٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
150
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أبطل على الكفار جميع أنواع حججهم بين أنه ليس لهم على قولهم شهود البتة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: {هَلُمَّ } كلمة دعوة إلى الشيء، والمعنى: هاتوا شهداءكم، وفيه قولان: الأول: أنه يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، والذكر والأنثى قال تعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ } وقال: {أية : وَٱلْقَائِلِينَ لإِخْوٰنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا } تفسير : [الأحزاب: 18] واللغة الثانية يقال للاثنين: هلما، وللجمع: هلموا، وللمرأة: هلمي، وللاثنين: هلما، وللجمع: هلمن. والأول أفصح. المسألة الثانية: في أصل هذه الكلمة قولان: قال الخليل وسيبويه أنها «ها» ضمت إليها «لم» أي جمع، وتكون بمعنى؛ أدن يقال: لفلان لمة، أي دنو، ثم جعلتا كالكلمة الواحدة، والفائدة في قولنا: «ها» استعطاف المأمور واستدعاء إقباله على الأمر، إلا أنه لما كثر استعماله حذف عنه الألف على سبيل التخفيف كقولك: لم أبل، ولم أر، ولم تك، وقال الفراء: أصلها «هل» أم أرادوا «بهل» حرف الاستفهام. وبقولنا: «أم» أي أقصد؟ والتقدير: هل قصد؟ والمقصود من هذا الاستفهام الأمر بالقصد، كأنك تقول: أقصد، وفيه وجه آخر، وهو أن يقال: كان الأصل أن قالوا: هل لك في الطعام، أم أي قصد؟ ثم شاع في الكل كما أن كلمة «تعالى» كانت مخصوصة بصورة معينة، ثم عمت. المسألة الثالثة: أنه تعالى نبه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه، ومعنى {هَلُمَّ } أحضروا شهداءكم. ثم قال: {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } تنبيهاً على كونهم كاذبين، ثم بين تعالى أنه إن وقعت منهم تلك الشهادة فعن اتباع الهوى، فأمر نبيه أن لا يتبع أهواءهم، ثم زاد في تقبيح ذلك بأنهم لا يؤمنون بالآخرة، وكانوا ممن ينكرون البعث والنشور، وزاد في تقبيحهم بأنهم يعدلون بربهم فيجعلون له شركاء. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ} أي قل لهؤلاء المشركين أحضروا شهداءكم على أن الله حرّم ما حرمتم. و {هَلُمَّ} كلمة دعوة إلى شيء، ويستوي فيه الواحد والجماعة والذكر والأُنثى عند أهل الحجاز، إلا في لغة نجد فإنهم يقولون: هَلُمَّا هَلُمُّوا هَلُمِّي، يأتون بالعلامة كما تكون في سائر الأفعال. وعلى لغة أهل الحجاز جاء القرآن، قال الله تعالى: {أية : وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا}تفسير : [الأحزاب: 18] يقول: هَلمّ أي أحضر أو ٱدن. وَهَلُمّ الطعام، أي هاتِ الطعام. والمعنى هٰهنا: هاتوا شهداءكم، وفتحت الميم لالتقاء الساكنين؛ كما تقول: ردّ يا هذا، ولا يجوز ضمها ولا كسرها. والأصل عند الخليل «ها» ضُمّت إليها «لُمّ» ثم حذفت الألف لكثرة الاستعمال. وقال غيره. الأصل «هل» زيدت عليها «لُمّ». وقيل: هي على لفظها تدل على معنى هات. وفي كتاب العَيْن للخليل: أصلها هل أؤمّ، أي هلْ أقصدك، ثم كَثُر استعمالهم إياها حتى صار المقصود بقولها احضر كما أن تعال أصلها أن يقولها المتعالي للمتسافل؛ فكثر ٱستعمالهم إياها حتى صار المتسافل يقول للمتعالي تعال. قوله تعالى: {فَإِن شَهِدُواْ} أي شهد بعضهم لبعض {فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} أي فلا تصدق أداء الشهادة إلا من كتاب أو على لسان نبيّ، وليس معهم شيء من ذلك.
البيضاوي
تفسير : {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ} أحضروهم، وهو اسم فعل لا يتصرف عند أهل الحجاز، وفعل يؤنث ويجمع عند بني تميم وأصله عند البصريين: ها لم من لم إذا قصد حذفت الألف لتقدير السكون في اللام فإنه الأصل، وعند الكوفيين هل أم فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام، وهو بعيد لأن هل لا تدخل الأمر ويكون متعدياً كما في الآية ولازماً كقوله هلم إلينا. {ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا} يعني قدوتهم فيه استحضرهم ليلزمهم الحجة ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم وأنه لا متمسك لهم كمن يقلدهم، ولذلك قيد الشهداء بالإِضافة ووصفهم بما يقتضي العهد بهم. {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} فلا تصدقهم فيه وبين لهم فساده فإن تسلميه موافقة لهم في الشهادة الباطلة. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا} من وضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن مكذب الآيات متبع الهوى لا غير، وأن متبع الحجة لا يكون إلا مصدقاً بها. {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} كعبدة الأوثان. {وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ} يجعلون له عديلاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ هَلُمَّ } أحضروا {شُهَدَاءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا } الذي حرّمتموه {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ } يشركون.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ} "هَلُمَّ" هنا اسْم فِعْلٍ بمعنى "أحْضِروا"، و "شُهَدَاءكم" مفْعُول به؛ فإن اسْم الفِعْل يعمل عَمَلَ مُسَمَّاه من تعدِّ ولُزُوم. واعلم أن "هَلُمَّ" فيها لُغَتان: لغة الحِجَازيِّين، ولغة التميميين: فأمّا لغة الحِجَاز: فإنِّها فيها بصيغَةٍ واحدةٍ سواء أسْندت لمُفْرَدٍ أم مُثَنى أم مَجْمُوع أم مؤنث، نحو: هَلُمَّ يا زَيْد، يا زَيْدَان، يا زَيْدُون، يا هِنْد، يا هِنْدَان، يا هِنْدات، وهي على هذه اللّغَة عند النُّحَاةِ اسْم فِعْل؛ لعدم تغيُّرها، والتزمت العَرَب فَتْح المِيم على هذه اللُّغَة, وهي حَرَكة بناءٍ بُنِيَت على الفَتْحِ تَخْفِيفاً. وأمّا لغة تميم - وقد نسبها الليث إلى بني سعد -: فتلْحَقُها الضَّمَائِر كما تلحق سَائِر الأفْعَال، فَيُقَال: هَلُمَّا، هَلُمُّوا هَلمِّي، هَلْمُمْنَ. وقال الفراء: "يقال هَلُمِّينَ يا نِسْوَة" وهي على هذه اللُّغَة فعل صَرِيحٌ لا يتصرف؛ هذا قول الجُمْهُور، وقد خَالفَ بَعْضُهم في فِعْليَّتِها على هذه اللَّغَة؛ وليس بشيء، والتزَمَت العَرَب أيضاً فِيهَا على لُغَة تَمِيم فَتْح الميم إذا كانت مُسْندة لضمير الواحِد المُذَكَّر، ولم يُجِيزُوا فيها ما أجَازُوا في ردِّ وشدَّ من الضَّمِّ والكَسْر. واختلف النحويين فيها: هل هي بَسِيطَةٌ أو مركبة؟ ثم القائلون بترْكِيبَها اختلفوا فيما رُكِّبَت مِنهُ: فَجُمْهُور البَّصْريِّين على أنَّها مركَّبَة من "هَا" الَّتِي للتَّنْبِيه، ومن "الممْ" أمراً من لَمَّ يَلُمُّ، فلما رُكِّبَتا حُذِفَتْ ألِفُها لكثرة الاسْتِعْمَال، وسقطت هَمْزَة الوصْل؛ للاسْتِغْنَاء عنها بِحَرَكة الميم المنقُولة إليْهَا لأجْل الإدْغَام، وأدغمت الميمُ في الميم، وبُنيت على الفَتْح. وقيل: بل نُقِلَت حركَةُ الميم للاَّم، فَسَقَطت الهَمْزَة للاستِغْنَاء عنها، فلّما جِيءَ بـ "هَا" التي للتَّنْبيه، التقى ساكنان: ألف "هَا" واللاَّم من "لَمَّ" لأنها سَاكِنَة تقديراً، ولم يَعْتَدوا بهذه الحركَة؛ لأن حَركة النَّقْل عارِضَة، فحُذِفَت ألِف "هاء" الالْتِقَاء السَّاكنيْن تقديراً. وقيل: بل حُذِفَت ألف "هَا" لالتقاء السَّاكنين؛ وذلك أنَّه لمَّا جيء بها مع الميم، سَقَطَت هَمْزَة الوَصْل في الدرج، فالتقى ساكنان: ألف "ها" ولام "الممْ" فحذفت ألف "هَا" فبقى "هَلْمُم" فنقلت حَرَكَة الميمِ إلى اللاَّم وأدْغِمَت. وذهب بعضهم إلى أنَّها مركَّبة من "هَا" التي للتَّنْبيه أيضاً، ومن "لَمَّ" أمْراً مِنْ "لَمَّ اللَّهُ شَعْثَه" أي: جَمَعَه، والمعنى عليه في هَلُمَّ؛ لأنه بمعنى: اجمع نَفْسَك إلَيْنَا، فحذفت ألِف "ها" لكثْرة الاستِعْمَال، وهذا سَهْل جداً؛ إذا ليس فيه إلا عَمَلٌ واحِدٌ، هو حَذْفُ ألف "ها"؛ وهو مَذْهَب الخَلِيل وسيبوَيْه. وذهب الفرَّاء إلى أنها مركَّبَة من "هَلْ" التي هي للزَّجْر، ومن "أمَّ" أمراً من "الأمّ" وهو القَصْد، وليس فيه إلا عَمَلٌ واحد؛ وهو نَقْل حَرَكة الهَمْزة إلى لامِ "هَلْ" وقد رُدَّ كل واحد من هذه المَذَاهِب بما يطُولُ الكتاب بذِكْرِه من غير فَائِدة. و "هلم": تكون مُتَعَدِّيَة بمعنى أحْضِر، ولازِمَة بمعنى أقْبِل، فَمَنْ جَعَلَها مُتعدِّية، أخذها مِنَ اللَّمِّ وهو الجمع، ومَنْ جَعَلَها قَاصِرَةً، أخذها مِن اللَّمَمِ وهو الدُّنُو والقُرْب. فصل في المقصود بإقامة الشهداء اعلم أنه - تبارك وتعالى - نبه استِدْعَاء إقامة الشُّهَدَاء من الكَافِرين؛ لِيُظْهِر أن لا شَاهِد لهم على تَحْرِيم ما حَرَّمُوه. وقوله: "فإن شهدوا فلا تشهد معهم" تنْبِيهاً على كَوْنهم كاذِبين، ثم بين - تعالى - أنَّه إن وقعَت مِنْهُم تلك الشَّهَادة، فَعَنِ اتِّبَاع الهَوَى، فأنت لا تَتَّبع أهواءهم، ثم زاد في تَقْبيح ذلك بأنهم لا يؤمنون بالآخِرَة، وكانوا ممَّن ينكرُون البَعْثَ والنُّشُور، ثم زَاد في تَقْبيح ذلك بأنهم يَعْدِلُون برَبِّهم، ويَجْعَلُون له شُرَكَاء - سبحانه وتعالى عما يَقُولون عُلُوَّاً كبيراً -.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {قل هلم شهداءكم} قال: أروني شهداءكم. وأخرج أبن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {الذين يشهدون أن الله حرم هذا} قال: البحائر والسوائب .
ابو السعود
تفسير : {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ} أي أحضِروهم وهو اسمُ فعلٍ لا يتصرَّف على لغة أهلِ الحجاز، وفعلٌ يؤنث ويُجمع على لغة بني تميم على رأي الجمهور وقد خالفهم البعض في فعليته وليس بشيء، وأصلُه عند البصريـين هالُمّ من لَمّ إذا قصَد حُذفت الألفُ لتقدير السكون في اللام فإنه الأصل وعند الكوفيـين هلْ أُمَّ فحذفت الهمزةُ بإلقاء حركتِها على اللام وهو بعيد لأن هل تدخل على الأمر ويكون متعدياً كما في الآية ولازماً كما في قوله تعالى: {هَلُمَّ إِلَيْنَا} {ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا} وهم قدوتُهم الذين ينصُرون قولَهم وإنما أُمروا باستحضارهم ليُلزِمَهم الحجةَ ويظهر بانقطاعهم ضلالتَهم وأنه لا متمسَّكَ لهم كمن يقلدهم ولذلك قُيّد الشهداءُ بالإضافة ووُصفوا بما يدل على أنهم شهداءُ معروفون بالشهادة لهم وبنُصرة مذهبهم {فَإِن شَهِدُواْ} بعد ما حضَروا بأن الله حرم هذا {فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} أي فلا تصدقْهم فإنه كذِبٌ بحتٌ وافتراءٌ صِرْفٌ وبـيِّنْ لهم فسادَه فإن تسليمَه منهم موافقةٌ لهم في الشهادة الباطلة {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا} من وضع المظهرِ مقامَ المضمرِ للدِلالة على أن من كذَّب بآياتِ الله تعالى وعدَل به غيرَه فهو متبعٌ لا غيرُ، وأن من اتبع الحجةَ لا يكون إلا مصدقاً بها {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} كعبدة الأوثان، عطفٌ على الموصول الأولِ بطريق عطفِ الصفةِ على الصفة مع اتحاد الموصوفِ كما في قوله: [المتقارب] شعر : إلى الماجد القَرْمِ وابنِ الهمامِ وليثِ الكتائبِ في المزدَحَمْ تفسير : فإن من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس {وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ} أي يجعلون له عديلاً، عطفٌ على لا يؤمنون، والمعنى لا تتبع أهواءَ الذين يجمعون بـين تكذيبِ آياتِ الله وبـين الكفرِ بالآخرة وبـين الإشراكِ به سبحانه. لكن لا على أن يكون مدارُ النهي الجمعُ المذكورُ بل على أن أولئك جامعون لها متصفون بكلها. {قُلْ تَعَالَوْاْ} لما ظهر بُطلانُ ما ادعَوْا من أن إشراكَهم وإشراكَ آبائِهم وتحريمَ ما حرموه بأمر الله تعالى ومشيئتِه بظهور عجْزِهم عن إخراج شيءٍ يُتمسّك به في ذلك وإحضارِ شهداءَ يشهدون بما ادعَوْا في أمر التحريم بعد ما كُلّفوه مرةً بعد أخرى عجزاً بـيناً أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأن يبـينَ لهم من المحرمات ما يقتضي الحالُ بـيانَه على الأسلوب الحكيم إيذاناً بأن حقَّهم الاجتنابُ عن هذه المحرماتِ، وأما الأطعمةُ المحرمةُ فقد بُـينت بقوله تعالى: {أية : قُل لا أَجِدُ} تفسير : [الأنعام، الآية 145] الآية، وتعالَ أمرٌ من التعالي والأصلُ فيه أن يقوله من مكان عالٍ لمن هو في أسفلَ منه ثم اتُّسع فيه بالتعميم، كما أن الغنيمة في الأصل إصابةُ الغَنَم من العدو ثم استعملت في إصابة كلِّ ما يُصاب منهم اتساعاً ثم في الفوز بكل مطلبٍ من غير مشقة {ٱتْلُ} جوابُ الأمر وقوله تعالى: {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} منصوبٌ به على أن (ما) موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ، أي اقرأْ الذي حرمه ربُّكم أي الآياتِ المشتمِلةَ عليه، أو مصدريةٌ أي الآياتِ المشتملة على تحريمه أو بحرم على أنها استفهاميةٌ، والجملةُ مفعولٌ لأتلُ لأن التلاوةَ من باب القول، كأنه قيل: أقُلْ أيُّ شيءٍ حرم ربكم {عَلَيْكُمْ} متعلقٌ بحرّم على كل حال، وقيل: بأتلُ والأول أنسبُ بمقام الاعتناءِ بإيجاب الانتهاءِ عن المحرمات المذكورةِ وهو السرُّ في العرض لعنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم، فإن تذكيرَ كونِه تعالى رباً لهم ومالكاً لأمرهم على الإطلاق من أقوى الدواعي إلى انتهائهم عما نهاهم عنه أشدَّ انتهاءٍ وأنْ في قوله تعالى: {أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ} مفسرةٌ لفعل التلاوةِ المعلَّقِ بما حرم، و(لا) ناهيةٌ كما ينبىء عنه عطفُ ما بعده من الأوامر والنواهي عليه، وليس من ضرورة كونِ المعطوفِ عليه تفسيراً لتلاوة المحرمات بحسب منطوقه كونُ المعطوفاتِ أيضاً كذلك حتى يمتنع انتظامُ الأوامر في سلك العطفِ عليه بل يكفي في ذلك كونُها تفسيراً لها باعتبار لوازمِها التي هي النواهي المتعلقةُ بأضداد ما تعلقت هي به، فإن الأمرَ بالشيء مستلزمٌ للنهي عن ضده بل هو عينُه عند البعض، كأن الأوامرَ ذُكرت وقُصد لوازمُها، فإن عطفَ الأوامرِ على النواهي الواقعةِ بعد أن المفسر لتلاوة المحرماتِ ـ مع القطع بأن المأمورَ به لا يكون محرماً ـ دليلٌ واضحٌ على أن التحريمَ راجعٌ إلى الأضداد على الوجه المذكور فكأنه قيل: أتلُ ما حرم ربكم أن لا تشركوا ولا تُسيئوا إلى الوالدين خلا أنه قد أُخرج مُخرجَ الأمرِ بالإحسان إليهما بـين النهيَـين المكتنِفين له للمبالغة في إيجاب مراعاةِ حقوقِهما فإن مجرَّدَ تركِ الإساءةِ إليهما غيرُ كافٍ في قضاء حقوقِهما، ولذلك عُقّب به النهيُ عن الإشراك الذي هو أعظمُ المحرماتِ وأكبرُ الكبائرِ هٰهنا في سائر المواقعِ، وقيل: (أن) ناصبةٌ ومحلُّها النصبُ بعليكم على أنه للإغراء، وقيل: النصبُ على البدلية مما حرم وقيل: من عائدها المحذوفِ على أن لا زائدة، وقيل: الجرُّ بتقدير اللام وقيل: الرفع بتقدير المتلُوِّ أن لا تشركوا، أو المحرَّمُ أن لا تشركوا بزيادة لا وقيل: والذي عليه التعويلُ هو الأول لأمور من جملتها أن في إخراج المفسَّرِ على صورة النهي مبالغةً في بـيان التحريمِ وقوله تعالى: {شَيْئاً} نُصب على المصدرية أو المفعولية أي لا تشركوا به شيئاً من الإشراك أو شيئاً من الأشياء {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ} أي وأحسِنوا بهما {إِحْسَـٰناً} وقد مرَّ تحقيقه {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ} تكليفٌ متعلق بحقوق الأولادِ عقّب به التكليفَ المتعلقَ بحقوق الوالدين أي لا تقتلوهم بالوأد {مّنْ إمْلَـٰقٍ} أي من أجل فقرٍ كما في قوله تعالى: {أية : خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ} تفسير : [الإسراء، الآية 31] وقيل: هذا في الفقر الناجزِ وذا في المتوقَّع وقوله تعالى: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل النهي وإبطالِ سببـيةِ ما اتخذوه سبباً لمباشرة المنهيِّ عنه وضمانٌ منه تعالى لأرزاقهم أي نحن نرزق الفريقين لا أنتم فلا تخافوا الفقرَ بناءً على عجزكم عن تحصيل الرزق وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ} كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } تفسير : [الإسراء، الآية 32]، إلا أنه جيء هٰهنا بصيغة الجمعِ قصداً إلى النهي عن أنواعها ولذلك أُبدل عنها قولُه تعالى: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} أي ما يُفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأَبُ أراذلِهم وما يفعل سراً باتخاذ الأخدانِ كما هو عادةُ أشرافِهم. وتعليقُ النهي بقُربانها إما للمبالغة في الزجر عنها لقوة الدواعي إليها وإما لأن قربانَها داعٍ إلى مباشرتها، وتوسيطُ النهي عنها بـين النهي عن قتل الأولادِ والنهي عن القتلِ مطلقاً كما وقع في سورة بني إسرائيلَ باعتبار أنها مع كونها في نفسها جنايةً عظيمةً في حكم قتلِ الأولادِ فإن أولادَ الزنا في حكم الأموات وقد «حديث : قال صلى الله عليه وسلم في حق العزلِ: "إن ذاك وأدٌ خفيٌّ"» تفسير : ومن هٰهنا تبـين أن حملَ الفواحشِ على الكبائر مطلقاً وتفسير ما ظهر منها وما بطن بما فُسِّر به ظاهِرُ الإثمِ وباطنُه فيما سلف من قبـيل الفصلِ بـين الشجر ولِحائِه. {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ} أي حرم قتلَها بأن عصمَها بالإسلام أو بالعهد فيخرُج منها الحربـيُّ وقوله تعالى: {إِلاَّ بِٱلْحَقّ} استثناءٌ مفرّغٌ من أعم الأحوالِ أي لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا حالَ ملابستِكم بالحق الذي هو أمرُ الشرعِ بقتلها، وذلك بالكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، وقتلِ النفسِ المعصومةِ، أو من أعمِّ الأسباب أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحقِّ وهو ما ذكر، أو من أعمِّ المصادر أي لا تقتُلوها قتلاً ما إلا قتلاً كائناً بالحق وهو القتلُ بأحد الأمور المذكورة {ذٰلِكُمْ} إشارةٌ إلى ما ذكر من التكاليف الخمسةِ، وما في ذلك من معنى البُعد للإيذان بعلوّ طبقاتِها بـين التكاليف الشرعية، وهو مبتدأ وقوله تعالى: {وَصَّـٰكُمْ بِهِ} أي أمركم به ربكم أمراً مؤكداً خبرُه، والجملة استئنافٌ جيء به تجديداً للعهد وتأكيداً لإيجاب المحافظةِ على ما كُلِّفوه ولما كانت الأمورُ المنهيُّ عنها مما تقضي بديهةُ العقول بقُبحها فُصِّلت الآيةُ الكريمة بقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي تستعملون عقولَكم التي تعقِل نفوسَكم وتحبِسُها عن مباشرة القبائحِ المذكورة.
القشيري
تفسير : أشار إلى أَنَّ مَنْ تجرَّد عن برهانٍ يُصَرِّحه وبيان (يوضِّحهُ) فغيرُ مقبول من فاعله.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل هلمّ} اسم فعل اى احضروا {شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا} وهم قدوتهم الذين ينصرون قولهم ومذهبهم ولا من يشهد بصحة دعواهم كائنا من كان ولذلك قيد الشهداء بالاضافة اليهم وانما امروا باستحضارهم ليلزمهم الحجة ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم وانه لا متمسك لهم كمن يقلدهم {فان شهدوا} بعدما حضروا بان الله تعالى حرم هذا {فلا تشهد معهم} اى فلا تصدقهم فانه كذب محض وبين لهم فساده {ولا تتبع اهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة} كعبدة الاوثان والموصول الثانى عطف على الموصول الاول بطريق عطف الصفة على الصفة مع اتخاذ الموصوف فان من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس {وهم بربهم يعدلون} اى يجعلون له عديلا عطف على لا يؤمنون. والمعنى لا تتبع اهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله وبين الكفر بالآخرة وبين الاشراك به سبحانه لكن لا على ان يكون مدار النهى المذكور بل على ان اولئك جامعون لها متصفون بكلها واعلم ان الله تعالى احل الطيبات ورد ما كان اهل الجاهلية يفعلونه من تحريم من عند انفسهم لان الدين يبتنى على الوحى لا على الهوى وحرم الخبائث كالخمر والميتة والدم والخنزير وغير ذلك اى تناولها وبيعها لان ما يحرم تناوله يحرم بيعه واكل ثمنه بخلاف ما اذا كان الانتفاع بغير ذلك كشحوم الميتة فانه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فان ذلك ليس بحرام وما حرمه الله تعالى اما ان يكون بلاء ونقمة كما فعل اليهود وجزاء على انفسهم واما ان يكون رحمة ومنة لعلمه ان فيه ضررا نفسانيا او روحانيا فالنفسانى كضرر السم وامثاله والروحانى كضرر لحوم السباع والمؤذيات وامثالها فانه بتعدى اخلاقها تغير الاخلاق الروحانية كما قال عليه السلام "حديث : الرضاع بغير الطباع " .تفسير : ومن ثم لما دخل الشيخ ابو محمد الجوينى بيته ووجد ابنه الامام ابا المعالى يرتضع ثدى غير امه اختطفه منها ثم نكس رأسه ومسح بطنه وادخل اصبعه فى فيه ولم يزل يفعل ذلك حتى خرج ذلك اللبن قائلا يسهل علىّ موته ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير امه ثم لما كبر الامام كان اذا حصلت له كبوة فى المناظرة يقول هذه من بقايا تلك الرضعة فعلم ان من ارتضع امرأة فالغالب عليه اخلاقهما من خير وشر وكذا لحوم الحيوانات لها تأثير عظيم وفى الحديث "حديث : عليكم بالبان البقر وسمنانها واياكم ولحومها فان البانها وسمنانها دواء وشفاء ولحومها داء " .تفسير : وقد صح ان النبى عليه السلام ضحى عن نسائه بالبقر. قال الحليمى هذا ليبس الحجاز ويبوسة لحم البقر ورطوبة لبنها وسمنها فكأنه يرى اختصاصه ذلك به وهذا التأويل المستحسن والا فالنبى عليه السلام لا يتقرب الى الله تعالى بالداء فهو انما قال ذلك فى البقر لتلك اليبوسة. وجواب آخر انه عليه السلام ضحى بالبقر لبيان الجواز او لعدم تيسر غيره كذا فى المقاصد الحسنة. ومن فوائد سمن البقر انه لو شرب منه على الريق خمسين درهما ينفع للجنون ويؤثر فى دفعه. قال الفقيه ابو الليث يستحب للرجل ان يعرف من الطب مقدار ما يمتنع به عما يضر ببدنه لان العلم علمان علم الابدان ثم علم الاديان واجاز عامة العلماء التداوى بالمحرمات عند الضرورة كاساغة اللقمة بالخمر اذا غص. وفى الاشباه الطعام اذا تغير واشتد تغيره تنجس وحرم واللبن والزيت والسمن اذا نتن لا يحرم اكله والدجاجة اذا ذبحت ونتف ريشها واغليت فى الماء قبل شق بطنها صار الماء نجسا وصارت نجسة بحيث لا طريق لاكلها الا ان تحمل الهرة اليها لا ان تحمل الى الهرة. فعلى العاقل ان يحترز عن الحرام وعما يضر بالبدن ومن المضر الامتلاء كما قال عليه السلام "حديث : رأس الداء الامتلاء ورأس الدواء الاحتماء". شعر : آن حكيمى كه در حكمت سفت كل قليلا تعش كثيرا كفت تفسير : قال السعدى قدس سره: شعر : ندارند تن بروران آكهى كه برمعده باشدز حكمت تهى تفسير : ومن الله التوفيق.
الطوسي
تفسير : معنى هذه الآية ان الحجاج بأن الطريق الموصل الى صحة مذهبهم غير منسدٍّ اذ لم يثبت من جهة حجة عقل ولا سمع. وما لم يصح ان يثبت من أحد هذين الوجهين باطل لا محالة، لان ما لا يصح ان يعلم فاسد لا محالة. امر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهؤلاء الكفار الذين تقدم وصفهم "هلموا" ومعناه هاتوا. وهلم كلمة موضوعة للجماعة بني مع (ها) فصار بمنزلة الصوت نحو (صه) قال الاعشى: شعر : وكان دعا قومه دعوة هلمَّ الى أمركم قد صُرِم تفسير : ومن قال: هلموا، فانه لم يبنه مع (ها) بل قدره على الانفصال. والاول أفصح، لانها لغة القرآن، وهي لغة اهل الحجاز. واهل نجد يقولون: هلم وهلما وهلموا وهلمي وهلميا وهلمن، قال سيبويه أصله (ها) ضم اليه (لم) فبني فقيل: هلم، وهات فصل ولم يتصل بما يبنى معه، فلذلك لا بد ان يقال للجماعة: هاتوا. و (هلم) لفظ يتعدى تارة، واخرى لا يتعدى، فاذا كانت بمعنى (هاتوا) فانها تتعدى مثل قوله {هلمَّ شهداءكم} واذا كانت بمعنى (تعالوا) نحو {أية : هلم إلينا}تفسير : فانها لا تتعدى ونظيره: عليك زيدا يتعد الى واحد، وعليَّ زيدا يتعدى الى اثنين بمعنى أولني زيدا، ومثله من الفعل: رجع ورجعته، ولا يجوز في (هلم) الضم والكسر، كما يجوز في وَرُد: وَرَد. قال الزجاج: لانها لا تتصرف على طريقة: فَعَل يَفعَل، مع ما اتصلت بها من هاء. ومعنى الآية هاتوا شهداءكم الذين يشهدون بصحة ما تَّدعون من ان الله حرم هذا الذي ذكرتموه. وقوله {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} فان قيل كيف دعاهم الى الشهادة مع أنهم اذا شهدوا لم تقبل شهادتهم؟؟! قلنا عنه جوابان أحدهما - قال ابو علي: لانهم لم يشهدوا على الوجه دعوا ان يُشهِدوا بيِّنة عادلة تقوم بها الحجة. الثاني - شهداء من غيرهم، ولن يجدوا ذلك، ولو وجدوه ما وجب قبول شهاداتهم، لانها لا ترجع الا الى دعوى مجردة. ولكن المذهب مع هذه الحال أبعد عن الصواب، لانهم لا يجدون من يشهد لهم. وهو قول الحسن. وقوله {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا} نهى من الله لنبيه والمراد به أمته ان يعتقدوا مذهب من اعتقد مذهبه هوى، ويمكن اتخاذ المذهب هوى من وجوه. احدها - هوى من سبق اليه فقلده فيه. والثاني - ان يدخل عليه شبهة فيتخيَّله بصورة الصحيح مع ان في عقله ما يمنع منه. ومنها - ان يقطع النظر دون غايته، للمشقة التي تلحقه فيعتقد المذهب الفاسد. ومنها - ان يكون نشأ على شيء وألفه واعتاده فيصعب عليه مفارقته. وكل ذلك متميز مما استحسنه بعقله. وانما قال {الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة} وكلهم كفار ليفصل وجوه كفرهم، لان منه ما يكون مع الاقرار بالآخرة كحال اهل الكتاب، ومنه ما يكون مع الانكار كحال عبدة الاوثان. وقوله {وهم بربهم يعدلون} معناه يعدلون به عن الحق لاتخاذهم مع الله شركاء واضافتهم اليه ما لم يقله وافترائهم عليه. وفي الآية دلالة على فساد التقليد لانه لو كان التقليد جائزا لما طالب الله الكفار بالحجة على صحة مذهبهم، ولما كان عجزهم عن الايتان بها دلالة على بطلان ما ذهبوا اليه.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ} لهم ايّها العاجزون عن البرهان والقاصرون عن العلم {هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ} اى رؤساءكم الّذين تقلّدونهم {ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا} حتّى اظهر لكم جهلهم واتّباعهم للهوى {فَإِن شَهِدُواْ} بذلك {فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} وضع الظّاهر موضع المضمر للدّلالة على انّ شهادتهم ناشئة عن اتّباع الهوى لانّهم موصوفون بتكذيب آيات الله والمكّذبون بآيات الله ولا يكونون الاّ صاحبى الاهوية النفسانيّة {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} وصف آخر باعث لاتّباع الهوى {وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} اى يسوّون غيره به وصفهم باوصاف ثلاثةٍ كلّ واحد منها يكفى فى ردّ شهادتهم.
اطفيش
تفسير : {قُلْ هَلُمَّ شُهداءكُم} أى أحضروهم أو هاتوهم أو قربوهم، وهى متعدية لأنها بمعنى ما يتعدى، وكذا لو فسرناها بأدنوهم أمراً من أدنى بالهمزة أو بأجمعوهم، فإن ذلك كله جائز، وأما هلم إلينا فلازمة بمعنى أقبل أو ادن أمراً من دنا بلا همز، أو تقرب وأقبل، وهذا لأن اسم الفعل يتعدى إذا كان بمعنى المتعدى، ويلزم إذا كان بمعنى اللازم، وهى اسم فعل عند الحجازيين لفظها واحد فى الإفراد والتذكير وغيرهما، وعند تميم فعل أمر تلحقها الضمائر، ثم قيل هى هاء التنبيه ولم يضم الميم، وفتح الميم أمر من لم يفتح اللام يلم بضمها حذفت ألف هاء التنبيه للتخفيف، أو لعدم الاعتداء بالعارض، لأن حركة اللام عارضة من الميم المدغمة، أو دخلت على الميم بضم همزة الوصل أو بُدئ بما حذفت للدرج، فحذف ألف هاء التنبيه للساكن بعدها وهو اللام ثم نقلت ضمة الميم الأولى باللام فأريد الإدغام ففتحت الميم الثانية ليمكن الإدغام، ولا يلتقى ساكنان، واختير الفتح للتخفيف. ومعنى لم يلم جمع الله شملنا وما تفرق منا، فضمنت أحد المعانى التى فسرتها بها، أو هى بمعنى أجمع كما مر أيضا، وقيل: معنى لم يلم الثلاثى بمعنى نزل، ثم ضمن أحد المعانى المذكورة، ويقال فى اللازم: هلم إلينا، أى احضر بنفسك إلينا أو لم وإذا اعتبرت أجمع نفسك إلينا فكأنها متعدية، وليست كذلك، والقولان لجمهور البصريين، والأول للخليل وسيبويه، وفى كليهما حذف ألف هاء التنبيه، ونقل حركة الميم والإدغام، ولا يختص النقل بالآخر كما قيل، وقال الفراء وغيره من الكوفيين: مركبة من هل التى للزجر ومن أم بمعنى قصد، فضم الهمزة مبنيا للمفعول نقلت ضمة الهمزة للام، وحذفت الهمزة وضمن أحد المعانى السابقة، وأما أن يقال: هل دخلت على أم بضم الهمز أمراً، فلا يصح، لأن همزة الأمر الثلاثى وصل لا حركة لها فضلا عن أن تنقل إلا أن يدعى أن اللام اختير لها ما للهمزة من الحركة لو ثبت، وليس نقلا، وهل الاستفهامية لا تدخل على الأمر، وعبارة الفراء هل التى للزجر. {الَّذينَ يشْهدُون أنََّ الله حرَّم هذا} أى المذكور فى التحريم من البحيرة ونحوها، ونصيب الأصنام، والأمر بإحضار الشهداء هو على ظاهره إذا قلنا إنهم رؤساؤهم، أمرهم أن يستحضروهم ليذكر لهم حجة بطلان دينهم، وإن كان المراد من يشهد لهم على صحة ما دانوا به من ذلك، ويحتج لهم بحجة صحيحة، فالأمر للتعجيز والتبكيت، إذ لا يجدون حجة صحيحة عند أحد، والأول أظهر وأنسب فى اللفظ، لأنه قيد الشهداء بالإضافة التى تفيد التعريف العهدى، شهداء مخصوصون منتسبون إليهم، ووصفهم بعمل آخر وهو أن لهم دعوى كدعواهم، وهى أن الله حرمها هذا لو كان القصد أمرهم أن يتكلفوا عدداً ما من الرجال يشهدون لهم، هلم شهداء يشهدون لكم أن الله حرم هذا، ولكن مع ذلك يصح الوجه الثانى لجواز أن يضاف الشهود لمن يشهدون له، ولو لم يعهدوا، ويقال: ائت بالشهود الذين تنفعكم شهادتكم، ووجه ذلك أن المدعى من شأنه أن يستشهد من يشهد له وهذا مفهوم. {فإن شَهِدوا فلا تَشْهد مَعَهم} يا من يمكن للشهادة، أو يا محمد لفظا، والمراد غيره معنى، لأنه لا يشهد، وهذا مما يدل على الوجه الأول، لأن الشاهد بحق لا ينهى عن الأخذ بشهادته، ولا يلزم هذا، لجواز أن يكون المعنى ليأتوا بمن يشهد لهم على دعواهم بالحق كائنا من كان، فإن جاءوا بمن يزعمون أنه محق يشهد لهم فشهد لهم، فإنه كاذب لا تتبعه فى شهادته، إذ لا يجدون شاهدا لهم شهادة حق، فمن شهد بكذبه وبين له بطلان شهادته لأنه مبطل البتة ولا تسكت، وإنما أخذت ذلك من حيث إنه إذا طلبهم إن جاءوا بشهادة فأتوا، فسكت فهموا أهم وغيرهم أنه أذعن لها وشهد بها على صدقها. {ولا تتَّبع أهْواء الَّذين كذَّبوا بآياتِنا} أى لا تتبع أهواءهم، فوضع الظاهر موضع المضمر ليصرح بأنهم على الهوى، وأن كل مكذب بآيات الله متبع لهواه، وإن كل من تتبع الحجة ولا يكابر عقله لا يكون إلا مصدقاً بآيات الله. {والَّذينَ لا يؤمنُونَ بالآخِرة} أنكروا البعث، وهم المذكورون أيضا الذين يكفى عنهم الضمير، ولكن أظهر لهم ليصفهم بعدم الإيمان بالبعث، وهم عبدة للأوثان كما قال: {وهُم بربِّهم يعْدِلون} أى يسوون الأصنام بربهم فى العبادة.
اطفيش
تفسير : {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكمُ} اسم فعل فاعله مستتر وجوباً مع الواحد والمذكر وغيرهما، وشهداء مفعول به لأَنه متعد بمعنى احضروا أَو هاتوا أَو قربوا بفتح الهمزة وكسر الضاد، ويكون أَيضاً لازما كقوله تعالى هلم إِلينا، وهى كلمة واحدة بسيطة مبنية على الفتح فى هذه اللغة وهى لغة الحجاز {الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ الله حَرَّمَ هَذَا} أَى الذى حرمتموه تقليداً لهم، فإِنهم إِن حضروا لم يجدوا حجة وانقطعوا وهم شهداء معهودون كما أَضافهم إِلى هؤلاء لملابسة أَن الشهادة منهم هؤلاءِ {فَإِن شَهِدُوا} أَى شهد بالتحريم المشركون المطلوبون بإِحضار الشهداء إِعراضاً عن الإِحصار لهم أَو شهد الشهداء المطلوب إِحضارهم بالتحريم بعد إِحضارهم {فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} بالتحريم ولو جاءُوا بكل ما جاءوا به من حجج لأَنها باطلة مزيفة، أَو المعنى لا تسكت بل بين لهم فاسد ما جاءوا به فسمى على هذا سكوته شهادة منه لأَنها تتوهم من السكوت فهو سبب لتوهمها منه فيكون مجازاً مرسلا بواسطة الدعوى والتوهم، أَو سمى التسليم ولو بالسكوت شهادة لأَنها من لوازمه أَو استعار الشهادة للسكوت واشتق من الشهادة بمعنى السكوت، شهد بمعنى سكت أَو سمى السكوت عن ا لرد شهادة لمشاكلة قوله فإِن شهدوا، وكل ذلك جواب عما يقال كيف ينهاه عن الشهادة فانها لا تتوهم منه، ويبعد أَن يقال الخطاب للشمول البدلى الصالح لمن يمكن منه ذلك، لأَنه ينافيه قوله تعالى: قل تعالوا أَتل فإِنه له صلى الله عليه وسلم وكذا ما قيل {وَلاَ تَتَّبِعْ} يا محمد وقيل الخطاب للعموم البدلى {أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أَى القرآن والمعجزات وهم المطلوبون باحضار الشهداء أَو الشهداء، ومقتضى الظاهر ولا تتبعهم لكن أَظهر ليبين أَنهم اتبعوا الهوى وأَن مكذب الآيات لا يكون إِلا متبعاً للهوى، ومفهومه أَن متبع الحجة لا يكون إِلا مصدقاً بها فإِن وقعت منهم شهادة بالتحريم، فإِنما هى اتباع الهوى {وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنونَ بِالآخِرَةِ} بالبعث والحساب والجنة والنار وقيل الذين كذبوا بآياتنا اليهود والذين لا يؤمنون بالآخرة المشركون {وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُون} يسوون الأَصنام فى العبادة بربهم سبحانه وتعالى ولا شئ من العبادة لغير الله، والمعنى يجعلون له عديلا، كقوله تعالى هم به مشركون أَو يميلون بعبادتهم عنه أَو بأَفعاله إِلى غيره بنسبتها إِلى غيره، والجملة على صلة الذين أَو حال، وكل هؤلاء قوم واحد نزل تغاير الصفة منزلة تغاير الذات فعطف الذين على الذين، وكأَنه لا تتبع هؤلاء الجامعين بين التكذيب بالآيات وانتفاء الإِيمان بالآخرة وإِثبات العديل لله جل وعلا، وكأَنهم لما أَعجزهم قالوا فأَى شئ حرم الله فنزل قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا} وأَصل تعال الأَمر بمعالجة الصعود من أَسفل إِلى أَعلى حسا ثم استعمل فى مطلق الأَمر بالإِقبال ولو من أَعلى إِلى أَسفل أَو فى المعقول، وذلك استعمال للمقيد فى المطلق أَو للخاص فى العام أَو صار حقيقة عرفية عامة فى مطلق طلب الإِقبال، ولا ضعف فى أَن يقال شبه كونهم فى الجهل بكون الإِنسان فى كل مكان أَسفل حسا وكونه صلى الله عليه وسلم على الحق، بكونه فى موضع عال فاستعار لهم ما يناسب ذلك وهو اللفظ الموضوع للأَمر بالصعود من موضع أَسفل إِلى عال، ولا أَسلم أَن الترقى إِلى ذروة العلم غير معلوم، وفى الاية تعريض بأَنهم فى حضيض، وهو فعل أَمر وفاعل وهو تفاعل من العلو {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} أَتل مضارع للمتكلم مجزوم بحذف الواو، أَى أقرأَ ما حرم وأَقرأَ للمتكلم وما اسم موصول، أَى أَتل الأَشياءَ التى حرمها، أَو نكرة موصوفة أَى أَشياءَ حرمها، ويضعف أَن تكون مصدرية أَى أَتل تحريم ربكم، لأَنه إِما أن يؤول المصدر بالمفعول فيعنى جعلها اسماً موصولا أَو اسماً موصوفاً، وإِما أَن يراد أَتل عليكم دال التحريم، أَى ما يدل عليه وهو الأَلفاظ وهو تأويل، إِلا أَنه لا مانع من أَن يقال الكلام بما هو محرم، تحريم له إِذا أُريد به التحريم ولا تكلف فيه، ويجوز أَن تكون استفهامية فحينئذ لا تكون منصوبة بأَتل بل بحرم، وحينئذ جملة حرم إِلخ مفعول لأَتل معلق بالاستفهام على تضمين أَتل معنى التعليم أَى أعلمكم أَى شئ حرم ربكم والآية من أسلوب المتكلم الحكيم بالإِضافة أَو من الأسلوب الحكيم بوصف الأسلوب بالحكمة وذلك أَن يعرض عما أَراد الخصم إِلى ما هو له أَحق، وهو هنا ما يقتضى الحال بيانه {عَلَيْكُمُ} تنازعه أَتل وحرم لأَن المعنى أَتل عليكم وحرمه عليكم وتعليقه بحرم أَنسب بمقام الاعتناء بايجاب الانتهاء عن المحرمات {أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} أن ناصبة ولا نافية، والمصدر بدل أَو بيان من ما أو من عائدها المحذوف، ولكن البدل والبيان من عائدها على زيادة لا، وذلك أَنه لا يحرم انتفاء الإِشراك بل يحرم الإِشراك، الأَصل عدم الزيادة ولك جعل عليكم اسم فعل، فيكون مصدر أَن لا تشرك مفعولا لعليكم، أَى الزموا انتفاء الإِشراك، ويجوز كون أَن لا تشركوا خبراً لمحذوف أَى المتلو انتفاء الإِشراك، ويجوز المحرم الإِشراك على زيادة لا أَو يقدر حرف التعليل ويعلق بأَتل أَى أَتل لئلا تشركوا، أَو يقدر أوصيكم أَن لا تشركوا أَو مبتدأ خبره عليكم أَى عليكم انتفاء الإِشراك به، ويجوز أَن تكون أَن مفسرة للتحريم لأَن فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية، ويناسبه عطف الأَمر والنهى بعده إِلى قوله أَوفوا، عطف إِنشاء على إِنشاء، بخلاف ما إِذا جعلناها نافية فيوجه بتأويل الخبر بالطلب، أَو يعطف على الإِخبار ولا يخلو القرآن من ذلك وعكسه، والمراد بشئ من الأَصنام فهو مفعول به أَو الإشراك فهو مفعول مطلق، واعلم أَنه تقدم التحريم فدخلت الأَوامر بعده والنواهى واشتركن فى الدخول تحت حكمه، والتحريم راجع إِلى أَضدادها وهى الإِساءة إِلى الوالدين وبخس المكيال والميزان وترك العدل فى القول ونكث العهد، ويجوز تقدير أتل ما حرم ربكم عليكم وما أَمركم به فإِن ما بعد ذلك تفسير التحريم المذكور والأَمر المحذوف، ويجوز العطف على أَتل وهذه أَحكام عشرة تعم الأَعصار والأُمم ولا تنسخ، من عمل بهن سعد ومن خالف شقى، وعن كعب الأَحبار: والذى نفس كعب بيده أَن هذه الايات لأَول شئ فى التوراة بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا..وعن غيره أَولها السورة إِلى ويعلم ما تكسبون.. ولعظم حق الولدين قرن حقهما بالتوحيد فيكون ترك حقهما مقروناً بشرك {وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أَحسنوا بالوالدين إِحساناً نفعاً وخفض جناح ورد بصر للأَرض أَكثر من تذلل العبد لسيده العنوف، وعن ابن مسعود: لما قرب الله موسى نجيا يوم كلمه أَبصر فى ظل العرش رجلا فغبطه بمكانه فسأَله عنه فلم يخبره باسمه، وأَخبره بأَنه كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله تعالى من فضله، برا بالوالدين، لا يمشى بالنميمة، عدل إِلى ذلك عن أَن لا تسيئوا إِلى الوالدين أَولا تعصوهما بصيغة النهى لأَن ترك الإِساءة فى حقهما غير كاف ولأَنه يجب الإِحسان ولو بما لم يأمرا به لا متابعتهما فيما امرا به خاصة وصح الإِنشاء بعد الإِخبار لأَن التلاوة قول والمعقول يحكى نحو قلت له قام زيد وقم ولا مانع من أَن يقدر وأَن تحسنوا بالوالدين إِحساناً بتقدير مضارع مثبت {وَلاَ تَقْتُلُوا} أَيها الرجال والنساء لأَنهن أَيضاً قد يقتلن الأُنثى حين ولدت ويدفنها فى حفرة الولادة لكن قليلا {أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ} من خشية إملاق لقوله تعالى خشية إملاق أَو من أَجل إِملاق فمن للتعليل كما دل عليه نصب خشية على التعليل والاملاق الفقر وهو المشهور، ويفسر بالجوع أَيضاً وهو لغة لحم والإِسراف عند محمد بن نعيم اليزيدى، فإِن قتل الولد إِسراف، ويرده خشية إِملاق فإِنهم لا يخشون الإِسراف بقتل الولد، والإِنفاق عند المنذر ابن سعيد، أَى لا تقتلوا أَولادكم لثقل النفقة عليكم، وعلى كل حال المراد الإِملاق المخشى بدليل آية ذكر الخشية ويفهم أَن الإِملاق الموجود مثله ويجوز أَن يراد الإِملاق الموجود، ويفهم أَن الاملاق المخشى مثله ويجوز أَن يرادا معاً أَى لا تقتلوهم من إِملاق مطلقاً سواء وجد أَم خيف ولو كان الواقع أَحدهما. وعلل النهى بقوله {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} وأَول من سن قتل البنت ربيعة، سبيت بنت لأَمير منهم، وكان الصلح فخيرت فاختارت من هى عنده على أَبيها، فغضب وسن لقومه الوأد ففعلوه مخافة مثل ذلك ومخافة العار مطلقا وشاع فى العرب للإملاق وغيرها، وقدم خطاب الآباء لتقدم خطابهم فى ولا تقتلوا وليناسب الخطاب فى المناهى بعده، ولأَنهم مخاطبون برزق الأَولاد إِذ وجب عليهم أَن ينفقوهم فخاطبهم بوعد الرزق، أَو قدم هنا للآباءِ الفقراءِ فى الحال وأخر فى الإِسراء لأَن المراد بها خشية الآباءِ الأَغنياءِ الفقر بعد، ولذلك أَيضاً ذكر فيها خشية لا هنا فقدم خطابهم للوعد لهم لئلا يخافوا وذلك لإِفادته معنى آخر، أَولى من أَن يقال قدم تارة وأَخر أخرى وصرح بخشية تارة دون أُخرى تفننا. والحاصل أَنه خوطب بقوله تعالى من إِملاق الفقراء وبقوله تعالى خشية إِملاق الأَغنياءِ الذين يخشون الفقر بعد، فقدم هنا الرزق لذلك وقدم رزق أَولادهم فى مقام الخشية ويأتى الكلام فى سورة الإِسراء {وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} كشرب الخمر يظهر بالسكر والزنى بذوات العلامات بالدخول إِليهن للزنى باجهار الدخول وغير ذلك مما يظهر كالقتل جهرا وذكر الخمر فى المسألة مراعاة لنزول الأَنعام مرة ثانية بالمدينة ومن للابتداءِ يتعلق بظهر أَو للتبعيض فيتعلق بمحذوف حال ما أو من ضمير {وَمَا بَطَنَ} منها كشرب الخمر حيث لا يتبين لقلة ما شرب وكالزنى حيث لا يعلم بالدخول عليه كما تتخذ الأَشراف الأَخذان وغير ذلك كالقتل سرا، ومن ذلك صب النطفة خارج الفرج كما جاءَ فى الحديث أَن العزل وأد خفى، وأَيضا ولد الزنى فى حكم الميت والآية فى المعاصى مطلقا، وقيل فى الزنى واختاره بعض لأَنه أَنسب بالمتعاطفات وما بدل مطلق باعتبار المعطوف لا بدل اشتمال كما قيل، ولم يقل لا تفحشوا لأَن النهى عن قرب الفواحش بتمنيها أَو نيتها أَو بفعل ما يدعو إِليها كالخلوة والتفكر والنظر والاستماع أَبلغ فى الزجر وأَفيد، لأَن قربها داع إِليها، ويجوز أَن يكون مجازا تعبيرا بالملزوم والسبب عن اللازم والمسبب، فإِن القرب للفواحش سبب لها وملزوم والفواحش سبب ولازم والمجاز أَبلغ من الحقيقة، وهو مع أَبلغيته خال عن زيادة محرم، لأَن ما مر تحريم للفواحش وقربها وهذا تحريم لها فقط معبرا عنها بقربها، ووسط هذه الجملة بين قوله ولا تقتلوا أَولادكم إِلخ وقوله {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّم اللهُ}، بسبب من الأَسباب أَو فى حال من الأَحوال إِلا فى حال التباسكم بالحق {إِلا بِالحق} كما فى سورة الإِسراء لاعتبار أَن قرب الفواحش شامل لولادة ولد الزنى وللعزل، والنفس المحرمة نفس الموحد وكل من لا يقتل كذمى ومستأجر وداخل بأَمان ولذا استثنى منها ما يقتل بحق بردة أَو بغى وزنى مع إحصان أَو لقتل من يقتل به، والقتل دفاعا عن النفس وقتل الباغى وإِلا فكونها محرمة ينافى أَن تقتل بحق وبالحق حال من الواو أَو مفعول مطلق أَى إِلا قتلا ثابتا بالحق أَو هى للتعدية أَو للسببية، فتعلق بتقتلوا، أَو الاستثناء مفرغ أَى لا تقتلوا إِلخ فى حال من الأَحوال إِلا بالحق، وعطف هذه الجملة على قوله لا تقتلوا ولا تقربوا عطف خاص على عام لمزيته فى التحريم، وقيل المراد بالنفس المؤمن وهو ضعيف {ذَلِكُمْ} أَى ما ذكر من ترك الإِشراك ومن الإِحسان بالوالدين وترك قتل الأَولاد وترك قرب الفواحش وترك قتل النفس التى حرم الله {وَصَّاكُمْ بِهِ} أَى بحفظه، وفى التوصية لطف ورأفة بهم إِذ جعلهم أَوصياءَ له جل وعلا {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فوائد هذه التكاليف ومنافعها فى الدنيا والدين. والعقل مناط التكليف فهو الذى يدرك به ذلك أَو تستعملون عقولكم فتعقلكم أَى تحبسكم عن الإِشراك وترك الإِحسان للوالدين، وعن القتل الذى لا يحل وقرب الفواحش وذكر هنا تعقلون، وذكر بعد ذلك تذكرون وتتقون تفننا وهو من شعب البلاغة، أَو ذكر هنا تعقلون لأَن هؤلاءِ الخمسة ظاهرة يجب تعقلها فختمت بتعقلون، ولما كانت الأَربعة بعد وهن قرب مال اليتيم بما هو أَحسن وإِيفاء الكيل والميزان والعدل فى القول والإِيفاء بالعهد خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد حتى يوقف على القدر المجزى بالحوطة ختمت بالتذكر، ولما فرغ من الكل وأَشار إِليه ذكر تتقون على معنى احذروا المخالفة وإِلا هلكتم، أَو لأَن المنهى عنه وهو الإِشراك والقتل وقرب الفواحش لا تستنكف العرب عنه، وأَما إِحسان الوالدين ونحوه فمما تفعل العرب فأَمروا بالتذكر وبالتعقل هناك.
الالوسي
تفسير : {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ} أي أحضروهم للشهادة هو اسم فعل لا يتصرف عند أهل الحجاز وفعل يؤنث ويثنى ويجمع عند بني تميم وهو مبني على ما اشتهر من أن ما ذكر من خصائص الأفعال. وعن أبـي علي الفارسي أن الضمائر قد تتصل بالكلمة وهي حرف كليس أو اسم فعل كهات لمناسبتها للأفعال. وعلى هذا تكون {هَلُمَّ } اسم فعل مطلقاً كما في «شرح التسهيل» وعليه الرضي حيث قال: وبنو تميم يصرفونه فيذكرونه ويؤنثونه ويجمعونه نظراً إلى أصله. وأصله عند البصريين هالم من لم إذا قصد حذفت الألف لتقدير السكون في اللام لأن أصله المم وعند الكوفيين هل أم فنقلت ضمة الهمزة إلى اللام وحذفت كما هو القياس، واستبعد بأن هل لا تدخل الأمر. ودفع بما نقله الرضي عنهم من أن أصل هل أم هلا أم وهلا كلمة استعجال بمعنى أسرع فغير إلى هل لتخفيف التركيب ثم فعل به مافعل. ويكون متعدياً بمعنى أحضر وائت ولازماً بمعنى أقبل كما في قوله تعالى: { أية : هَلُمَّ إِلَيْنَا } تفسير : [الأحزاب: 18 ] . {ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا } وهم كبراؤهم الذين أسسوا ضلالهم. والمقصود من إحضارهم تفضيحهم وإلزامهم وإظهار أن لا متمسك لهم كمقلديهم ولذلك قيد الشهداء بالإضافة ووصفوا بما يدل على انهم شهداء معرفون بالشهادة لهم وبنصر مذهبهم. وهذا إشارة إلى ما حرموه من الأنعام على ما حكته الآيات السابقة. / وقال مجاهد: إشارة إلى البحائر والسوائب {فَإِن شَهِدُواْ } أي أولئك الشهداء المعرفون بالباطل بعد ما حضروا بأن الله حرم هذا {فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} أي فلا تصدقهم فإنه كذب بحت وبين لهم فساده لأن تسليمه منهم موافقة لهم في الشهادة الباطلة والسكوت قد يشعر بالرضا، وإرادة هذا المعنى من (لا تشهد) إما على سبيل الاستعارة التبعية أو المجاز المرسل من ذكر اللازم وإرادة الملزوم لأن الشهادة من لوازم التسليم أو الكناية أو هو من باب المشاكلة، ومن الناس من زعم أن ضمير {شَهِدُواْ} للمشركين أي فإن لم يجدوا شاهداً يشهد بذلك فشهدوا بأنفسهم لأنفسهم فلا تشهد وهو في غاية البعد، وأبعد منه بل هو للفساد أقرب قول من زعم أن المراد هلم شهداءكم من غيركم فإن لم يجدوا ذلك لأن غير العرب لا يحرمون ما ذكر وشهدوا بأنفسهم فلا تصدقهم. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا} من وضع المظهر موضع المضمر للإيماء إلى أن مكذب الآيات متبع الهوى لا غير وأن متبع الحجة لا يكون إلا مصدقاً بها، والخطاب ـ قيل ـ لكل من يصلح له. وقيل: لسيد المخاطبين والمراد أمته. {وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} كعبدة الأوثان عطف على الموصول الأول بطريق عطف الصفة على الصفة مع اتحاد الموصوف فإن من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس، وزعم بعضهم أن المراد بالموصول الأول المكذبون مع الإقرار بالآخرة كأهل الكتابين وبالموصول الثاني المكذبون مع إنكار الآخرة ولا يخفى ما فيه {وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ } أي يجعلون له عديلاً أي شريكاً فهو كقوله تعالى: { أية : هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } تفسير : [النحل: 100] وقيل: يعدلون بأفعاله عنه سبحانه وينسبونها إلى غيره عز وجل، وقيل: يعدلون بعبادتهم عنه تعالى، والجملة عطف على {لاَ يُؤْمِنُونَ} والمعنى لا تتبع الذين يجمعون بين التكذيب بالآيات والكفر بالآخرة والإشراك بربهم عز وجل لكن لا على أن مدار النهي الجمع المذكور بل على أن أولئك جامعون لها متصفون بها، وقيل: الجملة في موضع الحال من ضمير {لاَ يُؤْمِنُونَ}.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي: للانتقال من طريقة الجدل والمناظرة في إبطال زعمهم، إلى إبطاله بطريقة التّبيين، أي أحضروا من يشهدون أنّ الله حرّم هذا، تقصياً لإبطال قولهم من سائر جهاته. ولذلك أعيد أمر الرّسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما يظهر كذب دعواهم. وإعادة فعل {قل} بدون عطف لاسترعاء الأسماع ولوقوعه على طريقة المحاورة كما قدمناه آنفاً. و{هلمّ} اسم فعللِ أمْرٍ للحُضور أو الإحضار، فهي تكون قاصرة كقوله تعالى: { أية : هلمّ إلينا } تفسير : [الأحزاب: 18] ومتعدية كما هنا، وهو في لغة أهل الحجاز يلزم حالة واحدة فلا تلحقه علامات مناسبة للمخاطب، فتقول: هلمّ يا زيدُ، وهلمّ يا هندُ، وهكذا، وفي لغة أهل العالية ــــ أعني بني تميم ــــ تلحقه علامات مناسبة، يقولون: هَلُمّي يا هند، وهلُمَّا، وهلُمّوا، وهلْمُمْنَ، وقد جاءَ في هذه الآية على الأفصح فقال: {هلم شهداءكم}. والشّهداء: جمع شهيد بمعنى شاهد، والأمر للتّعجيز إذ لا يَلقون شهداء يشهدون أنّ الله حرّم ما نسبوا إليه تحريمه من شؤون دينهم المتقدّم ذكرها. وأضيف الشّهداء إلى ضمير المخاطبين لزيادة تعجيزهم، لأنّ شأن المحقّ أن يكون له شهداء يعلمهم فيحضرهم إذا دُعي إلى إحقاق حقّه، كما يقال للرّجل: اركَب فرسك والْحَقْ فلاناً، لأنّ كلّ ذي بيت في العرب لا يَعدِم أن يكون له فرس، فيقول ذلك له من لا يعلم له فرساً خاصاً ولكن الشأن أن يكون له فرس ومنه قوله تعالى: { أية : يدنين عليهن من جلابيبهن } تفسير : [الأحزاب: 59] وقد لا يكون لإحداهن جلباب كما ورد في الحديث أنَّه سئل: إذا لم يكن لإحدانا جلباب، قال: لتُلْبِسْها أخْتُها من جلبابها. ووصفُهم بالموصول لزيادة تقرير معنى إعداد أمثالهم للشّهادة، فالطّالب ينزّل نفسه منزلة من يظنّهم لا يخلُون عن شهداء بحقِّهم من شأنهم أن يشهدوا لهم وذلك تمهيد لتعجيزهم البين إذا لم يحضروهم، كما هو الموثوق به منهم ألا ترى قوله: { أية : أم كنتم شهداء إذ وصّاكم الله بهذا} تفسير : [الأنعام: 144] فهو يعلم أن ليس ثمة شهداء. وإشارة {هذا} تشير إلى معلوم من السّياق، وهو ما كان الكلام عليه من أوّل الجدال من قوله: { أية : ثمانية أزواج } تفسير : [الأنعام: 143] الآيات، وقد سبقت الإشارة إليه أيضاً بقوله: { أية : أم كنتم شهداء إذ وصّاكم الله بهذا } تفسير : [الأنعام: 144]. ثمّ فرع على فرض أن يحضروا شهداء يشهدون، قوله: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم}، أي إن فرض المستبعد فأحضروا لك شهداء يشهدون أنّ الله حرّم هذا الذي زعموه، فكذّبهم وأعلم بأنَّهم شهود زور، فقوله: {فلا تشهد معهم} كناية عن تكذيبهم لأنّ الذي يصدق أحداً يوافقه في قوله، فاستعمل النّهي عن موافقتهم في لازمه، وهو التّكذيب، وإلاّ فإنّ النَّهي عن الشّهادة معهم لمن يعلم أنَّه لا يشهد معهم لأنَّه لا يصدّق بذلك فضلاً على أن يكون شاهده من قبيل تحصيل الحاصل، فقرينة الكناية ظاهرة. وعُطف على النّهي عن تصديقهم، النّهيُ عن اتّباع هواهم بقوله: {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا}. وأظهر في مقام الإضمار قوله: {الذين كذبوا بآياتنا} لأنّ في هذه الصّلة تذكيراً بأنّ المشركين يكذّبون بآيات الله، فهم ممّن يتجنّب اتَّباعهم، وقيل: أريد بالذين كذبوا اليهود بناء على ما تقدّم من احتمال أن يكونوا المراد من قوله: { أية : فإن كذّبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة } تفسير : [الأنعام: 147] وسمَّى دينهم هوى لعدم استناده إلى مستند ولكنّه إرضاء للهوى. والهوى غلب إطلاقه على محبّة الملائم العاجل الذي عاقبته ضرر. وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم } تفسير : في سورة البقرة (145). وقوله: {والذين لا يؤمنون بالآخرة} عطف على {الذين كذبوا} والمقصود عطف الصّلة على الصّلة لأنّ أصحاب الصّلتين متّحدون، وهم المشركون، فهذا كعطف الصّفات في قول القائل، أنشده الفراء: شعر : إلى الملك القرم وابن الهما م وليثِ الكتيبة في المزدَحَم تفسير : كان مقتضَى الظاهر أن لا يعاد اسم الموصول لأنّ حرف العطف مغن عنه، ولكن أجري الكلام على خلاف مقتصى الظاهر لزيادة التّشهير بهم، كما هو بعض نكت الإظهار في مقام الإضمار. وقيل: أريد بالذين كذّبوا بالآيات: الذين كذّبوا الرّسول عليه الصّلاة والسّلام والقرَآن، وهم أهل الكتابين، وبالذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربِّهم يعدلون: المشركون، وقد تقدّم معنى: {بربهم يعدلون} عند قوله تعالى: { أية : ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون } تفسير : في أوّل هذه السورة (1).
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِنَا} {بِٱلآخِرَةِ} (150) - وَقُلْ لَهُمْ أَحْضِرُوا شُهَدَاءَكُمُ الذِينَ تَقُولُونَ إِنَّهُم يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ الذِي حَرَّمْتُمُوهُ أَنْتُمْ كَذِباً وَافْتِراءً عَلَى اللهِ، فَإِنْ حَضَرَ هَؤُلاَءِ الشُّهُودُ وَشَهِدُوا فَلاَ تُصَدِّقْهُمْ، وَلاَ تَقْبَلْ لَهُمْ شَهَادَةً، وَلاَ تُسَلِّمْ لَهُمْ بِالسُّكُوتِ عَلَى كَذِبِهِمْ، لأَِنَّهُمْ إِنَّما يَشْهَدُون بِالكَذِبِ وَالبَاطِلِ، وَلاَ تَتَّبعْ أَهَوَاءَ الكَافِرِينَ الذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وَيُشْرِكُونَ بِرَبِّهِمْ، وَيَجْعَلُونَ لَهُ مَنْ يُمَاثِلُهُ مِنَ المَعْبُودَاتِ البَاطِلَةِ، فِي جَلْبِ الخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ. هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ - أَحْضِرُوا شُهَدَاءَكُمْ. بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ - يُسَوُّونَ بِرَبِّهِمْ غَيْرَهُ فِي العِبَادَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومادمتم لا تملكون العلم فمن المحتمل انكم تملكون شهوداً على ما تقولون. والخطاب: {هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ} هو خطاب للجماعة، و"هلم" يستوي فيها المفرد والمفردة والمثنى مذكراً كان أم مؤنثاً. والجمع مذكراً أو مؤنثاً، فتقول: هلم يا زيد إليّ، وهلم يا هند إليّ، وهلم أيضاً لجماعة الذكور ولجماعة الإناث، وهذه لغة الحجازيين. وتختلف عن لغة بني تميم التي يزيدون علها فيقال: "هلم يا رجل"، و"هلمي يا امرأة"، و"هلما، وهلموا، وهلممن". والقرآن نزل بلغة قريش "الحجازيين"، والحق يقول: {هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ}. أي هاتوا وأحضروا شهداءكم أن الله حرّم هذا، لإنكم بلا علم، وكذلك لا شهود عندكم على المدعي؛ فإن كان عندكم شهود هاتوا هؤلاء الشهود. وماذا إن أحضروا شهود زور؟ إنه- سبحانه- يحذر رسوله ويوضح له أنهم حتى ولو أحضروا شهداء إياك أن تصدقهم فهم كذابون: وكأن الله يريد أن يفضح الشهود أيضاً أمام المشهود أمامهم، ويعطي أيضاً قضيتين اثنتين؛ فسبحانه يدحض ويبطل حجتهم، ويفضح الشهود الذين جاءوا بهم. فكأنه قال: هاتوا هؤلاء الذين قالوا لكم هذا الكلام، وفي ذلك فضيحة لمن لقنهم هذه الأوامر. ويأمر الحق رسوله ألا يتبع الذين كذبوا بآياته سبحانه. وكلمة "أهواء"، جمع هوى، وهو ما يختمر في الذهن ليلوي الإِنسان عن الحق؛ فهو شهوة ترد على الذهن فتجعله يعدل عن الحق: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} [الأنعام: 150] وهم لا يكذبون بآيات الله فقط بل لا يؤمنون بالآخرة أيضاً؛ لأنهم لو كانوا يؤمنون بالآخرة لعلموا أنهم مجازون على هذا جزاء يناسب جرائمهم، ولو أنهم قدروا هذه المسألة لامتنعوا عن اتباع أهوائهم. ويذيل الحق الآية بقوله الكريم: {... وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 150] ونفهم من كلمة "يعدل" أنها من العدل بمعنى القِسط؛ إذا قيل: عدل في كذا، أو عدل بين فلان وفلان؛ أو عدل في الحكم، أما عدل بكذا فيكون المراد منها أنه جعله عديلا ومساويًّا. وجاءت بهذا المعنى في آية أخرى هي قوله الحق: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأنعام: 1] أي يجعلون ما لا يصح أن يكون مساويًّا لله؛ ومساويًّا وعدلا لله. وهذا فعل من جعلوا لله شركاء، وكذلك من لا يؤمنون بالله؛ فالواحد منهم يعدل عن ربه عدولاً ويميل ويعرض عنه ويشرك به ويسوِّي به غيره. ويجب أن نلحظ عند النطق بكلمة "التوحيد" وهي: (لا إله إلا الله) ألا نقف عند قول: (لا إله) لأن ذلك يعني إنكار ونفي وجود إله وهذا والعياذ بالله كفر. إذن يجب علينا أن نصلها بما بعدها فنقول: (لا إله إلا الله) أو نكون عند نطقنا بلفظ (لا إله) قد انعقدت قلوبنا على وحدانيته وما يجب له- تعالت عظمته- من صفات الجلال والكمال، ومعنى (لا إله إلا الله) أنه لا معبود بحق إلا الله، لأن المعبودين بباطل كثيرون كالأصنام والنجوم والجن وبعض الإِنس والملائكة وغير ذلك. وكلمة {بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} تفيد أنهم أهل شرك، وكذلك من ينكر وجود الله إنه عن ربنا يعدل ويميل ويحيد عن الاعتراف به إلها. ويقول الحق بعد ذلك: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ ...}
الجيلاني
تفسير : {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل: {هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ} أي: أحضروا أحباركم {ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ} في كتابه {هَـٰذَا} أي: ما ادعيتم تحريمها. {فَإِن شَهِدُواْ} بعدما حضروا افتراء على كتاب الله {فَلاَ تَشْهَدْ} يا أكمل الرسل {مَعَهُمْ} ولا تقبل شهادتهم {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} ونسبوا إليها ما هي خالية عنها {وَ} اعلم يا أكمل الرسل أن {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} ولا بالمجازاة والكافأة مطلقاً، ولا يبالون من أفعال هذه المفتريات الباطلة {وَهُم} من غاية جهلهم {بِرَبِّهِمْ} الذي رباهم بأنواع الكرم {يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 150] يشركون ويجعلون له عديلاً، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل على مقتضى شفقة النبوة: {تَعَالَوْاْ} أيها التائهون في بيداء الضلال {أَتْلُ} وأعد لكم {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} في نشأتكم الدنيا، أولاها وعظماها: {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} من مصنوعاته؛ إذ هو أحد صمد فرد وتر ليس لغيره وجود حتى يشاركه ويماثله {وَ} أن تفعلوا {بِٱلْوَالِدَيْنِ} اللذين هما سببان قريبان لظهوركم إلا {إِحْسَاناً} لإحسانهما إليكم في حفظكم وحضانتكم {وَ} أن {لاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ} ظلماً ناشئاً {مِّنْ} خوف {إمْلاَقٍ} فقر وقلة؛ إذ {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} وأن {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ} القبيح {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} كالقود وقتل المرتد ورجم الزاني المحصن وغيرها من المحارم التي رخص الشرع بارتكابها، إذا ارتكابها من جملة المحللات والمأمورات {ذٰلِكُمْ} المذكور مفصلاً مما {وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151] رجاء أن تسترشدوا لتهتدوا إلى توحيده.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قل لمن حرَّم ما أحل الله، ونسب ذلك إلى الله: أحْضِروا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا، فإذا قيل لهم هذا الكلام، فهم بين أمرين: إما: أن لا يحضروا أحدا يشهد بهذا، فتكون دعواهم إذًا باطلة، خلية من الشهود والبرهان. وإما: أن يحضروا أحدا يشهد لهم بذلك، ولا يمكن أن يشهد بهذا إلا كل أفاك أثيم غير مقبول الشهادة، وليس هذا من الأمور التي يصح أن يشهد بها العدول؛ ولهذا قال تعالى -ناهيا نبيه، وأتباعه عن هذه الشهادة-: { فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } أي: يسوون به غيره من الأنداد والأوثان. فإذا كانوا كافرين باليوم الآخر غير موحدين لله، كانت أهويتهم مناسبة لعقيدتهم، وكانت دائرة بين الشرك والتكذيب بالحق، فحري بهوى هذا شأنه،أن ينهى الله خيار خلقه عن اتباعه، وعن الشهادة مع أربابه، وعلم حينئذ أن تحريمهم لما أحل الله صادر عن تلك الأهواء المضلة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):