Verse. 934 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قُلْ لَّاۗ اَجِدُ فِيْ مَاۗ اُوْحِيَ اِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلٰي طَاعِمٍ يَّطْعَمُہٗۗ اِلَّاۗ اَنْ يَّكُوْنَ مَيْتَۃً اَوْ دَمًا مَّسْفُوْحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزِيْرٍ فَاِنَّہٗ رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا اُہِلَّ لِغَيْرِ اللہِ بِہٖ۝۰ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَّلَا عَادٍ فَاِنَّ رَبَّكَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۱۴۵
Qul la ajidu fee ma oohiya ilayya muharraman AAala taAAimin yatAAamuhu illa an yakoona maytatan aw daman masfoohan aw lahma khinzeerin fainnahu rijsun aw fisqan ohilla lighayri Allahi bihi famani idturra ghayra baghin wala AAadin fainna rabbaka ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل لا أجد فيما أوحي إليَّ» شيئا «محرَّما على طاعم يطعمه إلا أن يكون» بالياء والتاء «ميتة» بالنصب وفي قراءة بالرفع مع التحتانية «أو دما مسفوحا» سائلا بخلاف غيره كالكبد والطحال «أو لحم خنزير فإنه رجس» حرام «أو» إلا أن يكون «فسقا أهل لغير الله به» أي ذبح على اسم غيره «فمن اضطرَّ» إلى شيء مما ذكر فأكله «غير باغ ولا عاد فإن ربَّك غفور» له ما أكل «رحيم» به ويلحق بما ذكر بالسنة كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير.

145

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب، فقال: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحمزة {إِلا أَن تَكُونَ } بالتاء {مَيْتَةً } بالنصب على تقدير: إلا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة. وقرأ ابن عامر إلا أن تكون بالتاء {مَيْتَةً } بالرفع على معنى إلا أن تقع ميتة أو تحدث ميتة والباقون {إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } أي إلا أن يكون المأكول ميتة، أو إلا أن يكون الموجود ميتة. المسألة الثانية: لما بين الله تعالى أن التحريم والتحليل لا يثبت إلا بالوحي قال: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إليَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } أي على آكل يأكله، وذكر هذا ليظهر أن المراد منه هو بيان ما يحل ويحرم من المأكولات. ثم ذكر أموراً أربعة. أولها: الميتة، وثانيها: الدم المسفوح، وثالثها: لحم الخنزير فإنه رجس، ورابعها: الفسق وهو الذي أهل به لغير الله، فقوله تعالى: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا } إلا هذه الأربعة مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة وذلك لأنه لما ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات والمحللات إلا بالوحي، وثبت أنه لا وحي من الله تعالى إلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام، وثبت أنه تعالى يأمره أن يقول: إني لا أجد فيما أوحي إلي محرماً من المحرمات إلا هذه الأربعة كان هذا مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة. واعلم أن هذه السورة مكية، فبين تعالى في هذه السورة المكية أنه لا محرم إلا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بأن قال في سورة النحل: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ الله غَفورٌ رَحيم} تفسير : [النحل: 115] وكلمة {إِنَّمَا } تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة، فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضاً أنه لا محرم إلا هذه الأربعة فقال: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 173] وكلمة {إِنَّمَا } تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لأن كلمة {إِنَّمَا } تفيد الحصر، فكلمة {إِنَّمَا } في الآية المدنية مطابقة لقوله: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } إلا كذا وكذا في الآية المكية، ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى: {أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [المائدة: 1] وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل، وهو قوله: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } تفسير : [المائدة: 3] وكل هذه الأشياء أقسام الميتة وأنه تعالى إنما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل، فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر. فإن قال قائل: فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات، ويلزم عليه أيضاً تحليل الخمر، وأيضا فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة مع أن الله تعالى حكم بتحريمها. قلنا: هذا لا يلزمنا من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في هذه الآية: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ } ومعناه أنه تعالى إنما حرم لحم الخنزير لكونه نجساً، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله، وإذا كان هذا مذكوراً في الآية كان السؤال ساقطاً. والثاني: أنه تعالى قال في آية أخرى: {أية : وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰئِثَ } تفسير : [الأعراف: 157] وذلك يقتضي تحريم كل الخبائث، والنجاسات خبائث، فوجب القول بتحريمها. الثالث: أن الأمة مجمعة على حرمة تناول النجاسات، فهب أنا التزمنا تخصيص هذه السورة بدلالة النقل المتواتر من دين محمد في باب النجاسات فوجب أن يبقى ما سواها على وفق الأصل تمسكاً بعموم كتاب الله في الآية المكية والآية المدنية، فهذا أصل مقرر كامل في باب ما يحل وما يحرم من المطعومات، وأما الخمر فالجواب عنه: أنها نجسة فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله: {رِجْسٌ } وتحت قوله: {وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰئِثَ } وأيضاً ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم في تحريمه، وبقوله تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُوهُ } تفسير : [المائدة: 90] وبقوله: {أية : وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } تفسير : [البقرة: 219] والعام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة. وأما قوله ويلزم تحليل الموقوذة والمتردية والنطحية، فالجواب عنه من وجوه: أولها: أنها ميتات فكانت داخلة تحت هذه الآية. وثانيها: أنا نخص عموم هذه الآية بتلك الآية، وثالثها: أن نقول إنها إن كانت ميتة دخلت تحت هذه الآية، وإن لم تكن ميتة فنخصصها بتلك الآية. فإن قال قائل: المحرمات من المطعومات أكثر مما ذكر في هذه الآية فما وجهها؟ أجابوا عنه من وجوه: أحدها: أن المعنى لا أجد محرماً مما كان أهل الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما ذكر في هذه الآية، وثانيها: أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن تحريم غير ما نص عليه في هذه الآية ثم وجدت محرمات أخرى بعد ذلك. وثالثها: هب أن اللفظ عام إلا أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز فنحن نخصص هذا العموم بأخبار الآحاد. ورابعها: أن مقتضى هذه الآية أن نقول إنه لا يجد في القرآن، ويجوز أن يحرم الله تعالى ما سوى هذه الأربعة على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام. ولقائل أن يقول: هذه الأجوبة ضعيفة. أما الجواب الأول: فضعيف لوجوه: أحدها: لا يجوز أن يكون المراد من قوله: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } ما كان يحرمه أهل الجاهلية من السوائب والبحائر وغيرها إذ لو كان المراد ذلك لما كانت الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب داخلة تحته، ولو لم تكن هذه الأشياء داخلة تحت قوله: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } لما حسن استثناؤها، ولما رأينا أن هذه الأشياء مستثناة عن تلك الكلمة، علمنا أنه ليس المراد من تلك الكلمة ما ذكروه. وثانيها: أنه تعالى حكم بفساد قولهم في تحريم تلك الأشياء، ثم إنه تعالى في هذه الآية خصص المحرمات في هذه الأربعة وتحليل تلك الأشياء التي حرمها أهل الجاهلية لا يمنع من تحليل غيرها، فوجب إبقاء هذه الآية على عمومها لأن تخصيصها يوجب ترك العمل بعمومها من غير دليل، وثالثها: أنه تعالى قال في سورة البقرة: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ } تفسير : [البقرة: 173] وذكر هذه الأشياء الأربعة، وكلمة {إِنَّمَا } تفيد الحصر وهذه الآية في سورة البقرة غير مسبوقة بحكاية أقوال أهل الجاهلية في تحريم البحائر والسوائب فسقط هذا العذر. وأما جوابهم الثاني: وهو أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرماً إلا هذه الأربعة. فجوابه من وجوه: أولها: أن قوله تعالى في سورة البقرة: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 173] آية مدنية نزلت بعد استقرار الشريعة، وكلمة {إِنَّمَا } تفيد الحصر فدل هاتان الآيتان على أن الحكم الثابت في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء، وثانيها: أنه لما ثبت بمقضتى هاتين الآيتين حصر المحرمات في هذه الاْربعة كان هذا اعترافاً بحل ما سواها، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخاً، ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ، لأنه لو كان احتمال طريان الناسخ معادلاً لاحتمال بقاء الحكم على ما كان، فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام لاحتمال أن يقال: إنه وإن كان ثابتاً إلا أنه زال، ولما اتفق الكل على أن الأصل عدم النسخ، وأن القائل به والذاهب إليه هو المحتاج إلى الدليل علمنا فساد هذا السؤال. وأما جوابهم الثالث: وهو أنا نخصص عموم القرآن بخبر الواحد. فنقول: ليس هذا من باب التخصيص، بل هو صريح النسخ، لأن قوله تعالى: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } مبالغة في أنه لا يحرم سوى هذه الأربعة، وقوله في سورة البقرة: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ } وكذا وكذا، تصريح بحصر المحرمات في هذه الأربعة، لأن كلمة {إِنَّمَا } تفيد الحصر، فالقول بأنه ليس الأمر كذلك يكون دفعاً لهذا الذي ثبت بمقتضى هاتين الآيتين أنه كان ثابتاً في أول الشريعة بمكة، وفي آخرها بالمدينة، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز. وأما جوابهم الرابع: فضعيف أيضاً، لأن قوله تعالى: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيْكَ } يتناول كل ما كان وحياً، سواء كان ذلك الوحي قرآناً أو غيره، وأيضاً فقوله في سورة البقرة: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ } يزيل هذا الاحتمال. فثبت بالتقرير الذي ذكرنا قوة هذا الكلام، وصحة هذا المذهب، وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس رحمه الله، ومن السؤالات الضعيفة أن كثيراً من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : ما استخبثه العرب فهو حرام» تفسير : وقد علم أن الذي يستخبثه العرب فهو غير مضبوط، فسيد العرب بل سيد العالمين محمد صلوات الله عليه، لما رآهم يأكلون الضب قال: «حديث : يعافه طبعي»تفسير : ثم إن هذا الاستقذار ما صار سبباً لتحريم الضب. وأما سائر العرب فمنهم من لا يستقذر شيئاً، وقد يختلفون في بعض الأشياء، فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون، فعلمنا أن أمر الاستقذار غير مضبوط، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم؟ المسألة الثالثة: اعلم أنا قد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأشياء الأربعة في سورة البقرة على سبيل الاستقصاء، فلا فائدة في الإعادة. فأولها: الميتة، ودخلها التخصيص في قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أحلت لنا ميتتان السمك والجراد» تفسير : وثانيها: الدم المسفوح، والسفح الصب يقال: سفح الدم سفحاً، وسفح هو سفوحاً إذا سال وأنشد أبو عبيدة لكثير:شعر : أقول ودمعي واكف عند رسمها عليك سلام الله والدمع يسفح تفسير : قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح، وعلى هذا التقدير: فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، ولا ما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل، وسئل ابن مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم. وعن القدر: يرى فيها حمرة الدم، فقال لا بأس به، إنما نهي عن الدم المسفوح. وثالثها: لحم الخنزير فإنه رجس. ورابعها: قوله: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } وهو منسوق على قوله: {إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } فسمى ما أهل لغير الله به ـ فسقاً ـ لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود إذا كان كاملاً فيهما، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } تفسير : [الأنعام: 121]. وأما قوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فالمعنى أنه لما بين في هذه الأربعة أنها محرمة، بين أن عند الاضطرار يزول ذلك التحريم، وهذه الآية قد استقصينا تفسيرها في سورة البقرة. وقوله عقيب ذلك: {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يدل على حصول الرخصة، ثم بين تعالى أنه حرم على اليهود أشياء أخرى سوى هذه الأربعة، وهي نوعان: الأول: أنه تعالى حرم عليهم كل ذي ظفر. وفيه مباحث: البحث الأول: قال الواحدي: في الظفر لغات ظفر بضم الفاء، وهو أعلاها وظفر بسكون الفاء، وظفر بكسر الظاء وسكون الفاء، وهي قراءة الحسن وظفر بكسرهما وهي قراءة أبي السمال. البحث الثاني: قال الواحدي: اختلفوا في كل ذي ظفر الذي حرمه الله تعالى على اليهود روي عن ابن عباس: أنه الإبل فقط وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنه الإبل والنعامة، وهو قول مجاهد. وقال عبد الله بن مسلم: إنه كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب. ثم قال: {كَذٰلِكَ } قال المفسرون وقال: وسمى الحافر ظفراً على الاستعارة. وأقول: أماحمل الظفر على الحافر فبعيد من وجهين: الأول: أن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً. والثاني: أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال إنه تعالى حرم عليهم كل حيوان له حافر، وذلك باطل لأن الآية تدل على أن الغنم والبقر مباحان لهم من حصول الحافر لهما. وإذا ثبت هذا فنقول: وجب حمل الظفر على المخالب والبراثن لأن المخالب آلات الجوارح في الاصطياد والبراثن آلات السباع في الاصطياد، وعلى هذا التقدير: يدخل فيه أنواع السباع والكلاب والسنانير، ويدخل فيه الطيور التي تصطاد لأن هذه الصفة تعم هذه الأجناس. إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين: الأول: أن قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا } كذا وكذا يفيد الحصر في اللغة. والثاني: أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حق الكل لم يبق لقوله، {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا } فائدة فثبت أن تحريم السباع وذوي المخالب من الطير مختص باليهود، فوجب أن لا تكون محرمة على المسلمين، فصارت هذه الآية دالة على هذه الحيوانات على المسلمين، وعند هذا نقول: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور ضعيف لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله تعالى، فوجب أن لا يكون مقبولاً، وعلى هذا التقدير: يقوى قول مالك في هذه المسألة. النوع الثاني: من الأشياء التي حرمها الله تعالى على اليهود خاصة، قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } فبين تعالى أنه حرم على اليهود شحوم البقر والغنم، ثم في الآية قولان: الأول: إنه تعالى استثنى عن هذا التحريم ثلاثة أنواع: أولها: قوله: {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم، فإني لم أحرمه وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها، وأقول ليس على الظهر والجنب شحم إلا اللحم الأبيض السمين الملتصق باللحم الأحمر على هذا التقدير: فذلك اللحم السمين الملتصق مسمم بالشحم، وبهذا التقدير: لو حلف لا يأكل الشحم، وجب أن يحنث بأكل ذلك اللحم السمين. والاستثناء الثاني: قوله تعالى: {أَوِ ٱلْحَوَايَا } قال الواحدي: وهي المباعر والمصارين، واحدتها حاوية وحوية. قال ابن الأعرابي: هي الحوية أو الحاوية، وهي الدوارة التي في بطن الشاة. وقال ابن السكيت: يقال حاوية وحوايا، مثل رواية وروايا. إذا عرفت هذا: فالمراد أن الشحوم الملتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة. والاستثناء الثالث: قوله: {وَمَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } قالوا: إنه شحم الإلية في قول جميع المفسرين. وقال ابن جريج: كل شحم في القائم والجنب والرأس، وفي العينين والأذنيين يقول: إنه اختلط بعظم فهو حلال لهم، وعلى هذا التقدير: فالشحم الذي حرمه الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية. القول الثاني: في الآية أن قوله: {أَوِ ٱلْحَوَايَا } غير معطوف على المستثنى، بل على المستثنى منه والتقدير: حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم قالوا: ودخلت كلمة «أو» كدخولها في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } تفسير : [الإنسان: 24] والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى، فاعص هذا واعص هذا، فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ } والمعنى: أنا إنما خصصناهم بهذا التحريم جزاء على بغيهم، وهو قتلهم الأنبياء، وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } تفسير : [النساء: 160]. ثم قال تعالى: {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } أي في الإخبار عن بغيهم وفي الإخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم. قال القاضي: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم، لأن التكليف تعريض للثواب، والتعريض للثواب إحسان فلم يجز أن يكون التكليف جزاء على الجرم المتقدم. فالجواب: أن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد استحقاق الثواب، ويمكن أيضاً أن يكون للجرم المتقدم، وكل واحد منهما غير مستبعد. ثم قال تعالى: {فَإِن كَذَّبُوكَ } يعني إن كذبوك في ادعاء النبوة والرسالة، وكذبوك في تبليغ هذه الأحكام {فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وٰسِعَةٍ } فلذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ } أي عذابه إذا جاء الوقت {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ } يعني الذين كذبوك فيما تقول، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} أعلم الله عز وجل في هذه الآية بما حرم. والمعنى: قل يا محمد لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً إلا هذه الأشياء، لا ما تحرمونه بشهوتكم. والآية مكية. ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة «المائدة» بالمدينة. وزيد في المحرمات كالمنخنِقة والْموْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَة والخمر وغير ذلك. وحرّم رسول ٱلله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أكل كلِّ ذي ناب من السباع وكلِّ ذي مِخْلب من الطير. وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية وتأويلها على أقوال: الأوّل: ما أشرنا إليه من أن هذه الآية مكية، وكلّ محرّم حرّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جاء في الكتاب مضموم إليها؛ فهو زيادة حكم من الله عز وجل على لسان نبيه عليه السلام. على هذا أكثر أهل العلم من أهل النظر، والفقه والأثر. ونظيره نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قوله: {أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} تفسير : [النساء: 24] وكحكمه باليمين مع الشاهد مع قوله: {أية : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ}تفسير : [البقرة: 282] وقد تقدم. وقد قيل: إنها منسوخة بقوله عليه السلام: «حديث : أكْلُ كلِّ ذي ناب من السباع حرام»تفسير : أخرجه مالك، وهو حديث صحيح. وقيل: الآية مُحكَمة ولا يحرم إلا ما فيها. وهو قول يُرْوى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة، وروي عنهم خلافه. قال مالك: لا حرام بيّنٌ إلا ما ذُكرَ في هذه الآية. وقال ابن خُوَيْز مَنْدَاد: تضمنت هذه الآية تحليلَ كلِّ شيء من الحيوان وغيره إلا ما استثنى في الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير. ولهذا قلنا: إن لحوم السباع وسائر الحيوان ما سوى الإنسان والخنزير مباح. وقال الكِيَا الطبريّ: وعليها بنى الشافعيّ تحليل كلّ مسكوت عنه؛ أخْذاً من هذه الآية، إلا ما دلّ عليه الدليل. وقيل: إن الآية جواب لمن سأل عن شيء بعينه فوقع الجواب مخصوصاً. وهذا مذهب الشافعيّ. وقد روى الشافعي عن سعيد بن جُبير أنه قال: في هذه الآية أشياء سألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابهم عن المحرّمات من تلك الأشياء. وقيل: أي لا أجد فيما أوحي إليّ أي في هذه الحال حال الوحي ووقت نزوله، ثم لا يمتنع حدوث وَحْيٍ بعد ذلك بتحريم أشياء أخر. وزعم ابن العربي أن هذه الآية مدنية وهي مكية في قول الأكثرين، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم نزل عليه «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» ولم ينزل بعدها ناسخ فهي مُحْكَمة، فلا مُحَرَّم إلا ما فيها، وإليه أميل. قلت: وهذا ما رأيته قاله غيره. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الإجماعَ في أن سورة «الأنعام» مكية إلا قوله تعالى: «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» الثلاث الآيات، وقد نزل بعدها قرآن كثير وسُنَن جمّة. فنزل تحريم الخمر بالمدينة في «المائدة». وأجمعوا على أن نهيه عليه السلام عن أكل كلّ ذي ناب من السباع إنما كان منه بالمدينة. قال إسماعيل بن إسحاق: وهذا كله يدل على أنه أمرٌ كان بالمدينة بعد نزول قوله: «قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً» لأن ذلك مَكيّ. قلت: وهذا هو مَثار الخلاف بين العلماء. فعدل جماعة عن ظاهر الأحاديث الواردة بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع؛ لأنها متأخرة عنها والحصر فيها ظاهر فالأخذ بها أولى؛ لأنها إما ناسخة لما تقدمها أو راجحة على تلك الأحاديث. وأما القائلون بالتحريم فظهر لهم وثبت عندهم أن سورة «الأنعام» مكية؛ نزلت قبل الهجرة، وأن هذه الآية قصد بها الرد على الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوَصِيلة والحامي، ثم بعد ذلك حرّم أموراً كثيرة كالحُمر الإنسية ولحوم البغال وغيرها، وكل ذي ناب من السباع وكلّ ذي مخلب من الطير. قال أبو عمر: ويلزم على قول من قال: «لا محرم إلا ما فيها» ألا يحرّم ما لم يذكر ٱسم الله عليه عمداً، وتُستحلّ الخمر المحرمة عند جماعة المسلمين. وفي إجماع المسلمين على تحريم خمر العنب دليل واضح على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد فيما أوحيّ إليه محرماً غير ما في سورة «الأنعام» مما قد نزل بعدها من القرآن. وقد اختلفت الرواية عن مالك في لحوم السباع والحمير والبغال فقال (مرة): هي محرمة؛ لما ورد من نهيه عليه السلام عن ذلك، وهو الصحيح من قوله على ما في الموطأ. وقال مَرّة: هي مكروهة، وهو ظاهر المدَوّنة؛ لظاهر الآية؛ ولما روي عن ٱبن عباس وابن عمر وعائشة من إباحة أكلها، وهو قول الأوزاعيّ. روى البخاري من رواية عمرو ابن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحُمُر الأهلية؟ فقال: قد كان يقول ذلك الحكَم بن عمرو الغفاريّ عندنا بالبصرة؛ ولكن أبى ذلك البحرُ ٱبن عباس، وقرأ «قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً». وروي عن ابن عمر أنه سئل عن لحوم السباع فقال: لا بأس بها. فقيل له: حديث أبي ثعلبة الخُشَني فقال: لا نَدَع كتابَ الله ربِّنا لحديث أعرابيّ يبول على ساقيه. وسئل الشعبي عن لحم الفيل والأسد فتلا هذه الآية: وقال القاسم: كانت عائشة تقول لما سمعت الناس يقولون حَرُم كل ذي ناب من السباع: ذلك حلال، وتتلوا هذه الآية {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} ثم قالت: أن كانت البُرْمة ليكون ماؤها أصفر من الدم ثم يراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحرّمها. والصحيح في هذا الباب ما بدأنا بذكره، وأن ما ورد من المحرمات بعد الآية مضموم إليها معطوف عليها. وقد أشار القاضي أبو بكر بن العربيّ إلى هذا في قَبسه خلاف ما ذكر في أحكامه قال: رُوي عن ابن عباس أن هذه الآية من آخر ما نزل؛ فقال البغداديون من أصحابنا: إن كل ما عداها حلال، لكنه يكره أكل السباع. وعند فقهاء الأمصار منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وعبد الملك أن أكل كل ذي ناب من السباع حرام، وليس يمتنع أن تقع الزيادة بعد قوله: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} بما يَرِدُ من الدليل فيها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحل دم ٱمرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث»تفسير : فذكر الكفر والزنى والقتل. ثم قال علماؤنا: إن أسباب القتل عشرة بما ورد من الأدلة، إذ النبي صلى الله عليه وسلم إنما يخبر بما وصل إليه من العلم عن الباري تعالى؛ وهو يمحُو ما يشاء ويُثبت ويَنْسَخ ويقدّر. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أكل كل ذي ناب من السباع حرام»تفسير : وقد رُوي أنه نهى عن أكل كلّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير. وروى مسلم عن مَعْن عن مالك: «حديث : نُهِيَ عن أكل كل ذي مخلب من الطير»تفسير : والأول أصح وتحريم كل ذي ناب من السباع هو صريح المذهب وبه ترجم مالك في الموطأ حين قال: تحريم أكل كلّ ذي ناب من السباع. ثم ذكر الحديث وعقبه بعد ذلك بأن قال: وهو الأمر عندنا. فأخبر أن العمل ٱطرد مع الأثر. قال القشيريّ: فقول مالك «هذه الآية من أواخر ما نزل» لا يمنعنا من أن نقول: ثبت تحريم بعض هذه الأشياء بعد هذه الآية، وقد أحل الله الطيبات وحرّم الخبائث، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كلّ ذي ناب من السباع، وعن أكل كلّ ذي مخلب من الطير، ونهى عن لحوم الحمر الأهلية عام خيْبَر. والذي يدل على صحة هذا التأويل الإجماعُ على تحريم العَذِرة والبَوْل والحشرات المستقْذرة والحُمُر مما ليس مذكوراً في هذه الآية. الثانية: قوله تعالى: {مُحَرَّماً} قال ٱبن عطية: لفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور غاية الحظْر والمنع، وصالحة أيضاً بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيّز الكراهة ونحوها؛ فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين وأجمع الكل منهم ولم تضطرب فيه ألفاظ الأحاديث وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع، ولحِق بالخنزير والميتة والدّم، وهذه صفة تحريم الخمر. وما اقترنت به قرينة ٱضطراب ألفاظ الأحاديث واختلفت الأئمة فيه مع علمهم بالأحاديث كقوله عليه السلام: «حديث : أكل كلّ ذي ناب من السباع حرام»تفسير : . وقد ورد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، ثم اختلفت الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك، فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهة ونحوها. وما ٱقترنت به قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة الحاضرين ذلك لأنه نَجَس، وتأول بعضهم ذلك لئلا تفنى حَمولة الناس، وتأول بعضهم التحريم المحض. وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها؛ فجائز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم (على المنع الذي هو الكراهة ونحوها) بحسب اجتهاده وقياسه. قلت: وهذا عقد حَسَن في هذا الباب وفي سبب الخلاف على ما تقدم. وقد قيل: إن الحمار لا يؤكل، لأنه أبدى جوهره الخبيث حيث نزا على ذكر وتلوّط؛ فسمّي رِجْساً. قال محمد بن سيرين: ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار؛ ذكره الترمذيّ في نوادر الأصول. الثالثة: روى عمرو بن دينار عن أبي الشَّعثاء عن ٱبن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء، فبعث الله نبيه عليه السلام وأنزل كتابه وأحلّ حلاله وحرّم حرامه؛ فما أحلّ فهو حلال وما حرّم فهو حرام وما سكت عنه فهو عَفْوٌ، وتلا هذه الآية «قُلْ لاَ أَجِدُ» الآية. يعني ما لم يبيِّن تحريمه فهو مباح بظاهر هذه الآية. وروى الزُّهرِيّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس أنه قرأ «قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً» قال: إنما حرّم من الميتة أكلها، ما يؤكل منها وهو اللحم؛ فأما الجلد والعظم والصوف والشعر فحلال وروى أبو داود عن مِلْقام بن تَلِب عن أبيه قال: صحبت النبيّ صلى الله عليه وسلم فلم أسمع لِحَشَرة الأرض تحريماً. الْحَشَرة: صغار دواب الأرض كاليَرابيع والضِّباب والقنافذ. ونحوها؛ قال الشاعر:شعر : أكلنا الرُّبَى يا أمَّ عمرو ومن يَكُنْ غَريباً لَديْكُم يأكُلِ الحشرات تفسير : أي ما دبّ ودَرج. والرُّبَى جمع رُبْية وهي الفأرة. قال الخطابي: وليس في قوله «لم أسمع لها تحريماً» دليل على أنها مباحة؛ لجواز أن يكون غيره قد سمعه. وقد اختلف الناس في اليَرْبوع والوَبْر والجمع وِبَارٌ ونحوهما من الحشرات؛ فرخص في اليَرْبُوع عروةُ وعطاء والشافعيّ وأبو ثور. قال الشافعي: لا بأس بالوَبْر وكرهه ٱبن سيرين والحَكَم وحمّاد وأصحاب الرأي. وكره أصحاب الرأي القُنْفد. وسئل عنه مالك بن أنس فقال: لا أدري. وحكى أبو عمرو: وقال مالك لا بأس بأكل القنفذ. وكان أبو ثَوْر لا يرى به بأساً؛ وحكاه عن الشافعيّ. وسئل عنه ٱبن عمر فتلا {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} الآية؛ فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول: ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : خبيثة من الخبائث»تفسير : . فقال ابن عمر: إن كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فهو كما قال. ذكره أبو داود. وقال مالك: لا بأس بأكل الضبّ واليربوع والوَرَل. وجائز عنده أكل الحيات إذا ذكّيت؛ وهو قول ٱبن أبي ليلى والأوزَاعِيّ. وكذلك الأفاعي والعقارب والفأر والعَظاية والقُنْفُذ والضِّفْدَعِ. وقال ٱبن القاسم: ولا بأس بأكل خشاش الأرض وعقاربها ودودها في قول مالك؛ لأنه قال: موته في الماء لا يفسده. وقال مالك: لا بأس بأكل فراخ النحل ودود الجبن والتمر ونحوه. والحجة له حديث مِلْقام بن تَلِب، وقول ٱبن عباس وأبي الدرداء: ما أحل الله فهو حلال وما حرّم فهو حرام وما سكت عنه فهو عَفْو. وقالت عائشة في الفأرة: ما هي بحرام، وقرأت «قل لا أجِد فِيما أوحِي إليّ محرماً». ومن علماء أهل المدينة جماعةٌ لا يجيزون أكل كل شيء من خِشاش الأرض وهَوَامِّها؛ مثل الحيات والأوزاغ والفأر وما أشبهه. وكل ما يجوز قتله فلا يجوز عند هؤلاء أكله، ولا تعمَل الذكاة عندهم فيه. وهو قول ٱبن شهاب وعُروة والشافعيّ وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم. ولا يؤكل عند مالك وأصحابه شيء من سباع الوحش كلّها، ولا الهِرّ الأهلي ولا الوحشي لأنه سَبُع. وقال: ولا يؤكل الضبع ولا الثعلب، ولا بأس بأكل سباع الطير كلها: الرّخم والنُّسور والعِقبان وغيرها، ما أكل الجِيف منها وما لم يأكل. وقال الأوزاعي الطير كله حلال، إلا أنهم يكرهون الرَّخم. وحجة مالك أنه لم يجد أحداً من أهل العلم يكره أكل سباع الطير، وأنكر الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنه نهى عن أكل كلّ ذي مِخلب من الطير»تفسير : . ورُوي عن أشهب أنه قال: لا بأس بأكل الفيل إذا ذُكِّي؛ وهو قول الشَّعْبِيّ، ومنع منه الشافعي. وكره النعمان وأصحابُه أكل الضَّبُع والثعلب. ورخّص في ذلك الشافعيّ، ورُوي عن سعد بن أبي وَقّاص أنه كان يأكل الضِّباع. وحجة مالكٍ عموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ولم يخص سَبُعاً من سَبُع. وليس حديث الضّبع الذي خرّجه النّسائي في إباحة أكلها مما يعارض به حديث النهي؛ لأنه حديث ٱنفرد به عبد الرحمن بن أبي عمّار، وليس مشهوراً بنقل العلم، ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه. قال أبو عمر: وقد رُوي النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من طرق متواترة. وروى ذلك جماعة من الأئمة الثقات الأثبات، ومُحالٌ أن يعارَضوا بمثل حديث ٱبن أبي عمار. قال أبو عمر: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكل القرد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله، ولا يجوز بيعه لأنه لا منفعة فيه. قال: وما علمت أحداً رخّص في أكله، إلا ما ذكره عبد الرزاق عن مَعمر عن أيوب. سئل مجاهد عن أكل القرد فقال: ليس من بهيمة الأنعام. قلت: ذكر ٱبن المنذر أنه قال: روينا عن عطاء أنه سئل عن القرد يُقتل في الحَرَم فقال: يحكم به ذوا عَدْل. قال: فعلى مذهب عطاء يجوز أكل لحمه؛لأن الجزاء لا يجب على من قتل غير الصّيد. وفي (بحر المذهب) للرُّويانِيّ على مذهب الإمام الشافعي: وقال الشافعيّ يجوز بيع القرد لأنه يُعلَّم وينتفع به لحفظ المتاع. وحكى الكَشْفَلِيّ عن ٱبن شريح يجوز بيعه لأنه ينتفع به. فقيل له: وما وجه الانتفاع به؟ قال تفرح به الصبيان. قال أبو عمر: والكلب والفيل وذو الناب كله عندي مثل القِرد. والحجة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في قول غيره. وقد زعم ناس أنه لم يكن في العرب من يأكل لحم الكلب إلا قوم من فَقْعَس. وروى أبو داود عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجَلاّلة وألبانها. في رواية: عن الجَلاّلة في الإبل أن يُركب عليها أو يُشرب من ألبانها. قال الحَلِيمِيّ أبو عبد الله: فأما الجَلاّلة فهي التي تأكل العِذرة من الدواب والدَّجاج المُخَلاّة. ونهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن لحومها. وقال العلماء: كل ما ظهر منها ريح العَذِرة في لحمه أو طعمه فهو حرام، وما لم يظهر فهو حلال. وقال الخَطّابيّ: هذا نَهْيُ تَنَزُّهٍ وتَنَظُّف، وذلك أنها إذا اغتذت الجِلّة وهي العذرة وُجد نتن رائحتها في لحومها، وهذا إذا كان غالب علفها منها؛ فأما إذا رعت الكلأ وٱعتلفت الحَب وكانت تنال مع ذلك شيئاً من الجلة فليست بجلاّلة؛ وإنما هي كالدّجاج المُخَلاّة، ونحوها من الحيوان الذي ربما نال الشيء منها وغالب غذائه وعلفه من غيره فلا يكره أكلها. وقال أصحاب الرأي والشافعي وأحمد: لا تؤكل حتى تُحبس أياماً وتعلف عَلَفاً غيرها؛ فإذا طاب لحمها أكلت. وقد روي في حديث: «حديث : أن البقر تُعلف أربعين يوماً ثم يؤكل لحمها»تفسير : . وكان ابن عمر يحبس الدجاج ثلاثاً ثم يذبح. وقال إسحاق: لا بأس بأكلها بعد أن يغسل لحمها غسلاً جيداً. وكان الحسن لا يرى بأساً بأكل لحم الجلاّلة؛ وكذلك مالك بن أنس. ومن هذا الباب نُهي أن تلقى في الأرض العذرة. روى عن بعضهم قال: كنا نَكْري أرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشترط على من يكريها ألا يلقى فيها العذرة. وعن ابن عمر أنه كان يكري أرضه ويشترط ألا تُدْمَن بالعذرة. وروي أن رجلاً كان يزرع أرضه بالعذرة فقال له عمر: أنت الذي تطعم الناس ما يخرج منهم. وٱختلفوا في أكل الخيل؛ فأباحها الشافعيّ، وهو الصحيح، وكرهها مالك. وأما البغل فهو متولّد من بين الحمار والفرس، وأحدهما مأكول أو مكروه وهو الفرس، والآخر محرّم وهو الحمار؛ فغلّب حكم التحريم؛ لأن التحليل والتحريم إذا اجتمعا في عين واحدة غلّب حكم التحريم. وسيأتي بيان هذه المسألة في «النحل» إن شاء الله بأوْعَبَ من هذا. وسيأتي حكم الجراد في «الأعراف». والجمهور من الخَلَف والسّلَف على جواز أكل الأرنب. وقد حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص تحريمه. وعن ابن أبي ليلى كراهته. قال عبد الله بن عمرو: جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس فلم يأكلها ولم يَنْه عن أكلها. وزعم أنها تحيض. ذكره أبو داود. وروى النسائي مُرْسلاً عن موسى بن طلحة قال:حديث : أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها رجل وقال: يا رسول الله، إني رأيت بها دماً؛ فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأكلها، وقال لمن عنده: «كُلُوا فإني لو ٱشتهيتها أكلتها».تفسير : قلت: وليس في هذا ما يدل على تحريمه، وإنما هو نحوٌ من قوله عليه السلام: «حديث : إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه»تفسير : . وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: حديث : مررنا بمَرّ الظهران فاسْتَنْفَجْنا أرْنَبا فَسَعَوْا عليه فَلَغَبُوا. قال: فسعيت حتى أدركتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، فبعث بوركها وفَخذها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقَبِله.تفسير : الرابعة: قوله تعالى: {عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} أي آكل يأكله. وروي عن ابن عامر أنه قرأ «أَوْحى» بفتح الهمزة. وقرأ علي بن أبي طالب «يَطَّعِمه» مثقل الطاء، أراد يتطعمه فأدغم. وقرأت عائشة ومحمد بن الحنفية «على طاعم طعمه» بفعل ماض {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً} قرىء بالياء والتاء؛ أي إلا أن تكون العين أو الجثة أو النفس ميتةً. وقرىء «يكون» بالياء «ميتة» بالرفع بمعنى تقع وتحدث ميتة. والمسفوح: الجاري الذي يسيل وهو المحرّم. وغيره مَعْفُوٌّ عنه. وحكى الماورديّ أن الدم غير المسفوح أنه إن كان ذا عروق يُجمد عليها كالكبد والطحال فهو حلال؛ لقوله عليه السلام: «حديث : أحِلّت لنا ميتتان ودمان»تفسير : الحديثَ. وإن كان غير ذي عروق يجمد عليها، وإنما هو مع اللحم ففي تحريمه قولان: أحدهما أنه حرام؛ لأنه من جملة المسفوح أو بعضه. وإنما ذكر المسفوح لاستثناء الكبد والطحال منه. والثاني أنه لا يحرّم؛ لتخصيص التحريم بالمسفوح. قلت: وهو الصحيح. قال عمران بن حُدير: سألت أبا مِجْلَز عما يتلطخ من اللحم بالدم، وعن القِدر تعلوها الحمرة من الدّم فقال: لا بأس به، إنما حرّم الله المسفوح. وقالت نحوه عائشة وغيرُها، وعليه إجماع العلماء. وقال عكرمة: لولا هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما تتبع اليهود. وقال إبراهيم النَّخَعِيّ: لا بأس بالدم في عرق أو مخ. وقد تقدّم هذا وحكم المضطر في «البقرة» والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم {قُلْ} يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله؛ افتراء على الله: {لاَ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} أي: آكل يأكله، قيل: معناه: لا أجد شيئاً مما حرمتم حراماً سوى هذه، وقيل: معناه: لا أجد من الحيوانات شيئاً حراماً سوى هذه، فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات بعد هذا في سورة المائدة وفي الأحاديث الواردة رافعاً لمفهوم هذه الآية، ومن الناس من يسمي هذا نسخاً، والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخاً؛ لأنه من باب رفع مباح الأصل، والله أعلم، وقال العوفي عن ابن عباس: {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} يعني: المهراق. وقال عكرمة في قوله: {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا}: لولا هذه الآية، لتتبع الناس ما في العروق كما تتبعه اليهود، وقال حماد عن عمران بن حدير قال: سألت أبا مجلز عن الدم، وما يتلطخ من الذبيح من الرأس، وعن القدر يرى فيها الحمرة؟ فقال: إنما نهى الله عن الدم المسفوح، وقال قتادة: حرم من الدماء ما كان مسفوحاً، فأما اللحم خالطه الدم فلا بأس به، وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد عن يحيى بن سعيد، عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأساً، والحمرة والدم يكونان على القدر بأساً، وقرأت هذه الآية، صحيح غريب. وقال الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، قال: قلت لجابر بن عبد الله: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أبى ذلك الحبر، يعني: ابن عباس، وقرأ: {قُل لاَ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الآية، وكذا رواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان به، وأخرجه أبو داود من حديث ابن جريج عن عمرو بن دينار، ورواه الحاكم في مستدركه، مع أنه في صحيح البخاري كما رأيت. وقال أبو بكر بن مردويه والحاكم في مستدركه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء، تقذراً، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل، فهو حلال، وما حرم، فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، وقرأ هذه الآية: {قُل لاَ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الآية، وهذا لفظ ابن مردويه، ورواه أبو داود منفرداً به، عن محمد بن داود بن صبيح عن أبي نعيم، به، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة، فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة، تعني: الشاة، قال: «حديث : فلم لا أخذتم مسكها؟» تفسير : قالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما قال الله: {قُل لاَ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} وإنكم لا تطعمونه؛ أن تدبغوه، فتنتفعوا به» تفسير : فأرسلت فسلخت مسكها، فدبغته، فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها، رواه أحمد، ورواه البخاري والنسائي، من حديث الشعبي عن عكرمة عن ابن عباس عن سودة بنت زمعة، بذلك، أو نحوه. وقال سعيد بن منصور: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عيسى بن نميلة الفزاري عن أبيه، قال: كنت عند ابن عمر، فسأله رجل عن أكل القنفذ، فقرأ عليه: {قُل لاَ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الآية، فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : خبيث من الخبائث» تفسير : فقال ابن عمر: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله، فهو كما قال، ورواه أبو داود عن أبي ثور عن سعيد بن منصور به. وقوله تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} أي: فمن اضطر إلى أكل شيء مما حرم الله في هذه الآية الكريمة، وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان: {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: غفور له، رحيم به، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية، والغرض من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه؛ من تحريم المحرمات على أنفسهم؛ بآرائهم الفاسدة؛ من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم، وإنما حرم ما ذكر في هذه الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وما عدا ذلك، فلم يحرم، وإنما هو عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون أنتم أنه حرام، ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله؟ وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذي مخلب من الطير؛ على المشهور من مذاهب العلماء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ } شيئاً {مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلآ أَن يَكُونَ } بالياء والتاء {مَيْتَةً } بالنصب وفي قراءة بالرفع مع التحتانية {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } سائلاً، بخلاف غيره كالكبد والطحال {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ } حرام {أَوْ } أي إلا أن يكون {فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} أي ذبح على اسم غيره { فَمَنِ ٱضْطُرَّ } إلى شيء مما ذكر فأكله {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ } له ما أكل {رَّحِيمٌ } به، ويلحق بما ذكر بالسنة كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير.

الشوكاني

. تفسير : أمره الله سبحانه بأن يخبرهم أنه لا يجد في شيء مما أوحي إليه محرّماً غير هذه المذكورات، فدلّ ذلك على انحصار المحرّمات فيها لولا أنها مكية، وقد نزل بعدها بالمدينة سورة المائدة وزيد فيها على هذه المحرّمات: المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة، وصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم الحمر الأهلية والكلاب ونحو ذلك. وبالجملة فهذا العموم إن كان بالنسبة إلى ما يؤكل من الحيوانات كما يدلّ عليه السياق ويفيده الاستثناء، فيضم إليه كل ما ورد بعده في الكتاب أو السنة مما يدل على تحريم شيء من الحيوانات. وإن كان هذا العموم هو بالنسبة إلى كل شيء حرّمه الله من حيوان وغيره، فإنه يضمّ إليه كل ما ورد بعده مما فيه تحريم شيء من الأشياء. وقد روي عن ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، أنه لا حرام إلا ما ذكره الله في هذه الآية، وروى ذلك عن مالك وهو قول ساقط، ومذهب في غاية الضعف؛ لاستلزامه لإهمال غيرها مما نزل بعدها من القرآن، وإهمال ما صح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قاله بعد نزول هذه الآية، بلا سبب يقتضي ذلك ولا موجب يوجبه. قوله: {مُحَرَّمًا } صفة لموصوف محذوف، أي طعاماً محرّماً "عَلَىٰ" أي {طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } من المطاعم، وفي {يَطْعَمُهُ } زيادة تأكيد وتقرير لما قبله {إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } أي ذلك الشيء أو ذلك الطعام أو العين أو الجثة أو النفس. وقرىء {يكون} بالتحتية والفوقية، وقرىء «ميتة» بالرفع على أن يكون تامة. والدم المسفوح: الجاري، وغير المسفوح معفوّ عنه، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم. وقد حكى القرطبي الإجماع على هذا. قوله: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ } ظاهر تخصيص اللحم أنه لا يحرم الانتفاع منه بما عدا اللحم، والضمير في {فَإِنَّهُ } راجع إلى اللحم، أو إلى الخنزير. والرجس: النجس، وقد تقدّم تحقيقه. قوله: {أَوْ فِسْقًا } عطف على لحم خنزير، و{أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ } صفة فسق، أي ذبح على الأصنام، وسمي فسقاً لتوغله في باب الفسق. قيل: ويجوز أن يكون {فِسْقًا} مفعولاً له لأهلّ، أي أهلّ به لغير الله، فسقاً، على عطف أهلّ على يكون، وهو تكلف لا حاجة إليه {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } قد تقدم تفسيره في سورة البقرة، فلا نعيده {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي كثير المغفرة والرحمة، فلا يؤاخذ المضطرّ بما دعت إليه ضرورته. وقد أخرج عبد بن حميد عن طاووس قال: إن أهل الجاهلية كانوا يحرّمون أشياء ويحلون أشياء، فنزلت {قُل لا أَجِدُ } الآية. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تعذراً، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحلّ حلاله وحرّم حرامه، فما أحلّ فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا هذه الآية: {قُل لا أَجِدُ } إلى آخرها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عنه أنه تلا هذه الآية فقال: ما خلا هذا حلال. وأخرج البخاري، وأبو داود، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، فقال قد كان يقول ذلك الحكم ابن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ {قُل لا أَجِدُ } الآية. وأقول: وإن أبى ذلك البحر، فقد صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتمسك بقول صحابي في مقابلة قول النبي صلى الله عليه وسلم، من سوء الاختيار، وعدم الإنصاف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: ليس شيء من الدوابّ حرام إلا ما حرّم الله في كتابه: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وأبو داود، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عمر: أنه سئل عن أكل القنفد، فقرأ: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } الآية، فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : خبيثة من الخبائث»تفسير : ، فقال ابن عمر: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله، فهو كما قال. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عائشة: أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، تلت {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } الآية. وأخرج أحمد، والبخاري، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس أن شاة لسودة بنت زمعة ماتت فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة: تعني الشاة، قال: "حديث : فلولا أخذتم مسكها؟" تفسير : قالت: يا رسول الله أنأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } وأنتم لا تطعمونه، وإنما تدبغونه حتى تستنفعوا به"تفسير : ، فأرسلت إليها فسلختها ثم دبغته، فاتخذت منه قربة حتى تخرّقت عندها. ومثل هذا حديث شاة ميمونة، وهو في الصحيح. ومثله حديث «حديث : إنما حرم من الميتة أكلها»تفسير : وهو أيضاً في الصحيح. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } قال: مهراقاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال: كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا أودجوا الدابة وأخذوا الدم فأكلوه، قال: هو دم مسفوح. وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي: أنه سئل عن لحم الفيل والأسد فتلا: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَمَاً} الآية. والأحاديث الواردة بتحريم كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، والحمر الأهلية، ونحوها مستوفاة في كتب الحديث.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً} يعني أن ما حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام لم يحرمه الله تعالى ولا أوحى إليَّ بتحريمه، ثم بيَّن المحرَّم على وجه الاستثناء لأن نفي التحريم خرج مخرج العموم، فقال: {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً} وهي التي خرجت روحها بغير ذكاة. {أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} يعني مهراقاً مصبوباً ومنه سمي الزنا سفاحاً لصب الماء فيه ضائعاً، وقال طرفة بن العبد: شعر : إني وجدَّك ما هجوتك والأنـــ ــــصاب يسفح فوقهن دم تفسير : فأما الدم غير مسفوح فإن كان ذا عروق يجمد عليها كالكبد والطحال فهو حلال لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُحِلَّتْ لَنَا مِيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَالمِيْتَتَانِ: الحُوتُ وَالجَرَادُ، وَالدَّمَانِ: الكَبِدُ وَالطُّحَالُ ". تفسير : وإن كان غير ذي عروق يجمد عليها وإنما هو مع اللحم وفيه، ففي تحريمه قولان: أحدهما: لا يحرم لتخصيص التحريم بالمسفوح، وهو قول عائشة، وعكرمة، وقتادة، قال عكرمة: لولا هذه الآية لتتبع المسلمون عروق اللحم كما تتبعها اليهود. والثاني: أنه حرام لأنه من جملة المسفوح وبعضه، وإنما ذكر المسفوح لاستثناء الكبد والطحال منه. {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} يعني نجساً حراماً. {أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} يعني ما ذبح للأوثان والأصنام، سماه فسقاً لخروجه عن أمر الله. فإن قيل: لم اقتصر هنا على تحريم هذه الأربعة وقد ذكر في المائدة غيرها من المنخنقة والموقوذة والمتردية؟ قيل: لأن هذا كله من جملة الميتة فذكره هناك مفصلاً وها هنا في الجملة. وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أنها مشتملة على جميع المحرمات فلا يحرم من الحيوان ما عدا هذا المذكور فيها، وهذا قول ابن عباس، وعائشة. والثاني: أنا تشتمل على تحريم ما تضمنها وليست مستوعبة لجميع المحرمات لما جاءت به السنة من تحريم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير، وهذا قول الجمهور.

ابن عطية

تفسير : هذا أمر من الله عز وجل بأن يشرع للناس جميعاً ويبين عن الله ما أوحي إليه، وهذه الآية نزلت بمكة ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، فإن هذه وإن كانت في حكم الميتة فكان في النظر احتمال أن تلحق بالمذكيات لأنها بأسباب وليست حتف الأنف، فلما بين النص إلحاقها بالميتة كانت زيادة في المحرمات، ثم نزل النص على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم الخمر بوحي غير مُنْجَز، وبتحريم كل ذي ناب من السباع، فهذه كلها زيادات في التحريم ولفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور إلى غاية المنع والحظر، وصالحة بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهية ونحوها، فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين وأجمع عليه الكل منهم ولم يضطرب فيه ألفاظ الأحاديث وأمضاه الناس على إذلاله وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر وما اقترنت به قرينة ألفاظ الحديث واختلفت الأمة فيه مع علمهم بالأحاديث كقوله عليه السلام "حديث : كل ذي ناب من السباع حرام"تفسير : . وقد روي عنه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ثم اختلف الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يجمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهية ونحوها، وما اقترنت به قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة الحاضرين ذلك لأنهم لم تخمس، وتأول بعضهم أن ذلك لئلا تفنى حمولة الناس، وتأول بعضهم التحريم المحض وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها فجائز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها. وروي عن ابن عامر أنه قرأ "فيما أَوحَى إلي" بفتح الهمزة والحاء وقرأ جمهور الناس يطعمه وقرأ أبو جعفر محمد بن علي "يطّعِمه" بتشديد الطاء وكسر العين، وقرأ محمد ابن الحنفية وعائشة وأصحاب عبد الله "طعمه" بفعل ماض، وقرأ نافع والكسائي وأبو عمر وعاصم "إلا أن يكون" بالياء على تقدير إلا أن يكون المطعوم، وقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وأيضاً "إلا أن تكون" بالتاء من فوق "ميتة" على تقدير إلا أن تكون المطعومة، وقرأ ابن عامر وحده وذكرها مكي عن ابي جعفر "إلا أن تكون" بالتاء "ميتةٌ" بالرفع على أن تجعل "تكون" بمعنى تقع، ويحتاج على هذه القراءة أن يعطف {أو دماً} على موضع "أن تكون"، لأنها في موضع نصب بالاستثناء، والمسفوح الجاري الذي يسيل وجعل الله هذا فرقاً بين القليل والكثير، والمنسفح، السائل من الدم ونحوه، ومنه قول الشاعر وهو طرفة: شعر : إذا ما عَادهُ مِنّا نِساءٌ سَفَحْنَ الدَّمْعَ مِنْ بعْدِ الرَّنِينِ تفسير : وقول امرىء القيس: شعر : وإن شفائي عبرة إن سفحتها تفسير : فالدم المختلط باللحم والدم الخارج من مرق اللحم وما شاكل هذا حلال والدم غير المسفوح هو هذا وهو معفوّ عنه، وقيل لأبي مجلز في القدر تعلوها الحمرة من الدم قال: إنما حرم الله المسفوح، وقالت نحوه عائشة وغيرها وعليه إجماع العلماء. وقيل: الدم حرام لأنه إذا زايل فقد انسفخ، و "الرجس" النتن والحرام، يوصف بذلك الأجرام والمعاني كما قال عليه السلام: حديث : دعوها فإنها منتنة تفسير : ؛ الحديث، فكذلك قيل في الأزلام والخمر رجس، والرجس أيضاً العذاب لغة بمعنى الرجز، وقوله {أو فسقاً} يريد ذبائحهم التي يختصون بها أصنامهم، وقوله تعالى: {فمن اضطر} الآية، أباح الله فيها مع الضرورة ركوب المحظور دون بغي. واختلف الناس فيم ذا فقالت فرقة دون أن يبغي الإنسان في أكله فيأكل فوق ما يقيم رمقه وينتهي إلى حد الشبع وفوقه، وقالت فرقة: بل دون أن يبغي في أن يكون سفره في قطع طريق أو قتل نفس أو يكون تصرفه في معصية فإن ذلك لا رخصة له، وأما من لم يكن بهذه الأحوال فاضطر فله أن يشبع ويتزود، وهذا مشهور قول مالك بن أنس رحمه الله، وقال بالأول الذي هو الاقتصار على سد الرمق عبد المالك بن حبيب رحمه الله، وقوله {فإن ربك غفور رحيم} إباحة تعطيها قوة للفظ.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَيْتَةً} زهقت نفسها بغير ذكاة فتدخل فيها الموقوذة والمتردية وغيرها. {مَّسْفُوحاً} مهراقاً مصبوباً، وأما غير المسفوح فإن كان ذا عروق يجمد عليها كالكبد والطحال فهو حلال، وإن لم يكن له عروق يجمد عليها وإنما هو مع اللحم فلا يحرم لتخصيص التحريم بالمسفوح. قالته عائشة وقتادة، قال عكرمة لولا هذه الآية لتتبع المسلمون عروق اللحم كما تتبعها اليهود، وقيل يحرم لأنه بعض من المسفوح وإنما ذكر المسفوح لاستثناء الكبد والطحال منه. {رِجْسٌ} نجس {أَوْ فِسْقاً} ما ذبح للأوثان سماه فسقاً لخروجه عن أمر الله ـ تعالى ـ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} الآيات. لمَّا بيَّن فساد طريقة أهْل الجاهليَّة فيما يُحَلُّ ويُحَرَّم من المطعُومَات - أتْبَعهُ بالبيان الصَّحِيح. رُوِي أنهم قالوا: فما المُحَرَّمُ إذن؟ فنزل: قل يا محمد: {لا أجِدُ في ما أوحِي إليَّ} شيئاً {مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُه} أي: آكِل يَأكُلُه. قوله: "مُحَرَّماً" منصوب بقوله: "لا أجِدُ" وهو صِفَة لمَوْصُوف محذوف؛ حذف لدلال قوله: "على طَاعِم يَطْعَمُهُ"، والتقدير: لا أجد طعاماً مُحَرَّماً، و "عَلَى طَاعِمٍ" متعلِّق بـ "مُحَرَّماً"، و "يَطْعَمُهُ" في محل جرِّ صِفَة لـ "طَاعِم". وقرأ الباقر ونقلها مكيِّ عن أبي جَعْفَر -: "يَطَّعِمُهُ" بتشديد الطَّاءِ، وأصلها "يتطعمه" افتعال من الطعم، فأبدلت التاء طاءً لوقوعها بعد طاء للتقارب، فوجب الإدغام. وقرأت عائشة، ومحمَّد بن الحَنَفِيَّة، وأصحاب عَبْد اللَّه بن مَسْعُود رضي الله عنهم: "تَطَعَّمه" بالتاء من فَوْق وتشديد العَيْن فعلاً مَاضِياً. قوله: {إِلاَّ أنْ يَكُونَ} مَنْصُوب على الاسْتِثْنَاء، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مُتَّصِل. قال أبو البقاء: "استثناء من الجنْس، وموضعُه نَصْب، أي: لا أجد مُحَرَّماً إلا المَيْتَة". والثاني: أنه مُنْقَطِع، قال مكِّي: "وأن يكُون في مَوْضِع نَصْب على الاستِثْناء المُنْقَطع". وقال أبو حيان: و {إلاَّ أنْ يَكُونَ} استثناء مُنْقَطِع؛ دلائله كَوْن، وما قَبْلَه عين، ويَجُوز أنْ يكُون مَوْضِعُه نَصْباً بدلاً على لُغَة تَمِيم، ونَصْباً على الاستثناء على لُغَة الحِجَاز، يعني أن الآستِثْنَاء المُنْقَطِع في لُغَتان: إحداهما: لغة الحِجَاز، وهو وُجُوب النَّصْبِ مطلقاً. وثانيتهما: لغة التَّمِيمِيِّين - يجعلونه كالمُتَّصِل، فإن كان في الكلامِ نَفْيٌ أو شبْهُه، رُجِّح البدل، وهُنَا الكلام نَفْيٌ فيترَجَّحُ نَصْبُه عند التَّمِيميِّين على البدل، دُون النَّصْب على الاستِثْنَاء؛ فنصْبه من وَجْهَيْن، وأمَّا الحِجَاز: فنصبه عِنْدَهم من وجْهٍ وَاحِد، وظاهِر كلام أبي القَاسِم الزَّمَخْشَريِّ أنه مُتَّصِل؛ فإنه قال: "مُحَرَّماً" أي: طعَاماً مُحَرَّماً من المطاعِم التي حَرَّمْتُمُوهَا إلاَّ أن يكُون مَيْتَة، أي: إلاَّ أن يكون الشَّيء المُحَرَّم مَيْتة. وقرأ ابن عامر في روايةٍ: "أوحَى" بفتح الهمزة والحَاءِ مبنيا للفَاعِل؛ وقوله تعالى: {قُل ءَآلذَّكَرَيْنِ} وقوله: "نَبِّئُونِي"، وقوله أيضاً: "آلذّ‍كَرَيْن" ثانياً، وقوله: {أمْ كُنْتُم شُهْدَاءَ} جمل اعْتِرَاض بين المَعْدُودَات الَّتِي وَقَعت تَفْصِيلاً لِثَمانِيَة أزْواج. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "فإن قُلْت: كيف فَصَل بين المَعْدُود وبين بَعْضِه ولم يُوَالِ بَيْنَه؟. قلت: قد وقع الفَاصِل بَيْنَهُما اعْتِرَاضاً غير أجْنَبيِّ من المَعْدُود؛ وذلك أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - مَنَّ على عِبَاده بإنْشَاء الأنْعام لمَنَافِعِهم وبإياحتها لَهُم، فاعترض بالاحْتِجَاج على مَنْ حَرَّمها، والاحْتِجَاجُ على مَنْ حَرَّمَها تأكيدٌ وتَشديدٌ للتَّحْلِيل, والاعْتِراضَات في الكلامِ لا تُسَاقُ إلا للتَّوْكِيد". وقرأ ابن عامر: "إلاَّ أنْ تكُون مَيْتَةٌ" بالتَّأنيث ورفع "مَيْتَةٌ" يعني: إلا أن يوجَد مَيْتَةٌ، فتكون تَامَّة عِنْدَه، ويَجُوز أن تكون النَّاقِصَة والخبرُ محذوف، تقديرهُ: إلا أنْ يَكُون هُنَاك مَيْتَة، وقد تقدَّم أن هذا مَنْقُولٌ عن الأخْفَشِ في قوله قبل ذلك {أية : وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} تفسير : [الأنعام:139]. وقال أبو البقاء: "ويقرأ برفع "مَيْتَةٌ" على أن تكون تامَّة، وهو ضعيف؛ لأن المَعْطُوف مَنْصُوب". قال شهاب الدِّين: كيف يُضَعَّف قراءة مُتواتِرة؟ وأما قوله: "لأن المَعْطُوف مَنْصُوب" فذلك غير لازمٍ؛ لأن النَّصْب على قِرَاءة مَنْ رَفَع "مَيْتَة" يكون نَسَقاً على مَحَلِّ "أنْ تَكُون" الواقِعَة مسْتَثْنَاة، تقديره: إلاَّ أن يَكُون مَيْتَة، وإلا دماً مَسْفُوحاً، وإلاَّ لَحْم خِنْزِير. وقال مكِّي: وقرأ أبو جعفر: "إلاَّ أنْ تكُون" بالتَّاء، "مَيْتَةٌ" بالرفع ثم قال: وكان يَلْزَم أبَا جَعْفَر أن يَقْرَأ "أوْ دَمٌ" بالرفع، وكذلك ما بَعْدَه. قال شهاب الدين: هذه قِراءة ابن عامر، نَسَبَها لأبي جَعْفَر يزيد بن القَعْقاع المَدَنِي شَيْخُ نَافِع؛ وهو مُحْتَمل، وقوله: "كان يَلْزَمُه" إلى آخره هو مَعْنى ما ضَعَّفَ به أبُو البقاءِ هذه القراءة، وتقدَّم جواب ذلك، واتَّفَق أنَّ ابن عامرٍ يقرأ: "وَإِن تَكُنْ مَيْتَةٌ" بالتَّأنيث والرَّفْع وهنا كذلك. وقرأ ابن كثير وحمزة: "تَكُون" بالتَّأنيث، "مَيْتَة" بالنَّصْب على أن اسْم "تكُونَ" مُضْمَر عَائِدٌ على مُؤنَّث أي: إلا أن يكُون المَأكُولُ أو النَّفْسُ أو الجُثَّةُ مَيْتَة، ويجوز أن يَعُود الضَّمِير من "تكُون" على "مُحَرَّماً" وإنَّما أنَّث الفعل لتأنيث الخبر؛ كقوله: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن} تفسير : [الأنعام:23] بنصب "فِتْنَتِهم" وتأنيث "تَكُنْ". وقرأ الباقون: "يَكُونَ" بالتَّذْكير، "مَيْتَةً" نصباً، واسم "يَكُون" يعود على قوله: "مُحَرَّماً" أي: إلاَّ أنْ يَكُون ذلك المُحَرَّم، وقدّره أبُو البقاء ومَكِّي وغيرُهما: "إلاَّ أنْ يكُون المَأكولُ"، أو "ذَلِك مَيْتَةً". قوله: {أوْ دَماً مَسْفُوحاً} "دماً" على قرءاة العامَّة: معطوفُ على خبر "يَكُون" وهو "مَيْتَة" وعلى قراءة ابن عامرٍ وأبي جعفر: معطوف على المُسْتَثْنَى، وهو "أنْ يَكُون" وقد تقدَّم تحرير ذلك. و"مَسْفُوحاً" صفة لـ "دَماً" والسَّفْحُ: الصبُّ، وقيل: "السَّيَلان"، وهو قريبٌ من الأول، و "سَفَحَ" يستعمل قاصِراً ومتعدِّياً؛ يقال: سَفَحَ زيدٌ دَمْعَه ودَمَهُ، أي: أهْرَاقَه، وسَفَح هُو، إلاَّ أن الفَرْق بينهما وَقَع باخْتِلاف المَصْدر، ففي المُتعدِّي يقال: سَفْح وفي اللاَّزِم يقال: سُفُوح، ومن التّعَدِّي قوله تعالى: {أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً}؛ فإن اسْم المفعُول التَّامَ لا يُبْنَى إلا مِنْ مُتَعَدِّ، ومن اللُّزُوم ما أنْشَده أبو عبيدة لِكُثَيِّرَة عَزَّة: [الطويل] شعر : 2369 - أقُولُ وَدَمْعِي وَاكِفٌ عِنْدَ رَسْمِهَا عَلَيْك سلامُ اللَّهِ والدَّمْعُ يَسْفَحُ تفسير : فصل فيما كان محرماً بمكة قال القرطبي: "هذه الآية الكَرِيمة مَكِّيَّة، ولم يَكُن في الشَّريعة في ذلك الوَقْت مُحَرَّم غير هذه الأشْيَاء، ثم نزلت سُورة "المائدة" بـ "المدينة" وزيد في المُحَرَّمات؛ كالمُنْخَنِقَة، والموْقُوذَة والمُتَرَدِّية، والنَّطِيحَة، والخَمْر، وغير ذلك، وحرَّم رسُول الله صلى الله عليه وسلم بالمَدِينَة أكْلَ كلِّ ذي نَابٍ من السِّبَاع، ومِخْلَب من الطِّيْر". فصل في معنى الدم المسفوح قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: يريد بالدَّم المَسْفُوح: ما خَرَج من الحيوان وهي أحْيَاء، وما يَخْرُج من الأوْدَاج عن الذَّبْح، ولا يَدْخُل فيه الكَبد والطُّحال؛ لأنهما جَامِدَات وقد جاء الشَّرْع بإباحَتِهما، وما اخْتلط باللَّحم من الدَّم؛ لأنه غير سَائل. قال عِمْرَان بن حُدير: "سألْت أبا مجلز عمَّا يَخْتَلِطُ باللَّحْم من الدَّمِ، وعن القِدْر يُرَى فيها حُمْرة الدِّمِ، فقال: لا بَأسَ به، إنما نُهِي عن الدَّمِ المَسْفُوح". قال إبْرَاهيم: "لا بأسَ بالدَّم في عِرْق أوْ مُخَّ، إلاَّ المَسْفُوح الذي يتعمد ذلك". قال عكرمة: "لوْلا هَذِه الآية لاتَّبع المُسْلِمُون من العُرُوق ما تَتبع اليَهُود". وقوله: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} أي: حَرَامٌ، والهاء" في "فإنَّه" الظاهر عَوْدُها على "لَحْمَ" المضاف لـ "خَنْزير". وقال ابن حزم: إنها تعُود على خنزير؛ لأنه أقَرْب مَذْكُور. ورُجِّحَ الأوَّل: بأنَّ اللَّحم هو المُحَدَّث عنه، والخِنْزير جاء بعَرْضِيَّة الإضافة إليه، ألآ ترى أنَّك إذا قُلْت: "رأيت غُلام زَيْد فأكْرَمْتُه" أنَّ الهاء تعُود على الغُلام؛ لأنه المُحَدَّث عنه المَقْصُود بالإخْبار عنه، لا على زَيْد؛ لأنه غير مَقْصُود. ورُجِّح الثاني: بأن التَّحْريم المُضَاف إلى الخِنْزِير ليس مُخْتَصاً بلحمه، بل شَحْمه وشَعْره وعَظْمِه وظلفه كذلك، فإذا أعَدْنَا الضَّمِير على خنزير، كان وافياً بهذا المَقْصُود، وإذا أعدْنَاهُ على لحم، لم يكن في الايةِ الكريمة تَعَرُّضٌ لتَحْرِيم ما عَدَا اللَّحم ممَّا ذكر. وأُجيب: بأنَّه إنما ذكر اللَّحْم دون غيره، - وإن كان غيره مَقْصُوداً بالتحريم -؛ لأنَّه أهَمُّ ما فيه، وأكثر ما يُقْصَد منه اللَّحم كَغَيره من الحَيَوانات, وعلى هذا فلا مَفْهُوم لتَخْصِيص اللَّحْم بالذِّكْرِ، ولو سَلَّمَه، فإنه يكون من باب مَفْهُوم اللَّقَب؛ وهو ضَعِيف جداً. وقوله: "فإنَّهُ رِجْسٌ" إمَّا على المُبَالغَة بأن جُعِلَ نَفْسَ الرِّجْس، أو على حَذْف مضافٍ، وله نَظَائر. قوله: "أوْ فِسْقاً" فيه ثلاثة أوجُه: أحدها: انه عَطْف على خَبَر "يَكُون" أيضاً، أي: إلا أن يكُون فِسْقاً. و "أهلَّ" في محل نصب؛ لأنه صِفَة له؛ كأنه قيل: أو فِسْقاً مُهَلاً به لِغَيْر اللَّه، جعل العَيْن المُحُرَّمَة نَفْس الفِسْق؛ مُبَالغَة، أو على حَذْف مُضَافٍ، ويُفَسِّره ما تقدَّم من قوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} تفسير : [الأنعام:121] الثاني: أنه مَنْصُوب عَطْفا على محلِّ المسْتَثْنَى، أي: إلا أنْ يكون مَيْتَة أو إلاَّ فِسْقاً، وقوله: "فإنَّه رِجْسٌ" اعْتِرَاض بين المُتعاطِفَيْن. والثالث: أن يكون مَفْعُولاً من أجْلِه، والعَامِل فيه قوله: "أهِلَّ" مقدَّمٌ عليه، ويكون قد فَصَل بين حَرْف العَطْفِ وهو "أوْ" وبَيْن المَعْطُوف وهو الجملة من قوله: "أهِلَّ" بهذا المَفْعُول من أجْلِه؛ ونظيره في تَقْدِيم المَفْعُول له على عَامِلهِ قوله: [ الطويل] شعر : 2370- طَرِبْتُ وَمَا شَوْقاً إلى البيضِ أطْربُ وَلاَ لِعِباً مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ تفسير : و"أهِلَّ" على هذا الإعْرَاب عَطْفٌ على "يكون" والضَّمِير في "به" عائدٌ على ما عَادَ عليه الضَّمِيرُ المُسْتَتِر في "يَكُون"، وقد تقدم تَحْقِيقه، قاله الزمخشري. إلاَّ أن أبا حيَّان تعقَّب عليه ذلك؛ فقال: "وهذا إعْرَاب متكَلَّفٌ جداً، وترْكِيبُه على هذا الإعراب خارج عن الفَصَاحةِ، وغير جَائزٍ على قراءة من قرأ "إلا أنْ يكُون مَيْتَةٌ" بالر‍َّفْع، فيبقى الضَّمير في "بِهِ" لَيْس له ما يَعُود عليه، ولا يجوز أن يُتكَلَّف مَحْذُوف حتى يَعُود الضَّمير علي، فيكون التَّقْدير: أو شَيءٌ أهِلَّ لِغَيْر الله به، لأن مِثْل هذا لا يَجُوز إلاَّ في ضَرُورة الشِّعْر". قال شهاب الدِّين: يَعْنِي بذلك: أنَّه لا يُحْذَف الموصُوف والصِّفَة جُمْلَةً، إلا إذا كان في الكلام "مِنْ" التَّبْعِيضيَّة؛ كقولهم: "مِنَّا ظَعَنَ ومنَّا أقَام" أي: منا فَريقٌ ظعن، ومنَّا فَرِيقٌ أقَامَ فإن لم يكن فيه "مِنْ" كان ضَرورة؛ كقوله: [الرجز] شعر : 2371- تَرْمِي بِكَفِّيْ كانَ مِنْ أرْمَى البَشَرْ تفسير : أي: بكفَّي رَجُلِ؛ وهذا رأي بَعَضهم، وأما غَيْرَه فَيَقُول: متى دلَّ على المَوْصُوف، حُذَِف مُطْلقاً، فقد يجُوز أن يَرَى الزَّمَخْشَري هذا الرَّأي. فصل في هل التحريم مَقْصُور على هذه الأشياء؟ ذهب بَعْض أهل العِلْم إلى أن التَّحْريم مَقْصُور على هذه الأشياء؛ يُرْوَى ذلك عن عَائِشة وابن عبَّاس - رضي الله عنهما - قالوا: ويَدْخل في المَيْتَة المُنْخَنِقَة والموْقُوذة وما ذكر [في أوَّل سُورة المائدة، وأكْثَر العُلماء على أنَّ التَّحْرِيم لا يختصُّ بهذه الأشياء مما ذكر، فالمحرم بنص الكتاب ما ذكر] ههنا، وقد حرمت السُّنة أشْيَاء: منها: ما روى ابْن عبَّاس - رضي الله عنهما -؛ قال: "نَهى رسُول الله صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ من السِّباع، وكُلِّ ذي مِخْلَب من الطِّيْر". ومنها: ما أمر بِقَتْلِه بقوله: "خَمْس فواسِق تُقْتَل في الحِلِّ والحَرَمِ". ومنها: ما نَهَى عن قَتْلِه؛ كنَهْيه عن قَتْل النَّحْلَة والنَّمْلة؛ فهو حَرَامٌ، وما سوى ذلك فَيُرْجع إلى الأغْلَب فيه من عَادَات العرب، فما يأكله الأغْلَب مِنْهُم، فهو حلالٌ، وما لا يَأكُلُه الأغْلَب منهم، فهو حَرَام؛ لأن الله - تبارك وتعالى - خاطَبَهم بقوله: {أية : قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} تفسير : [المائدة:4] فما اسْتَطَابُواه فهو حلال. وقوله: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. أباح هذه المُحَرَّمَاتِ عند الاضْطِرار في غير العُدوان، وتقدم الكلام على نَظِيرها في البقرة. قوله: {وَعَلى الَّذين هَادُوا} متعلَّق بـ "حَرّ‍َمْنَا" وقد يُفيد الاخْتِصاص عند بعضهم؛ كالزَّمْخَشَري والرَّازي، وقد صرّح به الرَّازي هنا، أعني: تَقْدِيم المَعْمُول على عَامِلهِ. وفي "ظفُر" خمس لغات: أعلاها: "ظُفُر" بضم الظَّاءِ والفَاءِ، وهي قراءة العامَّة. و"ظُفْر" بسكون العين، وهي تَخْفِيف لمَضْمُومِها، وبها قرأ الحسن في رواية وأبيُّ بن كَعْب والأعْرَج. و"ظِفِر" بكسر الظَّاء والفاء، ونسبها الوَاحِدي قراءة لأبي السَّمال. و"ظِفْر" بكسر الظَّاء وسكون الفَاء، وهي تَخْفيفٌ لمكْسُورِها، ونسبها النَّاس للحسن أيضاً قراءة. واللغة الخامسة: "أظْفُور" ولم يُقْرأ بها فيما عَلِمْنَا؛ وأنشدوا على ذلك قول الشاعر: [البسيط] شعر : 2372- مَا بَيْنَ لُقْمَتِهَا الأولَى إذَا انْحَدَرَتْ وبَيْنَ أُخْرَى تَلِيها قِيدُ أظْفُورِ تفسير : وجمع الثُّلاثي: أظْفَار، وجمع أظْفُور: أظافِير وهو القياس وأظافِر من غير مَدِّ، وليس بِقِياس؛ وهذا كقوله: [الرجز] شعر : 2373- الـعَيْـنَــيْــــنِ والــعَــــوَاوِر تفسير : وقد تقدَّم تَحْقِيق ذلك في قوله: {أية : مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} تفسير : [الأنعام:59]. فصل في معنى "ذي ظُفُر" قال الواحديُّ اختلفوا في ذِي الظُّفُر: فروى عطاء عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: أنه الإبل فقط، ورُوي عنه أيضاً: أنَّه الإبل والنَّعَامة؛ وهو قول مُجَاهد. وقال عَبْد اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ: "إنَّه كلُّ ذي مِخْلَبٍ من الطَّيْر، وكلُّ ذي حَفِرٍ من الدَّوَابِّ". وقيل: هو كلُّ ما لم يَكُن مَشْقُوق الأصَابع من البَهَائِم والطَّيْر مثل البَعِير والنَّعامة والإوَزّ والبَط؛ ثم قال: كذلِك قال المفسِّرُون. وقال ابن الخطيب: "وَسُمِّي الحافر ظفراً على الاسْتِعَارِة" قال ابْنُ الخطيب: أمَّا حمل الظُّفُرِ على الحَافِر فَبَعِيدٌ من وَجْهَيْن: الأول: أن الحَافِر لا يُسَمَّى ظُفُراً. والثاني: لو كان الأمْر كذلك، لوجب أن يُقَال: إنه - تبارك وتعالى - حَرَّم عليهم كُلَّ حَيَوان له حَافِر، وذلك بَاطِلٌ؛ لأن الآية تدلُّ على أنَّ الغَنَم والبَقَر مُبَاحَان لَهُم مع حُصُول الحافِر لَهُم. وإذا ثَبَتَ هذا، فَنَقُول: وجب حَمْل الظُّفُر على المَخَالِبِ والبَرْاثِنِ؛ لأن المَخالِب آلات الجَوَارِح في الاصْطِيَاد: والبرارثِن آلات السِّبَاع في الاصْطِيَاد، وعلى هذا التقدير يدخل أنواع الكِلاب والسِّباع والسَّنَانِير، ويدخل فيه الطُّيُور التي تُصْطَاد؛ لأن هذه الصِّفَة تَعْمُّهُم. وإذا ثبت هذا؛ فنقول: قوله - تعالى -: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} تخصيصُ هذه الحُرْمَةِ بهم من وجهين: الأول: أن قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا} كذا وكذا يفيد الحَصْر في اللُّغَة. والثاني: أنه لَوْ كانت هذه الحُرْمَة ثابتَة في حَقِّ الكُلِّ، لم يَبْق لِقَوْله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا} فائدة؛ فثبت أنَّ تَحْرِيم السِّبَاع، وذَوِي المخلَب من الطَّير مختفص باليَّهُود، فوجب ألا تكُون مُحَرَّمة على المُسْلِمِين، وعند هذا نَقُول: مَا رُوي أنه - عليه الصلاة والسلام - حرَّم كل ذِي ناب من السِّبَاع، وكل ذِي مِخْلَب من الطَّيْر ضعيفٌ؛ لأنه خبر واحدٌ على خلاف كتابِ اللَّه، فلا يكون مَقْبُولاً، وهذا يُقَوِّي قول مالِك في هذه المَسْألة. قوله: "وَمَنَ البَقَرِ" فيه وجهان: أحدهما: أنه مَعْطُوف على "كُلِّ ذي" فتتعلَّق "مِنْ" بـ "حَرَّمْنَا" الأولى لا الثانية، وإنَّما جيء بالجُمْلَة الثانية مُفسِّرة لما أبْهم في "مِنْ" التَّبْعيضيَّة من المُحَرَّم؛ فقال: {حَرَّمْنَا عَلَيْهِم شُحُومَهُمَا}. والثاني: أن يتعلَّق بـ "حَرَّمْنَا" المُتَأخِّرة، والتقدير: وحرَّمْنا على الذين هَادُوا من البَقَر والغَنَم وشُحُومَهُمَا، فلا يَجِب هنا تَقْديم المجرُور بها على الفِعْل؛ فيقال: حَرَّمْنا عليهم شُحُوَمُهما من البَقَر والغَنَمِ؛ لئلا يَعُود الضَّمِير على متأخِّر لفظاً ورُتْبَة. وقال أبو البقاء: "ولا يجوز أن يكُون "مِنْ البَقَرِ" متعلِّقاً بـ "حَرَّمْنَا" الثانية". قال أبو حيَّان: "وكأنه قد توهَّم أن عَوْد الضَّمِير مانِعٌ من التعَلُّق؛ إذ رُتْبَة المجرُور بـ "مِن" التَّأخِير، لكن عن ماذا؟ أما عن الفعل فَمُسَلَّم، وأما عن المَفْعُول فغير مُسَلَّم" يعني: أنه إن أراد أنَّ رُتْبَة قوله: "مِنَ البَقَر" التأخير عن شُحُومَهُمَا, فيصير التقدير: حرمنا عليهم شُحُومَهُما من البقر؛ فغيرمُسَلَّم، ثم قال أبو حيَّان: "وإن سَلَّمْنا أن رُتْبَته التَّأخير عن الفِعْل والمفعُول، فليس بِمَمْنُوع، بل يَجُوز ذلك كما جَازَ: "ضربَ غُلامَ المْرأةِ أبُوهَا" و "غُلامَ المرأةِ ضَرَبَ أبوها"، وإن كانت رُتْبَة المفْعُول التَّأخير، لكنه وَجَبَ هنا تَقْدِيمُه؛ لعود الضَّمِير الذي في الفاعل الذي رُتْبَتُه التَّقْديم عليه، فكيف بالمَفْعُول الذي هُو والمَجْرُور في رُتْبَةٍ واحِدَةٍ؟ أعني في كَوْنَها فَضْلَة، فلا يبالى فيهما بتَقْدِيم أيِّهما شِئْت على الآخَر؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2374-.................... وَقَدْ رَكَدَتْ وَسَطَ السَّمَاءِ نُجُومُهَا تفسير : فقدَّم الظَّرْف وجوباً؛ لعود الضَّمِير الذي اتَّصَل بالفَاعِل على المجْرُور بالظَّرْف". قال شهاب الدِّين: "لقائل أن يقُول: لا نُسَلِّم أن أبَا البقاء إنما مَنَع لما ذكرت، حتى يُلْزَم بما ألْزَمْتَه، بل قَدْ يَكُون منعه لأمر مَعْنَوِيِّ". والإضافة في قوله: "شُحُومَهُما" تُفِيد الدَّلالة على تأكيد التَّخْصيص والرَّبْط، إذ لو أتى في الكلام: "مِن البَقَر والغنم حرَّمْنَا عليْهم الشُّحُوم" لكان في الدَّلالة على أنَّه لا يراد إلاَّ شُحُومُ البَقَر والغَنَم؛ هذا كلام أبي حيَّان وهو بَسْط ما قاله الزَّمَخْشَري؛ فإنه قال: "ومن البَقَر والغَنَم حَرَّمْنا عليهم شُحُومَهُمَا"؛ كقولك: "مِنْ زَيْد أخَذْت مَالَهُ" تريد بالإضافة زيَادة الرَّبْط. قوله: {إلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} "ما" مَوْصُولة في محل نَصْب على الاستِثْنَاء المُتَّصِل من الشُّحُوم، أي: إن لم يُحَرِّم الشَّحْم المَحْمُول على الظَّهْر، ثم إن شِئت جعَلْت هذا المَوْصُول نعتاً لِمَحْذُوف، أي: إلا الشَّحْم الذي حَمَلَتْهُ ظهورُهُمَا؛ كذا قدَّره أبو حيان، وفيه نظر، لأنه قد نصَّ على أنَّه لا يوصَفُ بـ "مَا" الوصُولة وإن كان يُوصَف بالذي، وقد ردّ هُو على غَيْرِه بذلك في مِثْل هذا التقدير: وإن شِئْت جعلْتَهُ موصُوفاً بشَيْءٍ محذوف، أي: إلاَّ الذي حملَتْه ظُهُورُهُما من الشَّحْم، وهذا الجَارُّ هو وَصْفٌ معنوي لا صناعي، فإنَّه لو أظْهَر كذا، لكان إعرابُه حالاً. وقوله: "ظُهُورهما" يحتمل أن يكُون من باب قوله: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم:4]، بالنسبة إلى ضَمِير [البَقَر] والغَنَم من غير نَظِر إلى جَمْعِيَّتهما في المَعْنى، ويحتمل أن يَكُون جَمَع "الظُّهُور" لأنَّ المُضَافَ إليه جَمْعٌ في المَعْنَى؛ فهو مثل: "قَطَعْتُ رُؤُوس الخرفان" فالتِّثْنِيةَ في مثل هذا مُمْتَنِعَة. فصل في تفسير الشحم قال ابن عبَّاس: "إلا ما عَلِق بالظَّهْرِ من الشحم، فإنِّي لم أحرمهُ" وقال قتادة: "إلا ما عَلَق بالظَّهْرِ والجَنْبِ من دَاخِل بُطُونِها". قال ابن الخطيب: "وأقول: لَيْس على الظَّهْر شَحْمٌ إلا اللحم الأبْيَض السَّمين المُلْتَصِق باللًّحْم الأحْمَر، وعلى هذا التقدير فذلك اللحم السَّمين الملتَصِق يكوم مُسَمًّى بالشَّحم وبهذا التقدير لو حَلَف ألاَّ يأكُل الشَّحْم، وجَبَ أن يَحْنَث إذا أكل ذلك اللَّحْم السَّمين". قوله: "أو الحَوَايَا" في موضعها من الإعْراب ثلاثة أوجُه: أحدها - وهو قول الكسائي -:أنَّها في مَوْضع رفْع عَطْفاً على "ظُهُورُهما" أي: وإلاَّ الَّذي حملَتْه الحَوَايَا من الشَّحْم، فإنه أيضاً غير مُحَرَّم، وهذا هو الظَّاهِر. الثاني: أنَّها في محل نَصْبٍ نَسَقاً على "شُحُومَهُمَا" أي: حَرَّمْنا عليهم الحَوَايَا أيضاً، أو ما اخْتَلَط بعَظْم، فتكون الحوايا والمُخْتَلط مُحَرَّمين، وإلى هذا ذَهَب جماعةٌ قِليلَةٌ، وتكون "أوْ" فيه كَالتِي في قوله - تعالى -: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان:24] يُراد بها: نَفْي ما يدخُل عليه بطريق الانفِرَاد؛ كما تقول: "هؤلاءِ أهْلٌ أن يُعْصَوْا فاعْصِ هذا أو هذا" فالمعنى: حرم عليهم هذا وهذا. وقال الزَّمَخْشَرِي: "أو بمنزلتها في قولهم: جَالِس الحسن أو ابن سيرين". قال أبو حيَّان: "وقال النَّحْويُّون: "أو" في هذا المثال للإباحَةِ، فيجوز له أن يُجَالِسَهُمَا وأن يُجَالِس أحدهُمَا، والأحْسَن في الآية إذا قُلْنَا: إن "الحوايا" معطوفٌ على "شُحُومَهُمَا"، وأن تكون "أوْ" فيه للتفصيل؛ فصَّل بها ما حرَّم عليهم من البقر والغنم". قال شهاب الدِّين: هذه العِبارة التي ذكرها الزَّمَخْشَري سبقه إليها الزَّجَّاج فإنه قال: وقال قوم: حُرِّمَت عليهم الثُّرُوب، وأحِلَّ لهم ما حَمَلَت الظُّهُور، وصارت الحوايا أو ما اخْتَلَط بعَظْمٍ نَسَقاً على ما حَرَّم لا على الاستثناء، والمَعْنَى على هذا القول: حُرِّمت عليهم شُحُومَهُمَا أو الحوايا أو ما اختلط بعَظْمٍ، إلا ما حملت الظُّهُور فإن غير محرَّم، وأدخلت "أو" على سَبِيل الإبَاحَة؛ كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان:24] والمعنى: كل هؤلاء أهْلٌ أن يُعْصَى فاعْصِ هذا أو اعْصِ هذا و"أو" بَلِيغة في هذا المَعْنَى؛ لأنَّك إذا قُلْتَ: "لا تُطِعْ زَيْداً وعَمْراً" فجائز أن تكُون نَهَيْتَنِي عن طَاعَتهما معاً في حالةٍ، فإذا أطعْتُ زيداً على حِدَته، لم أكُن عَاصِياً، وإذا قلت: لا تُطِع زَيْداً أو عمراً أو خالداً، فالمعنى: أن كُلَّ هؤلاءِ أهْلٌ ألاَّ يُطَاع، فلا تُطِع واحداً منهم، ولا تُطِع الجماعة؛ ومثله: جَالِس الحَسَنَ أو ابْنَ سِيرين أو الشَّعْبي، فليس المَعنى: أني آمُرُكَ بمجَالَسَة واحدٍ منهم، فإن جَالَسْتَ واحِداً منهم فأنْتَ مُصِيبٌ، وإن جَالَسْتَ الجماعة فأنت مُصِيبٌ. وأمَّا قوله: "فالأحْسَنُ أن تكُون "أو" فيه للتَّفْصِيل" فقد سبقه إلى ذلك أبو البقاء فإنه قال: و "أوْ" هنا بِمَعْنة الواو، لتفصِيل مذاهبهم أو لاخْتِلاف أماكنها، وقد ذَكرَناَه في قوله: {أية : كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة:135]. وقال ابن عطيَّة ردّاً على هذا القول - أعني كون "الحَوَايَا" نَسَقاً على شُحُومهما -: "وعلى هذا تَدْخُل "الحَوَايَا" في التَّحْريم، وهذا قَوْلٌ لا يعضدُه لا اللَّفْظ ولا المَعْنَى بل يَدْفَعَانه" ولم يبيِّن وجْه الدَّفْع فيها. الثالث: أن "الحَوَايَا" في محلِّ نَصْبٍ عطفاً على المسْتَثْنَى وهو "ما ملت ظُهُورهُمَا" كأنه قيل: إلا ما حَمَلَتِ الظُّهُور أو الحَوَايا أو إلا ما اختَلَط، نقله مكِّي، وأبو البقاء بدأ به ثم قال: "وقيل هو مَعْطُوف على الشُّحُوم". ونقل الواحدي عن الفراء؛ أنَّه قال: يَجُوز أن يكُون في موضع نَصْب بتقدير حذف المضاف على أن يُريد: أو شُحُوم الحَوَايَا فَيَحْذِف الشُّحُوم ويكتفي بالحوايا؛ كما قال - تعالى -: {أية : وَسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف:82] يريد أهلها، وحكى ابن الأنْبارِي عن أبي عبيد، أنه قال: قلت للفرَّاء: هو بمنزلة قول الشَّاعِر: شعر : 2375- لا يَسْمَعُ المَرْءُ فِيهَا مَا يُؤنِّسُه باللَّيْلِ إلاَّ نَئِيمَ البُوم والضُّوَعاَ تفسير : فقال لي: نَعَم، يذهب إلى أن "الضُّوَع" عَطْف على "النَّئِيم" ولم يُعْطَف على "البُوم" كما عُطِفت الحَوَايَا على "مَا" ولم تُعْطَفْ على الظُهُور. قال شهاب الدِّين: فمقتضى ما حكاه ابن الأنْبَارِيِّ: أن تكون "الحَوَايَا" عَطْفاً على "مَا" المسْتَثْنَاه, وفي مَعْنَى ذلك قلقٌ بيِّنٌ. و"الحَوَايَا" قيل: هي المَبَاعِر، وقيل: المصَارين والأمْعَاء، وقيل: كل ما تَحْويه البَطْن فاجْتَمع واسْتَدَار، وقيل: هي الدَّوَّارة الَّتِي في بَطْن الشَّاةِ. واختلف في مُفْرد "الَحَوايَا" فقيل: حَاوِيَة كـ "ضَارِبة"، وقيل: حَوِيَّة كـ "طَريفَة"، وقيل: حَاويَاء كـ "قَاصِعَاء". وجوَّز الفَارِسيُّ أن يكون جَمْعاً لكلِّ واحدٍ من الثلاثة، يعني: أنه صَالِحٌ لذلك، وقال ابن الأعْرَابِيِّ: هي الحَويَّة والحَاوِيَة" ولم يَذْكر الحَاويَاء. وذكر ابن السَّكِّيت الثلاثة فقال: "يقال: "حَاويَة" و "حَوَايَا" مثل "زَاوِيَة" و "زَوَايَا" و "رَاوِيَة" و "رَوَايَا" ومنهم من يَقُول: "حَويَّة" و "حَوَايَا"؛ مثل الحَوية التي تُوضَع على البَعِير ويُرْكَبُ فَوْفَها، ومنهم من يَقُول لواحِدَتها: "حَاوِيَاء" وأنشد قول جَرَير: [البسيط] شعر : 2376- تَضْغُو الخَنَانِيصُ والغُولُ الَّتِي أكَلَتْ فِي حَاويَاء رَدُومِ اللَّيل مِجْعَار تفسير : وأنشد ابن الأنْبَاري: [الطويل] شعر : 2377- كَأنَّ نَقِيقَ الحَبِّ فِي حَاوِيَائِهِ فَحِيحُ الأفَاعِي أوْ نَقيقُ العَقَارِبِ تفسير : فإن كان مُفْرَدُها حَاوِيَة، فوزنها فواعِلٌ؛ كَضَاربة وضَوارب ونظيرها في المُعْتَلِّ: "زاوية" و "زَوَايَا", و "رَاوِيَة" و "رَوَايَا", والأصل: حَوَاوِي كَضَوارب, فقُلِبت الواوُ التي هي عَيْن الكَلِمة هَمْزَة؛ لأنها ثاني حَرْفِيْ لينٍ، اكتنفا مَدّة مفَاعِل، فاستُثْقِلت هَمْزَة مكْسُورة فَقُلِبت يَاءً، فاستُثْقِلت الكَسْرة على اليَاءِ فجُعِلَتْ فَتْحَة، فَتَحرَّك حَرْف العِلَّة وهو اليَاءُ الَّتِي هي لامُ الكلمة بعد فَتْحَةٍ، فقُلِبت ألِفاً [فصارت "حَوَايَا"، وإن شِئْتَ قلت: قُلِبَت الواوُ هَمْزَة مَفْتُوحة، فتحركت اليَاءُ وانفتح ما قَبْلَها فقُلِبَت ألِفاً], فصارت هَمْزَة مَفْتُوحة بين ألِفين يُشْبِهَانِها فقلبت الهَمْزَة ياءً، وقد تقدَّم تَحْقِيق هذا في قوله: {أية : نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} تفسير : [البقرة:58] واخْتِلاَف أهل التَّصْريف في ذَلِك. وكذلك إذا قُلْنا: مُفْرَدها "حَاوِيَاء", كان وَزْنُها فَوَاعِل أيضاً؛ كقاصِعَاء وقَوَاصِع, ورَاهِطَاء ورَوَاهِط, والأصل: حَوَاوِي أيضاً, فَفُعِل به ما فُعِل في الذي قَبْلَه. وإن قلنا: إن مُفْرَدها "حَويَة" فوزنها فعائل كَطَرائف، والأصل: حَوَائِي فقُلبت الهَمْزَة ياءً مَفْتُوحة، وقلبت اليَاءُ التي هِيَ لامٌ ألِفاً، فصار اللَّفْظُ "حَوَايَا" أيضاً، فاللَّفْظُ مُتَّحِد والعَمَل مُخْتَلِف. قوله: "أوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ" فيه ما تقدّم في "حَوَايَا" ورأيُ الفرَّاء فيه: أنَّه مَنْصوب نَسَقاً على "ما" المسْتَثْنَاة في قوله: {إلاَّ ما حَمَلتْ ظُهُورُهُما} المُرَاد به الألْيَة. وقيل: هو كلُّ شَحْمٍ في الجَنْب والعَيْن والأذُن والقَوَائِم، والمحرَّم الثَّرْبُ وشَحْم الكُلْيَة. فصل قال القرطبي: أخْبَر الله - تعالى - أنه كَتَب تَحْريم هذا عليهم في التَّوْرَاة رداً لِكَذِبهم، ونَصُّهُ فيها: "حرّمتُ عَلَيْكم المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِير وكُلَّ دابَّةٍ ليست مَشْقُوقة الحَافِر، وكل حوتٍ ليس فيه سَفَاسِقٌ" أي: بياضٌ، ثم نسخ الله ذلك كُلَّهُ بشريعة محمّد صلى الله عليه وسلم وأباح لهم ما كان مُحَرَّماً عليهم مِنَ الحيوان، وأزال الحرج بمحمَّد - عليه السلام - وألزم الخليقة دين الإسلام، بحلِّه وحرمه وأمره ونهيه، فلو ذَبَحُوا أنعامهم فأكَلُوا ما أحَلَّ لَهُم في التَّوْرَاة وترَكُوا ما حرَّم عليهم فهل يحلُّ لنا؟ قال مَالِكٌ في كِتَاب محمَّد: هي مُحُرَّمة وقال في سماع "المبسوط": هي محلَّلة؛ وبه قال ابن نافع. وقال ابن القاسم: "أكرَهُه" والصَّحيح حِلُّه؛ لحديث جواب الشَّحْم الذي رَوَاهُ عبد الله بن مغفل. قوله: "ذَلَك جَزَيْنَاهُمْ" فيه أربعة أوْجُه: أحدها: أنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي: الأمْر ذلك، قاله الحُوفِيُّ؛ ومكِّي وأبو البقاء. الثاني: أنه مُبْتَدأ، والخبر ما بعده، والعَائِد مَحْذُوفٌ، أي: ذلك جَزَيْنَاهُمُوه، قاله أبو البقاء - رضي الله عنه - وفيه ضَعْف؛ من حيث إنه حَذَف العَائِد المنْصُوب، وقد تقدّم ما فيه في المَائدةَ في قوله - تعالى -: {أية : أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} تفسير : [المائدة:50], وأيضاً فقدَّر العَائِد مُتَّصِلاً، ويَنْبَغِي ألا يُقدَّر إلا مُنْفَصِلاً ولكنه يَشْكُل حذفه، وقد تقدَّم تحقيقُهُ في أوّل البقرة. وقال ابن عطيَّة: "ذلك في مَوْضِع رَفْعٍ" ولم يُبَيْنْ على أيِّ الوَجْهيْن المتقدِّمَيْن، ويَنْبَغي أن يُحَمَل على الأوَّل؛ لضعف الثَّاني. الثالث: أنه مَنْصُوب على المَصْدَرِ، وهو ظاهرِ كلام الزَّمْخَشَرِي؛ فإنه قال: "ذلك الجَزَاء جزيْنَاهُم وهو تَحْريمُ الطَّيِّبَات"، وإلا أن هذا قَدْ يَنْخَدِشُ بما نقله ابن مالك، وهو أنَّ المَصْدَر إذا أشِير إليه، وجب أنْ يُتْبَع بذلك المَصْدَرُ؛ فيقال: "ضَرَبْتُ ذلِك الض‍َّرْبَ" و "قُمْتُ هذا القِيَامَ" ولو قُلْت: "ضَرَبْت زَيْداً ذَلِك" و "قُمْت هذا" لم يَجُزْ، ذكر ذلك في الرَّدِّ على من أجَابَ عن قَوْل المُتَنَبِّي: [الكامل] شعر : 2378- هَذِي، بَرَزْتِ لَنَا فَهِجْتِ رَسِيسَا ثُمَّ انْصَرَفْتِ وَمَا شَفَيْتِ نَسِيسَا تفسير : فإنهم لَحَّنوا المُتَنَبِِّي، من حيث إنه حَذَف حَرْف النِّدَاء من اسْم الإشَارة، إذ الأصْل: يَا هَذِي. فأجابوا عنه: بأنَّا لا نُسَلِّم أن "هَذِي" مُنَادى، بل [اسْم] إشارة إلى المَصْدَر، كأنَّه قال: بَرَزْتِ هَذِي البَرْزَة. فردّ ابن مالك هذا الجواب: بأنَّه لا يَنْتَصب اسْمُ الإشَارَة مُشَاراً به إلى المَصْدَر إلا وهو متبوعٌ بالمَصْدَر. وإذا سُلِّم هذا فيكُون ظاهر قَوْل الزَّمَخْشَري: "إنه مَنْصُوب على المَصْدَر" مردوداً بما رُدَّ به الجوابُ عن بَيْت أبي الطَّيِّب، إلا أن ردّ أبن مالكٍ ليس بِصَحيح؛ لورود اسْم الإشارة مشاراً به إلى المَصْدَرِ غير مَتْبُوع به؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2379- يَا عمْرُو إنَّكَ قَدْ مَلِلْت صَحَابَتِي وصَحَابَتيكَ إخَالُ ذَاكَ قَلِيلُ تفسير : قال النَّحْوِيُّون: "ذاك" إشَارَةٌ إلى مَصْدَر "خال" المؤكِّد له، وقد أنْشَده هُوَ عَلَى ذلك. الرابع: أنه مَنْصُوبٌ على أنه مَفْعُول ثانٍ قُدِّم على عَامِله؛ لأن "جَزَى" يتعدَّى لاثْنَيْن، والتَّقْدير: جَزَيْنَاهم ذلك التَّحْريم، وقال أبُو البقاء ومكِّي: إنَّه في مَوْضِع نَصْب بـ "جَزَيْنَاهُم" ولم يُبَيِّنَا على أيِّ وَجْهٍ انتَصَب: هل على المَفْعُول الثَّانِي أو المصدر؟ فصل في معنى قوله "جزيناهم ببغيهم" والمعنى: إنما خَصَصْنَاهم بهذا التَّحْريم جزاءً على بَغْيِهم، وهو قتلهم الأنْبَياء، وأخْذِهم الرِّبَا، وأكْلِهم أمْوال الناس بالبَاطِل، ونظيره قوله - تعالى -: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء:160]. قوله: "وإنَّا لَصَادِقُونَ" مَعْمُوله مَحْذُوف، أي: لصادِقُون في إتمام جَزَائِهِم في الآخِرَة؛ إذا هو تَعْرِيضٌ بكَذبِهم حَيْث قالُوا: نحن مُقْتَدُون في تَحْريم هذه الأشْيَاءِ بإسْرَائيل، والمعنى: الصَّادقون في إخْبَارنا عنهم ذلك، ولا يُقَدَّر له مَعْمُول، أي: من شأنِنَا الصِّدْق. قوله: "فإنْ كَذَّبُوكَ" [الضَّمِير في "كَذَّبُوك"] الظاهر عودُه على اليَهود؛ لأنَّهم أقرب مذكور. وقيل: يعود على المُشْركين، لتقدُّم الكلام معهم في قوله: {أية : نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ} تفسير : [الأنعام:143], و {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} تفسير : [الأنعام:144] والمعنى: فإن كذَّبُوك في ادِّعَاء النُّبُوة والرِّسَالة {فَقُلْ ربُّكُم ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ} فلذك لا يُعَجِّل عليكم بالعُقوبة، ثم أخبرهم بما أعَدَّ لهم، من العذاب في الآخرة، و"لا يردُّ بأسه" أي عذابه إذَا جَاء الوَقْت. وقوله: "ذُو رَحْمةٍ" جيء بِهَذه الجُمْلَة اسمِيَّة، وبقوله "ولا يُرَدُّ بأسُهُ" فِعْليَّة [تَنْبِيهاً على مُبَالَغة سعَة الرَّحْمة؛ لأن الاسْمِيَّة أدلُّ على الثُّبُوت والتَّوْكيد من الفِعْليَّة. قوله: {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} يحتمل أن يكُون من وَضْع الظَّاهِر موضع المُضْمَر] تنبيهاً على التَّسْجِيل عليهم بذلك، والأصل: ولا يُرَد بَأسُه عنكم. وقال أبُو البقاء: "فإن كَذَّبُوك" شُرْطٌ، جوابه: {فَقُلْ ربُّكُم ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ} والتقديرُ: "فقل يَصْفَح عَنْكُم بِتَأخير العُقُوبَة" وهذا تفسير معنى لا إعراب.

البقاعي

تفسير : ولما تضمن قوله افتراء عليه افتراء على الله والتعبير في ذلك كله بالاسم الأعظم أن كون التحريم ليس إلاّ من الله أمر معلوم ليس موضعاً للشك لأنه الملك الأعظم ولا حكم لغير الملك، ومن حكم عن غير أمره عذب؛ حسن بعد إبطال دينهم والبيان لأن من حرم شيئاً بالتشهي مضل وظالم قولُه مبيناً البيان الصحيح لما يحل ويحرم جواباً لمن يقول: فما الذي حرمه سبحانه وما الذي أحله: {قل} معلماً بأن التحريم لا يثبت إلاّ بوحي من الله {لآ أجد} أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان، فإن "لا" كلمة لا تدخل على مضارع إلاّ وهو بمعنى الاستقبال {في مآ}. ولما كان ما آتاه صلى الله عليه وسلم قد ثبت بعجزهم عن معارضته أنه من الله، بني للمفعول قوله: {أوحي إليّ} أي من القرآن والسنة شيئاً مما تقدم مما حرمتموه مطلقاً أو على حال دون حال وعلى ناس دون آخرين طعاماً {محرماً على طاعم} أيّ طاعم كان من ذكر أو أنثى {يطعمه} أي يتناوله أكلاً وشرباً أو دواء أو غير ذلك {إلا أن يكون} أي ذلك الطعام {ميتة} أي شرعاً، والميتة الشرعية هي ما لا يقبل التذكية، وهو كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية {أو دماً مسفوحاً} أي مراقاً من شأنه السيلان لا من شأنه الجمود كالكبد والطحال. ولما كان النصارى قد اتخذوا أكل الخنزير ديناً، نص عليه وإن كان داخلاً في قوله "ميتة" على ما قررته في المراد بها، وقال: {أو لحمِ خنزير} ليفيد تحريمه على كل حال سواء ذبح أم لا، ولو قيل: أو خنزيراً لاحتمل أن يراد تحريم ما أخذ منه حياً فقط، وقال: {فإنه} أي الخنزير {رجس} ليفيد نجاسة عينه وهو حي، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى، وكل ما وافقه في هذه العلة كان نجساً، لا يعاد الضمير على اللحم لأنه قد علمت نجاسته من تحريمه لعينه، فلو عاد عليه كان تكراراً. ولما ذكر المحرم لعينه ذكر المحرم لعارض، فقال مبالغاً في النفي عنه بأن جعله نفس المعنى الذي وقع النهي لأجله: {أو فسقاً} أي أو كان الطعام خروجاً مما ينبغي القرار فيه من فسيح جناب الله الذي من توطنه أمن واهتدى وسلم من ضيق الهوى في ذكر الغير الذي من خرج إليه خاف وضل، وهلك وتوى؛ ثم قال مفسراً له مقدماً لما هو داخل في الفسق من الالتفات إلى الغير: {أهل لغير الله} أي الذي له كل شيء لأن له الكمال كله {به} أي ذكر غير اسمه عليه بأن ذبح له تديناً؛ ثم ذكر لطفه بهذه الأمة في إباحته لهم في حال الضرورة كل محرم رحمة منه لهم وستراً لتقصيرهم فقال: {فمن اضطر} أي حصل له جوع خشي منه التلف، وبني للمفعول لأن المعتبر حصول الاضطرار لا كونه من معين، ومن التعبير بذلك تؤخذ حرمة ما زاد على سد الرمق لأنه حينئذٍ لا يكون مضطراً {غير باغ} أي على غيره بمكيدة {ولا عاد} أي على غيره بقوته ولا متجاوز سد الضرورة {فإن ربك} أي المحسن إليك بإرسالك وإلى أمتك الضعيفة بجعل دينها الحنيفية السمحة {غفور} أي يمحو الذنب إذا أراد {رحيم} أي يكرم المذنب بعد الغفران بأنواع الكرامات، فهو جدير بأن يمحو عن هذا المضطر أثر تلك الحرمة التي كدرها ويكرمه بأن يجعل له - في حفظه بذلك لنفسه إذا صحت فيه نيته - أجراً عظيماً، وقد تكلفت الآية على وجازتها بجميع المحرمات من المأكولات مع الإشارة بلفظ الرجس والفسق إلى جميع أصناف المحرمات وإلى أن ارتكابها موجب للخبث والانسلاخ من الخير، وذلك هو سبب تحريمها؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة: وجه إنزال هذا الحرف - أي حرف الحرام - طهرة الخلق من مضار أبدانهم ورجاسة نفوسهم ومجهلة قلوبهم، فما اجتمعت فيه كان أشد تحريماً وما وجد فيه شيء منها كان تحريمه بحسب تأكد الضرورة إلى طهرته، وكما اختلف أحوال بني آدم بحسب اختلاف طينتهم من بين خبيث وطيب وما بين ذلك، اختلف أحوالهم فيما به تجدد خلقهم من رزقهم، فمن اغتذى بدنه من شيء ظهرت أخلاق نفس ذلك المغتذى به وأوصافه في نفسه، ورين على القلب أو صفاء، لتقويه بما يسمى عليه من ذكر الله أو كفر به بذكر غيره، وجامع منزله على حده من استثناء قليله من متسع الحلال قوله تعالى {أية : قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً}تفسير : [الأنعام: 125] هذا لمضرته بالبدن {أو لحم خنزير} وهذا لتخبيثه للنفس وترجيسه لها كما قال تعالى {فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به} وهذا لرينه على القلب، وهذه الآية مدنية وأثبتها تعالى في سورة مكية إشعاراً بأن التحريم كان مستحقاً في أول الدين ولكن أخر إلى حين اجتماع جمة الإسلام بالمدينة تأليفاً لقلوب المشركين وتيسيراً على ضعفاء الدين الذين آمنوا واكتفاء للمؤمنين بتنزههم عن ذلك وعما يشبهه استبصاراً منهم حتى أن الصديق رضي الله عنه كان قد حرم الخمر على نفسه في زمن الجاهلية لما رأى فيها من نزف العقل، فكيف بأحوالهم بعد الإسلام! وألحق بها في سورة {الذين آمنوا} ما كان قتله سطوة من غير ذكر الله عليه من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلاّ ما أدرك بالتذكية المنهرة للدم الموصل في التحريم لفساد مسفوحه بما هو خارج عن حد الطعام في الابتداء والأعضاء في الانتهاء المستدركة ببركة التسمية أثر ما أصابها من مفاجأة السطوة، وألحق بها أيضاً في هذه السورة تحريم الخمر لرجسها كالخنزير كما ألحقت المقتولة بالميتة، وكما حرم الله ما فيه جماع الرجس من الخنزير وجماع الإثم من الخمر حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه حظ من ذلك، فألحق بالخنزير السباع حماية من سورة غضبها لشدة المضرة في ظهور الغضب من العبيد لأنه لا يصلح إلاّ لسيدهم، وحرم الحمر الأهلية حماية من بلادتها وحرانها الذي هو علم غريزة الخرق في الخلق، وألحق صلى الله عليه وسلم بتحريم الخمر التي سكرها مطبوع تحريمَ المسكر الذي سكره مصنوع، وكما حرم الله ما يغر العبد في ظاهره وباطنه حرم عليه فيما بينه وبينه ما يقطعه عنه من أكل الربا، والربا بضع وسبعون باباً والشرك مثل ذلك، وجامع منزله في قوله تعالى {الذين يأكلون الربا} إلى قوله: {أية : وأحل الله البيع وحرم الربا} تفسير : [البقرة: 275] إلى انتهاء ذكره إلى ما ينتظم من ذلك في قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة} تفسير : [آل عمران: 113] - الآية ما يلحق بذلك في قوله: {أية : وما آتيتم من ربا} تفسير : [الروم: 39] - الآية، هكذا قال: إن هذه الآية مدنية، وهو - مع كوني لم أره لغيره - مشكل بقوله {أية : وقد فصل لكم ما حرم عليكم} تفسير : [الأنعام: 119] - الآية. ولما كان تحريم الربا بين الرب والعبد، كان فيه الوعيد بالإيذان بحرب من الله ورسوله، ولذلك حمت الأئمة ذرائعه أشد الحماية، وكان أشدهم في ذلك عالم المدينة حتى أنه حمي من صورته من الثقة بسلامة الباطن منه، وعمل بضد ذلك في محرمات ما بين العبد ونفسه، وكما حرم الله الربا فيما بينه وبين عبده من هذا الوجه الأعلى كذلك حرم أكل المال بالباطل فيما بين العبد وبين غيره من الطرف الأدنى، وجامع منزله في قوله تعالى: {أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} تفسير : [البقرة: 188] - الآية إلى ما ينتظم به من قوله تعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} تفسير : [النساء: 29] إلى ما ينتظم به من قوله تعالى: {أية : وآتوا اليتامى أموالهم} تفسير : [النسا: 2] - الآيات في أموال اليتامى، فحرمه تعالى من جهة الأعلى والمثيل والأدنى، وانتظم التحرير في ثلاثة أصول: من جهة ما بين الله وبين عبده ومن جهة ما بين العبد وبين نفسه، ومن جهة ما بين العبد وبين غيره، مما تستقرأ جملة آية في القرآن وأحاديثه في السنة ومسائله في فقه الأئمة؛ ولما كان له متسع، وقع فيما بين الحلال البين والحرام البين أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس، لأنها تشبه الحلال من وجه وتشبه الحرام من وجه، فلوقوعها بينهما يختلف فيها ولعرضه في الأولى، وعن حماية الله عباده عن وبيل الحرام تحقق لهم اسمه "الطيب"، فلم يتطبب بطب الله من لم يحتم عن محرماته ومتشابهاتها، وهو الورع الذي هو ملاك الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال فيما تحصل به قراءة حرف الحرام تماماً في العلم والحال والعمل: اعلم أن الإنسان لما كان خلقاً جامعاً كانت فيه بزرتان: بزرة للخير وبزرة للشر، وبحسب تطهره وتخلصه من مزاحمة نبات بزرة الشر تنمو فيه وتزكو بزرة الخير، ولكل واحدة من البزرتين منبت في جسمه ونفسه وفؤاده، فأول الحروف في الترتيب العمل، والأساس لما بعده هو قراءة حرف الحرام، لتحصل به طهرة البدن الذي هو السابق في وجود الإنسان فمن غذي بالحرام في طفولته لم يقدر على اجتناب الآثام في كهولته إلا أن يطهر الله بما شاء من نار الورود في الدنيا من الأمراض والضراء، فهو الأساس الذي ينبني عليه تطهر النفس من المناهي وتطهر الفؤاد من العمه والمجاهل، والذي تحصل به قراءة هذا الحرف هو الورع الحاجز عما يضر بالجسم ويؤذي النفس وما يكره الخلق وما يغضب الرب، فمن أصاب شيئاً من ذلك ولم يبادر إليه بالتوبة عذب بكل آية قرأها وهو مخالف لحكمها "من لم يبال من أيّ باب دخل عليه رزقه لم يبال الله من أيّ باب أدخله النار". ولما كان الورع كف اليد ظاهراً عن الشيء الضار، وكانت الجوارح لا تنقاد إلا عن تأثر من النفس، لم يصح الورع ظاهراً إلا أن يقع في النفس روعة باطنه من تناول ذلك الشيء؛ ولما كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصر القلب في الضار كما لا ينكف اليد إلا عند تقذر النفس لما تدرك العين قذره حتى أن النفس الرضية تأنف من المحرمات كما يأنف المستنطف من المستقذرات، فأكلة الحرام هم دود جيفة الدنيا يستقذرهم أهل البصائر كما يستقذرون هم دود جيف المزابل. ولما كان الحرام ما يضر العبد في نفسه كالميتة، تيسر على المستبصر كف يده عنها لما يدري من مضرتها بجسمه، وكذلك الدم المسفوح لأنه ميتة بانفصاله عن الحي ومفارقته لروح الحياة التي تخالطه في العروق، قلت: وسيأتي قريباً تعليله في التوراة بما يقتضي أنه أكثر فعلاً في النفس وتطبيعاً لها بخلق ما هو دمه من اللحم - والله الموفق؛ وكذلك ما يضر بنفسه كلحم الخنزير لأنه رجس، والرجس هو خبائث الأخلاق التي هي عند العقلاء أقبح من خبائث الأبدان، وذلك لأن من اعتذى جسمه بلحم حيوان اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الحيوان وبخلق من أخلاقه، وفي نفس الخنزير مجامع رذائل الأخلاق من الإباء والحران والمكر والإقدام على ما يعانيه فيه الهلاك ومتابعة الفساد، والانكباب على ما تقبل عليه في أدنى الأشياء على ما أظهرت في خلقته آياته فإنه ليس له استشراف كذوات الأعناق، وكذلك ما يضر بهما وبالعقل كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها للرأس وإيقاعها العداوة والبغضاء في خلق النفس، ولذلك هي جماع الإثم، فالمتبصر في المحرمات يأنف منها لما يدري من مضرتها وأذاها في الوقت الحاضر وفي معيبها في يوم الدنيا إلى ما أخبر به من سوء عقباها في يوم الدين، ومن شرب الخمر ومات ولم يتب منها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار، ولو هدد شاربها في الدنيا من له أمر بأن يسقيه من بوله ورجيعه لوجد من الروع ما تحمله على الورع عنها، وإذا استبصر ذو دراية فيما يضره في ذاته فأنف منه رعاية نفسه لحق له بذلك التزام رعايتها عما يتطرق له منه درك من جهة غيره فيتورع من أكل أموال الناس بالباطل لما يدري من المؤاخذة عليها في العاجل وما أخبر به من المعاقبة عليها في الآجل، ولها في ذاته مضرة في الوقت بتعرفها من موارد القرآن بنور الإيمان {أية : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً} تفسير : [النساء: 10] وإن لم يحس بها، وليس تأويله الوعد بالنار لأن ذلك إنباء عند قوله تعالى {أية : وسيصلون سعيراً} تفسير : [النساء: 10]، وكذلك إذا أنف مما يضره في نفسه وخاف مما يتطرق إليه ضره من غيره، أعظم أن يقرب حمى ما يتطرق إليه السطوة من ربه لأجله، وذلك فيما حرم عليه حماية لعظيم ملكه وعدم التفاوت في أمر رحمانيته في محرم الربا، ولما فيه أيضاً من مضرة وقته الحاضر التي يقيدها بالإيمان من تعريف ربه، فإنه تعالى كما عرف أن أكل مال الغير بالباطل نار في البطن، عرف أن أكل مال الربا جنون في العقل وخبال في النفس {أية : الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} تفسير : [البقرة: 275] وأعظم من ذلك ما حرمه الله لعرائه عن اسمه عند إزهاق روحه، لأنه مأخوذ عن غير الله، وما أخذ عن غير الله كان أكله فسقاً وكفراً لأنه تناول الروح من يد من لا يملكها، ولذلك فرضت التسمية في التذكية ونفلت فيما سوى ذلك، فلا تصح قراءة هذا الحرف إلا بتبصرة القلب فيه وروعة النفس منه وورع اليد عنه، وإلا فهو من الذين يقرؤون حروفه ويضيعون حدوده، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كثر هؤلاء من القراء، لا كثّرهم الله!"تفسير : ومن لم تصح له قراءة هذا الحرف لم تصح له قراءة حرف دعاؤه "حديث : الرجل يطلب الله مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، يقول: يا رب! يا رب! فأنى يستجاب لذلك!" تفسير : فهذه قراءة هذا الحرف وشرطه - والله ولي التوفيق.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن طاوس قال: إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون أشياء ويستحلون أشياء، فنزلت {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} الآية . وأخرج عبد بن حميد وأبو داود وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو منه، ثم تلا هذه الآية {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} إلى آخر الآية. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} فقال: ما خلا هذا فهو حلال . وأخرج البخاري وأبو داود وابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ عن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر؟ فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ {قل لا أجد فيما أوحي إلى...} الآية . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرم الله في كتابه {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً...} الآية . وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر. أنه سئل عن أكل القنفذ؟ فقرأ {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} الآية. فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال "خبيث من الخبائث. فقال ابن عمر: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كما قال" . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة. أنها كانت إذا سُئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير تلت {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} الآية. وأخرج أحمد والبخاري والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس. أن شاة السودة بنت زمعة ماتت، فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة ــ تعني الشاة ــ قال: فلولا أخذتم مسكها؟ قالت: يا رسول الله أنأخذ مسك شاة قد ماتت...! فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم قل {لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} وإنكم لا تطعمونه، وإنما تدبغونه حتى تنتفعوا به، فأرسلت إليها فسلختها ثم دبغته، فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها " . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس. أنه قرأ هذه الآية {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} إلى آخر الآية. وقال: إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم، فاما الجلد، والقد، والسن، والعظم، والشعر، والصوف، فهو حلال . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا أودجوا الدابة، وأخذوا الدم فأكلوه، قالوا: هو دم مسفوح . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة قال: حرم الدم ما كان مسفوحاً، فأما لحم يخالطه الدم فلا بأس به . وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: لولا هذه الآية {أو دماً مسفوحاً} لاتبع المسلمون من العروق ما تتبع منه اليهود . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {أو دماً مسفوحاً} قال: المسفوح الذي يهراق، ولا بأس بما كان في العروق منها . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: آكل الطحال؟ قال: نعم. قال: إن عامتها دم؟ قال: إنما حرم الله الدم المسفوح. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز. في الدم يكون في مذبح الشاة، أو الدم يكون على أعلى القدر؟ قال: لا بأس، إنما نهى عن الدم المسفوح . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر وعائشة قالا: لا بأس بأكل كل ذي شيء إلا ما ذكر الله في هذه الآية {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} الآية . وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي. أنه سئل عن لحم الفيل والأسد، فتلا {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً...} الآية . وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن ابن الحنفية. أنه سئل عن أكل الجريت فقال {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً...} الآية. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه سئل عن ثمن الكلب والذئب والهر وأشباه ذلك؟ فقال {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم}تفسير : [المائدة: 101] كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون أشياء فلا يحرمونه، وأن الله أنزل كتاباً فأحل فيه حلالاً وحرم فيه حراماً، وأنزل في كتابه {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير} . وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن ابن عمر قال "حديث : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي ثعلبة قال " حديث : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أنس " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه جاءٍ فقال: أكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أفنيت الحمر؟ فأمر منادياً فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس، فاكفئت القدور وانها لتفور باللحم " . تفسير : وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي ثعلبة الخشي "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع " . تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس قال "حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير " . تفسير : وأخرج أبو داود عن خالد بن الوليد قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، فأتوا اليهود فشكوا أن الناس قد أشرفوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، حرام عليكم حمير الأهلية وخيلها وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنة عن جابر قال " حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر الحمر الإِنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير، والمجثمة، والحمار الإِنسي " . وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه عن أبي هريرة " حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع، وحرم المجثمة، والخلسة، والنهبة ". تفسير : وأخرج الترمذي عن العرباض ابن سارية "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن كل ذي ناب من السبع، وعن كل ذي مخلب من الطير، وعن لحم الحمر الأهلية " . تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مكحول قال "حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن الحبالى أن يقربن، وعن بيع المغانم ــ يعني حتى تقسم ــ وعن أكل كل ذي ناب من السباع " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة من طريق القاسم ومكحول عن أبي أمامة " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن أكل الحمار الأهلي، وعن أكل كل ذي ناب من السباع، وأن توطأ الحبالى حتى تضعن، وعن أن تباع السهام حتى تقسم، وأن تباع التمرة حتى يبدو صلاحها، ولعن يومئذ الواصلة، والموصولة، والواشمة، والموشومة، والخامشة وجهها، والشاقة جيبها " . تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة عن جابر بن عبد الله " حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الهرة وأكل ثمنها " . تفسير : وأخرج أبو داود عن عبد الرحمن بن شبل " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الضب " . تفسير : وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر قال: حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الضب؟ فقال "لست آكله ولا أحرمه" . تفسير : وأخرج مالك والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن خالد بن الوليد "حديث : أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة، فأتى بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فقال: بعض النسوة أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد أن يأكل، فقالوا: هو ضب يا رسول الله، فرفع يده فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا ولكن لم يكن بأرض قومي فاجدني أعافه. قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ثابت بن وديعة قال: حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش فأصبنا ضباباً، فشويت منها ضباً فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته بين يديه، فأخذ عوداً فعد به أصابعه، ثم قال "إن أمة من بن إسرائيل مسخت دواب في الأرض، وإني لا أدري أي الدواب هي، فلم يأكل ولم ينه" . تفسير : وأخرج أبو داود عن خالد بن الحويرث " أن عبد الله بن عمرو كان بالصفاح، وأن رجلاً جاء بأرنب قد صادها فقال له: ما تقول؟ قال: قد جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها، وزعم أنها تحيض " . وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال: انفجنا أرنباً ونحن بمر الظهران، فسعى القوم فلغبوا وأخذتها، فجئت بها إلى أبي طلحة فذبحها، فبعث بوركيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبلها. وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وضعفه وابن ماجة عن خزيمة بن جزيء السلمي قال "حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الضبع فقال: ويأكل الضبع أحد؟ وسألته عن أكل الذئب قال: ويأكل الذئب أحد في خير؟ وفي لفظ لابن ماجة : قلت يا رسول الله جئتك لأسألك عن أجناس الأرض ما تقول في الثعلب؟ قال: ومن يأكل الثعلب؟ قلت: ما تقول في الضب؟ قال: لا آكله ولا أحرمه. قلت: ولم يا رسول الله؟ قال: فقدت أمة من الأمم ورأيت خلقاً رابني. قلت: يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرمه. قلت ولم يا رسول الله؟ قال: نبئت أنها تدمى " . تفسير : وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر قال: من يأكل الغراب وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاسقاً والله ما هو من الطيبات . وأخرج أبو داود والترمذي من طريق إبراهيم بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده قال " أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حباري" . وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي موسى قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل لحم دجاج" . وأخرج أبو داود والترمذي وصححه النسائي وابن ماجة عن عبد الرحمن بن أبي عمار قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم قلت: آكلها؟ قال: نعم قلت: أقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ} أُمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعد إلزامِ المشركين وتبكيتِهم وبـيانِ أن ما يتقوّلونه في أمر التحريمِ افتراءٌ بحتٌ لا أصلَ له قطعاً بأن يُبـيِّن لهم ما حرّمه عليهم وفي قوله تعالى: {لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِيَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا} إيذانٌ بأن مناطَ الحلِّ والحُرمةِ هو الوحيُ وأنه صلى الله عليه وسلم قد تتبع جميعَ ما أوحيَ إليه وتفحّص عن المحرمات فلم يجد غيرَ ما فُصِّل، وفيه مبالغةٌ في بـيان انحصارِها في ذلك و(محرّماً) صفةٌ لمحذوف أي لا أجد ريثما تصفحْتُ ما أوحيَ إلى طعاماً محرماً من المطاعم التي حرَّموها {عَلَىٰ طَاعِمٍ} أي أيِّ طاعمٍ كان من ذكر أو أنثى رداً على قولهم: {أية : مُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا} تفسير : [الأنعام، الآية 139] وقولُه تعالى: {يَطْعَمُهُ} لزيادة التقريرِ {إِلا أَن يَكُونَ} أي ذلك الطعامُ {مَيْتَةً} وقرىء تكونَ بالتاء لتأنيث الخبرِ وقرىء ميتةٌ بالرفع على أن كان تامةٌ وقوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} حينئذ عطفٌ على أنْ مع ما في حيزه، أي إلا وجودَ ميتةٍ أو دماً مسفوحاً أي مصبوباً كالدماء التي في العروق لا كالطحال والكبِد {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ} أي الخنزيرَ {رِجْسٌ} أي لحمُه قذرٌ لتعوده أكلَ النجاسات أو خبـيثٌ {أَوْ فِسْقًا} عطف على لحمَ خنزيرٍ وما بـينهما اعتراضٌ مقرِّر لحرمته {أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} صفةٌ له موضّحة أي ذُبح على اسم الأصنامِ، وإنما سُمِّي ذلك فسقاً لتوغله في الفسق، ويجوز أن يكون فسقاً مفعولاً له لأُهِلَّ وهو عطف على يكون والمستكن راجعٌ إلى ما رجع إليه المستكن في يكون. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} أي أصابته الضَّرورةُ الداعيةُ إلى أكل الميتة بوجه من الوجوه المضطرة {غَيْرَ بَاغٍ} في ذلك على مضطر آخرَ مثلِه {وَلاَ عَادٍ} قدرَ الضرورة {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} مبالغٌ في المغفرة والرحمة لا يؤاخذه بذلك، وليس التقيـيدُ بالحال الأولى لبـيان أنه لو لم يوجَد القيدُ لتحققت الحرمة المبحوثُ عنها بل للتحذير من حرام آخرَ هو أخذُه حقِّ مضطرٍ آخرَ فإن من أخذ لحمَ الميتة من يد مضطرٍ آخرَ فأكله فإن حرمتَه ليست باعتبار كونِه لحمَ الميتة بل باعتبار كونه حقاً للمضطر الآخرِ، وأما الحالُ الثانيةُ فلتحقيق زوالِ الحرمةِ المبحوثِ عنها قطعاً، فإن التجاوزَ عن القدر الذي يُسدّ به الرمقُ حرامٌ من حيث إنه لحمُ الميتة، وفي التعرض لوصفي المغفرةِ والرحمةِ إيذانٌ بأن المعصيةَ باقيةٌ لكنه تعالى يغفرُ له ويرحمه، والآيةُ محكمةٌ لأنها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يجد فيما أوحيَ إليه إلى تلك الغاية غيرَه، ولا ينافيه ورودُ التحريمِ بعد ذلك في شيء آخرَ فلا يصِحُّ الاستدلالُ بها على نسخ الكتابِ بخبر الواحدِ ولا على حل الأشياءِ التي هي غيرُها إلا مع الاستصحاب.

القشيري

تفسير : بيَّن أَنَّ الشارعَ اللهُ، والمانعَ عن الخلْق هو الله، وما كان من غير الله فضائعٌ باطِلٌ عند الله. بيَّن أنه إذا جاء الاضطرارُ زال حكمُ الاختيار.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل لا أجد فيما أُوحى الى} طعاما {محرما} من المطاعم التى حرموها {على طاعم} اى طاعم كان من ذكر او انثى ردا على قولهم ومحرم على ازواجنا وقوله تعالى {يطعمه} لزيادة التقرير {الا ان يكون} ذلك الطعام {ميتة} لم تذك وهى التى تموت حتف انفها {او دما مسفوحا} اى مصبوحا كالدماء التى فى العروق لا كالطحال والكبد فانهما جامدان وقد جاء الشرع بإباحتهما وفى الحديث "احلت لنا ميتتان ودمان" والمراد من الميتتين السمك والجراد ومن الدمين الكبد والطحال وما اختلط باللحم من الدم وقد تعذر تخلصه من اللحم عفو مباح لانه ليس بسائل ايضا {او لحم خنزير فانه} اى الخنزير {رجس} اى قذر لتعوده اكل النجاسة. قال الحدادى كل ما استقذرته فهو رجس ويجوز ان يعود الضمير الى اللحم وتخصيصه مع ان لحمه وشحمه وشعره وعظمه وسائر ما فيه كله حرام لكونه اهم ما فيه فان اكثر ما يقصد من الحيوان المأكول اللحم فالحل والحرمة يضاف اليه اصالة ولغيره تبعا. قال سعدى جلبى المفتى الاصل عود الضمير الى المضاف لانه المقصود والمضاف اليه لتعريفه وتخصيصه {او فسقا} عطف على لحم خنزير {اهل لغير الله به} صفة موضحة اى ذبح على اسم الاصنام وانما سمى ذلك فسقا لتوغله فى الفسق {فمن اضطر} اى اصابته الضرورة الداعية الى تناول شئ من ذلك {غير باغ} على مضطر مثله {ولا عاد} قدر الضرورة {فان ربك غفور رحيم} مبالغ فى المغفرة والرحمة لا يؤاخذه بذلك. والآية محكمة لانها تدل على انه عليه السلام لم يجد فيما اوحى اليه الى تلك الغاية غيره ولا ينافيه ورود التحريم بعد ذلك فى شئ آخر. قال فى التأويلات النجمية يشير بالميتة الى ميتة الدنيا فانها جيفة مستحيلة كما قال بعضهم شعر : وما هى الا جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها فان تجتنبها كنت سلما لاهلها وان تجتذبها نازعتك كلابها تفسير : وفى الحديث "حديث : اوحى الله الى داود مثل الدنيا كمثل جيفة اجتمعت عليها الكلاب يجرونها أفتحب ان تكون كلبا مثلهم فتجر معهم ".تفسير : قال الحافظ: شعر : هما بى جون توعالى قدر حرص استخوان حيفست دريغاسايه همت كه برنا اهل افكندى تفسير : والدم المسفوح هو الشهوات واللذات التى يهراق عليها دم الدين ولحم الخنزير هو كل رجس من عمل الشيطان كما قال تعالى {أية : انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} تفسير : [المائدة: 90]. وحقيقة الرجس الاضطراب عن طريق الحق والبعد منه كما جاء فى الخبر لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس ايوان كسرى اى اضطراب وتحرك حركة سمع لها صوت فالرجس ما يبعدك عن الحق او فسقا اهل لغير الله به اى خروجا عن طلب الحق فى طلب غير الحق: قال السعدى شعر : خلاف طريقت بود كاوليا تمنا كنند ازخدا جز خدا تفسير : فالشروع فى هذه الأشياء محرم لانها تحرمك من الله وقرباته الا ان يكون بقدر ما يدفع الحاجة الانسانية فان الضرورات تبيح المحظورات. قال بعضهم فى قوله عليه السلام "حديث : تمعددوا واخشوشنوا " .تفسير : اى اقتدوا بمعدّ بن عدنان والبسوا الخشن من الثياب وامشوا حفاة فهو حث على التواضع ونهى عن الافراط فى الترفه والتنعم كما قال عليه السلام "حديث : اياك والتنعم فان عباد الله ليسوا بالمتنعمين". شعر : بناز ونعمت دنيا منه دل كه دل برداشتن كاريست مشكل تفسير : فعلى العاقل ان يكون ازهد الناس فى الدنيا ويتجرد عن الاسباب كالانبياء وكمل الاولياء. وعن بعضهم قال رأيت فقيرا ورد على بئر ماء فى البادية فادلى ركوته فيها فانقطع حبله ووقعت الركوة فيها فاقام زمانا وقال وعزتك لا ابرح الا بركوتى او تأذن لى فى الانصراف عنها قال فرأيت ظبية عطشانة جاءت الى البئر ونظرت فيها وفاض الماء وطفح على البئر واذا بركوته على فم البئر فاذخا وبكى وقال الهى ما كان لى عند محل ظبية فهتف به هاتف يا مسكين جئت بالركوة والحبل وجاءت الظبية ذاهبة عن الاسباب لتوكلها علينا ففى هذه الحكاية ما يدل على كمال الانقطاع عن غير الله تعالى.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم: {لا أجد فيما أُوحي إليَّ} في القرآن أو مطلق الوحي، {محرمًا} أي: طعامًا محرمًا، {على طاعم يطعمه}، أو يطعم منه غيره، {إلاَّ أن يكون} الطعام {ميتة}، وفي قراءة بالتاء؛ لتأنيث الخبر، {أو} يكون {دمًا مسفوحًا} أي: مصبوبًا كدم المنحر، {أو لحم خنزير فإنه رجس} أي: خبيث، قيل: إنه يورث عدم الغيرة بالخاصية {أو} يكون {فسقًا}، من صفته: {أُهِلَّ لغير الله به} أي: ذبح لغير الله، وذكر عليه اسم الصنم، وإنما سمي فسقًا؛ لتوغله في الفسق. والآية تقتضي حصر المحرمات، فيما ذكر، وقد جاء في السنة تحريم أشياء لم تذكر هنا، كلحوم الحمر الإنسية والكلاب، وغيرها، فذهب قوم إلى أن السنة نسخت هذا الحصر، وذهب آخرون إلى أن الآية وردت على سبب، فلا تقتضي الحصر، وذهب آخرون إلى أن ما عدا ما ذكر: مكروه. وقال البيضاوي: والآية مُحكمة؛ لأنها تدل على أنه لم يجد فيما أُوحي إليه إلى تلك الغاية محرمًا غير هذه، ولا ينافي ورود التحريم في شيء آخر، فلا يصح الاستدلال بها على نسخ الكتاب بخبر الواحد، ولا على حل الأشياء غيرها، إلا مع الاستصحاب. هـ. ثم استثنى المضطر، فقال: {فمن اضطُرَّ} إلى تناول شيء من ذلك، {غير باغٍ} على مضطر مثله، {ولا عادٍ} أي: متجاوز قدر الضرورة، {فإن ربك غفور رحيم} لا يؤاخذه. الإشارة: الأحوال كلها تتقوت منها الروح، إلا ما كان غير مباح في الشرع، فلا سير فيه، والمراد بالأحوال: خرق عوائدها، بكل ما يثقل عليها، وأما ما كان محرمًا في الشرع فلا بركة في تناوله؛ لأنه رجس، وأجازه بعض الصوفية محتجًا بقضية لص الحمام، وفيه مقال، فمن اضطر إلى تناوله، لغلبة حال عليه، غير قاصد لمخالفة الشرع، فإن الله غفور رحيم، وعليه حمل بعضهم قصة لص الحمَّام. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما حرَّم على بني إسرائيل، فقال: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وحمزة "تكون" بالتاء {ميتة} بالنصب. وقرأ ابن عامر بالتاء والرفع. الباقون بالياء والنصب. من قرأ بالياء ونصب الميتة جعل في "تكون" ضميرا ونصب الميتة بأنه خبر كان وتقديره: الا ان يكون ذلك او الموجود ميتة. ومن قرأ بالتاء ورفع الميتة رفعها بـ {يكون} ويكون من كان التامة دون الناقصة التي تدخل على المبتدأ والخبر، وهذه القراءة ضعيفة، لان ما بعده {أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} بالعطف عليه، فلو كان مرفوعا لضعف ذلك. ومن قرأ بالتاء ونصب الميتة جعل في {يكون} ضمير العين او النفس، وتقديره الا أن تكون النفس ميتة، ونصب الميتة بأنه خبر كان. أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهؤلاء الكفار انه لا يجد في ما أوحي اليه شيئا محرما الا نحو ما ذكره في المائدة كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، لان جميع ذلك يقع عليه اسم الميتة، وفي حكمها، فبين هناك على التفصيل، وها هنا على الجملة وأجود من ذلك ان يقال: ان الله تعالى خص هذه الثلاثة أشياء تعظيما لتحريمها وبيَّن ما عداها في موضع آخر. وقيل: انه خص هذه الاشياء بنص القرآن وما عداه بوحي غير القرآن. وقيل: ان ما عداه حرم فيما بعد بالمدينة والسورة مكية. والميتة عبارة عما كان فيه حياة فقدت من غير تذكية شرعية. والدم المسفوح هو المصبوب، يقال: سفحت الدمع وغيره أسفحه سفحا اذا صببته، ومنه السفاح الزنا، لصب الماء صب ما يسفح والسفح والصب والاراقة بمعنى وانما خص المسفوح بالذكر، لان ما يختلط بالدم منه مما لا يمكن تخليصه منه معفو مباح، وهو قول ابي محلز، وعكرمة وقتادة. وقوله {أو لحم خنزير} فانه وان خص لحم الخنزير بالذكر، فان جميع ما يكون منه من الجلد والشعر والشحم وغير ذلك محرم. وقوله {فإنه رجس} يعني ما تقدم ذكره، فلذلك كنا عنه بكناية المذكر، والرجس العذاب أيضا. وقوله {أو فسقا} عطف على قوله {أو لحم خنزير} فلذلك نصبه، والمراد بالفسق {ما أهل لغير الله به} يعني {مما لم يذكر اسم الله عليه} او تذكر الاصنام والاوثان، وسمي ما ذكر عليه أسم الوثن: فسقا لخروجه عن أمر الله. وأصل الإِهلال رفع الصوت بالشيء، ومنه اهل الصبي اذا صاح عند ولادته. وقوله {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} قيل فيه قولان: أحدهما - غير طالب بأكله التلذذ. والثاني - غير قاصد لتحليل ما حرم الله. وروى أصحابنا في قوله {غير باغ} ان معناه ان لا يكون خارجا على إِمام عادل أي لا يعتدى بتجاوز ذلك الى ما حرمه الله. وروى أصحابنا ان المراد به قطاع الطريق، فانهم غير مرخصين بذلك على حال. والضرورة التي تبيح أكل الميتة هي خوف التلف على النفس من الجوع. وانما قال عند التحليل للمضطر {فإن ربَّك غفور رحيم} لان هذه الرخصة لانه {غفور رحيم} أي حكم بالرخصة كما حكم بالمغفرة. وفي ذلك بيان عن عظم موقع النعمة. وقد استدل قوم بهذه الآية على إِباحة ما عدا هذه الاشياء المذكورة. وهذا ليس بصحيح، لان ها هنا محرمات كثيرة غيرها كالسباع، وكل ذي ناب وكل ذي مخلب، وغير ذلك. وكذلك أشياء كثيرة اختص اصحابنا بتحريمها، كالجرى والمار ما هي، وغير ذلك، فلا يمكن التعلق بذلك. ويمكن ان يستدل بهذه الآية على تحريم الانتفاع بجلد الميتة فانه داخل تحت قوله {إن يكون ميتة} ويقويه قوله (عليه السلام) لا ينتفع من الميتة بأهاب ولا عصب. فأما دلالته على ان الشعر والصوف والريش منها والناب والعظم محرم، فلا يدل عليه، لان ما لم تحله الحياة لا يسمى ميتة على ما مضى القول فيه.

الجنابذي

تفسير : {قُل} لهم {لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} من هذه الازواج كما تزعمون انّ بعضها محرّم على بعض كما سبق {عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} وبهذا التّفسير يندفع عن هذه الاشكال بانّ المحرّمات كثيرة وما ذكر هنا اقلّ قليل منها، وامّا ما ذكر فى البقرة فقد سبق هناك ما يندفع به الاشكال عن الآيتين {إِلاَّ أَن يَكُونَ} اى الاّ فى حال ان يكون الطّعام {مَيْتَةً} خرج عنها مقتول الكلاب المعلّمة والمقتول بآلة الصّيد على ما فصّل فى الفقه لانّه فى حكم المذبوح {أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} مصبوباً لا البقيّة الّتى تبقى فى لحوم الّّذبائح وهو مجمل تفصيله موكول الى بيانهم وقد فصّل فى الفقه {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} بيّن وجه الحرمة فيه لانّ كونه رجساً مخفىّ على آكليه بخلاف سابقيه او الضّمير راجع الى المجموع باعتبار المذكور {أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} سمّى المذبوح للاصنام فسقاً مبالغة وقوله اهلّ لغير الله به بيان لعلة كونه فسقاً {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} الى اكل شيءٍ من ذلك {غَيْرَ بَاغٍ} على الامام {وَلاَ عَادٍ} حدّ الرخصة وقد مضى فى سورة البقرة تفصيل لهذه الآية {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لا يؤاخذه ويرحمه بترخصه فى الاكل حفظاً لنفسه.

اطفيش

تفسير : {قُلْ لا أجدُ فِيما أوحىَ إلىَّ محرَّماً} أى حيواناً محرما الآن {عَلى طاعمٍ} آكل {يطْعَمه} يأكله {إلا أن يكون} الحيوان {ميتةً} بأن زالت حياته بغير ذكاة شرعية، ودخلت فيه: الموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إن لم تدرك حياته، وإنما قدرت حيوانا محرما وقد قدر غيرى إلا أن يكون الطعام، لأن معظم الكلام فى الحيوان، والكلام المتصل به هو الحيوان ثمانية الأزواج، فلا يشكل ما حرم من غير ذلك كالطعام والشراب الذى نجس، وكمال الناس، وما يؤخذ فى المعصية من الزنى والكهانة، وخرج بقولى: الآن ما حرم بعد ذلك كذى مخلب، وذى ناب من السباع، والحمر الأهلية، قيل: والهدهد والنملة والصرد والضفدع والنحلة، فإنها حرمت بعد. وأما الخمر والربا فخرجا بذكر الحيوان فى التقدير، وأيضا إنما حرما فى المدينة فلم تشكل الآية، ولما ذكر أبو داود عن ابن عباس أنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد، أخذ منه بعض العلماء كالخازن تحريم أكلهن ومثلهن الضفدع، وقيل: المراد بالنهى عن قتلهن إنما هو قتلهن إفساداً أما الأوليان فلا فائدة فى قتلهما أصلا، وأما الهدهد والصرد والضفدع فيجوز ذبحهن للأكل والمنفعة، والأول أحوط، ويقال: لو كان التمسك لتحريم القتل حجة تحريم اللحم ولو مع ذبح لكان الأمر بالقتل حجة فى تحليل اللحم، فيلزم أن يحل لحم الفواسق: الحية والعقرب والفأر والحدأة والعنكبوت والوزع والكلب العقور والغراب، وفيهن خلاف، وفى ذات المخالب والأنياب والحمير الأهلية، وذوات السموم، وما يستقذر فقيل: مكروه، وقيل: حرام، وقيل: حلال. وعن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تعذراً، فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو وتلا: {قل لا أجد فيما أوحى إلىَّ} الآية، نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع، وكل ذى مخلب من الطير، ونهى يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية وألبانها وأذن فى الخيل، ونهى عن أكل الهر وأكل ثمنه، وقيل: النهى فى ذلك بالتحريم، وقيل: بالكراهية، وقيل: منع من الحمر الأهلية يومئذ، وليحمل على ظهرها، وحرمها لذلك، وحلت بعده، وقيل: حرمها لأنها لم تخمس وقال: "حديث : ألا لا يبلغن أحدكم عنى حديثا وهو شبعان متكئ على أريكته فيقول: الحلال ما حلل القرآن والحرام ما حرمه، وما لم يذكر فيه حل، إلا أنى أوتيت القرآن ومثله معه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا ان يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم ولم يقروه فله أن يأخذ منهم مثل قراه ". تفسير : فقيل: أراد أيضا بقوله: لا يحل الكراهة والظاهر التحريم، وما ثبت تحريمه بعد نزول الآية لا يشكل، كما علمت أن المعنى {لا أجد الآن فيما أوحى} الآية، وقد يقال أيضا: الحصر فى الآية إضافى منظور فيه إلى ما حرموه من البحيرة، وما يذكر معها، فالحصر إخراج لها لا لغيرها، ويقوى هذا التأويل قوله فى البقرة: {أية : إنما حرم عليكم} تفسير : الآية، ومثله فى المائدة، وهما مدنيتان، بل المائدة من آخر ما نزل، وقد ورد فى السنة تحريم أشياء على الظاهر، كذى مخلب وذى ناب من الوحش قبل نزول المائدة، بل نزلت الأعراف فى مكة وفيها: {أية : ويحرم عليهم الخبائث}تفسير : فقيل: الخبائث ما استقذره غالب العرب، وعد بعض منها الضفدع، وقيل: الخبائث الميتة وما ذكر معها، وأما النحل فمكية، وفيها: {أية : إنما حرم عليكم الميتة} تفسير : الآية وقال أيضا فى النحل بآية أخرى على ما فى الأنعام، والأظهر التأويل فى الكل بأن المراد بالحصر إخراج ما حرموه عن التحريم، والتقبيح عليهم بنحو قوله: {أية : تصف ألسنتهم الكذب} تفسير : ويبعد القول بنسخ عموم الآيات بخبر واحد فى نحو: ذى مخلب وذى ناب، وفى بعض الرواية كل ذى ناب من السباع، وذى مخلب من الطير حرام. وذكر بعض إنما ورد من التحريم، واضربت فيه ألفاظ الحديث، واختلفت فيه الأمة مع ذلك كذى ناب، فوجه الحكم أن التحريم قد يسوغ فى الكراهية، وما لم تضطرب فيه التحق بالخنزير، وقرأ حمزة وابن كثير: "إلا أن تكون ميتة" بتاء التأنيث، ولو عاد اسم الكون لمذكر، لأن الخبر مؤنث، فجاز التأنيث، وقرأ ابن عامر: "إلا أن يكون ميتة" بالتحتية ورفع ميتة على الفاعلية، ولا خبر له، ثم إن الاستثناء منقطع فى جميع تلك القرآت فلا تغفل، لأن المستثنى الكون، وليس الكون حيوانا ولا طعاما، وتباح المبولة ولو لم تغسل، ودم القلب وحياء الناقة نحوها، والذكر ولو طرفه خارجا، وكل ما يكره من الذبيحة بهذه الآية، وكان محمد بن الحنفية إذا سئل عن ذلك قرأ الآية، وكان صلى الله عليه وسلم يكره حياء الناقة ونحوها، ومسائل المبولة ودم القمل مشهورة فى الفقه. {أو دَماً مسْفوحاً} مصبوبا من محله، وكانت العرب تشويه وتأكله، فحرمه الله عز وجل، وهو من الطعام فشمله الطعام فى قوله: {إلا أن يكون} أى الطعام، وعلى أن يكون المعنى إلا أن يكون الحيوان فلا إشكال على أن المراد بحيوان ما فيه حياة، سواء كان حيوانا مستقلا أو حيوانا غير مستقل كالدم، فإنه فى محاله حى، أو يقدر إلا أن يكون الحيوان أو نحوه ميتة، فدخل بقولى: ونحوه الدم، وخرج بالمسفوح الكبد والطحال، فإنهما دم حلال الأكل كالجراد والسمك ميتتان يحل أكلهما، وحل دم العروق كما قال أبو مخلة وعكرمة وإبراهيم النخعى وغيرهم، ولو كان نجسا حراما لوجب تتبعه من العروق فى اللحم الكون فى جميع القرآت كما مرّ، ومتصلا بالنسبة إلى الدم فى قراءة رفع ميتة على الحكم بأنه حيوان، ومنقطعا بالنسبة إلى الدم فى قراءة رفع ميتة على الحكم بأنه حيوان، ومنقطعا بالنسبة إلى الدم على الحكم بأنه غير حيوان وهو الظاهر، ومتصلا بالنسبة إلى لحم وفسقا، فى قراءة رفع ميتة، وأما فى قراءة نصبه فهو فى الكل منقطع. {اوْ لمَ خِنْزيرٍ فإنَّه} أى لأن الخنزير كله لحمه وشحمه وشعره وجلده وجميع أجزائه {رجْسٌ} نجس حرام الأكل والثمن، وخص اللحم أولا بالذكر لأنه معظم ما يقصد، فحرم لحمه أولا، وحرمه كله ثانيا، ويجوز أن يكون الهاء للحم لأنه المقصود، فإذا حرم اللحم تبعه غيره فى الحرمة، فالحل والحرمة يضافان للحم أصالة ولغيره تبعاً، لا كما زعم بعض أن الهاء للحم، وأن غير اللحم من شحم وجلد وشعر وعظم وعصب حلال، واحتج بأن الضمير لأقرب مذكور، ويعترض بأن هذا فى غير المضاف إليه، لأن الأصل فى الضمير أن يعود إلى المضاف لا إلى المضاف إلى، ومن حجج عوده إلى المضاف إليه هنا هو قيام الدليل على حرمته كله كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت بقتل الخنزير" تفسير : فلو كانت الذكاة تؤثر فى شئ منه لم يهدره كله، وفى السؤالات: وإن أكل الدم وهو جامد أو الميتة وهى ممدودة أو ميتة الخنزير فقد هلك، لأنهم قالوا: لا ينفعه ذلك كل هذا الوصف والخنزير يقطع منه ويشوى ولا يذبح، وقيل: يذبح، قال أبو محمد النصيرى رحمه الله: قال بعضهم: يجوز أن يأكل ميتة الخنزير بالمخمصة. {أو فسْقاً} عطف على ميتة أو لحم أى دابة من الأنعام فسق بها أى خرج بها ذابحها عن دين الله لذبحه لها للصنم وسماه فسقاً مبالغة كأنها نفس الخروج عن دين الله، أو يقدر مضاف، أى ذات فسق، أى آلة فسق بها ذابحها لغير الله بذبحها لغيره، أو بمعنى مفعول أى مفسوقا بها إذا ذبحت لغير الله تعالى وقوله. {أهِلَّ لغَير اللهِ بهِ} نعت فسقاً، والهاء عائدة إليه رابطة، ويجوز أن يكون فسقا باقيا على المعنى المصدرى، فيكون مفعولا لأجله وناصبه أهِلَّ فيكون جملة أهِلَّ لغير الله معطوفة على يكون، فتكون الهاء عائدة إلى ما عاد إليه ضمير يكون، أى إلا أن يكون ميتة أو أهلَّ به لغير الله لأجل الفسق، ومعنى أهلّ به لغير الله رفع الصوت به لغير الله عند ذبحه، وكانوا يقولون: باسم اللات أو العزى أو نحوها، ومر كلام على ذلك فى المائدة. {فمن اضْطرَّ} إلى الأكل من الميتة وما بعدها لشدة جوعه مع فقد حلال يأكله، أو لشوقه إليه بأن يكون حاملا تشتهى شيئا إن لم تأكله أسقطت وهذا زدته من خارج، ولفظ الآية صالح له بالعموم، لكن الآية الأخرى المماثلة لها قد ذكرت المخمصة فيها، فيكون نتيجتها بذلك داخلا فى هذا العموم أو مقيساً على المخمصة وهى أحق بالنتيجة من مقهور بالسيف على الأكل، فالمذهب عندنا أنه لا يأكل، لأن شدة اشتهائها نوع من جوع البطن فهى أقرب إلى المخمصة، قال عبد الله ابن عون: دخلت على الحسن فإذا عنده كتاب فقال: هذا كتاب سمرة لولده، فإذا فيه يجزى من الضرورة أو من الضارورة صبوح وغبوق. {غَيْر باغٍ} فى اضطراره، فخرج لمن بغى على مضطر مثله فنزع منه ذلك، أو منعه عنه ولمن سافر فى معصية {ولا عادٍ} اسم فاعل عدا يعدو بمعنى جاوز الحد، أو مجاوز للحد فى أكله بأن أكله أكثر مما يمسك رمقه، وتقدم كلام فى ذلك، أو المعنى مجاوز الحلال الموجود عنده إلى ذلك {فإنَّ ربَّك غَفورٌ} لأكله {رَحيمٌ} به إذ أباح له ذلك، أعنى أنه لم يبقه على التحريم كما يتوهم لو لم يجز الله تعالى ذلك، ولا أعنى أنه يجوز له أيضا ترك الأكل، فإن الأكل واجب منه ذلك. قال بعض السلف: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ومات دخل النار.

الالوسي

تفسير : {قُلْ} أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إلزام المشركين وتبكيتهم وبيان أن ما يتقولونه في أمر التحريم افتراء بحت بأن يبين لهم ما حرم عليهم. وقوله سبحانه: {لا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } الخ كناية عن عدم الوجود، وفيه إيذان بأن طريق التحريم ليس إلا التنصيص من الله تعالى دون التشهي والهوى، وتنبيه ـ كما قيل ـ على أن الأصل في الأشياء الحل، و {مُحَرَّمًا} صفة لمحذوف دل عليه ما بعد وقد قام مقامه بعد حذفه فهو مفعول أول لأجد ومفعوله الثاني {فِيمَا أُوحِىَ } قدم للاهتمام لا لأن المفعول الأول نكرة لأنه نكرة عامة بالنفي فلا يجب تقديم المسند الظرف، وليس المفعول الأول محذوفاً أي لا أجد ريثما تصفحت ما أوحي إلي قرآناً وغيره على ما يشعر به العدول عن أنزل إلىَّ {أُوحِىَ } أو ما أوحي إليّ من القرآن طعاماً محرماً من المطاعم التي حرمتموها {عَلَىٰ طَاعِمٍ } أي طاعم كان من ذكر أو أنثى رداً على قولهم: { أية : وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا } تفسير : [الأنعام: 139] وقوله تعالى: {يَطْعَمُهُ } في موضع الصفة لطاعم جيء به كما في قوله سبحانه: { أية : طَائِرٍ يَطِيرُ } تفسير : [الأنعام: 38] قطعاً للمجاز. وقرىء {يَطْعَمُهُ} بالتشديد وكسر العين، والأصل يطتعمه فأبدلت التاء طاء وأدغمت فيها الأولى، والمراد بالطعم تناول الغذاء، وقد يستعمل طعم في الشراب أيضاً كما تقدم الكلام عليه، والمتبادر هنا الأول، وقد يراد به مطلق النفع، ومنه ما في حديث بدر « حديث : ما قتلنا أحداً به طعم ما قتلنا إلا عجازاً صلعاً » تفسير : أي قتلنا من لا منفعة له ولا اعتداد به، وإرادة هذا المعنى هنا بعيد جداً ولم أر من قال به، نعم قيل: المراد سائر أنواع التناولات / من الأكل والشرب وغير ذلك، ولعل إرادة غير الأكل فيه بطريق القياس، وكذا حمل الطاعم على الواجد من قولهم: رجل طاعم أي حسن الحال مرزوق وإبقاء {يَطْعَمُهُ} على ظاهره أي على واجد يأكله فلا يكون الوصف حينئذٍ لزيادة التقرير على ما أشرنا إليه. {إِلا أَن يَكُونَ} ذلك الطعام أو الشيء المحرم {مَيْتَةً} المراد بها ما لم يذبح ذبحاً شرعياً فيتناول المنخنقة ونحوها. وقرأ ابن كثير وحمزة {تكون} بالتاء لتأنيث الخبر، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر {يَكُونَ مَيْتَةً} بالياء ورفع {مَيْتَةً} وأبو جعفر يشدد أيضاً على أن كان هي التامة {أَوْ دَمًا} عطف على {مَيْتَةً} أو على أن مع ما في حيزه. وقوله سبحانه: {مَّسْفُوحًا} أي مصبوباً سائلاً كالدم في العروق صفة له خرج به الدم الجامد كالكبد والطحال. وفي الحديث « حديث : أحلت لنا ميتتان السمك والجراد ودمان الكبد والطحال » تفسير : وقد رخص في دم العروق بعد الذبح، وإلى ذلك ذهب كثير من الفقهاء. وعن عكرمة أنه قال: لولا هذا القيد لاتبع المسلمون من العروق ما اتبع اليهود. {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ } أي اللحم ـ كما قيل ـ لأنه المحدث عنه أو الخنزير لأنه الأقرب ذكراً. وذكر اللحم لأنه أعظم ما ينتفع به منه فإذا حرم فغيره بطريق الأولى، وقيل ـ وهو خلاف الظاهر ـ: الضمير لكل من الميتة والدم ولحم الخنزير على معنى فإن المذكور {رِجْسٌ} أي قذر أو خبيث مخبث {أَوْ فِسْقًا} عطف على {لَحْمَ خِنزِيرٍ} على ما اختاره كثير من المعربين وما بينهما اعتراض مقرر للحرمة {أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} صفة له موضحة. وأصل الإهلال رفع الصوت. والمراد الذبح على اسم الأصنام. وإنما سمي ذلك فسقاً لتوغله في الفسق. وجوز أن يكون (فسقاً) مفعولاً له لأهل وهو عطف على {يَكُونَ} و {بِهِ} قائم مقام الفاعل. والضمير راجع إلى ما رجع إليه المستكن في {يَكُونَ}. قال أبو حيان: «وهذا إعراب متكلف جداً (والنظم عليه) خارج عن الفصاحة وغير جائز على قراءة من قرأ {إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً} بالرفع (لأن) ضمير {بِهِ } ليس له ما يعود عليه، ولا يجوز أن يتكلف (له موصوف) محذوف يعود عليه الضمير (أي) شيء أهل لغير الله به لأن مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر» اهـ. وعنى بذلك ـ كما قال الحلبـي ـ أنه لا يحذف الموصوف والصفة جملة إلا إذا كان في الكلام ـ من ـ التبعيضية نحو منا أقام ومنا ظعن أي فريق أقام وفريق ظعن فإن لم يكن فيه ـ من ـ كان ضرورة كقوله: شعر : ترمى بكفي كان من أرمى البشر تفسير : أراد بكفي رجل كان الخ. وهذا ـ كما حقق في موضعه ـ رأي بعض، وأما غيره فيقول: متى دل دليل على الموصوف حذف مطلقاً فيجوز أن يرى المجوز هذا الرأي ومنعه من حيث رفع الميتة ـ كما قال السفاقسي ـ فيه نظر لأن الضمير يعود على ما يعود عليه بتقدير النصب والرفع لا يمنع من ذلك، نعم الإعراب الأول أولى كما لا يخفى. {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} أي أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء من ذلك {غَيْرَ بَاغٍ} أي طالب ما ليس له طلبه بأن يأخذ ذلك من مضطر آخر مثله. وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين. وقال الحسن: أي غير متناول للذة؛ وقال مجاهد: غير باغ على إمام {وَلاَ عَادٍ} أي متجاوز قدر / الضرورة {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} مبالغ في المغفرة والرحمة لا يؤاخذه بذلك. وهذا جزاء الشرط لكن باعتبار لازم معناه وهو عدم المؤاخذة. وبعضهم قال بتقدير جزاء يكون هذا تعليلاً له ولا حاجة إليه. ونصب {غَيْر} على أنه حال. وكذا ما عطف عليه. وليس التقييد بالحال الأولى لبيان أنه لو لم يوجد القيد بالمعنى السابق لتحققت الحرمة المبحوث عنها بل للتحذير من حرام آخر وهو أخذه حق مضطر آخر فإن من أخذ لحم ميتة مثلاً من مضطر آخر فأكله فإن حرمته ليست باعتبار كونه لحم الميتة بل باعتبار كونه حقاً للمضطر الآخر. وأما الحال الثانية: فلتحقيق زوال الحرمة المبحوث عنها قطعاً فإن التجاوز عن القدر الذي يسد به الرمق حرام من حيث إنه لحم الميتة. وفي التعرض لوصفي المغفرة والرحمة إيذان بأن المعصية باقية لكن الله تعالى يغفر له ويرحمه وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر ولا تغفل. واستشكلت هذه الآية بأنها حصرت المحرمات من المطعومات في أربعة: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير والفسق الذي أهل لغير الله تعالى به، ولا شك أنها أكثر من ذلك. وأجيب بأن المعنى لا أجد محرماً مما كان أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسوائب كما أشرنا إليه. وحينئذ يكون استثناء الأربعة منه منقطعاً أي لا أجد ما حرموه لكن أجد الأربعة محرمة. وهذا لا دلالة فيه على الحصر. والاستثناء المنقطع ليس كالمتصل في الحصر كما نبهوا عليه وهو مما ينبغي التنبه له. فإن قلت: المستثنى ليس ميتة بل كونه ميتة وذلك ليس من جنس الطعام فيكون الاستثناء منقطعاً لا محالة فلا حاجة إلى ذلك التقييد. قال القطب: «نعم كذلك إلا أن المقصود إخراج الميتة من الطعام المحرم يعني لا أجد محرماً إلا الميتة فلولا التقييد كان في الحقيقة استثناء متصلاً وورد الإشكال. وضعف ذلك الجواب بأوجه. منها أنه تعالى قال في سورة البقرة [173] وسورة النحل [115] { أية : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } تفسير : وإنما تفيد الحصر، وقال سبحانه في سورة المائدة: [1] { أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله عز وجل: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } قوله تعالى: { أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } تفسير : [المائدة: 3] وأما المنخنقة والموقوذة وغيرهما فهي أقسام الميتة. وإنما أعيدت بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل فالآيتان تدلان على أن لا محرم إلا الأربعة وحينئذ يجب القول بدلالة الآية التي نحن بصددها على الحصر لتطابق ذلك وأن لا تقييد مع أن الأصل عدم التقييد. وأجيب عن الإشكال بأن الآية إنما تدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يجد فيما أوحي إليه إلى تلك الغاية محرماً غير ما نص عليه فيها، وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيء آخر قيل: وحينئذ يكون الاستثناء من أعم الأوقات أو أعم الأحوال مفرغاً بمعنى لا أجد شيئاً من المطاعم محرماً في وقت من الأوقات أو حال من الأحوال إلا في وقت أو حال كون الطعام أحد الأربعة فإني أجد حينئذ محرماً فالمصدر المتحصل من أن يكون للزمان أو الهيئة. واعترض الإمام هذا الجواب بأن ما يدل على الحصر من الآيات نزل بعد استقرار الشريعة فيدل على أن الحكم الثابت في الشريعة المحمدية من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر / المحرمات في هذه الأشياء وبأنه لما ثبت بمقتضى ذلك حصر المحرمات في الأربعة كان هذا اعترافاً بحل ما سواها والقول بتحريم شيء خامس يكون نسخاً. ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ لأنه لو كان احتمال طريان النسخ معادلاً لاحتمال بقاء الحكم على ما كان فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام لاحتمال أن يقال: إنه وإن كان ثابتاً إلا أنه زال». وما قيل في الاستثناء يرد عليه أن المصدر المؤول من أن والفعل لا ينصب على الظرفية ولا يقع حالاً لأنه معرفة وبعضهم قال لاتصال الاستثناء: إن التقدير إلا الموصوف بأن يكون أحد الأربعة على أنه بدل من {مُحَرَّمًا} وفيه تكلف ظاهر، وقيل: التقدير على قراءة الرفع إلا وجود ميتة والإضافة فيه من إضافة الصفة إلى الموصوف أي ميتة موجودة. وأجيب أيضاً عن الإشكال بأن الآية وإن دلت على الحصر إلا أنا نخصصها بالأخبار. وتعقبه الإمام أيضاً «بأن هذا ليس من باب التخصيص بل هو صريح النسخ لأنها لما كان معناها أن لا محرم سوى الأربعة فإثبات محرم آخر قول بأن الأمر ليس كذلك وهو رفع للحصر ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز». وأجاب عن ذلك القطب الرازي بأنه لا معنى للحصر هٰهنا إلا أن الأربعة محرمة وما عداها ليس بمحرم وهذا عام فإثبات محرم آخر تخصيص لهذا العام وتخصيص العام بخبر الواحد جائز. وقد احتج بظاهر الآية كثير من السلف فأباحوا ما عدا المذكور فيها فمن ذلك الحمر الأهلية. أخرج البخاري عن عمرو بن دينار قلت لجابر بن عبد الله: أنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أبـى ذلك البحر ـ يعني ابن عباس ـ وقرأ {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ } الآية. وأخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن أكل القنفذ فقرأ الآية، وأخرج ابن أبـي حاتم وغيره بسند صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير قالت {قُل لا أَجِدُ } الخ. وأخرج عن ابن عباس قال: ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرم الله تعالى في كتابه {قُل لا أَجِدُ } الآية، وقوى الإمام الرازي القول بالظاهر فإنه قال بعد كلام «فثبت بالتقرير الذي ذكرناه قوة هذا الكلام وصحة هذا المذهب وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس؛ ثم قال: ومن السؤالات الضعيفة أن كثيراً من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ما استخبثته العرب فهو حرام » تفسير : وقد علم أن الذي تستخبثه غير مضبوط فسيد العرب بل سيد العالمين عليه الصلاة والسلام لما رآهم يأكلون الضب قال: « حديث : يعافه طبعي » تفسير : ولم يكن ذلك سبباً لتحريمه. وأما سائر العرب ففيهم من لا يستقذر شيئاً وقد يختلفون في بعض الأشياء فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون فعلم أن أمر الاستقذار غير مضبوط بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم» انتهى. ولا يخفى ما فيه. واستدل النبـي صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه {عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } على أنه إنما حرم من الميتة أكلها وأن جلدها يطهر بالدبغ، أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال: حديث : ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أخذتم مسكها فقالت نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنما قال الله تعالى {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً} وإنكم لا تطعمونه أن تدبغوه تنتفعوا به" تفسير : . واستدل الشافعية بقوله سبحانه: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ } على نجاسة الخنزير بناء على عود الضمير على خنزير لأنه أقرب مذكور.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني نشأ عن إبطال تحريم ما حرّمه المشركون، إذ يتوجّه سؤال سائل من المسلمين عن المحرّمات الثابتة، إذْ أبطلت المحرّمات الباطلة، فلذلك خوطب الرّسول صلى الله عليه وسلم ببيان المحرّمات في شريعة الإسلام بعد أن خوطب ببيان ما ليس بمحرّم ممّا حرّمه المشركون في قوله: { أية : قل ءآلذّكرين حرم أم الأنثيين } تفسير : [الأنعام: 144] الآيات. وافتُتح الكلام المأمورُ بأن يقوله بقوله: {لا أجد} إدماجاً للردّ على المشركين في خلال بيان ما حُرّم على المسلمين، وهذا الردّ جار على طريقة كناية الإيماء بأن لم يُنْفَ تحريم ما ادّعوا تحريمه صريحاً، ولكنّه يقول لا أجده فيما أوحي إليّ ويستفاد من ذلك أنَّه ليس تحريمه من الله في شرعه، لأنَّه لا طريق إلى تحريم شيء ممّا يتناوله النّاس إلاّ بإعلام من الله تعالى، لأنّ الله هو الّذي يُحلّ ما شاء ويحرّم ما شاء على وفق علمه وحكمته، وذلك الإعلام لا يكون إلاّ بطريق الوحي أو ما يُستنبط منه، فإذا كان حكم غير موجود في الوحي ولا في فروعه فهو حكم غير حقّ، فاستفيد بطلان تحريم ما زعموه بطريقة الإيماء، وهي طريقة استدلالية لأنّ فيها نفي الشّيء بنفي ملزومه. و{أجد} بمعنى: أظفر، وهو الّذي مصدره الوَجد والوجدانُ، وهو هنا مجاز في حصول الشّيء وبلوغه، يقال: وجَدْت فلاناً ناصراً، أي حصلت عليه، فشبّه التّحصيل للشّيء بالظفَر وإلْفاءِ المطلوب، وهو متعدّ إلى مفعول واحد. والمراد، بــــ {ما أوحي} ما أعلمه الله رسوله صلى الله عليه وسلم بوحي غير القرآن لأنّ القرآن النّازل قبل هذه الآية ليس فيه تحريم الميتة والدّم ولحم الخنزير وإنَّما نزل القرآن بتحريم ما ذكر في هذه الآية ثمّ في سورة المائدة. والطاعم: الآكِلُ، يقال: طَعِم كَعَلِم، إذا أكل الطَّعام، ولا يقال ذلك للشَّارب، وأمَّا طَعِم بمعنى ذاق فيستعمل في ذوق المطعومات والمشروبات، وأكثر استعماله في النّفي، وتقدّم بيانه عند قوله تعالى: { أية : ومن لم يطعَمْه فإنَّه منّي } تفسير : في سورة البقرة (249)، وبذلك تكون الآية قاصرة على بيان محرّم المأكولات. وقوله: {يطعمه} صفة لطاعم وهي صفة مؤكّدة مثل قوله: { أية : ولا طائر يطير بجناحيه } تفسير : [الأنعام: 38]. والاستثناء من عموم الأكوان الّتي دلّ عليها وقوع النّكرة في سياق النّفي. أي لا أجد كائناً محرّماً إلاّ كونه ميتة إلخ أي: إلاّ الكائن ميتة إلخ، فالاستثناء متّصل. والحصر المستفاد من النّفي والاستثناء حقيقي بحسب وقت نزول هذه الآية. فلم يكن يومئذ من محرّمات الأكل غير هذه المذكورات لأنّ الآية مكّيّة ثمّ نزلت سورة المائدة بالمدينة فزيد في المحرمات كما يأتي قريباً. والمسفوح: المصبوب السائل، وهو ما يخرج من المذبح والمَنْحَر. أو من الفصد في بعض عروق الأعضاء فيسيل. وقد كان العرب يأكلون الدّم الّذي يسيل من أوداج الذّبيحة أو من منحَر المنحورة ويجمعونه في مَصير أو جِلد ويجفّفونه ثمّ يشْوونه، وربّما فصدوا من قوائم الإبل مَفصدا فأخذوا ما يحتاجون من الدّم بدون أن يهلك البعير، وربَّما خلطوا الدّم بالوَبَر ويسمّونه (العِلْهِز)، وذلك في المجاعات. وتقييد الدّم بالمسفوح للتّنبيه على العفو عن الدمّ الّذي ينزّ من عروق اللّحم عند طبخه فإنَّه لا يمكن الاحتراز عنه. وقوله: {فإنه رجس} جملة معترضة بين المعطوفات، والضّمير قيل: عائد إلى لحم الخنزير، والأظهر أن يعود إلى جميع ما قبله، وأنّ افراد الضّمير على تأويله بالمذكور، أي فإنّ المذكور رجس، كما يفرد اسم الإشارة مثل قوله: { أية : ومن يفعل ذلك يلق أثاماً } تفسير : [ الفرقان: 68]. والرّجس: الخبيث والقَذر. وقد مضى بيانه عند قوله تعالى: { أية : كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } تفسير : في هذه السورة (125). فإن كان الضّمير عائداً إلى لحم الخنزير خاصّة فوصفه برجس تنبيه على ذمّه. وهو ذمّ زائد على التّحريم، فوَصفه به تحذير من تناوله. وتأنيس للمسلمين بتحريمه، لأنّ معظم العرب كانوا يأكلون لحم الخنزير بخلاف الميتة والدّم فما يأكلونها إلاّ في الخصاصة. وخباثة الخنزير علمها الله تعالى الّذي خلَقه. وتبيّن أخيراً أنّ لحمه يشتمل على ذرّات حيوانية مضرّة لآكِله أثبتها علم الحيوان وعلم الطبّ. وقيل: أريد أنَّه نجس لأنَّه يأكل النّجاسات وهذا لا يستقيم لأنّ بعض الدّواب تأكل النّجاسة وتُسمّى الجلاّلة وليست محرّمة الأكللِ في صحيح أقوال العلماء. وإن كان الضّمير عائداً إلى الثلاثة بتأويل المذكور كان قوله: {فإنه رجس} تنبيهاً على علّة التّحريم وأنَّها لدفع مفسدة تحصل من أكل هذه الأشياء. وهي مفسدة بدنيّة. فأمَّا الميتة فلما يتحوّل إليه جسم الحيوان بعد الموت من التعفّن، ولأنّ المرض الّذي كان سبب موته قد يَنتقل إلى آكله. وأمَّا الدّم فلأنّ فيه أجزاء مضرّة. ولأنّ شُربه يورث ضراوة. والفسق: الخروج عن شَيْء. وهو حقيقة شرعية في الخروج عن الإيمان، أو عن الطّاعة الشّرعية، فلذلك يوصف به الفعل الحرام باعتبار كونه سبباً لفسق صاحبه عن الطّاعة. وقد سمّى القرآن ما أهلّ به لغير الله فسقاً في الآية السالفة وفي هذه الآية، فصار وصفاً مشهوراً لِمّا أهلّ به لغير الله، ولذلك أتبعه بقوله: {أهل لغير الله به}. فتكون جملة: {أهل لغير الله به} صفة أو بياناً لــــ {فسقاً}، وفي هذا تنبيه على أنّ تحريم ما أهلّ لغير الله به ليس لأنّ لحمه مضرّ بل لأنّ ذلك كفر بالله. وقد دلّت الآية على انحصار المحرّمات من الحيوان في هذه الأربعة، وذلك الانحصار بحسب ما كان مُحرّماً يوم نزول هذه الآية، فإنَّه لم يحرّم بمكّة غيرها من لحم الحيوان الّذي يأكلونه، وهذه السّورة مكّيّة كلّها على الصّحيح، ثمّ حرّم بالمدينة أشياء أخرى، وهي: المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وأكيلة السّبع بآية سورة العقود (3). وحُرّم لحم الحُمر الإنسيّة بأمر النّبيء صلى الله عليه وسلم على اختلاف بين العلماء في أنّ تحريمه لذاته كالخنزير، أو لكونها يومئذ حَمولة جيش خيبر، وفي أنّ تحريمه عند القائلين بأنّه لذاته مستمرّ أو منسوخ، والمسألة ليست من غرض التّفسير فلا حاجه بنا إلى ما تكلّفوه من تأويل حصر هذه الآية المحرّمات في الأربعة. وكذلك مسألة تحريم لحم كلّ ذي ناب من السّباع ولحم سباع الطّير وقد بسطها القرطبي وتقدّم معنى: { أية : أهِلّ لغير الله به } تفسير : في تفسير سورة المائدة (3). وقرأ الجمهور: {إلاّ أن يكون} ــــ بياء تحتيّة ونصب {ميتة} وما عطف عليها ــــ وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وحمزة ــــ بتاء فوقيّة ونصب {ميتة} وما عطف عليه ــــ عند من عَدا ابن عامر. وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ــــ بتاء فوقيّة ورفع {ميتةٌ} ــــ ويشكل على هذه القراءة أنّ المعطوف على ميتة منصوبات وهي: {أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به}. ولم يعرّج عليها صاحب «الكشاف»، وقد خُرّجت هذه القراءة على أن يكون: {أو دماً مسفوحاً} عطفاً على {أنْ} وصلتها لأنَّه محلّ نصب بالاستثناء فالتّقدير: إلاّ وجود ميتة، فلمّا عبّر عن الوجود بفعل {يكون} التّامّ ارتفع ما كان مضافاً إليه. وقوله: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} تقدّم القول في نظيره في سورة البقرة (173) في قوله: { أية : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه }. تفسير : وإنَّما جاء المسند إليه في جملة الجزاء وهو {ربك} معرّفاً بالإضافة دون العلميّة كما في آية سورة البقرة (192): { أية : فإنّ الله غفور رحيم } تفسير : لما يؤذن به لفظ الربّ من الرأفة واللّطف بالمربوب والولاية، تنبيها على أنّ الله جعل هذه الرّخصة للمسلمين الّذين عبدوه ولم يشركوا به، وأنَّه أعرض عن المشركين الّذين أشركوا معه غيره لأنّ الإضافة تشعر بالاختصاص، لأنَّها على تقدير لام الاختصاص، فلمّا عبر عن الغفور تعالى بأنَّه ربّ النّبيء عليه الصّلاة والسّلاة علم أنَّه ربّ الَّذين اتَّبعوه، وأنَّه ليس ربّ المشركين باعتبار ما في معنى الربّ من الولاية، فهو في معنى قوله تعالى: { أية : ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم تفسير : [ محمد: 11] أي لا مولى يعاملهم بآثار الولاية وشعارها، ذلك لأنّ هذه الآية وقعت في سياق حجاج المشركين بخلاف آية البقرة (172) فإنَّها مفتتحة بقوله: { أية : يا أيّها الذين آمنوا كلوا من طيّبات ما رزقناكم }. تفسير : والإخبار بأنَّه غفور رحيم، مع كون ذلك معلوماً من مواضع كثيرة، هو هنا كناية عن الإذن في تناول تلك المحرّمات عند الاضطرار ورفع حرج التّحريم عنها حينئذ فهو في معنى قوله في سورة البقرة (182): { أية : فلا إثم عليه إنّ الله غفور رحيم }.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 145- قل - أيها النبى -: لا أجد الآن فى مصدر التحليل والتحريم الذى أوحى به إلىَّ طعاماً محرماً على آكل يأكله، إلا أن يكون هذا الشئ ميتة لم تذَكَّ ذكاة شرعية، أو دماً سائلا، أو لحم خنزير، فإن ذلك المذكور ضارٌّ خبيث لا يجوز أكله أو أن يكون هذا الشئ المحرم فيه خروج من العقيدة الصحيحة، بأن ذكر عند ذبحه اسم غير الله، كصنم معبود آخر. على أن من دعته الضرورة إلى أكل شئ من هذه المحرمات غير طالب اللذة بالأكل، وغير متجاوز قدر الضرورة، فلا حرج عليه لأن ربك غفور رحيم. 146- فهذا ما حرمناه عليكم. ولقد حرمنا على اليهود أكل اللحم والشحم وغيرهما من كل ما له ظفر من الحيوانات كالإبل والسباع، وحرمنا عليهم من البقر والغنم شحومهما فقط، إلا الشحوم التى حملتها ظهورهما، أو التى توجد على الأمعاء، أو التى اختلطت بعظم. وهذا التحريم عقاب لهم على ظلمهم، وفَطْمٌ لنفوسهم من اندفاعها فى الشهوات، وإنا لصادقون فى جميع أخبارنا التى منها هذا الخبر. 147- فإن كذبك المكذبون فيما أوحيت به إليك، فقل لهم محذِّراً: إن ربكم الذى يجب أن تؤمنوا به - وحده وتلتزموا أحكامه - ذو رحمة واسعة لمن أطاعه، ولمن عصاه أيضاً، حيث لم يعجل بعقوبتهم، ولكن لا ينبغى أن يغتروا بسعة رحمته، فإن عذابه لا بد واقع بالمجرمين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: محرماً على طاعم يطعمه: محظوراً ممنوعاً على آكل يأكله. ميتة أو دماً مسفوحاً: الميتة: ما مات دون تزكية، والدم المسفوح: المصبوب صباً لا المختلط باللحم والعظام. رجس: نجس وقذر قبيح محرم. أو فسقا أهل لغير الله به: الفسق الخروج عن طاعة الله والمراد ما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه وإنما ذكر عليه اسم الأصنام أو غيرها، والإِهلال رفع الصوت باسم المذبوح له. فمن اضطر غير باغٍ ولا عاد: اضطر: ألجأته الضرورة وهي خوف الهلاك، والباغ الظالم، والعادي: المعتدي المجاوز للحد. هادوا: اليهود. ذي ظفر: صاحب ظفر. وهو الحيوان الذي لا يفرق أصابعه كالإِبل والنعام. ما حملت ظهورها أو الحوايا: أي الشحم العالق بالظهر. والحوايا: المباعر والمصارين والأمعاء. أو ما اختلط بعظم: أي عفى لهم عن الشحم المختلط بالعظم كما عفي عن الحوايا والعالق بالظهر. ببغيهم: أي بسبب ظلمهم. ولا يرد بأسه: بطشه وعذابه. معنى الآيات: ما زال السياق في الحجاج مع أولئك المحرمين ما لم يحرم الله ففي أولى هذه الآيات يأمر الله تعالى رسوله أن يقول للذين يحرمون افتراءً على الله ما لم يحرم {لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ} - وأنا رسول الله - {مُحَرَّماً} أي شيئاً محرماً {عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} أي آكلٍ يأكله اللهم {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً} وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه أي لم يذك الذكاة الشرعية، {أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} أي مصبوباً صباً لا الدم المختلط بالعظم واللحم كالكبد والطحال، {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ} أي لحم الخنزير {رِجْسٌ} أي نجس قذر حرام، {أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} أي ما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه أو ذكر اسم الأصنام عليه فهو فسق أي خروج عن طاعة الرب الذي أمر من أراد ذبح بهيمة أن يذكر عليها اسمه ليحل له أكلها. هذا معنى قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ}. وقوله تعالى {فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} أي غير ظالم بأكل الميتة وما ذكر معها وذلك بأن يأكلها تلذذاً بها لا دفعاً لغائلة الموت وهو كاره لأكلها {وَلاَ عَادٍ} أي غير متجاوز القدر الذي أبيح له وهو ما يدفع به غائلة الموت عن نفسه {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ومن مظاهر مغفرته ورحمته أنه أذن للمضطر بالأكل مما هو حرام في الضرورة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [145] أما الآية الثانية فبعد أن بين تعالى أنه لم يحرم على المؤمنين غير ما ذكر من الميتة وما ذكر بعدها أخبر أنه حرم على اليهود أكل كل ذي ظفر وهو ما ليس له أصابع مفرقة مثل الإِبل والنعام والبط والإِوز ومن البقر والغنم حرم عليهم شحومهما وهو الشحم اللاصق بالكرش والكلى، وأباح لهم من الشحوم ما حملته البقرة أو الشاة على ظهرها، وما كان لاصقاً بالمباعر وهي الحوايا جمع حاوية وكذا الشحم المختلط بالعظام كشحم اللية، وشحم الجانب والأذن والعين وما إلى ذلك. هذا ما تضمنه قوله تعالى من الآية الثانية {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} ثم أخبر تعالى بأن هذا التحريم عليهم كان عقوبة لهم بسبب ظلمهم وإجرامهم فقال {ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ} أي ذلك التحريم منا عليهم كان جزاء ظلمهم، وقوله {وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ} فيما أخبرنا به عنهم، وهم الكاذبون إذ قالوا إنما حرم هذا على إسرائيل ونحن أتباع له أما نحن فلم يحرم علينا شيء وإنهم لكاذبون. وقوله تعالى {فَإِن كَذَّبُوكَ} أي اليهود فيما أخبرت به عنهم {فَقُلْ} لهم {رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} ولذا لم يعاجلكم بالعقوبة وقد كذبتموه وكذبتم رسوله وافتريتم على رسله، ولكن ليس معنى ذلك أنكم نجوتم من العذاب فإن بأس الله لا يرد عن القوم المجرمين من أمثالكم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة الميتة وأنواعها في سورة المائدة وهي المنخنقة والموقوذة، والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وحرمة الدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وما ذبح على النصب وحرم بالسنة الحمر الأهلية والبغال، وكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور. 2- قد يُحرم العبد بالذنوب من كثير من الطيبات كما حصل لليهود. 3- إمهال الله تعالى المجرمين لا يدل على عدم عقوبتهم فإن بأس الله لا يرد عن القوم المجرمين.

القطان

تفسير : الطاعُم: الآكِلُ. المتية: البهيمة ماتت بدون ذبح. المسفوح: السائل: كالدم الذي يجري من المذبوح رجس: قذر. أُهِل لغير الله: ذبح باسم الاصنام غير باغ: غير طالب لذلك قاصدٍ له ولا عاد: ولا متجاوز قدر الضرورة. بعد ان بين الله تعالى أنه ليس لأحد ان يحرّم شيئا من الطعام ولا غيره الا بوحي من ربه على لسان رسُله الكرام، وإلا كان افتراءً من عنده؛ وأبان ان من هذا الافتراء ما حرمته العرب في الجاهلية من الانعام والحرث - عطَف هنا ليبّين ما حرمه الله على عباده من الطعام على لسان خاتم المرسلين، فقال: قل ايها النبي لهؤلاء المفترين على الله الكذب، ولغيرهم من الناس: لا اجد فيما اوحاه الله اليّ طعاماً محرّما على آكلٍ الا ان يكون ميتةً لم تُذبح ذبحاً شرعيا، او دماً مسفوحاً سائلا، (فلا يدخل فيه الدم الجامد كالكبد والطحال، فقد ورد في الحديث: "حديث : أُحلّت لنا ميتتان: السمك والجراد، ودَمان: الكبد والطحال") تفسير : أو يكون لحمَ خنزيرٍ. ان ذلك كله خبيث لايجوز اكله. {أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ}. وان لا يكون هذا الشيء المحرم فيه خروج عن العقيدة الصحيحة، كأَنْ ذُكر عند ذبحه اسم غيرِ الله، كصنم او معبود آخر. ومع هذا فإن من دعته الضرورة الى أكل شيء من هذه المحرمات غيرَ طالب اللذّة في الطعام، وغير متجاوز قدر الضرورة - فلا حرج عليه. إن الله يقدّر المصلحة وهو غفور رحيم. قراءات: قرأ ابن كثير وحمزة "تكون ميتة" بالتاء. وقرأ ابن عامر "تكون ميتة" بالتاء وبرفع ميتة، وقرأ الباقون "يكون ميتة" بالياء وبنصب ميتة.

د. أسعد حومد

تفسير : (145) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ المُفْتَرِينَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ، الذِينَ حَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ: إِنَّنِي لاَ أَجِدُ، فِيمَا أَوْحَاهُ اللهُ إِليَّ، طَعَاماً مُحَرَّماً عَلَى آكِلٍ يُريدُ أَنْ يَأْكُلَهُ، إلاَّ مَا حَرَّمَ اللهُ: (المَيْتَةَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ وَالدَّمَ المَسْفُوحَ - أَيِ المُهْراقَ - وَمَا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ - مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) ..إِلخ. وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ شَيءٍ مِمَّا حَرَّمهُ اللهُ، وَهُوَ لاَ يَقْصِدُ بِأَكْلِهِ البَغْيَ وَالعُدْوَانَ، وَتَجَاوُزَ شَرْعِ اللهِ، فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، لأَِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْزَلَ اللهُ كِتَابَهُ، وَأَحَلَّ حَلاَلَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ). وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بِالإِضَافَةِ إلَى مَا حَرَّمَهُ اللهُ، عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الحُمُر الأَهْلِيَّةِ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ السِّبَاعِ، وَعَنْ أَكْلِ لَحْمِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ (الجَوَارِحِ). طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ - آكِلٍ يَأْكُلُهُ. دَماً مَسْفُوحاً - دَماً سَائِلاً مُهْراقاً. رِجْسٌ - قَذَرٌ أَوْ نَجَسٌ أوْ حَرَامٌ. أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ - ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ. اضْطُرَّ - أَلْجَأَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلى أَكْلِهِ. غَيْرَ بَاغٍ - غَيْرَ طَالِبٍ لِلْحَرَامِ لِلَذَّةٍ أَوِ اسْتِئْثَارٍ. وَلاَ عَادٍ - غَيْرَ مُتَجَاوِزٍ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ.

الثعلبي

تفسير : [ثمّ بيّن] المحرمات فقال {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} أي شيئاً محرّماً {عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} آكل يأكله. وقرأ علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: يطعمه مثقلة بالطاء أراد يتطعّمه فأدغم، وقرأت عائشة على طاعم طعمه {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} [مهراقاً] سائلاً. قال عمران بن جرير: سألت أبا مجلز عمّا يتلطخ من اللحم بالدم وعن القدر تعلوها حمرة الدم. قال: لا بأس به إنّما نهى الله سبحانه عن الدم المسفوح. وقال إبراهيم: لا بأس الدم في عروق أو مخ إلاّ المسفوح الذي تعمّد ذلك، قال عكرمة: لولا هذه الآية لأتّبع المسلمون من العروق ما تتبّع اليهود {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} خبيث {أَوْ فِسْقاً} معصية {أُهِلَّ} ذبُح {لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ} يعني اليهود {حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}، وهو مالم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير. مثل الإبل والنعّام والأوزة والبط. قال ابن زيد: هو الإبل فقط. وقال القتيبي: هو كلّ ذي مخلب من الطيور وكل ذي حافر من الدواب، وقد حكاه عن بعض المفسّرين، وقيل: سمّي الحافر ظفراً على الاستعارة وأنشد قول طرفة: شعر : فما رقد الولدان حتّى رأيته على البكر يمريه بساق وحافر تفسير : فجعل الحافر موضع القدم. وقرأ الحسن كل ذي ظفر مكسورة الظاء مسكنة الفاء. وقرأ [أبو سماك] ظِفِر بكسر الظاء والفاء وهي لغة. {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ} يعني [الشروب] وشحم الكليتين {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} أي ما علق بالظهر والجانب إلاّ منْ داخل بطونها {أَوِ ٱلْحَوَايَآ} يعني الماعز {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} مثل لحم الإلية {ذٰلِكَ} التحريم {جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ} بظلمهم عقوبة لهم بقتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل {وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} في أخبارنا عن هؤلاء اليهود وعمّا حرّمنا عليهم من اللحوم والشحوم. {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} [لمّا الزمنا بينهم] الحجّة وتبيّنوا وتيقنوا باطل ما كانوا عليه {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا} ما حرّمنا من التغاير والسوايب وغير ذلك لأنَّه قادر على أن يحمل بيننا وبين ذلك حتّى لا نفعله ولكنّه رضي منا ما نحن عليه من عبادة الأصنام وتحريم الحرث والأنعام وأراد منّا وأمرنا به فلم يحل بيننا وبين ذلك فقال الله تعالى تكذيباً لهم وردّاً عليهم {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} ولو كان كذلك خيراً من الله تعالى عن مَنْ كذّبهم في قولهم {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} لقال كذلك (كذّب الذين من قبلهم) بتخفيف الذال وكان نسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب. وقال الحسن بن الفضل: [لمّا خبّروا بهذه المقالة] تعظيماً وإجلالا لله سبحانه وتعالى وصفة منهم به لمّا عابهم ذلك، لأن الله قال {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ} وقال سبحانه: {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} وقال {فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} والمؤمنون يقولون هذا ولكنّهم قالوا ذلك تكذيباً وتخرصاً وبدلاً من غير معرفة بالله تعالى وبما [يقولون] نظيره قوله {أية : وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} تفسير : [الزخرف: 20]، قال الله تعالى {أية : مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} تفسير : [الزخرف: 20] بقولهم هذا من غير علم بيّنهم بآية { وَالْمُؤْمِنُونَ} وبقوله و {عِلْمٍ} منهم بالله عزّ وجلّ ثمّ قال {هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ} من حظ وحجّة على ما يقولون من غير علم ويقين {وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} تكذّبون {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ} التامة الكافية على خلقه {فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا} أي احضروهم وأتوا بهم فقالوا: نحن نشهد، فقال الله تعالى: {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} إلى قوله {يَعْدِلُونَ} يشركون.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق سبحانه وتعالى قد تكلم عن التحريم في آيات كثيرة؛ فهناك الآية التي قال فيها: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ...} تفسير : [المائدة: 3] وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الحصر في أربعة فقط، فيقول سبحانه: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ..} [الأنعام: 145] فكيف يتفق هذا النص مع النص الآخر؟! من يقول ذلك نقول له: أنت لا تفرق بين إيجاز وإطناب، ولا تفرق بين إجمال وتفصيل؛ فالذي تُرِك في هذه الآية داخل في الميتة؛ لأن المنخقة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، والذي ذُبح على النصب وما أهلّ به لغير الله موجود وداخل في كلمة "الميتة". ثم: من قال: إن القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع؟ التشريع أيضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بتفويض من الله في قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ...} تفسير : [الحشر: 7] فلا تقل إن المحرمات فقط محصورة في هذه الآية لأن فيه محرمات كثيرة، بدليل أن الله مرّة يُجْملها، فيحرّم علينا الخبائث؛ فكل خبيث مُحرّم. وقلنا من قبل: إن الدم المسفوح مُحرّم، والدم المسفوح هو السائل الذي ينهال ويجري وينصب ساعة الذبح، وهل هناك دم غير مسفوح؟ نعم، وهو الدم الذي بلغ من قوة تماسكه أن كون عضواً في الجسم كالكبد أو الطحال. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" تفسير : وفي رواية أخرى: السمك والجراد. وعلى منطق التحريم للميتة والدم كان لابد ألا نأكل الميتة من السمك. ولا الكبد والطحال، ولكن الله أحل السمك والجراد والكبد والطحال لأنها لا تضر الجسم، فالسمك والجراد ليس لهما نفسٌ سائلة أي دم يجري؛ فإذا ما ذبحنا أحدهما لا يسيل له دم، أما الكبد والطحال فهما من دم وصل من الصلاحية أنه يكوّن عضواً في الجسم، ولا يتكوّن عضو في الجسم يؤدي مهمة من دم فاسد، بل لا بد أن يكون من دمٍ نقي. والحق الذي شرّع يقدر الظروف المواتية للمكلَّفين، وقد تمر بهم ظروف وحالات لا يجدون فيها إلا الميتة، وهنا يأكلون أكل ضرورة على قدر دفع الضر والجوع. لكن على المسلم ألا يملأ بطنه من تلك الأشياء. {.. فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 145] وأنواع الإضطرار: ألا تجد ما يؤكل من الحلال، أو أن يكون ما يؤكل من الحلال موجوداً إلا أن هناك من يكرهك على أن تأكل هذا المحرم، فالإكراه داخل في الاضطرار، والاضطرار يحملك ويدفعك إلى أن تمنع عن نفسك الهلاك؛ فتأخذ من طعام حتى تقتات فلا تموت من الجوع، فإذا كان الله قد أباح لك أن تأكل من الميتة في حال مظنة أن تموت من الجوع فمالك من الإِكراه بالموت العاجل؛ إنه أولى بذلك؛ لأنه سبحانه هو الذي رخّص، وهو الذي شرع الرخصة، ومعنى ذلك أنها دخلت التكليف؛ لأن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه، ومادامت قد دخلت في دائرة التكليف فهنا يكون الغفران والرحمة. ويقول الحق بعد ذلك: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ..}

الجيلاني

تفسير : {قُل} يا أكمل الرسل على مقتضى ما أوحينا إليك: {لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ} أي: في القرآن الجامع لأحكام الكتب السابقة المستحضر لها {مُحَرَّماً} طعاماً حرمه الله {عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} بل أجد كل ما يطعم حلالاً؛ إذ الأصل في الأشياء الحل {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً} مات حتف أنفسه بلا زكاة {أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} سائلاً جارياً مفروزاً عن اللحم {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} نجس في نفسه لا يقبل الزكاة أصلاً {أَوْ} ما يذبح من المحللات {فِسْقاً} خروجاً عن مقتضى الشرع بأن {أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} حين ذبحه من أسماء الأصنام وغيرها، وما سوى هذه المستثنيات المذكورة فهو مباح {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} أيضاً إلى تناول تلك المستثنيات حال كونه {غَيْرَ بَاغٍ} خارج على أهل الإسلام ظلماً {وَلاَ عَادٍ} مجاوز عن سد الجوعة {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ} لمن تناولها ضرورة {رَّحِيمٌ} [الأنعام: 145] لا يؤاخذه عليها بل إن لم يتناول في محل الاضطرار، وهلك كان عاصياً البتة؛ لأنه تخريب لبيت الله وإبطال لصنعه بعدما رخص. {وَ} إن سألوك يا أكمل الرسل عن محرمات الأمم الماضية قل لهم نيابة عنا: {عَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} وحافر يمكن أن يخرج معها {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ} من الشحوم {ظُهُورُهُمَا} وهي الثُّروب وشحوم الكلى {أَوِ} حملتها {ٱلْحَوَايَآ} أي: الأمعاء {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ} من الشحوم {بِعَظْمٍ} كالألية {ذٰلِكَ} أي: تحريم هذه الأشياء، وإن كان الأصل في الأشياء الحل والإباحة مطلقة بسبب أنا {جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ} بها وظلمهمه وخروجهم عن حدودنا بلا ورود نص منا {وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ} [الأنعام: 146] في جميع ما أوحينا إليك من الأقوال والأخبار والمواعيد والوعيدات.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن المحرمات من المطعومات بقوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145]، إلى قوله: {وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ} [الأنعام: 146]، الإشارة: إنَّ الشارع على الحقيقة هو الله تعالى، وليس للنبي صلى الله عليه وسلم أمر في التحليل والتحريم، فقال تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145]، يعني: أنا لا أجد إلى تحريم شيء فإني لا أقدر أن أحرمه والذي يدل هذا التأويل قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ} تفسير : [التحريم: 1]. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، أي: أجد هذه الأشياء محرماً فيما أتى فأحرمها، ويشير به إلى: ميتة الدنيا: فإنها جيفة مستحيلة، كما قال بعضهم: وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب من اجتذابها، فإن تجنيتها كنت سالماً لأهلها، وإن تجتذبها نازعتك كلابها. والدم المسفوح: هو الشهوات اللذات التي يهراق عليها دم الدين ولحم الخنزير: هو كل رجس من أعمال الشيطان كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ} تفسير : [المائدة: 90]. وحقيقة الرجس: الاضطراب عن طريق الحق والبعد منه، كما جاء في الخبر لمَّا ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى؛ أي: اضطرب وتحرك حركة سمع لها صوت، فالرجس: ما يبعدك عن الحق، أو فسقاً أهل لغير الله به؛ أي: خروجاً عن طلب الحق في طلب غير الحق، فالشروع في هذه الأشياء محرم؛ لأنها تحرمك عن الله وقربانه. ثم قال تعالى: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ} [الأنعام: 145]؛ يعني: إلى شيء من هذه الأشياء لضرورة الحاجة الإنسانية فيشرع فيه، {غَيْرَ بَاغٍ} [الأنعام: 145]؛ يعني: غير طالب له وراغب عن الله سبحانه وتعالى، {وَلاَ عَادٍ} [الأنعام: 145]؛ أي: غير متجاوز عن حد طلب الحق، ومتعدٍ عن حد ترك الشَّاغل عن الله تعالى عاد من الدنيا وغيرها، {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ} [الأنعام: 145]، يغفر الضروريات بمغفرته إذا استغفرته، {رَّحِيمٌ} [الأنعام: 145]، بك عند الرجوع إليه، يرحمك ويعفو عنك ما اضطرك إليه. وفي قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146]، الإشارة: إلى أن يقوم الله تعالى على العباد، وأما إن كان رحمة وعطفة منه عليهم لما علم علم أن فيه ضرراً نفسانياً أو روحانياً دفعه بالتحريم عنهم، فالنفساني: كضرر السُّم وأمثاله، والروحاني: كضرر لحوم السباع المؤذيات وأمثالها، فإنه بتعدي أخلاقها تغير الأخلاق الروحانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الرضاع بغير الطباع"تفسير : ؛ وأما إن كان بلاء ونعمة عليهم ليكون أمراً عليهم جزاء لبغيهم على ما أمرهم الله بها أو نهاهم عنه، ولهذا نبه الله تعالى هذه الأمة بقوله: {أية : رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا}تفسير : [البقرة: 286] رحمة منه عليهم، دفعا لبلاء الأضرار في الدنيا والآخرة يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [السجدة: 21]، العذاب الأدنى؛ يعني: في الدنيا، والعذاب الأكبر؛ يعني: في الآخرة. ثم أخبر عن سعته ورحمته وسطوه نعمته بقوله تعالى: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} [الأنعام: 147]، إلى قوله تعالى {أية : وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأنعام: 150]. الإشارة فيها: إن ما أنعمنا عليك به وأمرناك أن تتحدث به، فإن كذبوا من قصور عقلهم ودناءة همتهم، فقل ربكم ذو رحمة واسعة تسعى كل شيء من سعتها وهي أوسع، فما توهمون وتفهمون، أو تظنون وتعلمون، {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 147] يعني: في سعته رحمته بأنه شديد وقهره كامل كما أن للطفه ورحمته مظهراً وهم: المطيعون، كذلك لباسه وقهره مظهراً وهم: المجرمون المكذبون المعرضون عن طلب الحق في متابعة الأنبياء - عليهم السلام -.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى ذم المشركين على ما حرموا من الحلال ونسبوه إلى الله،وأبطل قولهم. أمر تعالى رسوله أن يبين للناس ما حرمه الله عليهم، ليعلموا أن ما عدا ذلك حلال، مَنْ نسب تحريمه إلى الله فهو كاذب مبطل، لأن التحريم لا يكون إلا من عند الله على لسان رسوله، وقد قال لرسوله: { قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ } أي: محرما أكله، بقطع النظر عن تحريم الانتفاع بغير الأكل وعدمه. { إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً } والميتة: ما مات بغير ذكاة شرعية، فإن ذلك لا يحل. كما قال تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ } . تفسير : { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } وهو الدم الذي يخرج من الذبيحة عند ذكاتها، فإنه الدم الذي يضر احتباسه في البدن، فإذا خرج من البدن زال الضرر بأكل اللحم، ومفهوم هذا اللفظ، أن الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح، أنه حلال طاهر. { أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ } أي: فإن هذه الأشياء الثلاثة، رجس، أي: خبث نجس مضر، حرمه الله لطفا بكم، ونزاهة لكم عن مقاربة الخبائث. { أَوْ } إلا أن يكون { فسقا أهل لغير الله به } أي: إلا أن تكون الذبيحة مذبوحة لغير الله، من الأوثان والآلهة التي يعبدها المشركون، فإن هذا من الفسق الذي هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، أي: ومع هذا، فهذه الأشياء المحرمات، من اضطر إليها، أي: حملته الحاجة والضرورة إلى أكل شيء منها، بأن لم يكن عنده شيء وخاف على نفسه التلف. { غَيْرَ بَاغٍ ولا عاد } أي: { غَيْرَ بَاغٍ } أي: مريدٍ لأكلها من غير اضطرار وَلا متعد، أي: متجاوز للحد، بأن يأكل زيادة عن حاجته. { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي: فالله قد سامح من كان بهذه الحال. واختلف العلماء رحمهم الله في هذا الحصر المذكور في هذه الآية، مع أن ثَمَّ محرمات لم تذكر فيها، كالسباع وكل ذي مخلب من الطير ونحو ذلك، فقال بعضهم: إن هذه الآية نازلة قبل تحريم ما زاد على ما ذكر فيها، فلا ينافي هذا الحصر المذكور فيها التحريم المتأخر بعد ذلك؛ لأنه لم يجده فيما أوحي إليه في ذلك الوقت، وقال بعضهم: إن هذه الآية مشتملة على سائر المحرمات، بعضها صريحا، وبعضها يؤخذ من المعنى وعموم العلة. فإن قوله تعالى في تعليل الميتة والدم ولحم الخنزير، أو الأخير منها فقط: { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } وصف شامل لكل محرم، فإن المحرمات كلها رجس وخبث، وهي من الخبائث المستقذرة التي حرمها الله على عباده، صيانة لهم، وتكرمة عن مباشرة الخبيث الرجس. ويؤخذ تفاصيل الرجس المحرم من السُّنَّة، فإنها تفسر القرآن، وتبين المقصود منه، فإذا كان الله تعالى لم يحرم من المطاعم إلا ما ذكر، والتحريم لا يكون مصدره، إلا شرع الله -دل ذلك على أن المشركين، الذين حرموا ما رزقهم الله مفترون على الله، متقولون عليه ما لم يقل. وفي الآية احتمال قوي، لولا أن الله ذكر فيها الخنزير، وهو: أن السياق في نقض أقوال المشركين المتقدمة، في تحريمهم لما أحله الله وخوضهم بذلك، بحسب ما سولت لهم أنفسهم، وذلك في بهيمة الأنعام خاصة، وليس منها محرم إلا ما ذكر في الآية: الميتة منها، وما أهل لغير الله به، وما سوى ذلك فحلال. ولعل مناسبة ذكر الخنزير هنا على هذا الاحتمال، أن بعض الجهال قد يدخله في بهيمة الأنعام، وأنه نوع من أنواع الغنم، كما قد يتوهمه جهلة النصارى وأشباههم، فينمونها كما ينمون المواشي، ويستحلونها، ولا يفرقون بينها وبين الأنعام، فهذا المحرم على هذه الأمة كله من باب التنزيه لهم والصيانة. وأما ما حرم على أهل الكتاب، فبعضه طيب ولكنه حرم عليهم عقوبة لهم، ولهذا قال: { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } وذلك كالإبل، وما أشبهها { وَ } حرمنا عليهم { وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ } بعض أجزائها، وهو: { شُحُومَهُمَا } وليس المحرم جميع الشحوم منها، بل شحم الألية والثرب، ولهذا استثنى الشحم الحلال من ذلك فقال: { إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا } أي: الشحم المخالط للأمعاء { أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } . { ذَلِكَ } التحريم على اليهود { جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ } أي: ظلمهم وتعديهم في حقوق الله وحقوق عباده، فحرم الله عليهم هذه الأشياء عقوبة لهم ونكالا. { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } في كل ما نقول ونفعل ونحكم به، ومن أصدق من الله حديثا، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 277 : 16 : 16 - سفين قال، كان أصحاب عبد الله يقرءونها {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ}. [الآية 145].

همام الصنعاني

تفسير : 865- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن ابن طَاوُس، عن أبيه في قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً}: [الآية: 145]، قال: كان أهل الجاهلية يَسْتَحِلُّونَ أشيَاءَ، ويُحَرِّمونَ أَشيَاءَ فَقَالَ: لا أَجِدُ فيمَا كُنْتُمْ تَسْتَحِلُّونَ إلاَّ هَذا، يقول: {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ}: [الآية: 145]. 866- حدثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: تلا هذه الآية: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ}: [الآية: 145]، فقال بن عباس: ما خَلاَ هذا فهو حَلال. 867- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، عن عَمْرُو، عن عكرمة قال: لولا هذه الآية: {أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} لاتَّبع المسلمون من العروق ما اتبع اليهود. 868- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغْربها قُبِلَ منه ". تفسير : 870- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وْ دَماً مَّسْفُوحاً}: [الآية: 145]، قال: حَرَّمَ الله الدم مَا كَانَ مَسْفُوحاً فأمَّا لحم يخالطه دَمٌ فَلا بأسَ به.