٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
147
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِن كَذَّبُوكَ} شرط، والجواب {فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} أي من سعة رحمته حَلُم عنكم فلم يعاقبكم في الدنيا. ثم أخبر بما أعدّه لهم في الآخرة من العذاب فقال: {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} وقيل: المعنى ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين إذا أراد حلوله في الدنيا.
البيضاوي
تفسير : {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وٰسِعَةٍ} يمهلكم على التكذيب فلا تغتروا بإمهاله فإنه لا يهمل. {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} حين ينزل، أو ذو رحمة واسعة على المطيعين وذو بأس شديد على المجرمين، فأقام مقامه ولا يرد بأسه لتضمنه التنبيه على إنزال البأس عليهم مع الدلالة على أنه لازب بهم لا يمكن رده عنهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: فإن كذبك يا محمد مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم، فقل {رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ} وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة، واتباع رسوله، {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} ترهيب لهم من مخالفتهم الرسول خاتم النبيين، وكثيراً ما يقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن، كما قال تعالى في آخر هذه السورة: {أية : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الأنعام: 165] وقال: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [الرعد: 6] وقال تعالى: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ } تفسير : [الحجر:49-50] وقال تعالى: {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [غافر: 3] وقال: {أية : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } تفسير : [البروج:12-14] والآيات في هذا كثيرة جداً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِن كَذَّبُوكَ } فيما جئت به {فَقُلْ } لهم {رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وٰسِعَةٍ } حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، وفيه تلطف بدعائهم إلى الإِيمان {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ } عذابه إذا جاء {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ تَعَالَواْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمُ عَلَيْكُمُ} وهذا أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، أن يدعو الناس إليه ليتلو عليهم ما حرمه الله عليهم، وما أحله لهم ليقلعوا عما كانت الجاهلية عليه من تحريم المباح وإباحة الحرام. والتلاوة: هي القراءة، والفرق بين التلاوة والمتلو، والقراءة والمقروء أن التلاوة والقراءة للمرة الأولى، والمتلو والمقروء للثانية وما بعدها، ذكره علي بن عيسى، والذي أراه من الفرق بينهما أن التلاوة والقراءة يتناول اللفظ، والمتلو والمقروء يتناول الملفوظ. ثم إن الله أخذ فيا حرم فقال: {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: ألا تشركوا بعبادته عبادة غيره من شيطان أو وثن. والثالث: أن يحمل الأمرين معاً. ثم قال: {وَبَالْوَالِدَينَ إِحْسَاناً} تقديره: وأوصيكم بالوالدين إحساناً، والإحسان تأدية حقوقهما ومجانبة عقوقهما والمحافظة على برهما. {وَلاَ تَقْتُلُوْاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقَكُمْ وَإِيَّاهُمْ} وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق. وفي الإملاق قولان: أحدهما: أنه الإفلاس، ومنه الملق لأنه اجتهاد المفلس في التقريب إلى الغنى طمعاً في تأجيله. والثاني: أن الإملاق ومعناهما قريب وإن كان بينهما فرق، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والسدي، والضحاك، وابن جريج. ثم ذكر فساد اعتقادهم في الإملاق بأن قال: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} لأن رزق العباد كلهم، من كفيل ومكفول، على خالقهم. ثم قال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} وفيها أربعة تأويلات: أحدها: أن ذلك عام في جميع الفواحش سرها وعلانيتها، قاله قتادة. والثاني: أنه خاص في الزنى، ما ظهر منها: ذوات الحوانيت، وما بطن: ذوات الاستسرار، قاله ابن عباس، والحسن، والسدي. والثالث: ما ظهر منها: نكاح المحرمات، وما بطن: الزنى، قاله مجاهد، وابن جبير. والرابع: أن ما ظهر منها: الخمر، وما بطن منها: الزنى، قاله الضحاك. وقد ذكرنا فيه احتمال تأويل خامس: أن ما ظهر منها أفعال الجوارح، وما بطن منها اعتقاد القلوب. ثم قال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} والنفوس المحرمة: نفس مسلم، أو معاهد، والحق الذي تقتل به النفس ما بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْزِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ ". تفسير : ثم قال: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} يعني أن الله وصى عباده بذلك، ووصية الله واجبة. ثم قال: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: تعقلون تحريم ذلك عليكم وتعلمونه. والثاني: تعملون عمل من يعقل وهو ترك ما أوجب العقاب من هذه المحرمات.
ابن عطية
تفسير : يريد {فإن كذبوك} فيما أخبرت به أن الله حرمه عليهم وقالوا لم يحرم الله علينا شيئاً وإنما حرمنا ما حرم إسرائيل على نفسه، قال السدي وهذه كانت مقالتهم {فقل} يا محمد على جهة التعجب من حالهم والتعظيم لفريتهم في تكذيبهم لك مع علمهم بحقيقة ما قلت، {ربكم ذو رحمة واسعة}، إذ لا يعاجلكم بالعقوبة مع شدة جرمكم. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا كما تقول عند رؤية معصية أو أمر مبغي ما أحلم الله، وأنت تريد لإمهاله على مثل ذلك في قوله {ربكم ذو رحمة واسعة} قوة وصفهم بغاية الاجترام وشدة الطغيان، ثم أعقب هذه المقالة بوعيد في قوله {ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} فكأنه قال: ولا تغتروا أيضاً بسعة رحمته فإن له بأساً لا يرد عن المجرمين إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانسها من آيات مكة مرتفع حكمه بالقتال، وأخبر الله عز وجل نبيه عليه السلام: أن المشركين سيحتجون لصواب ما هم عليه من شركهم وتدينهم بتحريم تلك الأشياء بإمهال الله تعالى وتقريره حالهم وأنه شاء غير ذلك لما تركهم على تلك الحال. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وبين أن المشركين لا حجة لهم فيما ذكروه لأنّا نحن نقول: إن الله عز وجل لو شاء ما أشركوا ولكنه عز وجل شاء إشراكهم وأقدرهم على اكتساب الإشراك والمعاصي ومحبته والاشتغال به ثم علق العقاب والثواب على تلك الأشياء والاكتسابات، وهو الذي يقتضيه ظواهر القرآن في قوله {أية : جزاء بما كانوا يكسبون} تفسير : [التوبة: 82-95] ونحو ذلك، ويلزمهم على احتجاجهم أن تكون كل طريقة وكل نحلة صواباً، إذ كلها لو شاء الله لم تكن. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقال بعض المفسرين: إنما هذه المقالة من المشركين على جهة الاستهزاء، وهذا ضعيف، وتعلقت المعتزلة بهذه الآية فقالت: إن الله قد ذم لهم هذه المقالة وإنما ذمها لأن كفرهم ليس بمشيئة الله تعالى بل هو خلق لهم. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وليس الأمر على ما قالوا، وإنما ذم الله تعالى ظن المشركين أن ما شاء الله لا يقع عليه عقاب وأما أنه ذم قولهم: لولا المشيئة لم نكفر فلا، ثم قال {كذلك كذب الذين من قبلهم} وفي الكلام حذف يدل عليه تناسق الكلام، كأنه قال: سيقول المشركون كذا وكذا وليس في ذلك حجة لهم، ولا شيء يقتضي تكذيبك ولكن {كذلك كذب الذين من قبلهم} بنحو هذه الشبهة من ظنهم أن ترك الله لهم دليل على رضاه بحالهم، وفي قوله {حتى ذاقوا بأسنا} وعيد بيّن، وليس في الآية رد منصوص على قولهم: لو شاء الله ما أشركنا، وإنما ترك الرد عليهم مقدراً في الكلام لوضوحه وبيانه، وقوله {ولا آباؤنا} معطوف على الضمير المرفوع في {أشركنا} والعطف على الضمير المرفوع لا يرده قياس، بخلاف المظنون، لكن سيبويه قد قبح العطف على الضمير المرفوع، ووجه قبحه أنه لما بني الفعل صار كحرف من الفعل فقبح العطف عليه لشبهه بالحرف، وكذلك كقولك: قمت وزيد، لأن تأكيده فيه يبين معنى الاسمية، ويذهب عنه شبه الحرف، وحسن عند سيبويه العطف في قوله {وما أشركنا ولا آباؤنا} لما طال الكلام، بـ {لا}، فكان معنى الاسمية اتضح واقتضت - لا ما يعطف بعدها وقوله تعالى: {قل هل عندكم من علم} الآية: المعنى قل يا محمد للكفرة: هل عندكم من علم من قبل الله تعالى فتبينوه حتى تقوم به الحجة، و {من} في قوله {من علم} زائدة مؤكدة وجاءت زيادتها لأن الاستفهام داخل في غير الواجب، {إن تتبعون إلا الظن} أي لا شيء عندكم إلا الظن وهو أكذب الحديث. وقرأ جمهور الناس: "تتبعون" على المخطابة، وقرأ النخعي وإبراهيم وابن وثاب: "إن يتبعوا" بالياء حكاية عنهم. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه قراءة شاذة يضعفها قوله {وإن أنتم} و {تخرصون} معناه: تقدرون وتظنون وترجمون.
الخازن
تفسير : {فإن كذبوك} يعني فإن كذبك اليهود يا محمد فيما أخبرناك أنا حرمنا عليهم وأحللنا لهم مما بينّاه في هذه الآية المتقدمة {فقل ربكم ذو رحمة واسعة} يعني بتأخير العقوبة عنكم فإن رحمته تسع المسيء والمحسن فلا يعجل بالعقوبة على من كفر به أو عصاه {ولا يرد بأسه} يعني ولا يرد عذابه ونقمته إذا جاء وقتهما {عن القوم المجرمين} لما لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله أخبر الله تعالى عنهم بما سيقولونه فقال تعالى: {سيقول الذين أشركوا} يعني مشركي قريش والعرب {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} يعني من قبل، قال المفسرون: جعلوا قولهم لو شاء الله ما أشركنا حجة على إقامتهم على الكفر والشرك. وقالوا: إن الله قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى لا نفعله فلولا أنه رضي ما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به لحالَ بيننا وبين ذلك {ولا حرمنا من شيء} يعني ما حرموه من البحائر والسوائب وغير ذلك، فقال الله عز وجل رداً وتكذيباً لهم {كذلك كذب الذين من قبلهم} يعني من كفار الأمم الخالية الذين كانوا قبل قومك كذبوا أنبياءهم وقالوا مثل قول هؤلاء {حتى ذاقوا بأسنا} يعني عذابنا. (فصل) استدل القدرية والمعتزلة بهذه الآية فقالوا: إن القوم لما قالوا لو شاء الله ما أشركنا كذبهم الله ورد عليهم بقوله {كذلك كذب الذين من قبلهم} وأيضاً فإن الله تعالى حكى عن هؤلاء الكفار صريح مذهب الجبرية وهو قولهم لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك ولمنعنا عن هذا الكفر وحيث لم يمنعنا عنه ثبت أنه مريد له وإذا أراده منا امتنع تركه منا وأجيب عن هذا بأن الله تعالى حكى عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا لو شاء الله ما أشركنا ثم ذكر عقيبة كذلك كذب الذين من قبلهم وهذا التكذيب ليس هو في قولهم لو شاء الله ما أشركنا، بل ذلك القول حق وصدق ولكن الكذب في قولهم إن الله أمرنا به ورضي ما نحن عليه كما أخبر عنهم في سورة الأعراف {أية : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها}تفسير : [الأَعراف: 28] فرد الله تعالى عليهم بقوله {أية : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء}تفسير : [الأَعراف: 28] والدليل أن التكذيب في قولهم إن الله أمرنا بهذا ورضيه منا لا في قولهم لو شاء الله ما أشركنا قوله {كذلك كذب الذين من قبلهم} بالتشديد ولو كان خبراً من الله عن كذبهم في قولهم لو شاء الله ما أشركنا لقال كذلك كذب الذين من قبلهم بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب وقال الحسن بن الفضل: لو قالوا هذه المقالة تعظيماً لله وإجلالاً له ومعرفة بحقه وبما يقولون لما عابهم بذلك، ولكنهم قالوا هذه المقالة تكذيباً وجدلاً من غير معرفة بالله وبما يقولون. وقيل في معنى الآية: إنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة وهو قوله: {لو شاء الله ما أشركنا} إلا أنهم كانوا يعدونه عذراً لأنفسهم ويجعلونه حجة لهم في ترك الإيمان والرد عليهم في ذلك أن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته فإن الله تعالى مريد لجميع الكائنات غير آخر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته فإن مشيئته لا تكون عذراً لأحد عليه في فعله فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ولا يرضى به ولا يأمر به ومع هذا فيبعث الرسل إلى العبد ويأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. فالحاصل أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في شركهم وكفرهم، فأخر الله تعالى أن هذا التمسك فاسد باطل فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله تعالى في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء عليهم السلام والله أعلم. وقوله تعالى: {قل هل عندكم من علم} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين لو شاء الله ما أشركنا ولكنه رضي ما نحن عليه من الشرك هل عندكم يعني بدعواكم ما تدعون من علم يعني من حجة وكتاب يوجب اليقين من العلم {فتخرجوه لنا} يعني فتظهروا ذلك العلم لنا وتبينوه كما بينّا لكم خطأ قولكم وفعلكم وتناقض ذلك واستحالته في العقول {إن تتبعون إلا الظن} يعني فيما أنتم عليه من الشرك وتحريم ما لم يحرمه الله عليكم وتحسبون أنكم على حق وإنما هو باطل {وإن أنتم إلا تخرصون} يعني وما أنتم في ذلك كله إلا تكذبون وتقولون على الله الباطل.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {فإن كذبوك} قال: اليهود . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كانت اليهود يقولون في اللحم: إنما حرمه إسرائيل فنحن نحرمه. فذلك قوله {فإن كذبوك فقل ربكم ..} الآية. والله أعلم .
ابو السعود
تفسير : {فَإِن كَذَّبُوكَ} قيل: الضمير لليهود لأنهم أقربُ ذِكراً ولذكر المشركين بعد ذلك بعنوان الإشراك، وقيل: للمشركين، فالمعنى على الأول إن كذبتْك اليهودُ في الحكم المذكورِ وأصروا على ما كانوا عليه من ادعاء قِدَم التحريم {فَقُلْ} لهم {رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وٰسِعَةٍ} لا يؤاخذكم بكل ما تأتونه من المعاصي ويُمهلكم على بعضها {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ} بالكلية {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} فلا تنكروا ما وقع منه تعالى من تحريمِ بعضِ الطيبات عليكم عقوبةً وتشديداً، وعلى الثاني فإن كذبك المشركون فيما فُصل من أحكام التحليل والتحريمِ فقل لهم: ربُكم ذو رحمةٍ واسعة لا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فإنه إمهالٌ لا إهمالٌ، وقيل: ذو رحمةٍ للمطيعين وذو بأس شديد على المجرمين فأقيم مُقامَه قوله تعالى: {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ} الخ، لتضمنه التنبـيهَ على إنزال البأسِ عليهم مع الدلالة على أنه لا حقّ بهم البتةَ من غير صارفٍ يصرِفه عنهم أصلاً. {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} حكاية لفن آخرَ من كفرهم، وإخبارُه قبل وقوعِه ثم وقوعُه حسبما أُخبر به كما يحكيه قوله تعالى عند وقوعِه: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآء ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } تفسير : [النمل، الآية 35] صريحٌ في أنه من عند الله تعالى {لَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} أي لو شاء خلافَ ذلك مشيئةَ ارتضاءٍ لما فعلنا الإشراك نحن {وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْء} أرادوا به أن ما فعلوه حقٌّ مرضيٌّ عند الله تعالى لا الاعتذارَ من ارتكاب هذه القبائحِ بإرادة الله تعالى إياها منهم حتى ينتهض ذمُّهم به دليلاً للمعتزلة، ألا يُرى إلى قوله تعالى: {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي مثلَ ما كذّبك هؤلاءِ في أنه تعالى منَع من الشرك ولم يحرِّم ما حرموه كذّب متقدِّموهم الرسلَ فإنه صريحٌ فيما قلنا، وعطفُ آباؤنا على الضمير للفصل بلا {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا} الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم {قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ} من أمر معلوم يصِحّ الاحتجاجُ به على ما زعمتم {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} أي فتُظهروه لنا {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} أي ما تتبعون في ذلك إلا الظنَّ الباطلَ الذي لا يغني من الحق شيئاً {وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} تكذِبون على الله عز وجل وليس فيه دلالةٌ على المنع من اتباع الظنِّ على الإطلاق بل فيما يعارضه قطعي. {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ} الفاء جوابُ شرطٍ محذوفٍ أي وإذ قد ظهر أن لا حجةَ لكم فللَّه الحجةُ البالغة أي البـينةُ الواضحة التي بلغت غايةَ المتانةِ والثباتِ أو بلغ بها صاحبُها صحةَ دعواه، والمرادُ بها الكتابُ والرسولُ والبـيانُ، وهي من الحج بمعنى القصدَ كأنها تقصُد إثباتَ الحُكم وتطلُبه {فَلَوْ شَاء} هدايتَكم جميعاً {لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} بالتوفيق لها والحملِ عليها ولكن لم يشأْ هدايةَ الكلِّ بل هدايةَ البعضِ الصارفين هِممَهم إلى سلوك طريقِ الحقِّ وضلالَ آخرين صرفوا اختيارَهم إلى خلاف ذلك من غير صارفٍ يَلْويهم ولا عاطفٍ يَثْنيهم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ}[147] قال سهل: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعرض عنك فرغبه فيَّ، فإن من رغب فينا ففيك رغب لا غير، فأطمعهم في الرحمة، ولا تقطع قلبك عنهم {فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ}[147].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} [الآية: 147]. قال سهل: قيل للنبى صلى الله عليه وسلم من أعرض عنك فرغبه فىَّ، فإنه من رغب فينا ففيك رغب لا غير. قال الله تعالى: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ}: أطمعهم فى الرحمة ولا تقطع قلبك عنهم.
القشيري
تفسير : الإشارة منه بيان تخصيص الأولياء بالرحمة وتخصيص الأعداءِ بالطرد واللعنة. والصورة الإنسانية جامعة ولكن القسمة الأزلية فاصلةٌ بينهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ} فيه تسلى قلب نبيه صلى الله عليه وأله وسلم واطماعه من الله سبحانه فى ارجاع من سبق له فى الازل حسن عنايته الى باب كرمه وعفوه وان كان فى صورة الامتحان اى هو واسع الرحمة على الاكوان واهلها يحتمل جفاء المدبرين ويواسيهم بما يصلح لا بذاتهم من المعاش وتقبل على المتقبلين فيربى قلوبهم بلطائف خطابه وانوار جماله وايضا رغب الجمهور على ما هم فيه الى سواحل بحار لطفه وساحة جلال كرمه سوقا منه الى وصول مصنوعات من الارواح والاشباح اليه وفيه موساة قلب نبيه صلى الله عليه وأله وسلم اى فان حفوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة بتخليصى وتخليص اوليائه عن جوار كما الى جواره الكريم قال سهل قيل للنبى صلى الله عليه وأله وسلم من اعرض عنك فرغبة فى ذاته من غرب فينا ففيك رغب لا غير قال الله فان كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة اطعمهم فى الرحمة ولا تقطع قلبك عنهم قال الاستاد الاشارة فيه بيان تخصيصه الاولياء بالرحمة وتخصيص الاعداء بالطرد واللعنة فالصورة الانسانية جامعة لهم والقسمة الازلية فاصلة بينهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فان كذبوك} اى اليهود والمشركون فيما فصل من احكام التحليل والتحريم {فقل ربكم ذو رحمة واسعة} لا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فانه امهال لا اهمال {ولا يرد بأسه} عذابه {عن القوم المجرمين} حين ينزل.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {فإن كذبوك} يا محمد، {فقل} لهم: {ربكم ذو رحمة واسعة} يُمهلكم على التكذيب، فلا تغتروا بإمهاله؛ فإنه يُمهل ولا يُهمل. ولذلك أعقبه بقوله: {ولا يُرَدُّ بأسه عن القوم المجرمين} حين ينزل بهم، أو ذو رحمة واسعة على المطيعين، وذو بأس شديد على المجرمين، فأقام مقامه: {ولا يُرَدُّ بأسه عن القوم المجرمين}، لتضمنه التنبيه على إنزال البأس عليهم، مع الدلالة على أنه لازب لا يمكن رده. قاله البيضاوي. وفي ابن عطية: ولكن لا تغتروا بسعة رحمته، فإن له بأسًا لا يُرد عن القوم المجرمين. هـ. الإشارة: يُؤخذ من تقديم الرحمة الواسعة على البأس الشديد أن جانب الرجاء أقوى من جانب الخوف؛ لأن حسن الظن بالله مطلوب من العبد على كل حال، لأن الرجاء وحسن الظن يستوجبان محبة العبد وإيحاشه إلى سيده بخلاف الخوف، وهذا مذهب الصوفية: أن تغليب الرجاء هو الأفضل في كل وقت، ومذهب الفقهاء أن حال الصحة ينبغي تغليب الخوف لينزجر عن العصيان، وحال المرض يغلب الرجاء؛ إذ لا ينفع حينئذٍ، فالصوفية يرون أن العبد معزول عن الفعل، فليس له قدرة على فعل ولا ترك. وإنما ينظر ما تفعل به القدرة، فهو كحال المستشرف على الموت. والفقهاء يرون أن العبد له كسب واختيار. والله تعالى أعلم. ولا ينفع الاحتجاج بالقدر على كلا المذهبين، كما قال تعالى: {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا}.
الطوسي
تفسير : المعنى بقوله {فإن كذبوك} قيل فيه قولان: احدهما - قال مجاهد والسدي: انهم اليهود، لانهم زعموا أنهم حرموا الثروب، لان اسرائيل حرمها على نفسه، فحرموها هم اتباعا له دون ان يكون الله حرم ذلك على لسان موسى. الثاني - انه يرجع الى جميع المشركين في قول الجبائي وغيره على ظاهر الآية، فقال الله لنبيه {فإن كذبوك} يا محمد في اني حرمت ذلك على اليهود على لسان موسى {فقل} لهم {ربكم ذو رحمة واسعة} واقتضى ذكر الرحمة أحد امرين: الاول - انه برحمته أمهلهم مع تكذيبهم، بالمؤاخذة عاجلا - في قول أبي علي الجبائي -. الثاني - انه ذكر ذلك ترغيبا لهم في ترك التكذيب وتزهيدا في فعله وانما قابل بين لفظ الماضى في قوله {كذبوك} بالمستقبل في قوله {فقل} لتأكيد وقوع القول بعد التكذيب اذ كونه جوابا يدل على ذلك. و {ذو} بمعنى صاحب. والفرق بينهما ان احدهما يصح ان يضاف الى المضمر، ولا يصح في الآخر، لان {ذو} وصلة الى الصفة بالجنس، ولذلك جعل ناقصا لا يقوم بنفسه دون المضاف اليه، والمضمر ليس بجنس ولا يصح ان يوصف به. وقوله {ولا يرد بأسه} معناه لا يمكن احدا أن يرده عنهم، وهو أبلغ من قوله بأسه نازل بالمجرمين، لانه دل على هذا المعنى وعلى ان أحدا لا يمكنه ردُّه. وقوله {عن القوم المجرمين} معناه ان أحدا لا يتمكن من ردِّ عقاب الله عن العصاة المستحقين للعقاب مع انه تعالى ذو رحمة واسعة.
الجنابذي
تفسير : {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ} لانّه لا مانع له من انفاذه {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} جمع بين شأنى اللّطف والقهر والارجاء والتّخويف والوعد والوعيد تعليماً لمحمّد (ص) واوصيائه (ع) طريق الدّعوة وتكميلاً له فيها وتثبيتاً له فى الدّعوة بين جهتى الرّضا والسّخط، فانّه لا يتمّ الدّعوة الاّ بهما، فالمعنى فان كذّبوك فلا تخرج عن التّوسّط وعدهم رحمة الرّبّ باضافة الرّبّ اليهم اظهاراً للّطف بهم وقل ربّكم ذو رحمة واسعة فيرحمكم ولا يؤاخذكم بجهالاتكم، ولكن اذا اراد مؤاخذتكم فلا رادّ لمؤاخذته فاحذروها.
الهواري
تفسير : قوله: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} أي لمن تاب من شركه وقَبِل ما أنزل الله {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ} أي عذابه {عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ} أي المشركين في هذا الموضع، يعني عذاب الساعة، أي النفخة التي يهلك الله بها كفار آخر هذه الأمة في تفسير الحسن، بتكذيبهم النبيَّ عليه السلام. قوله: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} أي ما حرّموا على أنفسهم من الأنعام والحرث. قال مشركو العرب: لو كره الله ما نحن عليه لحوَّلَنا عنه. قال الله: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} أي عذابنا، يعني من أهلك منهم من الأمم السالفة حين كذَّّبُوا رسلهم، فقال الله للنبي عليه السلام: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ} أن الذي أنتم عليه من الشرك أني أمرتكم به {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} أي: إِنْ هذا منكم إلا ظن. {وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} أي تكذبون. قوله: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ البَالِغَةُ} أي فقد قامت عليكم الحجة وجاءكم الرسول. {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} كقوله: (أية : وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).تفسير : [السجدة:13]. قوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا} يعني ما حرّموا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وما حرَّموا من الحرث. {فَإِن شَهِدُوا} أي فلا يجدون من يشهد لهم {فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} وإنما هذه صفة، ولا يكون ذلك {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أي يعدلون به الأصنام فيعبدونها.
اطفيش
تفسير : {فإنْ كذَّبوكَ} أى فإن كذبك اليهود فيما أخبرناك به من بغى وجزاء وتحريم، ومن تحليل، وقد كان تكذيبك تكذيبا لنا، وقيل: الضمير لمشركى قريش والأول أظهر. {فقُلْ ربُّكم ذُو رحمةٍ واسعةٍ} بالإمهال لكم ولأشباهكم من العصاة، وبالرحمة الدنوية لكل أحد، وبالجنة لمن تاب ولم يصر {ولا يُرد بأسُه} عذابه إذا جاء فى الدنيا أو فى الآخرة، وقيل: نفخة الموت {عَنِ القومِ المجْرمينَ} بتكذيب الأنبياء أو قتلهم أو بالشرك أو ما دون ذلك من الكبائر، وأنتم منهم، فلا يرد بأسه عنكم إذا جاءكم، فهذا وعيد لهم على طريقة البرهان، ووضع الظاهر موضع المضمر، ليصفهم بالإجرام، أى ولا يرد بأسه عنكم، وفى تقديم ذكر الرحمة وسعتها وعدم التصريح بإجرامهم تلطف فى دعائهم إلى التوبة، ولكن قد أشار إليهم أن لا يغتروا برحمته، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى أن المشركين سيحجون لتصويب ما هم عليه من شرك وتحليل وتحريم وشرك فقال:
اطفيش
تفسير : {فَإِنْ كَذَّبُوكَ} فيما جئت به من ذمهم وتقبيحهم لمعاصيهم ومن سائر الوحى إِليك. والضمير للمشركين فيما يقولون ويفعلون كالبحيرة ولليهود كذلك، وفى قولهم إِن التحريم علينا متقدم قبلنا على من قبلنا ونحو ذلك، وقيل لليهود لقرب ذكرهم ولأَن المشركين ذكروا بعد، وقيل للمشركين {فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} أَمهلكم إِمهالا، ولولا رحمته لعاجلكم بعقاب يستأصلكم، فإِنكم أَهل للعذاب وتعجيله، فلا تغتروا بعدم تعجيله وبقولكم أَنكم أَحباء الله وإِنكم مهملون، ومعفو عنكم، وزجرهم عن هذا الاغترار وتوهم الرضى عنهم بقوله {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ المُجْرِمينَ} إِذا جاءَ أَى لا يرد عذابه عنكم، ووضع القوم المجرمين موضع الكاف ليصفهم بالإِجرام الموجب فيعلموا أَنهم استحقوا البأس عند الله لإِجرامهم. وإِنما أَخره رحمة بكم للاستجلاب إِلى الإِيمان، والمراد ذو رحمة واسعة للمؤمنين ولمن تاب، ولا يرد بأسه عنكم أَو عن كل مجرم فيدخلون فى المجرمين أَولا وبالذات، أَو ذو رحمة لى لتصديقى ومنتقم منكم لتكذيبكم فإِنه لا يرد بأسه إِلخ، ونفى رد البأس كناية عن مجيئه، ومع قولنا إِذا جاءَ كان صريحاً والجملة معطوفة على ذو رحمة أَو على ربكم ذو رحمة، وهى مما تسلط عليه قل، ولما أَيقن المشركون ببطلان حجتهم فى تحريم ما حرموا التجأوا إِلى التكذب على الله بأَنه أَجْبَرهم على الإِشراك وتحريم ما حرموا فقالوا "أية : لو شاءَ الله ما عبدنا" تفسير : [النحل: 35] إِلخ كما فى سورة النحل فقال عنهم قبل قولهم ذلك.
الالوسي
تفسير : {فَإِن كَذَّبُوكَ} أي اليهود كما قال مجاهد والسدي وغيرهما وهو الذي يقتضيه الظاهر لأنهم أقرب ذكراً ولذكر المشركين بعد بعنوان الإشراك، وقيل: الضمير للمشركين. فالمعنى على الأول: إن كذبك اليهود في الحكم المذكور وأصروا على ما كانوا عليه من ادعاء قدم التحريم {فَقُلْ} لهم {رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ} عظيمة {وَاسِعَةٌ} لا يؤاخذكم بكل ما تأتونه من المعاصي ويمهلكم على بعضها {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ} أي لا يدفع عذابه بالكلية {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} فلا تنكروا ما وقع منه تعالى من تحريم بعض الطيبات عليكم عقوبة وتشديداً. وعلى الثاني: فإن كذبك المشركون فيما فصل من أحكام التحليل والتحريم فقل لهم ربكم ذو رحمة واسعة ولا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فإنه إمهال لا إهمال. وقيل يحتمل أن يكون المراد أنه تعالى ذو رحمة واسعة فهو يرحمني بتوفيق كثير لتصديقي فلا يضرني تكذيبكم ويضركم لأنه لا يرد بأسه عن المجرمين المكذبين أو سيرحمني بالانتقام منكم ولا يرد بأسه عنكم وفيه بعد، وقيل: المراد ذو رحمة للمطيعين وذو بأس شديد على المجرمين فأقيم مقامه قوله تعالى: {وَلاَ يُرَدُّ} الخ لتضمنه التنبيه على إنزال البأس عليهم مع الدلالة أنه لاحق بهم البتة من غير صارف يصرفه عنهم أصلاً.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على الكلام السّابق الذي أبطل تحريم ما حرّموه، ابتداء من قوله: { أية : ثمانية أزواج } تفسير : [الأنعام: 143] الآيات أي: فإن لم يرعَوُوا بعد هذا البيان وكذّبوك في نفي تحريم الله ما زعموا أنَّه حرّمه فذكِّرهم ببأس الله لعلّهم ينتهون عمّا زعموه، وذكِّرهم برحمته الواسعة لعلّهم يبادرون بطلب ما يخوّلهم رحمته من اتّباع هَدي الإسلام، فيعود ضمير: {كذبوك} إلى المشركين وهو المتبادر من سياق الكلام: سابِقِه ولاحقه، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون في قوله: {فقل ربكم ذو رحمة واسعة} تنبيه لهم بأنّ تأخير العذاب عنهم هو إمهال داخل في رحمة الله رحمة مؤقّته، لعلّهم يسلمون. وعليه يكون معنى فعل: {كذبوك} الاستمرار، أي إن استمرّوا على التّكذيب بعد هذه الحجج. ويجوز أن يعود الضّمير إلى { أية : الذين هادوا } تفسير : [الأنعام: 146]، تكملة للاستطراد وهو قول مجاهد والسُدّي: أنّ اليهود قالوا لم يُحرّم الله علينا شيئاً وإنَّما حرّمنا ما حرّم إسرائيل على نفسه، فيكون معنى الآية: فَرْض تكذيبهم قوله: { أية : وعلى الذين هادوا حرمنا } تفسير : [الأنعام: 146] إلخ، لأنّ أقوالهم تخالف ذلك فهم بحيث يكذّبون ما في هذه الآية، ويشتبه عليهم الإمهال بالرّضى، فقيل لهم: {ربكم ذو رحمة واسعة}. ومن رحمته إمهاله المجرمين في الدّنيا غالباً. وقوله: {ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} فيه إيجاز بحذف تقديره: وذو بأس ولا يُردّ بأسه عن القوم المجرمين إذا أراده. وهذا وعيد وتوقّع وهو تذييل، لأنّ قوله: {عن القوم المجرمين} يعمّهم وغيرهم وهو يتضمّن أنهم مجرمون.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَاسِعَةٍ} (147) - فَإِنْ كَذَّبَكَ قَوْمُكَ يَا مُحَمَّدُ، وَكَذَّبَكَ اليَهُودُ، فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللهَ وَاسِعُ الرَّحْمَةِ - وَفِي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ لَهُمْ فِي ابْتِغَاءِ رَحْمَةِ اللهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ - فَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى عِنَادِهِمْ، وَكُفْرِهِمْ، فَحَذِّرْهُمْ مِنْ نِقْمَةِ اللهِ، وَعَذَابِهِ، فَإِنَّ بَأْسَ اللهِ تَعَالَى شَدِيدٌ، وَلاَ يَرُدُّهُ شَيءٌ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ. لاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ - لاَ يُدْفَعُ عَذَابُهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكان مقتضى أنهم يكذبونك فيما أخبرت به عن الله، أن يجعل الله لهم بالعذاب؛ لكن الحق لم يعجل لهم بالعذاب لأنه ذو رحمة واسعة. {فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} [الأنعام: 147] ولكن إياكم أن تطمعوا في الرحمة الدائمة؛ إنها تأجيل فقط. ولن يفوتكم عذابه، وهنا يحننهم ايضاً فيقول سبحانه: {رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} وكأنه يقول لهم: راجعوا أنفسكم واستحوا من الله ولا يغرنّكم انه ربّ، خلق من عَدَم وأمدَّ من عُدْم، وتولّى التربية، لكنه لن يرد ويمنع بأسه وعذابه عن القوم المجرمين منكم. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ...}
الجيلاني
تفسير : {فَإِن كَذَّبُوكَ} وعاندوك فيما تلونا عليك {فَقُلْ} لهم إمحاضاً للنصح على مقتضى مرتبة النبوة: {رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} يمهلكم على ما أنتم عليه ويوسع عليكم على مقتضى رحمته وجماله {وَ} الحال أنه {لاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ} وبطشه على مقتضى غيرته وحميته وجلاله {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 147] الذين أجرموا على الله بالخروج عن مقتضى أحكامه النازلة على ألسنة رسله. {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} على سبيل التكذيب والإنكار فيما جئت به: و{لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} ما أنت ترويه عنه وتدعيه بالنسبة إلينا {مَآ أَشْرَكْنَا} مع أنه القادر على جميع ما أراد {وَلاَ} أشرك {آبَاؤُنَا} أيضاً {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} مما أجزت تحريمه عنه بالنسبة إلينا بل ما هي إلا مفتريات تخترعه من عندك {كَذٰلِكَ} مثل تكذيبهم لك بأمثال هذه الهذيانات الباطلة {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِم} أنبياءهم {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا} الذي أنزلنا عليهم واستأصلناهم بتكذيبهم، وإن أردت إلزامهم وتبكيتهم {قُلْ} لهم مستفهماً: {هَلْ} حصل {عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ} نقل صريح وحجة واضحة موردة من عند الله {فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ} وتظهروه حتى نتبعه، ونقبله؟ فإن لم يخرجوا فقل لهم: {إِن تَتَّبِعُونَ} أي: ما تتبعون {إِلاَّ ٱلظَّنَّ} الذي لا يغني من الحق شيئاً {وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148] تكذبون على الله افتراء ومراء، فأعرض عنهم ودع مجادلتهم ومخاطبتهم. {قُلْ} يا أكمل الرسل بدما ألزموا وأفحموا: {فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ} البينة الواضحة {ٱلْبَالِغَةُ} حد الكمال {فَلَوْ شَآءَ} هدايتكم {لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] أي: لأوضح حجته عليكم ووفقكم إلى قبوله، ولكن لم تتعلق مشيئته على هدايتكم لذلك أصررتم واستكبرتم، وإذا لم ينتبهوا بعد إلقاء حجة الله عليهم بل أصروا على تقليد أحبارهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: فإن كذبك هؤلاء المشركون، فاستمر على دعوتهم، بالترغيب والترهيب،وأخبرهم بأن الله { ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ } أي: عامة شاملة [لجميع] المخلوقات كلها، فسارعوا إلى رحمته بأسبابها، التي رأسها وأسها ومادتها، تصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به. { وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } أي: الذين كثر إجرامهم وذنوبهم.فاحذروا الجرائم الموصلة لبأس الله، التي أعظمها ورأسها تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):