٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
146
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} لما ذكر الله عز وجل ما حرّم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم عقّب ذلك بذكر ما حرّم على اليهود؛ لما في ذلك من تكذيبهم في قولهم: إن الله لم يحرّم علينا شيئاً، وإنما نحن حرمنا على أنفسنا ما حرّمه إسرائيل على نفسه. وقد تقدّم في «البقرة» معنى «هادوا». وهذا التحريم على الذين هادوا إنما هو تكليف بَلْوَى وعقوبة. فأوّل ما ذكر من المحرّمات عليهم كلّ ذي ظُفر. وقرأ الحسن «ظُفْر» بإسكان الفاء. وقرأ أبو السِّمَال «ظِفْر» بكسر الظاء وإسكان الفاء. وأنكر أبو حاتم كسر الظاء وإسكان الفاء، ولم يذكر هذه القراءة وهي لغة. «وظِفِر» بكسرهما. والجمع أظفار وأظفور وأظافير؛ قاله الجوهرِيّ. وزاد النحاس عن الفراء أظافير وأظافرة؛ قال ٱبن السِّكِّيت: يقال رجل أظفر بين الظَّفَر إذا كان طويل الأظفار؛ كما يقال: رجل أشعر للطويل الشعر. قال مجاهد وقتادة: «ذِي ظُفُرٍ» ما ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير؛ مثل الإبل والنَّعام والإِوَزِّ والبَطّ. وقال ٱبن زيد: الإبل فقط. وقال ٱبن عباس: «ذِي ظُفُرٍ» البعير والنعامة؛ لأن النعامة ذات ظفر كالإبل. وقيل: يعني كل ذي مِخلب من الطير وذي حافر من الدواب. ويسمى الحافر ظفراً استعارة. وقال الترمِذيّ الحكيم: الحافر ظفر، والمِخلب ظفر؛ إلا أن هذا على قدره، وذاك على قدره وليس ههنا ٱستعارة؛ ألا ترى أن كليهما يُقص ويؤخذ منهما وكلاهما جنس واحد: عَظْمٌ ليِّن رِخْوٌ. أصله من غذاء ينبت فيُقَصّ مثل ظفر الإنسان، وإنما سمي حافراً لأنه يحفر الأرض بوقعه عليها. وسُمِّي مِخلَباً لأنه يخلب الطير برؤوس تلك الإبر منها. وسمِي ظُفْراً لأنه يأخذ الأشياء بظفره، أي يظفر به الآدمي والطير. الثانية: قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ} قال قتادة: يعني الثُّرُوب وشحم الكُلْيَتَيْن؛ وقاله السدي. والثُّرُوب جمع الثَّرْب، وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكَرِش. قال ٱبن جريج: حرم عليهم كل شحم غير مختلط بعظم أو على عظم، وأحل لهم شحم الجنب والألْية؛ لأنه على العُصْعُص. الثالثة: قوله تعالى: {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} «ما» في موضع نصب على الاستثناء «ظُهُورُهُمَا» رفع بـ«ـحَمَلَتْ». {أَوِ ٱلْحَوَايَآ} في موضع رفع عطف على الظهور أي أو حملت حواياهما، والألف واللام بدل من الإضافة. وعلى هذا تكون الحوايا من جملة ما أحل. {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} «ما» في موضع نصب عطف على «مَا حَمَلَتْ» أيضاً هذا أصح ما قيل فيه. وهو قول الكسائِي والفراء وأحمد بن يحيـى. والنظر يوجب أن يعطف الشيء على ما يليه، إلا ألاَّ يصح معناه أو يدل دليل على غير ذلك. وقيل: إن الإستثناء في التحليل إنما هو ما حملت الظهور خاصّةً، وقوله: «أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ» معطوف على المحرم. والمعنى: حرمت عليهم شحومها أو الحوايا أو ما ٱختلط بعظم؛ إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم. وقد ٱحتج الشافعيّ بهذه الآية في أن من حلف ألاّ يأكل الشحم حنِث بأكل شحم الظهور؛ لاستثناء الله عز وجل ما على ظهورهما من جملة الشحم. الرابعة: قوله تعالى: {أَوِ ٱلْحَوَايَآ}: الحوايا: هي المباعر، عن ٱبن عباس وغيره. وهو جمع مَبْعَر، سمي بذلك لاجتماع البَعْر فيه. وهو الزبل. وواحد الحوايا حاوياء؛ مثل قاصِعاء وقواصع. وقيل: حاوية مثل ضاربة وضوارب. وقيل: حَوِيَّة مثلُ سفينة وسفائن. قال أبو عبيدة: الحوايا ما تَحوّى من البطن أي ٱستدار. وهي مُنْحَوِية أي مستديرة. وقيل: الحوايا خزائن اللبن، وهو يتصل بالمباعر وهي المصارين. وقيل: الحَوايا الأمْعاء التي عليها الشحوم. والحوايا في غير هذا الموضع: كساء يحوّى حول سنام البعير. قال ٱمرؤ القيس:شعر : جعلْنَ حَوَايَا واقْتَعَدْنَ قعائداً وخفّفن من حَوْك العِراق المُنَمَّقِ تفسير : فأخبر الله سبحانه أنه كتب عليهم تحريم هذا في التوراة ردًّا لكذبهم. ونصُّه فيها: «حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وكلّ دابّة ليست مشقوقة الحافر وكلّ حوت ليس فيه سفاسق» أي بياض. ثم نسخ الله ذلك كلّه بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. وأباح لهم ما كان محرماً عليهم من الحيوان، وأزال الحرج بمحمد عليه السلام، وألزم الخليقة دين الإسلام بحلّه وحِرْمه وأمره ونَهْيه. الخامسة: لو ذَبحوا أنعامهم فأكلوا ما أحلّ الله لهم في التوراة وتركوا ما حَرّم عليهم فهل يحلّ لنا؛ قال مالك في كتاب محمد: هي محرّمة. وقال في سماع المبسوط: هي محللة وبه قال ٱبن نافع. وقال ٱبن القاسم: أكرهه. وجه الأول أنهم يدينون بتحريمها ولا يقصدونها عند الذكاة، فكانت محرّمة كالدم. ووجه الثاني وهو الصحيح أن الله عز وجل رفع ذلك التحريم بالإسلام، وٱعتقادُهم فيه لا يؤثّر؛ لأنه ٱعتقاد فاسد؛ قاله ٱبن العربي. قلت: ويدلّ على صحته ما رواه الصحيحان عن عبد الله بن مُغَفَّل قال: كنا محاصِرين قصر خَيْبَر، فرمَى إنسان بِجِراب فيه شحم فَنَزَوْتُ لآخذه فالتفتُّ فإذا النبيّ صلى الله عليه وسلم فاستحيَيْت منه. لفظ البخاريّ. ولفظ مسلم. قال عبد الله بن مُغَفّل: أصبت جِراباً من شحم يومَ خَيْبر، قال فالتزمته وقلت: لا أعطِي اليوم أحداً من هذا شيئاً، قال: فالتفتُّ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبَسماً. قال علماؤنا: تبسّمه عليه السلام إنما كان لما رأى من شدة حرص ٱبن مُغَفّل على أخذ الجِراب ومن ضنته به، ولم يأمره بطرحه ولا نهاه. وعلى جواز الأكل مذهب أبي حنيفة والشافعيّ وعامة العلماء؛ غير أن مالكاً كرهه للخلاف فيه. وحكى ٱبن المنذر عن مالك تحريمها؛ وإليه ذهب كبراء أصحاب مالك. ومُتَمسَّكهم ما تقدم، والحديثُ حجةٌ عليهم؛ فلو ذبحوا كلّ ذي ظفر قال أصْبَغ: ما كان محرماً في كتاب الله من ذبائحهم فلا يحلّ أكله؛ لأنهم يدينون بتحريمها. وقاله أشهب وٱبن القاسم، وأجازه ٱبن وهب. وقال ٱبن حبيب: ما كان محرّماً عليهم، وعلمنا ذلك من كتابنا فلا يحلّ لنا من ذبائحهم، وما لم نعلم تحريمه إلا من أقوالهم وٱجتهادهم فهو غير محرم علينا من ذبائحهم. السادسة: قوله تعالى: {ذٰلِكَ} أي ذلك التحريم. فذلك في موضع رفع، أي الأمر ذلك. {جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ} أي بظلمهم، عقوبة لهم لقتلهم الأنبياء وصدّهم عن سبيل الله، وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل. وفي هذا دليل على أن التحريم إنما يكون بذنب؛ لأنه ضيق فلا يُعْدَل عن السَّعة إليه إلا عند المؤاخذة. {وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} في إخبارنا عن هؤلا اليهود عما حرّمنا عليهم من اللحوم والشحوم.
البيضاوي
تفسير : {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ} كل ماله أصبع الإِبل والسباع والطيور. وقيل كل ذي مخلب وحافر وسمي الحافر ظفراً مجازاً ولعل المسبب عن الظلم تعميم التحريم. {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} الثروب وشحوم الكلى والإِضافة لزيادة الربط. {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} إلا ما علقت بظهورهما. {أَوِ ٱلْحَوَايَا} أو ما اشتمل على الأمعاء جمع حاوية، أو حاوياء كقاصعاء وقواصع، أو حوية كسفينة وسفائن. وقيل هو عطف على شحومهما وأو بمعنى الواو. {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} هو شحم الإِلية لاتصالها بالعصعص. {ذٰلِكَ} التحريم أو الجزاء. {جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ} بسبب ظلمهم. {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ} في الإِخبار أو الوعد والوعيد.
ابن كثير
تفسير : قال ابن جرير، يقول تعالى: وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر، وهو البهائم والطير، ما لم يكن مشقوق الأصابع، كالإبل والنعام والإوز والبط، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ} وهو البعير والنعامة، وكذا قال مجاهد والسدي في رواية، وقال سعيد بن جبير: هو الذي ليس منفرج الأصابع، وفي رواية عنه: كل شيء متفرق الأصابع، ومنه الديك، وقال قتادة في قوله: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ} وكان يقال للبعير والنعامة وأشياء من الطير والحيتان، وفي رواية: البعير والنعامة، وحرم عليهم من الطير البط وشبهه، وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع، وقال ابن جريج عن مجاهد: كل ذي ظفر، قال: النعامة والبعير شقاشقاً، قلت للقاسم بن أبي بزة وحدثته: ما شقاشقاً؟ قال: كل ما لا ينفرج من قوائم البهائم، قال: وما انفرج أكلته؟ قال: انفرجت قوائم البهائم والعصافير، قال: فيهود تأكله، قال: ولم تنفرج قائمة البعير خفه ولا خف النعامة، ولا قائمة الوز، فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعامة ولا الوز، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته، ولا تأكل حمار الوحش، وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ} قال السدي: يعني: الثرب، وشحم الكليتين، وكانت اليهود تقول: إنه حرمه إسرائيل، فنحن نحرمه، وكذا قال ابن زيد، وقال قتادة: الثرب، وكل شحم كان كذلك ليس في عظم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ} يعني: ما علق بالظهر من الشحوم، وقال السدي وأبو صالح: الألية مما حملت ظهورهما. وقوله تعالى: {أَوِ ٱلْحَوَايَآ} قال الإمام أبو جعفر بن جرير: الحوايا جمع واحدها حاوياء، وحاوية، وحوية، وهو ما تحوَّى من البطن فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن، وهي المباعر، وتسمى المرابض، وفيها الأمعاء، قال: ومعنى الكلام: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما، إلا ما حملت ظهورهما، أو ما حملت الحوايا، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أو الحوايا: وهي المبعر، وقال مجاهد: الحوايا: المبعر والمربض، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وقتادة وأبو مالك والسدي، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: الحوايا: المرابض التي تكون فيها الأمعاء، تكون وسطها، وهي بنات اللبن، وهي في كلام العرب تدعى المرابض، وقوله تعالى: {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} يعني: إلا ما اختلط من الشحوم بعظم، فقد أحللناه لهم، وقال ابن جريج: شحم الألية ما اختلط بالعصعص، فهو حلال، وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين وما اختلط بعظم فهو حلال ونحوه، قاله السدي. وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ} أي: هذا التضييق إنما فعلناه بهم، وألزمناهم به؛ مجازاة على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا، كما قال تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} تفسير : [النساء:160]. وقوله: {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ} أي: وإنا لعادلون فيما جازيناهم به، وقال ابن جرير، وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمد من تحريمنا ذلك عليهم، لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه على نفسه، والله أعلم. وقال عبد الله بن عباس: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن سمرة باع خمراً، فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها»تفسير : ؟ أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس عن عمر به، وقال الليث: حدثني يزيد بن أبي حبيب، قال: قال عطاء بن أبي رباح: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح: «حديث : إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» تفسير : فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها يدهن بها الجلود، وتطلى بها السفن، ويستصبح بها الناس، فقال: «حديث : لا، هو حرام» تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «حديث : قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها، جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه» تفسير : ورواه الجماعة من طرق عن يزيد بن أبي حبيب به، وقال الزهري: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا ثمنها» تفسير : ورواه البخاري ومسلم جميعاً، عن عبدان عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري به، وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا وهب، حدثنا خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعداً خلف المقام، فرفع بصره إلى السماء، فقال: «حديث : لعن الله اليهود -ثلاثاً - إن الله حرم عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا ثمنها، وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء، إلا حرم عليهم ثمنه»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، أنبأنا خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد، أنبأنا ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً في المسجد مستقبلاً الحجر، فنظر إلى السماء، فضحك فقال: «حديث : لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه» تفسير : ورواه أبو داود من حديث خالد الحذاء، وقال الأعمش: عن جامع بن شداد عن كلثوم عن أسامة بن زيد، قال: دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض نعوده، فوجدناه نائماً قد غطى وجهه ببرد عدني، فكشف عن وجهه، وقال: «حديث : لعن الله اليهود، يحرمون شحوم الغنم، ويأكلون أثمانها» تفسير : وفي رواية: «حديث : حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها» تفسير : وفي لفظ لأبي داود عن ابن عباس مرفوعاً: «حديث : إن الله إذا حرم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ } أي اليهود {حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } وهو ما لم تفرّق أصابعه كالإبل والنعام {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } الثروب وشحم الكلى {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } أي ما علق بها منه {أَوْ } حملته {ٱلْحَوَايَا } الأمعاء. جمع (حاوياء) أو (حاوية) {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } منه وهو شحم الأليَة فإنه أحل لهم {ذٰلِكَ } التحريم {جَزَيْنَٰهُم } به {بِبَغْيِهِمْ } بسبب ظلمهم بما سبق في سورة (النساء)[ 155:4 - 160 ] {وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ } في أخبارنا ومواعيدنا.
الشوكاني
. تفسير : قدّم {عَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ } على الفعل للدلالة على أن هذا التحريم مختص بهم لا يجاوزهم إلى غيرهم. والذين هادوا: اليهود، ذكر الله ما حرّمه عليهم عقب ذكر ما حرّمه على المسلمين. والظفر: واحد الأظفار، ويجمع أيضاً على أظافير، وزاد الفراء في جموع ظفر: أظافر وأظافرة، وذو الظفر: ما له أصبع من دابة أو طائر، ويدخل فيه الحافر والخف والمخلب، فيتناول الإبل والبقر، والغنم والنعام، والأوز والبط، وكل ما له مخلب من الطير، وتسمية الحافر والخف ظفراً مجاز. والأولى حمل الظفر على ما يصدق عليه اسم الظفر في لغة العرب، لأن هذا التعميم يأباه ما سيأتي من قوله: {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ } فإن كان في لغة العرب بحيث يقال على البقر والغنم كان ذكرهما من بعد تخصيصاً حرّم الله ذلك عليهم عقوبة لهم على ما وقعوا فيه من الظلم كما قال تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } تفسير : [النساء: 160]. قوله: {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } لا غير هذه المذكورات كلحمهما، والشحوم يدخل فيها الثروب وشحم الكلية. وقيل الثروب جمع ثرب، وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش، ثم استثنى الله سبحانه من الشحوم ما حملت ظهورهما من الشحم، فإنه لم يحرمه الله عليهم، و "مَا" في موضع نصب على الاستثناء {أَوِ ٱلْحَوَايَا } معطوف على ظهورهما، أي إلا ما حملت ظهورهما أو حملت الحوايا، وهي المباعر التي يجتمع البعر فيها، فما حملته من الشحم غير حرام عليهم، وواحدها حاوية، مثل ضاربة وضوارب. وقيل: واحدها حاوياء مثل قاصعاء وقواصع، وقيل حوية: كسفينة وسفائن. وقال أبو عبيدة: الحوايا ما تحوّى من البطن: أي استدار، وهي متحوية: أي مستديرة. وقيل الحوايا: خزائن اللبن، وهي تتصل بالمباعر. وقيل الحوايا: الأمعاء التي عليها الشحوم. قوله: {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } معطوف على «ما» في {مَا حَمَلَتْ } كذا قال الكسائي والفراء وثعلب. وقيل: إن الحوايا وما اختلط بعظم معطوفة على الشحوم. والمعنى: حرّمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرّم، ولا وجه لهذا التكلف، ولا موجب له، لأنه يكون المعنى إن الله حرّم عليهم إحدى هذه المذكورات. والمراد بما اختلط بعظم: ما لصق بالعظام من الشحوم في جميع مواضع الحيوان، ومنه الإلية فإنها لاصقة بعجب الذنب، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى التحريم المدلول عليه بحرّمنا، أي ذلك التحريم جزيناهم به بسبب بغيهم. وقيل: إن الإشارة إلى الجزاء المدلول عليه بقوله: {جَزَيْنَـٰهُم } أي ذلك الجزاء جزيناهم، وهو تحريم ما حرّمه الله عليهم {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } في كل ما نخبر به، ومن جملة ذلك هذا الخبر، وهو موجود عندهم في التوراة، ونصها «حرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وكل دابة ليست مشقوقة الحافر، وكل حوت ليس فيه سفاسف» أي بياض انتهى. والضمير في {كَذَّبُوكَ } لليهود أي فإن كذبك اليهود فيما وصفت من تحريم الله عليهم تلك الأشياء {فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وٰسِعَةٍ } ومن رحمته حلمه عنكم، وعدم معاجلته لكم بالعقوبة في الدنيا، وهو وإن أمهلكم ورحمكم فـ {لا يرد بأسه عن القوم المجرمين} إذا أنزله بهم واستحقوا المعاجلة بالعقوبة. وقيل المراد: لا يردّ بأسه في الآخرة عن القوم المجرمين، والأوّل أولى، فإنه سبحانه قد عاجلهم بعقوبات منها تحريم الطيبات عليهم في الدنيا. وقيل الضمير يعود إلى المشركين الذين قسموا الأنعام إلى تلك الأقسام، وحللوا بعضها وحرّموا بعضها. وقيل المراد: أنه ذو رحمة للمطيعين {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ } ولا مُلجىء لهذا. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } قال: هو الذي ليس بمنفرج الأصابع، يعني ليس بمشقوق الأصابع. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عنه {كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } قال: البعير والنعامة. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: هو كل شيء لم تنفرج قوائمه من البهائم، وما انفرج أكلته اليهود، قال: انفرجت قوائم الدجاج، والعصافير، فيهود تأكله، ولم ينفرج خفّ البعير ولا النعامة، ولا قائمة الوزينة، فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعام ولا الوزينة، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته كذلك، ولا تأكل حمار الوحش. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله: {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } يعني: ما علق بالظهر من الشحم {أَوِ ٱلْحَوَايَا } هي المبعر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي صالح، في قوله: {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } قال: الإلية {أَوِ ٱلْحَوَايَا } قال: المبعر {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } قال: الشحم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {أَوِ ٱلْحَوَايَا } قال: المباعر. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، عن الضحاك {أَوِ ٱلْحَوَايَا } قال: المرائض والمباعر. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } قال: الإلية اختلط شحم الإلية بالعصعص، فهو حلال، وكل شحم القوائم، والجنب، والرأس، والعين، والأذن، يقولون قد اختلط ذلك بعظم فهو حلال لهم، إنما حرّم عليهم الثرب وشحم الكلية، وكل شيء كان كذلك ليس في عظم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {فَإِن كَذَّبُوكَ } قال: اليهود. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ قال: كانت اليهود يقولون: إن ما حرّمه إسرائيل فنحن نحرّمه، فلذلك قوله: {فَإِن كَذَّبُوكَ } الآية.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} هذا التحريم على الذين هادوا إنما هو تكليف بلوى وعقوبة، فأول ما ذكره من المحرمات عليهم {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ما ليس منفرج الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي. والثاني: أنه عنى أنواع السباع كلها. والثالث: أنه كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي حافر من الدواب. ثم قال: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها شحوم الثّرْب خاصة، قاله قتادة. والثاني: أنه كل شحم لم يكن مختلطاً بعظم ولا على عظم، قاله ابن جريج. والثالث: أنه شحم الثرب والكلى، قاله السدي وابن زيد. ثم قال: {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} يعني شحم الجنب وما علق بالظهر فإنه لم يحرم عليهم. ثم قال: {أَوْ الْحَوَايَآ} وفيها أربعة تأويلات: أحدها: أنها المباعر، قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، والسدي. والثاني: أنها بنات اللبن، قاله عبد الرحمن بن زيد. والثالث: أنها الأمعاء التي عليها الشحم من داخلها، قاله بعض المتأخرين. والرابع: أنها كل ما تحوّى في البطن واجتمع واستدار، قاله علي بن عيسى. {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} فيه قولان: أحدهما: أنه شحم الجنب. والثاني: أنه شحم الجنب والأليه، لأنه على العصعص، قاله ابن جريج، والسدي. {ذَالِكَ جَزَيْنَاهُم ببَغْيِهِمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: ببغيهم على موسى عليه السلام فيما اقترحوه وعلى ما خالفوه. والثاني: ببغيهم على أنفسهم في الحلال الذي حرموه. {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فيما حكاه عنهم وحرمه عليهم.
ابن عطية
تفسير : لما ذكر الله عز وجل ما حرم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعقب ذلك بذكر ما حرم على اليهود لما في ذلك من تكذيبهم في قولهم إن الله لم يحرم علينا شيئاً وإنما حرمنا على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه، وقد تقدم القول في سورة البقرة في {هادوا} ومعنى تسميتهم يهوداً، و {كل ذي ظفر} يراد به الإبل والنعام والإوز ونحوه من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع وله ظفر، وقال أبو زيد: المراد الإبل خاصة وهذا ضعيف التخصيص، وذكر النقاش عن ثعلب أن كل ما لا يصيد فهو ذو ظفر وما يصيد فهو ذو مخلب. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا غير مطرد لأن الأسد ذو ظفر، وقرأ جمهور الناس "ظُفُر" بضم الظاء والفاء، وقرأ الحسن والأعرج "ظفْر" بسكون الفاء، وقرأ أبو السمال قعنب "ظِفْر" بكسر الظاء وسكون الفاء. وأخبرنا الله عز وجل في هذه الآية بتحريم الشحوم على بني إسرائيل وهي الثروب وشحم الكلى وما كان شحماً خالصاً خارجاً عن الاستثناء الذي في الآية. واختلف العلماء في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائح اليهود فحكى ابن المنذر في الأشراف عن مالك وغيره منع أكل الشحم من ذبائح اليهود وهو ظاهر المدونة. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا على القول في قوله عز وجل: {أية : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} تفسير : [المائدة:5] بأنه المطعوم من ذبائحهم وأما ما لا يحل لهم فلا تقع عليه ذكاة بل هو كالدم في ذبائح المسلمين، وعلى هذا القول يجيء قول مالك رحمه الله في المدونة فيما ذبحه اليهودي مما لا يحل لهم كالجمل والأرنب أنه لا يؤكل. وروي عن مالك رحمه الله كراهية الشحم من ذبائح أهل الكتاب دون تحريم وأباح بعض الناس الشحم من ذبائح أهل الكتاب وذبحهم ما هو عليهم حرام إذا أمرهم بذلك مستنيباً أو نحوه. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا على أن يجعل قوله {أية : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} تفسير : [المائدة:5] يراد به الذبائح فمتى وقع الذبح على صفته وقعت الإباحة، وهذا قول ضعيف لأنه جرد لفظة. {وطعام} من معنى أن تكون مطعوماً لأهل الكتاب وخلصها لمعنى الذبح وذلك حرج لا يتوجه، وأما الطريق فحرمه قوم وكرهه وأباحه قوم وخففه مالك في المدونة ثم رجع إلى منعه، وقال ابن حبيب ما كان محرماً عليهم وعلمنا ذلك من كتابنا فلا يحل لنا من ذبائحهم، وما لم نعلم تحريمه إلا من أقوالهم فهو غير محرم علينا من ذبائحهم، وقوله {إلا ما حملت ظهورهما} يريد ما اختلط باللحم في الظهر والأجناب ونحوه، قال السدي وأبو صالح: الأليات مما حملت ظهورهما {أو الحوايا} قال هو جمع حوية على وزن فعلية، فوزن، "حوايا" على هذا فعائل كسفينة وسفائن، وقيل هو جمع حاوية على وزن فاعلة، فحوايا على هذا فواعل كضاربة وضوارب وقيل جمع حاوياء، فوزنها على هذا أيضاً فواعل كقاصعاء وقواصع وأما "الحوايا" على الوزن الأول فأصلها حوايي فقلب الياء الأخيرة ألفاً فانفتحت لذلك الهمزة ثم بدلت ياء، وأما على الوزنين الأخيرين فأصل "حوايا" حواوي وبدلت الواو الثانية همزة، والحوية ما تحوى في البطن واستدار وهي المصارين والحشوة ونحوهما، وقال مجاهد وقتادة وابن عباس والسدي وابن زيد: "الحوايا" المباعر وقال بعضهم: هي المرابط التي تكون فيها الأمعاء وهي بنات اللبن، وقوله {أو ما اختلط بعظم} يريد في سائر الشخص، و {الحوايا} معطوف على {ما} في قوله {إلا ما حملت} فهي في موضع نصب عطفاً على المنصوب بالاستثناء، وقال الكسائي {الحوايا} معطوف على الظهور، كأنه قال "إلا ما حملت ظهورهما أو حملت الحوايا"، وقال بعض الناس {الحوايا} معطوف على الشحوم. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وعلى هذا تدخل {الحوايا} في التحريم، وهذا قول لا يعضده اللفظ ولا المعنى بل يدفعانه، وقوله تعالى: {ذلك جزيناهم ببغيهم} ، {ذلك} في موضع رفع و {جزيناهم ببغيهم} يقتضي أن هذا التحريم إنما كان عقوبة لهم على ذنوبهم وبغيهم واستعصائهم على الأنبياء، وقوله {وإنَّا لصادقون} إخبار يتضمن التعريض بكذبهم في قولهم ما حرم الله علينا شيئاً وإنما اقتدينا بإسرائيل فيما حرم على نفسه ويتضمن إدحاض قولهم ورده عليهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {كُلَّ ذِى ظُفُرٍ} ما ليس بمنفرج الأصابع كالنعام والأوز والبط قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو كل ما يصطاد بظفره من الطير. {شُحُومَهُمَآ} الثروب خاصة، أو كل شحم لم يختلط بعظم ولا على عظم أو الثروب وشحم الكلى. {مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ} شحم الجنب وما علق بالظهر {الْحَوَايَآ} المباعر أو بنات اللبن، أو الأمعاء التي عليها الشحم من داخلها، أو كل ما تَحوَّى في البطن فاجتمع واستدار. {مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} شحم الجنب، أو شحم الجنب والإلية، لأنها على العصعص.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا} يعني اليهود {حرمنا كل ذي ظفر} قال ابن عباس: هو البعير والنعامة ونحو ذلك من الدواب. وقيل كل ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير مثل البعير والنعامة والإوز والبط. قال القتيبي هو كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب وسمي الحافر ظفراً على الاستعارة {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} يعني شحم الجوف وهي الثروب وشحم الكليتين {إلا ما حملت ظهورهما} يعني إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما من الشحم فإنه غير محرم عليهم، وقال السدي وأبو صالح: الألية مما حملت ظهورهما وهذا القول مختص بالغنم لأن البقر ليس لها ألية {أو الحوايا} وهي المباعر، في قول ابن عباس وجمهور المفسرين واحدتها حاوية وحوية، وقيل: الحوايا المباعر والمصارين وهي الدوائر التي تكون في بطن الشاة والمعنى أن الشحم الملتصق بالمباعر والمصارين غير محرم على اليهود {أو ما اختلط بعظم} يعني من شحم الألية لأنه اختلط بالعصعص وكذا الشحم المختلط بالعظام التي تكون في الجنب والرأس والعين فكل هذا حلال على اليهود فحاصل هذا أن الذي حرم عيلهم شحم الثرب وشحم الكلية وما عدا ذلك فهو حلال عليهم (ق). عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح بمكة حديث : "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا هو حرام"تفسير : . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك:"حديث : قاتل اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه"تفسير : قوله: جملوه يعني أذابوه يقال أجملت الشحم وجملته إذا أذبته وجملته أكثر وأفصح. وقوله تعالى: {ذلك جزيناهم} أي ذلك التحريم جزيناهم عقوبة {ببغيهم} يعني بسبب بغيهم وظلمهم وهو قتل الأنبياء وأخذ الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل {وإنا لصادقون} يعني في الإخبار عن بغيهم وفي الإخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ...} الآية: هذا خبر مِنَ اللَّهِ سبحانه يتضمَّن تكذيبَ اليَهُودِ في قولهم: «إن اللَّه لم يحرِّم علينا شيئاً، وإنما حرمنا علَىٰ أنفسنا ما حَرَّمه إسرائيل على نفسه»، و {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}: يراد به الإبلُ، والنَّعَام، والإوَزُّ ونحوه من الحيوانِ الذي هو غير مُنْفَرِجِ الأصابع، وله ظُفُر، وأخبرنا سبحانه في هذه الآية بتحريمِ الشحومِ عليهم، وهي الثُّرُوب وشَحْمُ الكُلَىٰ، ومَا كان شحماً خالصاً خارجاً عن الاستثناء الذي في الآية، واختلف في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائحهم، فعن مالكٍ: كراهيةُ شحومهم من غير تحريمٍ. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا}، يريد: ما ٱختلط باللحْمِ في الظَّهْرِ والأجنابِ ونحوه، قال السُّدِّيُّ وأبو صالح: الأَلْيَاتُ ممَّا حملَتْ ظهورهما، والحَوَايَا: ما تَحوَّىٰ في البَطْن، وٱستدارَ، وهي المَصَارِينُ والحُشْوة ونحوها، وقال ابن عباس وغيره: هي المَبَاعِر، وقوله: {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ}، يريد: في سائر الشخْصِ. وقوله سبحانه: {ذٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ} يقتضي أنَّ هذا التحريم إنما كان عقوبةً لهم علَىٰ بغيهم، وٱستعصائهم علَىٰ أنبيائهم. وقوله سبحانه: {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ}: إخبار يتضمَّن التعريضَ بكَذِبهم في قولهم: ما حرَّم اللَّهُ علينا شيئاً. وقوله سبحانه: {فَإِن كَذَّبُوكَ}: أي: فيما أخبرْتَ به؛ أنَّ اللَّه حرَّمه عليهم، {فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وٰسِعَةٍ} أي في إمهاله؛ إذ لم يعاجلْكم بالعقوبةِ، مع شدَّة جُرْمِكم، ولكنْ لا تغترُّوا بسعة رحمته؛ فإن له بَأْساً لا يُرَدُّ عن القوم المجْرِمِين، إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانَسَها من آياتِ مكَّة مرتفعٌ حكْمُها بآية القتالِ، ثم أخبر سبحانه نبيَّه ـــ عليه السلام ـــ؛ بأن المشركين سيحتجُّون؛ لتصويبِ ما هُمْ عليه من شركهم وتديُّنهم: بتحريمِ تلك الأشياءِ بإمهال اللَّه تعالَىٰ لهم، وتقريرِهِ حالهم، وأنه لو شاء غَيْرَ ذلك، لما تَرَكَهم على تلْك الحال، ولا حُجَّة لهم فيما ذكَروه؛ لأنه سبحانه شاء إشراكهم وأقدرهم على الاكتساب، ويلزمهم على ٱحتجاجهم أنْ تكون كلُّ طريقةٍ وكلُّ نحلةٍ صواباً، إذْ كلها لو شاء اللَّه لَمْ تكُنْ، وفي الكلامِ حذفٌ يدلُّ عليه تناسُقُ الكلامِ؛ كأنه قال: سيقول المشركون كذا وكذا، وليس في ذلك حُجَّة لهم، ولا شَيْء يقتضي تكذيبَكَ، ولكن، {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}؛ بنحو هذه الشبهة مِنْ ظَنِّهم أنَّ ترك اللَّه لهم دليلٌ علَىٰ رضاه بحالهم، وفي قوله تعالى: {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا}: وعيدٌ بيِّن. وقوله سبحانه: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ}. أي: مِنْ قِبَلِ اللَّه، {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ}، يريد البالغةَ غاية المَقْصِدِ في الأمر الذي يحتجُّ له، ثم أعلم سبحانه أنَّه لو شاء، لهدَى العالَم بأسْره، و {هَلُمَّ}: معناها: هَاتِ؛ وهي حينئذ متعدِّية، وقد تكون بمعنى: «أَقْبِلْ»؛ فلا تتعدَّىٰ، وبعضُ العرب يجعلها ٱسْمَ فعْلٍ؛ كـ «رُوَيْدَكَ»، وبعضهم يجعلها فِعْلاً، ومعنى الآية: قل هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن اللَّه حرَّم ما زعمتم تحريمَهُ، {فَإِن شَهِدُواْ}، أي: فإن ٱفترَىٰ لهم أحدٌ أو زَوَّرَ شهادةً أو خبراً عن نبوَّة ونَحوَ ذلك، فجَنِّبْ أنْتَ ذلك، ولا تَشْهد معهم، قلْتُ: وهذه الآية والتي بعدها مِنْ نوعَ ما تقدَّم من أن الخطاب له صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره ممَّن يمكن ذلك منه، {وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ}، أي: يجعلون لَهُ أنداداً يسوُّونهم به، تعالَى اللَّه عن قولهم.
البقاعي
تفسير : ولما كان قوله {طاعم} نكرة في سياق النفي، يعم كل طاعم من أهل شرعنا وغيرهم، وكان سبحانه قد حرم على اليهود أشياء غير ما تقدم، اقتضت إحاطة العلم أن قال مبيناً لإحاطة علمه وتكذيباً لليهود في قولهم: لم يحرم الله علينا شيئاً، إنما حرمنا على أنفسنا ما حرم إسرائيل على نفسه: {وعلى الذين هادوا} أي اليهود {حرمنا} بما لنا من العظمة التي لا تدافع {كل ذي ظفر} أي على ما هو كالإصبع للآدمي من الإبل والسباع والطيور التي تتقوى بأظفارها {ومن البقر والغنم} أي التي هي ذوات الأظلاف {حرمنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم شحومهما} أي الصنفين؛ ثم استثنى فقال: {إلا ما حملت ظهورهما} أي من الشحوم مما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما {أو الحوايا} وهي الأمعاء التي هي متعاطفة متلوية، جمع حوية فوزنها فعائل كسفينة وسفائن، وقيل: جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء {أو ما اختلط} أي من الشحوم {بعظم} مثل شحم الألية فإن ذلك لا يحرم، وهذا السياق بتقدم الجار وبناء الكلام عليه يدل على أن ما عدا المذكور من الصنفين حلال لهم. ولما كان كأنه قيل: لم حرم عليهم هذه الطيبات؟ قيل: {ذلك} أي التحريم العظيم والجزاء الكبير وهو تحريم الطيبات {جزيناهم} أي بما لنا من العظمة {ببغيهم} أي في أمورهم التي تجاوزوا فيها الحدود، وفي إيلاء هذه الآية - التي فيها ما حرم على اليهود - لما قبلها مع الوفاء بالمقصود من حصر محرمات المطاعم على هذه الأمة وغيرها أمران جليلان: أحدهما بيان اطلاعه صلى الله عليه وسلم على تفصيل ما أوحي إلي من تقدمه ولما يشامم أحداً من أتباعهم ولا دارس عالماً ولا درس علماً قط، فلا دليل على صدقه على الله أعظم من ذلك، والثاني تفضيله هذه الأمة بأنه أحل لها الخبائث عند الضرورة رحمة لهم، وأزال عنها في تلك الحالة ضرها ولم يفعل بها كما فعل باليهود في أنه حرم عليهم طائفة من الطيبات ولم يحلها لهم في حال من الأحوال عقوبة لهم، وفي ذلك أتم تحذير لهذه الأمة من أن يبغوا فيعاقبوا كما عوقب من قبلهم على ما نبه عليه في قوله {أية : غير محلي الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 1] فبان الصدق وحصحص الحق ولم يبقى لمتعنت كلام، فحسن جداً ختم ذلك بقوله {وإنا لصادقون *} أي ثابت صدقنا أزلاً وأبداً كما اقتضاه ما لنا من العظمة، وتعقيبه بقوله: {فإن} أي وتسبب عن هذا الإيحاء الجامع الوجيز الدال على الصدق الذي لا شبهة فيه أنا نقول ذلك: {كذبوك فقل} والتعبير بأداة الشك مشير إلى أن الحال يقتضي أن يستبعد أن يقع منهم تكذيب بعد هذا {ربكم} أي المحسن إليكم بالبيان والإمهال مع كل امتنان {ذو رحمة واسعة} أي فهو مع اقتداره قضى أنه يحلم عنكم بالإمهال إلى أجل يعلمه. ولما أخبر عن رحمته، نوه بعظيم سطوته فقال: {ولا يرد بأسه} أي إذا أراد الانتقام {عن القوم المجرمين *} أي القاطعين لما ينبغي وصله، فلا يغتر أحد بإمهاله في سوء أعماله وتحقيق ضلاله، وفي هذه الآية من شديد التهديد ما لطيف الاستعطاف ما هو مسبوك على الحد الأقصى من البلاغة. ولما تم ذلك فعلم أن إقدامهم على الأحكام الدينية بغير حجة أصلاً، اقتضى الحال أن يقال: قد بطل بالعقل والنقل جميع ما قالوه في التحريم على وجه أبطل شركهم، فهل بقي لهم مقال؟ فأخبر سبحانه بشبهة يقولونها اعتذاراً عن جهلهم على وجه هو وحده كاف في الدلالة على حقية ما يقوله من الرسالة، فوقع طبق ما قال عن أهل الضلال، فقال مخبراً بما سيقولونه قبل وقوعه دلالة على صدق رسله وكذب المشركين فيما يخالفونهم فيه: {سيقول} أي في المستقبل، وأظهر موضع الإضمار تنصيصاً عليهم وتبكيتاً لهم فقال: {الذين أشركوا} تكذيباً منهم {لو شاء الله} أي الذي له جميع الكمال عدم إشراكنا وتحريمنا {ما أشركنا} أي بصنم ولا غيره {ولا أباؤنا} أي ما وقع من إشراك {ولا حرمنا من شيء} أي ما تقدم من البحائر والسوائب والزروع وغيرها أي ولكنه لم يشأ الترك وشاء الفعل ففعلنا طوع مشيئته، وهو لا يشاء إلا الحق والحكمة لأنه قادر، فلو لم يكن حقاً يرضاه لمنعنا منه، وهو لم يمنعنا منه فهو حق. ولما كان هذا عناداً منهم ظاهراً بعد وضوح الأمر بما أقام على صدق رسله من البينات، كان كأنه قيل تعجباً منهم: هل فعل أحد غيرهم مثل فعلهم هذا أو قال مثل ما قالوا؟ فقيل: نعم {كذلك} أي مثل ذلك التكذيب البعيد عن الصواب {كذب الذين} ولما لم يكن التكذيب عاماً أدخل الجار فقال: {من قبلهم} من الأمم الخالية بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثاً، فكانت دعوى الأنبياء باطلة، وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام ومِلكه عام، فهو لا يسأل عما يفعل، وتمادى بهم غرور التكذيب {حتى ذاقوا بأسنا} أي عذابنا لما لنا من العظمة، فإن من له الأمر كله لا يسأل عما يفعل، فلم ينفعهم عنادهم عند ذوق البأس، بل انحلت عزائم همهم فخضعوا لنا وآمنوا برسلنا، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، فالآية من الاحتباك: أثبت أولاً الإشراك دليلاً على حذفه ثانياً، وثانياً التكذيب دليلاً على حذفه أولاً، وسيأتي توجيه أنه لا بد من تضليل إحدى الطائفتين المتعاندتين وإن كان الكل بمشيئة الله، لأنه لا مانع من إتيان الأمر على خلاف الإرادة. ولما كان ما قالوه شبهة بعيدة عن العلم، أعلى درجاتها أن يكون من أنواع الخطابة فتفيد الظن في أعظم مسائل علم الأصول الذي لا يحل الاعتماد فيه إلا على القواطع، أمره أن يقول لهم ما ينبههم على ذلك فقال: {قل} أي لهؤلاء الذين تلقوا ما يلقيه الشيطان إليهم - كما أشير إليه في سورة الحج - تهكماً بهم في بعدهم عن العلم وجدالهم بعد نهوض الحجج {هل عندكم} أيها الجهلة، وأغرق في السؤال فقال: {من علم} أي يصح الاحتجاج به في مثل هذا المقام الضنك {فتخرجوه لنا} أي لي ولأتباعي وإن كان مما يجب أن يكون مكنوناً مضنوناً به على غير أهله مخزوناً، فهو تهكم بهم. ولما كان جوابهم عن هذا السكوت لأنه لا علم عندهم، قال دالاً على ذلك: {إن} أي ما {تتبعون} أي في قولكم هذا وغالب أموركم {إلا الظن} أي في أصول دينكم وهي لا يحل فيها قول إلا بقاطع {وإن} ي وما {أنتم إلا تخرصون *} أي تقولون تارة بالحزر والتخمين وتارة بالكذب المحض اليقين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} قال: هو الذي ليس بمنفرج الأصابع، يعني ليس بمشقوق الأصابع منها الإبل والنعام . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} قال: هو البعير والنعامة . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {حرمنا كل ذي ظفر} قال: كان يقول: هو البعير والنعامة في أشياء من الطير والحيتان . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد {حرمنا كل ذي ظفر} قال: كل شيء لم تفرج قوائمه من البهائم، وما انفرج أكلته اليهود. قال: أنفذت قوائم الدجاج والعصافير فيهود تأكله، ولم تفرج قائمة البعير خفه، ولا خف النعامة، ولا قائمة الورينة، فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعام ولا الورينة، ولا كل شيء لم تفرج قائمته، كذلك ولا تأكل حمار الوحش. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} قال: الديك منه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج {حرمنا كل ذي ظفر} قال: كل شيء لم تفرج قوائمه من البهائم، وما انفرجت قوائمه أكلوه، ولا يأكلون البعير، ولا النعامه، ولا البط، ولا الوزر، ولا حمار الوحش. أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن جابر بن عبدالله "حديث : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله اليهود، لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوها ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها " . تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها " . تفسير : وأخرج أبو داود وابن مردويه عن ابن عباس " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله اليهود ثلاثاً، إن الله حرم عليهم الشحوم ثلاثاً، إن الله حرم عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {ومن الإِبل والبقر حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما} يعني ما علق بالظهر من الشحم {أو الحوايا} هو المبعر . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} قال: حرم الله عليهم الثرب وشحم الكليتين . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: إنما حرم عليهم الثرب، وشحم الكلية، وكل شحم كان ليس في عظم . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صالح في قوله {إلا ما حملت ظهورهما} قال: الإِلية {أو الحوايا} قال: المبعر {أو ما اختلط بعظم} قال: الشحم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله {أو الحوايا} قال: المباعر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {أو الحوايا} قال: المرابض والمباعر {أو ما اختلط بعظم} قال: ما ألزق بالعظم . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الحوايا المرابض التي تكون فيها الامعاء تكون وسطها وهي بنات اللبن، وهي في كلام العرب تدعى: المرابض . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {أو ما اختلط بعظم} قال: الإِلية اختلط شحم الالية بالعصعص فهو حلال، وكل شحم القوائم والجنب والرأس والعين والإذن، يقولون، قد اختلط ذلك بعظم فهو حلال لهم، إنما حرم عليهم الثرب وشحم الكلية، وكل شيء كان كذلك ليس في عظم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ذلك جزيناهم ببغيهم} قال: إنما حرم الله ذلك عليهم عقوبة ببغيهم، فشدد عليهم بذلك وما هو بخبيث.
ابو السعود
تفسير : {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ} خاصة لا على مَنْ عداهم من الأولين والآخِرين {حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ} أي كلَّ ما له أصبَعٌ من الإبل والسباعِ والطيورِ وقيل: كلَّ ذي مِخْلبٍ وحافرٍ، وسُمِّيَ الحافرُ ظفُراً مجازاً والمسبَّبُ عن الظلم هو تعميمُ التحريمِ حيث كان بعضُ ذواتِ الظفرِ حلالاً لهم فلما ظلموا عم التحريمُ كلَّها وهذا تحقيقٌ لما سلف من حصر المحرَّماتِ فيما فُصِّل بإبطال ما يخالِفُه من فرية اليهودِ وتكذيبِهم في ذلك فإنهم كانوا يقولون: لسنا أولَ من حرُمت عليه وإنما كانت محرمةً على نوح وإبراهيمَ ومَنْ بعدَهما حتى انتهى الأمر إلينا. {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} لا لحومَهما فإنها باقيةٌ على الحل، والشحومُ الثروبُ وشحومُ الكِلىٰ والإضافةُ لزيادة الربطِ {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} استئناءٌ من الشحوم مُخرِّج لما علِق من الشحم بظهورهما عن حكم التحريم. {أَوِ ٱلْحَوَايَا} عطفٌ على ظهورهما أي ما حملته الحوايا وهي جمعُ حاوية أو حاوِياء كقاصِعاء وقواصِعَ أو حَواية كسفينة وسفائن {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} عطف على ما حمَلَتْ وهو شحمُ الأَلْيةِ واختلاطُه بالعظم اتصالُه بعَجْب الذنب، وقيل: هو كلُّ شحمٍ متصلٍ بالعظم من الأضلاع وغيرِها {ذٰلِكَ} إشارة إلى الجزاء أو التحريم، فهو على الأول نُصب على أنه مصدرٌ مؤكدٌ لما بعده وعلى الثاني على أنه مفعولٌ ثانٍ له أي ذلك التحريمُ {جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ} بسبب ظلمِهم وهو قتلُهم الأنبـياءَ بغير حق وأكلُهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلُهم أموالَ الناس بالباطل، كقوله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } تفسير : [النساء، الآية 160] وكانوا كلما أتَوْا بمعصية عُوقبوا بتحريم شيءٍ مما أحل لهم وهم ينكرون ذلك ويدّعون أنها لم تزَلْ محرمةً على الأمم، فرُدَّ ذلك عليهم وأُكِّد بقوله تعالى: {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ} أي في جميع أخبارِنا التي من جملتها هذا الخبرُ، ولقد ألقمهم الحجرَ قوله تعالى: {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [آل عمران، الآية 93] روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك بُهتوا ولم يجسُروا أن يُخرِجوا التوراة، كيف وقد بُـيِّن فيها جميعُ ما يحذرون أوضحَ بـيان.
القشيري
تفسير : بيَّن أن ما حرَّم عليهم ضيَّعوه؛ إذ لمَّا لم يعاقبهم عليه لم يشهدوا مَكْرَه العظيم فيما ابتدعوه من قِبَلِ نفوسهم - فأهملوه ولم يحافظوا عليه، فاستوجبوا عظيم الوِزْر وأليم العجر.
اسماعيل حقي
تفسير : {وعلى الذين هادوا} اى على اليهود خاصة لا على من عداهم من الاولين والآخرين {حرمنا كل ذى ظفر} كل ما له اصبع سواء كان ما بين اصابعه منفرجا كانواع السباع والكلاب والسنانير او لم يكن منفرجا كالابل والنعام والاوز والبط وكان بعض ذوات الظفر حلالا لهم فلما ظلموا عم التحريم {ومن البقر والغنم} متعلق بقوله {حرمنا عليهم شحومهما} لا لحومهما فانها باقية على الحل. والشحوم الثروب وشحوم الكليتين {الا ما حملت ظهورهما} استثناء من الشحوم اى الا ما اشتملت على الظهور والجنوب من شحم الكتفين الى الوركين من داخل وخارج {او الحوايا} عطف على ظهورهما اى او الا الذى حملته الامعاء واشتمل عليها. جمع الحوية كما فى الصحاح وهى المباعر والمصارين {أو ما اختلط بعظم} عطف على ما حملت وهو شحم الالية واختلاطه بالعظم اتصاله بالعصص وهو عجب الذنب اى عظمه واصله ويقال انه اول ما يخلق وآخر ما يبلى {ذلك} الجزاء {جزيناهم} اى اليهود {ببغيهم} اى بسبب ظلمهم وهو قتلهم الانبياء بغير حق واخذهم الربا واكلهم اموال الناس بالباطل وكانوا كلما اتوا بمعصية عوقبوا بتحريم شئ مما احل لهم وقد انكروا ذلك وادعوا انها لم تزل محرمة على الامم الماضية فرد عليهم ذلك واكد بقوله تعالى {وانا لصادقون} اى فى الاخبار عن كل شئ لا سيما فى الاخبار عن التحريم المذكور وفى الاخبار عن بغيهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {الحوايا} هي الأمعاء، أي: المصارين التي فيها البعر، وتسمى المباعر، جمع حوية، فعيلة، فوزنها على هذا: فعائل، فصنع بها ما صنع بهرَاوا، وقيل: جمع حاوية، فوزنها: فواعل، كقوارب، وهو عطف على ما في قوله: {إلا ما حملت}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر}؛ ماله أصبع، كالإبل والأوز والنعام، وغيرها من الحيوان، الذي هو غير منفرج الأصابع وله ظفر، وقيل: كل ذي مخلب وحافر، وسمي الحافر ظفرًا؛ مجازًا. {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} كالثروب وشحوم الكُلى، {إلا ما حملت ظُهورهما} أي: إلا ما علق من الشحم بظهور البقر والغنم، فهو حلال عليهم، لكنهم اليوم لا يأكلونه، حدثني شيخي الفقيه الجنوي أنه سأل بعض أحبارهم: هل هو حرام في كتابكم؟ فقال له: لا، لكنهم قاسوه سدًا للذريعة. هـ. فلما شددوا شدد الله عليهم، {أو الحوايا} أي: ما احتوت عليه الأمعاء والحشوة مما يتحوى في البطن من الشحوم، فهو حلال عليهم {أو ما اختلط بعظم} في جميع الجسد، فإنه حلال عليهم، لكنهم شددوا فحرموا الجميع عقوبة من الله {ذلك} التحريم جزاءٌ {جزيناهم} به بسبب بغيهم، أي: ظلمهم، {وإنا لصادقون} فيما أخبرنا به من التحريم، وفي ذلك تعريض بكذب من حرّم غير ما حرم الله. الإشارة: يؤخذ من الآية أن الذنوب والمعاصي تضيق على العبد لذائذ متعته، وتقتر عليه طيب رزق بشريته، وتضيق عليه آيضًا حلاوة المعاملة في قلبه، ولذة الشهود في روحه وسره، لقوله تعالى: {ذلك جزيناهم ببغيهم}. وقال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىَ ءَامَنُواْ وَاتَّقوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتِ مِنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ }تفسير : [الأعرَاف:96]، وقال في شأن القلب: { أية : إِن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا } تفسير : [الأنفَال:29]، أي: نورًا يفرق بين الحق والباطل، وقال تعالى: {أية : وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِمُكُمُ اللهُ }تفسير : [البَقَرَة:282]، أي: علمًا لدُّنيا، فالمعصية كلها تُبعد العبد من الحضرة، إن لم يتب، والطاعة كلها تقرب من الحضرة. والتنعم إنما هو على قدر القرب، ونقصانه على قدر البُعد. والله تعالى أعلم. ولمَّا كانت المعصية توجب تعجيل العقوبة أخبر تعالى عن سعة حلمه، فقال: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ}.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى انه حرم على اليهود في أيام موسى كل ذي ظفر. واختلفوا في معنى {كل ذي ظفر} فقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والسدي: انه كل ما ليس بمنفرج الاصابع، كالابل، والنعام، والاوز، والبط. وقال أبو علي الجبائي: يدخل في ذلك جميع انواع السباع والكلاب والسنانير وسائر ما يصطاد بظفره من الطير. وقال البلخي: هو كل ذي مخلب من الطائر، وكل ذي حافر من الدواب. ويسمى الحافر ظفرا مجازا، كما قال الشاعر: شعر : فما رقد الولدان حتى رأيته على البكر يمريه بساق وحافر تفسير : فجعل الحافر موضع القدم. واخبر تعالى انه كان حرم عليهم شحوم البقر والغنم من الثرب، وشحم الكلى، وغير ذلك مما في أجوافها، واستثنى من ذلك بقوله {إلا ما حملت ظهورها} ما حملته ظهورها فانه لم يحرمه، واستثنى أيضا ما على الحوايا من الشحم، فانه لم يحرمه. واختلفوا في معنى الحوايا، فقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد والسدي: هي المباعر. وقال ابن زيد: هن بنات اللبن. وقال الجبائي: الحوايا الامعاء التي عليها الشحم من داخلها. وحوايا جمع حوية وحاوية. وقيل في واحده حاوياء - في قول الزجاج - على وزن راضعات ورواضع، وضاربة وضوارب، ومن قال: حِويَّة قال وزنه فعائل مثل سفينة وسفائن في الصحيح، وهي ما يجري في البطن فاجتمع واستدار، ويسمى بنات اللبن والمباعر والمرابض وما فيها الامعاء بذلك. واستثنى أيضا من جملة ما حرم {ما اختلط بعظم} وهو شحم الجنب والإِلية، لانه على العصص - في قول ابن جريج والسدي - وقال الجبائي: الإِلية تدخل في ذلك، لانها لم تستثن وما اعتد بعظم العصص. وموضع {الحوايا} من الاعراب يحتمل أمرين: احدهما - قول اكثر اهل العلم: انه رفع عطفا على الظهور على تقدير: وما حملت الحوايا. الثاني - نصب عطفا على ما في قوله {إلا ما حملت} فأما قوله {أو ما اختلط بعظم} فيكون نسقاً على ما حرم لا على الاستثناء. والتقدير - على هذا القول - حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا او ما اختلط بعظم الا ما حملت الظهور، فانه غير محرم. و {أو} دخلت على طريق الاباحة كقوله {أية : ولا تطع منهم آثما أو كفورا}تفسير : والمعنى إِعص هذا وأعص هذا، فان جميعهم اهل ان يعصى، ومثله جالس الحسن أو ابن سيرين اي جالس أيهما شئت. وهذه الاشياء وإِن كان الله تعالى حرمها على اليهود في شرع موسى، فقد نسخ تحريمها على لسان محمد (صلى الله عليه وآله) وأباحها، وتدعي النصارى ان ذلك نسخ في شرع عيسى (ع) ولسنا نعلم صحة ما يقولونه. وقوله {ذلك جزيناهم ببغيهم} معناه انا حرمنا ذلك عليهم عقوبة لهم على بغيهم. فان قيل: كيف يكون التكليف عقابا، وهو تابع للمصلحة، ومع ذلك فهو تعريض للثواب؟؟ قلنا: إِنما سماه عقوبة، لان عظيم ما أتوه من الاجرام والمعاصي اقتضى تحريم ذلك وتغير المصلحة، وحصول اللطف فيه، فلذلك سماه عقوبة، ولولا عظم جرمهم لما اقتضت المصلحة ذلك. وقوله {وإِنا لصادقون} يعني فيما أخبرنا به من تحريم ذلك على اليهود فيما مضى. وان ذلك عقوبة لاوائلهم ومصلحة لمن بعدهم الى وقت النسخ. وحكي عن ابن علية أنه كان يقول: ان ما يذبحه اليهود لا يجوز أكل شحمه وان جاز أكل لحمه، لان الشحوم كانت حراما عليهم. وعندنا ان ما يذبحه اليهود لا يجوز استباحة شيء منه، وهم بمنزلة الميتة غير ان الذي ذكره غير صحيح، لانه يلزم عليه انه لو نحر اليهود جملا ان لا يجَّوز اكله، لانه كان حراما عليهم، وذلك باطل عنده.
الجنابذي
تفسير : {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} من الدّوابّ والطّيور ذكر التّحريم على اليهود بطريق الحصر عقيب هذه الآية وتعقيبه بكونه جزاءً لبغيهم للمنّ على امّة محمّد (ص) ولتهديدهم يؤيدّ الاشكال بلزوم حلّيّة ذبيحة كلّ نوع من الحيوان {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ} اى ما تعلّق بالامعاء {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ} التّحريم {جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} فى الاخبار.
الأعقم
تفسير : {وعلى الذين هادوا حرمنا} الآية قيل: ان العرب قالوا: انا علمنا تحريم السائبة من أهل الكتاب فأكذبهم الله تعالى وبيَّن ماحرم على اليهود ونزلت {وعلى الَّذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} هو ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطيور مثل الإبل والنعام والأوز والبَط وكذلك شحوم البقر والغنم إلاَّ ما استثنى وهو ما على الظهر {أو الحوايا} قيل: هي الامعاء الَّتي عليها الشحم {أو ما اختلط بعظم} مثل شحم الالية {ذلك} التحريم {جزيناهم ببغيهم} بظلمهم عقوبة لهم بقتل الانبياء وصدّهم عن سبيل الله واخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس، قوله تعالى: {سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا} وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعنون بكفرهم وتمردهم ان شركهم وشرك ابائهم وتمردهم وتحريم ما احلَّ الله تعالى بمشيئته وارادته لولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك وهذا مذهب المحبرة بعينه {كذلك كذب الذين من قبلهم} أي جاؤوا بالكذب لأن الله تعالى ركب في العقول وانزل في الكتب مادل على عباده وبراءته من مشيئة القبائح واخبرت الرسل بذلك {حتى ذاقوا بأسنا} يعني حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم {قل هل عندكم من علم} يعني من معلوم يصح الاحتياج به فيما قلتم {فتخرجوه لنا} وهذا امر آلهتكم {ان تتبعون إلا الظن} من غير علم ولا يقين {وان انتم إلا تخرصون} تكذبون في هذه المقالة {قل فلَّله الحجة البالغة} يعني الكافية على خلقه {فلو شاء لهداكم أجمعين} يعني لو شاء لألجأهم إلى ذلك قسرا {قل} يا محمد {هلمَّ شهداءكم} أي احضروا شهداءكم على ما ادعيتم {الذين يشهدون ان الله حرم هذا} وقيل: احضروا حجتكم على ما قلتم {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} يعني لا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأنه إذا سلم فكأنه شهد معهم {ولا تتبع أهواء الَّذين كذبوا بآياتنا} الآية، وقوله: {يعدلون} أي يشركون، قوله تعالى: {ألا تشركوا به شيئا} احكام هذه الآيات الظاهرة من قوله تعالى: {اتل ما حرم ربكم عليكم} إلى قوله تعالى: {وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} {وان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه} عن إبن عباس هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل: هن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والَّذي نفس كعب بيده ان هذه الآيات لأول شيء في التوراة {ولا تقتلوا أولادكم} أي لا تدفنوا بناتكم {من إملاق} يعني خوف الفقير {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} أي ما أعلنتم وما أسررتم {ولا تقتلوا النفس الَّتي حرم الله إلا بالحق} وهي كل نفس مؤمنة أو معاهدة إلاَّ بالحق يعني ما أباح قتلها وهو الارتداد والقصاص والرجم ذلك المذكور لكم {وصاكم به لعلكم تعقلون} {ولا تقربوا مال اليتيم إلاَّ بالتي هي أحسن} أنفع وأعدل، وقيل: حفظ ماله إلى أن يكبر فيسلم إليه {وإذا قلتم فاعدلوا} أي أصدقوا في مقالتكم {ولو كان ذا قربى} أي ذا قرابة منكم {وبعهد الله أوفوا}، قيل: عهده في فرائضه وما أوجب عليكم فافعلوا، وقيل: ما أوصى به في هذه الآيات.
الهواري
تفسير : قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} يعني البعير والنعامة في أشياء من الطير والحيتان. وقد فسّرناه في سورة آل عمران: من الطير ما لا صيصة له، ومن الحيتان ما لا حرشفة له. وقال مجاهد: النعامة والبعير. وقال الكلبي: كل ذي ظفر يجرج به أو ذي ظفر يجترّ. قوله: {وَمِنَ البَقَرِ وَالغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أوِ الحَوَايَا} يعني المبعر في تفسير العامة. {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ}. قال: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ} أي بكفرهم {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وعَلى الَّذينَ هادُوا} أى على اليهود وهو متعلق بقوله: {حرَّمنا} وقد للحصر {كلَّ ذِى ظُفُرٍ} لحمه وشحمه واجزاؤه، وهو ما لم يفتروه ما يلى الأرض ولا يطؤها به من الأرجل كالإبل والنعام والإوز والبط من الدواب والطير قاله ابن عباس، كأنه قيل: ما لرجله ظفر واحد، وقال الكلبى: كل ذى مخلب من الطير وذى برثن من الوحش، والبرثن آلة السباع فى الاصطياد، فتدخل فى التحريم أنواع السباع والكلاب والسنانير، وقيل: كل ذى مخلب من الطير، وكل ذى حافر من الدواب، واستبعده الفخر بأن تسمية الحافر ظفراً مجاز، أى فيكون الظفر مستعملا فى مجازه وحقيقته، وبأن الغنم والبقر لها حافر وهما حلال لهم إلا شحومهما. والجواب: أن لا يسمى ظلفهما حافراً، وهذا القول الأخير قول عبدالله بن مسلم، وكان بعض ذوات الظفر حلال لهم، ولما ظلموا حرم عليهم، فكان كل ذى ظفر حراماً عليهم {أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} تفسير : وعن مجاهد: النعامة والبعير، ولعله تمثيل للقول الأول المذكور عن ابن عباس لا تقييد، ومن كلام علىّ ذلك فى آل عمران، وقرئ بضم الظاء وإسكان الفاء تخفيفا من الضم، وقرئ ظفر بكسر الظاء والفاء، وقرئ بكسر الظاء وإسكان الفاء تخفيفا من الكسر. {ومِنَ البَقَر والغَنَم حرَّمنا عَليهم شُحومَهُما} من للابتداء متعلق بحرَّمنا، أو أضيف الشحوم إلى ضمير البقر والغنم لزيادة الربط لأنه يعلم أن شحوم البقر والغنم ولو لم تضف لضميرهما كقولك: من الله أتتنا رحمته، وتقديم البقر والغنم على قوله: {شحومهما} واجب، لئلا يعود الضمير إلى متأخر لظفا ورتبة، لأن المفعول المنصوب أحق بالسبق من المفعول الموصول بحرف غير زائد، ويكفى فى تقديمه أن يكون بعد قوله: {عليهم} أو بعد قوله: {حرَّمنا} ولكن قدم على حرمنا للحصر، أى لم تحرم الشحوم وحدها إلا من البقر والغنم، ويجوز أن يكون من للتبعيض فتعلق بمحذوف حال من الشحوم، وفيه زيادة ربط آخر، لكن لا يستقل شحومهما بلا ذكر للبقر والغنم، ولا ذكر البقر والغنم بلا ذكر شحومهما، والمراد شحم الكليتين وشحم التروب، وحل غير ذلك وشحومهما كما حل شحومهما كما ذكر الشم عاماً، وخص به بعضا إذ قال: {إلا ما حَمَلت ظُهُورهما} من الشحم فوق الجنب، ودخلت الشحوم المختلطة باللحوم التى ليست على عظم، لأن الظهر قد حملها لتعلقها به، وعن قتادة إلا ما حملت ظهورهما ما علق بالظهر والجنبين من داخل بطونهما، ولعله أراد بداخل بطونهما ما يلى الأرض، وهو فى معنى ما ذكرت، ودخل شحم الألية فى لك لاتصاله بالعصعص المتصل بالظهر، واتصاله بالذنب الذى حمله الظهر إذ تعلق به، ولكن هذا فيما له ألية خاصة وهو الغنم بل الضأن منه، وربما كان فى بلاد غربية بقر بألية، وذلك نادر، ولك إدخال الألية فى قوله: {أو ما اختلط بعظم} لاختلاطها بعظم العصعص وعظم الذنب، وقد أدخل أبو صالح والسدى الألية فيما حملت ظهورهما. {أو الحَوايَا} جمع حوية بفتح الحاء وكسر الواو وتشديد الياء، كوصية ووصايا، وهدية وهدايا، أو جمع حاوية، وأصله فواعل، أو جمع حاوياء كقاصعاء وقواصع، قلب كسر ما بعد ألف الجمع فتحا، وما بعد هذا المكسور ألفا، وعلى كل حال هو من حوى يحوى بمعنى اشتمل وهى المباعر عند ابن عباس والكميت بمعنى موضع الأمعاء، وتسمى مباعر لأنها مواضع البعر أو آلة للتبعر. وقيل: تسمى أيضا مصارين، والمصارين جمع مصران والمصران جمع مصير بمعنى صيرورة الطعام أى يصير، فحذفت ياء مصير وهو عين الكلمة، يعنى مُصر بوزن فُعل فجمع على مصران، والمراد المصران الذى فيه الشحم وهو المتصل بالدبر لا الذى لا ينبت فيه الذى يكون أملس إلى صفرة، والعطف على ظهور أى أو ما حملت الحوايا من الشحم، فإنه حلال لهم أيضا، وأما ما ينبت عليه الشحم فحلال بالأولى، لأنه ليس شحما، أو معطوف على ما، أى أو إلا الحوايا بجملتها نفسها، والشحم النابت عليها هو حلال أيضا، ونفسها ولو لم يكن شحما لكن صح استثناؤه من الشحم فى هذا التأويل تغليبا لأن أكثره شحم، وظاهره شحم، أو هو فى نفسه شحم صلب، وإذا عطف على ما فهو منصوب، وإذا عطف على ظهور فأو للتنويع أو التقسيم باعتبار ما يعينه الإنسان، أى إلا ما قلت أيها الإنسان حمله الظهر، أو ما قلت إنه حمله الحوايا، أو هى بمعنى الواو، وإذا عطف على ما فأو بمعنى الواو. {أو ما اخْتلطَ بعظْمٍ} أى ما اختلط بعظم متصلا به أو بواسطة لحم تحته، فتدخل فى شحوم العظام كلها والألية على ما مر، فكل شحوم البقر والغنم حلالا لهم إلا التروب وشحم الكليتين فمحرمة، وذلك قبل بعثه رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأما بعدها فحل لهم جميع ذلك، لأنه بعدها كلفهم بما كلف به المسلمين، وقيل: الحوايا معطوف على شحومهما، فتكون اللحوم والحوايا محرمة عليهم، فأو بمعنى الواو فيه، وما اختلط بعظم معطوف على ما فهو حلال أيضا، ولو على هذا القول، وهذا القول ضعيف. قال جابر بن عبد الله: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح بمكة: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والأصنام والخنزير" فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى به السفن، ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس: فقال: "لا هو حرام" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحم حملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه" تفسير : أى أذابوه. {ذَلكَ جزْيناهُم بِبَغْيهم} ذلك مفعول ثانٍ لجزينا كذا ظهر لى، ثم رأيته لبعض الترك أو ذلك مبتدأ خبره جزيناهم، أى جزيناهم إياه، وحذف هذا الرابط قليل، لأنه يوهم أن المبتدأ مرفوع، أو جزيناهم به أو ذلك مبتدأ وببغيهم خبره، وجزيناهم حال من المبتدأ لأنه إشارة، ورابط الحال ضمير المحذوف أى إياه أو به، والباء فى بغيهم على كل حال سببية، وبغيهم هو قتلهم الأنبياء، ومن يأمر فى بغيهم على كل حال سببية، وبغيهم هو قتلهم الأنبياء، ومن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأخذهم الربا، واستحلال أموال الناس بالباطل، والإشارة إلى الجزاء أو إلى التحريم وهو أولى لأنه المذكور قبل {وإنَّا لصَادِقُون} فى الإخبار عن بغيهم وجزائهم بالتحريم وعن تحليل ما حللنا لهم، وفى كل ما أخبرنا به من الغيوب، وفى الوعد والوعيد.
اطفيش
تفسير : {وَعَلى الَّذِينَ هَادُوا} لا على غيرهم ممن قبلهم ومن بعدهم، فهذا رد عليهم إِذ قالوا: أَلسنا بأَول من حرمت عليهم وأَنها كانت محرمة على نوح وإِبراهيم وما بينهما ومن بعد إِبراهيم حتى وصل الأَمر إِلينا، وقدم على قوله {حَرَّمْنَا} لحصر أَى ما رحمنا إِلا عليهم {كُلَّ ذِى ظُفُرٍ} ما له أَصبع، فحل لهم ذوات الأَظلاف وهى البقر والغنم والظباء، لأَنه لا أصبع لها، وحرم عليهم ما له أصبع منفرجة كأَنواع السباع والكلاب والسنانير، أَو غير منفرجة كالإِبل والنعام والأَوز والبط. وعن عبد الله بن مسلم: ذو الظفر كل ذى مخلب من الطير وكل ذى حافر من الدواب، وتسمية الحافر ظفرا استعارة، ولا يخفى أَنه لا يحسن حمل الظفر على الحافر، والحافر لا يكاد يسمى ظفرا فالظفر المخلب ولا يخفى أَنه ليس معنى الآية: حرم الله عليهم كل حيوان له حافر. فالآية تدل أَن البقر والغنم يحلان لهم، وأَغرب منه قال: المراد تحريم الإِبل، وعبارة بعض: ذو الظفر ما لم يكن مشقوق الأَصابع من البهائم والسطير كالإِبل والنعام والوز والبط، وكان بعض ذوات الظفر حلالا لهم فلما ظلموا حرم عليهم، وبحث فى ذلك بأَن الأَصل الحقيقة والحافر لا يسمى ظفراً إِلا مجازاً، أَو بأَنه لو كان الأَمر كذلك لوجب أَنه تعالى حرم عليهم كل ذى حافر وليس كذلك، فإِن الآية تدل على إِباحة البقر والغنم مع أَن لها حافراً فالأُولى حمل الظفر على مخالب الطير وبراثن السباع {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ} متعلق بقوله تعالى {حَرَّمْنَا} على أَن من للابتداء، أَو حال من قوله {عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} واجبة التقديم، ولو أخرت لعاد الضمير إِلى متأخر لفظاً ورتبة {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَو الْحَوَايَا} جمع حوية بكسر الواو وشد الياء كوصية ووصايا على القياس، وقيل أَو جمع حاوياءَ كقاصعاءَ أَو حاوية كزاوية وزوايا، وعلى الأَول أَصله حوائيى بوزن فعائل فتحت الهمزة تخفيفاً وقلبت الياء بعدها أَلفاً، وعلى الثانى وزنه فواعل حذفت أَلف التأْنيث وهمزته اللتان فى المفرد، وكذا الثالث قلب الواو الذى هو عين الكلمة همزة والهمزة ياء وفتحت، والباء الأَخيرة أَلفاً أَى ما حملت الحوايا من الشحم وهى الأَمعاء، وهى المصارين والمباعر، والعطف على ظهور، أَو يقدر مضاف فالعطف على ما، أَى شحوم الحوايا، قال بعض المتقدمين: العطف على شحوم فتكون الحوايا محرمة. روى عن ابن عباس أَن الحوايا غير شحم وأَنه المباعر. وقيل المرابض، وهى بنات اللبن، وقيل المصارين والأَمعاء، أَو بمعنى الواو، وكذا فى قوله {أَو مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} من الشحم، وسائر الشحم حرام عليهم، وهو شحم الفؤاد وشحم الكليتين والشحم الذى يغشى الكرش والأَمعاء، وأَو بمعنى الواو، ويجوز أَن تكون للتنويع، وشحم الحوايا حلال وباقيها لحم حلال، وقيل عطف الحوايا على ما، وليس كما قيل أَن الحوايا وما اختلط معطوفان على شحوم وأَنهما محرمان وهو خطأ {ذَلِكَ} التحريم مفعول ثان لقوله {جَزَيْنَاهُمْ} أَى جزيناهم ذلك التحريم لأَن جزى يتعدى لاثنين تارة وبالباء أخرى، كما يجوز أَن يجعل مبتدأ أَو الرابط محذوف، أَى ذلك التحريم جزيناهم به، وهذه الباء للتعدية والتى فى قوله تعالى {بِبَغْيِهِمْ} للسببية، أَى بسبب ظلمهم، كما قال الله جل وعلا "أية : فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله"تفسير : [النساء: 155] إِلى قوله "أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات" تفسير : [النساء: 160] كلما عصوا معصية مما هو مخصوص إِلا أَنه إِنما يحث على عدم الحذف ما وجد وإِنما ذكر مثل هذا تبعا لهم وغفلة عوقبوا بتحريم بعض ما أَحل لهم، وزعموا أَنه حرم قبلهم ويجوز أَن يكون ذلك مفعولا مطلقاً أَى جزيناهم ذلك الجزاء ببغيهم إِلا أَن الغالب فى مثل ذلك أَن يتبع المصدر نحو قمت ذلك القيام {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فى إِخبارنا ووعدنا ووعيدنا، وقولنا أَنها حرمت عليهم لبغيهم، وذلك تعريض بكذبهم فى قولهم حرمت قلنا وفى قولهم حرمها إِسرائيل على نفسه، وقيل بغيهم على فقرائهم. كان ملوكهم يمنعون فقراءَهم من أَكل لحوم الطير والشحوم فعوقبوا بالتحريم.
الالوسي
تفسير : {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ} أي اليهود خاصة لا على من عداهم من الأولين والآخرين {حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ} أي ما ليس منفرج الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة ومجاهد والسدي، وعن ابن زيد أنه الإبل فقط، وقال الجبائي: يدخل فيه كل السباع والكلام والسنانير وما يصطاد بظفره، وعن القتبـي والبلخي أنه ذو المخلب من الطير وذو الحافر من الدواب وسمي الحافر ظفراً مجازاً. واستبعد ذلك الإمام، ولعل المسبب عن الظلم هو تعميم التحريم لأن البعض كان حراماً قبله. ويحتمل أن يراد كل ذي ظفر حلال بقرينة {حَرَّمْنَا } وهذا ـ كما قيل ـ تحقيق لما سلف من حصر المحرمات فيما فصل بإبطال ما يخالفه من فرية اليهود وتكذيبهم في ذلك فإنهم كانوا يقولون: لسنا أول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما عليهما السلام حتى انتهى التحريم إلينا، وقال بعض المحققين: إن ذلك تتميم لما قبله لأن فيه رفع أنه تعالى حرم على اليهود جميع هذه الأمور فكذلك حرم البحيرة والسائبة ونحوهما بأن ذلك كان على اليهود خاصة غضباً عليهم. وقرأ الحسن {ظفر} بكسر الظاء وسكون الفاء. وقرأ أبو السماك بكسرهما. وقرىء كما قال أبو البقاء {ظفر} بضم الظاء وسكون الفاء. {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } لا لحومهما فإنها باقية على الحل، والمراد بالشحوم ما يكون على الأمعاء والكرش من الشحم الرقيق وشحوم الكلى، وقيل: هو عام استثني منه ما سيأتي. و {مِنْ ٱلْبَقَرِ } متعلق بحرمنا بعده وكان يكفي حينئذ أن يقال: الشحوم لكنه أضيف لزيادة الربط والتأكيد كما يقال: أخذت من زيد ماله وهو متعارف في كلامهم، وجوز أبو البقاء ـ وظاهر صنيعه اختياره مع أنه خلاف الظاهر ـ أن {مِنْ ٱلْبَقَرِ} عطف على {كُلَّ ذِى ظُفُرٍ} على معنى وبعض البقر وجعل {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} تبييناً للمحرم من ذلك وحينئذ الإضافة للربط المحتاج إليه. {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} أي ما علق بظهورهما. والاستثناء منقطع أو متصل من الشحوم. وإلى الانقطاع ذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه فقد نقل عنه لو حلف لا يأكل شحماً يحنث بشحم البطن فقط. وخالفه في ذلك صاحباه فقالا يحنث بشحم الظهر أيضاً لأنه شحم وفيه خاصية الذوب بالنار. وأيد ذلك بهذا الاستثناء بناء على أن الأصل فيه الاتصال. وللإمام رضي الله تعالى عنه أنه لحم حقيقة لأنه ينشأ من الدم ويستعمل كاللحم في اتخاذ الطعام والقلايا ويؤكل كاللحم ولا يفعل ذلك بالشحم ولهذا يحنث بأكله لو حلف لا يأكل لحماً وبائعه يسمى لحاماً لا شحاماً. والاتصال وإن كان أصلاً في الاستثناء إلا أن هنا ما يدل على الانقطاع وهو قوله تعالى: {أَوِ ٱلْحَوَايَا } فإنه عطف على المستثنى وليس بشحم بل هو بمعنى المباعر كما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أن المرابض وهي نبات اللبن كما روي عن ابن زيد أو المصارين والأمعاء كما قال غير واحد من أهل اللغة. وللقائل بالاتصال أن يقول: العطف على تقدير مضاف أي شحوم الحوايا أو يؤول ذلك بما حمله الحوايا من شحم على أنه يجوز أن يفسر الحوايا بما اشتملت عليه الأمعاء لأنه من حواه بمعنى اشتمل عليه فيطلق على الشحم الملتف / على الأمعاء. وجوز غير واحد أن يكون العطف على {ظُهُورُهُمَا} وأن يكون على {شُحُومَهُمَا} وحينئذ يكون ما ذكر محرماً وإليه ذهب بعض السلف. وهو يعطف قوله تعالى: {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} وهو شحم الألية لاتصالها بالعصعص، وقيل: هو المخ ولا يقول أحد أنه شحم عليه ويقول بتحريمه أيضاً. و الحوايا قيل جمع حاوية كزاوية وزوايا ووزنه فواعل وأصله حواوي فقلبت الواو التي هي عين الكلمة همزة لأنها ثاني حرفي لين اكتنفا مدة مفاعل ثم قلبت الهمزة المكسورة ياء ثم فتحت لثقل الكسرة على الياء فقلبت الياء الأخيرة ألفاً لتحركها بعد فتحة فصارت حوايا أو قلبت الواو همزة مفتوحة ثم الياء الأخيرة ألفاً ثم الهمزة ياء لوقوعها بين ألفين كما فعل بخطايا؛ وقيل: جمع حاوياء كقاصعاء وقواصع ووزنه فواعل أيضاً وإعلاله كما علمت، وقيل: جمع حوية كظريفة وظرائف ووزنه فعائل وأصله حوائي فقلبت الهمزة ياء مفتوحة والياء التي هي لام ألفاً فصار حوايا. وجوز الفارسي أن يكون جمعاً لكل واحد من هذه الثلاثة وقد سمع في مفرده أيضاً. و {أَوْ} بمعنى الواو. وقال أبو البقاء لتفصيل مذاهبهم نظيرها في قوله تعالى: { أية : وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 135] وقال الزجاج: هي فيما إذا كان العطف على الشحوم للإباحة كما في قوله تعالى: { أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } تفسير : [الإنسان: 24] أي كل هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا أو اعص هذا. و {أَوْ } بليغة في هذا المعنى لأنك إذا قلت: لا تطع زيداً وعمراً فجائز أن تكون نهيت عن طاعتهما معاً فإن أطيع زيد على حدته لم يكن معصية فإذا قلت: لا تطع زيداً أو عمراً أو خالداً كان المعنى هؤلاء كلهم أهل أن لا يطاع فلا تطع واحداً منهم ولا تطع الجماعة، ومنه جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشعبـي فليس المعنى الأمر بمجالسة واحد منهم بل المعنى كلهم أهل أن يجالس فإن جالست واحداً منهم فأنت مصيب وإن جالست الجماعة فأنت مصيب. واختاره العلامة الثاني وقال: الوجه أن يقال إن كلمة {أَوْ } في العطف على المستثنى من قبيل جالس الحسن أو ابن سيرين كما في العطف على المستثنى منه يعني أنها لإفادة التساوي في الكل فيحرم الكل. وتحقيقه أن مرجع التحريم إلى النهي كأنه قيل لا تأكلوا أحد الثلاثة وهو معنى العموم، وهذا مراد الزمخشري فيما نقل عنه من أن الجملة لما دخلت في حكم التحريم فوجه العطف بحرف التخيير أنها بليغة بهذا المعنى ثم قال: وبهذا يتبين فساد ما يتوهم أنه يريد أنه على تقدير العطف على المستثنى منه يكون المعنى حرمنا عليهم شحومهما أو حرمنا عليهم الحوايا أو حرمنا عليهم ما اختلط بعظم فيجوز لهم ترك أيها كان وأكل الآخرين وادعى أن الظاهر أن مثل هذا وإن كان جائزاً فليس من الشرع أن يحرم أو يحلل واحد مبهم من أمور معينة وإنما ذلك في الواجب فقط. وهذه الدعوى من العجب فإن الحرام المخير والمباح المخير مما صرح به الفقهاء وأهل الأصول قاطبة ويحتاج الأمر إلى إمعان نظر فليمعن، وذكر الطيبـي في حاصل كلام بعض المحققين في {أَوْ } هنا أنك إذا عطفت على الشحوم دخلت الثلاثة تحت حكم النفي فيحرم الكل سوى ما استثنى منه وإذا عطفت على المستثنى لم يحرم سوى الشحوم و {أَوْ } على الوجه الأول للإباحة وعلى الثاني للتنويع. {ذٰلِكَ} إشارة إلى الجزاء أو التحريم فهو على الأول: نصب على أنه مصدر مؤكد لما بعده. وعلى الثاني: على أنه مفعول ثان له أي ذلك التحريم {جَزَيْنَـٰهُم} وجزى يتعدى بالباء وبنفسه كما ذكره الراغب وغيره. وما نقل عن ابن مالك أن اسم الإشارة لا ينتصب مشاراً به إلى المصدر إلا ويتبع بالمصدر نحو قمت هذا القيام وقعدت ذلك القعود ولا يجوز قمت هذا ولا قعدت ذاك رده أبو حيان والجلبـي وصححا ورود اسم الإشارة مشاراً به إلى المصدر غير متبوع به. / وجوز كون ذلك خبر مبتدأ مقدر أي الأمر ذلك أو مبتدأ خبره ما بعده والعائد محذوف أي جزيناهم إياه {بِبَغْيِهِمْ} أي بسبب ظلمهم وهو قتلهم الأنبياء بغير حق وأكلهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل. وكانوا كلما أتوا بمعصية عوقبوا بتحريم شيء مما أحل لهم وهم ينكرون ذلك ويدعون أنها لم تزل محرمة على الأمم. وقيل: المراد ببغيهم على فقرائهم بناء على ما نقل علي بن إبراهيم في «تفسيره» أن ملوك بني إسرائيل كانوا يمنعون فقراءهم من أكل لحوم الطير والشحوم فحرم الله تعالى عليهم ذلك بسبب هذا المنع وهو تابع للمصلحة أيضاً ولا بعد في أن يكون المنع من الانتفاع لمزيد استحقاق الثواب وأن يكون لجرم متقدم. {وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ} في جميع أخبارنا التي من جملتها الأخبار بالتحريم وبالبغي. وعد منها ـ واقتصر عليه بعضهم ـ الوعد والوعيد. وقوى الإمام بهذه الآية «ما ذهب إليه الإمام مالك وكثير من السلف وهو القول بما يقتضيه ظاهر الآية السابقة من حل ما عدا الأربعة المذكورة فيها وذلك أنه أوجب حمل الظفر على المخلب لبعد حمله على الحافر لوجهين، الأول: أن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً. والثاني: أن الأمر لو كان كذلك لوجب أن يقال: إنه تعالى حرم عليهم كل حيوان له حافر وهو باطل لأن الآية تدل على أن الغنم والبقر مباحان لهم مع حصول الحافر لهم وإذاً وجب حمله على المخلب. والآية تفيد تخصيص هذه الحرمة باليهود كما أشرنا إليه من وجهين، الأول: إفادة التركيب الحصر لغة، والثاني: أنها لو كانت ثابتة في حق الكل لم يبق للاقتصار على ذكرهم فائدة ووجب أن لا تكون السباع وذوات المخلب من الطير محرمة على المسلمين بل يكون تحريمها مختصاً باليهود وحينئذ فما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير ضعيف لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله تعالى فلا يكون مقبولاً» فيتقرر قول الجماعة السابق وفيه نظر لا يخفى فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : جملة: {وعلى الذين هادوا حرمنا} عَطْف على جملة: { أية : قُل } تفسير : [الأنعام: 145] عطفَ خبر على إنشاء، أي بيِّن لهم ما حرّم في الإسلام، واذكُرْ لهم ما حرّمنا على الّذين هادوا قبل الإسلام، والمناسبة أنّ الله لمّا أمر نبيّه عليه الصلاة والسلام أن يبيّن ما حَرّم الله أكله من الحيوان، وكان في خلال ذلك تنبيه على أنّ ما حرّمه الله خبيث بعضُه لا يصلح أكله بالأجساد الّذي قال فيه { أية : فإنه رجس } تفسير : [الأنعام: 145]، ومنه ما لا يلاقي واجب شكر الخالق وهو الّذي قال فيه: { أية : أو فِسقاً أهل لغير الله به } تفسير : [الأنعام: 145] أعقب ذلك بذكر ما حرّمه على بني إسرائيل تحريماً خاصّاً لحكمة خاصّة بأحوالهم، وموقَّتة إلى مجيء الشّريعة الخاتمة. والمقصود من ذكر هذا الأخير: أن يظهر للمشركين أنّ ما حرّموه ليس من تشريع الله في الحال ولا فيما مضى، فهو ضلال بحت. وتقديم المجرور على متعلَّقة في قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا} لإفادة الاختصاص، أي عليهم لا على غيرهم من الأمم. والظفر: العظم الذي تحت الجلد في منتهى أصابع الإنسان والحيوان والمخالب، وهو يقابل الحافر والظلف ويكون للإبل والسّبع والكلب والهرّ والأرنب والوبْر ونحوها؛ فهذه محرّمة على اليهود بنص شريعة موسى عليه السّلام ففي الإصحاح الرابع عشر من سفر التّثنية: «الجمل والأرنب والوَبْر فلا تأكلوها». والشّحوم: جمع شحم، وهو المادّة الدُهنية التي تكون مع اللّحم في جسد الحيوان، وقد أباح الله لليهود أكل لحوم البقر والغنم وحرم عليهم شحومهما إلاّ ما كان في الظهر. و{الحوايا} معطوف على {ظهورهما}. فالمقصود العطف على المباح لا على المحرّم، أي: أو ما حملت الحوايا، وهي جمع حَوِيَّة، وهي الأكياس الشَّحميّة التي تحوي الأمعاء. {أو ما اختلط بعظم} هو الشّحم الذي يكون ملتفّاً على عَظْم الحيوان من السِّمَن فهو معفو عنه لعسر تجريده عن عظمه. والظّاهر أنّ هذه الشّحوم كانت محرّمة عليهم بشريعة موسى عليه السّلام، فهي غير المحرّمات التي أجملتها آية سورة النّساء (160) بقوله تعالى: { أية : فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات أحلّت لهم}، تفسير : كما أشرنا إليه هنالك لأنّ الجرائم التي عدّت عليهم هنالك كلّها ممّا أحدثوه بعد موسى عليه السّلام. فقوله تعالى: {ذلك جزيناهم ببغيهم} يراد منه البغي الذي أحدثوه زمن موسى. في مدّة التيه، ممّا أخبر الله به عنهم: مثل قولهم: { أية : لن نصبِرَ على طعام واحد } تفسير : [البقرة: 61] وقولهم: { أية : فاذْهَب أنت وربّك فقاتلا } تفسير : [المائدة: 24] وعبادتِهم العِجْل. وقد عدّ عليهم كثير من ذلك في سورة البقرة. ومناسبة تحريم هذه المحرّمات للكون جزاءً لبغيهم: أنّ بغيهم نشأ عن صلابة نفوسهم وتغلّب القوّة الحيوانيّة فيهم على القوّة المَلكيّة، فلعلّ الله حرّم عليهم هذه الأمور تخفيفاً من صلابتهم، وفي ذلك إظهار منَّته على المسلمين بإباحة جميع الحيوان لهم إلاّ ما حرّمه القرآن وحرّمتْه السنّة ممّا لم يختلف فيه العلماء وما اختلفوا فيه. ولم يذكر الله تحريم لحم الخنزير، مع أنَّه ممّا شمله نصّ التّوراة، لأنَّه إنَّما ذكر هنا ما خُصّوا بتحريمه ممّا لم يحرّم في الإسلام، أي ما كان تحريمه موقَّتاً. وتقديم المجرور على عامله في قوله: {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم} للاهتمام ببيان ذلك، لأنَّه ممّا يلتفت الذّهن إليه عند سماع تحريم كلّ ذي ظُفُر فيترقّب الحكم بالنّسبة إليهما فتقديم المجرور بمنزلة الافتتاح بــــ(أمَّا). وجملة: {ذلك جزيناهم ببغيهم} تذييل يبيِّن علّة تحريم ما حرّم عليهم. واسم الإشارة في قوله: {ذلك جزيناهم} مقصود به التّحريم المأخوذ من قوله: {حرمنا} فهو في موضع مفعول ثان: لــــ{جزيناهم} قدّم على عامله ومفعولِه الأوّل للاهتمام به والتَّثبيت على أنّ التّحريم جزاء لبغيهم. وجملة: {وإنا لصادقون} تذييل للجملة التي قبلها قصداً لتحقيق أنّ الله حرّم عليهم ذلك، وإبطالاً لقولهم: إنّ الله لم يحرّم علينا شيئاً وإنَّما حرّمنا ذلك على أنفسنا اقتداء بيعقوب فيما حرّمه على نفسه لأنّ اليهود لمّا انتبزوا بتحريم الله عليهم ما أحلّه لغيرهم مع أنَّهم يزعمون أنَّهم المقرّبون عند الله دون جميع الأمم، أنكروا أن يكون الله حرّم عليهم ذلك وأنَّه عقوبة لهم فكانوا يزعمون أنّ تلك المحرّمات كان حرّمها يعقوب على نفسه نذراً لله فاتَّبعه أبناؤه اقتداء به. وليس قولهم بحقّ: لأنّ يعقوب إنَّما حرّم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، كما ذكره المفسّرون وأشار إليه قوله تعالى: { أية : كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزّل التوراة } تفسير : في سورة آل عمران (93). وتحريم ذلك على نفسه لنذر أو مصلحة بدنية لا يسرى إلى من عداه من ذرّيته. وأنّ هذه الأشياء التي ذكر الله تحريمها على بني إسرائيل مذكور تحريمها في التّوراة فكيف ينكرون تحريمها. فالتّأكيد للردّ على اليهود ونظيرُ قوله هنا: {وإنَّا لصادقون} قولُه في سورة آل عمران (93). عقب قوله: {أية : كلّ الطعام كان حلا لبني إسرائيل}. {أية : قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} تفسير : [آل عمران: 93] إلى قوله: { أية : قل صدق الله } تفسير : [آل عمران: 95].
القطان
تفسير : الذين هادوا: اليهود. الظفر للانسان وغيره مما لا يصيد، والمخلب والناب لما يصيد. الشحم: ما يكون على الامعاء والكرش والكلى من المادة الدهنية. حملت ظهورها: اي علقت بها الحوايا: الأمعاء والمصارين بأسه: عذابه. في هذه الآية بيان لما حرمه الله على بني اسرائيل خاصّة، عقوبةً لهم، لا على أنه من اصول شرعه. ولقد حرّمنا على اليهود أكل اللحم والشحم وغيرهما من كل ما له ظفر من الحيوانات كالإبل والسباع. كما حرّمنا عليهم البقر والغنم شحومها فقط، الا الشحوم التي حملتها ظهروها، او التي توجد على الأمعاء، او التي اختلطت بعظم.. قد جاء هذا التحريم عقاباً لهم على ظلمهم، لأنه خبيث في ذاته. فإن كذّبك المكذِّبون من اليهود والمشركين فيما أوحيتُ اليك يا محمد، فقل لهم محذِّراً: ان ربكم الذي يجب ان تؤمنوا به وحده ذو رحمة واسعة لمن اطاعة ولمن عصاه ايضا: لذلك لا يعاجلُكم بالعقوبة على تكذيبكم، فلا تغتّروا به وبسعة رحمته، فإن عذابه لا بدّ واقع بالمجرمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَزَيْنَاهُم} {لَصَادِقُونَ} (146) - وَيَذْكُرُ تَعَالَى: أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَى اليَهُودِ - عَلَى سَبِيلِ العُقُوبَةِ لَهُمْ لاَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أُصُولِ شَرْعِهِمْ - لَحْمَ كُلِّ ذِي ظُفْرٍ مِنَ البَهَائِمِ وَالطُّيُورِ (أَيْ مَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الأَصَابِعِ كَالإِبِلِ وَالنَّعَامِ وَالإِوَزِّ وَالبَطِّ)، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَ البَقَرِ وَالغَنَمِ الخَالِصَةَ، وَهِيَ الثُّرْبُ (الشَحْمُ الذِي يَلُفُّ الأَمْعَاءَ، أَمَّا مَا عَلَى الظَّهْرِ مِنْ شَحْمٍ - وَمِنْهُ الإِلْيَةُ - وَمَا وُجِدَ فِي الحَوَايَا (وَهِيَ المَبَاعِرُ وَالمَرَابِضُ) وَمَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ مِنَ الشَّحْمِ وَالعِظَامِ، فَإِنَّهُ حَلالٌ). وَهَذَا التَّحْرِيمُ فَرَضَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى بَغْيِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ أَوَامِرَ اللهِ، وَإِنَّهُ تَعَالَى لَعَادِلٌ فِي حُكْمِهِ فِيمَا فَرََضَهُ عَلَيْهِمْ، وَصَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ نَبِيَّهُ، مِنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَى اليَهُودِ. (وَقِيلَ إِنَّ السَّبَبَ فِي تَحْرِيمِ شُحُومِ البَقَرِ وَالغَنَمِ، هُوَ أَنَّ القَرَابِينَ عِنْدَهُمْ لاَ تَكُونُ إلاَّ مِنْهُمَا، وَكَانَ يُتَّخَذُ مِنْ شُحُومِها الوَقُودُ لِلرَّبِّ). شُحُومَهُمَا - شُحُومَ الكَرْشِ وَالكِلْيَتَيْنِ. الحَوَايَا - المَصَارِينَ. مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا - مَا عَلِقَ بِهِمَا مِنَ الشَّحْمِ فَهُوَ حَلاَلٌ. مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ - كَإِلْيَةِ الغَنَمِ فَهِيَ حَلاَلٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا يأتي الحق بالتحريم الثاني، وهو التحريم للتهذيب والتأديب، مثلما قال من قبل: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ...} تفسير : [النساء: 160] فـ"الظُفُر" هو ما يظهر عندما ننظر إلى أقدام بعض الحيوانات أو الطيور، فهناك حيوانات نجد تشقق إصبعها ظاهراً والأصابع مفصلة ومنفرجة بعضها عن بعض، فهذه ليست حراما عليهم، ونوع آخر نجد أصابعها غير مفصولة وغير منفرجة مثل الإبل، والنعام، والبط، والأوز وهي ذو الظفر. فكل ذي ظُفُر حرم على اليهود، وقد حرم عليهم لا لخبث وضرر في المأكول، ولكن تأديبا لهم لأنهم ظلموا في أخذ غير حقوقهم؛ لذلك يحرمهم الله من بعض ما كان حلالا لهم؛ فالأب يعاقب ابنه الذي أخذ حاجة أخيه اعتداء؛ فيمنع عنه المصروف، والمصروف في ذاته ليس حراماً، ولكن المنع هنا للتأديب. والحق هو القائل: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ...} تفسير : [النساء: 160-161] ولأنهم فعلوا كل ذلك يأتي لهم التحريم عقاباً وتأديباً {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146] وأنت حينما تذبح الذبيحة تجد بعضاً من الدهن على الكلى، ونجد في داخلها ما يسمونه "منديل الدهن" وكذلك "ألية الخروف"، وحين تقطع الرأس تجد فيها نوعاً من الدهون، وقد حرّم الحق عليهم في البقر والغنم شحومهما. وكذلك {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} محرم كله. وهناك استثناء في البقر والغنم هو: {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ}. أي أحل لهم ما هو فوق الظهر من الشحم، وأحل لهم ما حملته الحوايا من الشحوم و"الحوايا" جمع حوية أو حاوية أو حاوياء أو حاوياء وهي ما تحوّي من الأمعاء أي تجمع واستدار، وفي الريف تقول المرأة عن قطعة القماش التي تبرمها وتلفها وتصنع منها دائرة مستديرة تضعها على رأسها لتحميه عندما تحمل فوقه الأشياء؛ تقول: صنعت "حواية" والحواية هنا هي الأمعاء الغليظة، وطولها كذا متر، ومن حكمة تكوينها الربانية نجدها تلتف على بعضها، ولذلك اسمها "الحوايا"، وهي ما نسميه "الممبار". وكذلك حلل لهم ما اختلط بعظم في القوائم والجنب والرأس والعين، وكذلك أحل لهم شحما اختلط بعظم منه الألية، لأن الألية تمسك بعَجْب الذنب. أي أصله، وهو الجُزَيْء في أصل الذّنب عند رأس العُصْعُص. ولأنه رحيم فهو ينزل عقوبة فيها الرحمة فيبيح له شيئا ويحرم شيئا آخر. ويذيل الحق الآية بقوله: {ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ}. وليس هذا التحريم تعدًّيا عليهم، أو تعنتاً في معاملتهم، بل لأنهم بَغَوْا، والباغي يجب أن يأخذ حظه من الجزاء؛ حتى يفكر ماذا يحقق له البغي من النفع، وماذا يمنع عنه من النفع أيضاً، وحين يقارن بين الاثنين قد يعدل عن بغيه، وهم قد صدّوا عن سبيل الله، وأخذوا ربا لينمّوا أموالهم وأكلوا أموال الناس بالباطل، لذلك حرّم عليهم الحق بعض الحلال. وسبحانه صادق في كل بلاغ عنه، ونعرف بذلك أن علة التحريم لبعض الحلال كانت بسبب ظلمهم وما بدر منهم من المعاصي فكان التحريم عقوبة لهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوِ ٱلْحَوَايَآ} معناهُ المَباعرُ.
الأندلسي
تفسير : {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} مناسبتها لما قبلها أنه لما بين أن التحريم إنما يستند للوحي الإِلهي أخبر أنه حرم على بعض الأمم السابقة أشياء كما حرم على أهل هذه الملة أشياء مما ذكرها في الآية قبل، فالتحريم إنما هو راجع إلى الله تعالى في الأمم جميعها، وفي قوله: حرمنا. تكذيب لليهود في قولهم: إن الله تعالى لم يحرم علينا شيئاً، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه. قال ابن عباس وجماعة: هي ذوات الظلف كالإبل والنعام وما ليس بذي أصابع منفرجة كالبط والوز ونحوهما، واختاره الزجاج. {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ} من متعلقة بحرمنا. والضمير المثنى في شحومهما عائد على البقر والغنم. {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} أي إلا الشحم الذي حملته ظهور البقر والغنم. قال ابن عباس: وهو ما علق بالظهر من الشحم وبالجنب من داخل بطونهما. وما: موصولة. والضمير العائد على ما محذوف تقديره حملته الحوايا إن قدر وزنها فواعل فجمع حاوية كزواية وزواياه، أو جمع حاوياء كقاصعاء وقواصع، وإن قدر وزنها فعائل فجمع حوية كمطية ومطايا، وتقرير صيرورة ذلك إلى حوايا مذكور في علم التصريف وهي الدوارة التي تكون في بطون الشياه. وقال علي بن عيسى الرماني: هو كل ما يحويه البطن، فاجتمع واستدار. وقال ابن عباس وجماعة: هي الماعز. قال الزمخشري: وأوْ في "أو الحوايا" بمنزلتها في قولهم جالس الحسن أو ابن سيرين. "انتهى". الذي قاله النحويون أن أوْ في هذا المثال للإِباحة فيجوز له أن يجالسهما معاً وأن يجالس أحدهما والأحسن في الآية إذا قلنا إن ذلك معطوف على شحومهما أن تكون أوْفية للتفصيل فصل بها ما حرم عليهم من البقر والغنم. {أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ} معطوفاً على ما حملت ظهورهما. {بِعَظْمٍ} هو شحم الألية لأنه على العصعص، قاله السدي وابن جريج. {ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم} ذلك إشارة إلى المصدر الدال عليه التحريم كأنه قال: ذلك التحريم جزيناهم. {وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ} إخبار عما حرم الله تعالى عليهم لا أن ذلك من تحريم إسرائيل. {فَإِن كَذَّبُوكَ} الظاهر عود الضمير على أقرب مدكور وهم اليهود أي فإِن كذبوك فيما أخبرت به أنه تعالى حرمه عليهم. وقالوا: لم يحرمه الله تعالى وإنما حرمه إسرائيل. {فَقُلْ}: متعجباً من حالهم ومعظماً لافترائهم مع علمهم بما قلت. {رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} حيث لم يعاجلكم بالعقوبة مع شدة هذا الجرم كما تقول عند رؤية معصية عظيمة ما أحلم الله تعالى وأنت تريد لإِمهاله العاصي. و{ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} عام فيندرج فيه مكذبوا الرسول وغيرهم من المجرمين. ويحتمل أن يكون من وقوع الظاهر موقع المضمر، أي ولا يرد بأسه عنكم. وجاء معمول قل الأول جملة إسمية لأنها أبلغ في الاخبار من الجملة الفعلية فناسبت الأبلغية في وصفه تعالى بالرحمة الواسعة وجاءت الجملة الثانية فعلية ولم تأت إسمية فيكون التركيب وذو بأس لئلا يتعادل الاخبار عن الوصفين، وباب الرحمة أوسع فلا تعادل. {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} الآية، هذا إخبار بمستقبل وقد وقع وفيه إخبار بمغيبٍ معجزةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان كما أخبر به تعالى. وهذا القول ورد منهم حين بطل احتجاجهم وثبت الرد عليهم فعدلوا إلى أمر حق، وهو أنه لو أراد الله تعالى أن لا يقع شىء من ذلك لم يقع وأورد ذلك على سبيل الحوالة على المشيئة والمقادير مغالطة وحيدة عن الحق وإلحاداً، لا اعتقاداً صحيحاً والذين أشركوا عام في مشركي قريش وغيرهم. ومفعول شاء محذوف تقديره لو شاء الله عدم إشراكنا ما أشركنا. {وَلاَ آبَاؤُنَا} معطوف على الضمير في أشركنا. ولم يحتج إلى توكيد إذ فضل بين الضمير والمعطوف عليه لفظة لا ولو كان في غير القرآن لاحتيج إلى فصل الضمير كما تقول: ما قمنا نحن وزيد. وهذا على مذهب أهل البصرة والكوفيون لا يشترطون الفصل بالضمير في العطف. {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} أي مثل ذلك التكذيب المشار إليه في قوله: فإِن كذبوك كذبت الأمم السالفة. فمتعلق التكذيب هو غير قولهم: لو شاء الله ما أشركنا، أي بنحو هذه الشبهة من ظنهم أن ترك الله دليل على رضاه بحالهم. {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا} غاية لامتداد التكذيب إلى وقت العذاب لأنه إذا حل العذاب لم يبق تكذيب البتة. {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ} هذا استفهام على معنى التهكم بهم وهو إنكار، أي ليس عندكم من علم تحتجون به فتظهروه لنا ما تتبعون في دعاويكم إلا الظن الكاذب الفاسد. وما أنتم إلا تكذبون أو تقدرون وتحذرون. ومن علم: مبتدأ زيدت فيه من، وعندكم: الخبر. {فَتُخْرِجُوهُ} جواب الاستفهام وهو منصوب بحذف النون كقوله تعالى: {أية : فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ}تفسير : [الأعراف: 53]. وان في الموضعين نافية تقديره ما تتبعون وما أنتم. {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ} أي البالغة في الاحتجاج الغالبة كل حجة حيث خلق عقولاً يفكر بها وأسماعاً يسمع بها وأبصاراً يبصر بها. وكل هذه مدارك للتوحيد ولاتباع ما جاء به الرسل عن الله تعالى. {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ} بيّن تعالى كذبهم على الله تعالى وافتراءهم في تحريم ما حرموا منسوباً إلى الله تعالى فقال نبئوني بعلم، وقال: أم كنتم شهداء. ولما انتفى هذان الوجهان انتقل إلى وجه ثالث ليس بهذين الوجهين، وهو أن يستدعي منهم من يشهد لهم بتحريم الله تعالى ما حرموا وهلم هنا على لغة الحجاز إسم فعل وهي متعدية، ولذلك انتصب المفعول به بعدها وتأتي الأزمة كقوله: {أية : هَلُمَّ إِلَيْنَا} تفسير : [الأحزاب: 18]، أي اقبلوا إلينا وإضافة الشهداء إليهم تدل على أنهم غيرهم، وهذا أمر على سبيل التعجيز، أي لا يوجد من يشهد لهم بذلك شهادة حق، لأنها دعوى كاذبة. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} الظاهر في العطف أنه يدل على مغايرة الذوات، والذين كذبوا بآياتنا يعم جميع من كذب الرسول، وإن كان مقراً بالآخرة كأهل الكتاب. {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} قسم من المكذبين بالآيات وهم عبدة الأوثان والجاعلون لربهم عديلاً، وهو المثل عدلوا به الأصنام في العبادة والألوهية. ويحتمل أن يكون العطف من تغاير الصفات والموصوف واحد وهو قول الأكثرين. {بِرَبِّهِمْ} متعلق. {يَعْدِلُونَ} ومفعول يعدلون محذوف، والتقدير وهم يعدلون بربهم غيره من الآلهة التي عبدوها.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا} [146] 192- إنا إسحاق بن إبراهيم، أنا سفيان، عن عمرو، عن طاووس، عن ابن عباس قال: بلغ [عمر] أن سمرة باع خمرا، فقال: قاتل الله سُمرة، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها"تفسير : ، قال سفيان: يعني أذابوها.
همام الصنعاني
تفسير : 871- مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الآية: 146]، قال: الإِبل والنعام، ظفر يد البعير ورجله والنعام أيضاً. كذلك قال: وحرم عليهم مِنَ الطير: الْبطّ وشبهه، كل شيء لَيْسَ بمشقوق الأَصَابعِ. 872- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {أَوِ ٱلْحَوَايَآ}: [الآية: 146] قالَ: هُوَ المِبْعَرُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):