Verse. 937 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

سَيَقُوْلُ الَّذِيْنَ اَشْرَكُوْا لَوْ شَاۗءَ اللہُ مَاۗ اَشْرَكْنَا وَلَاۗ اٰبَاۗؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ۝۰ۭ كَذٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِہِمْ حَتّٰي ذَاقُوْا بَاْسَـنَا۝۰ۭ قُلْ ہَلْ عِنْدَكُمْ مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوْہُ لَنَا۝۰ۭ اِنْ تَتَّبِعُوْنَ اِلَّا الظَّنَّ وَاِنْ اَنْتُمْ اِلَّا تَخْرُصُوْنَ۝۱۴۸
Sayaqoolu allatheena ashrakoo law shaa Allahu ma ashrakna wala abaona wala harramna min shayin kathalika kaththaba allatheena min qablihim hatta thaqoo basana qul hal AAindakum min AAilmin fatukhrijoohu lana in tattabiAAoona illa alththanna wain antum illa takhrusoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا» نحن «ولا آباؤنا ولا حرَّمنا من شيء» فإشراكنا وتحريمنا بمشيئته فهو راض به قال تعالى: «كذلك» كما كذب هؤلاء «كذَّب الذين من قبلهم» رسلهم «حتى ذاقوا بأسنا» عذابنا «قل هل عندكم من علم» بأن الله راضى بذلك «فتخرجوه لنا» أي لا علم عندكم «إن» ما «تتَّبعون» في ذلك «إلا الظن وإن» ما «أنتم إلا تخرصون» تكذبون فيه.

148

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن أهل الجاهلية إقدامهم على الحكم في دين الله بغير حجة ولا دليل، حكى عنهم عذرهم في كل ما يقدمون عليه من الكفريات، فيقولون: لو شاء الله منا أن لا نكفر لمنعنا عن هذا الكفر، وحيث لم يمنعنا عنه، ثبت أنه مريد لذلك فإذا أراد الله ذلك منا امتنع منا تركه فكنا معذورين فيه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المعتزلة زعموا أن هذه الآية تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: فالوجه الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار صريح قول المجبرة وهو قولهم: لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك، وإنما حكى عنهم هذا القول في معرض الذم والتقبيح، فوجب كون هذا المذهب مذموماً باطلاً. والوجه الثاني: أنه تعالى قال: {كَذَّبَ } وفيه قراءتان بالتخفيف وبالتثقيل. أما القراءة بالتخفيف فهي تصريح بأنهم قد كذبوا في ذلك القول، وذلك يدل على أن الذي تقوله المجبرة في هذه المسألة كذب. وأما القراءة بالتشديد، فلا يمكن حملها على أن القوم استوجبوا الذم بسبب أنهم كذبوا أهل المذاهب، لأنا لو حملنا الآية عليه لكان هذا المعنى ضداً لمعنى الذي يدل عليه قراءة {كَذَّبَ } بالتخفيف، وحينئذ تصير إحدى القراءتين ضداً للقراءة الأخرى، وذلك يوجب دخول التناقض في كلام الله تعالى، وإذا بطل ذلك وجب حمله على أن المراد منه أن كل من كذب نبياً من الأنبياء في الزمان المتقدم، فإنه كذبه بهذا الطريق، لأنه يقول الكل بمشيئة الله تعالى، فهذا الذي أنا عليه من الكفر، إنما حصل بمشيئة الله تعالى، فلم يمنعني منه، فهذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين والمتأخرين في تكذيب الأنبياء، وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم، فإذا حملنا الآية على هذا الوجه صارت القراءة بالتشديد مؤكدة للقراءة بالتخفيف ويصير مجموع القراءتين دالاً على إبطال قول المجبرة. الوجه الثالث: في دلالة الآية على قولنا قوله تعالى: {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا } وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله تعالى في ذهابهم إلى هذا المذهب. الوجه الرابع: قوله تعالى: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فتخرجوه لَنَا } ولا شك أنه استفهام على سبيل الإنكار، وذلك يدل على أن القائلين بهذا القول ليس لهم به علم ولا حجة، وهذا يدل على فساد هذا المذهب، لأن كل ما كان حقاً كان القول به علماً. الوجه الخامس: قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } مع أنه تعالى قال في سائر الآيات: {أية : إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا }تفسير : [يونس: 36]. والوجه السادس: قوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } والخرص أقبح أنواع الكذب، وأيضاً قال تعالى: {أية : قُتِلَ ٱلْخَـٰرصُونَ } تفسير : [الذاريات: 10]. والوجه السابع: قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ } وتقريره: أنهم احتجوا في دفع دعوة الأنبياء والرسل على أنفسهم بأن قالوا: كل ما حصل فهو بمشيئة الله تعالى، وإذا شاء الله منا ذلك، فكيف يمكننا تركه؟ وإذا كنا عاجزين عن تركه، فكيف يأمرنا بتركه؟ وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي بفعل على خلاف مشيئة الله تعالى؟ فهذا هو حجة الكفار على الأنبياء، فقال تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ } وذلك من وجهين: الوجه الأول: أنه تعالى أعطاكم عقولاً كاملة، وأفهاماً وافية، وآذاناً سامعة، وعيوناً باصرة، وأقدركم على الخير والشر، وأزال الأعذار والموانع بالكلية عنكم، فإن شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات، وإن شئتم إلى عمل المعاصي والمنكرات، وهذه القدرة والمكنة معلومة الثبوت بالضرورة، وزوال الموانع والعوائق معلوم الثبوت أيضاً بالضرورة، وإذا كان الأمر كذلك كان ادعاؤكم أنكم عاجزون عن الإيمان والطاعة دعوى باطلة فثبت بما ذكرنا أنه ليس لكم على الله حجة بالغة! بل لله الحجة البالغة عليكم. والوجه الثاني: أنكم تقولون: لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة الله تعالى، لكنا قد غلبنا الله وقهرناه، وأتينا بالفعل على مضادته ومخالفته، وذلك يوجب كونه عاجزاً ضعيفاً، وذلك يقدح في كونه إلهاً. فأجاب تعالى عنه: بأن العجز والضعف إنما يلزم إذا لم أكن قادراً على حملهم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء، وأنا قادر على ذلك وهو المراد من قوله: {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } إلا أني لا أحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء، لأن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف، فثبت بهذا البيان أن الذي يقولونه من أنا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله، فإنه يلزم منه كونه تعالى عاجزاً ضعيفاً، كلام باطل فهذا أقصى ما يمكن أن يذكر في تمسك المعتزلة بهذه الآية. والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول: إنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا، ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات وأجبنا عنها بأجوبة واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة. وإذا ثبت هذا، فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لوقع التناقض الصريح في كتاب الله تعالى فإنه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه. إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكى عن القوم أنهم قالوا {لَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا } ثم ذكر عقيبه {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } فهذا يدل على أن القوم قالوا لما كان الكل بمشيئة الله تعالى وتقديره، كان التكليف عبثاً، فكانت دعوى الأنبياء باطلة، ونبوتهم ورسالتهم باطلة، ثم إنه تعالى بين أن التمسك بهذا الطريق في إبطال النبوة باطل، وذلك لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا اعتراض عليه لأحد في فعله، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر، ومع هذا فيبعث إليه الأنبياء ويأمره بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. فالحاصل: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في إبطال نبوة الأنبياء، ثم إنه تعالى بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء، وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية، وجميع الوجوه التي ذكرتموها في التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة لله على دفع دعوة الأنبياء، فيكون الحاصل: أن هذا الاستدلال باطل، وليس فيه البتة ما يدل على أن القول بالمشية باطل. فإن قالوا: هذا العذر إنما يستقيم إذ قرأنا قوله تعالى: {كَذٰلِكَ كَذَّبَ } بالتشديد. وأما إذا قرأناه بالتخفيف، فإنه يسقط هذا العذر بالكلية فنقول فيه وجهان. الأول: أنا نمنع صحة هذه القراءة، والدليل عليه أنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا: فلو كانت هذه الآية دالة على قولهم، لوقع التناقض، ولخرج القرآن عن كونه كلاماً لله تعالى، ويندفع هذا التناقض بأن لا تقبل هذه القراءة، فوجب المصير إليه. الثاني: سلمنا صحة هذه القراءة لكنا نحملها على أن القوم كذبوا في أنه يلزم من ثبوت مشيئة الله تعالى في كل أفعال العباد سقوط نبوة الأنبياء وبطلان دعوتهم، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يبق للمعتزلة بهذه الآية تمسك البتة، والحمد لله الذي أعاننا على الخروج من هذه العهدة القوية، ومما يقوي ما ذكرناه ما روي أن ابن عباس قيل له بعد ذهاب بصره ما تقول فيمن يقول: لا قدر، فقال إن كان في البيت أحد منهم أتيت عليه ويله أما يقرأ {أية : إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49] {أية : إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ } تفسير : [يۤس: 12] وقال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم، قال له اكتب القدر، فجرى بما يكون إلى قيام الساعة، وقال صلوات الله عليه: «حديث : المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة»تفسير : . المسألة الثانية: زعم سيبويه أن عطف الظاهر على المضمر المرفوع في الفعل قبيح، فلا يجوز أن يقال: قمت وزيد، وذلك لأن المعطوف عليه أصل، والمعطوف فرع، والمضمر ضعيف، والمظهر قوي، وجعل القوي فرعاً للضعيف، لا يجوز. إذا عرفت هذا الأصل فنقول: إن جاء الكلام في جانب الإثبات، وجب تأكيد الضمير فنقول: قمت أنا وزيد، وإن جاء في جانب النفي قلت ما قمت ولا زيد. إذا ثبت هذا فنقول قوله: {لَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا } فعطف قوله: {وَلاَ آبَاؤُنَا } على الضمير في قوله: {مَا أَشْرَكْنَا } إلا أنه تخلل بينهما كلمة لا فلا جرم حسن هذا العطف. قال في جامع الأصفهاني: إن حرف العطف يجب أن يكون متأخراً عن اللفظة المؤكدة للضمير حتى يحسن العطف ويندفع المحذور المذكور من عطف القوي على الضعيف، وهذا المقصود إنما يحصل إذا قلنا: {مَا أَشْرَكْنَا نَّحْنُ وَلا ءآبَاؤُنَا } حتى تكون كلمة {لا } مقدمة على حرف العطف. أما ههنا حرف العطف مقدم على كلمة {لا } وحينئذ يعود المحذور المذكور. فالجواب: أن كلمة {لا } لما أدخلت على قوله: {ءآبَاؤُنَا } كان ذلك موجباً إضمار فعل هناك، لأن صرف النفي إلى ذوات الآباء محال، بل يجب صرف هذا النفي إلى فعل يصدر منهم، وذلك هو الإشراك، فكان التقدير: ما أشركنا ولا أشرك آباؤنا، وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا على قولهم الكل بمشيئة الله تعالى بقوله: {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } فكلمة «لو» في اللغة تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فدل هذا على أنه تعالى ما شاء أن يهديهم، وما هداهم أيضاً. وتقريره بحسب الدليل العقلي، أن قدرة الكافر على الكفر إن لم تكن قدرة على الإيمان فالله تعالى على هذا التقدير ما أقدره على الإيمان، فلو شاء الإيمان منه، فقد شاء الفعل من غير قدرة على الفعل، وذلك محال ومشيئة المحال محال، وإن كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان توقف رجحان أحد الطرفين على حصول الداعية المرجحة. فإن قلنا: إنه تعالى خلق تلك الداعية فقد حصلت الداعية المرجحة مع القدرة، ومجموعهما موجب للفعل، فحيث لم يحصل الفعل علمنا أن تلك الداعية لم تحصل، وإذا لم تحصل امتنع منه فعل الإيمان، وإذا امتنع ذلك منه، امتنع أن يريده الله منه، لأن إرادة المحال محال ممتنع، فثبت أن ظاهر القرآن دل على أنه تعالى ما أراد الإيمان من الكافر، والبرهان العقلي الذي قررناه يدل عليه أيضاً، فبطل قولهم من كل الوجوه، وأما قوله: تحمل هذه الآية على مشيئة الإلجاء فنقول: هذا التأويل إنما يحسن المصير إليه لو ثبت بالبرهان العقلي امتناع الحمل على ظاهر هذا الكلام، أما لو قام البرهان العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه هذا الظاهر، فكيف يصار إليه؟ ثم نقول: هذا الدليل باطل من وجوه: الأول: أن هذا الكلام لا بد فيه من إضمار، فنحن نقول: التقدير: لو شاء الهداية لهداكم، وأنتم تقولون التقدير: لو شاء الهداية على سبيل الإلجاء لهداكم، فإضماركم أكثر فكان قولكم مرجوحاً. الثاني: أنه تعالى يريد من الكافر الإيمان الاختياري، والإيمان الحاصل بالإلجاء غير الإيمان الحاصل بالاختيار، وعلى هذا التقدير يلزم كونه تعالى عاجزاً عن تحصيل مراده، لأن مراده هو الإيمان الاختياري، وأنه لا يقدر البتة على تحصيله، فكان القول بالعجز لازماً. الثالث: أن هذا الكلام موقوف على الفرق بين الإيمان الحاصل بالاختيار، وبين الإيمان الحاصل بالإلجاء. أما الإيمان الحاصل بالاختيار. فإنه يمتنع حصوله إلا عند حصول داعية جازمة، وإرادة لازمة فإن الداعية التي يترتب عليها حصول الفعل، إما أن تكون بحيث يجب ترتب الفعل عليها أو لا يجب. فإن وجب فهي الداعية الضرورية، وحينئذ لا يبقى بينها وبين الداعية الحاصلة بالإلجاء فرق وإن لم تجب ترتب الفعل عليها، فحينئذ يمكن تخلف الفعل عنها، فلنفرض تارة ذلك الفعل متخلفاً عنها، وتارة غير متخلف، فامتياز أحد الوقتين عن الآخر لا بد وأن يكون لمرجح زائد فالحاصل قبل ذلك ما كان تمام الداعية، وقد فرضناه كذلك، وهذا خلف، ثم عند انضمام هذا القيد الزائد إن وجب الفعل لم يبق بينه وبين الضرورية فرق، وإن لم يجب افتقر إلى قيد زائد ولزم التسلسل، وهو محال فثبت أن الفرق الذي ذكروه بين الداعية الاختيارية وبين الداعية الضرورية وإن كان في الظاهر معتبراً، إلا أنه عند التحقيق والبحث لا يبقى له محصول.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} قال مجاهد: يعني كفار قريش. قالوا: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} يريد البَحِيرة والسَّائبة والوصيلة. أخبر الله عز وجل بالغيب عما سيقولونه؛ وظنوا أن هذا متمسَّكٌ لهم لما لزمتهم الحجة وتيقّنوا باطل ما كانوا عليه. والمعنى: لو شاء الله لأرسل إلى آبائنا رسولاً فنهاهم عن الشِّرْك وعن تحريم ما أحلّ لهم فينتهوا فأتبعناهم على ذلك. فردّ الله عليهم ذلك فقال: {هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ} أي أعندكم دليل عل أن هذا كذا؟: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} في هذا القول. {وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} لتُوهِموا ضعفتكم أن لكم حجّة. وقوله «وَلاَ آبَاؤُنَا» عطف على النون في «أَشْرَكْنَا». ولم يقل نحن ولا آباؤنا؛ لأن قوله «ولا» قام مقام توكيد المضمر؛ ولهذا حسن أن يقال: ما قمت ولا زيد.

البيضاوي

تفسير : {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} إخبار عن مستقبل ووقوع مخبره يدل على إعجازه. {لَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْء} أي لو شاء خلاف ذلك مشيئة ارتضاء كقوله: {أية : فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : لما فعلنا نحن ولا آباؤنا، أرادوا بذلك أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله لا الاعتذار عن ارتكاب هذه القبائح بإرادة الله إياها منهم حتى ينهض ذمهم به دليلاً للمعتزلة ويؤيده ذلك قوله: {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي مثل هذا التكذيب لك في أن الله تعالى منع من الشرك ولم يحرم ما حرموه كذب الذين من قبلهم الرسل، وعطف آباؤنا على الضمير في أشركنا من غير تأكيد للفصل بلا. {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا} الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم. {قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ} من أمر معلوم يصح الاحتجاج به. على ما زعمتم. {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} فتظهروه لنا. {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} ما تتبعون في ذلك إلا الظن. {وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ } تكذبون على الله سبحانه وتعالى، وفيه دليل على المنع من اتباع الظن سيما في الأصول، ولعل ذلك حيث يعارضه قاطع إذ الآية فيه.

ابن كثير

تفسير : هذه مناظرة ذكرها الله تعالى، وشبهة تشبث بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا، فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان، ويحول بيننا وبين الكفر، فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا بذلك، ولهذا قالوا: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَآؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ} كما في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ} تفسير : [الزخرف: 20] الآية، وكذلك الآية التي في النحل مثل هذه سواء. قال الله تعالى: {كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء، وهي حجة داحضة باطلة؛ لأنها لو كانت صحيحة، لما أذاقهم الله بأسه، ودمر عليهم، وأدال عليهم رسله الكرام، وأذاق المشركين من أليم الانتقام، {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ} أي: بأن الله راض عنكم فيما أنتم فيه {فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ} أي: فتظهروه لنا، وتبينوه وتبرزوه {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} أي: الوهم والخيال، والمراد بالظن هاهنا الاعتقاد الفاسد {وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} تكذبون على الله فيما ادعيتموه، قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا} وقال: {كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} ثم قال: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ} تفسير : [الأنعام: 107] فإنهم قالوا: عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى، فأخبرهم الله أنها لا تقربهم، فقوله: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ} تفسير : [الأنعام: 107] يقول تعالى لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين، وقوله تعالى: { قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {قُلْ} لهم يا محمد: {فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ} أي: له الحكمة التامة، والحجة البالغة؛ في هداية من هدى، وإضلال من ضل، {فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} فكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين، ويبغض الكافرين؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [الأنعام: 35] وقال تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [يونس: 99] وقوله: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } تفسير : [هود:118-119] قال الضحاك: لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده، وقوله تعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ} أي: أحضروا شهداءكم {ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا} أي: هذا الذي حرمتموه، وكذبتم وافتريتم على الله فيه {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} أي: لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذباً وزوراً {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أي: يشركون به، ويجعلون له عديلاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاءَ ٱللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا } نحن {وَلاَ ءَابَآؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ } فإشراكنا وتحريمنا بمشيئته، فهو راض به. قال تعالى {كَذٰلِكَ } كما كذب هؤلاء {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } رسلهم {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا } عذابنا {قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ } بأن الله راض بذلك {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } أي لا علم عندكم {إن } ما {تَتَّبِعُونَ } في ذلك {إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِن } ما {أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ } تكذبون فيه.

الشوكاني

. تفسير : أخبر الله عن المشركين أنهم سيقولون هذه المقالة، وهم كفار قريش أو جميع المشركين، يريدون أنه لو شاء الله عدم شركهم ما أشركوا هم ولا آباؤهم، ولا حرّموا شيئاً من الأنعام، كالبحيرة ونحوها، وظنوا أن هذا القول يخلصهم عن الحجة التي ألزمهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ما فعلوه حق، ولو لم يكن حقاً لأرسل الله إلى آبائهم الذين ماتوا على الشرك، وعلى تحريم ما لم يحرمه الله رسلاً يأمرونهم بترك الشرك، وبترك التحريم لما لم يحرمه الله، والتحليل لما لم يحلله: {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي مثل ما كذب هؤلاء كذب من قبلهم من المشركين أنبياء الله {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا } أي استمروا على التكذيب حتى ذاقوا بأسنا الذي أنزلناه بهم، ثم أمره الله أن يقول لهم: {هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } أي هل عندكم دليل صحيح بعد من العلم النافع، فتخرجوه إلينا لننظر فيه ونتدبره، والمقصود من هذا التبكيت لهم، لأنه قد علم أنه لا علم عندهم يصلح للحجة، ويقوم به البرهان، ثم أوضح لهم أنهم ليسوا على شيء من العلم، وأنهم إنما يتبعون الظنون، أي ما يتبعون إلا الظنّ الذي هو محل الخطأ، ومكان الجهل {وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ } أي تتوهمون مجرّد توهم فقط كما يتوهم الخارص، وقد سبق تحقيقه، ثم أمره الله سبحانه بأن يخبرهم أن لله الحجة البالغة على الناس، أي التي تنقطع عندها معاذيرهم، وتبطل شبههم، وظنونهم وتوهماتهم. والمراد بها الكتب المنزلة، والرسل المرسلة، وما جاءوا به من المعجزات {فَلَوْ شَاء } هدايتكم جميعاً {لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } ولكنه لم يشأ ذلك، ومثله قوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ } تفسير : [الأنعام: 107] و {أية : مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الأنعام: 111] ومثله كثير. ثم أمره الله أن يقول لهؤلاء المشركين {هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ } أي هاتوهم وأحضرهم، وهو اسم فعل يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والمجموع عند أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون: هلما هلمي هلموا، فينطقون به كما ينطقون بسائر الأفعال، وبلغة أهل الحجاز نزل القرآن، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلْقَائِلِينَ لإِخْوٰنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا } تفسير : [الأحزاب: 18] والأصل عند الخليل "ها" ضُمَّت إليها "لم"، وقال غيره: أصلها "هل" زيدت عليها الميم، وفي كتاب العين للخليل: أن أصلها هل أؤم، أي هل أقصدك، ثم كثر استعمالهم لها، وهذا أيضاً من باب التبكيت لهم، حيث يأمرهم بإحضار الشهود على أن الله حرّم تلك الأشياء، مع علمه أن لا شهود لهم {فَإِن شَهِدُواْ } لهم بغير علم، بل مجازفة وتعصب {فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } أي فلا تصدقهم ولا تسلم لهم، فإنهم كاذبون جاهلون، وشهادتهم باطلة {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا } أي ولا تتبع أهواءهم، فإنهم رأس المكذبين بآياتنا. قوله: {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } معطوف على الموصول، أي لا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا، وأهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة {وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ } أي يجعلون له عدلاً من مخلوقاته كالأوثان، والجملة إما في محل نصب على الحال، أو معطوفة على لا يؤمنون. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن مجاهد، في قوله: {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } قال: هذا قول قريش إن الله حرم هذا، أي البحيرة والسائبة، والوصيلة والحام. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة: {قُل فلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ }قال: السلطان. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس أنه قيل له إن ناساً يقولون ليس الشرّ بقدر، فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } إلى قوله: {فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } قال ابن عباس: والعجز والكيس من القدر. وأخرج أبو الشيخ، عن عليّ بن زيد، قال: انقطعت حجة القدرية عند هذه الآية {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السديّ، في قوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ } قال: أروني شهداءكم.

النسفي

تفسير : {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } إخبار بما سوف يقولونه {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ } أن لا نشرك {مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ } ولكن شاء فهذا عذرنا، يعنون أن شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما أحل الله لهم بمشيئته ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي كتكذيبهم إياك. كان تكذيب المتقدمين رسلهم وتشبثوا بمثل هذا فلم ينفعهم ذلك إذ لم يقولوه عن اعتقاد بل قالوا ذلك استهزاء، ولأنهم جعلوا مشيئته حجة لهم على أنهم معذورون به وهذا مردود لا الإقرار بالمشيئة، أو معنى المشيئة هنا الرضا كما قال الحسن: أي رضي الله منا ومن آبائنا الشرك والشرك مراد لكنه غير مرضي، ألا ترى أنه قال {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } أخبر أنه لو شاء منهم الهدى لآمن كلهم ولكن لم يشأ من الكل الإيمان بل شاء من البعض الإيمان ومن البعض الكفر، فيجب حمل المشيئة هنا على ما ذكرناه دفعاً للتناقض {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا } حتى أنزلنا عليهم العذاب {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ } من أمر معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } فتظهروه {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ } تكذبون {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ } عليكم بأوامره ونواهيه ولا حجة لكم على الله بمشيئته {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } أي فلو شاء هدايتكم وبه تبطل صولة المعتزلة {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ } هاتوا شهداءكم وقربوهم، ويستوي في هذه الكلمة الواحد والجمع والمذكر والمؤنث عند الحجازيين، وبنو تميم تؤنث وتجمع {ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا } أي ما زعموه محرماً {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم فكان واحداً منهم {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا } من وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن من كذب بآيات الله فهو متبع للهوى إذ لو تبع الدليل لم يكن إلا مصدقاً بالآيات موحداً لله {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } هم المشركون {وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } يسوون الأصنام. {قُلْ } للذين حرموا الحرث والأنعام {تَعَالَوْاْ } هو من الخاص الذي صار عاماً وأصله أن يقول: من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه ثم كثر حتى عم {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ } الذي حرمه ربكم {عَلَيْكُمْ } من صلة حرم {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } «أن» مفسرة لفعل التلاوة و «لا» للنهي {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا } وأحسنوا بالوالدين إحساناً. ولما كان إيجاب الإحسان تحريماً لترك الإحسان ذكر في المحرمات وكذا حكم ما بعده من الأوامر {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ مِّنْ إمْلَـٰقٍ} من أجل فقر ومن خشيته كقوله {أية : خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ }تفسير : [الإسراء: 31] {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } لأن رزق العبيد على مولاهم {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } ما بينك وبين الخلق {وَمَا بَطَنَ } ما بينك وبين الله، ما ظهر بدل من الفواحش {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } كالقصاص والقتل على الردة والرجم {ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ } أي المذكور مفصلاً أمركم ربكم بحفظه {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لتعقلوا عظمها عند الله {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } إلا بالخصلة التي هي أحسن وهي حفظه وتثميره {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } أشده مبلغ حلمه فادفعوه إليه وواحده شد كفلس وأفلس {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ } بالسوية والعدل {لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا ما يسعها ولا تعجز عنه، وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك لأن مراعاة الحد من القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما فيه حرج فأمر ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفو عنه {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ } فاصدقوا {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ } ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القائل كقوله {أية : وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ }تفسير : [النساء: 135] {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ } يوم الميثاق أو في الأمر والنهي والوعد والوعيد والنذر واليمين {أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ } أي ما مر {وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } بالتخفيف حيث كان: حمزة وعلي وحفص على حذف إحدى التاءين. غيرهم بالتشديد أصله «تتذكرون» فأدغم التاء الثانية في الذال أي أمركم به لتتعظوا. {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي } ولأن هذا صراطي فهو علة الاتباع بتقدير اللام، {وَأَنْ } بالتخفيف شامي، وأصله وأنه على أن الهاء ضمير الشأن والحديث. {وَإنْ } على الابتداء: حمزة وعلي {مُّسْتَقِيماً } حال {فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ } الطرق المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } فتفرقكم أيادي سبأ عن صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام. رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط خطاً مستوياً ثم قال «حديث : هذا سبيل الرشد وصراط الله فاتبعوه»تفسير : ثم خط على كل جانب ستة خطوط ممالة ثم قال «حديث : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه فاجتنبوها»تفسير : وتلا هذه الآية. ثم يصير كل واحد من الاثني عشر طريقاً ستة طرق فتكون اثنين وسبعين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب. وعن كعب: إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة {ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } لتكونوا على رجاء إصابة التقوى. ذكر أولاً {تَعْقِلُونَ } ثم {تَذَكَّرُونَ } ثم {تَتَّقُونَ } لأنهم إذا عقلوا تفكروا ثم تذكروا أي اتعظوا فاتقوا المحارم {ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا } أي ثم أخبركم إنا آتينا أو هو عطف على {قُلْ } أي ثم قل آتينا، و «ثم» مع الجملة تأتي بمعنى الواو كقوله {أية : ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ }تفسير : [يونس: 46] {عَلَى ٱلَّذِي أَحْسَنَ } على من كان محسناً صالحاً يريد جنس المحسنين دليله قراءة عبد الله {عَلَى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } أو أراد به موسى عليه السلام أي تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ في كل ما أمر به {وَتَفْصِيلاً لّكُلِّ شَيْءٍ } وبياناً مفصلاً لكل ما يحتاجون إليه في دينهم {وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم } أي بني إسرائيل {بِلِقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ } يصدقون أي بالبعث والحساب وبالرؤية. {وَهَـٰذَا } أي القرآن {كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ } كثير الخير {فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ } مخالفته {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } لترحموا {أَن تَقُولُواْ } كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا {إِنَّمَا أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا } أي أهل التوراة وأهل الإنجيل، وهذا دليل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ } عن تلاوة كتبهم {لَغَـٰفِلِينَ } لا علم لنا بشيء من ذلك «إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية والأصل: وإنه كنا عن دراستهم غافلين على أن الهاء ضمير الشأن، والخطاب لأهل مكة والمراد إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم كيلا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما {أَوْ تَقُولُواْ } كراهة أن تقولوا {لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ } لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا وغزارة حفظنا لأيام العرب {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبِّكُمْ } أي إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم فقد جاءكم ما فيه البيان الساطع والبرهان القاطع، فحذف الشرط وهو من أحاسن الحذوف {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } بعدما عرف صحتها وصدقها {وَصَدَفَ عَنْهَا } أعرض {سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنَا سُوءَ ٱلْعَذَابِ } وهو النهاية في النكاية {بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ } بإعراضهم.

ابن عادل

تفسير : لما حكى عن أهْلِ الجاهِليَّة إقدامهم على الحُكْم في دين اللَّه بغير دَلِيل - حكى عُذْرَهُم في كلِّ ما يُقْدِمُون عليه من الكُفْرِيَّات، فيقولون: لَوء شَاء الله مِنَّا ألا نَكْفُر، لمَنَعَنَا عن هذا الكُفْرِ، وحيث لم يَمْنَعْنَا عنه، ثبت أنه مُرِيدٌ لذلك، وإذا أراده مِنَّا، امتنع مِنَّا تركُه، فكُنَّا مَعْذُورين فيه. واعلم أن المُعْتَزِلَة اسْتَدَلُّوا بهذه الآية على مَذْهَبِهم من سبعة أوجه: أحدها: أنه - تعالى - حَكَى عن الكُفَّار صَرِيح قول المُجَبرة، وهو قولهم: "لَوْ شَاء اللَّه مِنّا ألاَّ نُشْرِك، لم نُشْرِك"، وإنَّمَا حَكَاهُ عنهم في مَعْرِض الذَّمِّ والقبح، فوجب كوْن هذا المَذْهَب مذمُوماً باطِلاً. وثانيها: أنه - تبارك وتعالى - قال بَعْدَه: "كَذَّب" وفيه قراءتان: التَّخفيف والتثقيل. أما قراءة التخفيف: فهي تَصْرِيح بأنَّهم قد كَذَبُوا في ذلك القَوْل، وذلك يَدُلُّ على أن قول المُجبِّرة في هذه المسْألة كذبٌ. وأمَّا قِرَاءة التَّشْدِيد: فلا يمكن حَمْلُها على أن القَوْم استوجَبُوا الذَّمَّ بسبب أنَّهُم كذَّبُوا هذا المَذْهِب؛ لأنا لو حَمَلْنا الآية عليه، لكان هذا المعنى ضِدّاً للمعْنَى الذي يَدُلُّ عليه قراءة "كَذَبَ" بالتَّخْفِيف، فتصير إحدى القراءَتَيْن ضِدَّ الأخْرى، وإذا بَطَل ذلك، وجب حَمْلُه على أن المُرَادِ منه: على ان كُلَّ من كذَّب نَبِيّاً من الأنْبِيَاء في الزَّمَان المتقدَّم، فإنما كذَّبه بهذا الطَّريق؛ لأنه يَقُول: "الكل بِمَشِيئَة الله، فهذا الذي أنا عَلَيْه من الكُفْرِ إنما حَصَل بمشِيئَة الله - تعالى -، فلم يَمْنَعْنِي منه" وإذا حَمَلْنا الآية على هذا الوَجْه، صارت القِرَاءة بالتَّشْدِيد مؤكَّدة للقِرَاءَة بالتَّخْفيف، فيصير مجمُوع القِرَاءَتَيْن دالاً على إبْطَال قَوْل المُجَبَّرة. وثالثها: قوله - تبارك وتعالى - بعده: {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا} وذلك يدُلُّ على أنَّهم استوجبوا الوَعِيد من اللَّهِ؛ بذِهَابِهم إلى هذا الوَجْهِ. ورابعها: قوله - تعالى - بعده: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ}, وهذا اسْتِفْهَامٌ على وجه الإنْكَار، وذلك يدلُّ على أنَّ هذا القائل بهذا القَوْل لَيْس لَهُ فِيه حُجَّة، فدلّ على فَسَادِه؛ لأن الحقَّ على القَوْل به دَلِيل. وخامسها: قوله - تعالى - بعده: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} مع أنه - تعالى - ذم الظّنَّ بقوله - تعالى -: {أية : إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} تفسير : [يونس:36] ونظائره. وسادسها: قوله: {وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ}، والخَرْص أكبر أنواع الكَذِب، قال - تعالى -: {أية : قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ} تفسير : [الذاريات:10]. وسابعها: قوله - تعالى - بعده: {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَة} وتقديره: أنَّهُم احتجوا في دَفْع دَعْوى الأنْبِيَاء على أنْفُسِهِم بأن قَالُوا: كل ما حَصَلَ فَهُو بمشِيئَةِ اللَّه - تعالى -، وإذا شَاءَ اللَّه مِنَّا ذلك، فكَيْف يمكننا تَرْكُهُ؟ وإذا كُنَّا عاجِزِين عن تَرْكه، فكيف يَأمُرُنا بترْكِهِ؟ وهل في وُسْعِنا وطاقََتِنا أن نأتي بِفِعْل على خلاف مَشِيئَة اللَّه - تعالى -، فهذا هو حُجَّة الكُفَّارِ على الأنْبِيَاء، فقال - تعالى -: {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ} وذلك من وجهين: الأول: أنه - تعالى - أعْطَاكُم عُقُولاً كامِلَة، وأفْهَاماً وافيةً، وآذَاناً سامِعَةً، وعيوناً بَاصِرَةً، وأقدَرَكُم على الخَيْر والشَرِّ، وأزال الأعْذَار والمَوانِع بالكُلِّيَّة عنكم، فإن شِئْتُم ذهبتم إلى الخَيْرَات، وإن شِئْتُم ذهبتم إلى عَمَلِ المَعاصِي والمنْكَرَاتِ، وهذه القُدْرَةِ والمُكْنَة معلُومة الثُّبُوت بالضَّرُورَة، وزَوَال المَوانِع والعَوائِق معلوم الثُّبُوت أيضاً بالضَّرُورة، وإذا كان الأمْر كذلك، كان ادِّعَاؤُكم أنَّكم عَاجِزُون عن الإيمان والطَّاعة دَعْوى بَاطِلة، فَثَبَت بما ذَكَرْنا أنه لَيْس لكم، على اللَّه حُجَّة، بل لله الحجَّة البَالِغَة عليكم. الوجه الثاني: أنكم تَقُولون: لو كَانَت أفْعَالُنا واقِعة على خلاف مشيئَة الله - تعالى -، لكنَّا قد غَلَبْنَا الله وقَهْرَنَاه، وأتينا بالفِعْل عَلَى مُضادَّتِه، وذلك يُوجِب كونه عَاجِزاً ضَعِيفاً، وذلك يَقْدَح في كونه إلهاً، فأجاب الله - تبارك وتعالى - عنه: بأن العَجْز والضَّعْف إنما يَلْزَم إذا لم يَكُن قَادِراً [على حمْلِهِم على الإيمان والطَّاعة على سَبِيل القَهْرِ والإلْجاء، وأنا قَادِرٌ] على ذلك، وهو المُرَادُ من قوله: {فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}، إلا أني لا أحْمِلكم على الإيمان والطَّاعة على سَبِيل القَهْرِ والإلْجَاءِ؛ لأن ذلك يُبْطِل الحِكْمَة المطْلُوبة من التَّكْلِيف، فثبت بهذا البَيَان أن الَّذِين يَقُولُونه من أنَّا لو أتَيْنَا بعَمَل على خِلاف مَشِيئَة الله - تعالى -, فإنه يَلْزَم منه كَوْنه - تعالى - عاجزاً ضَعِيفاً، كلام باطل. قال ابن الخطيب: والجواب المعْتمَد في هذا الباب أن نَقُول: إن هذه السُّورة من أولها إلى آخِرِها تدلُّ على صِحَّة قولنا ومذهبنا ونَقَلْنَا في كل آيَةٍ ما يَذْكُرُونه من التَّأوِيلاَت، وأجَبْنَا عنها بأجْوبة واضِحَةٍ قويَّةٍ مؤكَّدَةٍ بالدَّلائل العَقْلِية القَاطِعَة. وإذا ثبت هذا؛ فنقول: إنه - تبارك وتعالى - حكى عن القَوْم بأنَّهم قَالُوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا} ثم ذكر عَقِيبَه: "كذلك كذَّب الذين من قَبْلِهِم" فهذا يدلُّ على أن القَوْم قالوا: لمَّا كان الكُلُّ بمشِيئَة اللَّه وتقديره: كان التَّكْلِيف عَبَثاً، فكانت دَعْوى الأنْبِيَاء باطِلة، ونُبُوِّتُهم ورسالَتُهم باطلة، ثم إنه - تبارك وتعالى - بيَّن أن التَّمَسُّك بهذا الطَّرِيق في إبْطَال النُّبُوة بِاطِلٌ، وذلك لأنَّه إله يَفْعَل ما يشاء ويَحْكُم ما يُريد، ولا اعتراض لأحد عَلَيْه، فهو - تبارك وتعالى - يشاء الكُفْر من الكَافِر، ومع هذا يبْعَثُ إليه الأنْبِيَاء، ويَأمُرهُ بالإيمان، وورود الأمْر على خِلاف الإرَادة غير مُمْتَنِع. فالحاصل: أنه - تبارك وتعالى - بيَّن أن هذا الاستدلال فاسدٌ باطلٌ؛ فإنه لا يَلْزَم من ثُبُوت المشيئة للَّه في كل الأمُور على دَفْع دعْوَة الأنْبِيَاء, وعلى هذا الطَّريق فقط سقط هذا الاسْتِدْلال بالكُلِّيَّة, وجميع الوُجُوه التي ذَكَرْتُمُوها, والتَّقْبِيح والتَّهْجِين عائد إلى تَمَسُّكهم بِثُبُوت المشِيئَة للَّه على دَفْع دعْوة الأنْبِيَاء فيكون الحاصل: أنَّ هذا الاسْتِدْلال بِاطِلٌ [وليس فيه ألْبَتَّة ما يدُلُّ على أن القَوْلَ بالمشِيئَة بَاطِلٌ]. فإن قالُوا: إن هذا العُذْر إنما يَسْتَقِيم إذا قَرَأنا قوله - تعالى-: "كَذِلك كذَّبَ" بالتَّشْديد، وأمّا إذا قَرَأنَاه بالتَّخْفِيف، فإنه يَسْقُط هذا العُذْر بالكُلِّيَّة، فنقوله: فيه وجهان: الأول: أنا نمنع صِحَّة هذه القِراءة؛ والدَّليل عليه أنّا بَينَّا أن هذه السُّورة من أولها إلى آخِرِهَا تدلُّ على قَوْلِنا، فلو كانت هذه الآية الكريمة دالَّةٌ على قَوْلهم لوقع التَّنَاقُض، ويَخْرُج القُرْآن عن كَوْنه كلاماً - لله - تعالى -، ويَنْدَفع هذا التَّنَاقُض بألا نَقْبَل هذه القراءة. والثاني: سلّمنا صِحَّة هذه القراءة، لكن نَحْمِلُها على أن القَوْم كَذَبُوا في أنه يَلْزَمه من ثُبُوت مَشِيئة اللَّه - تعالى - في كل أفعال العِبَاد، سُقُوط نُبُوَّة الأنْبِيَاء وبُطْلان دعوتهم وإذا حَمَلْنَاه على هذا الوجه، لم يبق للمُعْتَزِلة تَمَسُّك بهذه الآية. ومما يُقَوِّي ما ذكَرْنَاه: ما رُوِي عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -؛ قيل له بَعْد ذهاب بَصَرِه: ما تقول فيمن يَقُول: لا قَدَر؟ فقال: إن كان في البَيْت منهم أحَدٌ أتَيْتُ عَلَيه ويلهُ أما يَقُول اللَّه: {أية : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} تفسير : [القمر:49] {أية : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُم} تفسير : [يس:12]. وقال ابن عباس: "أول ما خَلَق اللَّه القَلَم، فقال له: اكتب، فَجَرَى القَلَم فكتب بما يكُون إلى قيام السَّاعَة" وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: "المُكَذِّبُون بالقَدَرِ مَجُوسُ هذِهِ الأمَّةِ". قوله: "وَلاَ آبَاؤُنَا" عَطْف على الضَّمِير المَرْفُوع المتَّصِل، وزعم سيبويه: أن عطف الظَّاهِر على المُضْمَر المرْفُوع في الفِعل قبيحٌ، فلا يَجُوز أن يُقال: "قمت وزيْد"؛ لأن المَعْطُوف عليه أصْلٌ والعَطْف فَرْع المُضْمَر، والمُظْهَر قويٌّ فجعله فَرْعاً للضَّعِيف لا يَجُوز، وإذا عُرِف هذا فَنَقُول: إن جَاء الكلامُ في جَانِب الإثْبَاتِ؛ وجب تَأكيد المُضْمَر فتقول: "أنا وَزيْد"، وإن جاء في جَانِب النَّفْي قلت: "ما قُمْتُ ولا زَيْد" وإذا ثَبَتَ هذا؛ فنقول: قوله: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} فعطف قوله: "ولا آباؤُنَا" على فَاعِل الضَّمِير في قوله: "ما أشْرَكْنَا" ولم يأتِ هنا بتأكيد بِضَمِير رَفْع مُنْفَصِل، ولا فَاصِل بين المُتعاطِفَيْن اكتفاء بُوجُود "لا" الزَّائِدة للتَّأكيد فَاصِلة بين حَرْف العَطْفِ والمَعْطُوف، وهذا هو على قَوَاعِد البَصْرِيِّين، وأمّا الكُوفِيُّون فلا يَشْتَرِطُون شَيْئاً من ذلك، وقد تقدَّم إتْقَان هذه المَسْألة. وفي هذه الآية لم يُؤكِّد الضمير، وفي آية النَّحْل أكّدَ؛ فقال تعالى: {أية : مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا} تفسير : [النحل:35] وهناك أيضاً قال: "مِن دُونِه" مَرَّتين وهنا قَالَها مرة واحدة، فقال أبُو حيَّان: "لأن لَفْظ "العِبَادة" يَصِحُّ أن يُنْسَب إلى إفْرَاد اللَّه بها، وهذا لَيْس بِمُسْتَنْكر، بل المُسْتَنْكِر عبادة غَيْر اللَّه، أو شيء مع اللَّه، فناسب هنا ذِكْر "مِن دُونه" مع العِبَادة، وأمّا لَفْظ "مَا أشْرَكْنَا" فالإشْرَاك يدلُّ على إثْبَات شَرِيكٍ، فلا يتركَّبُ مع هذا الفِعْل لَفْظ "مِن دُونهِ" لو كان التَّرْكِيب في غَيْر القُرْآن: "ما أشْرَكْنا من دُونه" [لم يَصِحَّ المَعْنَى. وأمّا "مِن دُونه" الثَّانية، فالإشْرَاك يَدُلُّ على تَحْرِيم اشْياء وتحليل أشياء، فلمْ يَحْتَج إلى لفظ "مِن دُونِهِ"] وأمّا لفظ العِبَادة فلا يَدُلُّ على تَحْرِيم شَيْءٍ كما يدلُّ عليه لفظ "أشْرَك" فَقُيِّد بقوله: "مِنْ دُونِهِ" ولما حَذَف "مِن دُونِهِ" هنا نَاسب أن يُحْذَف "نَحْن" ليطَّرِدَ التَّرْكِيب في التَّخْفِيف". قال شهاب الدِّين: "وفي هذا الكلام نَظَر لا يَخْفَى". قوله: "مِن شَيْءٍ" "مِنْ" زائدة في المَفْعُول، أي: ما حَرَّمْنا شَيئاً، و "من دُونِه" متعلِّق بـ "حرّمنا" أي: ما حَرَّمنا من غير إذْنه لَنَا في ذلِك. قوله: "وكذالك" نعت لِمَصْدر مَحْذُوف، أي: مثل التَّكْذِيب المُشَار إليه في قوله: "فإن كَذَّبُوك". وقُرىء: "كَذَب" بالتَّخْفِيف. وقوله: "حَتَّى ذَاقُوا" جاء به لامْتِداد التكْذيب, وقوله: "مِنْ عِلْم" يحتمل أن يَكُون مُبْتَدأ و "عِنْدَكم" خبر مُقدَّم، وأن يكون فَاعِلاً بالظَّرْف؛ لاعتماده على الاسْتِفْهام، و "مِنْ" زائِدة على كِلاَ التَّقْدِيريْن. وقرأ النَّخْعِي وابن وثاب: "إن يتِّبِعُون" بياء الغَيْبَة. قال ابن عطيَّة: وهذه قِرَاءة شاذَّة يُضَعِّفها قوله: {وَإِنْ أَنْتُم إِلاَّ تَخْرُصُونَ} يعني: أنه أتى بَعْدَها بالخِطَاب فبعُدت الغَيْبَة، وقد يُجَاب عنه بأنَّ ذلك من بَابِ الالتِفَات. قوله: "قُلْ فَلِلِّهِ" بين "قُلْ" وبين "فَلِلَّهِ" شيء مَحْذُوف، فقدّره الزمخشري شرطاً؛ جوابه: فِلِلَّهِ؛ قال: "فإن كان الأمر كما زَعَمْتُم من كَوْنِكُم على مشِيئَة اللَّه فللَّه الحُجَّة". وقدّره غيره جُمْلة اسميَّة، والتقدير: قل أنْتُم لا حُجَّة لكم على ما ادَّعَيْتُم فَلِلَّهِ الحُجَّة البَالِغَة عليكم، والحدة البالغة: هي التي تَقْطَعُ عذر المَحْجُوج، وتطرد الشَّكَ عمن نَظَر فيها. قوله: {فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}. احتج به أهْلُ السُّنَّة على أن الكُلَّ بمشيئَة الله - تعالى -؛ لأنَّ كلمة "لَوْ" في اللُّغة تُفيد انْتِفَاء الشَّيْ لانْتِفَاء غَيْره، فدلّ هنا على أنَّه - تعالى - ما شَاءَ أن يَهْدِيهم وما هَدَاهُم أيضاً، وتَقْرِيُره بالدَّلِيل العَقْلِي: أن قُدَرَة الكَافِر على الكُفْرِ إن لَمْ تكن قُدْرَة على الإيمان، فاللَّه - تعالى - عَلَى هذا التَّقْدير ما أقْدَرَهُ على الإيمان، فلو شَاءَ الإيمان منه، فَقَدْ شَاءَ الفِعْل من غير قُدْرَةٍ على الفِعْلِ، وذلك مُحَالٌ، ومشِيئَةُ المُحَال مُحَال، وإن كانت القُدْرَةُ على الكُفْرِ قُدْرَةٌ على الإيمانِ، تَوَقَّف رُجْحَان أحد الطَّرَفَيْن على حُصُول الدَّاعِية المُرَجِّحَة. فإن قُلْنَا: إنه - تعالى - خلق تلك الدَّاعِيَة المُرَجِّحَة، مع القُدْرَة، ومَجْمُوعُهما للفعل، فَحَيْثُ لم يَحْصُل الفِعْل، عَلِمنا أن تِلْكَ الدَّاعِيَة لَمْ تَحْصُل، وإذا لم تَحْصُل، امتَنَع منه فِعْل الإيمان، وإذا امْتَنَع ذلك منه، امْتَنَع أن يُريدَه اللَّه مِنْه؛ لأن إرَادَة المُحَال مُحَالٌ مُمْتَنِع، فثبت أن ظَاهِر القُرْآن العَظيم دلّ على أنّه مَا أرَادَ الإيمان من الكَافِرِ، والبُرْهَان العَقْلِي الذي قَرَّرْنَاهُ يدل عليه أيضاً، فَبَطَل قولُهُم من كُلِّ الوُجُوه. فإن قالوا: نَحْمِل هذه الآيةِ على مَشِيئَة الإلْجَاءِ. فنقول: هذا التَّأويل إنما يَحْسُن المصير إليه: لو ثَبَت بالبُرْهَان العقْلِيِّ امتِنَاع الحَمْل على [ظَاهِرِ هذا الكلام، أمّا لو قام البُرْهَان العَقْلِيُّ على] أن الحقِّ ليس إلاَّ ما دلّ عليه هذا الظَّاهِر، فكيف يُصَار إلى التَّأويل؟ ثم نقول: التأويل بَاطِلٌ لوجوه: الأول: ان هذا الكلامَ لا بُدَّ فيه من إضْمَار، والتقدير: ولو شَاءَ اللَّه الهِدايةَ لهَدَاكُم، وأنتم تَقُولون: التقدير: لو شاء الله الهِدَاية على سبيل الإلْجَاءِ لهَداكُم، فإضْمَارُكُم أكثر، فكَان قَوْلُكُم مرجُوحاً. الثاني: أنه - تبارك وتعالى - يُريد من الكَافِر الإيمان الاخْتِيَاريِّ؛ والإيمان الحَاصِل بالإلْجَاءِ، غير الإيمانِ الحَاصِلَ بالاخْتِيَار، وعلى هذا التَّقدير: يلزم كَوْنُه - تعالى - عاجزاً عن تَحصِيل مرادِهِ؛ لأن مُرَادَهُ الإيمان الاخْتِيَاري، وأنه لا يَقْدِر ألْبَتَّة على تحْصِيلهِ، فكان القَوْلُ بالعَجْزِ لاَزِماً. الثالث: أن هذا الكلام موقُوفٌ على الفَرْق بَيْن الإيمان الحاصِلِ بالاخْتِيَار، وبين الإيمان الحَاصِل بالإلْجَاءِ. أمّا الإيمان الحاصل بالاختيار فإنه يَمْتَنِع حصُولُه إلاعِنْد داعيَةٍ جَازِمَة، وإرادة لازِمَة، فإن الدَّاعية التي يترتَّبُ عليها حُصُول الفِعْل؛ إمّا أن تكون بحيث يَجِبُ ترتُّبُ الفِعْل عليها، أوْ لا يَجِب، فإن وَجَبَ، فهي الدَّاعية الضَّرُوريِّة، وحينئذٍ لا يَبْقى بينها وبين الدَّوَاعِي الحَاصِلة بالإلْجَاء فَرْق، وإن لم يجب تَرَتُّب الفِعْل، فحينئذ يُمْكِن تخلُّف الفِعْل عنها، فلْنَفْرِض تارة ذلك الفِعْل مُتَخَلِّفاً عنا، وتارة غير مُتَخَلِّفٍ، فامْتِيَاز الوَقْتَيْن عن الآخَرِ لا بُدّ وأن يَكُون لِمُرَجِّح زائدٍ، فالحَاصِل قبل ذلك ما كان تَمَام الدَّاعِية، وقد فرضْنَاه كذلك، هذا خلف، ثم انْضِمَام هذا القَيْد الزَّائِد وجب الفِعْل، لم يبق بَيْنَه وبين الضَّرُورة فرْقٌ، فإن لم يَجِب، افْتَقَر إلى قيد زَائدٍ، ولزم التَّسَلْسُل وهو مَحَالٌ؛ فَثَبَت أن الفَرْق الذي ذَكَرُوه بين الدَّاعِية الاخْتِيَاريَّة وبين الدَّاعِيَة الضَّرُورية، وإن كان في الظَّاهر معتَبَراً، إلاَّ أنه عند التَّحْقِيق والبحث لا يبقى له مَحْصُولٌ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله...} الآية. قال: هذا قول قريش: إن الله حرم هذا يعنون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس. أنه قيل له: إن ناساً يقولون: إن الشر ليس بقدر. فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا} إلى قوله {قل فللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} قال ابن عباس: والعجز والكيس من القدر. وأخرج أبو الشيخ عن علي بن زيد قال: انقطعت حجة القدرية عند هذه الآية {فللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} . وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة {قل فللّه الحجة البالغة} قال: السلطان.

القشيري

تفسير : كذبت إقالتُهم لأنها لم تَصْدُرْ عن تصديق، فَذُمُّوا على جهالتهم وإن كانت (....) في التحقيق.

اسماعيل حقي

تفسير : {سيقول الذين اشركوا لو شاء الله} عدم اشراكنا {ما أشركنا} نحن {ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ} ارادوا به ان ما فعلوه حق مرضى عند الله تعالى {كذلك} اى كهذا التكذيب وهو قولهم انا انما اشركنا وحرمنا لكون ذلك مشروعا مرضيا عند الله تعالى وانك كاذب فيما قلت من ان الله تعالى منع من الشرك ولم يحرم ما حرمتموه {كذب الذين من قبلهم} اى متقدموهم الرسل {حتى ذاقوا} غاية لامتداد التكذيب {بأسنا} الذى انزلنا عليهم بتكذيبهم {قل هل عندكم من} زائدة {علم} من امر معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعمتم {فتخرجوه لنا} فتظهروه لنا {ان تتبعون الا الظن} اى ما تتبعون فيما انتم عليه من الشرك والتحريم الا الظن الباطل من غير علم ويقين {وان انتم الا تخرصون} تكذبون على الله تعالى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {هَلُم}: اسم فعل، وهو عند البصريين بسيط، وعند الكوفيين مركب. انظر البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {سيقول الذين آشركوا} في الاحتجاج لأنفسهم: {لو شاء الله} عدم شركنا {ما أشركنا ولا} أشرك {آباؤنا ولا حرمنا من شيء} من البحائر وغيرها، فلو لم نكن على حق مرضى عند الله ما أمهلنا ولا تركنا عليه؛ فإمهاله لنا وتركه لنا على ما نحن فيه دليل على أنه أراده منا. والجواب عن شُبهتهم: أنه خلاف ما أنزل الله على جميع رسله، والحق تعالى لم يتركهم على ذلك، بل بعث لهم الرسل يكلفهم بالخروج عنه، والإرادة خلاف التكليف، وأيضًا: قولهم هذا لم يصدر منهم على وجه الاعتذار؛ وإنما صدر منهم على وجه المخاصمة والاحتجاج. ولا يصح الاحتجاج بالقدر. والحاصل أنهم تمسكوا بالحقيقة ورفضوا الشريعة، وهو كفر وزندقة، إذ لا بد من الجمع بين الحقيقة في الباطن، والتمسك بما جاءت به الرسل من الشريعة في الظاهر، وإلاَّ فهو على باطل. ولذلك ردّ الله تعالى عليهم بقوله: {كذلك كذب الذين من قبلهم} الرسل، فتمسكوا بالحقيقة الظلمانية، {حتى ذاقوا بأسنا} أي: عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم {قل} لهم: {هل عندكم من علم} يدل على أن الله أمركم بالشرك، وتحريم ما أحل، وأنه رضي ذلك لكم، {فتخرجوه} أي: فتظهروه {لنا}، بل {إن تتبعون} في ذلك {إلا الظن} ولا تحقيق عندكم، {وإن أنتم إلا تخرصون}؛ تكذبون على الله تعالى، وفيه دليل على أن الظن لا يكفي في العقائد. {قل} لهم: {فللَّه الحجة} على عباده، {البالغة}، حيث بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وأمروا بتوحيد الله وطاعته، فكل من خالفهم قامت الحجة عليه، هذا باعتبار التشريع الظاهر، وأما باعتبار باطن الحقيقة، فالأمور كلها بيد الله؛ يضل من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، {فلو شاء لهداكم أجمعين} ولكن شاء هداية قوم وضلال آخرين، {أية : لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ }تفسير : [الأنبيَاء:23]، فقول المشركين: {لو شاء الله...} الخ، حق في نفسه، لكنهم لم يعذَروا؛ لإهمالهم الشريعة. {قل هلُم} أي: أحضروا، {شهداءكم} أي: كبراءكم وأئمتكم، {الذين يشهدون أن الله حرّم هذا}، استحضرهم ليلزمهم الحجة، ويَظهر بانقطاعهم ضلالهم، وألاَّ متمسك لهم في ذلك. ثم قال لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {فإن شهدوا} بشيء من ذلك، {فلا تشهد معهم} أي: لا تصدقهم وبيِّن لهم فساده؛ {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا}، والأصل أن يقول: ولا تتبع أهواءهم، فوضع الظاهر موضع المضمر، للدلالة على أن مكذب الآية متبع للهوى لا غير، وأن متبع الحق لا يكون إلا مصدقًا لها. {و} تتبع أيضًا {الذين لا يؤمنون بالآخرة}؛ كعبدة الأوثان، {وهم بربهم يعدلون}؛ يجعلون له عديلاً ومثيلاً. الإشارة: اعلم أن الحقّ جلّ جلاله كلف عباده في هذا الدار، بالقيام بوظيفتين: الشريعة والحقيقة، الشريعة محلها الظواهر، والحقيقة محلها البواطن، الشريعة تقتضي التكليف، والحقيقة تقتضي التعريف، الشريعة شهود الحكمة، والحقيقة شهود القدرة، وجعل الشريعة رداء الحقيقة ولباسًا لها، ثم جعل سبحانه في القلب عينين، وتسمى البصيرة، إحداهما تنظر للحكمة فتقوم بالشرائع، والأخرى تنظر للقدرة فتقوم بالحقائق. فقوم فتحوا عين الحقيقة وأعموا عين الشريعة، وهم أهل الكفر والزندقة، ولذلك قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا}، وقوم فتحوا عين الشريعة وأهملوا عين الحقيقة، وهم عوام المسلمين من أهل اليمن، فلذلك طال خصمهم للمقادير الأزلية مع إقرارهم بها، فإن أنكروها فقد عَمِيَتْ بصيرتهم. وقوم أحبهم الله، ففتح لهم عين الحقيقة، فأسندوا الأفعال كلها إلى الله ولم يروا معه سواه، فتأدبوا في الباطن مع الأشياء كلها، وفتح لهم عين الشريعة فقاموا بوظائف العبودية على المنهاج الشرعي، وهم الأولياء العارفون بالله، فمن تمسك بالحقائق العلمية دون الشرائع كان زنديقًا، ومن تمسك بالشرائع دون الحقائق كان فاسقًا، ومن تمسك بهما كان صدِّيقًا، فمن رام تمسك بالشرائع، ولم تُسعفه الأقدار، فإن كان عن سُكر وجذب فهو معذور، وإن كان عن كسل فهو مخذول، وإن كان عن إنكار لها فهو مطرود معدود من حزب الشيطان، والعياذ بالله. ثم بَيَّن ما حرم عليهم، فقال: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بأن هؤلاء المشركين سيحتجون في إِقامتهم على شركهم، وعلى تحريمهم ما أحله الله من الانعام التي تقدم وصفها بأن يقولوا: لو شاء الله ان لا نفعل نحن ذلك ولا نعتقده ولا آباؤنا، او أراد منا خلاف ذلك {ما أشركنا نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا} شيئا من ذلك. فكذَّبهم الله تعالى بذلك في قوله {كذلك كذب الذين من قبلهم} ومعناه مثل هذا التكذيب الذي كان من هؤلاء - في انه منكر - {كذب الذين من قبلهم} وانما قال كذلك لتقضي الخبر، ولو قال (كذا) لجاز، لانه قريب بعد الاول، و (كذلك) أحسن، لان ما فيه من تأكيد الاشارة تغني عن الصفة. وحكي انه قرىء {كذب الذين} بالتخفيف، فمن خفف اراد ان هؤلاء كاذبون كما كذب الذين من قبلهم على الله بمثله. ومن قرأ بالتشديد، فلأنهم بهذا القول كذبوا رسول الله لانهم قالوا له: ان الله أراد منا ذلك وشاءه، ولو أراد غيره لما فعلناه، مكذبين للرسول (صلى الله عليه وسلم) كما كذب من تقدم انبياءهم فيما أتوا به من قبل الله. ثم بيَّن بقوله {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} أن ما قالوه باطل وكذب على الله لانه لو كان صحيحا لما رده عليهم. ثم أكد تكذيبهم بقوله {إن تتبعون إلا الظن} أي ليس يتبعون إِلا ظنا من غير علم {وإن أنتم إلا تخرصون} يعني تكذبون، والخرص الكذب كقوله {أية : قتل الخراصون}. تفسير : وفى هذه الآية أدلُّ دلالة على ان الله تعالى لا يشاء المعاصي والكفر، وتكذيب ظاهر لمن أضاف ذلك الى الله مع قيام ادلة العقل على انه تعالى لا يريد القبيح، لان إِرادة القبيح قبيحة، وهو لا يفعل القبيح، ولان هذه صفة نقص، فتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً. وقوله {حتى ذاقوا بأسنا} معناه حتى ذاقوا عذابنا، واراد به حلول العذاب بهم فجعل وجدانهم لذلك ذوقا مجازا. وجاز قوله {ما أشركنا ولا آباؤنا} ولم يجز ان يقال: قمنا وزيد، لان العطف على المضمر المتصل لا يحسن الا بفصل، فلما فصلت (لا) حسن، كما حسن: ما قد قمنا ولا زيد كان كذلك، لان الضمير المتصل يغيَّر له الفعل في (فعلت) فيصير كجزء منه. فان قيل: انما أنكر الله تعالى عليهم هذا القول، لانهم جعلوا هذا القول حجة في إِقامتهم على شركهم، فأعلم الله عز وجل ان {كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا} ولم ينكر عليهم انهم قالوا الشرك بمشيئة الله، ولو كان منكرا لذلك، لقال: كذلك كذب الذين - يتخفيف الذال -. قلنا: لا يجوز ذلك، لانه تعالى بين انهم كذبوا في هذا القول بقوله {وإن أنتم إلا تخرصون} أي تكذبون، فاما كذبوا فقد حكينا أنه قرىء - بالتخفيف - ومن شدد الذال، فلان تكذيب الصادق كذب، وهو يدل على الامرين، فان قالوا: انما عابهم، لانهم كانوا متهزئين بهذا القول لا معتقدين ولا متدِّينين. قلنا: المعروف من مذهبهم خلافه، لانهم كانوا يعتقدون ان جميع ما يفعلونه قربة الى الله، وان الله تعالى ارادة واخبر عنه، فكيف يكونون متهزئين، على ان الهازىء بالشيء لا يسمى كاذبا، فكيف سماهم الله كاذبين؟ على انه اذا كان كل ما يجري بمشيئته فلا يجب ان ينكر على احد ما يعتقده، لانه اعتقد ما شاء الله. ومن فعل ما شاء كان مطيعا له، لان الطاعة هي امتثال الامر والمراد منه. وهذا باطل بالاجماع. فان قيل: انما عاب الله المشركين بهذه الآية، لانهم قالوا ذلك حدسا وظنا لا عن علم، وذلك لا يدل على انهم غير صادقين، وقد يجوز ان يكون الانسان صادقا فيما يخبر به ويكون قوله صادرا عن حدس وعن ظن. قلنا: لو كان الامر على ما قلتم لما كانوا كاذبين اذا كان مخبر ما أخبروا به على ما أخبروا، وقد كذبهم الله في اخبارهم بقوله {كذلك كذب الذين من قبلهم} وبقوله {وإن أنتم إلا تخرصون} على ان من ظن شيئا فاخبر عنه لا يوصف بأنه كاذب وان كان على خلاف ما ظنه فكيف اذا كان على ما ظنه.

الجنابذي

تفسير : {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} لرفع القبح عن اشراكهم بل لتحسينه بعد ان عجزوا عن الحجّة {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} كما هو ديدن النّفس والمرأة الفاحشة فانّهما لا ترضيان بنسبة السّوء الى انفسهما بل تحسّنان القبيح بما امكن، فاذا عجزتا عن ذلك تنسبانه بالتّسبيب الى غيرهما من الشّيطان والقرين ومشيّة الله وهو كذب محض، فانّ الشّيطان والقرين ليس لهما الاّ الاعداد، والمشيّة وان كانت فاعلة او سبباً للفعل لكنّ الفاعل ما دام يرى نفسه فى البين ليس له نسبة الفعل الى المشيّة او تعليقه عليها ولو نسب لا ينبغى الغفلة عن استعداد القابل وبهذا يرتفع التناقض المترائى بين تكذيبهم فى قولهم هذا وبين تعليق ذلك على المشيّة فى قوله ولو شاء الله لهديكم {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} اى مثل تكذيبهم ايّاك بتعليق الاشراك والتّحريم على المشيّة دون نسبته الى انفسهم كذّب الّذين من قبلهم انبياءهم (ع) {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ} يعنى ليس عندكم برهان على دعويكم يمكنكم الاحتجاج به على الغير، واطلاق العلم على البرهان من قبيل اطلاق المسبّب على السّبب، او لانّ البرهان هو العلم الّذى يحصل به علم اخر ولمّا كان البرهان هو الّذى يمكن اعلام الغير به قال فتخرجوه لنا فنفى بهذا عنهم البرهان وبقوله ان تتّبعون (الى آخره) نفى علمهم مطلقاً، يعنى لا برهان لكم ولا شهود ولا سماع عن صادق او وحى وبقوله قل هلمّ شهداء كم نفى صحّة تقليدهم لانّ التحدّى بمثل هذا يدلّ على عدم شاهد لهم يصحّ الاعتماد عليه {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} يعنى لا علم لكم فى انفسكم بمدّعاكم كما لا برهان لكم لاعلام غيركم، ذمّهم اوّلاً على اتّباع الظّنّ فى اعمالهم، وثانياً على انّ شأنهم الخرص والتّخمين لا العلم واليقين، والعاقل لا يقف على الظّنّ والتّخمين بل يتعمّل فى تحصيل العلم واليقين وما لم يحصل اليقين يقف عن العمل الاّ اذا اضطّر فيحتاط لا انّه يتّبع الظن فيعمل ويفتى بظنّه من غير اذنٍ واجازةٍ ولا يحصل اليقين الاّ بالبيان والبرهان، او بادراك مدارك الحيوان، او بالوحى والعيان، او بتلقيد صاحب الوحى وخليفة الرّحمن، فمن ظنّ انّ الظّنّ مطلقاً والاستحسان طريق حكم الله او المخطئ له اجرٌ والمصيب له اجران فقد أخطأ طريق الجنان وسلك طريق النّيران فمن فسّر القرآن برأيه واحكام الله نزول القرآن فليتبوّء مقعده من النّيران، وامّا الخاصّة فظنونهم قائمة مقام العلم بل نقول ظنونهم اشرف واعلى من العلم فقد حقّقنا سابقاً انّ اجازة المجيز اذا كانت الاجازة الصّحيحة بلغت الى المجاز تجعل ظنّ المجاز اشرف من علم غيره لانّ العلم بدون الاجازة لا اثر فى قول قائله والظّنّ مع الاجازة يؤثّر وليس الاجازة الآهليّة بأقلّ من الاجازة الشّيطانيّة، والحال انّ المرتاضين بالاعمال الشّيطانيّة ان تعلّموا تعلّماً صحيحاً مع تصحيح الالفاظ جميع المناطر لم يؤثّر شيءٌ منها ما لم يجزه صاحب الاجازة، واذا اجازه صاحب الاجازة يؤثّر قوله ولو كان مغلوطاً، فالاجازة تجعل المغلوط اشرف من الصّحيح وهكذا الحال فى الاجازة الآلهيّة ولمّا نفى البرهان عنهم فى تعليق الاشراك والتّحريم على مشيّة الله المفهوم من مفهوم الشّرط، فانّ المراد بقرينة المقام من هذا الشّرط الدّلالة على تعلّق الاشراك بمشيّة الله وان كان بحسب اللّغة أعمّ، ونسب تكذيب النّبىّ (ص) اليهم بذلك التّعليق مشعراً بذمّهم فيه واوهم ذلك نفى تعليق الافعال على المشيّة امر نبيّه (ص) بان يقول لهم: انّ البرهان منحصر فى الله وفيمن اخذ عن الله تمهيداً لتعليق الافعال على مشيّة الله رفعاً لتوهّم عدم سببيّة المشيّة النّاشى عمّا سبق فقال تعالى {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ}.

اطفيش

تفسير : {سيقُولُ الَّذينَ أشْركوا} مشركو قريش والعرب {لو شَاءَ اللهُ} أن لا نشرك نحن وآباؤنا ولا نحرم شيئا {ما أشْرَكْنا ولا آباؤنا} شيئا بالله تعالى، وعطف آباؤنا على الضمير المرفوع المتصل لفصله بلا {ولا حَرَّمْنا} نحن وهم، فهذا الضمير لهم ولآبائهم {مِنْ شئٍ} أى شيئا كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامى. ووجه احتجاجهم اغترارهم برحمة الله بالإمهال فقالوا: لو كان الله ما شاء إشراكنا وتحريمنا لم يمهلنا، بل يعجل بإهلاكنا، فالمشيئة فى هذا الوجه فى كلامهم بمعنى الإباحة، ويجوز أن يكون وجه احتجاجهم أنهم جعلوا قضاء الله إجباراً وسلبوا عن أنفسهم الاختيار، أى هو الذى قضى علينا بالإشراك والتحريم، فكيف تخرج عما قضاه علينا؟ فهم فى هذا الوجه قدرية إجبار لما أشركنا وحرمنا علمنا أن الله أجبرنا على ذلك، ولو شاء الله أن يجبرنا على ترك الإشراك والتحريم لفعل فلم نشرك ولم نحرم فلا عقاب علينا، أو إنَّا على حق لا على باطل، ولو كنا على باطل لأزالنا عنه، فهذه الآية رد على المجبرة المشركين وغير المشركين كالمعتزلة. والجواب: ان الله شاء كفر الكافرين ومعصيتهم بمعنى قضاها وخلقها، وفعلوا هم باختيارهم، ولولا ذلك لما أمر ونهى بالوحى والكتب والأنبياء والرسل، وأثاب وعاقب ومدح وذم، وكلهم يقرون بذلك فى الجملة، ولو أنكر المشركون القرآن والله تعالى مريد لجميع الكائنات، وشاء لها ولا عذر لأحد فى إرادة الله تعالى ومشيئته، وإنما قدرت مفعول شرط أو من جنس الجواب، لأن ذلك هو الغالب فيها، ولم أحتج إلى تقديره بالرضا مع ذلك لما علمت من أن شاء فى كلامهم بمعنى أباح وهو نفس الرضا، أو من أنهم يثبتون المشيئة بمعنى الإجبار، والله عز وجل عاب عليهم ما زعموا من ذلك، فتحمل من عيبه إياهم على ذلك أنه لم يبح الإشراك والتحريم، أو لم يشأهما مشيئة إجبار. وبعد ما قررت الآية رأيت بعضا قدر لو شاء الله أن لا نشرك ولا نحرم مع رضاه بعدم الإشراك والتحريم، ولا حاجة لذلك، لأن ما ذكرته غنى عنه، ولا ينافى عدم إمكان تفسير المشيئة بالإباحة فى قوله تعالى: {أية : ولو شاء لهداكم أجمعين} تفسير : تفسيرها هنا بالإباحة، لأن آية الأنعام هذه من كلامهم لا من كلامه تعالى، ولو قال قائل: لو شاء الله ما فعلت كذا من المعصية والطاعة، بمعنى لو قضى عليه بذلك لم يخرج عما قضى، بل ييسر لما قضى عليه باختياره لكان مدحاً لله تعالى، وحقا واجباً، ومما يرد به عليهم أن يقال لهم: إنكم تحجون وتفعلون بعض مكارم الأخلاق، وتحبون أن يمدحكم الله على ذلك ويثيبكم فى الدنيا، وتتقربون إليه بالأصنام، وتقولون تقربنا إلى الله زلفى، فإن كان ما فعلتم، من ذلك إجباراً من الله فلا مدح لكم، ولا يثيبكم فى الدنيا، كما لا يثيبكم فى الآخرة، وأنتم أنكرتموها، وإن لم يكن إجباراً منه فكيف تقولون: إن الله أجبركم على الشر ولا يجبر على الخير. {كَذلكَ كذَّب الَّذينَ من قَبْلهم} كما كذبوك فى قولك إن، إن الله لم يحرم هذه الأشياء التى حرموها، وقولك إنه تعالى حرم الشرك كذب المشركون قبلهم أنبياءهم ورسلهم فيما يأمرونهم به، وينهونهم عنه كالشرك، وهذا يناسب قولى عنهم: لو كنا على باطل لأزالنا عنه وهو تفسير المشيئة فى كلامهم بالإباحة، لأنه صلى الله عليه وسلم يقول لهم: لم يبح الله لكم ما تفعلونه فكذبوه، وأما ما قلت من الوجه الآخر عنهم من أنهم أرادوا أنهم مجبرون على ما فعلوه فلا يناسب ما قبله، لأنه لم يقل صلى الله عليه وسلم قبل هذه الآية: إنكم لستم مجبرون حتى يكذبونه فيه، ولو كان قد قاله لهم فى الجملة، ومع ذلك أثبت هذا الوجه الأخير، لأن ذكر العقاب لهم على أفعالهم وتسميتهم من المجرمين أو مجرمين كالتصريح بنفى الإجبار عنهم. وكذلك يناسب قولى عنهم: لو كنا على باطل إلى آخر قوله تعالى بعد ذلك: {قد علم شهداءكم} لأنه صريح فى أنهم يقولون: إن الله هو الذى حرم ما حرمنا، وإنا على حق، لكن لا يمنع الوجه الآخر بهذه الآية لجواز أن الله يريد أن حجة الإجبار داحضة، ولم يبق إلا أنكم مختارون، وأن تقولوا إن ذلك التحريم حق من الله فأتوا بمن يشهد لكم على أنه حق منه تعالى. {حتَّى ذَاقُوا بَأسَنا} الذى أنزلناه عليهم لتكذيبهم، فاحذروا أن ينزل بكم مثله لتكذيبهم كما كذبوا، وقرئ يكذبوا بكسر الذال مخففة. {قُلْ هَلْ عنْدَكم من علمٍ} تعجيز وإنكار أن يكون لهم علم صحيح من الله، يدل على أن الشرك وتحريم البحيرة وما معها حق من الله، وعند متعلق بمحذوف خبر العلم، أو رافع لعلم على الفاعلية لاعتماده على الاستفهام {فَتُخرجُوه لنا} تظهروه، والنصب فى جواب الاستفهام إن كان لكم علم فأظهروه لنا فى صحة شرككم وتحريمكم، كما أظهرنا لكم خطأكم ببرهان نقلى وعقلى. {إنْ تتَّبعُون إلا الظنَّ} تحسبون أنكم على حق، وأنتم على باطل لما رأوا أمهلوا ظنوا أنهم على صواب {وإنْ أنتم إلا تخْرصُون} تكذبون أو تحذرون، واتباع الظن لا يجوز ولا سيما فى الأصول وهى التوحيد، وما يتصل به، وأما المذاهب فى الفروع فظنية بالاجتهاد.

اطفيش

تفسير : {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَئٍ} فنزلت بعد هذا آية النحل. أَو أَرادوا أَنهم أَشركوا وحرموا استقلالا منهم بلا خذلان من الله لكن علم ذلك منهم ولم ينههم عنه إِجباراً فذلك رضى من الله عليهم فى ذلك زاعمين أَن ذلك شرع من الله لهم، وكلا الوجهين كفر. وعطف آباؤُنا على الضمير المتصل المرفوع المحل للفصل بلا لأَن الفصل يسيغ ذلك قبل العاطف أَو بعده نحو جئت وراكباً زيد بعاطف زيد على التاء للفصل بحال من زيد. وزاد فى النحل من دونه مرتين ونحن لا هنا لأَن الإِشراك مغن ذكر من دونه لأَنه متضمن للتحريم من دون الله، وأَسقط نحن تبعاً للتخفيف بخلاف آية النحل فإِنها فى العبادة والعبادة لا تستنكر وإِنما المستنكر كونها لشئ مع الله ولا تدل على تحريم شئ كما يدل عليه أَشرك فناسب ذكر من دونه وناسب استيفاء الكلام فيه ذكر نحن وليست الآية اعتذاراً منهم إِلى الله عز وجل فى أَنهم فعلوا قبيحاً فانهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعاً، يتقربون بعبادة الأَصنام إِلى الله عز وجل، بل ادعوا أَن الله عز وجل لو شاءَ عدم إِشراكنا وعدم تحريمنا لم نشرك ولم نحرم ولما أَشركنا وحرمنا علمنا أَن الله رضى بذلك. وهؤلاء المشركون كالمعتزلة فى اعتقاد أَن الله لا يريد الكفر، ولما وقع منهم علموا أَن الله شاءَه ولما شاءَه علموا أَنه جائز لأَنه لا يرد المحرم، وفى ذلك أَيضاً لأَن ما شاءَ الله يقع ولا يتخلف والنبوءَة لا ترده فلا حاجة إِليها. ويدل لذلك قوله {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} كذب الأُمم السابقة أَنبياءَهم فى تحريم الإِشراك وتحريم القول بما لم يقله الله كما كذبك قومك فى ذلك ولما أَرادوا الاعتذار عن ذلك معترفين بقبحه لم يصح الوصف بالتكذيب وإِنما صح التكذيب لدعواهم أَن ذلك مشروع من الله حاشاه، وذلك تهديد لهم أَفصح به قوله تعالى {حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} وإِنما صحت كلمة حتى لأَن المعنى داموا على التكذيب حتى ذاقوا، وهذا اعتبار لما فى حتى الابتدائية من ظرف الغاية، فلو جعلناها لمجرد التفريع كالفاء بقى كذب على ظاهره أَى كذبوا فذاقوا {قُلْ} يا محمد لهم {هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ} أمر معلوم، يكون حجة فى إِباحة الإِشراك والتحريم {فَتُخْرِجُوُه} تظهروه {لَنَا} كما أَظهرنا لكم الأَمر المعلوم الذى هو حجة من الله عز وجل {إِنْ تَتَّبِعُونَ} ما تتبعون فى إِشراككم {إِلاَّ الظَّنَّ} إِلا ترجيحاً لأَمر عندكم ظاهر مع أَنه ليس ظاهراً، بل هو باطل، ولا يقين لهم فى جواز الإِشراك والتحريم، وذلك أَن الظن تجويز أَمرين؛ أَحدهما ظاهر عند المجوز، والآخر غير ظاهر، والأُولى أَن الظن ترجيح أَحد جائزين، والآية تحريم للظن فيما فيه قاطع، وذلك فى جميع ما يؤخذ ديانة مما يقطع فيه العذر، ولا يسوغ فيه الخلاف، وإِذا لم يعارض قاطع ظنى أَو عقلى جاز الظن للمجتهد، أَعنى أَنه يجتهد فى بعض أَحكام الفروع. {إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} تكذبون فى ذلك، يعنى أَن ذلك ظن عندهم، كذب فى نفس الأَمر، ففى الاية أَن الكذب لا يشترط فيه العمد، بل هو الإِخبار بخلاف الواقع اعتقد أَنه خلافه أَم لم يعتقد، ويحتمل هنا اعتبار تساهلهم فى الظن، ففيه طرف من تعمد الإِخبار بخلاف الواقع، أَو الخرص التقدير بمجرد الهوى.

الالوسي

تفسير : {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} حكاية لفن آخر من أباطيلهم والإخبار قبل وقوعه ثم وقوعه حسبما أخبر كما يحكيه قوله تعالى عند وقوعه: { أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ } تفسير : [النحل: 35] صريح في أنه من / عند الله تعالى، وقد نص غير واحد على أن وقوع ما أخبر الله تعالى به من المغيبات من وجوه الإعجاز لكلامه وإن لم يكن الإعجاز به فقط كما في قول مضعف {لَوْ شَاء ٱللَّهُ } عدم إشراكنا وعدم تحريمنا شيئاً {مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ءابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ} لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح إذ لم يعتقدوا قبح أفعالهم وهي أفعى لهم بل هم كما نطقت به الآيات { أية : يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } تفسير : [الكهف: 104] وأنهم إنما يعبدون الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى وأن التحريم إنما كان من الله عز وجل فما مرادهم بذلك إلا الاحتجاج على أن ما ارتكبوه حق ومشروع ومرضي عند الله تعالى بناء على أن المشيئة والإرادة تساوق الأمر وتستلزم الرضا كما زعمت المعتزلة فيكون حاصل كلامهم أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله تعالى وإرادته، وكل ما تعلق به مشيئته سبحانه وإرادته فهو مشروع ومرضي عنده عز وجل فينتج أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم مشروع ومرضي عند الله تعالى. وبعد أن حكى سبحانه ذلك عنهم رد عليهم بقوله عز من قائل {كَذٰلِكَ} أي مثل ما كذب هؤلاء {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} وهم أسلافهم المشركون. وحاصله أن كلامهم يتضمن تكذيب الرسل عليهم السلام وقد دلت المعجزة على صدقهم. ولا يخفى أن المقدمة الأولى لا تكذيب فيها نفسها بل هي متضمنة لتصديق ما تطابق فيه العقل والشرع من كون كل كائن بمشيئة الله تعالى وامتناع أن يجري في ملكه خلاف ما يشاء. فمنشأ التكذيب هو المقدمة الثانية لأن الرسل عليهم السلام يدعونهم إلى التوحيد ويقولون لهم: إن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر ديناً ولا يأمر بالفحشاء فيكون قولهم: إن ما نرتكبه مشروع ومرضي عنده تعالى تكذيب لهذا القول، وحيث كان فساد هذه الحجة باعتبار المقدمة الثانية تعين أنها ليست بصادقة وحينئذ يصدق نقيضها وهي أنه ليس كل ما تعلقت به المشيئة والإرادة بمشروع ومرضي عنده سبحانه بناء على أن الإرادة لا تساوق الأمر والرضا على ما هو مذهب أهل السنة إذ المشيئة ترجح بعض الممكنات على بعض مأموراً كان أو منهياً حسناً كان أو قبيحاً. وعلى هذا فلا حجة في الآية للمعتزلة بل قد انقلب الأمر فصارت الآية حجة لنا عليهم لأنهم لم يفرقوا بين المأمور والمراد واعتقدوا كالمشركين بأن كل مراد مأمور ومرضي، ويجوز أيضاً أن يقال: مقصود المشركين من قولهم ذلك رد دعوة الأنبياء عليهم السلام ورفع البعثة والتكليف وهو المذكور في كثير من الكتب الكلامية. وحاصله حينئذ أن ما شاء الله تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع وكل ما هذا شأنه فلا يكلف به لكونه مشروطاً بالاستطاعة فينتج أن ما نرتكبه من الشرك وغيره لم نكلف بتركه ولم يبعث له نبـي فرد الله تعالى عليهم بأن هذه كلمة صدق أريد بها باطل لأنهم أرادوا بها أن الرسل عليهم السلام في دعواهم البعثة والتكليف كاذبون وقد ثبت صدقهم بالدلائل القطعية ولكون ذلك صدقاً أريد به باطل ذمهم الله تعالى بالتكذيب، ووجوب وقوع متعلق المشيئة لا ينافي صدق دعوى البعثة والتكليف لأنهما لإظهار المحجة وإبلاغ الحجة. وسيأتي توجيه آخر إن شاء الله تعالى قريباً للآية. وعطف {ءابَاؤُنَا } على الضمير المرفوع في {أَشْرَكْنَا } وساغ ذلك عند البصريين وإن لم يؤكد الضمير لأنه يكفي عندهم أي فاصل كان، وقد فصل بلا هٰهنا، والكوفيون لا يشترطون في ذلك شيئاً ويستدلون بما هنا ولا يعتبرون هذا الفصل لأنه ينبغي أن يتقدم حرف العطف ليدفع الهجنة ولا يكفي عندهم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وتوقف أبو علي في كفاية الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه وإن لم يفصل / حرف العطف. وادعى الإمام «أن في الكلام تقديراً لأن النفي لا يصرف إلى ذوات الآباء بل يجب صرفه إلى فعل صدر منهم وذلك هو الإشراك فيكون التقدير ما أشركنا ولا أشرك آباؤنا وحينئذ فلا إشكال». {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا} أي نالوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم، وفيه ـ على ما قيل ـ إيماء إلى أن لهم عذاباً مدخراً عند الله تعالى لأن الذوق أول إدراك الشيء. {قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ} أي من أمر معلوم يصح الاحتجاج به على زعمكم {فَتُخْرِجُوهُ} أي فتظهروه {لَنَا} على أتم وجه وأوضح بيان، وقيل: المراد هل لكم من اعتقاد ثابت مطابق فيما اتدعيتم أن الإشراك وسائر ما أنتم عليه مرضي لله تعالى فتظهروه لنا بالبرهان، وجعل إمام الحرمين في «الإرشاد» هذا وما بعده دليلاً على أن المشركين إنما استوجبوا التوبيخ على قولهم ذلك لأنهم كانوا يهزؤن بالدين ويبغون رد دعوة الأنبياء عليهم السلام حيث قرع مسامعهم من شرائع الرسل عليهم السلام تفويض الأمور إليه سبحانه فحين طالبوهم بالإسلام والتزام الأحكام احتجوا عليهم بما أخذوه من كلامهم مستهزئين بهم عليهم الصلاة والسلام ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم كيف لا والإيمان بصفات الله تعالى فرع الإيمان به عز شأنه وهو عنهم مناط العيوق. {إِن تَتَّبِعُونَ } أي ما تتبعون في ذلك {إِلاَّ ٱلظَّنَّ} الباطل الذي لا يغني من الحق شيئاً أو المراد إن عادتكم وجل أمركم أنكم لا تتبعون إلا الظن {وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} تكذبون على الله تعالى، وقد تقدم الكلام في حكم اتباع الظن على التفصيل فتذكر.

ابن عاشور

تفسير : استئناف رجع به الكلام إلى مجادلة المشركين بعد أن اعترض بينها بقوله: { أية : قل لا أجد في مآ أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه} تفسير : [الأنعام: 145] إلى قوله {أية : فإنّ ربّك غفور رحيم } تفسير : [الأنعام: 145]، فلمّا قطع الله حجّتهم في شأن تحريم ما حرّموه، وقسمة ما قسموه، استقصى ما بقي لهم من حجّة وهي حجّة المحجوج المغلوب الذي أعيته المجادلة ولم تبق له حجّة، إذ يتشبّث بالمعاذير الواهية لترويج ضلاله، بأن يقول: هذا أمر قضي وقدّر. فإن كان ضمير الرّفع في قوله: { أية : فإن كذبوك } تفسير : [الأنعام: 147] عائداً إلى المشركين كان قوله تعالى هنا: {سيقول الذين أشركوا} إظهاراً في مقام الإضمار لزيادة تفظيع أقوالهم، فإخبار الله عنهم بأنَّهم سيقولون ذلك إن كان نزول هذه الآية قبلَ نزول آية سورة النّحل (35): { أية : وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء } تفسير : وهو الأرجح، فإنّ سورة النَّحل معدودة في النّزول بعد سورة الأنعام، كان الإخبار بأنَّهم سيقولونه اطلاعاً على ما تُكنّه نفوسهم من تزوير هذه الحجّة، فهو معجزة من معجزات القرآن من نوع الإخبار بالغيب كقوله تعالى: { أية : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} تفسير : [البقرة: 24]. وإن كان نزول هذه الآية بعد نزول آية سورة النّحل فالإخبار بأنَّهم سيقولونه معناه أنَّهم سيعيدون معذرتهم المألوفة. وحاصل هذه الحجّة: أنَّهم يحتجّون على النّبيء صلى الله عليه وسلم بأنّ ما هم عليه لو لم يكن برضى الله تعالى لصَرَفَهم عنه ولَمَا يسَّره لهم، يقولون ذلك في معرض إفحام الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وإبطال حُكمه عليهم بالضّلالة، وهذه شبهة أهل العقول الأفِنة الذين لا يُفرّقون بين تصرّف الله تعالى بالخَلْق والتّقدير وحفظِ قوانين الوجود، وهو التصرّف الذي نسمّيه نحن بالمشيئة وبالإرادة، وبين تصرّفه بالأمر والنّهي، وهو الذي نسمّيه بالرّضى وبالمحبّة، فالأوّل تصرّف التّكوين والثّاني تصرف التّكليف، فهم يحسبون أنّ تمكّنهم من وضع قواعد الشّرك ومن التّحريم والتّحليل ما هو إلاَّ بأن خلق الله فيهم التمكّن من ذلك، فيحسبون أنَّه حين لم يمسك عِنان أفعالهم كان قد رضي بما فعلوه، وأنَّه لو كان لا يرضى به لما عجز عن سلب تمكّنهم، يحسبون أنّ الله يُهمّه سوءُ تصرّفهم فيما فطرهم عليه، ولو كان كما يتوهَّمون لكان الباطل والحقّ شيئاً واحداً، وهذا ما لا يفهمه عقل حَصيف، فإنّ أهل العقول السّخيفة حين يتوهَّمون ذلك كانوا غير ملتفتين إلاّ إلى جانب نحلتهم ومعرضين عن جانب مخالفهم، فإنَّهم حين يقولون: {لو شاء الله ما أشركنا} غافلون عن أن يقال لهم. من جانب الرّسول: لو شاء الله ما قلتُ لكم أنّ فعلكم ضلال، فيكون الله على حسب شبهتهم قد شاء الّشيء ونقيضه إذ شاء أنَّهم يشركون وشاء أن يقول لهم الرّسول لا تشركوا. وسبب هذه الضّلالة العارضة لأهل الضّلال من الأمم، التي تلوح في عقول بعض عوام المسلمين في معاذيرهم للمعاصي والجرائم أن يقولوا: أمْرُ الله أو مَكْتُوبُ عند الله أو نحو ذلك، هو الجهل بأنّ حكمة الله تعالى في وضع نظام هذا العالم اقتضت أن يجعل حجاباً بين تصرّفه تعالى في أحوال المخلوقات، وبين تصرّفهم في أحوالهم بمقتضى إرادتهم، وذلك الحجاب هو ناموس ارتباط المسبّبات بأسبابها، وارتباطِ أحوال الموجودات في هذا العالم بعضِها ببعض، ومنه ما يسمّى بالكَسب والاستطاعة عند جمهور الأشاعرة، ويسمّى بالقدرة عند المعتزلة وبعضضِ الأشاعرة، وذلك هو مورد التّكليف الدالّ على ما يرضاه الله وما لا يرضى به، وأنّ الله وضع نظام هذا العالم بحكمة فجعل قِوامه هو تدبير الأشياء أمورَها من ذواتها بحسب قوى أودعها في الموجودات لتسعى لما خُلقت لأجله، وزاد الإنسانَ مزيَّةً بأن وضع له عقلاً يمكّنه من تغيير أحواله على حسب احتياجه، ووضّع له في عقله وسائل الاهتداء إلى الخير والشرّ، كما قيّض له دعاة إلى الخير تنبّهه إليه إن عرته غفلة، أو حجبته شهوة، فإن هو لم يرعوِ غيِّهْ، فقد خَانَ بساطَ عقله بطَيِّهْ. وبهذا ظهر تخليط أهل الضّلالة بين مشيئة العباد ومشيئة الله، فلذلك ردّ الله عليهم هنا قولهم: {لو شاء الله مآ أشركنا ولا أباؤنا} لأنَّهم جعلوا ما هو مشيئة لهم مشيئة لله تعالى، ومع ذلك فهو قد أثبت مشيئته في قوله: { أية : ولو شاء الله ما أشركوا } تفسير : [الأنعام: 107] فهي مشيئة تكوين العقول وتكوين نظام الجماعة. فهذه المشيئة التي اعتلّوا بها مشيئة خفيّة لا تتوصّل إلى الاطّلاع على كنهها عقول البشر، فلذلك نعى الله عليهم استنادهم إليها على جهلهم بكنهها، فقال: {كذلك كذب الذين من قبلهم} فَشَبَّه بتكذيبِهم تكذيبَ المكذّبين الذين من قبلهم، فكنّى بذلك عن كون مقصد المشركين من هذه الحجّة تكذيب النّبيء صلى الله عليه وسلم وقد سبق لنا بيان في هذا المعنى في هذه السّورة (107) عند قوله تعالى: { أية : ولو شاء الله ما أشركوا }. تفسير : وليس في هذه الآية ما ينهض حجّة لنا على المعتزلة، ولا للمعتزلة علينا، وإن حاول كلا الفريقين ذلك لأنّ الفريقين متّفقان على بطلان حجّة المشركين. وفي الآية حجّة على الجبرية. وقوله تعالى: {كذلك كذب الذين من قبلهم} أي كذّب الذين من قبلهم أنبياءهم مثل ما كذّبك هؤلاء. وهذا يدلّ على أنّ الذين أشركوا قصدوا بقولهم: {لو شاء الله ما أشركنا} تكذيب النّبيء صلى الله عليه وسلم إذ دعاهم إلى الإقلاع عمّا يعتقدون بحجّة أنّ الله رضيه لهم وشاءه منهم مشيئة رضى، فكذلك الأمم قبلهم كذّبوا رسلهم مستندين إلى هذه الشبهة فسمّى الله استدلالهم هذا تكذيباً، لأنَّهم ساقوه مساق التّكذيب والإفحام، لا لأنّ مقتضاه لا يقول به الرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون، فإنَّا نقول ذلك كما قال تعالى: { أية : ولو شاء الله ما أشركوا } تفسير : [الأنعام: 107] نريد به معنى صحيحاً فكلامهم من باب كلام الحقّ الذي أريد به باطل، ووقع في «الكشاف» أنّه قرىء: {كذلك كذب الذين من قبلهم} ــــ بتخفيف ذال كذب ــــ وقال الطيّبي: هي قراءة موضوعة أو شاذّة يعني شاذّة شذوذاً شديداً ولم يروها أحد عن أحد من أهل القراءات الشاذّة، ولعلّها من وضع بعض المعتزلة في المناظرة كما يؤخذ من كلام الفخر. وقوله: {حتى ذاقوا بأسنا} غاية للتكذيب مقصود منها دوامهم عليه إلى آخر أوقات وجودهم. فلمّا ذاقوا بأس الله هلكوا واضمحلّوا، وليست الغاية هنا للتّنهية: والرّجوع عن الفعل لظهور أنَّه لا يتصوّر الرّجوع بعد استئصالهم. والذّوق مجاز في الإحساس والشّعور، فهو من استعمال المقيّد في المطلق، وقد تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : ليذوقَ وبال أمره} تفسير : في سورة العقود (95). والبأس تقدّم الكلام عليه في سورة البقرة وإضافته إلى ضمير الله تعالى لتعظيمه وتهويله. وأمَرَ الله رسولَه بالجواب عن مقالهم الواقع أو المتوقّع بقوله: {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا}، ففصل جملة: {قل} لأنَّها جارية مجرى المقاولة والمجاوبة كما تقرّر غير مرّة، وجاء بالاستفهام المقصود منه الإفحَام والتهكّم بما عُرف من تشبّثُهم بمثل هذا الاستدلال. وجُعل الاستفهام بــــ {هَلْ} لأنَّها تدلّ على طلب تحقيق الإسناد المسؤول عنه، لأنّ أصل {هل} أنَّها حرف بمعنى «قد» لاختصاصها بالأفعال، وكثرَ وقوعها بعد همزة الاستفهام، فغلب عليها معنى الاستفهام، فكثر حذف الهمزة معها حتّى تنوسيت الهمزة في مشهور الكلام ولم تظهر معها إلا في النّادر، وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: {أية : فهل أنتم منتهون} تفسير : في سورة العقود (91). فدلّ {هل} على أنَّه سائل عن أمر يريد أن يكون محقّقا كأنَّه يرغب في حصوله فيغريهم بإظهاره حتّى إذا عجزوا كان قطعاً لدعواهم. والمقصود من هذا الاستفهام التهكّم بهم في قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا} إلى {ولا حرمنا}، فأظهر لهم من القول من يظهره المعجَب بكلامهم. وقرينة التّهكّم بادية لأنَّه لا يظنّ بالرّسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين أن يطلبوا العلم من المشركين، كيف وهو يصارحهم بالتّجهيل والتّضليل صباحَ مساءَ. والعِلم: ما قابل الجهل، وإخراجه الإعلام به، شبهت إفادة المعلوم لمن يجهله بإخراج الشّيء المخبوء، وذلك مثل التّشبيه في قول النّبي صلى الله عليه وسلم «وعلم بثّه في صدور الرّجال» ولذلك كان للإتيان: بــــ {عندكم} موقع حسن، لأنّ (عند) في الأصل تدلّ على المكان المختصّ بالذي أضيف إليه لفظُها، فهي ممّا يناسب الخفاء، ولولا شيوع استعمالها في المعنى المجازي حتّى صارت كالحقيقة لقلْتُ: إنّ ذكر (عند) هنا ترشيح لاستعارة الإخراج للإعلام. وجعل إخراج العلم مرتَّباً بفاء السَّببيّة على العندية للدّلالة على أنّ السّؤال مقصود به ما يتسبّب عليه. واللاّم في: {فتخرجوه لنا} للأجْل والاختصاص، فتؤذن بحاجة مجرورها لمتعلّقها، أي فتخرجوه لأجلنا: أي لنفعنا، والمعنى: لقد أبدعتم في هذا العلم الذي أبديتموه في استفادتكم أنّ الله أمركم بالشّرك وتحريم ما حرّمتموه بدلالة مشيئة على ذلك إذ لو شاء لما فعلتم ذلك فزيدونا من هذا العلم. وهذا الجواب يشبه المنع في اصطلاح أهل الجدل، ولمّا كان هذا الاستفهام صورياً وكان المتكلّم جازماً بانتفاء ما استَفْهَم عنه أعقبه بالجواب بقوله: {إن تتبعون إلا الظن}. وجملة: {إن تتبعون إلا الظن} مستأنفة لأنَّها ابتداء كلام بإضراب عن الكلام الذي قبله، فبعد أن تهكّم بهم جدّ في جوابهم، فقال: {إن تتبعون إلا الظن} أي: لا علم عندكم. وقصارى ما عندكم هو الظنّ الباطل والخَرْص. وهذا يشبه سند المنع في عرف أهل الجدل. والمراد بالظنّ الظنّ الكاذب وهو إطلاق له شائع كما تقدّم عند قوله تعالى: { أية : إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } تفسير : في هذه السّورة (116).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنهم سيقولون: لو شاء الله ما أشركنا، وذكر في غير هذا الموضع أنهم قالوا ذلك بالفعل، كقوله في النحل: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا} تفسير : [النحل: 35] الآية، وقوله في الزخرف: {أية : وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} تفسير : [الزخرف: 20] الآية. ومرادهم أن الله لما كان قادراً على منعهم من الإشراك، ولم يمنعهم منه أن ذلك دليل على رضاه بشركهم، ولذلك كذبهم هنا بقوله: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} الآية، وكذبهم في الزخرف بقوله: {أية : مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} تفسير : [الزخرف: 20]، وقال في الزمر {أية : وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} تفسير : [الزمر: 7] الآية.

الواحدي

تفسير : {سيقول الذين أشركوا} إذا لزمتهم الحجة وتيقَّنوا باطل ما هم عليه: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرَّمنا من شيء كذلك كذَّب} جعلوا قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا} حجَّةً لهم على إقامتهم على الشِّرك، وقالوا: إنَّ الله رضي منَّا ما نحن عليه وأراده منَّا، وأمرنا به، ولو لم يرضه لحال بيننا وبينه، ولا حجة لهم في هذا؛ لأنَّهم تركوا أمر الله وتعلَّقوا بمشيئته، وأمرُ الله بمعزلٍ عن إرادته؛ لأنَّه مريدٌ لجميع الكائنات، غير آمرٍ بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يحفظ الأمر ويتَّبعه، وليس له أن يتعلَّق بالمشيئة بعد ورود الأمر، فقال الله تعالى: {كذلك كذب الذين من قبلهم} أَيْ: كما كذَّبك هؤلاء كذَّب كفَّار الأمم الخالية أنبياءهم، ولم يتعرَّض لقولهم: {لو شاء الله} بشيءٍ {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} من كتابٍ نزل في تحريم ما حرَّمتم {إن تتبعون إلاَّ الظن} ما تتَّبعون فيما أنتم عليه إلاَّ الظَّنَّ لا العلم واليقين {وإن أنتم إلاًّ تخرصون} وما أنتم إلاَّ كاذبين. {قل فللَّه الحجة البالغة} بالكتاب والرَّسول والبيان {فلو شاء لهداكم أجمعين} إخبار عن تعلُّق مشيئة الله تعالى بكفرهم، وأنَّ ذلك حصل بمشيئته، إذ لو شاء الله لهداهم. {قل هلم شهداءكم} أَيْ: هاتوا شهداءكم وقرِّبوهم، وباقي الآية ظاهر. {قل تعالوا أتل ما حرَّم ربكم عليكم} أَقرأ عليكم الذي حرَّمه الله، ثمَّ ذكر فقال: {ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً} وأوصيكم بالوالدين إحساناً {ولا تقتلوا أولادكم} من أولادكم من مخافة الفقر {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} يعني: سر الزِّنا وعلانيته {ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحق} يريد: القصاص. {ولا تقربوا مال اليتيم إلاَّ بالتي هي أحسن} وهو أن يصلح ماله ويقوم فيه بما يثمره، ثمَّ يأكل بالمعروف إن احتاج إليه {حتى يبلغ أشده} أَي: احفظوه عليه حتى يحتلم {وأوفوا الكيل} أتِمُّوه من غير نقصٍ {والميزان} أَيْ: وزن الميزان {بالقسط} بالعدل لا بخسٍ ولا شططٍ {لا نُكَلِّفُ نفساً إلاَّ وسعها} إلاَّ ما يسعها ولا تضيق عنه، وهو أنَّه لو كلَّف المعطي الزِّيادة لضاقت نفسه عنه، وكذلك لو كلَّف الآخذ أن يأخذ بالنُّقصان {وإذا قلتم فاعدلوا} إذا شهدتم أو تكلَّمتم فقولوا الحقَّ {ولو} كان المشهود له أو عليه {ذا القربى}. {وأنًّ هذا} ولأنَّ هذا {صراطي مستقيماً} يريد: ديني دينُ الحنيفيَّة أقومُ الأديان {فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} اليهوديَّة، والنصرانيَّة، والمجوسية، وعبادة الأوثان {فتفرَّق بكم عن سبيله} فتضلَّ بكم عن دينه {ذلكم} الذي ذكر {وصَّاكم} أمركم به في الكتاب {لعلكم تتقون} كي تتقوا السُّبل.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 148- سيقول المشركون اعتذاراً عن شركهم، وتحريم ما أحل الله من المطاعم، وتكذيباً لما أبلغتهم من مقت الله لما هم عليه: إن الإشراك منا وتحريم الحلال كانا بمشيئة الله ورضاه، ولو شاء عدم ذلك وكره منا ما نحن عليه، ما أشركنا نحن ولا أسلافنا، ولا حرمنا شيئاً مما أحله لنا. وقد كذَّب الذين من قبلهم رسلهم، كما كذَّبك هؤلاء واستمروا فى تكذيبهم حتى نزل بهم عذابنا! قل لهؤلاء المكذبين، هل عندكم من مستند صحيح على أن الله رضى لكم الشرك والتحليل، فتظهروه لنا؟ ما تتبعون فيما تقولون إلا الظن الذى لا يغنى من الحق شيئاً، وما أنتم إلا كاذبون فيما تزعمون. 149- قل - يا أيها النبى -: لله الحُجة الواضحة فى كذبكم وادعائكم أن الله رضى بعملكم، ولا حُجة لكم فيما تزعمون من الشرك والتحليل والتحريم وغيرها، فلو شاء الله أن يوفقكم إلى الهداية لهداكم أجمعين إلى طريق الحق، ولكنه لم يشأ ذلك لاختياركم سبيل الضلال. 150- قل لهم - يا أيها النبى -: هاتوا أنصاركم الذين يشهدون لكم أن الله حرَّم هذا الذى زعمتم أنه حرام، فإن حضروا، وشهدوا، فلا تصدقهم لأنهم كاذبون. ولا تتبع أهواء هؤلاء الذين كذبوا بالأدلة الكونية والقرآن المتلو، الذين لا يؤمنون بالآخرة - وهم مشركون بالله - يساوون به غيره من المعبودات الباطلة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أشركوا: أي جعلوا لله شركاء له يعبدونهم معه. ولا حرمنا من شيء: أي مما حرموه من البحائر والسوائب والوصائل والحامات. ذاقوا بأسنا: أي عذابنا. تخرصون: تكذبون. الحجة البالغة: الدليل القاطع للدعاوي الباطلة. هلم شهداءكم: أي أحضروهم. يعدلون: أي به غيره من الأصنام وسائر المعبودات الباطلة. معنى الآيات: ما زال السياق في رد ترهات وأباطيل العادلين بربهم المشركين في ألوهيته سواه فذكر تعالى في الآيتين [148] و [149] شبهة للمشركين يتخذونها مبرراً لشركهم وباطلهم وهي قوله: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} يريدون أن عدم مؤاخذة الله تعالى لنا ونحن نشرك به ونحرم ما نحرمه دليل على رضا الله بذلك وإلا لمنعنا منه وحال دون فعلنا له، فرد الله تعالى هذه الشبهة وأبطلها بقوله: {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا} أي مثل هذا التكذيب الصادر من هؤلاء العادلين بربهم من كفار قريش ومشركيها كذب الذين من قبلهم من الأمم، وما زالوا على تكذيبهم حتى أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فلو كان تعالى راضياً بشركهم وشرهم وباطلهم لما أخذهم فإمهال الله تعالى للناس لعلهم يتوبون ليس دليلاً على رضاه بالشرك والشر، والحجة أنه متى انتهت فترة الإِمهال نزل بالمكذبين العذاب. وقوله تعالى {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ} يأمر الله تعالى رسوله أن يقول للمذنبين العادلين بربهم {هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ} أي ليس لديكم علم على ما تدعونه فتخرجوه لنا، {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} أي ما تتبعون في دعاويكم الباطلة إلا الظن، {وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} أي وما أنتم إلا تحرصون أي تقولون بالحزر والخرص فتكذبون، وقوله تعالى {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ} أي يعلم رسوله أن يقول لهم بعد أن دحض شبهتهم وأبطلها إن لم تكن لكم حجة فلله الحجة البالغة، ومع هذا {فَلَوْ شَآءَ} هدايتكم {لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} وهو على ذلك قدير، وإنما حكمه في عباده وسنته فيهم أن يكلفهم اختبارا لهم ويوضح الطريق لهم ويقيم الحجة عليهم، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فعليها. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية وأما الآية الثالثة [150] وهي قوله تعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا} أي الذين حرمتموه فإنهم لا يستطيعون أن يأتوا بهم "فإن شهدوا فلا تشهد معهم" وإن فرضنا أنهم يأتون بشهداء باطل يشهدون فلا تقرهم أنت أيها الرسول على باطلهم بل بين لهم بطلان ما ادعوه، فإنهم لا يتبعون في دعاويهم، إلا الأهواء، وعليه {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}، وقد جمع هؤلاء المشركون كل هذه العظائم من الذنوب التكذيب بآيات الله، وعدم الإِيمان بالآخرة، والشرك بربهم فكيف يجوزاتباعهم وهو مجرمون ضالون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بطلان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي والاستمرار فيها. 2- لا حجة إلا فيما قام على أساس العلم الصحيح. 3- الحكمة في عدم هداية الخلق كلهم مع قدرة الله تعالى على ذلك هو التكليف والإبتلاء. 4- مشروعية الشهادة وحضور الشهود. 5- عدم إقرار شهادة الباطل وحرمة السكوت عنها. 6- حرمة اتباع أصحاب الأهواء الذين كذبوا بآيات الله.

القطان

تفسير : يخرُصون: يحزرون، يخّمنون، وهو هنا بمعنى الكذب الحجة البالغة: الدلالة المبينة للقصد المستقيم. هلّم. احضُروا بربهم يعدلون: يتّخذون له عديلاً ومثيلا. سيقول المشركون اعتذاراً عن شِركهم، وتحريم ما أحلّ الله من المطاعم وتكذيباً لما أبلغتَهم من مقتِ الله لما هم عليه: إن الإشارك منّا، وتحريمَ الحلال - كانا بمشيئة الله ورضاه ولو شاء عدم ذلك، وكرِه منّا ما نحنُ عليه، ما أشركنا نحنُ ولا أسلاُفنا، ولا حرّمنا شيئاً مما أحلّه لنا. ولقد كذَّب الذين من قبلهم رسُلَهم، كما كذّبك هؤلاء، واستمروا في تكذيبهم حتى نزل بهم عذابُنا. فقل ايها الرسول لهؤلاء المكذّبين: هل عندكم فيما تقولونه هذا علم تعتمدون عليه وتحتجون به؟ أظهِروه لنا إذا كان عندكم ذلك. إننا نود أن نفهمه ونوازنَ بينه وبن ما جئناكم به من الآيات الواضحة. ثم يُبَيّن حقيقة حالهم بقوله تعالى: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ}. أي إنكم لستم على شيء من العلم، وما تتبعون فيما تقولون الا الظنَّ الذي لا يُغني من الحق شيئا. وبعد ان نفى سبحانه وتعالى عنهم حقيقة العلم - أثبت لذاته الحجةَ البالغة التي لا تعلوها حجة فقال: {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }. قل أيها النبي لهؤلاء الجاهلين: إن لِلّهِ الحجةَ الواضحة على كذبكم وادّعائكم أن الله قد رضيَ بعلمكم، ولا حجةَ لكم فيما تزعمون من الشِرك والتحليل والتحريم وغيرهما، ولو شاء الله أن يَهديكم بغير هذه الطريق التي اقام امر البشر عليها (وهي التعليم والارشاد بطريق النظر والاستدلال)- لهداكم اجمعين، فجعلكم تؤمنون بالفطرة كالملائكة، ولجعل الطاعة فيكم بغير شعور منكم ولا ارادة.. وحينئذ لا تكونون من نوع الانسان الذي قضت الحكمة وسبق العلم بخلقه مستعدّاً لعمل الخير والشر، والحق والباطل. وبعد أن نفى عنهم العلم وسجّل عليهم اتّباع الهوى - أمَر رسوله الكريم ان يطالب المشركين بإحضار من عساهم يعتمدون عليه من الشهداء في إثبات ما ادّعوه فقال: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا...}. هاتوا أنصاركم الذين يشهدون لكم ان الله حرم هذا الذي زعمتم انه حرام. فان حضروا وشهدوا، فلا تصدِّقهم يا محمد، لأنهم كاذبون وإياك أن تتّبع أهواء هؤلاء الذين كذّبوا بالأدلة الكونية والقرآن المتلُو، والذين لا يؤمنون بالآخرة، كما يشركون بالله، ويتخذون له مثيلاً يشاركه في قدرته.

د. أسعد حومد

تفسير : {آبَاؤُنَا} (148) - سَيَقُولُ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ، اعْتِذَاراً عَنْ شِركِهِمْ، لَوْ شَاءَ اللهُ أَلاَّ نُشْرِكَ بِهِ، وَلاَ يُشْرِكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلِنا، لَمَا أَشْرَكْنَا، وَلَمَا أَشْرَكُوا، وَلَوْ شَاءَ اللهُ أَلاَّ نُحَرِّمَ شَيْئاً مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ وَغَيْرِها، لَمَا حَرَّمْنَا، وَلَكِنَّهُ شَاءَ أَنْ نُشْرِكَ بِهِ الأَوْلِيَاءَ وَالشُّفَعَاءِ، وَشَاءَ أَنْ نُحَرِّمَ مَا حَرَّمْنَا مِنَ البَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَغَيْرِها فَحَرَّمْنَاهَا، فَإِتْيَانُنا بِهَا دَلِيلٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَى رِضَاهُ بِهَا. وَكَمَا كَذَّبَ مُشْرِكُو مَكَّةَ رَسُولَهُمْ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم، فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ، كَذَلِكَ كَذَّبَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ رُسُلَهُمْ تَكْذِيباً غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ العِلْمِ. وَالرُّسُلُ قَدْ أَقَامُوا الأَدِلَّةَ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَيَّدَهُمُ اللهُ بِالآيَاتِ، وَالمُعْجِزَاتِ عَلَى صِدْقِهِمْ، فَأَعْرَضَ المُكَذِّبُونَ، وَأَصَرُّوا عَلَى جُحُودِهِمْ، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ (حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا). وَلَوُ كَانَ اللهُ رَاضِياً عَنْ أَفْعَالِهِمْ لَمَا عَاقَبَهُمْ عَلَيْهَا، كَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ صَادِرَةً عَنْهُمْ جَبْراً، لَمَا اسْتَحَقُّوا العِقَابَ عَلَيْها، وَلَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: إنَّهُ أَخَذَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَهْلَكَهُمْ بِظُلْمِهِمْ. وَاسْأَلْهُمْ يَا مُحَمَّدُ: هَلْ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يَقُولُونَ وَيَحْتَجُّونَ؟ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مُسْتَنَدٌ صَحِيحٌ عَلَى أَنَّ اللهَ رَضِيَ لَهُم الشِّرْكَ، وَالتَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ، فَلْيُظْهِرُوهُ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّكُمْ لَسْتُمْ عَلَى شَيءٍ مِنَ العِلْمِ الصَّحِيحِ، بَلْ تَتَّبِعُونَ فِي عَقَائِدِكُمْ وَآرَائِكُمُ الحَدْسَ وَالتَّخْمِينَ الذِي لاَ يَسْتَقِرُّ عِنْدَهُ حُكْمٌ. التَّخَرُّصُ - التَّخْمِينُ وَالتَّقْدِيرُ أَوِ الكَذِبُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة تقرأ آية فيها "سيقول" فاعلم أنها تنطوي على سرّ إعجازي للقرآن، والذي يعطي هذا السرّ هو الخصم حتى تعرف كيف يؤدي عدوّ الله الدليل على صدق الله، مما يدل على أنه في غفلة. ومن قبل قال الحق سبحانه: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 142] و"سيقول" معناها أنهم لم يقولوا الآن، ويخبر القرآن أنهم سيقولون، ولم يخبئ ويستر القرآن هذه الآية، بل قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآناً يُقرأ ويُصلى به. ولو أن عندهم شيئاً من الفكر لكانوا يسترون القول حتى يُظهروا المتكلم بالقرآن بمظهر أنه لا يقول الكلام الصحيح، أو على الأقل يقولون إنه يقول: "سيقول السفهاء"، ونحن لسنا بسفهاء فلا نقول هذا القول. لكنهم يقولون القول السفيه برغم أن الآية قد سبقتهم بالتنبؤ بما سوف يقولون؛ لأن الذي أخبر هو الله، ولا يمكن أن يجيء احتياط من خلق الله ليستدرك به على صدق الله. هم سمعوا الكلمة، ومع ذلك لم يسكتوا بل سبقتهم ألسنتهم إليها ليؤيدوا القرآن. وكل مسرف على نفسه في عدم اتباع منهج الله يقول: إن ربنا هو الذي يهدي وهو الذي يضلّ، ويقول ذلك بتبجح ووقاحة لتبرير ما يفعل من سفه. وسيظل المسرفون على أنفسهم وكذلك المشركون يقولون ذلك وسيحاولون تحليل ما حرّم الله. وقد جاء المشركون بقضيتين: قضية في العقيدة، وقضية في التكليف؛ قالوا في قضية العقيدة: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا}، وكأنهم أشركوا بمشيئة الله. وجاءوا إلى ما حرموا من حلال الله وقالوا إنهم قد فعلوا ذلك بمشيئة الله أيضاً؛ ليوجدوا لأنفسهم مبرراً، وهذا القول ليس قضية عقلية؛ لأنها لو كانت وقفة عقلية لكانت في الملحظين: الخير والشر، فالواحد منهم يقول: كتب ربنا علينا- والعياذ بالله- الشر، لماذا يعذبني إذن؟! ولا يقول هذ الإنسان "وكتب الله لي الخير". هذا ما كان يفرضه ويقتضيه المنطق لكنهم تحدثوا عن الشر وسكتوا عمَّا يعطى لهم من خير. وقولهم {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا} صحيح المعنى؛ لأنه سبحانه لو شاء أن يجعل الناس كلهم مهديين لفعل، لكنه شاء أن يوجد لنا اختياراً، وفي إطار هذا الاختيار لا يخرج أمر عن مشيئته الكونية. بل يخرج الكفر والشر عن مراده الشرعي. وعلمنا من قبل أن هناك فرقاً بين الكونية والشرعية؛ فكفر الكافر ليس غصباً عن الله أو قهراً عنه سبحانه، إنما حصل وحدث بما أعطاه الله لكل إنسان من اختيار، فالإنسان صالح للاختيار بين البديلات: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ...} تفسير : [الكهف: 29] فالإنسان قادر على توجيه الطاقة الموهوبة له من الله الصالحة للخير أو الشر. إذن فأختيار الإنسان إما ان يدخله إلى الإيمان وإما أن يتجه به إلى الكفر، لذلك يقول الحق عن الذين يدعون أن كفرهم كان بمشيئة الله: {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا..} [الأنعام: 148] والسابقون لهم قالوا ذلك وفعلوا مثل ما يفعل هؤلاء من التكذيب؛ وجاءهم بأس وعذاب من الله شديد، ولذلك يأمر الحق محمداً صلى الله عليه وسلم: {... قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} [ الأنعام: 148] ويسألهم محمدُ صلى الله عليه وسلم عن علم يؤكدون به صحة ما يدعونه.. ويزعمونه أي هل عندكم بلاغ من الله، والحق أنهم لا علم لديهم ولا دليل، إنهم يتبعون الظن، ويخرصون، أي ان كلامهم غير واضح الدلالة على المراد منه، إنه تخمين وظن وكذب. لذلك يقول سبحانه: {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} [الأنعام: 148]، أي: الذين طلبوا مع الله غيره، وعبدوا معه سواه من الدنيا والآخرة، {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 148]، أي: من مقامات الوصول، وهذه كلمة حق أريد به باطل الكلام في نفس الأمر حق وصدق، إلا أنه ما صدر عن يقين صادق ولا كشف حقيقة، وإنما صدر عن إظهار حجة دفعاً لأذية والبلاء من دون الناس، فكذبهم الله تعالى فيما قالوا: بزعمهم أنهم يقولون: ذلك من علم الله وحقيقة، بقوله تعالى: {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا} [الأنعام: 148]. ثم قال تعالى: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148]، يعني: فيما تزعمون وتدعون أنه من علم يقولون، وإنما تقولون للحجة، ثم قال تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ} [الأنعام: 149]، فيما قدر ودبر وحكم به، وقضي من الأزل إلى الأبد، {فَلَوْ شَآءَ} [الأنعام: 149]، هداهم؛ يعني: في الأزل، {لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]، كما هدى بعضكم دون بعض إظهاراً للقدرة والاختيار، {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا} [الأنعام: 150]، والشهداء: هي الظنون الكاذبة على أن الله حرم عليكم نيل الدرجات والوصول إلى المقامات. {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام: 150]، أي: فلا تشهد بالظن في شيء من الأمور إلا بالوحي والكشف واليقين، {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [الأنعام: 150]، وتشهد بالظن كما يشهد أهل الأهواء، {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 150] فيشركون به، ويعبدون الدنيا ويتبعون الهوى ويظنون بالله ظن السوء.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا إخبار من الله أن المشركين سيحتجون على شركهم وتحريمهم ما أحل الله، بالقضاء والقدر، ويجعلون مشيئة الله الشاملة لكل شيء من الخير والشر حجة لهم في دفع اللوم عنهم. وقد قالوا ما أخبر الله أنهم سيقولونه، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} تفسير : الآية. فأخبر تعالى أن هذه الحجة، لم تزل الأمم المكذبة تدفع بها عنهم دعوة الرسل، ويحتجون بها، فلم تجد فيهم شيئا ولم تنفعهم، فلم يزل هذا دأبهم حتى أهكلهم الله، وأذاقهم بأسه. فلو كانت حجة صحيحة، لدفعت عنهم العقاب، ولما أحل الله بهم العذاب، لأنه لا يحل بأسه إلا بمن استحقه، فعلم أنها حجة فاسدة، وشبهة كاسدة، من عدة أوجه: منها: ما ذكر الله من أنها لو كانت صحيحة، لم تحل بهم العقوبة. ومنها: أن الحجة، لا بد أن تكون حجة مستندة إلى العلم والبرهان، فأما إذا كانت مستندة إلى مجرد الظن والخرص، الذي لا يغني من الحق شيئا، فإنها باطلة، ولهذا قال: { قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } فلو كان لهم علم -وهم خصوم ألداء- لأخرجوه، فلما لم يخرجوه علم أنه لا علم عندهم. { إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ } ومَنْ بنى حججه على الخرص والظن، فهو مبطل خاسر، فكيف إذا بناها على البغي والعناد والشر والفساد؟ ومنها: أن الحجة لله البالغة، التي لم تبق لأحد عذرا، التي اتفقت عليها الأنبياء والمرسلون، والكتب الإلهية، والآثار النبوية، والعقول الصحيحة، والفطر المستقيمة، والأخلاق القويمة، فعلم بذلك أن كل ما خالف هذه الأدلة القاطعة باطل، لأن نقيض الحق، لا يكون إلا باطلا. ومنها: أن الله تعالى أعطى كل مخلوق قدرة، وإرادة، يتمكن بها من فعل ما كلف به، فلا أوجب الله على أحد ما لا يقدر على فعله، ولا حرم على أحد ما لا يتمكن من تركه، فالاحتجاج بعد هذا بالقضاء والقدر، ظلم محض وعناد صرف. ومنها: أن الله تعالى لم يجبر العباد على أفعالهم، بل جعل أفعالهم تبعا لاختيارهم، فإن شاءوا فعلوا، وإن شاءوا كفوا. وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من كابر، وأنكر المحسوسات، فإن كل أحد يفرق بين الحركة الاختيارية والحركة القسرية، وإن كان الجميع داخلا في مشيئة الله، ومندرجا تحت إرادته. ومنها: أن المحتجين على المعاصي بالقضاء والقدر يتناقضون في ذلك. فإنهم لا يمكنهم أن يطردوا ذلك، بل لو أساء إليهم مسيء بضرب أو أخذ مال أو نحو ذلك، واحتج بالقضاء والقدر لما قبلوا منه هذا الاحتجاج، ولغضبوا من ذلك أشد الغضب. فيا عجبا كيف يحتجون به على معاصي الله ومساخطه. ولا يرضون من أحد أن يحتج به في مقابلة مساخطهم؟!! ومنها: أن احتجاجهم بالقضاء والقدر ليس مقصودا، ويعلمون أنه ليس بحجة،وإنما المقصود منه دفع الحق، ويرون أن الحق بمنزلة الصائل، فهم يدفعونه بكل ما يخطر ببالهم من الكلام وإن كانوا يعتقدونه خطأ.