Verse. 933 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَمِنَ الْاِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ۝۰ۭ قُلْ ءٰۗالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ اَمِ الْاُنْثَـيَيْنِ اَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْہِ اَرْحَامُ الْاُنْثَـيَيْنِ۝۰ۭ اَمْ كُنْتُمْ شُہَدَاۗءَ اِذْ وَصّٰىكُمُ اللہُ بِھٰذَا۝۰ۚ فَمَنْ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرٰي عَلَي اللہِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ لَا يَہْدِي الْقَوْمَ الظّٰلِـمِيْنَ۝۱۴۴ۧ
Wamina alibili ithnayni wamina albaqari ithnayni qul alththakarayni harrama ami alonthayayni amma ishtamalat AAalayhi arhamu alonthayayni am kuntum shuhadaa ith wassakumu Allahu bihatha faman athlamu mimmani iftara AAala Allahi kathiban liyudilla alnnasa bighayri AAilmin inna Allaha la yahdee alqawma alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم» بل «كنتم شهداء» حضورا «إذ وصَّاكم الله بهذا» التحريم فاعتمدتم ذلك! لا بل أنتم كاذبون فيه «فمن» أي لا أحد «أظلم ممن افترى على الله كذبا» بذلك «لُيضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين».

144

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَمِنَ ٱلإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ} كما سبق والمعنى إنكار أن الله حرم شيئاً من الأجناس الأربعة ذكراً كان أو أنثى أو ما تحمل إناثها رداً عليهم، فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة وإناثها تارة أخرى وأولادها كيف كانت تارة زاعمين أن الله حرمها. {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء} بل أكنتم شاهدين حاضرين. {إِذْ وَصَّـٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا} حين وصاكم بهذا التحريم إذ أنتم لا تؤمنون بنبي فلا طريق لكم إلى معرفة أمثال ذلك إلا المشاهدة والسماع. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، والمراد كبراؤهم المقررون لذلك، أو عمرو بن لحي بن قمعة المؤسس لذلك. {لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }. {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ} أي في القرآن، أو فيما أوحي إلَّي مطلقاً، وفيه تنبيه على أن التحريم إنما يعلم بالوحي لا بالهوى. {مُحَرَّمًا } طعاماً محرماً. {عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً} أن يكون الطعام ميتة، وقرأ ابن كثير وحمزة تكون بالتاء لتأنيث الخبر، وقرأ ابن عامر بالياء، ورفع الـ {مَيْتَةً } على أن كان هي التامة وقوله: {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} عطف على أن مع ما في حيزه أي: إلا وجود ميتة أو دماً مسفوحاً، أي مصبوباً كالدم في العروق لا كالكبد والطحال. {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} فإن الخنزير أو لحمه قذر لتعوده أكل النجاسة أو خبيث محنث {أَوْ فِسْقًا} عطف على لحم خنزير. وما بينهما اعتراض للتعليل. {أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} صفة له موضحة وإنما سمي ما ذبح على اسم الصنم فسقاً لتوغله في الفسق، ويجوز أن يكون فسقاً مفعولاً له من أهل وهو عطف على يكون والمستكن فيه راجع إلى ما رجع إليه المستكن في يكون. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} فمن دعته الضرورة. {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لا يؤاخذه، والآية محكمة لأنها تدل على أنه لم يجد فيما أوحي إلى تلك الغاية محرماً غير هذه، وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيء آخر فلا يصح الاستدلال بها على نسخ الكتاب بخبر الواحد ولا على حل الأشياء غيرها إلا مع الاستصحاب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنَ ٱلإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأَنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأَنْثَيَيْنِ أَمْ } بل أ{كُنتُمْ شُهَدَآءَ } حضوراً {إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَا } التحريم فاعتمدتم ذلك، لا بل أنتم كاذبون فيه {فَمَنْ } أي لا أحد {أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } بذلك {لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ }.

ابن عطية

تفسير : القول في هذه الآية في المعنى وترتيب التقسيم كالقول المتقدم في قوله {أية : من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} تفسير : [الأنعام:143] وكأنه قال أنتم الذين تدعون أن الله حرم خصائص من هذه الأنعام لا يخلو تحريمه من أن يكون في {الذكرين} أو فيما {اشتملت عليه أرحام الأثنين} لكنه لم يحرم لا هذا ولا هذا فلم يبق إلا أنه لم يقع تحريم. وقوله تعالى: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} الآية استفهام على جهة التوبيخ، إذ لم يبق لهم الادعاء المحال والتقوّل أنهم شاهدوا وصية الله لهم بهذا، و {شهداء} جمع شهيد، ثم تضمن قوله تعالى: {فمن أظلم} ذكر حال مفتري الكذب على الله وتقرير إفراط ظلمه، وقال السدي: كان الذي سيبوا وبحروا يقولون: الله أمرنا بهذا ثم بيّن تعالى سوء مقصدهم بالافتراء لأنه لو افترى أحد فرية على الله لغير معنى لكان ظلماً عظيماً فكيف إذا قصد بهما إضلال أمة، وقد يحتمل أن تكون اللام في {ليضل} لام صيرورة، ثم جزم الحكم لا رب غيره بأنه {لا يهدي القوم الظالمين} ، أي لا يرشدهم، وهذا عموم في الظاهر وقد تبين تخصيصه مما يقتضيه الشرع أن الله يهدي ظلمة كثيرة بالتوبة.

الخازن

تفسير : {من الإبل اثنين ومن البقر اثنين} وهذه أربعة أزواج أخر بقية الثمانية {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} وتفسير هذه الآية نحو ما تقدم وفي هاتين الآيتين تقريع وتوبيخ من الله تعالى لأهل الجاهلية بتحريمهم ما لم يحرمه الله وذلك أنهم كانوا يقولون: هذه أنعام وحرث حجر. وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وكانوا يحرمون بعضها على الرجال والنساء وبعضها على النساء دون الرجال كما أخبر الله عنهم في كتابه فلما جاء الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم وكان خطيبهم حديث : مالك بن عوف الجشمي فقال: يا محمد بلغنا إنك تحرم أشياء مما كان أباؤنا يفعلونه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد حرمتم أصنافاً من النعم على غير أصل وإنما خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع فمن أين جاء هذا التحريم من قبل الذكر أم من قبل الأنثى؟ فسكت مالك بن عوف وتحير ولم يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "يا مالك ألا تتكلم"؟ فقال: بل أنت تتكلم وأسمع منكتفسير : ، قال المفسرون: فلو قال جاء التحريم من قبل الذكر بسبب الذكورة وجب أن يحرم جميع الذكور ولو قال بسبب الأنوثة وجب أن يحرم جميع الإناث وإن كان باشتمال الرحم عليه فينبغي أن يرحم الكل لأن الرحم لا يشتمل إلا على ذكر أو أثنى. وأما تخصيص التحريم بالولد الخامس أو السابع أو بالبعض دون البعض فمن أين ذلك التحريم؟ فاحتج الله على بطلان دعواهم بهاتين الآيتين وأعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن كل ما قالوه من ذلك وأضافوه إلى الله فهو كذب على الله وأنه لم يحرم شيئاً من ذلك وأنهم اتبعوا في ذلك أهواءهم وخالفوا أمر ربهم. وذكر الإمام فخر الدين في معنى الآية وجهين آخرين ونسبهما إلى نفسه، فقال: إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم بل هو استفهام على سبيل الإنكار يعني إنكم لا تقرون بنبوة نبي ولا تعترفون بشريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم. والوجه الثاني: إنكم حكمتم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي مخصوصاً بالإبل فالله تعالى بيّن أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة وهي: الضأن والمعز والبقر والإبل فلم لم تحكموا بهذه الأحكام في هذه الأنواع الثلاثة وهي الضأن والمعز والبقر فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم دون هذه الأنواع الثلاثة. قوله تعالى: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء الجهلة من المشركين الذين يزعمون أنالله حرم عليهم ما حرموا على أنفسهم من الأنعام والحرث هل شاهدتم الله حرم هذا عليكم ووصاكم به فإنكم لا تقرون بنبوة أحد من الأنبياء فكيف تثبتون هذه الأحكام وتنسبونها إلى الله عز وجل. ولما احتج الله عليهم بهذه الحجة وبين أنه لا مستند لهم في ذلك قال تعالى: {فمن أظلم ممن أفترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم} يعني فمن أشد ظلماً وأبعد عن الحق ممن يكذب على الله ويضيف تحريم ما لم يحرمه الله إلى الله ليضل الناس بذلك ويصدهم عن سبيل الله جهلاً منه إذ ليس هو على بصيرة وعلم في ذلك الذي ابتدعه ونسبه إلى الله ويقول إن الله أمرنا بهذا، قيل: أراد به عمرو بن لحي لأنه أول من بحر البحائر وسيب السوائب وغير دين إبراهيم عليه السلام ويدخل في هذا الوعيد كل من كان على طريقته أو ابتدع شيئاً لم يأمر الله به ولا رسوله ونسب ذلك إلى الله تعالى لأن اللفظ عام فلا وجه للتخصيص فكل من أدخل في دين الله ما ليس فيه فهو داخل في هذا الوعيد {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} يعني أن الله لا يرشده ولا يوفق من كذب على الله وأضاف إليه ما لم يشرعه لعباده. قوله عز وجل: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه} اعلم أنه لما بين الله تعالى فساد طريقة أهل الجاهلية وما كانوا عليه من التضليل والتحريم من عند أنفسهم واتباع أهوائهم فيما أحلوه وحرموه من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في ذلك وبيَّن أن التحريم والتحليل لا يكون إلا بوحي سماوي وشرع نبوي، فقال تعالى: قل أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الجاهلين الذي يحللون ويحرمون من عند أنفسهم لا أجد فيما أوحي إليّ، وقيل إنهم قالوا فما المحرم إذاً فنزل؟ {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً} يعني شيئاً محرماً على طاعم يطعمه يعني على آكل يأكله {إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً} يعني سائلاً مصبوباً {أو لحم خنزير فإنه رجس} أي نجس {أو فسقاً أهلّ لغير الله به} يعني ما ذبح على غير اسم الله تعالى فبين الله تعالى في هذه الآية أن التحريم والتحليل لا يكون إلا بوحي منه وأن المحرمات محصورة في الأربعة الأشياء المذكورة في هذه الآية وهي: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما ذبح على غير اسم الله، وهذا مبالغة في أن التحريم لا يخرج عن هذه الأربعة وذلك أنه ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات إلا بالوحي وثبت أن الله تعالى نص في هذه الآية على هذه الأربعة الأشياء ولهذا اختلف العلماء في حكم هذه الآية فذهب بعضهم إلى ظاهرها وأنه لا يحرم شيء من سائر المطعومات والحيوان إلا ما ذكر في هذه الآية؛ يروى ذلك عن ابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير وهو ظاهر مذهب مالك واحتجوا على ذلك بأن هذه الآية محكمة لأنها خبر والخبر لا يدخله النسخ واحتجوا بأن هذه الآية وإن كانت مكية لكن يعضدها آية مدنية وهي قوله تعالى في سورة البقرة:{أية : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلَّ به لغير الله}تفسير : [البقرة: 173]، وكلمة إنما تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة للآية المكية في الحكم، وذهب جمهور العلماء إلى أن هذا التحريم لا يختص بهذه الأشياء المنصوص عليها في هذه الآية فإن المحرم بنص الكتاب هو ما ذكر في هذه الآية. وقد حرمت السنة أشياء فوجب القول بها: منها تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير. عن المقدام بن معديكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه وإنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله تعالى"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. ولأبي داود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعفيهم بمثل قراه " تفسير : عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذراً فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو معفو وتلا: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} الآية أخرجه أبو داود (م) عن ابن عباس قال "حديث : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير"تفسير : (م) عن أبي هريرة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية"تفسير : (ق) عن جابر "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل"تفسير : وفي رواية: حديث : "أكلنا من خيبر الخيل وحمر الوحش" ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلي تفسير : عن جابر "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الهر وأكل ثمنه" تفسير : وقد استثنى الشارع من الميتة السمك والجراد ومن الدم الكبد والطحال وأباح أكل ذلك وقد تقدم دليله. والأصل في ذلك عند الشافعي أن كل ما لم يرد فيه نص بتحريم أو تحليل فما كان أمر الشرع بقتله كام ورد في الصحيح "حديث : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم وهي الحية والعقرب والفأرة والحدأة والكلب العقور" تفسير : وروي عن سعد بن أبي وقاص "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ" تفسير : أخرجه البخاري ومسلم، وسماه فويسقاً. وعن ابن عباس قال "حديث : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد"تفسير : أخرجه أبو داود فهذا كله حرام لا يحل أكله وما سوى ذلك فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادة العرب فما يستطيبه الأغلب منهم فهو حلال وما يستخبثه الأغلب منهم ولا يأكلونه فهو حرام لأن الله خاطبهم بقوله: {أية : أحل لكم الطيبات}تفسير : [المائدة: 4] فما استطابوه فهو حلال فهذا تقرير ما يحل ويحرم من المطعومات. وأما الجواب عن هذه الآية الكريمة فمن وجوه: أحدها: أن يكون المعنى لا أجد محرماً مما كان أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما أوحي إليّ في هذه الآية. الوجه الثاني: أن يكون المراد وقت نزول هذه الآية لم يكن محرماً غير ما ذكر ونص عليه في هذه الآية ثم حرم بعد نزولها أشياء أخر. الوجه الثالث: يحتمل أن هذا اللفظ العام خصص بدليل آخر، وهو ما ورد في السنة. الوجه الرابع: أن ما ذكر في هذه الآية محرم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما ورد في السنة من المحرمات والله أعلم. بقي في الآية أحكام في قوله تعالى: {أو دماً مسفوحاً} وهو ما سال من الحيوان في حال الحياة أو عند الذبح فإن ذلك الدم حرام نجس وما سوى ذلك كالكبد والطحال فإنهما حلال لأنهما دمان جامدان. وقد ورد الحديث بإباحتهما وكذا ما اختلط باللحم من الدم لأنه غير سائل، قال عمران بن جرير: سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم وعن القدر يُرى فيها حمرة الدم فقال لا بأس بذلك وإنما نهي عن الدم المسفوح. وقال إبراهيم النخعي: لا بأس بالدم في عرق أو مخ إلا المسفوح، وقال عكرمة: لولا هذه الآية لتتبع المسلمون الدم من العروق ما تتبع اليهود. وقوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} لما بين الله المحرمات في هذه الآية أباح أكلها عند الاضطرار من غير بغي ولا عدوان، وفي قوله: {فإن ربك غفور رحيم} دليل على الرخصة والإباحة عند الاضطرار.

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلإِبِلِ ٱثْنَيْنِ} عطفٌ على قوله تعالى: {مّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} أي وأنشأ من الإبل اثنين هما الجمل والناقة {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ} ذكر وأنثى {قُلْ} إفحاماً لهم في أمر هذين النوعين أيضاً {ءَآلذَّكَرَيْنِ} منهما {حَرَّمَ أَمِ ٱلأنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأنثَيَيْنِ} من ذينك النوعين، والمعنى إنكارُ أن الله سبحانه حرَّم عليهم شيئاً من الأنواع الأربعةِ وإظهارُ كذبِهم في ذلك وتفصيلُ ما ذكر من الذكور والإناثِ وما في بطونها للمبالغة في الرد عليهم بإيراد الإنكارِ على كل مادةٍ من موادّ افترائِهم فإنهم كانوا يحرِّمون ذكورَ الأنعامِ تارةً وإناثَها تارة وأولادَها كيفما كانت تارة أخرى مسندين ذلك كلَّه إلى الله سبحانه، وإنما عُقّب تفصيلُ كلِّ واحدٍ من نوعي الصغارِ ونوعي الكبارِ بما ذكر من الأمر بالاستفهام والإنكارِ مع حصول التبكيتِ بإيراد الأمرِ عقيبَ تفصيلِ الأنواعِ الأربعةِ بأن يقال: قل آلذكورَ حرّم أم الإناثَ أم ما اشتملت عليه أرحامُ الإناث لما في التثنية والتكريرِ من المبالغة في التبكيت والإلزام وقوله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء} تكريرٌ للإفحام كقوله تعالى: {نَبّئُونِي بِعِلْمٍ} وأمْ منقطعة، ومعنى الهمزةِ الإنكارُ والتوبـيخُ ومعنى بل الإضراب عن التوبـيخ بما ذكر إلى التوبـيخ بوجه آخرَ أي بل أكنتم حاضرين مشاهدين {إِذْ وَصَّـٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا} أي حين وصّاكم بهذا التحريمِ إذ أنتم لا تؤمنون بنبـيَ فلا طريقَ لكم حسبما يقود إليه مذهبُكم إلى معرفة أمثالِ ذلك إلا المشاهدةُ والسماعُ، وفيه من تركيك عقولِهم والتهكمِ بهم ما لا يخفى {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} فنسبَ إليه تحريمَ ما لم يحرِّم، والمراد كُبراؤهم المقرِّرون لذلك، أو عمْروُ بنُ لُحيِّ بنِ قُمعةَ وهو المؤسسُ لهذا الشرِّ، أو الكلُّ لاشتراكهم في الافتراء عليه سبحانه وتعالى أي فأيُّ فريقٍ أظلمُ من فريقٍ افتروا الخ، ولا يقدح في أظلمية الكلِّ كونُ بعضِهم مخترِعين له وبعضِهم مقتدين بهم، والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما سبق من تبكيتهم وإظهارِ كذِبهم وافترائِهم أي هو أظلم من كل ظالمٍ وإن كان المنفيُّ صريحاً في الأظلمية دون المساواةِ كما مر غيرَ مرة {لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ} متعلق بالافتراء {بِغَيْرِ عِلْمٍ} متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من فاعل افترى، أي افترى عليه تعالى جاهلاً بصدور التحريمِ عنه تعالى، وإنما وُصفوا بعدم العلمِ بذلك مع أنهم عالمون بعدم صدورِه عنه تعالى إيذاناً بخروجهم في الظلم عن الحدود والنهاياتِ فإن من افترى عليه تعالى بغير علم بصدوره عنه تعالى مع احتمال الصدورِ عنه إذا كان أظلمَ كان أظلمَ من كل ظالمٍ فما ظنُّك بمن افترى عليه تعالى وهو يعلم أنه لم يصدُرْ عنه ويجوز أن يكون حالاً من فاعل يُضِلّ أي ملتبساً بغير علم بما يؤدي بهم إليه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} كائناً من كان إلى ما فيه صلاحُ حالهم عاجلاً أو آجلاً وإذا كان هذا حالُ المتصفين بالظلم في الجملة فما ظنُّك بمن هو في أقصى غاياتِه؟

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن الإبل اثنين} عطف على قوله تعالى من الضأن اثنين اى وانشأ من الابل اثنين هما الجمل والناقة {ومن البقر اثنين} ذكرا وانثى {قل} افحاما لهم ايضا {آلذكرين} منهما {حرم ام الانثيين امّا اشتملت عليه ارحام الانثيين} من ذينك النوعين والمعنى انكار ان الله تعالى حرم عليهم شيئاً من الانواع الاربعة ذكرا وانثى او ما يحمل اناثها ردا عليهم فانهم كانوا يحرمون ذكور الانعام تارة كالحام فانه اذا نتجت من صلب الفحل عشرة ابطن حرموه ولم يمنعوه ماء ولا مرعى وقالوا انه قد حمى ظهره وكالوصيلة فان الشاة اذا ولدت اثنى فهى لهم وان ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وان ولدتهما وصلت الانثى اخاها ويحرمون اناثها تارة كالبحيرة والسائبة فانه اذا نتجت الناقة خمسة ابطن آخرها ذكر بحروا اذنها وخلوا سبيلها فلا تركب ولا تحلب وكان الرجل منهم يقول ان شفيت فناقتى سائبة ويجعلها كالبحيرة فى تحريم الانتفاع بها وكانوا اذا ولدت النوق البحائر والسوائب فصيلا حيا حرموا لحم الفصيل على النساء دون الرجال وان ولدت فصيلا ميتا اشترك الرجال والنساء فى لحم الفصيل ولا يفرقون بين الذكور والاناث فى حق الاولاد {ام كنتم شهداء} ام منقطعة بمعنى بل والهمزة ومعنى الهمزة الانكار والتوبيخ ومعنى بل الاضراب عن التوبيخ بما ذكر الى التوبيخ بوجه آخر اى بل أكنتم حاضرين شاهدين {اذ وصيكم الله بهذا} اى حين وصاكم بهذا التحريم اذ انتم لا تؤمنون بنبى فلا طريق لكم حسبما يؤول اليه مذهبكم الى معرفة امثال ذلك الا المشاهدة والسماع {فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا} فنسب اليه تحريم ما لم يحرم {ليضل الناس} متعلق بافترى. قال سعدى جلبى المفتى الظاهر ان اللام للعاقبة {بغير علم} حال من فاعل يضل اى ملتبسا بغير علم بما يؤدى بهم اليه {إن الله لا يهدى القوم الظالمين} كائنا من كان الى ما فيه صلاح حالهم عاجلا وآجلا فاذا نفى الهداية عن الظالم فما ظنك بمن هو اظلم.

الطوسي

تفسير : قوله {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين} تفصيل لتمام الثمانية أزواج التي أجملها في الآية الاولى. وقد بينا معنى قوله {آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} واصل الاشتمال الشمول تقول: شملهم الامر يشملهم شمولا فهو شامل، ومنه الشمال لشمولها على ظاهر الشيء وباطنه بقوتها ولطفها والشمول الخمر لاشتمالها على العقل. وقيل: لان لها عصفة كعصفة الشمال. وقوله {أم كنتم شهداء إِذ وصاكم الله بهذا} فـ (أم) معادلة لقوله {آلذكرين} وانما قال {أم كنتم شهداء إِذ وصاكم الله بهذا} لان طرق العلم اما الدليل الذي يشترك العقل في ادراك الحق بها أو المشاهدة التي يختص بها بعضهم دون بعض، فاذا لم يكن واحد من الامرين سقط المذهب. والمعنى أعلمتم ذلك بالسمع والكتب المنزلة فأنتم لا تقرون بذلك أم شافهكم الله به فعلتموه؟! فاذا لم يكن واحد منهما علم بطلان ما تذهبون اليه. والوصية مقدمة مؤكدة فيما يفعل او يترك، يقال: وصاه يوصيه توصية وأوصاه يوصيه إِيصاء، والوصي الموصى اليه. وقوله {فمن أظلم ممن افترى على الله} يعني من أظلم لنفسه ممن يكذب عليه فيضيف اليه تحريم ما لم يحرمه وتحليل ما لم يحلله {ليضل الناس بغير علم} أي عمل القاصد الى إِضلالهم من اجل دعائه الى ما يشك بصحته مما لا يؤمن ان يكون فيه هلاكهم وان لم يقصد إِضلالهم، فلذلك قال {ليضل الناس بغير علم}. ثم أخبر {إن الله لا يهدي} الى الثواب {القوم الظالمين} لانهم مستحقون للعقاب الدائم بكفرهم وضلالهم.

الجنابذي

تفسير : {وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ} العِراب والبخاتى {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ} الاهلىّ والوحشىّ {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ} والمقصود انكار تحريم شيءٍ منها والزمهم انّ قولهم بحرمة الذّكور منها تارة والاناث اخرى والاجنّة اخرى كما سبق ليس عن علم وحجّة بل محض تخمين وظنّ من انفسهم {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} حاضرين {إِذْ وَصَّاكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا} يعنى امثال ذلك امّا ان يعلم ببرهان فيمكن اعلام الغير بذلك البرهان، او يعلم بشهود وسماع حتّى يكون من علمٍ وان لم يكن اعلام الغير به، ولمّا لم يكن لكم برهان ولا شهود لم يكن حكمكم هذا الاّ محض افتراءٍ على الله فلفظة ام وان كانت منقطعة لكنّها معادلة لقوله نبّئونى بعلمٍ باعتبار المعنى يعنى الكم برهان ام كنتم شهداء {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} تقريع على ما تقدّم باعتبار ثبوت الافتراء او جزاء لشرطٍ مقدّرٍ بهذا الاعتبار، يعنى اذا لم يكن لكم برهان وعلم كما دلّ عليه نبّؤنى بعلم ولم تكونوا شهداء كما دلّ عليه قوله ام كنتم شهداء فانتم مفترون ولا اظلم ممّن افترى على الله فهو اشارة الى نتيجة قياس مستفاد من سابقه والى قياس اخر منتج اى انتم لا علم لكم ولا شهود، وكلّ من لا علم له ولا شهود فى قوله فهو مفتر، وكلّ مفتر لا اظلم منه فانتم لا اظلم منكم {لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} وهذا الّذى ذكر من تفسير الازواج بما ذكر هو الّذى ورد فى الاخبار ولمّا امر الله تعالى نبيّه (ص) بالسؤال عن حرمة شيءٍ من الازواج وعن البرهان عليها او الشّهود بها امره ان يجيب، بانّ طريق العلم امّا برهان او شهود وهما منتفيان عنكم كما سبق وامّا وحى بتوسّط سفراء الله وملائكته او تقليد لصاحب الوحى وانتم اهله وانا اهل ذلك الوحى ومدّع له، لا انتم لعدم ادّعائكم ذلك واعترافكم بانّكم لستم اهلاً للوحى فقال {قُل}.

الهواري

تفسير : قال: {وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ} من ذكر وأنثى أم كل ذلك حرام فإنه لم يُحَرّم منه شيء، يقول: أي كل هذا حرمت؟ فإني لم أحرّم منه شيئاً، ذكراً ولا أنثى. قال الكلبي: يقول: إنما الأنعام كلها ثمانية أزواج، فمن أين جاء التحريم؟ من قبل الذكرين أم من قبل الأنثيين. {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. فسألهم النبي عليه السلام. فسكتوا ولم يجيبوه. قال الله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا} فقال ذلك لهم النبي عليه السلام فقالوا: يا محمد: فبم هذا التحريم الذي حرّمه أباؤنا وآباؤهم قبلهم؟ فقال الله للنبي عليه السلام: قل يا محمد لا أجد فيما أوحي إلي محرّماً.... إلى آخر الآية. قوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا} بزعمكم أن الله حرّم هذا، أو أمركم بهذا. أي: إنكم لم تكونوا شهداء لهذا ولم يوصكم الله بهذا. ثم قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمِّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} يقول: لا أحد أظلم منه. {لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} جاءه من الله {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} يعني من يموت على شركه. ثم قال: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} أي على آكل يأكله أي لِما كانوا حرّموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. قال: {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} وهو المهراق، وأما دم في عرق أو مخالط لحماً فلا. {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً} فيها تقديم: إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو فسقاً فإنه رجس؛ وإنما انتصب فسقاً لأنه تبع للكلام الأول: (لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ فِسْقاً). قوله: {أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} أي ما ذبحوا على أصنامهم. قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} أي فأكل من هذه الأشياء على الاضطرار منه {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ذكروا عن محمد بن الحنفية أنه كان سئل عن الطحال والأسد والحرباء وأشباه ذلك مما يكره فتلا هذه الآية: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً}.... ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: "حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية"تفسير : وذكر عن الحكم الغفاري مثل ذلك، قال: وأبي البحر. قال عمرو بن دينار: وأبي البحر، قلت: من البحر؟ قال: ابن عباس. قال: {قل لا أجد فيما أوحى إلي محرماً}... إلى آخر الآية. ذكر الحسن قال: "حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وألبانها ". تفسير : وقال بعضهم: إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر إبقاء على الظهر ولم يحرّمها تحريماً. وهذا يشد قول ابن عباس في قوله: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً}. ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ".تفسير : وهذا حديث شاذ ليس بالمجمع عليه. وقال: أهل المدينة: لا نعرف هذا الحديث. ذكر قرة بن خالد قال: سألت الحسن عن السباع والضباع والضباب فقال: قد أغنى الله عنها، كانت طعام هذه الرعاء. قلت: أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كل سبع ذي ناب فقال: لا والله، ما سمعنا بذلك. وكان عبادة بن الصامت يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير". تفسير : ولم يجمع الناس على هذا الحديث. وقال ابن أبي ذئب: هذا حديث لا يعرفه أهل المدينة. قوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} قال بعضهم: غير باغ في أكله ولا عاد، أي يتعدّى حلالاً إلى حرام. وقال مجاهد: غير باغ على الناس ولا عاد يقطع عنهم السبيل. ذكر الحسن قال: "حديث : إن رجلاً قال: يا رسول الله، متى تحرم عليّ الميتة. قال:إذا رويت من اللبن وجاءت ميرة أهلك ".تفسير : ذكر عبد الله بن عون قال: دخلت على الحسن فإذا عنده كتاب فقال: هذا كتاب سمرة لولده فإذا فيه يجزي من الضرورة أو من الضارورة صبوح أو غبوق. ذكروا عن بعض السلف أنه قال: من اضطر فلم يأكل أو لم يشرب ومات دخل النار.

اطفيش

تفسير : {ومِنَ الإبِل اثْنيْن} جملا وناقة {ومِنَ البَقَر اثْنيْن} ذكراً وأنثى {قُلْ آالذَّكريْن} ذكر الإبل وذكر البقر {حَرَّمَ} أى أحرم الذكرين فقط {أم الأُنثَيَيْن} فقط أنثى الإبل وأنثى البقر، وأنت خبير أن الأنثيين فى الموضعين جاء على معنى الحصر، إذ عطف على المحصور فيه وأريد فيه الحصر، ولو تأخر إذ عطف على محصور فيه للتقديم ولا حصر فى أمَّا اشتملت الخ، لأن فيه الذكر والأنثى جميعا، من النوعين وكذا فى قوله: {أمَّا اشْتَملت عليْه أرْحام الأنْثَيَيْنِ} أنثى الإبل وأنثى البقر، أى أم حرم ما فى رحم الناقة من ناقة وجمل، وحرم ما فى رحم البقرة من ذكر وأنثى، لا تجدون الله حرم شيئا من ذلك، سواء أكان على حال ما تحرمون أم لم يكن، ولا حجة عقل صحيح، بل الله أمر بالانتفاع بذلك كما حد وأمر بالشفقة على ذلك كله وعلى غيره، ونهى عن مجاوزة الحد فيه بقدر ما لا تطيق، وعن تعذيبها، وشق أذنها، تعذيب بلا فائدة، وإهمالها إضرار لها، فقد تجوع أو تعطش، ولا تهتدى إلى مرعى أو ماء، كما قال فى عدم دليل من الله على جواز ذلك. {أمْ كُنتُم شُهداءَ إذ وصَّاكم اللهُ بهَذا} بهذا الذى تفعلونه من تحريم بعض الإبل والبقر، وهذا نظير قوله: {أية : نبئونى بعلم إن كنتم صادقين} تفسير : والتحريم فى الموضعين شاهد للتحريم المطلق، وللتحريم على النساء فقط، على حسب ما مر من التفصيل فى تحريمهم، وأم فى هذا الأخير وحده بمعنى بل وهمزة الإنكار، أى بل كنتم شهداء أى حاضرين حين وصى الله بتحريم بعض الإبل والبقر، فإن الحجة العقلية الصحيحة غير موجودة فى ذلك، ولا وحى لكم فى ذلك، بل قد أنكرتم الوحى فلم يبق إلا شاهدة التوصية من الله، ولا توصية بذلك من الله. ولقد فرغت وسعى فى إيضاح الآية وهو ما رأيت ووافقت فيه بعض ما قيل قبلى، والحمد لله، ومحصل ذلك أن الله عز وجل قال: من أين لكم، إنما تجعلون الشئ به بحيرة أو وصيلة أو نحو ذلك، وما تجعلونه نصيبا للأصنام حرام لا حجة لكم فى ذلك، وزاد الفخر وجهاً آخر وهو أن الأنعام أربعة كما ذكر الله، فلم خصصتم البحيرة والوصيلة والسائبة والحامى بالإبل، أو هذا على القول بأنهم جعلوا ذلك الإبل فقط. وأما ما ذكروا من حديث : أن مالك بن عوف الجشمى وهو خطيبهم قال: يا محمد بلغنا أنك تحرم أشياء كان أباؤنا يفعلونها؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: "قد حرمتم أصنافاً من النعم على غير أصل وإنما خلق الله الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها فمن أين جاء هذا التحريم؟ مِنْ قِبَل الذكر أم من قبل الأنثى؟" فسكت مالك بن عوف وتحير ولم يتكلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مالك يا مالك ألا تتكلم؟" قال: بل أنت تتكلم وأسمع منك، فارجع إلى ما فسرناها به من أنهم لا يجدون التحريم عن الله فى الذكر من ذلك، ولا فى الأنثى ولا فيهما، أى لا يجدون الله حرمها من قبل إنها ذكور أو إناث تفسير : . فقوله: "أمن قِبَل الذكر" هو معنى قوله تعالى: {قل آ الذكرين} وقوله: {أم من قِبَل الأنثى} راجع لقوله: {أم الأنثيين} وذلك فى الموضعين، فإنه لو كان الذكر محرما لقيل جاء التحريم من قبل الذكر أى من جهته، إذ حرم هو لا الأنثى، ولو كان الأنثى محرمة لقيل: جاء التحريم من قبل الأنثى أى من جهتها إذ حرمت هى الذكر، فقط علمت أن قوله: "من قِبَل الذكر" ليسه تعليلا بالذكورة، وكذا قوله: "من قِبلَ الأنثى" ليس تعليلا بالأنوثة لا كما قال عامة من تقدمنى من المفسرين من أن ذلك تعليل للتحريم بسبب الذكورة فيحرم كل ذكر من الأنعام، أو الأنوثة فيحرم كل أنثى من الأنعام، إذ لو كان ذلك لجاء لهم الجواب سهلا بأن يقولوا: ليس بالأنوثة والذكورة، بل لكون الجمل قد جاء من صلبه عشرة أبطن، ولكون الناقة كان منها خمسة أبطن، وغير ذلك مما يجعلون به الأنعام وصيلة أو سائبة على ما مر هذا ما ظهر لى فى تحريم المقام، وإذا دخل ذلك البيان من الله أسماعكم. {فَمنْ أظْلم ممَّن افْترَى عَلى اللهِ كذباً} مَّا فيدخل فيه ذلك الكذب الذى هو نسبة تحريم تلك المحرمات إلى الله، أو أريد ذلك الكذب فقط هنا، ونكر تعظيما فى شأنه أو تحقيرا فى أنه لا يخفى بطلانه عن عاقل ترك التقليد، والاستفهام للنفى، والمراد بمن افترى على الله كذباً كل من قرأ عليه نحو فى البحيرة ونصيب الصنم أو غير ذلك، أو من افترى ذلك من كبرائهم وأقره، وقيل: المراد عمرو بن لحى بن قمعة، وهو أول من غير دين إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وبحر البحائر، وسيَّب السوائب، وفعل أمثال ذلك، والتعميم أولى. {ليُضلَّ الناسَ} عن الحق {بغيْر علمٍ} متعلق بيضل، أى يجهل أو حال من المستتر فى يضل، أى ثابتاً بغير علم، أو يجعل الحال كون حاضر أى ملتبسا بغير علم {إنَّ الله لا يهْدِى القومَ الظَّالمينَ} أى لا يهديهم، أى لا يهدى من افترى عليه، أو هؤلاء الكفرة من قريش أى لا يوفقهم فوضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالظلم، أو لا يهدى الظالمين مطلقا، وفسر المعتزلة الهداية هنا بالهداية إلى الثواب، ولست أعنى أنه لو قال: لا يهديهم لم يكل سبيل إلى وصفهم بالظلم، لجواز مجئ الحال منه، أى لا يهديهم، بل المراد ترك الاقتصار على الإضمار لا لذلك أنه لا يوجد الوصف بالشئ إلا مع تركه، قيل: قالوا: فما المحرم؟ فنزل الأنعام وفيها قوله:

اطفيش

تفسير : {وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمَنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْه أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ} قد تقدم أَنهم يحرمون الذكر من الإِبل إِذا كان من صلبه عشرة أَبطن، وابنة الشاة لهم وابنها لآلهتهم، وإِن ولدت ذكراً وأُنثى وصلته ولم يذبح. وابن البحيرة أَو السائبة يحرمونه على الإِناث وإِن ولدت ميتا فبين الرجال والنساء، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم ناظرهم بأَنه إِن كان التحريم للذكورة فحرموا الذكور كلها أَو للأُنوثة فحرموا الاناث أَو باشتمال الرحم فحرموا الذكور والإِناث كلها، وأَيضاً ما بال الخامس أَو السابع أَو بعض دون بعض، فعجزوا ويجوز أَن يكون المعنى إِذا حكمتم بالحامى والسائبة فى الإِبل فلم لم تحكموا به فى البقر والغم، بأَن لا يحمل على البقرة ولا ترد عن مرعى ويختص لبنها بالأَصنام وبأَن لا تحلب الشاة إِلا للأَصنام ولا ترد عن مرعى، واعلم أَنه كما اختلفت اسماء الأَنعام اختلفت أَسماء أَولادها، كما يقال لولد البقرة عجل ولولد الناقة حوار ولولد الشاة حمل ولولد العنز جدى ولولد الفرس مهر ولولد الحمار جحش ولولد الأَسد شبل ولولد الفيل دغفل ولولد الكلب جرو ولولد الظبى خشف ولولد الأَروية غفر ولولد الضبع فرعل ولولد الدب ديسم ولولد الخنزير خنوص ولولد الحية حربش ولولد النعام رأل ولولد الدجاجة فروج ولولد الفأر درص ولولد الضب حسل وهكذا يتتبع القاموس، وكذا اختلفت أَصواتها كالخوار لصوت البقرة والثغاء لصوت الغنم واليعار لصوت المعز والرغاء لصوت البعير والنبيب لصوت التيس والنباح لصوت الكلب والزئير لصوت الأَسد والعواء والوعوعة لصوت الذئب والضباح لصوت الثعلب والقباع لصوت الخنزير والمواء لصوت الهرة والنهيق والسحيل لصوت الحمار والصهيل والضبح والقنع والحمحمة لصوت الفرس والصنى لصوت الفيل والبتغم للظبى والضيب للأَرنب والعرار للظليم والصرصر للبازى والعقعقة للصقر والصفير للنسر والهديل للحمام والسجع للقمرى والسقسقة للعصفور والنعيق والنعيب للغراب والصغاء والزفاء للديك والقوقاء والنقيقة للدجاجة والفحيح للحية والنقيق للضفدع والضيء للعقرب والعارة والصرير للجراد. أَى لأَصواتهن، وهكذا تتبع كتب اللغة كالقاموس {أَمْ كُنْتُمْ} بل كنتم {شُهَداءَ} حاضرين {إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا} أَى بهذا التحريم لو وصاكم أَو إِذا وصاكم فى زعمكم، وهذا أَشد نهياً من قوله آلذكرين إِذ حاصله أَنه لا سبيل إِلى التحريم إِلا بتحريم من الله، والله لم يحرم ذلك {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} أَى ممن اتصف بالكذب على الله من أَكابرهم الرؤساء المقررين لما هو كذب الداعين إِليه {لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} كعمرو بن لحى بن قمئة فإِنه أَول من غير دين إِسماعيل عليه السلام بعبادة الأَصنام وكبحير البحيرة ونحوه وعبادة الأَصنام، قيل: جاءَ بهبل وهو صنم من الشام، وقال: فى تلبية لبيك اللهم لا شريك لك إِلا شريكاً تملكه وما ملك، فالمراد فى الآية هو وسائر الأَكابر المغوين لما أَمر به عمرو ابن لحى فإِنه أَول وهم يأْمرون بما قال وما فعل، أَو يراد هو وحده وأَما مقلدوه فمثله فى العقاب، ويجوز أَن يراد كل من اتصف بالكذب رئيساً أَو مرءُوساً أَو مهملاً، فتكون اللام للعاقبة فى حق غير الرئيس وللتعليل فى حقه فيكون جمعاً بين الحقيقة والمجاز، أَو يكون من عموم المجاز، ومعنى بغير علم أَنهم غير عالمين بأَن الله حرم ذلك لأَن الله لم يحرمه، وقد علموا أَنه لم يحرمه، فالآية صريحة فى خروجهم عن حدود النهايات فى ظلمهم وبغير حال من ضمير أَفترى أَو ضمير يضل أَو من الناس أَى غير عالمين بأَن ما أَمرهم به غير علم {إِنَّ الله لا يَهْدِى} هداية توفيق إِلى الإِسلام {الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الذين قضى الله عليهم بالشقاوة، وذلك على عمومه فدخل فيه أَولا وبالذات هؤلاء الذين الكلام فيهم، وإِن قلنا إِنهم المراد فمقتضى الظاهر لا يهديهم، ووضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بموجب الخذلان وهو ظلمهم العام لهم ولغيرهم ولدين الله عز وجل. والمعتزلة يقولون لا يهديهم إِلى ثوابه، ولما أَبطل الله عز وجل تحريم ما حرموا قالوا: ما المحرم؟ فنزل قوله تعالى: {قُلْ} لهم يا محمد {لاَ أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ} فى القرآن أَو غيره، وهذا لعمومه أَولى من اَن يفسر بالقرآن فقط، وفى ذكر الوحى إِشارة إِلى أَن التحريم إِنما يعلم بالوحى لا يمحض العقل أَو بالهوى {مُحَّرمًا} أَى شيئاً محرماً {عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} على إِنسان مريد الأَكل صالح لأَن يأْكله ذكر أَو أُنثى، رد على قولهم خالصة لذكورنا ومحرم على أَزواجنا {إِلاَّ أَنْ يَكُونَ} الطعام المحرم {مَيْتَةً} الاستثناء منقطع لأَن الكون ميتة ليس من الأَشياء المحرمة، وإِنما الذى منها هو فيه لا كونها ميتة، وكذا سائر المعطوفات، واستثنى صلى الله عليه وسلم جلد الميتة فهو حلال نجس يطهر بالدبغ فيستعمل، والمراد بالميتة ما مات بنفسه أَو سقوط أَو نحو ذئب أَو ضرب أَو نطح وقتل لغير الصنم، وَاما للصنم ففى قوله أَو فسقاً {أَو دَماً مَسْفُوحاً} مصبوباً، كانوا يفصدون الدم من حيوان حى ويأْكلونه ويأكلون دم الذبيحة فحل بعد التذكية الكبد والطحال لأَنهما جامدان، وحل دم القلب ودم العروق وباقى الدم لأَنه غير مصبوب، والعطف على ميتة، لا على أَن وما بعدها {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} أَو عصبة وسائر أَجزائه بدليل قوله {فَإِنَّهُ} أَى الخنزير كله لحمه وغير لحمه حتى شعره، وخص اللحم بالذكر لأَنه أَعظم ما يقصد منه وغيره تبع له، أَو يعتبر أَنه إِذا حرم لحمه مع أَنه محتاج إِليه جداً فغيره أَولى بالتحريم، وخبث الخنزير ذاتى فهو حرام ولو كان لا يأْكل إِلا ما هو طاهر، وقيل الهاء عائدة إِلى ما ذكر من الميتة والدم ولحم الخنزير وهو ضعيف {رِجْسٌ} حرام خبيث، وإِن رددنا الهاءَ إِلى لحم فغير اللحم مثله تبعاً له {أَوْ فِسْقاً} عطف على ميتة أَى حيواناً مفسوقاً به أَوسماه فسقاً مبالغة، أَو ذا فسق من غيره أَو منه أو فاسقاً، سماه فاسقاً أَو ذا فسق منه مجازاً إِسنادياً، وفسر الفسق بقوله {أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} الجملة نعت لفسقاً، وإِن جعلنا فسقاً مفعولا لأَجله عامله أَهل فجملة أهل لغير الله به عطفت على يكون ميتة بأَو، أَى إِلا أَن يكون ميتة أَو أَهل به لغير الله لأَجل الفسق، ومعنى أَهل لغير الله به، رفع الصوت به عند ذبحه أَو نحره باسم غير الله من الأَصنام أَو غيرها فإِنه حرام، ولو ذكر معه الله، أَو الباء للسببية، وعلى كل حال لا ضمير فى أهل، ونائب فاعل أهل هو به، والهاء عائد إِلى فسقاً إِلا إِذا جعلنا فسقاً مفعولا لأَجله فعائد إِلى ما عاد إِليه ضمير يكون، والحصر فى هذه الأَشياء إِضافى منظور فيه إِلى نحو البحيرة والحرث والأَنعام المجعولة لأَصنامهم، أَي أَجد محرماً الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أُهل لغير الله به لا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى وما جعل من الحرث والأَنعام للأَصنام فلا يدان لنا أَشياء محرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أَكل السبع، بل دخلت هؤلاء فى الميتة وما يكون بالأَزلام والخمر والربا وسائر المحرمات وذى ناب وذى مخلب، أَو يقال تحريم غير ما ذكر أَتى بعد سورة الأَنعام وأَما ما قبلها فعلى أَصل الحل، أَو أَفاد تحريم تلك الحيوانات نجاستها المعلل بها تحريم الخنزير، ولم يقبل ابن عباس قولهم: حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأَهلية يوم خبير، وقرأَ: قل لا أَجد فى ما أَوحى إِلىتفسير : ، الآية، وسئل ابن عمر عن القنفذ فقرأَ هذه الآية قل لاأَجد.. إِلخ، وكانت عائشة إِذا سئلت عن ذى ناب وذى مخلب قرأَت الآية قل لا أَجد.. إِلخ، ولعل حديث كل ما استخبثه العرب فهو حرام قبل نزول آيات التحريم وبعد نزول "أية : ويحرم عليهم الخبائث" تفسير : [الأعراف: 157] وكان إِذ ذاك طبعهم على حال واحد وإِلا فطبائع العرب مختلفة فى الاستخباث، وقد استخبث النبى صلى الله عليه وسلم الضب حتى بصق وقال: يعافه طبعى، ولم يحرمه وهو أَصدق العرب طبعاً، وإِذا عقلتم ذلك {فَمَنِ اضْطُرَّ} افتعل من الضر قلبت التاء طاء لتجانس الضاد، أَى فمن أوقع فى ضر الجوع الشديد فأَكل بعض ذلك فى شدة مجاعة كما قال فى مخمصة {غَيْرَ بَاغٍ} خارج على المسلمين أَو مانع للحق أَو على مضطر آخر مثله بأَن ينزع ما بيد هذا المضطر من الميتة أَو الدم أَو لحم الخنزير، أَو مما أهل به لغير الله، فإِن ما بيده حق له كسائر المال الحلال فنزعه من يده بغى عليه، فإِن كان بيده أَكثر مما يجوز له فى التنجية فنزع منه مضطر الزائد ليتقوت به أَو ببعض فليس بباغ، وكذا كل من لم يضطر ونزع من المضطر ما اضطر إِليه من ذلك فهو باغ {وَلاَ عَادٍ} متعد على المسلمين بقطع الطريق لمال أَو نفس أَو فحش أَو تخويف، أَو على السيد بإِباقه أَو على الزوج بنشوز أَو بسفر فى معصية أَو بأَكل من الميتة، وما ذكر أَكثر مما يسد به رمقه أَو استصحب معه. ورخص بعض أَن يأَكل أَكثر مما يسد رمقه وأَن يستصحب بعد الأَكل، والعمل على الأَول فمن اضطر ووجد دماً مسفوحاً من حيوان حى أَو وجد دم ذبيحة فله الأَكل منه قدر التنجية، ويفصد من دابته إِذا كان لو ذبحها انقطع عن الوصول، وإِن وجد خنزيراً قطع منه أَو ذبحه والصواب ذبحه أَو قتله لوجوب قتله على المضطر وغيره، ولئلا يعذب بالقطع منه، وقيل لما حل له وجب ذبحه وحل له بالذبح ككبشه، قيل ولا يأْكل الميتة المدودة لأَنها لا تنجيه {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ} لا يؤاخذه بما أَكل {رَحِيمٌ} له إِذ وسع عليه بذلك.

الالوسي

تفسير : {وَمِنَ ٱلإِبِلِ} زوجين {ٱثْنَيْنِ} الجمل والناقة، وهذا عطف على قوله سبحانه: { أية : وَمِنْ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [الأنعام: 143] «والإبل ـ كما قال الراغب ـ يقع على البُعْران الكثيرة ولا واحد له من لفظه» ويجمع ـ كما في «القاموس» ـ على آبال والتصغير أُبَيْلة». {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ } هما الثور وأنثاه {قُلْ } إفحاماً لهم في أمر هذين النوعين أيضاً {ءآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ } الله تعالى منهما {أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ} من ذينك النوعين، والمعنى ـ كما قال كثير من أجلة العلماء ـ إنكار أن الله تعالى حرم عليهم شيئاً من هذه الأنواع الأربعة وإظهار كذبهم في ذلك وتفصيل ما ذكر من الذكور والإناث وما في بطونها للمبالغة في الرد عليهم بإيراد الإنكار على كل مادة من / مواد افترائهم فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة وإناثها تارة وأولادها كيفما كانت تارة أخرى مسندين ذلك كله لله سبحانه، وإنما لم يل المنكر وهو التحريم الهمزة والجاري في الاستعمال أن ما نكر وليها لأن ما في النظم الكريم أبلغ. وبيانه ـ على ما قال السكاكي ـ أن إثبات التحريم يستلزم إثبات محله لا محالة فإذا انتفى محله وهو الموارد الثلاثة لزم انتفاء التحريم على وجه برهاني كأنه وضع الكلام موضع من سلم أن ذلك قد كان ثم طالبه ببيان محل كي يتبين كذبه ويفتضح عند المحاقة، وإنما لم يورد سبحانه الأمر عقيب تفصيل الأنواع الأربعة بأن يقال: قل آلذكور حرم أم الإناث أما اشتملت عليه أرحام الإناث لما في [التثنية و] التكرير من المبالغة أيضاً في الإلزام والتبكيت. ونقل الإمام عن المفسرين أنهم قالوا: «إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يحرمون بعض الأنعام فاحتج الله سبحانه على إبطال ذلك بأن للضأن والمعز والإبل والبقر ذكراً وأنثى فإن كان قد حرم سبحانه منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراماً، وإن كان حرم جل شأنه الأنثى وجب أن يكون كل إناثها حراماً. وإن كان حرم الله تعالى شأنه ما اشتملت عليه أرحام الإناث وجب تحريم الأولاد كلها لأن الأرحام تشتمل على الذكور والإناث. وتعقبه بأنه بعيد جداً لأن لقائل أن يقول: هب أن هذه الأجناس الأربعة محصورة في الذكور والإناث إلا أنه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو غير ذلك من الاعتبارات كما إذا قلنا: إنه تعالى حرم ذبح بعض الحيوانات لأجل الأكل فإذا قيل: إن ذلك الحيوان إن كان قد حرم لكونه ذكراً وجب أن يحرم كل حيوان ذكر، وإن كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن يحرم كل حيوان أنثى. ولما لم يكن هذا الكلام لازماً علينا فكذا هذا الوجه الذي ذكره المفسرون»، ثم ذكر في الآية وجهين من عنده وفيما ذكرنا غني عن نقلهما. ومن الناس من زعم أن المراد من الإثنين في الضأن والمعز والبقر الأهلي والوحشي وفي الإبل العربـي والبُخْتي وهو مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وما روي عن ليث بن سليم لا يدل عليه، وقول الطبرسي: «إنه المروي عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه» كذب لا أصل له وهو شنشنة أعرفها من أخزم. وقوله سبحانه: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ} تكرير للإفحام والتبكيت، و (أم) منقطعة، والمراد بل أكنتم حاضرين مشاهدين {إِذْ وَصَّـٰكُمُ ٱللَّهُ } أي أمركم وألزمكم {بِهَـٰذَا } التحريم إذ العلم بذلك إما بأن يبعث سبحانه رسولاً يخبركم به وإما بأن تشاهدوا الله تعالى وتسمعوا كلامه جل شأنه فيه. والأول مناف لما أنتم عليه لأنكم لا تؤمنون برسول فيتعين المشاهدة والسماع بالنسبة إليكم وذلك محال ففي هذا ما لا يخفى من التهكم بهم. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } فنسب إليه سبحانه تحريم ما لم يحرم، والمراد به ـ على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ عمرو بن لحي بن قمعة الذي بحر البحائر وسيب السوائب وتعمد الكذب على الله تعالى، وقيل: كبراؤهم المقررون لذلك، وقيل: الكل لاشتراكهم في الافتراء عليه سبحانه وتعالى، والمراد فأي فريق أظلم ممن الخ، واعترض بأن قيد التعمد معتبر في معنى الافتراء. ومن تابع عمراً من الكبراء يحتمل أنه أخطأ في تقليده فلا يكون متعمداً للكذب فلا ينبغي تفسير الموصول به، والفاء لترتيب / ما بعدها على ما سبق من تبكيتهم وإظهار كذبهم وافترائهم، ونصب {كَذِبًا} قيل على المفعولية، وقيل: على المصدرية من غير لفظ الفعل، وجعله حالاً أي كاذباً جوزه بعض كمل المتأخرين وهو بعيد لا خطأ خلافاً لمن زعمه. {لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ} متعلق بالافتراء {بِغَيْرِ عِلْمٍ } متعلق بمحذوف وقع حالاً من ضمير (افترى) أي افترى عليه سبحانه جاهلاً بصدور التحريم عنه جل شأنه، وإنما وصف بعدم العلم مع أن المفتري عالم بعدم الصدور إيذاناً بخروجه في الظلم عن الحدود والنهايات فإن من افترى عليه سبحانه بغير علم بصدور ذلك عنه جل جلاله مع احتمال صدوره إذا كان في تلك الغاية من الظلم فما الظن بمن افترى وهو يعلم عدم الصدور. وجوز كونه حالاً من فاعل (يضل) على معنى متلبساً بغير علم بما يؤدي به إليه من العذاب العظيم. وقيل: معنى الآية عليه أنه عمل عمل القاصد إضلال الناس من أجل دعائهم إلى ما فيه الضلال وإن لم يقصد الإضلال وكان جاهلاً بذلك غير عالم به، وهو ظاهر في أن اللام للعاقبة وله وجه. وجوز أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من {ٱلنَّاسِ } وما تقدم أظهر وأبلغ في الذم. واستدل القاضي بالآية على أن الإضلال عن الدين مذموم لا يليق بالله تعالى لأنه سبحانه إذا ذم الإضلال الذي ليس فيه إلا تحريم المباح فالذي هو أعظم منه أولى بالذم، وفيه أنه ليس كل ما كان مذموماً من الخلق كان مذموماً من الخالق. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } إلى طريق الحق، وقيل: إلى دار الثواب لاستحقاقهم العقاب واختاره الطبرسي، وإلى نحوه ذهب القاضي بناء على مذهبه وليس بالبعيد على أصولنا أيضاً. وقيل: إلى ما فيه صلاحهم عاجلاً وآجلاً وهو أتم فائدة وأنسب بحذف المعمول، ونفي الهداية عن الظالم يستدعي نفيها عن الأظلم من باب أولى.

الواحدي

تفسير : {أم كنتم شهداء إذْ وصاكم الله بهذا} هل شاهدتم الله قد حرَّم هذا إذْ كنتم لا تؤمنون برسول الله؟! فلمَّا لزمتهم الحجَّة بيَّن الله تعالى أنَّهم فعلوا ذلك كذباً على الله، فقال: {فمن أظلم ممَّن افتَرى على الله كذباً ليضلَّ الناس بغير علم...} الآية. يعني: عمرو بن لحي، وهو الذي غيَّر دين إسماعيل، وسنَّ هذا التَّحريم. ثمَّ ذكر المحرَّمات بوحي الله، فقال: {قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرَّماً على طاعم يطعمه إلاَّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً} يعني: سائلاً {أو فسقاً أهلَّ لغير الله به} يعني: ما ذًبح على النُّصب. {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} يعني: الإِبل، والنَّعامة {ومن البقر والغنم حرَّمنا عليهم شحومهما إلاَّ ما حملت ظهورهما أو الحوايا} وهي المباعر {أو ما اختلط بعظم} فإنِّي لم أحرّمه. يعني: ما تعلَّق من الشَّحم بهذه الأشياء {ذلك} التَّحريم {جزيناهم ببغيهم} عاقبناهم بذنوبهم {وإنا لصادقون} في الإِخبار عن التَّحريم، وعن بغيهم، فلمَّا ذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حُرِّم على المسلمين، وما حرِّم على اليهود قالوا له: ما أصبت، وكذَّبوه، فأنزل الله تعالى: {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة} ولذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة {ولا يرد بأسه} عذابه إذا جاء الوقت {عن القوم المجرمين} يعني: الذين كذَّبوك بما تقول.

د. أسعد حومد

تفسير : {ءَآلذَّكَرَيْنِ} {وَصَّاكُمُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (144) - وَخَلَقَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الإِبِلِ زَوْجَينِ، ذَكَراً وَأُنْثَى، وَمِنَ البَقَرِ زَوْجَينِ، فَاسْأَلْهُمْ هَلْ حَرَّمَ اللهُ الذُّكُورَ أَمِ الإِنَاثَ، (أَمْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ)، وَالأُنْثَى لاَ تَحْمِلُ إِلا ذَكَراً أَوْ أُنْثَى. فَاللهُ تَعَالَى لَمْ يُحْرِّمْ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ شَيْئاً، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ كُلَّهُ حَلاَلاً لِلْنَّاسِ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ. وَيَسْأَلْهُمُ اللهُ تَعَالَى إِنْ كَانُوا حَاضِرِينَ (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ) حِينَ أَوْصَاهُمُ اللهُ بِمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ؟ (وَهُوَ تَهَكُّمٌ عَلَْهِمْ). ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً وَأَتَى بِبِدَعٍ، زَعَمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ، لِيُضِلَّ بِهَا النَّاسَ، وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ. وَصَّاكُمُ اللهُ بِهذا - أَمَرَكُمُ اللهُ بِهَذَا التَّحْرِيمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومن البقر اثنين: ذكر وأنثى أيضاً، والذكر من البقر نسميه ثوراً، ويخطئ بعض الناس في تسمية الأنثى من البقر "بقرة"، إن البقرة اسم لكل واحد منهما: للذكر والأنثى، والتاء في بقرة للواحدة، واسم الأنثى "ثورة" {وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ} أنتم تقولون: إنكم لم تتبعوا رسولاً، وكنتم على فترةٍ من الرُّسل، ولم يأت لكم رسول، إذن فلا تحريم إلا من الله، ولا يبلغكم تحريم الله إلا عن طريق رسول. بل أكنتم شهداء مسألة التحريم، أي أشاهدتم ربكم ورأيتموه حين أمركم بهذا التحريم، أم أنتم الأنبياء؟. إنكم تتعمدون الكذب على الله لإِضلال الناس. إذن، فالحق لا يهدي من يظلم نفسه ويظلم الناس. ويقول سبحانه بعد ذلك: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً..}

الأندلسي

تفسير : {وَمِنَ ٱلإِبْلِ} الآية الإِبل الجمال للواحد والجمع، ويجمع على إبال، وتأبّل الرجل: اتخذ إبلاً. وقولهم: ما أبل الرجل في التعجب شاذ، وقدم الإِبل على البقر لأنها أغلى ثمناً وأغنى نفعاً في الرحلة وحمل الأثقال عليها واصبر على الجوع والعطش وأطوع وأكثر انقياداً في الإِناخة والإِشارة. {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} انتقل من توبيخهم في نفي علمهم بذلك إلى توبيخهم في نفي شهادتهم. وذلك وقت توصية الله إياهم بذلك لأن مدرك الأشياء المعقول والمحسوس، فإِذا انتفيا فكيف يحكم بتحليل أو بتحريم. {فَمَنْ أَظْلَمُ} الآية، أي لا أحد أظلم. {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فنسب إليه تحريم ما لم يحرمه تعالى فلم يقتصر على افتراء الكذب في حق نفسه وضلالها حتى قصد بذلك ضلال غيره فسن هذه السنة الشنعاء. وغايته بها إضلال الناس فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} نفي هداية من وجد منه الظلم. فكان من فيه الأظلميّة أولى بأن لا يهديه. وهذا عموم في الظاهر وقد تبين تخصيصه بما يقتضيه الشرع. {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ} الآية، لما ذكر أنهم حرموا ما حرموا افتراء على الله، أمره تعالى أن يخبرهم بأن مدرك التحريم إنما هو بالوحي من الله تعالى وبشرعه لا بما تهوى الأنفس وما تختلقه على الله تعالى. وجاء الترتيب هنا كالترتيب الذي في البقرة والمائدة وجاءت هنا هذه المحرمات منكرة والدم موصوفاً بقوله: مسفوحاً. والفسق موصوفاً بقوله: أهل لغير الله به. وفي تينك السورتين معرفاً لأن هذه السورة مكية فعلّق بالمنكر وتانك السورتان مدنيتان، فجاءت تلك الأسماء معارف بالعهد وحوالة على ما سبق تنزيله في هذه السورة. و{إِلاَّ أَن يَكُونَ} استثناء منقطع لأنه كون والمحرم عين من الأعيان. ويجوز أن يكون بدلاً على لغة بني تميم، ونصباً على لغة الحجاز، كقوله تعالى: {أية : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} تفسير : [النساء: 157] لأن اتباع الظن ليس بعلم فهو استثناء منقطع، واسم كان ضمير مذكر يعود على محرم تقديره إلا أن يكون المحرم ميتة. ومعنى مسفوحاً، أي مصبوباً سائلاً كالدم في العروق لا كالطحال والكبد. وقد رخص في دم العروق بعد الذبح. وقيل لأبي مجلز القدر تعلوه الحمرة من الدم، فقال: إنما حرم الله تعالى المسفوح. وفي قوله: أو دماً مسفوحاً، دلالة على أن دم البق والبراغيث والذباب ليس بنجس لأنه ليس بمسفوح. والظاهر أن الضمير في فإِنه عائد على لحم الخنزير. وزعم أبو محمد بن حزم أنه عائد على خنزير فإِنه أقرب مذكور . وإذا احتمل الضمير العود إلى شيئين كان عوده على الأقرب أرجح، وعورض بأن المحدّث عنه إنما هو اللحم. وجاء ذكر الخنزير على سبيل الإِضافة إليه لا أنه هو المحدث عنه المعطوف. ويمكن أن يقال: ذكر اللحم تنبيهاً على أنه أعظم ما ينتفع به من الخنزير وإن كان سائره مشاركاً له في التحريم بالتنصيص على العلة من كونه رجساً، أو لإِطلاق الأكثر على كله أو الأصل على التابع لأن الشحم وغيره تابع للحم أو فسقاً معطوف على ما قبله. قال الزمخشري: فسقاً منصوب على أنه مفعول من أجله مقدم على العامل فيه وهو أهل كقوله: شعر : طربت وما شوقا إلى البيض أطرب تفسير : وفصل بين أو وأهل بالمفعول له. "انتهى". هذا إعراب متكلف جداً وتركيبه خارج عن الفصاحة، وغير جائز على قراءة من قرأ إلا أن يكون ميتة بالرفع، فيبقى الضمير في به ليس له ما يعود عليه، ولا يجوز أن يتكلف محذوف حتّى يعود الضمير عليه فيكون التقدير أو شىء أهل لغير الله به لأن مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر وسمي ما أهل لغير الله به فسقاً لتوغله في باب الفسق. ومنه: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} تفسير : [الأنعام: 121]، وأهل في موضع الصفة له. واختلفوا في هذه الآية أهي محكمة وهو قول الشعبي وابن جبير فعلى هذا لا شىء محرم من الحيوان إلا فيها وليس هذا مذهب الجمهور. وقيل: هي منسوخة بآية المائدة وينبغي أن يفهم هذا النسخ بأنه نسخ للحصر فقط. وقيل: جميع ما حرم داخل في الاستثناء سواء كان بنص قرآن أم حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاشتراك في العلة التي هي الرجسية. والذي نقوله ان الآية مكية وجاءت عقب قوله: ثمانية أزواج، وكان الجاهلية يحرّمون ما يحرمون من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي من هذه الثمانية فالآية محكمة. وأخبر فيها أنه لم يجد فيما أوحي إليه إذ ذاك من القرآن سوى ما ذكر، ولذلك أتت صلة ما جلمة مصدرة بالفعل الماضي فجميع ما حرم بالمدينة لم يكن إذ ذاك سبق منه وحي فيه بمكة فلا تعارض بين ما حرم بالمدينة وبين ما أخبر أنه أوحى إليه بمكة تحريمه. وذكر الخنزير وإن لم يكن من ثمانية أزواج لأن من الناس من كان يأكله إذ ذاك، ولأنه أشبه شىء بثمانية الأزواج في كونه ليس سبعاً مفترساً يأكل اللحوم ويتغذى بها، وإنما هو من نمط الثمانية في كونه يعيش بالنبات ويرعى كما ترعى الثمانية، وذكر المفسرون أشياء مما اختلف أصل العلم فيه ذكرناه في البحر المحيط. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} تقدم ولما كان صدر الآية مفتتحاً بخطابه تعالى بقوله: قل لا أجد، اختتم الآية بالخطاب فقال: {فَإِنَّ رَبَّكَ} وذلك بدل على اعتنائه به تعالى بتشريف خطابه افتتاحاً واختتاماً.