز}. وقرأ الباقون بسكونها. قال النحاس: الأكثر في كلام العرب المعز والضأن بالإسكان، والمعز من الغنم خلاف الضأن، وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار، وهو اسم جنس، وواحد المعز ماعز، مثل صحب وصاحب، وركب وراكب، وتجر وتاجر، والأنثى ماعزة. والمراد من هذه الآية: أن الله سبحانه بين حال الأنعام وتفاصيلها إلى الأقسام المذكورة توضيحاً للامتنان بها على عباده، ودفعاً لما كانت الجاهلية تزعمه من تحليل بعضها وتحريم بعضها، تقوّلاً على الله سبحانه وافتراء عليه، والهمزة في {قُلْ ءآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلانثَيَيْنِ } للإنكار. والمراد بالذكرين الكبش والتيس، وبالأنثيين النعجة والعنز، وانتصاب الذكرين بحرّم، والأنثيين معطوف عليه منصوب بناصبه. والمعنى: الإنكار على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر معها. وقولهم: {مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا } أي قل لهم إن كان حرّم الذكور فكل ذكر حرام، وإن كان حرّم الإناث فكل أنثى حرام، وإن كان حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني من الضأن والمعز، فكل مولود حرام، ذكراً كان أو أنثى وكلها مولود. فيستلزم أن كلها حرام. وقوله: {َنبِئُونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي أخبروني بعلم لا بجهل إن كنتم صادقين. والمراد من هذا التبكيت لهم وإلزام الحجة؛ لأنه يعلم أنه لا علم عندهم، وهكذا الكلام في قوله: {وَمِنَ ٱلإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ } إلى آخره. قوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّـٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا } أم هي المنقطعة، والإستفهام للإنكار، وهي بمعنى بل والهمزة، أي بل أكنتم شهداء حاضرين مشاهدين إذ وصاكم الله بهذا التحريم؟ والمراد التبكيت وإلزام الحجة كما سلف قبله. قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً فحرّم شيئاً لم يحرّمه الله، ونسب ذلك افتراء عليه كما فعله كبراء المشركين، واللام في {لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ } للعلة، أي لأجل أن يضل الناس بجهل، وهو متعلق بـ {افترى} {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } على العموم. وهؤلاء المذكورون في السياق داخلون في ذلك دخولاً أوّلياً، وينبغي أن ينظر في وجه تقديم المعز والضأن على الإبل والبقر مع كون الإبل والبقر أكثر نفعاً وأكبر أجساماً وأعود فائدة، لا سيما في الحمولة والفرش اللذين وقع الإبدال منهما على ما هو الوجه الأوضح في إعراب ثمانية. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، من طرق عن ابن عباس قال: الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز. وليت شعري ما فائدة نقل هذا الكلام عن ابن عباس من مثل هؤلاء الأئمة، فإنها لا تتعلق به فائدة، وكون الأزواج الثمانية هي المذكورة، هو هكذا في الآية مصرحاً به تصريحاً لا لبس فيه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: الذكر والأنثى زوجان. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } قال: في شأن ما نهى الله عنه من البحيرة والسائبة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ليث بن أبي سليم قال: الجاموس والبختيّ من الأزواج الثمانية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طرق عن ابن عباس، في قوله: {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ مّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ } قال: فهذه أربعة {قُلْ ءآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ } يقول: لم أحرّم شيئاً من ذلك {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ } يعني: هل تشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى فلم يحرّمون بعضاً ويحلون بعضاً؟ {نَبّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } يقول كلها حلال، يعني ما تقدّم ذكره مما حرّمه أهل الجاهلية.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أما الزوج فاسم ينطلق على الواحد وعلى الاثنين، يقال للاثنين زوج، ويقال للواحد زوج لأنه لا يكون زوجاً إلا ومعه آخر له مثل اسمه، قال لبيد: شعر : من كل محفوف يظل عصيه زوج عليه كلة وقرامها تفسير : فلذلك قال: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} لأنها ثمانية آحاد. ثم فسرها فقال: {مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} يعني ذكراً وأنثى. {وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} يعني ذكراً وأنثى. {قُلُ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ} إبطالاً لما حرمته الجاهلية منها في البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. {أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ} يعني قولهم: {مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَرْحَامِ خالصةً لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا}. ثم قال تعالى: {وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} يريد به ما أراده في الضأن والمعز وأن هذه الثمانية أزواج حلال لا يحرم منها شيء بتحريمكم. حكى أبو صالح عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتاه عوف بن مالك، فقال له: أَحَلَّلْتَ ما حرمه أباؤنا، يعني من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال: {ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ} فسكت عوف لظهور الحجة عليه.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} ذكر وأثنى {ءَآلذَّكَرَيْنِ} إبطال لما حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وما اشتملت عليه أرحام الأنثيين قولهم: {أية : مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا}تفسير : [الأنعام: 139] لما جاء عوف بن مالك فقال للرسول صلى الله عليه وسلم أحللت ما حرّمه آباؤنا ـ يعني ـ البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي فنزلت، فسكت عوف لظهور الحجة عليه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ}، وٱختلف في نَصْبِها فقيل: على البدل من «مَا» في قوله: {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ}، وقيل: على الحال، وقيل: على البدل من قوله: {حَمُولَةً وَفَرْشاً}، وهذا أصوب الأقوال، وأجراها على معنى الآيةِ، والزَّوْج: الذكر، والزَّوْج الأنثَىٰ، فكل واحدٍ منهما زَوْجُ صاحبِهِ، وهي أربعة أنواعٍ؛ فتجيء ثمانية أزواجٍ، والضَّأْن: جمع ضَائِنَة وضَائِن. وقوله سبحانه: {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ}، هذا تقسيمٌ على الكفَّار؛ حتَّىٰ يتبيَّن كذبهم على اللَّه، أي: لا بد أن يكون حَرَّم الذكَرَيْن؛ فيلزمكم تحريمُ جميعِ الذُّكور، أو الأنثيين؛ فيلزمكم تحريمُ جميع الإناث، {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ}، فيلزمكم تحريمُ الجميعِ، وأنتم لم تلتزموا شيئاً يوجبه هذا التقسيمُ، وفي هذه السؤالاتِ تقريعٌ وتوبيخٌ، ثم أتْبَعَ تقريعَهُم بقوله: {نَبِّئُونِي}، أي: أخبروني {بِعِلْمٍ}، أي: من جهة نبوَّة أو كتابٍ من كتب اللَّهِ {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}، و {إن} شرطٌ، وجوابه في {نَبِّئُونِي}. وقوله سبحانه: {وَمِنَ ٱلإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ...} الآية: القولُ في هذه الآية في المعنَىٰ وترتيبِ التقسيمِ؛ كما تقدَّم، فكأنه قال: أنتم الذين تدَّعون أن اللَّه حرم خصائصَ مِنْ هذه الأنعام لا يَخْلُو تحريمه مِنْ أن يكون في الذَّكَرَيْن أو في الأُنْثَيَيْن، أو فيما ٱشتملَتْ عليه أرحامُ الأنثيين، لكنه لم يُحَرِّم لا هذا ولا هذا ولا هذا؛ فلم يَبْقَ إلا أنه لم يَقَعْ تحريمٌ، قال الفَخْر: والصحيحُ عندي أن هذه الآية لم ترد علَىٰ سبيل الاستدلالِ علَىٰ بطلان قولهم، بل هي ٱستفهامٌ على سبيل الإنكار، وحاصلُ الكلام: أنكم لا تعترفُون بنبوَّة أحد من الأنبياء، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة. انتهى. وقوله سبحانه: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّـٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا}: استفهامٌ؛ علَىٰ سبيل التوبيخِ، و {شُهَدَاء}: جمعُ شهيدٍ، وباقي الآية بيِّن. وقوله تعالى: {قُل لآ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً...} الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ بمكَّة، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقْتِ شيء محرَّم غير هذه الأشياء، ثم نزلَت، سورة المائدة بالمدينة، وزيدَ في المحرَّمات؛ كالخمر، وكأكل كل ذي نابٍ من السباعِ ممَّا وردَتْ به السُّنَّة. قال * ع *: ولفظة التحريمِ، إذا وردَتْ على لسان رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإنَّها صالحةٌ أن تنتهي بالشيء المذكور غَايَةَ المنْعِ والحظرِ، وصالحةٌ بحسب اللغة أنْ تقف دون الغاية في حَيِّز الكراهية ونحوها، فما ٱقترنَتْ به قرينةُ التسليمِ من الصحابة المتأوِّلينِ، وأجمع عليه الكلُّ منهم، ولم تَضْطَرِبْ فيه ألفاظ الأحاديث، وأمضاه الناسُ ـــ وجب بالشَّرْعِ أنْ يكون تحريمه قَدْ وصَل الغايةَ من الحَظْر والمَنْع، ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر، وما ٱقترنت به قرينةُ ٱضطراب ألفاظ الحديثِ، واختلف الأمة فيه، مع علمهم بالأحاديث؛ كقوله ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ»تفسير : ، وقد روي عنه «نَهَىٰ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»، ثم اختلفتِ الصحابة ومَنْ بعدهم في تحريمِ ذلك، فجاز لهذه الوجوه لِمَنْ ينظر أَنْ يحمل لفظ التحريم على المَنْع الذي هو على الكراهية ونحوها، وما ٱقترنَتْ به قرينةُ التأويلِ؛ كتحريمه ـــ عليه السلام ـــ لُحُومَ الحُمُرِ الأنْسِيَّةِ، فتأول بعض الصحابة الحاضِرِينَ ذلك؛ لأنها لم تخمَّس، وتأوَّل بعضهم أن ذلك لئَلاَّ تفنَىٰ حمولةُ النَّاس، وتأول بعضهم التحريمَ المَحْضَ، وثبت في الأمة الاختلافُ في لَحْمها، فجائز لِمَنْ ينظر من العلماءِ أنْ يحمل لفظ التحريمِ بحسب ٱجتهاده وقياسه علَىٰ كراهية أو نحوها، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج} في نصبه ستة أوجه: أحسنها: أن يكُون بدلاً من "حمولة وفَرْشاً" لولا ما نَقَله الزَّجَّاج من الإجماع المُتقدِّم، ولكن ليس فيه أنَّ ذلك مَحْصُور في الإبل، والقَوْل بالبدلِ هو قَوْل الزَّجَّاج والفرَّاء. والثاني: أنه مَنْصُوب بـ "كُلُوا" الذي قَبْلَه أي: كُلُوا ثمانية أزْوَاج، ويكون قوله - تعالى -: {وَلاَ تَتَّبِعُوا} إلى آخره كالمُعَتَرِض بين الفِعْل ومَنْصُوبه، وهو قول عَلِيّ بن سُلَيْمَان وقدَّرَه: كُلُوا لَحْم ثَمَانِية. وقال أبو البَقَاء - رحمه الله -: هو مَنْصُوب بـ "كُلُوا" تقديره:كلوا مِمَّا رزقَكُم اللَّه ثمانية أزْوَاج، "ولا تسرفوا"مُعْتَرِض بَيْنَهُما. قال شهاب الدَّين: صوابه أن يقول: "ولا تَتَّبعُوا" بدل "ولا تُسْرفُوا"؛ لأن "كُلُوا" - الذي يَلِيه "ولا تُسْرِفوا" - ليس مُنْصَبًّا على هذا؛ لأنه بعيد منه، ولأن بَعْده ما هو أوْلَى منه بالعمل، ويحتمل أن يَكُون الناسخ غَلَط عَلَيْه، وإنما قال هو: "ولا تَتَّبِعُوا"؛ ويدل على ذلك أنه قال: "تقديره: كُلُوا ممَّا رَزَقكُم اللَّه" و "كُلُوا" الأوَّل ليس بَعْدَه "ممَّا رَزقكُم"، إنما هو بَعْد الثَّاني. الثالث: أنه عَطْف على "جَنَّاتٍ" أي: أنْشَأ جنات وأنْشَأ ثَمَانِية أزْوَاج، ثم حُذِفَ الفِعْل وحَرْف العَطْفِ؛ وهو مذهب الكسَائِيّ. قال أبو البقاء: "وهو ضعيف". قال شهاب الدين: الأمْر كذلك وقد سُمِع ذلك في كلامهم نَثْراً ونَظْماً: ففي النثر قوله: "أكلتُ لَحْماً سمَكاً تَمْراً" وفي نَظْمِهِم قول الشاعر: [الخفيف] شعر : 2362- كَيْفَ أصْبحْتَ كَيْف أمْسَيْتَ مِمَّا يَزْرَعُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَرِيمِ تفسير : أي: أكلت لَحْماً وسمكاً وتمراً، وكيف أصْبَحْت وكيف أمْسَيْت، وهذا على أحَدِ القولين في ذلك. والقول الثاني: أنه بدل بداء؛ ومنه الحديث: "حديث : إنَّ الرَّجُلَ لَيصَلِّي الصَّلاة، وما كُتِبَ له نِصْفُهَا ثلثُهَا رُبْعُها" تفسير : إلى أنْ وَصَلَ إلى العُشْرِ. الرابع: أنه مَنْصُوبٌ بفعل مَحْذُوفٍ مدلول عليه بما في اللَّفْظِ، تقديره: كُلُوا ثمانية أزْوَاج؛ وهذا أضْعَفُ مما قبله. الخامس: أنه مَنْصُوب على الحالِ، تقديره: مُخْتَلفة أو متعدِّدَة، وصاحب الحال: "الأنْعَام" فالعَامِل في الحال ما تعلَّق به الجَارُّ وهو "مِنْ" السادس: أنه مَنْصُوب على البدل من محلِّ "مِمَّا رَزَقَكُم اللَّه". فصل في بيان كلمة "زَوْج" الوَاحِد إذا كان وْحده فهو فَرْد، وإذا كان مَعَهُ غيره من جِنْسِه سُمِّي زَوْجاً وهما زَوْجَانح قال - تعالى -: {أية : خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [النجم:45] وقال: "ثمانِيَة أزْوَاج" ثم فَسَّرها بقوله: "من الضَّأنِ اثْنَيْنِ ومِن المَعْزِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ". قال القرطبي: والزَّوْج: خلاف الفَرْد؛ يقال: زَوْج أو فَرْد كما يقال خَساً أو ذَكاً، شفع، أو وتر, فقوله: "ثَمَانِيَة أزْواجِ" يعني ثمانية أفراد وكُلُّ فرد عند العرب يحتاج إلى آخر يُسَمَّى زوجاً، يقال للذكر: زوج وللأنثى زَوْجٌ، ويقع لَفْظُ الزَّوْج للواحد والاثْنَيْن، يقال: هما زَوْجَان وهما: زوْجٌ؛ كما يقال: هما سِيَّان وهما سَوَاء، وتقول: اشْتَرْيت زَوْجِيْ حَمَام وأنت تعني: ذكراً وأنْثَى. قوله: "مِنَ الضَّأنِ اثْنَيْن" في نصب "اثْنَيْنِ" وجهان: أحدهما: أنه بَدَلٌ من "ثَمَانِيَة أزْوَاج" وهو ظَاهِر قول الزَّمَخْشَري؛ فإنه قال: والدَّلِيلُ عليه "ثَمَانِيَة أزْوَاجٍ" ثم فسَّرها بقوله: "مِنَ الضَّأنِ اثْنَيْنِ" الآية؛ وبه صرح أبُو البقاءِ فقال: "واثْنيْنِ بدل من الثَّمانية وقد عُطِف عَلَيْه بقيَّة الثمانِية". والثاني: أنه مَنْصُوب بـ "أنْشَا" مقدَّراً؛ وهو قول الفَارِسِيِّ و "مِنْ" تتعلَّق بما نَصَب "اثْنَيْنِ". والجُمْهُور على تسْكِين همزة "الضَّأن" وهو جَمْع ضَائِن وضائنه؛ كتاجِرٍ وتاجرة وتَجْر، وصَاحِبٍ وصَاحِبَة وصَحْب، وراكب ورَاكِبَة ورَكْب. وقرأ الحسن وطلحة بن مُصَرِّف وعيسى بن عمر: "الضَّأن" بفتحها؛ وهو إمَّا جمع تكْسِير لضَائِنٍ؛ كما يقال: خَادِم وخَدَم, وحَارِس وحَرَس، وطالِب وطَلَب، وإما اسْمُ جمعٍ، ويجمع الضَّأنُ على ضَئِين؛ كما يقال: كَلْب وكَلِيبٌ؛ قال القائل: [الطويل] شعر : 2363 -....................... فَبَذَّتْ تَبْلَهُمْ وكَلِيبُ تفسير : وقيل: الضَّئِينُ والكَلِيبُ اسْمَا جمع, ويقال: ضِئين بكسر الضَّادِ, وكأنها إتباع لكَسْر الهَمْزة؛ نحو: بِعِير وشِعِير بكسر البَاءِ والشِّين لكَسْر العَيْن, و "الضَّأن" معرُوفٌ وهو ذو الصُّوف من الغَنَمِ, و "المَعْز": ذو الشَّعْر مِنْهَا. فصل فيما يقال في الجمع من النَّعم ونحوه قال الجَوْهَرِي: يقال: صِرمَةٌ من الإبل, وقَطِيع من الغَنَم, وكوْكَبَةٌ من الفُرْسَان, وكَبْكَبَة من الرِّجَال, وخرقة من الغِلْمَان, ولمَّةٌ من النِّسَاء, ورَعِيلٌ من الخَيْل, وسِرْبٌ من الظِّباء, وعَرْجَلَة من السِّبَاع, وعِصَابة من الطَّيْر, ورَجْلٌ من الجراد وحَشْرَمٌ من النَّحْل. وقال غيره: يقال أيضاً: سِرْب من القَطَا. قال الشَّاعِر في ذلك: [الطويل] شعر : 2364- أسِرْبَ القَطَا هَلْ مَنْ يُعِيرُ جَنَاحَهُ لَعَلَّي إلى أرْضِ الحَبيبِ أطِير تفسير : وقرا أبان بن عُثْمَان: اثنان بالرَّفْع على الابتداء، والخَبَر الجَارُّ قَبْلَه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابنُ عامر: "المَعَز"بفتح العين والباقون بسُكُونِها، وهما لُغَتَان في جَمْع مَاعِز، وقد تقدَّم أن فَاعِلاً يجمع على فَعْلٍ تارة، وعلى فَعَل أخرى؛ كتَاجِر وتَجْر وخَادِم وخَدْم، وتقدَّم تحقيقه، ويُجْمَع أيضاً على مِعْزَى وبها قرأ أبَيٌّ، قال امْرُؤ القيس: [الوافر] شعر : 2365- ألا إنْ لا تَكُنْ إبلٌ فَمِعْزَى كَأنَّ قُرُونَ جِلَّتِهَا العصِيُّ تفسير : وقال أبو زَيْد: إنه يَجْمَع على أمْعُوزٍ؛ وأنشد: [الكامل] شعر : 2366-................... كالتِّيْسِ فِي أمْعُوزِهِ المُتَرَبِّل تفسير : ويُجْمَع أيضاً على مَعْيز؛ وأنْشَدُوا لامرىء القيس: [الوافر] شعر : 2367- ويَمْنَحُهَا بَنُو شَمَجَى بْنِ جَرْمٍ مَعِيزَهُم حَنَانَكَ ذَا الحَنَانِ تفسير : قال القُرْطُبِيُّ: والمعْزُ من الغَنَمِ خلاف الضَّأنِ، وهي ذَوَات الأشْعَار والأذْنَاب القِصَار، وهو اسم جِنْسٍ، وكذلك المَعَزَ والمعيزُ والأمْعُوز والمِعْزَى، وواحد المَعْز: ماعز؛ مثل صَاحِب وصَحْبٍ، والأنْثى ماعِزَة وهي العنز والجَمَع مَوَاعِز، وأمْعز القَوْمُ: كثرت مَعْزَاهُم، والمعّاز: صَاحِبُ المِعْزَى والمَعَز: الصَّلابة من الأرْضِ، والأمْعَز: المكان الصُّلب الكَثِير الحَصَى، والمعزاء أيضاً، واستمعز الرَّجُل في أمْر: جَدَّ، والأبل: اسمُ جَمْع لا وَاحِد له من لَفْظِه بل وَاحِده جَمَلٌ ونَاقَةٌ وبَعِير، ولم يَجِيءْ اسْم على "فِعِل"عند سيبويه غيره، وزاد غير سيبويه بِكِراً وإطِلاً ووِتِداً ومِشِطاً، وسيأتي لِهَذا مَزيد بيان في [سورة] الغَاشِيَةِ - إن شاء الله تعالى - والنِّسَبة إليه إبَليّ بِفَتْح البَاءِ لئلاَّ يَتَوالى كَسْرَتَانِ مع ياءَيْن. قوله: "آلذَّكرين حَرَّمَ" آلذّكريْن: منصوب بما بَعْدَه؛ وسبب إيلائه الهمزة ما تقدَّم في قوله: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} تفسير : [المائدة:116] و"أم" عاطفة للأنْثَيْين على الذَّكَرَيْن؛ وكذلك "أمْ" الثانية عَاطِفة "مَا" الموْصُولة على ما قَبْلَها، فمحلُّها نصب، تقديرُه: أم الَّذِي اشْتَمَلت عليه أرْحَام، فلما التقت الميم سَاكِنَةً مع ما بَعْدَها، وجب الإدْغَام. قال القُرْطُبي: ووردَت المدَة مع أل الوصْل؛ لتفرق بين الاسْتِفْهَام والخبر، ويجوز حَذْف الهَمْزِة؛ لأن "أم" تَدُلُّ على الاسْتِفْهَام؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 2368 - تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ ومَاذَا يَضيرُكَ لَوْ تَنْتَظِرْ تفسير : و"أمْ" في قوله - تعالى -: {أمْ كُنْتُم شُهَداءَ} مُنْقَطِعة ليست عَاطِفَة؛ لأن ما بَعْدَها جُمْلة مستقِلَّةٌ بنفسها فتُقَدَّر بـ "بَلْ" والهمزة، والتَّقْدِير: بل أكُنْتُم شُهَدَاء، و "إذا": مَنْصُوب بـ"شُهَدَاء" أنكر عَلَيْهم ما ادَّعُوه، وتهَكَّم بهم في نِسْبتهم إلى الحُضُور في وَقْتِ الإيصَاءِ بذلك، و "بهذا": إشارة إلى جَمِيع ما تقدَّم ذكره من المُحَرَّمات عندهم. فصل فيما كان عليه أهل الجاهلية قال المفسِّرُون: إن أهْل الجاهليَّة كانوا يُقُولون: هَذِه الأنْعَام حرث حجر، وقالوا مَا فِي بُطُون هَذِهِ الأنْعام خَالِصةٌ لذُكُورنا، ومحرَّمٌ على أزْوَاجِنَا وحرّموا البَحِيرة والسَّائِبَة والوَصِيلَة والحَام، وكانوا يُحَرِّمُون بَعْضَها على الرِّجال والنِّساء، وبعضها على النِّساء دون الرِّجَال، فلمَّا قام الإسْلام [وبُيِّنَت] الأحْكَام جادلوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وكان خَطِيبُهم مَالِك بن عَوف أخُو الأحوص الخيثمي؛ فقالوا: يا مُحَمَّد، بلغنا أنَّك تُحَرِّم أشياء ممَّا كان آبَاؤُنا يفعلونه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّكم حَرَّمْتُم أصنافاً من النَّعَم على غير أصْل، وإنما خلق اللَّه هذه الأزْواجَ الثمانية للأكل والانْتِفَاع بها، فمن أين جاء هذا التَّحْرِيم: من قِبَل الذكر، أم من قِبَل الأنْثَى"تفسير : ؟ قال: فسَكَتَ مالكُ بن عَوْف، وتحيَّرَ فلم يَتَكَلَّم، فلو قال: جَاءَ التَّحْريمُ بسبب الذكورة؛ وجب أن يُحَرَّم جَمِيع الذُّكُورِ، وإن كان بسبب الأنُوثَةِ، وجب أن يُحَرَّم جميع الإناثِ، وإن كان باشْتِمَال الرَّحم عليه، فينْبَغِي أن يُحَرَّم الكُلُّ؛ لأن الرَّحِم لا تَشْتَمِل إلا على ذَكَرٍ أو أنْثَى، أمّا تَخْصِيص الرَّحِمِ بالولدِ الخَامِس أو السَّابع، أو بالبعض دون البَعْضِ، فمن أين؟ قال ابن الخطيب - رحمه الله -: وهذا عِنْدي بعيد جداً؛ لأن لِقَائِل أن يقول: هَبْ أن هذه الأنواع - أعني الضَّأن، والمَعْز، والإبل، والبقر مَحْصُورةٌ في الذَّكَر والإناث، إلاّ أنه لا يَجِبُ أن يكون عِلَّة تَحْرِيم ما حَكُوا بتحريمه محصُورة في الذَّكُورَة والأنُوثَة؛ بل علة تَحْرِيمها لكونها بحيرةً أو سَائِبَةً أو وَصِيلَةً أو حَاماً أو سائر الاعِتبَارات؛ كما أنّا إذا قُلْنَا: إنه - تعالى - حَرَّم ذَبْح بَعْضِ الحيوان لأجل الأكْل. فإذا قيل: إنَّ ذلك الحيوان إن كان قد حُرِّم لكونِهِ ذكراً, وجب أن يُحَرَّم كل حيوانٍ ذَكَر، وإن كان قد حُرِّم لكَوْنِه أنْثَى، وجب أن يُحَرَّم كل حيوانٍ أنْثَى، ولما لم يَكُن هذا الكَلاَم لاَزماً علينا، فكذا هذا الوَجْه الَّذِي ذكَرَهُ المُفَسِّرُون في هذه الآيَةِ الكريمة, ويجب على العَاقِل أن يَذْكُر في تَفْسِير كلام اللَّه وجهاً صَحِيحاً، فأمّا تَفْسِيرُه بالوَجْه الفَاسِد فلا يَجُوز, والأقْرَب عِنْدي وجهان: أحدهما: أن يقال: إن هذا الكلام ما ورد على سَبيل الاسْتِدْلال على بُطْلان قولهم، بل هو اسْتِفَهامٌ على سَبِيل الإنْكَار، يعني: إنكم لا تُقِرُّون بِنُبُوَّة نبيٍّ, ولا تعرفُون شريعَة شَارع، فكَيْف تَحْكُمُون بأن هذا يَحِلُّ، وأن ذلك يحَرَّمُ. وثانيها: حُكُمُهم بالبَحِيرة والسَّائبة الوَصِيلَة والحَام مَخْصُوص بالإبل، فاللَّه - تبارك وتعالى - بيَّن أن النَّعَم عِبَارة عن هذه الأنواع الأرْبعة فلَما لم يَحْكُمُوا بهذه الأحْكَام في الأقْسام الثلاثة، وهي: الضَّأن والمَعْز، والبَقَر، فكيف خَصصْتُم الإبلَ بهذا الحُكْم دون الغَيْر، فهذا ما عِنْدِي في هذه الآية. ثم قال: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا} أي: هل شَاهَدْتُم اللَّه حرم هذا، إن كنتم لا تُؤمِنُون برسُولٍ، وحاصل الكلام من هذه الآية: أنَّكُم لا تُقِرُّونَ بنبوَّةِ أحد من الأنْبِيَاء، وكيف تُثْبِتُون هذه الأحكامَ المُخْتَلِفَةَ. ولما بيَّن ذلك قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ}. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: يريد عَمْرو بن لُحَيّ؛ لأنه هو الَّذِي غير شريعة إسْماعيل - عليه الصَّلاة والسلام -. قال ابن الخطيب: "والأقْرَب أن يكُون هذا مَحْمُولاً على كُلِّ من فعل ذلك، لأنَّ اللَّفْظ عامٌّ، والعِلَّة الموجبة لهذا الحُكْمِ عَامَّةٌ، فالتخصيص تَحَكُّمٌ مَحْض". فصل في دحض شبهة للمعتزلة قال القاضي: دلَّت الآية على أنَّ الإضْلال عن الدِّين مَذْمُوم، وذلك لا يَلِيقُ بالله - أن تبارك وتعالى -؛ لأنه إذا ذمّ الإضْلال الَّذِي ليس فيه إلاَّ تَحْرِيم المُبَاحِ، فالَّذِي هو أعْظَم منه أوْلَى بالذم. وأجيب: بأنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من اللَّه - تعالى -؛ ألا ترى أن الجَمْع بين العَبيدِ والإمَاءِ، وتَسْلِيط الشَّهْوةِ عَلَيْهم، وتمكينهم من أسْبَاب الفُجُور مَذْمُوم مِنَّا، وليس مَذْمُوماً من اللَّه فكذا هَهُنَا. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. قال القاضي: "لا يَهْديهم إلى ثوابه". وقال أهل السُّنَّة: "المراد لا يَهْدِي أولئك المُشْرِكِين، أي: لا يَنْقُلُهم من ظُلُماَات الكُفْر إلى نُور الإيمانِ"، وتقدَّم الكلام الثانِي.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس قال: الأزواج الثمانية من الإِبل والبقر والضأن والمعز . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ثمانية أزواج...} الآية. يقول: أنزلت لكم ثمانية أزواج الآية، من هذا الذي عددن ذكراً وأنثى . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {ثمانية أزواج} قال: الذكر والأنثى زوجان. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ثمانية أزواج} قال: في شأن ما نهى الله عنه عن البحيرة والسائبة . وأخرج ابن أبي حاتم عن ليث بن أبي سليم قال: الجاموس والبختي من الأزواج الثمانية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} قال: فهذه أربعة أزواج {قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين} يقول: لم أحرم شيئاً من ذلك {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} يعني هل تشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرمون بعضاً وتحلون بعضاً؟ {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} يقول: كله حلال: يعني ما تقدم ذكره مما حرمه أهل الجاهلية . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} قال: ما حملت الرحم . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ءآلذكرين حرم...} الآية. قال: إنما ذكر هذا من أجل ما حرموا من الأنعام، وكانوا يقولون: الله أمرنا بهذا. فقال {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم} .
اسماعيل حقي
تفسير : {ثمانية أزواج} بدل من حمولة وفرشا والزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه ويحصل منهما النسل فالاثنان المصطحبان يقال لهما زوجان لازوج فعلى هذا يقول مقراضان ومقصان لا مقراض ومقص لانهما اثنان والمراد بالازواج الثمانية الانواع الاربعة لانها باعتبار مزاوجها ثمانية {من الضأن اثنين} بدل من ثمانية ازواج اى انشا من الضان زوجين الكبش والنعجة والضأن معروف وهو ذو الصوف من النعم {ومن المعز اثنين} اى انشأ من المعز زوجين التيس والعنز والمعز ذو الشعر من النعم {قل} لهم يا محمد {ءآلذكرين} من ذينك النوعين وهما الكبش والتيس {حرم} اى الله تعالى كما تزعمون انه هو المحرم {ام الانثيين} وهما النعجة والعنز {امَّا اشتملت عليه ارحام الانثيين} اى ام ما حملت اناث النوعين حرم ذكرا كان او انثى {نبئونى بعلم} اى اخبرونى بامر معلوم من جهة الله تعالى من الكتاب او اخبار الانبياء يدل على انه تعالى حرم شيئاً مما ذكر {ان كنتم صادقين} فى دعوى التحريم عليه سبحانه.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير الا ابن فليح وابن عامر الا الداحوني عن هشام واهل البصرة {المعز} بفتح العين. الباقون بسكونها. قال ابو علي من قرأ بالفتح اراد الجمع بدلالة قوله {من الضأن اثنين} ولو كان واحدا لم يسغ فيه هذا، ونصب اثنين على تقدير: وانشأ ثمانية ازواج: انشأ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، ونظير معز جمع ماعز خادم وخدم وطالب وطلب، وحارس وحرس، وقال ابو الحسن: هو جمع على غير واحد، وكذلك المعزى، وحكى ابو زيد إِمعوز وانشد: شعر : كالتيس في إِمعوزه المربل تفسير : وقالوا: المعيز كالكليب، ومن سكن العين، فهو أيضا جمع ماعز كصاحب وصحب وتاجر وتجر وراكب وركب. وابو الحسن: يرى هذا الجمع مستمرا، ومن يرده في التصغير الى الواحد، فيقول في تحقير ركب رويكبون، وفي تجر: تويجرون، وسيبويه يراه اسما من أسماء الجمع، وانشد ابو عثمان حجة لقول سيبويه: شعر : بنيته بعصبة من ماليا أخشى ركيبا او رجيلا عاديا تفسير : - بالعين والغين - عن غير ابي علي فتحقيره له على لفظه من غير ان يرده الى الواحد الذي هو فاعل - والحاق الواو والنون أو الياء والنون، يدل على إِنه اسم للجمع وأنشد ابو زيد: شعر : واين ركيب واضعون رحالهم الى أهل نار من أناس بأسود تفسير : وقال ابو عثمان البقرة عند العرب نعجة، والظبية عندهم ماعزة، الدليل على ذلك قول ذي الرمة: شعر : اذا ما رآها راكب الضيف لم يزل يرى نعجة في مرتع فيثيرها مولعة خنساء ليست بنعجة يدمّن اجواف المياه وقيرها تفسير : قوله لم يزل يرى نعجة يريد بقرة، ألا ترى انه قال مولعة خنساء، والخنس والتوليع إِنما يكونان في البقر دون الظباء. وقوله ليست بنعجة معناه انها ليست بنعجة أهلية، لانه لا يخلو من ان يريد أنها ليست بنعجة أهليه، أو ليست بنعجة، ولا يجوز ان يريد انها ليست بنعجة، لانك ان حملته على هذا فقد نفيت ما أوجبه من قوله: لم يزل يرى نعجة، واذا لم يجز ذلك علمت انه اراد ليست بنعجة أهلية، والدليل على ان الظبية ماعزة قول أبي ذؤيب. شعر : وعادية تلقى الثياب كأنها تيوس ظباء محصها وانبتارها تفسير : فقوله تيوس ظباء كقوله: تيوس معز، ولو كانت عندهم ضائنية لقال كأنها كباش ظباء، والوقير الشاة يكون فيها كلب وحمار في قوله الاصمعي. قوله {ثمانية أزواج} منصوب، لانه بدل من {حمولة وفرشا} لدخوله في الانشاء، وتقديره وأنشأ حمولة وفرشا ثمانية أزواج {من الضأن اثنين} نصب {اثنين} بتقدير انشأ من الضأن اثنين، ولو رفع على تقدير منها ماعز إِثنان كما تقول رأيت القوم منهم قائم وقاعد كان جائزا، وانما أجمل ما فصله في الاثنين للتقدير على شيء منه، لانه اشد في التوبيخ من ان يكون دفعة واحدة. وقوله {ثمانية أزواج} يريد ثمانية افراد، لان كل واحد من ذلك يسمى زوجا، والانثى زوج، وانما سمي بذلك، لانه لا يكون زوج الا ومعه آخر له مثل اسمه، فلما دل على الاثنين من اقرب الوجوه، وقع على طريقه، ومنه قول لبيد. شعر : من كل محفوف يظل عصيّه زوج عليه كلة وقرامها تفسير : ومثل ذلك قولهم: خصم للواحد والاثنين، وقوله {من الضأن اثنين} يعني ذكر وأنثى، فالضأن الغنم ذوات الاصواف والاوبار، والمعز الغنم ذوات الاشعار والاذناب القصار، وواحد الضأن ضائن، كقولهم تاجر وتجر في قول الزجاج. والانثى ضائنة. وقال غيره: هو جمع لا واحد له، ويجمع ضئين كقولهم: عبد وعبيد، ويقال فيه (ضئين) كما يقولون في شعر شعير، وكذلك ماعز ومعز، الا أنه يجوز فتحه لدخول حرف الحلق فيه ويجمع مواعز. وروي عن أبي عبد الله (ع) ان المراد بقوله {من الضأن اثنين} أهلي ووحشي وكذلك المعز والبقر {ومن الإبل اثنين} العرابي والبخاتي. وانما خص هذه الثمانية أزواج، لانها جميع الانعام التي كانوا يحرمون منها ما يحرمونه مما تقدم ذكره. فان قيل: اذا كان ما حرموه معلوما فلم عدل بهم في السؤل الى غيره؟ قيل على وجه المعارضة لهم على طريقة الحجاج أي انكم بمنزلة من قال هذا، ولذلك وقع السؤال أعلى كذا أم كذا؟ وان لم يتقدم دعوى أن أحدهما كذا، لانهم في حكم هذا المدعى. وقوله {آلذكرين حرم أم} منصوب بـ {حرم}، والمعنى في قوله {آلذكرين حرم أم الأنثيين} اجاءكم التحريم فيما حرمتم من السائبة والبحيرة والوصيلة والحام من الذكرين أم من الانثيين، فالالف ألف استفهام والمراد به التوبيخ، فلو قالوا من قبل الذكر حرم عليهم كل ذكر، ولو قالوا من قبل الانثى حرمت عليهم كل أنثى. ثم قال {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} فلو قالوا ذلك حرم عليهم الذكر والانثى، لان الرحم يشتمل عليهما، قال الحسن معناه ما حملت الرحم. وقوله {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} في ذلك. وقوله {آلذكرين} دخلت الف الاستفهام على الف الوصل لئلا يلتبس بالخبر، ولو اسقطت جاز، لان (أم) تدخل على الاستفهام، وعلى هذا أجاز سيبويه قول الشاعر ان يكون استفهاما: شعر : فو الله ما ادري وان كنت داريا شعيب بن سهم أم شعيب بن منقر تفسير : اجاز تقديره أشعيب. و (ما) في قوله {أما اشتملت} في موضع نصب عطفا على الانثيين، وانما قال: الانثيين مثنى، لانه اراد من الضأن والمعز.
اطفيش
تفسير : {ثَمانيةَ أزْواجٍ} بدل من حمولة، وفرشا، بدل مطابق إذا قلنا: إن الأنعام لا تطلق على غير هذه الثمانية، وإن الحمولة والفرش لا تخرج عنها، أو مفعول به لكلوا، فتكون جملة ولا تتبعوا خطوات الشيطان معترضة، وعلى الأول وهو الراجح يكون، وغيره مما يأتى مفعول كلوا محذوفاً أى كلوا ما شئتم وحل لكم مما رزقكم الله، أو مفعول لكلوا محذوفا دل عليه المذكور، أو حال من ما أى كلوا منه حال كونه متعدداً مختلفا لا قليلا تضيقون عنه ولا شيئا واحداً تسيمونه، والزوج أحد كل شيئين مقترنين، فاثنان زوجان، والواحد زوج، وإطلاق الزوج على اثنين لغة ضعيفة، وقيل: تحريف، ولو كان الزوج اثنين فى الآية لكان الحاصل ستة عشر، وإنما الحاصل ثمانية كما ذكر الله، الذكر والأنثى من كل نوع من الأنواع الأربعة من الأنعام، والذكر زوج، والأنثى زوج أيضا بلا تاء، وورد الأنثى أيضا بالتاء قليلا فى غير القرآن. {مِنَ الضَّأنِ اثْنيْن} كبش أو نعجة، والضأن صاحب الصوف من الغنم، ومن الضأن حال من اثنين، واثنين بدل من ثمانية بدل مطابق باعتبار ما يعطف بعد أيضا، أو مفعول لأنشأ محذوفا يتعلق به من الضأن، والضأن جمع ضائن كصاحب وصحب، وتاجر وتجر، والمشهور فى هذا ونحوه أنه اسم جمع، ويقال أيضا، ضائبة وضأن، وتاجرة وتجر، وصاحبة وصحب، وقيل: الضأن اسم جنس يطلق ولو على الواحد، وقرئ بفتح همزة ضأن جمع ضائن كخادم وخدم، وحارس وحرس بفتح أوائلهن، وقرئ اثنان على لغة قصر المثنى فهو منصوب، أو على أنه مبتدأ خبره من الضأن. {ومِنَ المَعز اثْنيْن} ذكر ويسمى التيس، وأنثى وتسمى العنز، والمعز ما له شعر من الغنم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بفتح العين جمع ماعز، واسم جمع كصاحب وصحب، وقرأ ابى المعزى جمع ماعز أو اسم جمع كبيت العروض لامرئ القيس: شعر : إذا ما لم تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصى تفسير : {ومن المعز اثنين} وقوله: {أية : ومن الإبل اثنين} تفسير : وقوله: {أية : ومن البقر اثنين} تفسير : كإعراب قوله: {من الضأن اثنين} لكن بالعطف عليه لا بتقدير عامل. {قُل آالذَّكريْن حَرَّم أم الأنثيَيْن} قل يا محمد لهم إنكاراً وتوبيخاً أحرَّم الله الذكرين: ذكر الضأن وذكر المعز، أم حرم الانثيين: أنثى الضأن وأنثى المعز، وقدم المفعول للحصر، وكذا فى قوله بعد: {قل آ الذكرين}. {أمَّا اشْتَملت عَليه أرْحامُ الأُنثَيَيْن} أنثى الضأن وأنثى المعز، أى أحرم الله الذكرين فقط: الكبش والتيس، أم الأنثيين فقط: النعجة والعنزة، أو حرم جميع ما يكون فى رحم النعجة من نعجة وكبش، وما يكون فى رحم العنزة من عنزة وتيس، لا تجدون الله حرم شيئا من ذلكم، سواء أكان على صفة ما تجعلونه بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حامياً أو لم يكن، وسواء جعلتموه نصيبا للأصنام وكفرتم بذلك أم لم تجعلوه، فما تحريم ذلك إلا من عندكم تبعا لعدوكم الشيطان، فإن كان فى تحريم ذلك وحى من الله أو حجة عقل صحيح فهاتوه، فإن الصنم لا بنفع ولا يضر، وليس ما تجعلونه نحو بحيرة مستوحيا لذلك، وإنما هو مسخر للانتفاع، ولذلك خلقه الله بلا حد يحده كما قال {نبِّئُونى} أى أخبرونى {بعلْم} صحيح فى تحريمهن، أى بأمر معلوم الصحة، أو بما يعد علماً لا جهلا {إنْ كُنتم صادِقِينَ} فى قولكم إنها محرمة، أو قولكم إن الله حرمهن.
الالوسي
تفسير : {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ} الزوج يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة ويطلق على مجموعهما، والمراد به هنا الأول وإلا كانت أربعة. وإيرادها بهذا العنوان وهذا العدد أوفق لما سيق له الكلام. و {ثَمَـٰنِيَةٌ} ـ على ما قاله الفراء واختاره غير واحد من المحققين ـ بدل من { أية : حَمُولَةً وَفَرْشًا } تفسير : [الأنعام: 142] منصوب بما نصبهما وهو ظاهر على تفسير الحمولة والفرش بما يشمل الأزواج الثمانية أما لو خص ذلك بالإبل ففيه خفاء. وجوز أن يكون التقدير وأنشأ ثمانية وأنه معطوف على { أية : جَنَّـٰتٍ } تفسير : [الأنعام: 141] وحذف الفعل وحرف العطف، وضعفه أبو البقاء ووجهه لا يخفى. وأن يكون مفعولاً لكلوا الذي قبله والتقدير كلوا لحم ثمانية أزواج { أية : وَلاَ تَتَّبِعُواْ } تفسير : [الأنعام: 142] جملة معترضة. وأن يكون حالاً من ما مراداً بها الأنعام ويؤول بنحو مختلفة أو متعددة ليكون بياناً للهيئة، وهو عند من يشترط في الحال أن يكون مشتقاً أو مؤولاً به ظاهر. وتعقب ذلك شيخ الإسلام «بأنه يأباه جزالة النظم الكريم لظهور أنه مسوق لتوضيح حال الأنعام بتفصيلها أولاً إلى حمولة وفرش ثم تفصيلها إلى ثمانية أزواج حاصلة من تفصيل الأول إلى الإبل والبقر وتفصيل الثاني إلى الضأن والمعز ثم / تفصيل كل من الأقسام الأربعة إلى الذكر والأنثى كل ذلك لتحرير المواد التي تقولوا فيها عليه سبحانه بالتحليل والتحريم ثم تبكيتهم بإظهار كذبهم وافترائهم في كل مادة مادة من تلك المواد بتوجيه الإنكار إليها مفصلة» انتهى. وفيه منع ظاهر. وقوله سبحانه: {مّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} على معنى زوجين اثنين الكبش والنعجة. ونصب {ٱثْنَيْنِ} قيل: على أنه بدل من {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ} بدل بعض من كل أو كل من كل إن لوحظ العطف عليه منصوب بناصبه والجار متعلق به. وقال العلامة الثاني: الظاهر أن {مّنَ ٱلضَّأْنِ} بدل من { أية : ٱلأَنْعَـٰمِ } تفسير : [الأنعام: 142] و {ٱثْنَيْنِ } من { أية : حَمُولَةً وَفَرْشًا } تفسير : [الأنعام: 142] أو من {ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } إن جوزنا أن يكون للبدل بدل، وجوز أن يكون البدل {ٱثْنَيْنِ } ومن الضأن حال من النكرة قدمت عليها. وقرىء {ٱثْنَانِ} على أنه مبتدأ خبره الجار والمجرور، والجملة بيانية لا محل لها من الإعراب، والضأن اسم جنس كالإبل جمع ضئين كأمير وكعبيد أو جمع ضائن كتاجر وتجر، وقرىء بفتح الهمزة وهو لغة فيه. {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ} زوجين {ٱثْنَيْنِ} التيس والعنز. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر بفتح العين وهو جمع ماعز كصاحب وصحب وحارس وحرس. وقرأ أبـي {ومن المعزى } وهو اسم جمع معز، وهذه الأزواج الأربعة ـ على ما اختاره شيخ الإسلام ـ تفصيل للفرش قال: «ولعل تقديمها في التفصيل مع تأخر أصلها في الإجمال لكون هذين النوعين عرضة للأكل الذي هو معظم ما يتعلق به الحل والحرمة وهو السر في الاقتصار على الأمر به في قوله تعالى: { أية : كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [الأنعام: 142] من غير تعرض للانتفاع بالحمل والركوب وغير ذلك مما حرموه في السائبة وأخواتها. ومن الناس من علل التقديم بأشرفية الغنم ولهذا رعاها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو لا يناسب المقام كما لا يخفى. {قُلْ} تبكيتاً لهم وإظهاراً لعجزهم عن الجواب {ءَآلذَّكَرَيْنِ} ذكر الضأن وذكر المعز {حَرَّمَ } الله تعالى {أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ} أي أنثى ذينك الصنفين، ونصب الذكرين والأنثيين بحرم {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلانثَيَيْنِ } أي أم الذي حملته إناث النوعين ذكراً كان أو أنثى. {نَبّئُونِي بِعِلْمٍ } أي أخبروني بأمر معلوم من جهته تعالى جاءت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يدل على أنه تعالى حرم شيئاً مما ذكر أو نبئوني تنبئة متلبسة بعلم صادرة عنه {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} في دعوى التحريم عليه سبحانه وتعالى، والأمر تأكيد للتبكيت وإظهار الإنقطاع.
ابن عاشور
تفسير : جملة: {ثمانية أزواج} حال من { أية : من الأنعام } تفسير : [الأنعام: 142]. ذكر توطئة لتقسيم الأنعام إلى أربعة أصناف الّذي هو توطئة للردّ على المشركين لقوله: {قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين} إلى قوله {أم كنتم شهداء} أي أنشأ من الأنعام حمولة إلى آخره حالة كونها ثمانية أزواج. والأزواج جمع زوج، والزوج اسم لذات منضمَّة إلى غيرها على وجه الملازمة، فالزّوج ثان لواحد، وكلّ من ذيْنِك الاثنين يقال له: زوج، باعتبار أنّه مضموم، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: { أية : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجَنَّة } تفسير : في سورة البقرة (35)، ويطلق الزوج غالباً على الذّكر والأنثى من بني آدم المتلازمين بعقدة نكاح، وتوسّع في هذا الإطلاق فأطلق بالاستعارة على الذّكر والأنثى من الحيوان الّذي يتقارن ذكره وأنثاه مثل حمار الوحش وأتانه، وذكر الحمام وأنثاه، لشبهها بالزوجين من الإنسان. ويطلق الزّوج على الصنف من نوع كقوله تعالى: {أية : ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} تفسير : في سورة الرّعد (3). وكلا الإطلاقين الأخيرين صالح للإرادة هنا لأنّ الإبل والبقر والضأن والمعز أصناف للأنعام، ولأنّ كلّ ذلك منه ذكر وأنثى. إذ المعنى أنّ الله خلق من الأنعام ذكرها وأنثاها، فالأزواج هنا أزواج الأصناف، وليس المراد زوْجاً بعينه، إذ لا تعرف بأعيانها، فثمانية أزواج هي أربعة ذكور من أربعة أصناف وأربعُ إناث كذلك. وقوله: {من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} أُبدل {اثنين} من قوله: {ثمانية أزواج} قوله: {اثنين}: بدلَ تفصيل، والمراد: اثنين منها أي من الأزواج، أي ذَكَرٌ وأنثى كلّ واحد منهما زوج للآخر، وفائدة هذا التّفصيل التوصّل لذكر أقسام الذّكور والإناث توطئة للاستدلال الآتي في قوله: {قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين} الآية. وسُلك في التّفصيل طريق التّوزيع تمييزاً للأنواع المتقاربة، فإنّ الضأن والمعز متقاربان، وكلاهما يذبح، والإبلَ والبقرَ متقاربة، والإبلُ تنحر، والبقر تذبح وتُنحر أيضاً. ومن البقر صنف له سنام فهو أشبه بالإبل ويوجد في بلاد فارس ودخل بلاد العرب وهو الجاموس، والبقرُ العربي لا سنام له وثَورها يسمّى الفريش. ولمّا كانوا قد حرّموا في الجاهليّة بعض الغنم، ومنها ما يسمّى بالوصيلة كما تقدّم، وبعض الإبل كالبَحيرة والوصيلة أيضاً، ولم يحرّموا بعض المعز ولا شيئاً من البقر، ناسب أن يؤتى بهذا التّقسيم قبل الاستدلال تمهيداً لتحكّمهم إذْ حرّموا بعض أفراد من أنواع، ولم يحرّموا بعضاً من أنواع أخرى، وأسباب التّحريم المزعومة تتأتى في كلّ نوع فهذا إبطال إجمالي لما شرعوه وأنَّه ليس من دين الله ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً. وهذا الاستدلال يسمى في علم المناظرة والبحث بالتحكّم. والضأن ــــ بالهمز ــــ اسم جمع للغَنم لا واحد له من لفظه، ومفرد الضأن شاة وجمعها شاءٌ. وقيل هو جمع ضَائن. والضأن نوع من الأنعام ذواتتِ الظلف له صوف. والمعز اسم جمع مفرده ماعِز، وهو نوع من الأنعام شبيه بالضأن من ذوات الظلف له شعر مستطيل، ويقال: مَعْز ــــ بسكون العين ــــ ومَعز ــــ بفتح العين ــــ وبالأول قرأ نافع. وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف. وقرأ بالثّاني الباقون. وبعد أن تمّ ذكر المنّة والتّمهيد للحجّة، غيرّ أسلوب الكلام، فابتدىء بخطاب الرّسول عليه الصّلاة والسلام بأن يجادل المشركين ويظهر افتراءهم على الله فيما زعموه من تحريم ما ابتدعوا تحريمه من أنواع وأصناف الأنعام على من عيّنوه من النّاس بقوله: {قل ءآلذكرين حرم} الآيات. فهذا الكلام ردّ على المشركين، لإبطال ما شرعوه بقرينة قوله: {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} ــــ وقوله: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} الآية. فقوله: قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين إلى آخرها في الموضعين، اعتراض بعد قوله: {ومن المعز اثنين} وقوله: {ومن البقر اثنين}. وضمير: {حرّم} عائد إلى اسم الله في قوله: { أية : كلوا مما رزقكم الله} تفسير : [الأنعام: 142]، أو في قوله: { أية : وحرموا ما رزقهم الله } تفسير : [الأنعام: 140] الآية. وفي تكرير الاستفهام مرّتين تعريض بالتّخطئة، فالتّوبيخ والتّقريع الّذي يعقبه التّصريح به في قوله: {إن كنتم صادقين} وقوله: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} الآية. فلا تردّد في أنّ المقصود من قوله: {قل ءآلذكرين حرم} في الموضعين إبطال تحريم ما حرّم المشركون أكله، ونفي نسبة ذلك التّحريم إلى الله تعالى. وإنَّما النظر في طريق استفادة هذا المقصود من نظم الكلام. وهو من المعضلات. فقال الفخر: «أطبق المفسّرون على أنّ تفسير هذه الآية أنّ المشركين كانوا يحرّمون بعض الأنعام فاحتجّ الله على إبطال قولهم بأنْ ذكَرَ الضأن والمعز والإبل والبقر. وذكر من كلّ واحد من هذه الأربعة زوجين ذكراً وأنثى، ثمّ قال: إن كان حُرّم منها الذّكر وجب أن يكون كلّ ذكورها حراماً، وإن كان حُرم الأنثى وجب أن يكون كلّ إناثها حراماً، وأنَّه إن كان حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلّها». حاصل المعنى نفي أن يكون الله حرّم شيئاً ممّا زعموا تحريمه إياه بطريق السبّر والتّقسيم وهو من طريق الجدل. قلت: هذا ما عزاه الطّبري إلى قتادة، ومجاهد، والسدّي، وهذا لا يستقيم لأنّ السبر غير تامّ إذ لا ينحصر سبب التّحريم في النّوعيّة بل الأكثر أنّ سببه بعض أوصاف الممنوع وأحواله. وقال البغوي: قالوا: { أية : هذه أنعَام وحرث حجر } تفسير : [الأنعام: 138] وقالوا: { أية : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرّم على أزواجنا } تفسير : [الأنعام: 139] وحرّموا البحيرة والسّائبة والوصيلة والحامي، فلمّا قام الإسلام جَادَلوا النّبيء صلى الله عليه وسلم وكان خطيبهم مالكَ بن عوف الجُشَمي قالوا: يا محمّد بلغَنا أنَّك تحرّم أشياء ممّا كان آباؤنا يفعلونه. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّكم قد حرّمتم أصنافاً من النّعم على غير أصل، وإنَّما خلق الله هذه الأزواج الثّمانية للأكل والانتفاع بها، فمِن أيْن جاء هذا التّحريم أمِن قِبلَ الذّكر أم من قِبَل الأنثى. فسكت مالك بن عوف وتحيَّر اهـــ (أي وذلك قبل أن يُسلم مالك بن عوف) ولم يعزه البغوي إلى قائل وهو قريب ممّا قاله قتادة والسّدي ومجاهد فتبيّن أنّ الحجاج كلّه في تحريم أكل بعض هذه الأنواع من الأنعام، وفي عدم التّفرقة بين ما حرّموا أكله وما لم يحرّموه مع تماثل النّوع أو الصنف. والّذي يؤخذ من كلام أئمَّة العربيّة في نظم الاستدلال على المشركين أنّ الاستفهام في قوله: {ءآلذكرين حرم} في الموضعين. استفهام إنكاري، قال في «الكشاف» الهمزة في {ءآلذكرين} للإنكار. والمعنى: إنكار أن يحرّم الله تعالى من جنسي الغنم شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها وما تحمل إناثها وكذلك في جنسي الإبل والبقر، وبيّنه صاحب «المفتاح» في باب الطلب بقوله: وإن أردتَ به (أي بالاستفهام) الإنكا فانسجه على منوال النّفي فَقُل (في إنكار نفس الضرب) أضربت زيداً، وقل (في إنكار أن يكون للمخاطب مضروبٌ) أزيداً ضربت أم عمراً، فإنَّك إذا أنكرت من يُردّد الضّرب بينهما (أي بزعمه) تولّد منه (أي من الإنكار عليه) إنكار الضرب على وجه بُرهاني ومنه قوله تعالى: {ءآلذكرين حرم أم الأنثيين}. قال شارحه القطب الشّيرازي: لاستلزام انتفاء محلّ التّحريم انتفاءَ التّحريم لأنَّه عرض يمتنع وجوده، أي التّحريم، دون محلّ يقوم به فإذا انتفى (أي محلّه) انتفى هو أي التّحريم ا هـــ. أقول وجه الاستدلال: أنّ الله لو حرّم أكل بعض الذّكور من أحد النّوعين لحرّم البعضَ الآخر، ولو حرّم أكل بعض الإناث لحرّم البعض الآخر. لأنّ شأن أحكام الله أن تكون مطّردة في الأشياء المتّحدة بالنّوع والصّفة، ولو حَرّم بعض ما في بطون الأنعام على النّساء لحرّم ذلك على الرّجال، وإذْ لم يحرّم بعضها على بعض مَع تماثل الأنواع والأحوال. أنتجَ أنَّه لم يحرّم البعض المزعوم تحريمُه، لأنّ أحكام الله منوطة بالحكمة، فدلّ على أنّ ما حرّموه إنَّما حرّموه من تلقاء أنفسهم تحكّماً واعتباطاً، وكان تحريمهم ما حرّموه افتراءً على الله. ونهضت الحجّة عليهم، الملجئةُ لهم، كما أشار إليه كلام النّبيء صلى الله عليه وسلم لمالك بن عوف الجُشمي المذكورُ آنفاً، ولذلك سَجَّل عليهم بقوله: {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} فقوله: {ءآلذكرين حرم} أي لو حرّم الله ءآلذكرين لسوّى في تحريمهما بين الرّجال والنّساء. وكذلك القول في الأنثيين، والاستفهام في قوله: {ءآلذكرين حرم} في الموضعين مُستعمل في التّقرير والإنكار بقرينة قوله قبله: { أية : سيجزيهم وصفهم إنَّه حكيم عليم } تفسير : [ الأنعام: 139]. وقوله: { أية : ولا تتَّبعوا خطوات الشّيطان } تفسير : [البقرة: 168]. ومعلوم أنّ استعمال الاستفهام في غير معنى طلب الفهم هو إما مجاز أو كناية. ولذلك تعيَّن أن تكون {أم} منقطعة بمعنى (بل) ومعناها الإضراب الانتقالي تعديداً لهم ويُقَدّر بعدها استفهام. فالمفرد بعد {أم} مفعول لفعل محذوف، والتّقدير: أم أحرّم الأنثيين. وكذلك التّقدير في قوله: {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} وكذلك التّقدير في نظيره. وقوله: {من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} مع قوله: {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين} من مسلك السير والتقسيم المذكور في مسالك العلة من علم أصول الفقه. وجملة: {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} بدل اشتمال من جملة؛ {ءآلذكرين حرم أم الأنثيين} لأنّ إنكار أن يكون الله حرّم شيئاً من ذكور وإناث ذينك الصنفين يقتضي تكذيبهم في زعمهم أنّ الله حرّم ما ذكروه فيلزم منه طلبُ الدّليل على دعواهم. فموقع جملة {ءآلذكرين} بمنزلة الاستفسار في علم آداب البحث. وموقع جملة: {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} بمنزلة المنع. وهذا تهكّم لأنَّه لا يَطلب تلقّي علم منهم. وهذا التَّهكّم تابع لصورة الاستفهام وفرعٌ عنها. وهو هنا تجريد للمجاز أو للمعنى الملزوم المنتقل منه في الكناية. وتثنية ءآلذكرين والأنثيين: باعتبار ذكور وإناث النّوعين. وتعدية فعل: {حَرّم} إلى {الذّكرين} و{الأنثيين} وما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، على تقدير مضاف معلوم من السّياق، أي: حرّم أكل ءآلذكرين أم الأنثيين إلى آخره. والتّعريف في قوله: {ءآلذكرين} وقوله: {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} تعريف الجنس كما في «الكشاف». والباء في {بعلم}: يحتمل أن تكون لتعدية فعل الإنباء، فالعلم بمعنى المعلوم. ويحتمل أن تكون للملابسة، أي نبّئوني إنباء ملابساً للعلم، فالعلم ما قابل الجهل أي إنباء عالم. ولمَّا كانوا عاجزين عن الإنباء دلّ ذلك على أنَّهم حرّموا ما حرّموه بجهالة وسوء عقل لا بعلم، وشأن من يتصدّى للتحريم والتّحليل أن يكون ذا علم. وقوله: {إن كنتم صادقين} أي في قولكم: إنّ الله حرّم ما ذكرتم أنَّه محرّم، لأنَّهم لو كانوا صادقين في تحريم ذلك لاستطاعوا بيان ما حرّمه الله، ولأبدوا حكمة تحريم ما حرّموه ونسبوا تحريمه إلى الله تعالى. وقوله: {ومن الإبل اثنين} ــــ إلى قوله ــــ {أرحام الأنثيين} عطف على: {ومن المعز اثنين} لأنَّه من تمام تفصيل عدد ثمانية أزواج، والقول فيه كالقول في سابقه، والمقصود إبطال تحريم البحيرة والسّائبة والحامي وما في بطون البحائر والسّوائب. و{أم} في قوله: {أم كنتم شهداء} منقطعة للإضراب الانتقالي. فتؤذن باستفهام مقدّر بعدها حيثما وقعت. وهو إنكاري تقريري أيضاً بقربنة السّياق. والشّهداء: الحاضرون جمعُ شَهيد وهو الحاضر، أي شُهداء حين وصّاكم الله، فــــ {إذْ} ظرف لــــ {شهداء} مضاف إلى جملة: {وصاكم}. والإيصاء: الأمر بشيء يُفعل في غيبة الآمر فيؤكَّد على المأمور بفعله لأنّ شأن الغائب التّأكيد. وأطلق الإيصاء على ما أمر الله به لأنّ النّاس لم يشاهدوا الله حين فعلهم ما يأمرهم به، فكانَ أمر الله مؤكَّداً فعبّر عنه بالإيصاء تنبيهاً لهم على الاحتراز من التّفويت في أوامر الله، ولذلك أطلق على أمر الله الإيصاءُ في مواضع كثيرة من القرآن، كقوله: { أية : يوصيكم الله في أولادكم } تفسير : [النساء: 11]. والإشارة في قوله: {بهذا} إلى التحريم المأخوذ من قوله: {حرم} وذلك لأنّ في إنكار مجموع التّحريم تضمُّنا لإبطال تحريم معيَّن ادّعوه. وهم يعرفونه. فلذلك صحّت الإشارة إلى التّحريم على الإجمال، وخصّ بالإنكار حالة المشاهدة، تهكّماً بهم، لأنَّهم كانوا يكذّبون الرّسول صلى الله عليه وسلم فحالهم حَال من يضع نفسه موضع من يحضر حضرة الله تعالى لسماع أوامره. أو لأنّ ذلك لمّا لم يكن من شرع إبراهيم ولا إسماعيل عليهم السّلام، ولم يأت به رسول من الله، ولم يدّعوه، فلم يبق إلاّ أنّ يدّعوا أنّ الله خاطبهم به مباشرة. وقوله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} مترتّب على الإنكار في قوله: {ءآلذكرين حرم أم الأنثيين} ــــ إلى قوله ــــ {إذ وصاكم الله بهذا}، أي فيترتّب على ذلك الإبطال والإنكار أن يتوجّه سؤال من المتكلّم مشوبٌ بإنكار. عمّن اتّصف بزيادة ظلم الظّالمين الّذين كذبوا على الله ليضلّوا النّاس، أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، فإذا ثبت أنّ هؤلاء المخاطبين قد افتروا على الله كذباً، ثبت أنَّهم من الفريق الّذي هو أظلم الظالمين. والمشركون إمّا أن يكونوا ممّن وضع الشّرك وهم كبراء المشركين: مثل عَمرو بن لُحي، واضععِ عبادة الأصنام، وأوللِ من جعل البحيرة والسّائبة والوصيلة والحامي، ومن جاء بعده من طواغيت أهل الشّرك الّذين سنّوا لهم جعل شيء من أموالهم لبيوت الأصنام وسدنتها، فهؤلاء مُفترون، وإمَّا أن يكونوا ممّن اتَّبع أولئك بعزم وتصلّب وشاركوهم فهم اتَّبعوا أناساً ليسوا بأهل لأنّ يُبلِّغوا عن الله تعالى، وكان حقّهم أن يتوخَّوا من يتَّبعون ومن يظنّون أنَّه مبلّغ عن الله وهم الرّسل، فمن ضلالهم أنَّهم لمّا جاءهم الرّسول الحقّ عليه الصلاة والسلام كذّبوه، وقد صدّقوا الكَذَبَة وأيَّدوهم ونصروهم. ويستفاد من الآية أنّ من الظلم أن يُقدِم أحد على الإفتاء في الدّين ما لم يكن قد غلب على ظنّه أنَّه يفتي بالصّواب الّذي يُرضي الله، وذلك إنْ كان مجتهداً فبالاستناد إلى الدّليل الّذي يغلب على ظنّه مصادفته لمراد الله تعالى، وإن كان مقلّداً فبالاستناد إلى ما يغلب على ظنّه أنَّه مذهب إمامه الّذي قلَّده. وقوله: {بغير علم} تقدّم القول في نظيره آنفاً. وقوله: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} يجوز أن يكون تعليلاً لكونهم من أظلم النّاس، لأنّ معنى الزّيادة في الظلم لا يتحقّق إلاّ إذا كان ظلمهم لا إقلاع عنه، لأنّ الضّلال يزداد رسوخاً في النّفس بتكررّ أحواله ومظاهره، لأنَّهم لمّا تعمّدوا الإضلال أو اتَّبعوا متعمّديه عن تصلّب، فهم بمعزل عن تطلب الهدى وإعادة النّظر في حال أنفسهم، وذلك يغريهم بالازدياد والتملّي من تلك الأحوال، حتّى تصير فيهم ملكة وسجيّة، فيتعذّر إقلاعهم عنها، فعلى هذا تكون {إنّ} مفيدة معنى التّعليل. ويجوز أن تكون الجملة تهديداً ووعيداً لهم، إن لم يقلعوا عمّا هم فيه، بأنّ الله يحرمهم التّوفيق ويذرهم في غيّهم وعمههم، فالله هَدى كثيراً من المشركين هم الّذين لم يكونوا بهذه المثابة في الشّرك، أي لم يكونوا قادة ولا متصلّبين في شركهم، والّذين كانوا بهذه المثابة هم الّذين حرمهم الله الهدى، مثل صناديد قريش أصحاب القليب يوم بدر، فأمّا الّذين اتَّبعوا الإسلام بالقتال مثل معظم أهل مكّة يوم الفتح، وكذلك هوازن ومَن بعدها، فهؤلاء أسلموا مذعنين ثمّ علموا أنّ آلهتهم لم تغن عنهم شيئاً فحصل لهم الهدى بعد ذلك، وكانوا من خيرة المسلمين ونصروا الله حقّ نصره. فالمراد من نفي الهدى عنهم: إمَّا نفيه عن فريق من المشركين، وهم الّذين ماتُوا على الشّرك، وإمَّا نفي الهدى المحض الدالّ على صفاء النّفس ونور القلب، دون الهدى الحاصل بعد الدّخول في الإسلام، فذلك هدى في الدرجة الثّانية كما قال تعالى: { أية : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتَل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى } تفسير : [الحديد: 10].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 143- خلق الله من كل نوع من الأنعام ذكرا وأنثى، فهى ثمانية أزواج خلق من الضأن زوجين، ومن الماعز زوجين، وقل يا محمد للمشركين منكراً عليهم تحريم ما حرموا من هذا: ما علة تحريم هذه الأزواج كما تزعمون؟ أهى كونها ذكوراً؟ ليس كذلك، لأنكم تحلون الذكور أحياناً. أم هى كونها إناثاً؟ ليس كذلك، لأنكم تحلون الإناث أحياناً، أم هى اشتمال الأرحام عليها. ليس كذلك لانكم لا تحرمون الأجنة على الدوام. أخبرونى بمستند صحيح يعتمد عليه، إن كنتم صادقين فيما تزعمون من التحليل والتحريم. 144- وخلق الله من الإبل زوجين، ومن البقر زوجين. قل لهم يا محمد منكراً عليهم: ما علة التحريم لما حرمتم من هذه الأزواج كما تزعمون؟ أهى كونها ذكوراً؟ ليس كذلك، لأنكم تحلون الذكور أحياناً، أهى كونها إناثاً؟ ليس كذلك لأنكم تحلون الإناث أحياناً، أم هى اشتمال الأرحام عليها؟ ليس كذلك لأنكم لا تحرمون الأجنة على الدوام، وتزعمون أن هذا التحريم من عند الله! أكنتم حاضرين حين وجه إليكم الله هذا التحريم فسمعتم نهيه؟ لم يكن ذلك قطعاً. انتهوا عما أنتم فيه، فهو ظلم، وليس هناك أظلم ممن كذب على الله فنسب إليه ما لم يصدر عنه، ولا سند له من علم يعتمد عليه، وإنما يريد بذلك إضلال الناس. إن الله لا يوفق الظالمين إذا اختاروا طريق الباطل.
القطان
تفسير : ثمانية ازواج: يعني أن الانعام اربعة انواع هي: الضأن والماعز، والابل والبقر، وكل نوع منه زوج.. ذكر وانثى ما اشتملت عليه الارحام: الأجنّة. بعد ان ذكر الله تعالى أن الأنعام إما حمولة وإما فَرش، فصّلها وقسمها ثمانية ازواج. فالحمولة هي الابل والبقر، والفرش من الضأن والماعز، وكل من الاقسام الأربعة إما ذكرٌ وإما انثى. وكل هذا التفصيل ليبطِل ما تقوَّله المشركون على الله تعالى بالتحريم والتحليل. قل يا محمد للمشركين منكراً عليهم تحريمَ ما حرّموا من هذا: ما علّةُ تحريم هذه الازواج كما تزعمون؟ اهي كونها ذكورا؟ ليس كذلك، لانكم تُحلُّون الذكور أحيانا. أهي كونها اناثا؟ ليس كذلك، لأنكم تحلّون الإناث احيانا. أم هي التي في بطونها "ما اشتملت عليه الارحام"؟ وليس كذلك ايضاً، لأنكم لا تحرّمون الأجنَة على الدوام. {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. اخبِروني بمستندٍ صحيح يُعتمد عليه، ان كنتم صادقين فيما تزعمون في التحليل والتحريم. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو، وابن عامر، ويعقوب "المعز" بفتح العين، والباقون بسكونها. وخلق الله من الابل زوجين، ومن البقر زوجين، قل لهم يا محمد منكراً عليهم: ما علة التحريم لما حرمتم من هذه الازواج كما تزعمون؟ اهي كونها ذكورا؟ ليس كذلك، لأنكم تحلون الذكور احيانا أم هي كونها إناثا؟ ليس كذلك، لأنكم تحلون الاناث احيانا. ام هي التي في بطونها؟ ليس كذلك ايضاً، لأنكم لا تحرّمون الاجنة على الدوام. وتزعمون ان هذا التحريم من عند الله. {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا}. اكنتم حاضرين حين وجّه الله إليكم هذا التحريمَ فسمعتم نهيه؟ لم يكن ذلك قطعا، فانتهوا عما أنتم فيه. إنه ظلم، وليس هناك أظلم ممّن كذَب على الله فنسب اليه ما لم يصدر عنه. {لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ}. إن مثل هذا الأفّاك إنما يريد اضلال الناس من غير علم يستند عليه. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ }. إن الله لا يوفق للرشاد من افترى عليه الكذب، وقال عليه الزور والبهتان.
د. أسعد حومد
تفسير : {ثَمَانِيَةَ} {أَزْوَاجٍ} {ءَآلذَّكَرَيْنِ} {صَادِقِينَ} (143) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى هُنَا جَهْلَ العَرَبِ، قَبْلَ الإِسْلاَمِ، فِيمَا كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الأَنْعَامِ، وَجَعَلَوهَا أَجْزَاءً وَأَنْوَاعاً (بَحِيرةً وَسَائِبةً وَحَامَياً ...) وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ فِي الأَنْعَامِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، فَيُبَيِّنُ اللهُ أَنَّهُ أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ، وَأَنَّهُ جَعَلَ مِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرشاً، ثُمَّ بَيَّنَ أَصْنَافَ الأَنْعَامِ فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ شَيْئاً مِنْ أَوْلاَدِهَا، بَلْ جَعَلَهَا كُلَّهَا مُسَخَّرةً لِبَنِي آدَمَ، أَكْلاً وَرُكُوباً وَحَمُولَةً وَحَلْباً، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الانْتِفَاعِ. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ خَلَقَ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الأَنْعَامِ: مِنَ الضَّأنِ (الغَنَمِ) زَوْجَيْنِ ذَكَراًَ وَأُنْثَى وَمِنَ المَاعِزِ زَوْجَيْنِ ذَكَراً وَأُنْثَى، وَلَمْ يُحَرِّمْ مِنْهَا شَيْئاً لاَ الذُّكُورَ وَلاَ الإِنَاثَ، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ أَنْتُمْ بَعْضاً، وَتُحِلُّونَ بَعْضاً؟ وَهَلْ يَشْتَمِلُ الرَّحمُ عِنْدَ الحَمَلِ إِلاَّ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى؟ وَإِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ كُلَّهُ حَلاَلاً. فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أَخْبِرُونِي عَنْ يَقِينٍ (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ) كَيْفَ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْكُمْ مَا زَعَمْتُمْ تَحْرِيمَهُ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة {أَزْوَاجٍ}، جمع زوج، و"الزوج" يطلق على الشيء معه ما يقارنه مثل "زوج النعل"، ونحن في أعرافنا نأخذها على الاثنين، لكنها في الأصل تطلق على الواحد ومعه ما يقارنه، إلا أنه إذا لم يكن هناك فارق بين الاثنين بحيث لا يتم الانتفاع بأحدهما إلا مع الآخر ولكن لا تميز لأحدهما على الآخر كالجورب مثلا، ففي مثل هذا نستسمح اللغة في أن نسمي الاثنين زوجا، لكن إذا كان هناك خلاف بين الاثنين لا نقول على الاثنين: زوج. والذكر والأنثى من البشر، صحيح أنهما يقترنان في أن كل واحد منهما إنسان، لكن للذكر مهمة وللأنثى مهمة مختلفة. أما الجوارب فكل "فردة" منها نضعها في أي قدم لأنه فارق بينهما، إذن كلمة "زوج" تطلق ويراد بها الشيء الواحد الذي معه ما يقارنه. والحق يقول: {أية : ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ...} تفسير : [البقرة: 35] وكلمة "زوج" هنا أطلقت على حواء؛ فآدم زوج وحواء زوج، والحق هو القائل: {أية : وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [النجم: 45] ولم يقل عن الاثنين: إنهما "زوج" و إلا لقال: خلق الزوج الذكر والأنثى. إذن فكلمة "زوج" تطلق على واحد معه ما يقارنه، مثلها كمثل كلمة "توأم" وهي لا تقال للاثنين، بل تقال لواحد معه آخر. لكن الاثنين يقال لهما: توأمان. {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} [الأنعام: 143] و"من الضأن اثنين" أي ذكرها وأنثاها فتسمى الذكر كبشا والأنثى "نعجة". ومن المعز اثنين، والذكر نسميه "تيساً"، والأنثى نسميها "عنزة"، وبذلك يكون معنا أربعة، ومن هنا نفهم أن الزوج مدلوله فرد ومعه ما يقارنه. {... قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام: 143] ومادمتم أنتم تحرمون وتحللون، وتقولون: إن هذا من عند الله فقولوا لنا أحرّم الذكرين أم حرّم الأنثيين؟ ولا يجدون جواباً؛ لأنه سبحانه لا حرّم هذا ولا حرّم ذاك، ولذلك أبرزت المسألة إبراز الاستفهام، والشيء إذا أبرز الاستفهام فمعناه أنه أمر مقرر بحيث إذا سألت الخصم لا يقول إلا ما تتوقعه، واسمه السؤال أو الاستفهام التقريري. ويقول الحق: {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي أخبروني بعلم ذلك في التحريم إن كنتم أهل صدق؛ لأنكم لستم أهلاً للتحريم، إنما يحرم ويحلل من خلق وشرع. فإن كان عندكم علم قولوا لنا هذا العلم. ثم يأتي الحق بخبر الأربعة الباقية من الأنعام فيقول: {وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا إِسرائيل عن أَبي اسحق، عن أَبي الأَحوص عن ابن مسعود في قوله: {وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} [الآية: 143]. قال: الحمولة، ما قد حمل من الإِبل. "والفرش": صغار الإبل التي لم تحمل. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الآية: 144]. قال: نهى الله عن البحيرة والسائبة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}. يعني: النعامة والبعير. {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ} يعني: المرابض. {أَوِ ٱلْحَوَايَآ} [الآية: 147]. وهو المبعر. ثم قال لنبيه، صلى الله عليه وسلم: {فَإِن كَذَّبُوكَ} [الآية: 148]. يعني: اليهود.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ} معناهُ حَمَلتْ.
الجيلاني
تفسير : واعلموا أيها المؤمنون أن الله سبحانه أباح لكم من الأنعام {ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} الكبش والنعجة وما يتولج منهما {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} التيس والعنز أيضاً كذلك {قُلْ} يا أكمل الرسل لمن يدعي التحريم في تقدير الجنس إلزاماً وتبكيتاً: {ءَآلذَّكَرَيْنِ} الكبش والتيس {حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ} النعجة والعننز {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ} أي: حرم ما في بطن الأنثيين من هذين الجنسين ذكراً كان أو أنثى {نَبِّئُونِي} أخبروني أيها المدعون تحريم شيء منها {بِعِلْمٍ} أي: بمقدمة معلومة عندكم من نقل ونص دال على أن الله حرم شيئاً من ذلك {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ} [الأنعام: 143] في دعوى التحريم. {وَ} أيضاً أباح لكم ربكم أيها المؤمنون {مِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ} يعني: لم يحرم أيضاً شيئاً منهما ولا ما في بطنهما ذكراً كان أو أنثى {أَمْ} تدعون أيها المدعون أنكم {كُنتُمْ شُهَدَآءَ} حضراء {إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ} أي: حين وصاكم الله {بِهَـٰذَا} التحريم؛ لأنه ما أخبر به نبي وما جاء به كتاب، فبقي أن تدعوا الحضور عنده سبحانه وأنتم أيها المفترون من المردودين المطرودين عن ساحة عز حضوره سبحانه، وما من الأمر تسويلات نفوسكم وتلبيسات شياطين أوهامكم وخيالاتكم تفترونه على الله ظلماً وزوراً {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ} عن طريق الحق {بِغَيْرِ عِلْمٍ} نص ونقل وارد نازل من عند الله بل من تلقاء نفسه تلبيساً وتخليطاً لضعفاء العوام {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع بمخايل المفسدين {لاَ يَهْدِي} إلى طريق صراط توحيده {ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأنعام: 144] المفترين عليه بأمثال هذه المفتريات الزائغة.
همام الصنعاني
تفسير : 864- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ}: [الآية: 143]، قال يقول: سلهم {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ} [الآية: 143]، أي إني لم أحرم عليهم شيئاً منْ هَذَا قال: {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ}: [الآية: 143]، وذكر من الإِبل والبقر نحو ذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):