Verse. 938 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قُلْ فَلِلّٰہِ الْحُجَّۃُ الْبَالِغَۃُ۝۰ۚ فَلَوْ شَاۗءَ لَہَدٰىكُمْ اَجْمَعِيْنَ۝۱۴۹
Qul falillahi alhujjatu albalighatu falaw shaa lahadakum ajmaAAeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» إن لم يكن لكم حجة «فللَّه الحجة البالغة» التامة «فلو شاء» هدايتكم «لهداكم أجمعين».

149

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ} أي التي تقطع عذر المحجوج؛ وتزيل الشك عمن نظر فيها. فحجَّته البالغة على هذا تبيينه أنه الواحد، وإرسالُه الرسل والأنبياء؛ فبيّن التوحيد بالنظر في المخلوقات، وأيد الرسل بالمعجزات، ولزم أمره كلّ مكلَّف. فأما علمه وإرادته وكلامه فغَيْب لا يطّلع عليه العبد، إلا من ٱرتضى من رسول. ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أُمر به لأمكنه. وقد لَبَّست المعتزلة بقوله: «لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا» فقالوا: قد ذم الله هؤلاء الذين جعلوا شركهم عن مشيئته. وتعلّقهم بذلك باطل؛ لأن الله تعالى إنما ذمّهم على ترك ٱجتهادهم في طلب الحق. وإنما قالوا ذلك على جهة الهزء واللّعب. نظيره {أية : وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ}تفسير : [الزخرف: 20]. ولو قالوه على جهة التعظيم والإجلال والمعرفة به لما عابهم؛ لأن الله تعالى يقول: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ}تفسير : [الأنعام: 107]. و{أية : مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام: 111]. {أية : وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [النحل: 9]. ومثله كثير. فالمؤمنون يقولونه لعلم منهم بالله تعالى.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ} البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات، أو بلغ بها صاحبها صحة دعواه وهي من الحج بمعنى القصد كأنها تقصد إثبات الحكم وتطلبه. {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } بالتوفيق لها والحمل عليها ولكن شاء هداية قوم وضلال آخرين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } إن لم تكن لكم حجة {فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَٰلِغَةُ } التامة {فَلَوْ شَاءَ } هدايتكم {لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }.

ابن عطية

تفسير : ثم أعقب تعالى أمره نبيه صلى الله عليه وسلم بتوقيف المشركين على موضع عجزهم بأمره إياه بأن يقول مبيناً مفصحاً {فلله الحجة البالغة} يريد البالغة غاية المقصد في الأمر الذي يحتج فيه، ثم أعلم بأنه لو شاء لهدى العالم بأسره. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه الآية ترد على المعتزلة في قولهم إن الهداية والإيمان إنما هي من العبد لا من الله، فإن قالوا معنى {لهداكم} لاضطركم إلى الهدى فسد ذلك بمعتقدهم أن الإيمان الذي يريد الله من عباده ويثيب عليه ليس الذي يضطر إليه العبد، وإنما هو عندهم الذي يقع من العبد وحده، و {هلم} معناه هات، وهي حينئذ متعدية، وقد تكون بمعنى أقبل، فهي حينئذ لا تتعدى، وبعض العرب يجعلها اسماً للفعل كرويدك، فيخاطب بها الواحد والجميع والمذكر والمؤنث على حد واحد، وبعض العرب يجعلها فعلاً فيركب عليها الضمائر فيقول هلم يا زيد وهلموا أيها الناس وهلمي يا هند ونحو هذا، وذكر اللغتين أبو علي في الإغفال، وقال أبو عبيدة اللغة الأولى لأهل العالية واللغة الثانية لأهل نجد، وقال سيبويه والخليل: أصلها هالم، وقال بعضهم: أصلها هالمم، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين فجاء هلمم فحذف من قال أصلها هالم وأدغم من قال أصلها هلمم على غير قياس، ومعنى هذه الآية قل هاتوا شهداءكم على تحريم الله ما زعمتهم أنه حرمه، ثم قال الله تعالى لنبيه عليه السلام {فإن شهدوا} أي فإن افترى لهم أحداً وزور شهادة أو خبراً عن نبوة ونحو ذلك فتجنب أنت ذلك ولا تشهد معهم. وفي قوله {فلا تشهد معهم} قوة وصف شهادتهم بنهاية الزور، {ولا تتبع أهواء} يريد لا تنحط في شهوات الكفرة وتوافقهم على محابهم و {والذين لا يؤمنون} عطف نعت على نعت، كما تقول جاءني زيد الكريم والعاقل، هذا مذهب عظم الناس، وقال النقاش: نزلت في الدهرية من الزنادقة. {وهم بربهم يعدلون} أنداداً يسوونهم به، وإن كانت في الزنادقة فعدلهم غير هذا.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {قل فلله الحجة البالغة} يعني: قل يا محمد لهؤلاء المشركين حين عجزوا عن إظهار علم الله أو حجة لهم فللّه الحجة البالغة يعني التامة على خلقه بإنزال الكتاب وإرسال الرسل. قال الربيع بن أنس: لا حجة لأحد عصى الله أو أشرك به على الله ولكن لله الحجة البالغة على عباده {فلو شاء لهداكم أجمعين} يعني فلو شاء الله لوفقكم أجمعين للهداية ولكنه لم يشأ ذلك وفيه دليل على أنه تعالى لم يشأ إيمان الكافر ولو شاء لهداه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون} يعني هاتوا وادعوا شهداءكم. وهلم كلمة دعوة إلى الشيء يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والذكر والأنثى وفيها لغة أخرى يقال للواحد هلم وللاثنين هلما وللجمع هلموا وللأنثى هلمي واللغة الأولى أفصح {إن الله حرم هذا} وهذا تنبيه من الله باستدعاء الشهود من الكافرين على تحريم ما حرموه على أنفسهم وقالوا إن الله أمرنا به ليظهر أن لا شاهد لهم على ذلك وإنما اختلقوه من عند أنفسهم {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} وهذا تنبيه أيضاً على كونهم كاذبين في شهادتهم فلا تشهد أنت يا محمد معهم لأنهم في شهادتهم كاذبون {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا} يعني إن وقع منهم شهادة فإنما هي باتباع الهوى فلا تتبع أنت يا محمد أهواءهم ولكن اتبع ما أوحي إليك من كتابي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه {والذين لا يؤمنون بالآخرة} أي ولا تتبع أهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة {وهم بربهم يعدلون} يعني يشركون. قوله عز وجل: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} لما بين الله تعالى فساد مقالة الكفار فيما زعموا أن الله أمرهم بتحريم ما حرموه على أنفسهم فكأنهم سألوا وقالوا: أي شيء حرم الله فأمر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم تعالوا تعال من الخاص الذي صار عاماً وأصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عمَّ. وقيل أصله أن تدعو الإنسان إلى مكان مرتفع وهو من العلو وهو ارتفاع المنزلة فكأنه دعاه إلى ما فيه رفعة وشرف ثم كثر في الاستعمال، والمعنى: تعالوا وهلموا أيها القوم أتل عليكم يعني أقرأ ما حرم ربكم عليكم يعني الذي حرم ربكم عليكم حقاً يقيناً لا شك فيه ولا ظناً ولا كذباً كما تزعمون أنتم بل هو وحي أوحاه الله إليّ {ألا تشركوا به شيئاً}. فإن قلت: ترك الإشراك واجب فما معنى قوله أن لا تشركوا به شيئاً لأنه كالتفصيل لما أجمله فيقوله حرم ربكم عليكم وذلك لا يجوز. قلت الجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن يكون موضع أن رفع معناه هو أن لا تشركوا له. الوجه الثاني: أن يكون محل النصب، واختلفوا في وجه انتصابه فقيل معناه حرم عليكم أن تشركوا وتكون لا صلة. وقيل: إن حرف لا على أصلها ويكون المعنى: أتل عليكم تحريم الشرك أي لا تشركوا ويكون المعنى أوصيكم أن لا تشركوا لأن قوله وبالوالدين إحساناً محمول على: أوصيكم بالوالدين إحساناً. الوجه الثالث: أن يكون الكلام قد تم عند قوله حرم ربكم، ثم قال: عليكم أن لا تشركوا على الإغراء أو بمعنى فرض عليكم أن لا تشركوا به شيئاً ومعنى هذا الإشراك الذي حرمه الله ونهى عنه هو أن يجعل الله شريكه من خلقه أو يطيع مخلوقاً في معصية الخالق أو يريد بعبادته رياء وسمعة ومنه قوله:{أية : ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} تفسير : [الكهف: 110] وقوله عز وجل: {وبالوالدين إحساناً} أي: وفرض عليكم ووصاكم بالوالدين إحساناً وإنما ثنى بالوصية بالإحسان إلى الوالدين لأن اعظم النعم على الإنسان نعمة الله لأنه هو الذي أخرجه من العدم إلى الوجود وخلقه وأوجده بعد أن لم يكن شيئاً ثم بعد نعمة الله الوالدين لأنهما السبب في وجود الإنسان ولما لهما عليه من حق التربية والشفقة والحفظ من المهالك في حال صغره {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} يعني من خوف الفقر، والإملاق: الإقتار. والمراد بالقتل، وأد البنات وهن أحياء فكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية فنهاهم الله تعالى عن ذلك وحرمه عليهم {نحن نرزقكم وإياهم} يعني لا تئدوا بناتكم خوف العيلة والفقر فإني رازقكم وإياهم لأن الله تعالى إذا تكفل برزق الوالد والولد وجب على الوالد القيام بحق الولد وتربيته والاتكال في أمر الرزق على الله عز وجل: {ولا تقربوا الفواحش} يعني الزنا {ما ظهر منها وما بطن} يعني علانيته وسره وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأساً في السر فحرم الله تعالى الزنا في السر والعلانية وقيل إن الأولى حمل لفظ الفواحش على العموم في جميع الفواحش المحرمات والمنهيات فيدخل فيه الزنا وغيره لأن المعنى الموجب لهذا النهي هو كونه فاحشة فحمل اللفظ على العموم أولى من تخصيصه بنوع من الفواحش، وأيضاً فإن السبب إذا كان خاصاً لا يمنع من حمل اللفظ على العموم وفي قوله ما ظهر منها وما بطن دقيقة وهي أن الإنسان إذا احترز عن المعاصي في الظاهر ولم يحترز منها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته فيما أمرها به أو نهى عنه ولكن لأجل الخوف من رؤية الناس ومذمتهم ومن كان كذلك استحق العقاب ومن ترك المعصية ظاهراً وباطناً لأجل خوف الله وتعظيماً لأمره استوجب رضوان الله وثوابه {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} حرم الله تعالى قتل النفس إلا بالحق وقتها من جملة الفواحش المتقدم ذكرها في قوله تعالى: {ولا تقربوا الفواحش} وإنما أفرد قتل النفس بالذكر تعظيماً لأمر القتل وإنه من أعظم الفواحش والكبائر، وقيل: إنما أفرده بالذكر لأنه تعالى أراد أن يستثني منه ولا يمكن ذلك الاستثناء من جملة الفواحش إلا بالإفراد فلذلك فقال: {لا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق} وهي التي أبيح قتلها من ردة أو قصاص أو زنا بعد إحصان وهو الذي يوجب الرجم. (ق) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة " تفسير : وقوله تعالى: {ذلكم} يعني ما ذكر من الأوامر والنواهي المحرمات {وصاكم به} يعني أمركم به وأوجبه عليكم {لعلكم تعقلون} يعني لكي تفهموا ما في هذه التكاليف من الفوائد والمنافع فتعملوا بها.

البقاعي

تفسير : ولما انتفى أن يكون لهم حجة، وثبت أن الأمر إنما هو لله، ثبت أنه المختص بالحجة الواضحة، فقال مسبباً عن ذلك: {قل فلله} أي الإله الأعظم وحده {الحجة البالغة} أي التي بلغت أعلى درجات الحق قوة ومتانة وبياناً ووضوحاً ورصانة بسبب أنه شامل العلم كامل القدرة كما أقررتم بذلك حين قلتم "ولو شاء الله ما أشركنا" وإن كنتم قلتموه على سبيل الإلزام والعناد لا لأجل التدين والاعتقاد {فلو شاء} أي الله {لهداكم} أي أنتم ومخالفيكم {أجمعين *} ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء هداية بعض وضلال آخرين، فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه، فلزم على قولكم أن يكون الفريقان محقين، فيكون الشيء الواحد حقاً غير حق في حال واحد، وهذا لا يقوله عاقل، ويلزمكم على ذلك أيضاً أن توالوا أخصامكم ولا تعادوهم وإن فعلوا ما فعلوا، لأنه حق رضى الله لأنه بمشيئته وأنتم لا تقولون ذلك، فبطل قولكم فثبت أنه قد يشاء الباطل لأنه لا يسأل عما يفعل ويرسل الرسل إليكم لإزالته ليقيم بهم الحجة على من يريد عقابه على ما يتعارفه الناس بينهم، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. ولما صدق الحق، وانكسر جند الباطل واندق ببطلان جميع شبههم، ونطقت الدلائل وأفحم المجادل، فبان أنه لا شاهد لهم بحق لأنه لا حق لهم، كان كأنه قيل: قل لهم: ها أنا قد شهد لي بما قلته مَن لا ترد شهادته وزكاتي الذي لا يقبل إلا تزكيته بهذا الكتاب الذي كان عجزكم عن الإتيان بشيء من مثله شاهداً بأنه قوله، فهل لكم أنتم من شاهد يقبل! ولما لم يكن لهم شاهد غير متخرصيهم، فإن المبطل يظهر باطله عند المحاققة سنة من الله مستمرة، فيظهر للمشهود لهم بما يلوح من بهتهم أنهم ليسوا على شيء، أمره سبحانه أن يأمرهم بدعائهم ليظهر خزيهم وتشتهر فضيحتهم فقال: {قل هلم} أي احضروا، وهي كلمة دعوة يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع عند الحجازيين {شهداءكم}. ولما كان كأنه قيل: أيّ شهداء؟ قال: {الذين يشهدون} أي يوقعون الشهادة على {أن الله} أي الذي لا حكم لغيره {حرم هذا} أي الذي ذكرتموه من قبل، وإضافة الشهداء إليهم ووصفهم بـ "الذين" دليل على أنهم معروفون موسومون بنصرة مذهبهم بالباطل، ولو قال: شهداء - من غير إضافة لأفهم أن المطلوب من يشهد بالحق وليس كذلك، لأنه أقيم الدليل العقلي على أنه لا حجة لهم وأن الحجة لله على خلاف ما ادعوه، فبطل قطعاً أن يكون أحد يشهد على ذلك بحق. ولما كان كأنه قيل: فإنهم إذا أحضروا لا يقدرون - إن كان لهم عقل أو فيهم حياء - على النطق إذا سمعوا هذا الحق، بني عليه قوله: {فإن} اجترؤوا بوقاحة {شهدوا} أي كذباً وزوراً بذلك الذي أبطلناه بالأدلة القطعية {فلا تشهد معهم} أي فاتركهم ولا تسلم لهم، فإنهم على ضلال وليست شهادتهم مستندة إلا إلى الهوى {ولا تتبع أهواء} وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف دلالة على أن القائد إلى التكذيب وكل ردى إنما هو الهوى، وأن من خالف ظاهر الآيات إنما هو صاحب هوى، فقال: {الذين كذبوا} أي أوقعوا التكذيب {بآياتنا} أي على ما لها من الظهور بما لها من العظمة بإضافتها إلينا. ولما وصفهم بالتكذيب، أتبعه الوصف بعدم الإيمان، ودل بالنسق بالواو على العراقة في كل من الوصفين فقال: {والذين لا يؤمنون بالآخرة} أي التي هي دار الجزاء، فإنهم لو جوزوها ما اجترؤوا على الفجور {وهم بربهم} أي الذين لا نعمة عليهم ولا خير عندهم إلا وهو منه وحده {يعدلون} أي يجعلون غيره عديلاً له، وسيعلمون حين يقولون لشركائهم وهم في جهنم يختصمون {أية : تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} تفسير : [الشعراء: 97، 98].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ} [الآية: 149]. قال النصرآباذى: الخلق كلهم منعهم شدة الحاجة إليهم عن معانى رؤية الحجة، ولو أسقط عنهم الحاجات لكشف لهم براهين الحجة. وقال أيضًا: رؤية الحاجة حسنة ورؤية الحجة أحسن. وقال الجنيد رحمة الله عليه: آثار مشية الهداية عند أهل الهدى تنبئة.

القشيري

تفسير : صَرَّحَ بان إرادته - سبحانه - لا تتقاصر عن مراد، وليس عليه اعتراض.

البقلي

تفسير : {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ} بين سبحانه ان السنة الاسرار وان كانت فصيحة ناطقة بحجج الحكمة المستفادة المتلفقة من فلق الهام الغيب عند مسامرتها مع الحق فى الشهود فخرس عند بواحى حجج العدم ومناقشته عند لطائف العتاب اى له حجة كاملة قاطعة السنة الخواطر عند وضوح بيان اشاراته فى الاسرار وهذا المعنى لا يعرفه الاصاحب مسامرة محاصرة الذى خرج من نعوت الانسانية عند شهود الغيب قال النصر ابادى الخلق كلهم قال الحسين لكل حجة حكم وامر ونهى بيان وسر وعلم ومعرفة ومشية فاعرفوا الله فى كل مقام يتعرف اليكم فى كل ساعة وقال الجنيد أثار مشية الهداية تنبيه عند اهل الهدى قوله تعالى {فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} اضاف علم البيان وهداية العرفان الى مشيته الازلية يختص بعلم الالهام والحجة والبرهان من يشاء من اهل الايقان ومن لم يكن له استعداد رويته ومحبته ووصلته لم يكن له حجج فى اجوبته اهل الحقائق عند مجازاة الدقائق ونشر علوم الغيبة تظهر لاجنانه حجته ويبهم حجته ويبهم على قلوب المتكفلين الهامه وبيانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل فلله الحجة البالغة} الفاء جواب شرط محذوف اى واذا قد ظهر ان لا حجة لكم فلله الحجة البالغة اى البينة الواضحة التى بلغت غاية المتانة والثبات او بلغ بها صاحبها صحة دعواه والمراد بها الكتاب والرسول والبيان {فلو شاء} هدايتكم جميعا {لهديكم اجمعين} بالتوفيق لها والحمل عليها ولكن شاء هداية قوم لصرف اختيارهم الى سلوك طريق الحق وضلال آخرين لصرف هممهم الى خلاف ذلك.

الطوسي

تفسير : امر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهؤلاء الكفار الذين احتجوا بما قالوه ان الله لو شاء منهم ذلك لما كان لله الحجة البالغة يعني الحجة التي احتج بها على الكافرين في الآية الاولى، وجميع ما احتج به على عباده في صحة دينه الذي كلفهم اياه. ومعنى {البالغة} التي تبلغ قطع عذر المحجوج وتزيل كل لبس وشبهة عمن نظر فيها واستدل أيضا بها. وانما كانت حجة الله صحيحة بالغة، لانه لا يحتج الا بالحق وما يؤدي الى العلم. وقوله {ولو شاء لهداكم أجمعين} يحتمل امرين: احدهما - لو شاء لألجأ الجميع الى الايمان غير ان ذلك ينافي التكليف. الثاني - انه لو شاء لهداهم الى نيل الثواب ودخول الجنة، وبيَّن بذلك قدرته على منافعهم ومضارهم. وبيَّن انه لم يفعل ذلك، لانه يوجب زوال التكليف عنهم والله تعالى اراد بالتكليف تعريضهم للثواب الذي لا يحسن الابتداء به، ولو كان الامر على ما قالته المجبرة من ان الله تعالى شاء منهم الكفر لكانت الحجة للكفار على الله من حيث فعلوا ما شاء الله، وكان يجب ان يكونوا بذلك مطيعين له ولا تكون الحجة عليهم من حيث انه خلق فيهم الكفر وأراد منهم الكفر، فأي حجة مع ذلك.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ} فى كلّ ما قال وما فعل {فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} فله الحجّة فى صدق هذا القول وقد اظهرها لى يعنى لى الحجّة فى تعليق اشراككم وتحريمكم على مشيّة المفهوم من مفهوم قولكم لو شاء الله ما اشركنا لا لكم وله الحجّة فى ترك تلك المشيّة ومشيّة ضدّه، اعلم، انّ مشيّة الله وهى اضافته الاشراقيّة الّتى بها وجود كلّ ذى وجود كالرّحمة والارادة عامّة وهى الّتى بها وجود كلّ ذى وجودٍ امكانىٍّ بكمالاته الاولويّة والثّانوية فى سلسلة النّزول والصّعود مثل الرّحمة الرّحمنيّة وخاصّة، وهى الّتى بها وجود الكمالات الثّانويّة للمكلّفين فى سلسة الصّعود مثل الرّحمة الرّحيميّة وتسمّى بالرّضا والمحبّة {أية : وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} تفسير : [الزمر:7] {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة:54] اشارة اليها فالمشيّة العامّة لها السّببيّة لكلّ ذات وفعل وصفة لكنّ الفاعل ما لم يخرج عن حدّ نفسه ولم ينظر الى مشيّة الله بنور بصيرته ويرى نفسه فاعل فعله كما يشعر به قولهم ما اشركنا بنسبة الاشراك الى انفسهم ما صحّ له نسبة الفعل او تعليقه على المشيّة وكان مذموماً كاذباً فى نسبة فعله الى المشيّة، وبهذا ايضاً يصحّ ذمّهم فى قولهم لو شاء الله ما اشركنا بتعليق عدم الاشراك اى الاهتداء على المشيّة مع اثبات هذا التّعليق بقوله {أية : وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [النحل:9] وكذلك المشيّة الخاصّة لها السّببيّة فى الافعال التّكليفيّة الصّالحة، فلو ارادوا تلك المشيّة فالجمع بين ذمّهم على قولهم واثبات قولهم بمثل ما ذكر فى المشّية العامّة ولمّا ابطل قولهم ذلك بعدم البرهان وعدم علمهم فى انفسهم اراد ان يبطل علمهم التّقليدىّ ايضاً باستحضار الرّؤساء الّذين قلّدوهم والزمهم جهلهم وضلالتهم حتّى يتبيّن لهم انّ تقليدهم فاسد، وانّ التّقليد يصحّ اذا كان تقليداً لمن نصبه الله للتّقليد كالانبياء واوصيائهم وغيرهم كائناً من كان لا ينفكّ عن الهوى وتقليده اتّباع للهوى فقال {قُلْ}.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} يا محمد قد تبين أنه لا حجة لكم ولا علم {فَللَّهِ الحجةُ البالِغةُ} فالعطف على ما قدرت من قولى قد تبين، ويجوز العطف على {إن أنتم إلا تخرصون} وقدره بعض: قل أنتم لا حجة لكم فلله الحجة البالغة، ويجوز العطف على: {أية : هل عندكم من علم} تفسير : لأنه لا علم لكم، وقيل: جواب لمحذوف، أى إن كان الأمر كما زعمتم من أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلله الحجة البالغة. ومعنى الحجة البالغة الدليل البالغ غاية القوة، أو يبلغ به صاحبه دعواه من الحج بمعنى القصد، كأنها تقصد إثبات الحكم وتطلبه، قاله القاضى وهى بالرسل والكتب والعقل، وذلك أنهم ادعوا الإجبار بالقضاء من الله، وأنهم لا يطيقون الترك، أو أنه أباح لهم ما يدعون، والله سبحانه حجته قاطعة لذلك، لأنه خلق لهم قوة الجوارح والعقل، ومكنهم من إدراك الحق والعمل به، فلا إجبار والعقل يوجب أن الله جل وعلا لم يبح لهم ذلك، وأفعال الخلق كلها واقعة على وفق قضائه تعالى ومشيئته، فليس مغلوبا فى المعصية، لأنه لم يجبرهم على الطاعة وعلى المعصية فيعصى مغلوبا، وليس من الحكمة الإجبار لإبطاله حكمة التكليف، فلله الحجة عليهم لا لهم، فالتقديم للحصر لا حجة لهم عليه لا بالغة ولا غير بالغة، وهذا النعت للمدح لا للاحتراز والتقييد، لأن حجة الله عليها بالغة، وإن قلنا: الحجة البالغة لما نصبت له فهى له وحده، لأن لهم حجة لا تبلغ دعواهم، فيكون النعت للتقييد. {فلو شَاءَ} هدايتكم {لهدَاكُم} بالتوفيق {أجْمعينَ} لا بالإجبار إذ ليس من الحكمة، ولكن أراد خذلان قوم وتوفيق آخرين، ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها.

اطفيش

تفسير : {قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةَ} جواب شرط محذوف، أَى إِن لم تكن لكم حجة، فلله الحجة البالغة، أَى فقد افتضحتم لأَن لله الحجة البالغة، أَو إِن كان الأَمر كما زعمتم من أَن ما أَنتم عليه مرضى عند الله، فلله الحجة البالغة، وأَولى من ذلك أَن يجعل عطفاً على إِن أَنتم إِلا تخرصون، كعطف التلقين، وقل اعتراض وعطف كذلك على هل عندكم من علم، لأَن معناه لا علم لكم فلله العلم البالغ، أَو على محذوف، أَى أَنتم لا حجة لكم فيما ادعيتم فلله الحجة عليكم البالغة، والحجة البالغة تبيينه أَنه الواحد وإِرسال الأَنبياء بالحجج التى يعجز الخلق عنها وبالكتب، وبمعنى بلاغها كمالها وخلوصها عن نقص، أَو بلوغها غاية النهاية والوضوح، وهى حجة فوق حجة القادر الحكيم، أَو قوتها على إِثبات الحق من التوحيد وغيره، أَو يبلغ صاحبها دعواه، والبلوغ لصاحبها لا لها كقوله تعالى {أية : فى عيشة راضية} تفسير : [الحاقة: 21]، والحجة من الحج بمعنى القصد، كأَنه يقصد إِثبات دعوى صاحبها، أَو بمعنى القطع {فَلَوْ شَاءَ} هدايتكم إِلى الحق أَو إِلى الحجة البالغة بطريق القهر {لَهَدَاكُمْ} إِلى ذلك قهرا. {أَجْمَعِينَ} لأَنه قادر على كل شئ، لكنه وفق بعضاً وخذل بعضاً والحكمة المطلوبة بالتكليف الإِيمان اختياراً، ولا يكون فى ملك الله مالا يريد فقد أَراد الله ضلال هؤلاء وإِلا كان مغلوباً وملكه ناقصاً سبحانه عن ذلك.

الالوسي

تفسير : {قُلْ فَلِلَّهِ} خاصة {ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ } أي البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات أو بلغ بها صاحبها صحة دعواه كـ { أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [القارعة: 7]، والمراد بها في المشهور الكتاب والرسول والبيان، وقال شيخ مشايخنا الكوراني: (الحجة البالغة) إشارة إلى أن العلم تابع للمعلوم وأن إرادة الله تعالى متعلقة بإظهار ما اقتضاه استعداد المعلوم في نفسه مراعاة للحكمة جوداً ورحمة لا وجوباً. وهي من الحج بمعنى القصد كأنها يقصد بها إثبات الحكم وتطلبه أو بمعنى الغلبة وهو المشهور، والفاء جواب شرط محذوف أي إذا ظهر أن لا حجة لكم قل فللَّه الحجة. {فَلَوْ شَاء } هدايتكم جميعاً {لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} بالتوفيق لها والحمل عليها ولكن شاء هداية البعض الصارفين اختيارهم إلى سلوك طريق الحق وضلال آخرين صرفوه إلى خلاف ذلك. وقال الكوراني: المراد لكنه لم يشأ إذ لم يعلم أن لكم هداية يقتضيها استعدادكم بل المعلوم له عدم هدايتكم وهو مقتضى استعدادكم الأزلي الغير المجعول. وهذا تحقيق للحق ولا ينافي ما في صدر الآية لما علمت من مرادهم به، وفائدة إرسال الرسل على القول بالاستعداد تحريك الدواعي للفعل والترك باختيار المكلف الناشيء من ذلك الاستعداد وقطع اعتذار الظالمين، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل فتذكر. وذكر ابن المنير وجهاً آخر في توجيه ما في الآية وهو «أن الرد عليهم إنما كان لاعتقادهم أنهم مسلوبون اختيارهم وقدرتهم وأن إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بذلك فرد الله تعالى قولهم [وكذبهم] في دعواهم عدم الإختيار لأنفسهم وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا / الخيال فكذب الرسل وأشرك بالله عز وجل واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك [كله] بمشيئة الله تعالى ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة، ثم بين سبحانه أنهم لا حجة لهم في ذلك وأن الحجة البالغة له جل وعلا لا لهم، ثم أوضح سبحانه أن كل واقع واقع بمشيئته وأنه لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم وأنه تعالى لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمعون. والمقصود من ذلك أن يتمحض وجه الرد عليهم ويتخلص عقيدة نفوذ المشيئة وعموم تعلقها بكل كائن عن الرد وينصرف الرد إلى دعواهم بسلب الاختيار لأنفسهم وإلى إقامتهم الحجة بذلك خاصة، وإذا تدبرت الآية وجدت صدرها دافعاً بصدور الجبرية وعجزها معجزاً للمعتزلة إذ الأول: مثبت أن للعبد اختياراً وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان. والثاني: مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية»، وبذلك تقوم الحجة البالغة لأهل السنة على المعتزلة والحمد لله رب العالمين. ووجه القطب الآية بأن مرادهم رد دعوة الأنبياء عليهم السلام على معنى أن الله تعالى شاء شركنا وأراده منا وأنتم تخالفون إرادته حيث تدعونا إلى الإيمان فوبخهم سبحانه بوجوه عد منها قوله سبحانه: {فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ } فإنه بتقدير الشرط أي إذا كان الأمر كما زعمتم فللَّه الحجة. وقوله سبحانه: {فَلَوْ شَاء} الخ بدل منه على سبيل البيان أي لو شاء لدل كلاً منكم ومن مخالفيكم على دينه فلو كان الأمر كما تزعمون لكان الإسلام أيضاً بالمشيئة فيجب أن لا تمنعوا المسلمين من الإسلام كما وجب بزعمكم أن لا يمنعكم الأنبياء عن الشرك فيلزمكم أن لا يكون بينكم وبين المسلمين مخالفة ومعاداة بل موافقة وموالاة، ثم قال: وربما يوجه هذا الاحتجاج بأن ما خالف مذهبكم من النحل يجب أن يكون عندكم حقاً لأنه بمشيئة الله تعالى فيلزم تصحيح الأديان المتناقضة، وفيه منع لأن الصحة إنما تكون بالجريان على منهج الشرع ولا يلزم من تعليق مشيئته تعالى بشيء جريان ذلك عليه، ولا يخفى أن التوجيه الأول كهذا التوجيه لا يخلو عن دغدغة فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : جواب عن قولهم: { أية : لو شاء الله ما أشرَكْنا ولا آباؤنا } تفسير : [الأنعام: 148] تكملة للجواب السّابق لأنَّه زيادة في إبطال قولهم، وهو يشبه المعارضة في اصطلاح أهل الجدل. وأعيد فعل الأمر بالقول لاسترعاء الأسماع لِما سيرد بعد فعل: {قل} وقد كرّر ثلاث مرات متعاقبة بدون عطف، والنكتة ما تقدم من كون القول جارياً على طريقة المقاولة. والفاء فصيحة تؤذن بكلام مقدّر هو شرط، والتّقدير: فإن كان قولكم لمجرّد اتّباع الظنّ والخرص وسوء التّأويل فللّه الحجّة البالغة. وتقديم المجرور على المبتدأ لإفادة الاختصاص، أي: لله لا لكم، ففهم منه أنّ حجتّهم داحضة. والحجّة: الأمر الذي يدلّ على صدق أحد في دعواه وعلى مصادفة المستدلّ وجه الحقّ، وتقدّم القول فيها عند قوله تعالى: { أية : لئلا يكون للنّاس عليكم حجّة } تفسير : في سورة البقرة (150). والبالغة هي الواصلة: أي الواصلة إلى ما قُصدت لأجله، وهو غَلَب الخصم، وإبطالُ حجّته، كقوله تعالى: { أية : حِكْمة بالغة } تفسير : [القمر: 5]، فالبلوغ استعارة مشهورة لحصول المقصود من الشّيء فلا حاجة إلى إجراء استعارة مكنيّة في الحجّة بأن تشبّه بسائر إلى غاية، وقرينتها إثباتُ البلوغ، ولا حاجة أيضاً إلى جعل إسناد البلوغ إلى الحجّة مجازاً عقلياً، أي بالغاً صاحبُها قَصْدَه، لأنَّه لا محيصّ من اعتبار الاستعارة في معنى البلوغ، فالتّفسير به من أوّل وهلة أولى، والمعنى: لله الحجّة الغالبة لكم، أي وليس استدلالُكم بحجّة. والفاء في قوله: {فلو شاء} فاء التّفريع على ظهور حجّة الله تعالى عليهم: تفرع على بطلان استدلالهم أنّ الله لو شاء لهداهم، أي لو شاء هدايتهم بأكثر من إرسال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بأن يغيّر عقولهم فتأتيَ على خلاف ما هُيِّئتْ له لَكَان قد فعل ذلك بوجه عناية خاصّة بهم أو خارق عادة لأجلهم، إذ لا يعجزه شيء، ولكن حكمته قضت أن لا يعمّم عنايته بل يختصّ بها بعض خاصّته، وأن لا يعدل عن سنّته في الهداية بوضع العقول وتنبيهها إلى الحقّ بإرسال الرّسل ونصب الأدلّة والدّعاء إلى سبيله بالحكمة والموعظة، فالمشيئة المقصودة في قوله: فلو شاء لهداكم غير المشيئة المقصودة فيما حكى الله عنهم من قولهم: { أية : لو شاء الله ما أشركنا } تفسير : [الأنعام: 148] وإلاّ لكان ما أُنكر عليهم قد أثبت نظيره عقب الإنكار فتتناقض المُحَاجَّة، لأنّ الهداية تساوي عدم الإشراك وعدمَ التحريم، فلا يصدُق جعل كليهما جواباً للَوْ الامتناعيّة، فالمشيئة المقصودة في الردّ عليهم هي المشيئة الخفيّة المحجوبة، وهي مشيئة التّكوين، والمشيئة المنكرة عليهم هي ما أرادوه من الاستدلال بالواقع على الرّضى والمحبّة. هذا وجه تفسير هذه الآية التي كلَّلها من الإيجاز ما شتَّت أفهاماً كثيرة في وجه تفسيرها لا يَخفى بُعدها عن مُطالع التّفاسير والموازنةُ بينها وبين ما هنا.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبَالِغَةُ} {لَهَدَاكُمْ} (149) - وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: للِه الحُجَّةُ التَّامَّةُ، وَالحُجَّةُ البَالِغَةُ فِي هِدَايَةِ مِنْ اهْتَدَى، وَضَلاَلِ مِنْ ضَلَّ، وَلَوْ شَاءَ اللهُ هِدَايَتَكُمْ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعيِن،َ فَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِهِ، وَمَشِيئَتِهِ، وَاخْتِيَارِهِ. الحُجَّةُ البَالِغَةُ: بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الكُتُبِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نعم فلو شاء سبحانه لقسرهم على الهداية وما استطاع واحد منهم أن يخرج عن الهداية، ولكنه لم يشأ ذلك، بل أراد أن يكون الإقبال على الإيمان به، واتباع التكاليف أمراً داخلاً في اختيارهم. ألم يخلق سبحانه خلقاً لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟ ألم يخلق الكون كله مؤتمراً بأمره؟! {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ..} [الأنعام: 149] و"الحجة" هي الدليل الذي تقيمه لتأييد قولك في الجدل، ولذلك نسمى عقودنا حجة على الملكية. أو "الحجة البالغة" أي التي لا ينفذ منها شيء أبداً يعطل المراد منها. ويقول الحق بعد ذلك: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الآية: 149]. قال: هذا قول قريش. لقولهم: {أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا} [الآية: 151]. يعنون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ} [الآية: 154]. يعني: البدع والشبهات والضلالات.