Verse. 940 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قُلْ تَعَالَوْا اَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ اَلَّا تُشْرِكُوْا بِہٖ شَـيْــــًٔـا وَّبِالْوَالِدَيْنِ اِحْسَانًا۝۰ۚ وَلَا تَقْتُلُوْۗا اَوْلَادَكُمْ مِّنْ اِمْلَاقٍ۝۰ۭ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَاِيَّاہُمْ۝۰ۚ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَہَرَ مِنْہَا وَمَا بَطَنَ۝۰ۚ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِيْ حَرَّمَ اللہُ اِلَّا بِالْحَقِّ۝۰ۭ ذٰلِكُمْ وَصّٰىكُمْ بِہٖ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُوْنَ۝۱۵۱
Qul taAAalaw atlu ma harrama rabbukum AAalaykum alla tushrikoo bihi shayan wabialwalidayni ihsanan wala taqtuloo awladakum min imlaqin nahnu narzuqukum waiyyahum wala taqraboo alfawahisha ma thahara minha wama batana wala taqtuloo alnnafsa allatee harrama Allahu illa bialhaqqi thalikum wassakum bihi laAAallakum taAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل تعالوا أتل» أقرأ «ما حرم ربكم عليكم أ» ن مفسرة «لا تشركوا به شيئا و» أحسنوا «بالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم» بالوأد «من» أجل «إملاق» فقر تخافونه «نحن نرزقكم وإياكم ولا تقربوا الفواحش» الكبائر كالزنا «ما ظهر منها وما بطن» أي علانيتها وسرها «ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق» كالقود وحد الردة ورجم المحصن «ذلكم» المذكور «وصاكم به لعلكم تعقلون» تتدبرون.

151

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين فساد ما يقول الكفار أن الله حرم علينا كذا وكذا، أردفه تعالى ببيان الأشياء التي حرمها عليهم، وهي الأشياء المذكورة في هذه الآية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: «تعال» من الخاص الذي صار عاماً، وأصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه، ثم كثر وعم، وما في قوله: {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } منصوب، وفي ناصبه وجهان: الأول: أنه منصوب بقوله: {ٱتْلُ } والتقدير: أتل الذي حرمه عليكم، والثاني: أنه منصوب بحرم، والتقدير: أتل الأشياء التي حرم عليكم. فإن قيل: قوله: {ألاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } كالتفصيل لما أجمله في قوله: {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } وهذا باطل، لأن ترك الشرك والإحسان بالوالدين واجب، لا محرم. والجواب من وجوه: الأول: أن المراد من التحريم أن يجعل له حريماً معيناً، وذلك بأن بينه بياناً مضبوطاً معيناً، فقوله: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } معناه: أتل عليكم ما بينه بياناً شافياً بحيث يجعل له حريماً معيناً، وعلى هذا التقرير فالسؤال زائل، والثاني: أن الكلام تم وانقطع عند قوله {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ } ثم ابتدأ فقال: {عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ } كما يقال: عليكم السلام، أو أن الكلام تم وانقطع عند قوله: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } ثم ابتدأ فقال: {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } بمعنى لئلا تشركوا، والتقدير: أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا به شيئاً. الثالث: أن تكون «أن» في قوله: {أَن لا تُشْرِكُواْ } مفسرة بمعنى: أي، وتقدير الآية: أتل ما حرم ربكم عليكم، أي لا تشركوا، أي ذلك التحريم هو قوله: {لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً }. فإن قيل: فقوله: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } معطوف على قوله: {أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } فوجب أن يكون قوله: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } مفسراً لقوله: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } فيلزم أن يكون الإحسان بالوالدين حراماً، وهو باطل. قلنا: لما أوجب الإحسان إليهما، فقد حرم الإساءة إليهما. المسألة الثانية: أنه تعالى أوجب في هذه الآية أمور خمسة: أولها: قوله: {أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً }. واعلم أنه تعالى قد شرح فرق المشركين في هذه السورة على أحسن الوجوه، وذلك لأن طائفة من المشركين يجعلون الأصنام شركاء لله تعالى، وإليهم الإشارة بقوله حكاية عن إبراهيم {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَبِيهِ ءازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءالِهَةً إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الأنعام: 74]. والطائفة الثانية: من المشركين عبدة الكواكب، وهم الذين حكى الله عنهم، أن إبراهيم عليه السلام أبطل قولهم بقوله: {أية : لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76]. والطائفة الثالثة: الذين حكى الله تعالى عنهم: {أية : أَنَّهُمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ }تفسير : [الأنعام: 100] وهم القائلون بيزدان وأهرمن. والطائفة الرابعة: الذين جعلوا لله بنين وبنات، وأقام الدلائل على فساد أقوال هؤلاء الطوائف والفرق، فلما بين بالدليل فساد قول هؤلاء الطوائف. قال ههنا: {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً }. النوع الثاني: من الأشياء التي أوجبها ههنا قوله: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } وإنما ثنى بهذا التكليف، لأن أعظم أنواع النعم على الإنسان نعمة الله تعالى، ويتلوها نعمة الوالدين، لأن المؤثر الحقيقي في وجود الإنسان هو الله سبحانه وفي الظاهر هو الأبوان، ثم نعمهما على الإنسان عظيمة وهي نعمة التربية والشفقة والحفظ عن الضياع والهلاك في وقت الصغر. النوع الثالث: قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ مّنْ إمْلَـٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } فأوجب بعد رعاية حقوق الأبوين رعاية حقوق الأولاد وقوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ مّنْ إمْلَـٰقٍ } أي من خوف الفقر وقد صرح بذكر الخوف في قوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ } تفسير : [الإسراء: 31] والمراد منه النهي عن الوأد، إذ كانوا يدفنون البنات أحياء، بعضهم للغيرة، وبعضهم خوف الفقر، وهو السبب الغالب، فبين تعالى فساد هذه العلة بقوله: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ }، لأنه تعالى إذا كان متكفلاً برزق الوالد والولد، فكما وجب على الوالدين تبقية النفس والاتكال في رزقها على الله، فكذلك القول في حال الولد، قال شمر: أملق، لازم ومتعد. يقال: أملق الرجل، فهو مملق، إذا افتقر، فهذا لازم، وأملق الدهر ما عنده، إذا أفسده، والإملاق الفساد. والنوع الرابع: قوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } قال ابن عباس: كانوا يكرهون الزنا علانية، ويفعلون ذلك سراً، فنهاهم الله عن الزنا علانية وسراً، والأولى أن لا يخصص هذا النهي بنوع معين، بل يجري على عمومه في جميع الفواحش ظاهرها وباطنها لأن اللفظ عام والمعنى الموجب لهذا النهي وهو كونه فاحشة عام أيضاً ومع عموم اللفظ والمعنى يكون التخصيص على خلاف الدليل، وفي قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } دقيقة، وهي: أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته، ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس، وذلك باطل، لأن من كان مذمة الناس عنده أعظم وقعاً من عقاب الله ونحوه فإنه يخشى عليه من الكفر، ومن ترك المعصية ظاهراً وباطناً، دل ذلك على أنه إنما تركها تعظيماً لأمر الله تعالى وخوفاً من عذابه ورغبة في عبوديته. والنوع الخامس: قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ }. واعلم أن هذا داخل في جملة الفواحش إلا أنه تعالى أفرده بالذكر لفائدتين: إحداهما: أن الإفراد بالذكر يدل على التعظيم والتفخيم، كقوله: {أية : وَمَلَـئِكَتُهُ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98] والثانية: أنه تعالى أراد أن يستثني منه، ولا يتأتى هذا الاستثناء في جملة الفواحش. إذا عرفت هدا فنقول: قوله: {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } أي قتل النفس المحرمة قد يكون حقاً لجرم يصدر منها. والحديث أيضاً موافق له وهو قوله عليه السلام: «حديث : لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق»تفسير : والقرآن دل على سبب رابع، وهو قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ } تفسير : [المائدة: 33]. والحاصل: أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا بدليل منفصل ثم إنه تعالى لما بين أحوال هذه الأقسام الخمسة أتبعه باللفظ الذي يقرب إلى القلب القبول، فقال: {ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ } لما في هذه اللفظة من اللطف والرأفة، وكل ذلك ليكون المكلف أقرب إلى القبول، ثم أتبعه بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف، ومنافعها في الدين والدنيا.

القرطبي

تفسير : فيه أربع عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ} أي تقدّموا وٱقرءوا حَقّاً يقيناً كما أوحى إليّ ربِّي، لا ظنّاً ولا كذباً كما زعمتم. ثم بيّن ذلك فقال: «أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» يقال للرجل: تعالَ، أي تقدّم، وللمرأة تعالَيْ، وللإثنين والاثنتين تعاليا، ولجماعة الرجال تعالَوْا، ولجماعة النساء تعالَيْن؛ قال الله تعالى: {أية : فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ}تفسير : [الأحزاب: 28]. وجعلوا التقدّم ضرباً من التعالي والارتفاع؛ لأن المأمور بالتقدّم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعداً فقيل له تعال، أي ٱرفع شخصك بالقيام وتقدّم؛ وٱتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي؛ قاله ابن الشَّجَرِيّ. الثانية ـ قوله تعالى: {مَا حَرَّمَ} الوجه في «ما» أن تكون خبرية في موضع نصب بـ «أَتْلُ» والمعنى: تعالوا أتل الذي حرّم ربكم عليكم؛ فإن علّقت «عليكم» بـ «حرّم» فهو الوجه؛ لأنه الأقرب وهو اختيار البصريين. وإن علقته بـ «أتل» فجيّد لأنه الأسبق؛ وهو اختيار الكوفيين؛ فالتقدير في هذا القول أتل عليكم الذي حرم ربكم. {أَلاَّ تُشْرِكُواْ} في موضع نصب بتقدير فعل من لفظ الأوّل، أي أتل عليكم ألا تشركوا؛ أي أتل عليكم تحريم الإشراك، ويحتمل أن يكون منصوباً بما في «عليكم» من الإغراء، وتكون «عليكم» منقطعة مما قبلها؛ أي عليكم ترك الإشراك، وعليكم إحساناً بالوالدين، وألاّ تقتلوا أولادكم وألا تَقْرَبوا الفواحش. كما تقول: عليك شأنكَ؛ أي ٱلزم شأنك. وكما قال: {أية : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [المائدة: 105] قال جميعَه ابن الشَّجَرِيّ. وقال النحاس: يجوز أن تكون «أن» في موضع نصب بدلاً من «ما»؛ أي أتل عليكم تحريم الإشراك. واختار الفرّاء أن تكون «لا» للنهي؛ لأن بعده «ولا». الثالثة ـ هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيّه عليه السلام بأن يَدْعُوَ جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرّم الله. وهكذا يجب على مَن بعده من العلماء أن يبلّغوا الناس ويبيّنوا لهم ما حرّم الله عليهم مما حلّ. قال الله تعالى: {أية : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} تفسير : [آل عمران: 187]. وذكر ابن المبارك: أخبرنا عيسى بن عمر عن عمرو بن مُرة أنه حدّثهم قال: قال ربيع بن خَيْثم لجليس له: أيسرّك أن تؤتى بصحيفة من النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُفَكَّ خاتمها؟ قال نعم. قال فٱقرأ {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} فقرأ إلى آخر الثلاث الآيات. وقال كعب الأحبار: هذه الآية مفتتح التوراة: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآية. وقال ابن عباس: هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة «آل عمران» أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في مِلّة. وقد قيل: إنها العشر كلمات المنزّلة على موسى. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} الإحسان إلى الوالدين بِرُّهما وحِفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما وإزالة الرِّق عنهما وترك السّلطنة عليهما. و «إحساناً» نصب على المصدر، وناصبه فعل مضمر من لفظه؛ تقديره وأحسنوا بالوالدين إحساناً. الخامسة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ} الإملاق الفقر: أي لا تَئِدوا ـ من الموءودة ـ بناتِكم خشية العَيْلة، فإني رازقكم وإيّاهم. وقد كان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر، كما هو ظاهر الآية. أملق أي افتقر. وأملقه أي أفقره؛ فهو لازم ومتعد. وحكى النقاش عن مُؤَرِّج أنه قال: الإملاق الجوع بلغة لَخْم. وذكر منذر بن سعيد أن الإملاق الإنفاق؛ يقال: أملق ماله بمعنى أنفقه. وذُكر أن عليّاً رضي الله عنه قال لامرأته: أمْلقي من مالك ما شئت. ورجل مَلِق يُعطِي بلسانه ما ليس في قلبه. فالمَلَق لفظ مشترك يأتي بيانه في موضعه. السادسة ـ وقد يستدلّ بهذا من يمنع العَزْل؛ لأن الوَأْد يرفع الموجود والنَّسْل؛ والعزل منع أصل النسل فتشابها؛ إلا أن قتل النفس أعظم وِزراً وأقبح فعلاً؛ ولذلك قال بعض علمائنا؛ إنه يفهم من حديث : قوله عليه السلام في العزل: «ذلك الوأد الخفي»تفسير : الكراهة لا التحريم. وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم. وقال بإباحته أيضاً جماعةٌ من الصحابة والتابعين والفقهاء؛ لقوله عليه السلام: «حديث : لا عليكم ألاّ تفعلوا فإنما هو القَدَر» تفسير : أي ليس عليكم جناح في ألاّ تفعلوا. وقد فَهِم منه الحسن ومحمد بن المُثنَّى النَّهْيَ والزّجْرَ عن العزل. والتأويل الأوّل أوْلى؛ لقوله عليه السلام: «حديث : وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء»تفسير : . قال مالك والشافعي: لا يجوز العزل عن الحرّة إلا بإذنها. وكأنهم رأُوا الإنزال من تمام لذتها، ومن حقها في الولد، ولم يروا ذلك في الموطوءة بملك اليمين، إذ له أن يعزل عنها بغير إذنها، إذ لا حق لها في شيء مما ذُكر. السابعة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} نظيره {أية : وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} تفسير : [الأنعام: 120]. فقوله: «مَا ظَهَرَ» نهي عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي. «وَمَا بَطَنَ» ما عقد عليه القلب من المخالفة. وظَهر وبطَن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء. و «ما ظهر» نصب على البدل من «الفواحش». «وما بطن» عطف عليه. الثامنة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} الألف واللام في «النفس» لتعريف الجنس؛ كقولهم: أهلك الناسَ حُبُّ الدرهم والدينار. ومثله {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}تفسير : [المعارج: 19] ألا ترى قوله سبحانه: {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ}؟ وكذلك قوله: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } تفسير : [العصر: 1 ـ 2] لأنه قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. وهذه الآية نهيٌ عن قتل النفس المحرّمةِ، مؤمنةً كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عَصَمَ مالَه ونفْسَه إلا بحقّه وحسابُهم على الله»تفسير : . وهذا الحق أُمور: منها منع الزكاة وترك الصلاة؛ وقد قاتل الصدّيق مانِعي الزكاة. وفي التنزيل {أية : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ}تفسير : [التوبة: 5] وهذا بيّن. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يَحلّ دَمُ ٱمرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة»تفسير : . وقال عليه السلام: «حديث : إذا بُويع لخليفتين فٱقتلوا الآخِرَ منهما»تفسير : . أخرجه مسلم. وروى أبو داود عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به»تفسير : . وسيأتي بيان هذا في «الأعراف». وفي التنزيل: {أية : إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ}تفسير : [المائدة: 33] الآية. وقال: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} تفسير : [الحجرات: 9] الآية. وكذلك من شقَّ عصا المسلمين وخالف إمامَ جماعتهم وفَرّق كلمتهم وسعى في الأرض فساداً بانتهاب الأهل والمال والبَغي على السلطان والامتناع من حكمه يُقْتَلُ. فهذا معنى قوله: «إلاَّ بِالْحَقِّ». وقال عليه السلام: «حديث : المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعىٰ بذمتهم أدناهم لا يُقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملّتين»تفسير : . وروىٰ أبو داود والنَّسائي عن أبي بَكْرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من قتل مُعاهداً في غير كُنِههِ حَرّم الله عليه الجنة»تفسير : . وفي رواية أُخرىٰ لأبي داود قال: «حديث : من قتل رجلاً من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاماً»تفسير : . في البخاري في هذا الحديث: «حديث : وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً»تفسير : . خرّجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. التاسعة ـ قوله تعالىٰ: {ذٰلِكُمْ} إشارة إلى هذه المحرّمات. والكاف والميم للخطاب، ولاحظّ لهما من الإعراب. {وَصَّاكُمْ بِهِ} الوصيّة الأمر المؤكَّد المقدور. والكاف والميم محله النصب؛ لأنه ضمير موضوع للمخاطبة. وفي وَصّى ضمير فاعل يعود على الله. وروىٰ مطر الوَرّاق عن نافع عن ٱبن عمر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أشرف على أصحابه فقال: عَلاَم تقتلوني! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يحل دَمُ ٱمرىء مسلم إلا بإحدىٰ ثلاث رجل زنىٰ بعد حصانة فعليه الرجم أو قتل عمداً فعليه القود أو ٱرتدّ بعد إسلامه فعليه القتل»تفسير : فوالله ما زنيتُ في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلتُ أحداً فأقيد نفسي به، ولا ٱرتددت منذ أسلمت، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ذلكم الذي ذكرت لكم وصّاكم به لعلكم تعقلون! العاشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي بما فيه صلاحه وتثميره، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه. وهذا أحسن الأقوال في هذا؛ فإنه جامع. قال مجاهد: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بالتجارة فيه، ولا تشتري منه ولا تستقرض. الحادية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} يعني قوته، وقد تكون في البدن وقد تكون في المعرفة بالتجربة، ولا بُدّ من حصول الوجهين، فإن الأشُدّ وقعت هنا مطلقة. وقد جاء بيان حال اليتيم في سورة «النساء» مقيدة، فقال: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً}تفسير : [النساء: 6] فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح، وبين قوة المعرفة وهو إيناس الرشد؛ فلو مُكِّن اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول القوة لأذهبه في شهواته وبَقَى صُعْلوكاً لا مال له. وخصّ اليتيم بهذا الشرط لغفلة الناس عنه وٱفتقاد الآباء لأبنائهم فكان الاهتبال بفقيد الأب أوْلى. وليس بلوغ الأشُد يبيح قُرْب ماله بغير الأحسن؛ لأن الحرمة في حق البالغ ثابتة. وخصّ اليتيم بالذكر لأن خصمه الله. والمعنى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده. وفي الكلام حذف؛ فإذا بلغ أشدّه وأُونس منه الرشد فادفعوا إليه ماله. وٱختلف العلماء في أشُدّ اليتيم؛ فقال ابن زيد: بلوغه وقال أهل المدينة. بلوغه وإيناس رشده. وعند أبي حنيفة: خمس وعشرون سنة. قال ابن العربيّ: وعجباً من أبي حنيفة، فإنه يرى أن المقدرات لا تثبت قياساً ولا نظراً وإنما تثبت نقلاً، وهو يثبتها بالأحاديث الضعيفة، ولكنه سكن دار الضَّرْب فكثر عنده المُدَلَّسْ، ولو سكن المعدن كما قيض الله لمالك لما صدر عنه إلا إبريز الدِّين. وقد قيل: إن انتهاء الكهولة فيها مُجْتَمع الأشُدّ؛ كما قال سُحيم بن وَثيل:شعر : أخُو خمسين مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ونَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّؤونِ تفسير : يروي «نجدني» بالدال والذال. والأشُدّ واحد لا جمع له؛ بمنزلة الآنُك وهو الرَّصاص. وقد قيل: واحده شدّ؛ كفَلْس وأفْلُس. وأصله من شدّ النهار أي ٱرتفع؛ يقال: أتيته شدّ النهار ومدَّ النهار. وكان محمد بن محمد الضَّبيّ ينشدُ بيت عنترة:شعر : عَهْدِي به شدّ النهار كأنما خُضِبَ اللبَّانُ ورأسُه بالعَظْلِمِ تفسير : وقـال آخـر:شعر : تُطيف به شَدّ النهار ظَعينةٌ طويلةُ أنقاء اليدَيْن سَحُوق تفسير : وكان سيبويه يقول: واحده شِدّة. قال الجوهري: وهو حَسَن في المعنى؛ لأنه يقال: بلغ الغلام شدّته. ولكن لا تجمع فِعْلة على أفْعُل، وأما أنْعُم فإنما هو جمع نُعْم؛ من قولهم: يوم بُؤس ويوم نُعْم. وأما قول من قال: واحده شَدّ؛ مثلُ كَلْب وأكلب، وشِدّ مثل ذئب وأذؤب فإنما هو قياس. كما يقولون في واحد الأبابيل: إبَّوْل، قياساً على عِجَّوْل، وليس هو شيئاً سُمع من العرب. قال أبو زيد: أصابتني شُدَّىٰ على فُعْلىٰ؛ أي شِدّة. وأشد الرجل إذا كانت معه دابة شديدة. الثانية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} أي بالاعتدال في الأخذ والعطاء عند البيع والشراء. والقسط: العدل. {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي طاقتها في ايفاء الكيل والوزن وهذا يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرّر. وما لا يمكن الاحتراز عنه من تفاوت ما بين الَكْيلين، ولا يدخل تحت قُدرة البشر فمعفوٌ عنه. وقيل: الكيل بمعنى المِكْيَال. يقال: هذا كذا وكذا كَيلاً؛ ولهذا عطف عليه بالميزان. وقال بعض العلماء: لما علم الله سبحانه من عباده أن كثيرا منهم تضيق نفسُه عن أن تَطيب للغير بما لا يجب عليها له أمر المعطي بإيفاء ربّ الحق حقّه الذي هو له، ولم يكلفه الزيادة؛ لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها. وأمر صاحبَ الحقّ بأخذ حقه ولم يكلفه الرضا بأقلّ منه؛ لما في النقصان من ضيق نفسه. وفي موطأ مالك عن يحيىٰ بن سعيد أنه بلغه عن عبد الله بن عباس أنه قال: ما ظهر الغُلُول في قوم قطُّ إلا ألقىٰ الله في قلوبهم الرّعب، ولا فشا الزنىٰ في قوم إلا كَثُر فيهم الموت، ولا نقص قوم المِكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حَكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدّم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو. وقال ٱبن عباس أيضاً: إنكم معشر الأعاجم قد ولُيتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم الكيل والميزان. الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ} يتضمن الأحكام والشهادات. {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} أي ولو كان الحق على مثل قراباتكم؛ كما تقدم في «النساء». {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} عامّ في جميع ما عهده الله إلى عباده. ويحتمل أن يراد به جميع ما انعقد بين إنسانين. وأضيف ذلك العهد إلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تتّعظون. الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ} هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم؛ فإنه لما نهى وأمر حذّر هنا عن اتباع غير سبيله، فأمر فيها باتباع طريقه على ما نبينه بالأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف. «وأنّ» في موضع نصب، أي وأتل أن هذا صراطي؛ عن الفراء والكسائيّ. قال الفراء: ويجوز أن يكون خفضاً، أي وصّاكم به وبأن هذا صراطي. وتقديرها عند الخليل وسيبويه: ولأن هذا صراطي؛ كما قال: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} تفسير : [الجن: 18] وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي «وإنّ هذا» بكسر الهمزة على الاستئناف؛ أي الذي ذكر في هذه الآيات صراطي مستقيماً. وقرأ ٱبن أبي إسحاق ويعقوب «وأنْ هذا» بالتخفيف. والمخففة مثلُ المشدّدة، إلا أن فيه ضمير القصة والشان؛ أي وأنه هذا. فهي في موضع رفع. ويجوز النصب. ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد؛ كما قال عز وجل: {أية : فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ} تفسير : [يوسف: 96] والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام. {مُسْتَقِيماً} نصب على الحال، ومعناه مستوياً قويماً لا ٱعوجاج فيه. فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ونهايُته الجنة. وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادّة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. قال الله تعالىٰ: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} أي تميل. روىٰ الدّارميّ أبو محمد في مسنده بإسناد صحيح: أخبرنا عفان حدّثنا حماد بن زيد حدّثنا عاصم بن بَهْدَلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطاً، ثم قال: «هذا سبيل الله» ثم خطّ خطوطاً عن يمينه وخطوطاً عن يساره ثم قال «هذه سُبُلٌ على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها» ثم قرأ هذه الآيةتفسير : . وأخرجه ابن ماجه في سننه عن جابر بن عبد الله قال: حديث : كنا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فخطّ خطاً، وخطّ خطّين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال هذا سبيل الله ـ ثم تلا هذه الآية ـ {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}تفسير : وهذه السُّبُلَ تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمُّق في الجدل والخوض في الكلام. هذه كلّها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد؛ قاله ابن عطية. قلت: وهو الصحيح. ذكر الطبري في كتاب آداب النفوس: حدّثنا محمد بن عبد الأعلىٰ الصّنعاني قال حدّثنا محمد بن ثَور عن مَعْمر عن أبان أن رجلاً قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تَرَكَنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفُه في الجنة، وعن يمينه جَوَادّ وعن يساره جوادّ، وثَمّ رجال يدعون من مَرَّ بهم فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} الآية. وقال عبد الله بن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يُقبض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتّنَطُّعَ والتعمّق والبدع، وعليكم بالعتيق. أخرجه الدَّارِمِي. وقال مجاهد في قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ} قال: البدع. قال ابن شهاب: وهذا كقوله تعالىٰ: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً}تفسير : [الأنعام: 159] الآية. فالهَرَبَ الهربَ، والنَّجاةَ النجاة والتمسُّك بالطريق المستقيم والسنن القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه المتجر الرابح. روى الأئمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا»تفسير : . وروىٰ ابن ماجه وغيره عن العِرْباض بن سَارِية قال: وَعَظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذَرَفت منها العيون؛ وَوَجِلَت منها القلوب؛ فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظةُ مودّع، فما تَعْهَد إلينا؟ فقال: «حديث : قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عَضُّوا عليها بالنواجذ وإياكم والأمور المحدثات فإن كلّ بدعة ضلالة وعليكم بالطاعة وإنْ عبداً حبشيَّاً فإنما المؤمن كالجَمَل الأَنِف حيثما قِيد ٱنقاد»تفسير : أخرجه الترمذي بمعناه وصححه وروى أبو داود قال حدثنا ٱبن كثير قال أخبرنا سفيان قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر؛ فكتب إليه: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون بعدما جرت به سنّته، وكُفُوا مؤونته، فعليك بلزوم الجماعة فإنها لك بإذن الله عصمة، ثم ٱعلم أنه لم يبتدع الناس بدعةً إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرةٌ فيها؛ فإن السنة إنما سنّها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق؛ فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم؛ فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وإنهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولىٰ، فإن كان الهُدَىٰ ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلِهم وَرَغِب بنفسه عنهم؛ فإنهم هم السابقون، قد تكلّموا فيه بما يكْفي ووصفوا ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من مجسر، وقد قصر قوم دونهم فَجَفَوْا، وطَمح عنهم أقوام فَغَلْوا وإنهم مع ذلك لَعَلىٰ هُدىً مستقيم. وذكر الحديث. وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَريُّ: عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمانٌ إذا ذكر إنسانٌ النبيّ صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في جميع أحواله ذَمّوه ونفروا عنه وتبرءوا منه وأذلّوه وأهانوه. قال سهل: إنما ظهرت البدعة على يدي أهل السنة لأنهم ظاهروهم وقاولوهم؛ فظهرت أقاويلهم وَفَشت في العامّة فَسمِعه من لم يكن يسمعه، فلو تركوهم ولم يكلموهم لمات كل واحد منهم على ما في صدره ولم يظهر منه شيء وحمله معه إلى قبره، وقال سهل: لا يُحدث أحدكم بدعةً حتى يُحدث له إبليس عبادة فيتعبّد بها ثم يُحدث له بدعة، فإذا نطق بالبدعة ودعا الناس إليها نزع منه تلك الْحَذْمة. قال سهل: لا أعلم حديثاً جاء في المبتدعة أشدّ من هذا الحديث: «حديث : حجب الله الجنة عن صاحب البدعة»تفسير : . قال: فاليهوديّ والنّصرانيّ أرْجىٰ منهم. قال سهل: من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان، ولا يخُلَون بالنسوان، ولا يخاصِمنّ أهل الأهواء. وقال أيضاً: ٱتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم. وفي مسند الدّارِمِي: أن أبا موسىٰ الأشعري جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفاً شيئاً أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا قال: فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيتُ في المسجد قوماً حِلقاً حِلَقاً جلوساً ينتظرون الصلاة؛ في كل حَلْقة رجل وفي أيديهم حَصىً فيقول لهم: كَبِّروا مائة؛ فيكبرون مائة. فيقول: هَلِّلُوا مائة؛ فيهلّلون مائة. ويقول: سبّحوا مائة؛ فيسبحون مائة. قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئاً؛ انتظارَ رأيك وانتظار أمرك. قال أفلا أمرتهم أن يَعُدّوا سيئاتهم وضَمِنت لهم ألا يضيع من حسناتهم. ثم مضى ومضينا معه حتى أتىٰ حَلْقة من تلك الحِلَق؛ فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبدالرحمن، حَصىً نعدّ به التكبير والتهليل (والتسبيح). قال: فعُدّوا سيئاتكم وأنا ضامن لكم ألاّ يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هَلْكَتكم. أو مُفْتَتِحِي باب ضلالة! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير. فقال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. وعن عمر بن عبد العزيز وسأله رجل عن شيء من أهل الأهواء والبدع؛ فقال: عليك بدين الأَعْراب والغلام في الكُتَّاب، وٱلْه عمّا سَوى ذلك. وقال الأوزاعي: قال إبليس لأوليائه مِن أي شيء تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل شيء. قال: فهل تأتونهم من قبل الاستغفار؟ قالوا: هيهات! ذلك شيء قُرِن بالتوحيد. قال: لأبثن فيهم شيئاً لا يستغفرون الله منه. قال: فَبثّ فيهم الأهواء. وقال مجاهد: ولا أدري أيّ النعمتين عليّ أعظم أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء. وقال الشعبي: إنما سُمُّوا أصحاب الأهواء لأنهم يَهْوَوْن في النار. كله عن الدارميّ. وسئل سهل بن عبد الله عن الصلاة خلف المعتزلة والنكاح منهم وتزويجهم فقال: لا، ولا كرامة! هم كفار، كيف يؤمن من يقول: القرآن مخلوق، ولا جنة مخلوقة ولا نار مخلوقة، ولا لله صراط ولا شفاعة، ولا أحد من المؤمنين يدخل النار ولا يخرج من النار من مذنبي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا عذاب القبر ولا منكر ولا نكير، ولا رؤية لربنا في الآخرة ولا زيادة، وأنّ علم الله مخلوق، ولا يرون السلطان ولا جمعة؛ ويكفرون من يؤمن بهذا. وقال الفُضيل بن عِياض: من أحبّ صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. وقد تقدّم هذا من كلامه وزيادة. وقال سفيان الثّوْرِي: البدعة أحبّ إلى إبليس من المعصية؛ المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وقال ابن عباس: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنّة وينهى! عن البدعة، عبادةٌ. وقال أبو العالية: عليكم بالأمر الأوّل الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا. قال عاصم الأحْول: فحدّثت به الحسن فقال: قد نصحك والله وصدقك. وقد مضى في «آل عمران» معنى قوله عليه السلام: «حديث : تفرّقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين فرقة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين»تفسير : . الحديث. وقد قال بعض العلماء العارفين: هذه الفرقة التي زادت في فرق أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم قوم يعادون العلماء ويبغضون الفقهاء، ولم يكن ذلك قطُّ في الأمم السالفة. وقد حديث : روى رافع بن خَديج أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكون في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى». قال فقلت: جُعلت فداك يا رسول اللهٰ كيف ذاك؟ قال: «يُقرُّون ببعض ويكفرون ببعض». قال قلت: جُعلت فداك يا رسول اللهٰ وكيف يقولون؟ قال: «يجعلون إبليس عدلاً لله في خلقه وقوته ورزقه ويقولون الخير من الله والشر من إبليس». قال: فيكفرون بالله ثم يقرءون على ذلك كتاب الله، فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة؟ قال: «فما تلقىٰ أمتي منهم من العداوة والبغضاء والجدال أولئك زنادقة هذه الأمة»تفسير : . وذكر الحديث. ومضىٰ في «النساء» وهذه السورة النّهْيُ عن مجالسة أهل البدع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم فقال: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} تفسير : [الأنعام: 68] الآية. ثم بين في سورة «النساء» وهي مدنية عقوبة من فعل ذلك وخالف ما أمر الله به فقال: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ} الآية. فألحق من جالسهم بهم. وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة وحكم بموجب هذه الآيات في مُجالس أهل البدع على المعاشرة والمخالطة منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وابن المبارك فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع قالوا: يُنْهى عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا أُلِحق بهم، يعنون في الحكم. وقد حمل عمر بن عبد العزيز الحدّ على مُجالِس شَرَبة الخمر، وتلا {أية : إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} تفسير : [النساء: 140]. قيل له: فإنه يقول إني أجالسهم لأباينهم وأرد عليهم. قال يُنْهى عن مجالستهم، فإن لم ينته أُلحِقْ بهم.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ تَعَالَوْاْ} أمر من التعالي وأصله أن يقوله من كان في علو لمن كان في سفل فاتسع فيه بالتعميم. {ٱتْلُ } أقرأ. {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} منصوب بأتل وما تحتمل الخبرية والمصدرية، ويجوز أن تكون استفهامية منصوبة بحرم والجملة مفعول {ٱتْلُ } لأنه بمعنى أقل، فكأنه قيل أتل أي شيء حرم ربكم {عَلَيْكُمْ } متعلق بـ {حَرَّمَ } أو {ٱتْلُ }. {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ } أي لا تشركوا به ليصح عطف الأمر عليه، ولا يمنعه تعليق الفعل المفسر بـ {مَا حَرَّمَ }، فإن التحريم باعتبار الأوامر يرجع إلى أضدادها ومن جعل أن ناصبة فمحلها النصب بعليكم على أنه للإِغراء، أو البدل من {مَا } أو من عائده المحذوف على أن لا زائدة والجر بتقدير اللام، أو الرفع على تقدير المتلو أن لا تشركوا أو المحرم أن تشركوا. {شَيْئاً } يحتمل المصدر والمفعول. {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } أي وأحسنوا بهما إحساناً وضعه موضع النهي عن الإِساءة إليهما للمبالغة وللدلالة على أن ترك الإِساءة في شأنهما غير كاف بخلاف غيرهما. {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ مّنْ إمْلَـٰقٍ } من أجل فقر ومن خشية. كقوله: {أية : خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ } تفسير : [الإسراء: 31] {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } منع لموجبية ما كانوا يفعلون لأجله واحتجاج عليه. {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ } كبائر الذنوب أو الزنا. {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } بدل منه وهو مثل قوله {ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ } {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } كالقود وقتل المرتد ورجم المحصن. {ذٰلِكُمْ } إشارة إلى ما ذكر مفصلاً. {وَصَّـٰكُمْ بِهِ } بحفظه. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ترشدون فإن كمال العقل هو الرشد.

ابن كثير

تفسير : قال داود الأودي عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات: { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلَـٰدَكُمْ مِّنْ إمْلَـٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة، قال: سمعت ابن عباس يقول: في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآيات، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. قلت: ورواه زهير وقيس بن الربيع، كلاهما عن أبي إسحاق عن عبد الله بن قيس عن ابن عباس به، والله أعلم. وروى الحاكم أيضاً في مستدركه، من حديث يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي إدريس عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيكم يبايعني على ثلاث؟» تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} حتى فرغ من الآيات، «حديث : فمن وفى، فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئاً، فأدركه الله به في الدنيا، كانت عقوبته، ومن أخر إلى الآخرة، فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه» تفسير : ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وإنما اتفقا على حديث الزهري عن أبي إدريس عن عبادة: «حديث : بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً»تفسير : الحديث. وقد روى سفيان بن حسين كلا الحديثين، فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما، والله أعلم. وأما تفسيرها، فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم {قُلْ} لهم: {تَعَالَوْاْ} أي: هلموا وأقبلوا {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} أي: أقص عليكم، وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقاً، لا تخرصاً ولا ظناً، بل وحياً منه، وأمراً من عنده {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} وكأن في الكلام محذوفاً دل عليه السياق، وتقديره: وأوصاكم {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} ولهذا قال في آخر الآية: {ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وكما قال الشاعر:شعر : حَجَّ وأَوْصى بسُلَيْمى الأَعْبُدا أَنْ لا تَرى ولا تُكَلِّمْ أَحَداً ولا يَزَلْ شرابُها مُبَرَّدا تفسير : وتقول العرب: أمرتك أن لا تقوم. وفي الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتاني جبريل، فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً من أمتك، دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، وإن شرب الخمر» تفسير : وفي بعض الروايات: أن قائل ذلك إنما هو أبو ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه عليه الصلاة والسلام قال في الثالثة: «حديث : وإن رغم أنف أبي ذر» تفسير : فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث: «حديث : وإن رغم أنف أبي ذر» تفسير : وفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول تعالى: يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني، فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة، أتيتك بقرابها مغفرة، ما لم تشرك بي شيئاً، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك» تفسير : ولهذا شاهد في القرآن، قال الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} وفي صحيح مسلم: عن ابن مسعود: «حديث : من مات لا يشرك بالله شيئاً، دخل الجنة» تفسير : والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جداً، وروى ابن مردويه: من حديث عبادة وأبي الدرداء: «حديث : لا تشركوا بالله شيئاً، وإن قطعتم أو صلبتم أو حرقتم»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثني سيار بن عبد الرحمن عن يزيد بن قوذر، عن سلمة بن شريح، عن عبادة بن الصامت، قال: أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع خصال: «حديث : ألا تشركوا بالله شيئاً وإن حرقتم وقطعتم وصلبتم»تفسير : رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: {وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا} أي: وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحساناً، أي: أن تحسنوا إليهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} تفسير : [الإسراء:23] وقرأ بعضهم: ووصّى ربُّك ألا تعبدوا إلا إيّاه وبالوالدين إحساناً أي: أحسنوا إليهم، والله تعالى كثيراً ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين؛ كما قال: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [لقمان: 14-15] فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىۤ إِسْرائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا} تفسير : [البقرة: 83] الآية، والآيات في هذا كثيرة. وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: «حديث : الصلاة على وقتها» تفسير : قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : بر الوالدين» تفسير : قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : الجهاد في سبيل الله»تفسير : ، قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني، وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت، كل منهما يقول: أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أطع والديك، وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا، فافعل» تفسير : ولكن في إسناديهما ضعف، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلَـٰدَكُمْ مِّنْ إمْلَـٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} لما أوصى تعالى بالوالدين والأجداد، عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد، فقال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلَـٰدَكُمْ مِّنْ إمْلَـٰقٍ} وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم؛ كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، ولهذا ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ قال: «حديث : أن تجعل لله نداً وهو خلقك» تفسير : قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» تفسير : قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : أن تزاني حليلة جارك» تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ}تفسير : [الفرقان: 68] الآية. وقوله تعالى: {مِّنْ إمْلَـٰقٍ} قال ابن عباس وقتادة والسدي وغيره: هو الفقر، أي: ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة الإسراء: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ}تفسير : [الإسراء: 31] أي: لا تقتلوهم خوفاً من الفقر في الآجل، ولهذا قال هناك {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} فبدأ برزقهم؛ للاهتمام بهم، أي: لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم، فهو على الله، وأما في هذه الآية، فلما كان الفقر حاصلاً، قال: {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} لأنه الأهم ههنا، والله أعلم، وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} كقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 33] وقد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: {أية : وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} تفسير : [الأنعام: 120]. وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» تفسير : وقال عبد الملك بن عمير عن ورّاد عن مولاه المغيرة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت مع امرأتي رجلاً، لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» تفسير : أخرجاه، وقال كامل أبو العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله إنا نغار، قال: «حديث : والله إني لأغار، والله أغير مني، ومن غيرته نهى عن الفواحش» تفسير : رواه ابن مردويه، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وهو على شرط الترمذي، فقد روي بهذا السند: «حديث : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} وهذا مما نص تبارك وتعالى على النهي عنه تأكيداً، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ فقد جاء في الصحيحين: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»تفسير : ، وفي لفظ لمسلم: «حديث : والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم» تفسير : وذكره، قال الأعمش: فحدثت به إبراهيم، فحدثني عن الأسود عن عائشة بمثله، وروى أبو داود والنسائي: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل رجلاً متعمداً فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض» تفسير : وهذا لفظ النسائي، وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال وهو محصور: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس» تفسير : فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلاً منه إذ هداني الله، ولا قتلت نفساً، فبم تقتلونني؟ رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد، وهو المستأمن من أهل الحرب، فروى البخاري: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً: «حديث : من قتل معاهداً، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً» تفسير : وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قتل معاهداً له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً» تفسير : رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حسن صحيح، وقوله: {ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: هذا مما وصاكم به لعلكم تعقلون عن الله أمره ونهيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ } ٱقْرَأْ {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أ} ن مفسرة {لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً و} أحسنوا {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَٰدَكُمْ } بالوأد {مِنْ } أجل {إمْلَٰقٍ } فقر تخافونه {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ } الكبائر كالزنى {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي علانيتها وسرّها {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } كالقَوَدِ وحدّ الردّة ورجم المحصن {ذٰلِكُمْ } المذكور {وَصَّٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } تتدبرون.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قُلْ تَعَالَوْاْ } أي تقدّموا. قال ابن الشجري: إن المأمور بالتقدّم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعداً، فقيل له تعال، أي ارفع شخصك بالقيام وتقدّم، واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي. وهكذا قال الزمخشري في الكشاف: إنه من الخاص الذي صار عاماً، وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم كثروا واتسع فيه حتى عمّ. قوله: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ } {أتل} جواب الأمر، و"ما" موصولة في محل نصب به، أي أتل الذين حرّمه ربكم عليكم. والمراد من تلاوة ما حرّم الله تلاوة الآيات المشتملة عليه، ويجوز أن تكون "ما" مصدرية، أي أتل تحريم ربكم. والمعنى: ما اشتمل على التحريم. قيل ويجوز أن تكون ما استفهامية أي أتل أي شيء حرّم ربكم، على جعل التلاوة بمعنى القول، وهو ضعيف جداً، و{عليكم} أن تعلق بـ {أتل}، فالمعنى: أتل عليكم الذي حرّم ربكم، وإن تعلق بـ {حرّم}، فالمعنى أتل الذي حرّم ربكم عليكم، وهذا أولى، لأن المقام مقام بيان ما هو محرّم عليكم لا مقام بيان ما هو محرّم مطلقاً وقيل: إن عليكم للإغراء ولا تعلق لها بما قبلها. والمعنى عليكم أن لا تشركوا إلى آخره، أي الزموا ذلك كقوله تعالى: {أية : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } تفسير : [المائدة: 105] وهو أضعف مما قبله، وأن في {أَن لا تُشْرِكُواْ} مفسرة لفعل التلاوة، وقال النحاس: يجوز أن تكون في موضع نصب بدلاً من "ما"، أي أتل عليكم تحريم الإشراك. وقيل: يجوز أن يكون في محل رفع بتقدير مبتدأ، أي المتلوّ أن لا تشركوا، و{شيئاً} مفعول أو مصدر أي لا تشركوا به شيئاً من الأشياء، أو شيئاً من الإشراك. قوله: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } أي أحسنوا بهما إحساناً، والإحسان إليهما البرّ بهما، وامتثال أمرهما ونهيهما. وقد تقدّم الكلام على هذا. قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ مّنْ إمْلَـٰقٍ } لما ذكر حق الوالدين على الأولاد، ذكر حق الأولاد على الوالدين، وهو أن لا يقتلوهم من أجل إملاق. والإملاق الفقر، فقد كانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكر والإناث خشية الإملاق، وتفعله بالإناث خاصة خشية العار، وحكى النقاش عن مؤرّج أن الإملاق الجوع بلغة لخم، وذكر منذر بن سعيد البلوطي: أن الإملاق الإنفاق. يقال أملق ماله: بمعنى أنفقه. والمعنى الأوّل هو الذي أطبق عليه أئمة اللغة، وأئمة التفسير ها هنا. {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ } أي المعاصي، ومنه {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } تفسير : [الإسراء: 32] وما في {مَا ظَهَرَ } بدل من الفواحش، وكذا ما بطن. والمراد بـ {ما ظهر}: ما أعلن به منها، و{ما بطن}: ما أسرّ. وقد تقدّم {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ } اللام في النفس للجنس، و {ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ } صفة للنفس، أي لا تقتلوا شيئاً من الأنفس التي حرّمها الله {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } أي إلا بما يوجبه الحق، والاستثناء مفرّغ، أي لا تقتلوه في حال من الأحوال إلا في حال الحق، أو لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، ومن الحق قتلها قصاصاً، وقتلها بسبب زنا المحصن، وقتلها بسبب الردّة، ونحو ذلك من الأسباب التي ورد الشرع بها، والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى ما تقدّم مما تلاه عليهم، وهو مبتدأ {وَوَصَاكم بِهِ } خبره: أي أمركم به، وأوجبه عليكم {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ } أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه إلا بالخصلة {ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } من غيرها، وهي ما فيه صلاحه وحفظه وتنميته، فيشمل كل وجه من الوجوه التي فيها نفع لليتيم وزيادة في ماله وقيل: المراد بالتي هي أحسن التجارة {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } أي إلى غاية هي أن يبلغ اليتيم أشدّه، فإن بلغ ذلك فادفعوا إليه ماله، كما قال تعالى: {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ } تفسير : [النساء: 6]. واختلف أهل العلم في الأشد، فقال أهل المدينة: بلوغه وإيناس رشده. وقال أبو حنيفة: خمس وعشرون سنة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو البلوغ. وقيل: إنه انتهاء الكهولة، ومنه قول سحيم الرباحي:شعر : أخو الخمسين مجتمع أشدي ويحديني مداورة الشؤون تفسير : والأولى في تحقيق بلوغ الأشد أنه البلوغ إلى سن التكليف مع إيناس الرشد، وهو أن يكون في تصرفاته بماله سالكاً مسلك العقلاء، لا مسلك أهل السفه والتبذير، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة النساء: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ ءانَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ } تفسير : [النساء: 6] فجعل بلوغ النكاح، وهو بلوغ سنّ التكليف مقيداً بإيناس الرشد، ولعله قد سبق هنالك كلام في هذا، والأشد واحد لا جمع له، وقيل: واحده شدّ كفلس وأفلس، وأصله من شدّ النهار، أي ارتفع. وقال سيبويه: واحده شدة. قال الجوهري: وهو حسن في المعنى، لأنه يقال بلغ الكلام شدته، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل. قوله: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ } أي بالعدل في الأخذ والإعطاء عند البيع والشراء {لاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } أي إلا طاقتها في كل تكليف من التكاليف، ومنه التكليف بإيفاء الكيل والوزن، فلا يخاطب المتولي لهما بما لا يمكن الاحتراز عنه في الزيادة والنقصان {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ } أي إذا قلتم بقول في خير أو شهادة، أو جرح أو تعديل، فاعدلوا فيه، وتحرّوا الصواب، ولا تتعصبوا في ذلك لقريب ولا على بعيد، ولا تميلوا إلى صديق، ولا على عدو، بل سوّوا بين الناس، فإن ذلك من العدل الذي أمر الله به، والضمير في {وَلَوْ كَانَ } راجع إلى ما يفيده {وإذا قلتم} فإنه لا بد للقول من مقول فيه، أو مقول له، أي ولو كان المقول فيه، أو المقول له {ذَا قُرْبَىٰ } أي صاحب قرابة لكم. وقيل إن المعنى: ولو كان الحق على مثل قراباتكم والأوّل أولى، ومثل هذه الآية قوله: {أية : وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ }تفسير : [النساء: 135]. قوله: {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ } أي أوفوا بكل عهد عهده الله إليكم، ومن جملة ما عهده إليكم، ما تلاه عليكم رسوله بأمره في هذا المقام، ويجوز أن يراد به كل عهد، ولو كان بين المخلوقين، لأن الله سبحانه لما أمر بالوفاء به في كثير من الآيات القرآنية كان ذلك مسوّغاً لإضافته إليه. والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى ما تقدّم ذكره {وَصَّـٰكُمْ بِهِ } أمركم به أمراً مؤكداً {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فتتعظون بذلك. قوله: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا } أن في موضع نصب، أي واتل أن هذا صراطي، قاله الفراء والكسائي. قال الفراء: ويجوز أن يكون خفضاً، أي وصاكم به، وبأن هذا. وقال الخليل وسيبويه: إن التقدير ولأن هذا صراطي مستقيماً، كما في قوله سبحانه: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ } تفسير : [الجن: 18] وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي "وَإِنَّ هَـٰذَا" بكسر الهمزة على الاستئناف، والتقدير: الذي ذكر في هذه الآيات صراطي. وقرأ ابن أبي إسحاق، ويعقوب "وَإِن هَـٰذَا صِرٰطِي" بالتخفيف على تقدير ضمير الشأن. وقرأ الأعمش "وَهَـٰذَا صِرٰطِي" وفي مصحف عبد الله بن مسعود "وَهَـٰذَا صِرٰطُ رَبُّكُـمْ" وفي مصحف أبيّ "وَهَـٰذَا صِرٰطُ رَبّكَ" والصراط: الطريق، وهو طريق الإسلام، ونصب مستقيماً على الحال، والمستقيم المستوي الذي لا اعوجاج فيه، ثم أمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع سائر السبل، أي الأديان المتباينة طرقها {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ } أي تميل بكم {عَن سَبِيلِهِ } أي عن سبيل الله المستقيم الذي هو دين الإسلام. قال ابن عطية: وهذه السبل تعمّ اليهودية والنصرانية والمجوسية، وسائر أهل الملل، وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد. والإشارة بـ {ذٰلِكُمْ } إلى ما تقدّم وهو مبتدأ وخبره {وَصَّـٰكُمْ بِهِ } أي أكد عليكم الوصية به {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ما نهاكم عنه. وقد أخرج الترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟"تفسير : ثم تلا: {قُلْ تَعَالَوْاْ } إلى ثلاث آيات، ثم قال: "حديث : فمن وفَّى بهنّ فأجره على الله ومن انتقص منهنّ شيئاً فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه»تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، وابن الضريس، وابن المنذر، عن كعب الأحبار قال: أوّل ما أنزل في التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } إلى آخرها. وأخرج أبو الشيخ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار قال: سمع كعب رجلاً يقرأ {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } فقال كعب: والذي نفس كعب بيده إنها لأول آية في التوراة: بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } إلى آخر الآيات انتهى. قلت: هي الوصايا العشر التي في التوراة، وأوّلها أنا الرب إلٰهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك إلٰه غيري. ومنها: أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلٰهك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور، لا تشته بنت قريبك، ولا تشته امرأة قريبك، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئاً مما لقريبك، فلعل مراد كعب الأحبار هذا، ولليهود بهذه الوصايا عناية عظيمة وقد كتبها أهل الزبور في آخر زبورهم. وأهل الإنجيل في أوّل إنجيلهم، وهي مكتوبة في لوحين، وقد تركنا منها ما يتعلق بالسبت. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ مّنْ إمْلَـٰقٍ } قال: من خشية الفاقة، قال: وكان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته مخافة الفاقة عليها والسبي {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } قال: سرّها وعلانيتها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ مّنْ إمْلَـٰقٍ } قال: خشية الفقر {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السرّ، ويستقبحونه في العلانية، فحرّم الله الزنا في السر والعلانية. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا } قال: اعلموا أن السبيل سبيل واحد، جماعه الهدى ومصيره الجنة، وأن إبليس اشترع سبلاً متفرقة، جماعه الضلالة ومصيرها النار. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبزار، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود، قال:خط رسول الله خطاً بيده ثم قال: «حديث : هذا سبيل الله مستقيماً"تفسير : ، ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط، وعن شماله، ثم قال: "حديث : وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"تفسير : ، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} وأخرج أحمد، وابن ماجه، وابن مردويه، من حديث جابر نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن مردويه، عن ابن مسعود أن رجلاً سأله: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمداً صلى الله عليه وسلم، في أدناه وطرفه الجنة، وعن يمينه جواد وعن شماله جواد، وثم رجال يدعون من مرّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ } قال: الضلالات.

ابن عطية

تفسير : هذا أمر من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوا جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله بشرع الإسلام المبعوث به إلى الأسود والأحمر، و {تعالوا} معناه أقبلوا، وأصله من العلو فكأن الدعاء لما كان أمراً من الداعي استعمل فيه ترفيع المدعو، وتعالى هو مطاوع عالى، إذ تفاعل هو مطاوع فاعل. و {أتل} معناه اسردوا نص من التلاوة التي يصح هي اتباع بعض الحروف بعضا، و {ما} نصب بقوله {أتل} وهي بمعنى الذي، وقال الزجّاج أن يكون قوله {أتل} معلقاً عن العمل و {ما} نصب بـ {حرم}. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قلق و {أن} في قوله {أن لا تشركوا} يصح أن تكون في موضع رفع الابتداء التقدير، الأمر أن أو ذلك أن، ويصح أن تكون في موضع نصب على البدل من {ما} قاله مكي وغيره. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والمعنى يبطله فتأمله، ويصح أن يكون مفعولاً من أجله التقدير إرادة أن لا تشركوا به شيئاً، إلا أن هذا التأويل يخرج أن لا تشركوا من المتلو ويجعله سبباً لتلاوة المحرمات، و {تشركوا} يصح أن يكون منصوباً بـ {أن}، ويتوجه أن يكون مجزوماً بالنهي وهو الصحيح في المعنى المقصود، و {أن} قد توصل بما نصبته، وقد توصل بالفعل المجزوم بالأمر والنهي، و {شيئاً} عام يراد به كل معبود من دون الله، و {إحساناً} نصب على المصدر وناصبه فعل مضمر من لفظه تقديره وأحسنوا بالوالدين إحساناً والمحرمات تنفك من هذه المذكورات بالمعنى وهي الإشراك والعقوق وقرب الفواحش وقتل النفس وقال كعب الأحبار: هذه الآيات مفتتح التوراة {بسم الله الرحمن الرحمن قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى آخر الآية، وقال ابن عباس هذه الآيات هي المحكمات التي ذكرها الله في سورة آل عمران اجتمعت عليها شرائع الخلق ولم تنسخ قط في ملة، وقد قيل إنها العشر الكلمات المنزلة على موسى، وإن اعترض من قال إن {تشركوا} منصوب بـ {أن} بعطف المجزومات عليه فلذلك موجود في كلام العرب، وأنشد الطبري حجة لذلك: [الرجز]. شعر : حج وأوصى بسليمى الأعْبُدا أن لا ترى ولا تكلمْ أحدا ولا يزلْ شرابُها مبرَّدا تفسير : وقوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم} الآية نهي عن عادة العرب في وأد البنات، والولد يعم الذكر والأنثى من البنين، و "الإملاق" الفقر وعدم المال، قاله ابن عباس وغيره، يقال أملق الرجل إذا افتقر. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: ويشبه أن يكون معناه أملق أي لم يبق له إلا الملق كما قالوا أترب إذا لم يبق له إلا التراب وأرمل إذا لم يبق له إلا الرمل، والملق الحجارة السود واحدته ملقة، وذكر منذر بن سعيد أن الإملاق الإنفاق، ويقال أملق بمعنى أنفقه، وذكر أن علياً قال لا مراة أملقي من مالك ما شئت وذكر النقاش عن محمد بن نعيم الترمذي أنه السرف في الإنفاق، وحكى أيضاً النقاش عن مؤرج أنه قال: الإملاق الجوع بلغة لخم. وقوله تعالى: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} نهي عام عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي، و"ظهر وبطن" حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء، وذهب بعض المفسرين إلى أن القصد بهذه الآية أشياء مخصصات، فقال السدي وابن عباس: {ما ظهر} هو زنا الحوانيت الشهير، و {ما بطن} هو متخذات الأخدان، وكانوا يستقبحون الشهير وحده فحرم الله الجميع، وقال مجاهد {ما ظهر} هو نكاح حلائل الآباء ونحو ذلك، و {ما بطن} هو الزنا إلى غير هذا من تخصيص لا تقوم عليه حجة، بل هو دعوى مجردة، وقوله تعالى: {ولا تقتلوا} الآية متضمنة تحريم قتل النفس المسلمة والمعاهدة، ومعنى الآية {إلا بالحق} الذي يوجب قتلها وقد بينته الشريعة وهو الكفر بالله وقتل النفس والزنا بعد الإحصان والحرابة وما تشعب من هذه، و {ذلكم} إشارة إلى هذه المحرمات، و "الوصية" الأمر المؤكد المقرر ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : أجدَّكَ لم تسمعْ وَصَاةَ محمَّدٍ نبيِّ الإلهِ حين أوصى وَأَشْهَدَا تفسير : وقوله {لعلكم} ترج بالإضافة إلينا أي من سمع هذه الوصية ترجى وقوع أثر العقل بعدها والميز بالمنافع والمضار في الدين.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أداء الحقوق وترك العقوق {إِمْلاقٍ} الفقر، أو الفلس من الملق، لأن المفلس يتملق للغني طمعاً في نَائِلِه. {الْفَوَاحِشَ} عموماً، أو خاص بالزنا فما ظهر ذوات الحوانيت وما بطن ذوات الاستسرار، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ، أو ما ظهر نكاح المحرمات وما بطن الزنا، أو ما ظهر الخمر وما بطن الزنا. {الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ} المسلم، أو المعاهد. {بِالْحَقِّ} كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {تذكرون} بتخفيف الذال حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد فحذفوا إحدى التاءين. الباقون: بالتشديد لأجل إدغام تاء التفعل في الذال {وأن هذا} بسكون النون. ابن عامر ويعقوب {وإن هذا} بكسر الهمزة وتشديد النون: حمزة وعلي وخلف، الباقون: {وأن} بالفتح والتشديد {صراطي} بفتح الياء: ابن عامر والأعشى والبرجمي {فتفرق} بتشديد التاء: البزي وابن فليح {أن يأتيهم} بالياء التحتانية وكذلك في النحل: علي وحمزة وخلف. الباقون: بالتاء الفوقانية. {فارقوا} وكذلك في الروم: حمزة وعلي الباقون {فرقوا} بالتشديد {عشر} بالتنوين {أمثالها} بالرفع: يعقوب. الباقون بالإضافة {ربي إلي} بفتح ياء المتكلم: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع، {قيماً} بكسر القاف وفتح الياء: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل. الباقون: بالعكس مع تشديد الباء. {محياي} بالسكون {مماتي} بالفتح: أبو جعفر ونافع. الباقون: بالعكس. {وأنا أوّل} بالمد: نافع وأبو جعفر. الوقوف: {شيئاً} ط للحذف أي وأحسنوا بالوالدين {إحساناً} ج لابتداء النهي مع احتمال العطف أي وأن لا تقتلوا، {من إملاق} ط. {وإياهم} ج للعطف مع العارض. {وما بطن} ط للفصل بين الحكمين المعظمين مع اتفاق الجملتين {بالحق} ط لانتهاء بيان الأحكام إلى توكيد الإيصاء للأحكام {تعقلون} ه {أشده} ج للفصل بين الحكمين {بالقسط} ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف {ذا قربى} ج لتناهي جواب "إذا" وتقدّم مفعول {أوفوا} {تذكرون} ه لمن قرأ {وإن هذا} بالكسر. {فاتبعوه} ج للفصل بين النقيضين معنى مع الاتفاق نظماً. {عن سبيله} ط {تتقون} ه {يؤمنون} ه {ترحمون} ه لا لأن التقدير فاتبعوه لئلا تقولوا {من قبلنا} ص. {لغافلين} ه لا للعطف {أهدى منهم} ج للفاء مع أن "قد" لتوكيد الابتداء. {ورحمة} ج للاستفهام مع الفاء {وصدف عنها} ط {يصدفون} ه {بعض آيات ربك} ط {خيراً} ط {منتظرون} ه {في شيء} ط {يفعلون} ه {أمثالها} ج لابتداء شرط آخر مع العطف {لا يظلمون} ه {مستقيم} ج لاحتمال أن {دينا} نصب على البدل من محل {إلى صراط} أو على الإغراء أي الزموا. {حنيفاً} ج لابتداء النفي مع اتحاد المعنى {المشركين} ه {العالمين} ه لا. {لا شريك له} ج {المسلمين} ه {كل شيء} ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار {إلا عليها} ج لتفصيل الأمرين على التهويل مع اتفاق الجملتين {أخرى} ج لأنّ "ثم" لترتيب الإخبار مع اتحاد المقصود {تختلفون} ه {آتاكم} ط {العقاب} ز للتفصيل بين تحذير وتبشير والوصل للعطف أوضح {رحيم} ه. التفسير: لما بين فساد ما يقوله الكفار في باب التحليل والتحريم أتبعه البيان الشافي في الباب فقال: {قل تعالوا} وهو من الخاص الذي صار عاماً لأن أصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه. و "ما" في قوله: {ما حرم} إما منصوب بفعل التلاوة أي أتل الذي حرمه ربكم فالعائد محذوف. وقوله: {عليكم} يكون متعلقاً بـ {أتل} أو بـ {حرم} وإما منصوب بـ {حرم} على أن "ما" استفهامية فلا راجع. والمعنى أقل أي شيء حرم لأن التلاوة نوع من القول وتقديم المفعول للتخصيص. فإن قيل: قوله {أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً} كالتفصيل لما أجمله في قوله: {ما حرم} فيلزم أن يكون ترك الشرك والإحسان إلى الوالدين محرماً. فالجواب أن المراد من التحريم البيان المضبوط، أو الكلام تم عند قوله: {ما حرم ربكم} ثم ابتدأ فقال: {عليكم أن لا تشركوا} أو "أن" مفسرة أي ذلك التحريم هو قوله: {لا تشركوا} وهذا في النواهي واضح، وأما الأوامر فيعلم بالقرينة أن التحريم راجع إلى أضدادها وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله. ولا يجوز أن يجعل "أن" ناصبة وإلا لزم عطف الطلب أعني الامر على الخبر. واعلم أنه سبحانه بيّن فرق المشركين في هذه السورة أحسن بيان، وذلك أن منهم من يجعل الأصنام شركاء لله تعالى فأشار إليهم بقوله: {أية : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة}تفسير : [الأنعام: 74] ومنهم عبدة الكواكب الذين أبطل قولهم بقوله: {أية : لا أحب الآفلين}تفسير : [الأنعام: 76] ومنهم القائلون بيزدان واهرمن ومنهم الذين يقولون الملائكة بنات الله والمسيح ابن الله وزيف معتقدهم بقوله: {أية : وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم}تفسير : [الأنعام: 100] ثم عمم النهي بقوله: {لا تشكروا به شيئاً} ثم حث على إحسان الوالدين وكفى به خصلة شريفة أن جعله تالياً لتوحيده. ثم أوجب رعاية حقوق الأولاد بعد رعاية حقوق الوالدين. ومعنى {من إملاق} أي من خوف الفقر كما صرح بذلك في الآية الأخرى {أية : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق}تفسير : [الإسراء: 31] كانوا يدفنون البنات أحياء بعضهم للغيرة وبعضهم لخوف الإملاق وهو السبب الغالب فلذلك أزيل الوهم بقوله: {نحن نرزقكم وإياهم} فكما يجب على الوالد الاتكال في رزق نفسه على الله فكذا القول في حال الولد، قال شمر: أملق لازم ومعتد. أملق الرجل إذا افتقر، وأملق الدهر ما عنده إذا أفسده. وإنما قال ههنا: {نحن نرزقكم وإياهم} وقال في سبحانه بالعكس لأن التقدير في الآية من إملاق بكم نحن نرزقكم وإياهم، وهناك زيدت الخشية التي تتعلق بالمستقبل فالتقدير خشية إملاق يقع بهم نحن نزرقهم وإياكم، ثم نهى عن قربان الفواحش كلها. ومعنى ما ظهر منها وما بطن كما مر في قوله: {أية : وذروا ظاهر الإثم وباطنه}تفسير : [الأنعام: 120] وفيه أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله تعالى وامتثال أمره ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس. ثم أفرز من جملة الفواحش قتل النفس المحرمة تنبيهاً على فظاعتها ولما نيط بها من الاستثناء وهو قوله {إلا بالحق} وذلك أن قتل النفس المحرمة قد يكون حقاً لجرم صدر عنها كما جاء في الحديث "حديث : لا يحل دم امرىءٍ مسلم إلا لإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق" تفسير : وينخرط في سلكه جزاء قاطع الطريق. والحاصل أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا لأمر منفصل. ثم لما بيّن النواهي الخمسة أتبعه الكلام الذي يقرب إلى القلوب القبول فقال: {ذلكم وصاكم} لما في لفظ التوصية من الرأفة والاستعطاف. ومعنى {لعلكم تعقلون} لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا. ثم ذكر أربعة أنواع أخر من التكاليف وذلك قوله: {ولا تقربوا مال اليتم إلا بالتي} أي بالخصلة أو الطريقة التي {هي أحسن} وهي السعي في تثميره وإنمائه ورعاية وجوه الغبطة لأجله كما مر في أول سورة النساء {حتى يبلغ أشده} أي احفظوا ماله إلى هذه الغاية أي أوان الاحتلام ولكن بشرط أن يؤنس منه الرشد. قال الفراء: واحد الأشد شدته في القياس ولم يسمع. وقال أبو الهيثم: الواحد شدّة كأنعم في نعمة، والشدّة القوّة ومنه قولهم: "بلغ الغلام شدّته" وقيل: إنه واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} بالعدل والسوية. وإيفاء الكيل إتمامه خلاف البخس. وقوله: {والميزان} أي الوزن بالميزان. فإن قيل: إيفاء الكيل والوزن هو عين القسط فما فائدة التكرار؟ قلنا: أمر الله المعطى بإيفاء إيتاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة. ثم قال: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} ليعلم أن الواجب هو القدر الممكن من العدالة والسوية لا التحقيق المؤدي إلى الحرج والعسر. فزعمت المعتزلة ههنا أن هذا القدر من التضييق حيث لم يجوزه الله تعالى فكيف يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه أو يخلق القدرة الموجبة للكفر والداعية المقتضية له ثم ينهاه عنه وعورض بالعلم والداعي كما تقدّم مراراً {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان} المقول له أو عليه {ذا قربى} حمله المفسرون على أداء الشهادة وعلى الأمر والنهي والأولى أن يحمل على الأقوال كلها ويدخل فيه قول الرجل في الدعاء إلى الدين. وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل مخلصاً عن الحشو ومبرأ عن النقص ومجرداً عن العصبية والجدال على مقتضى الهوى والتشهي، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا الحكاية الرواية والرسالة. وحكم الحاكم بحيث يستوي فيه بين القريب والبعيد ولا ينظر إلا إلى رضا الله، وختم الأوامر بقوله: {وبعهد الله أوفوا} كما قال: {أية : أوفوا بالعقود}تفسير : [المائدة: 1] ويندرج في هذه الخاتمة بالحقيقة جميع الأنواع المذكورة {وإن هذا صراطي} من قرأ بالفتح والتخفيف فبإعماله في ضمير الشأن والتقدير: تعالوا أتل ما حرم وأتل أنه هذا صراطي، وكذا فيمن قرأ بالتشديد وبالفتح إلا أن ضمير الشأن لا يقدر. وإن شئت جعلتها خفضاً متعلقاً بما قبله أي ذلكم وصاكم به وبأن هذا، أو بما بعده والتقدير وبأن هذا صراطي مستقيماً {فاتبعوه} ومن كسر فلأن التلاوة في معنى القول أو على الاستئناف والمعنى اتبعوا صراطي أنه مستقيم {ولا تتبعوا السبل} المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات {فتفرق بكم} الباء للتعدية أي فيفرقكم ذلك الأتباع {عن سبيله} المستقيم وهو دين الإسلام. وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل الرشد. ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية. فهذه الآية بالحقيقة إجمال لما في الآيتين المتقدمتين ولهذا ختمها بالتقوى التي هي ملاك العمل وخير الزاد وختم الأولى بقوله {لعلكم تعقلون} لأنها أمور ظاهرة جلية يكفي في تعقلها أدنى مسكة وعقل، وختم الثانية بقوله: {لعلكم تذكرون} لأن المذكور فيها أمور خفية تحتاج إلى التدبر والتذكر حتى يقف فيها على موضع الاعتدال. أو نقول: الأمور الخمسة المذكورة في الآية الأولى كلها عظام جسام وكانت الوصية بها من أبلغ الوصايا فختم الآية بما في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل الذي امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان، وأما المذكورة في الثانية فأشياء يقبح تعاطيها وارتكابها وكانت الوصية بها تجري مجرى الزجر والوعظ فختمها بقوله: {تذكرون} أي تتعظون بمواعظ الله تعالى. قوله: {ثم آتينا موسى الكتاب} معطوف على {وصاكم} فسئل كيف صح عطفه عليه بثم والإيتاء قبل الوصية بدهر طويل؟ وأجيب بأن التكاليف التسعة المذكورة تكاليف لا تختلف بحسب اختلاف الشرائع كما روي عن ابن عباس أن هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل: إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة. وأما الشرائع التي كانت التوراة مختصة بها فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك. وقيل: إن في الآية حذفاً تقديره: ثم قل يا محمد صلى الله عليه وآله إنا آتينا. والمعنى اتل ما أوحي إليك ثم اتل عيلهم خبر ما آتينا موسى. وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: {أية : ووهبنا له إسحق ويعقوب} تفسير : [الأنعام: 84] وقوله: {تماماً على الذي أحسن} مفعول له أي لتتم نعمتنا على الذي أحسن أي على من كان محسناً صالحاً، أو المراد إتمام للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وكل ما أمر به، أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته أي زيادة على علمه. وقرىء {أحسن} بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه {وتفصيلاً لكل شيء} فيدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وآله وصحة دينه وشرعه {وهدى} دلالة {ورحمة} لكي يؤمنوا بلقاء ما وعدهم ربهم به من ثواب وعقاب {وهذا كتاب أنزلناه} لا شك أنه القرآن {مبارك} كثير الخير والنفع أو ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين {فاتبعوه واتقوا} لكي ترحموا لأن الغرض من التقوى رحمة الله تعالى، أو اتقوا لترحموا جزاء على التقوى، أو اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة. قال الفراء قوله: {أن تقولوا} مفعول {واتقوا} وقال الكسائي: التقدير: إنا أنزلناه لئلا تقولوا. وقال البصريون: إنا أنزلناه كراهة أن تقولوا والخطاب لأهل مكة {إنما أنزل الكتاب} أي التوراة والإنجيل {على طائفتين من قبلنا} اليهود والنصارى {وإن كنا} هي المخففة من الثقيلة واللام في {لغافلين} هي الفارقة بينها وبين النافية والأصل وإنه كنا ومعنى الدراسة القراءة. وإنما قالوا: {لكنا أهدى منهم} لحدة أذهانهم وكثرة حفظهم لأيام العرب ووقائعها وخطبها وأشعارها وأمثالها مع كونهم أميين قطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم. ثم قال: {فقد جاءكم} أي إن صدقتم أن عدم إنزال الكتاب يصلح للعذر وأنه لو أنزل عليكم الكتاب لكنتم أهدى منهم فقد جاءكم {بينة من ربكم} فيما يعلم سمعاً {وهدى} فيما يعلم سمعاً وعقلاً {ورحمة} من الله في إصلاح المعاش والمعاد {فمن أظلم} بعد هذه المعجزات والبينات {ممن كذب بآيات الله وصدف عنها} أي منع غيره منها لأن الأول ضلال والثاني إضلال، ثم ختم الآية بأشد الوعيد وأبلغ التهديد ثم ذكر أنهم بعد نصب الأدلة وإزاحة العذر لا يؤمنون ألبتة، وشرح أحوالاً توجب المبادرة إلى الإيمان والتوبة فقال: {هل ينظرون} أي ينتظرون ومعنى الاستفهام النفي وتقدير الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا عند مجيء أحد هذه الأمور: مجيء الملائكة، أو مجيء الرب ويعني به عذابه وبأسه كما سلف في البقرة، أو مجيء المعجزات القاهرة. قال في الكشاف: الملائكة ملائكة الموت أو ملائكة العذاب ومجيء الرب مجيء كل آية، ثم قال: {يوم يأتي بعض آيات ربك} وأجمعوا على أن المراد بهذه الآية علامات القيامة. عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر أمر الساعة إذا أشرف النبي صلى الله عليه وآله فقال: "حديث : أتتذاكرون الساعة؟ إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفاً بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وناراً تخرج من عدن" تفسير : والمراد أنه إذا بدت أشراط الساعة ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، ولا نفساً ما كسبت في إيمانها خيراً. ثم أوعدهم بقوله {قل انتظروا إنا منتظرون} ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: {إن الذين فارقوا دينهم} أو فرقوا ومعنى القراءتين في الحقيقة واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وكفر ببعض فقد فارقه أي تركه. قال ابن عباس: يريد أن المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون إنهم بنات الله، وبعضهم يعبدون الأصنام ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فصاروا شيعاً أي فرقاً وإخواناً في الضلالة. والشيعة كل فرقة تشيع إماماً لها. وقال مجاهد وقتادة: هم اليهود والنصارى تفرقوا فرقاً وكفر بعضهم بعضاً وأخذوا بعضاً وتركوا بعضاً كقوله: {أية : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}تفسير : [البقرة: 85] وعن مجاهد أيضاً أنهم من هذه الأمة وهم أهل البدع والشبهات وفي الحديث "حديث : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية - وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة. وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في الهاوية إلا واحدة" تفسير : {لست منهم في شيء} أي إنك بعيد من أقوالهم ومذاهبهم والعقاب اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم لا يتعداهم إليك. وقال السدي: معناه لم تؤمر بقتالهم فلما أمر بقتالهم نسخ. ويحتمل أن يقال: إن النهي عن القتال في وقت لا ينافي الأمر في وقت آخر فلا نسخ {إنما أمرهم إلى الله} بالاستئصال والإهلاك {ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} وفيه من الوعيد ما فيه. وفي الآية حث على أن كلمة المسلمين يجب أن تكون واحدة ليستأهلوا الثواب الجزيل كما قال: {من جاء بالحسنة} هي لا إله إلا الله والسيئة الشرك. والأولى حملها على العموم {فله عشر أمثالها} أقام صفة الجنس المميز مقام الموصوف تقديره: عشر حسنات أمثالها كقراءة من قرأ {عشر أمثالها} بالرفع والتنوين، قيل: هذا أقل الموعود وقد وعد سبعمائة وبغير حساب. وقيل: ليس المراد التحديد بل أراد الأضعاف مطلقاً كقول القائل: لئن أسديت إليّ معروفاً لأكافئنك بعشرة أمثاله. وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشراً. روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله قال عن الله تعالى: "حديث : الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره" تفسير : وقال صلى الله عليه وآله يقول الله تعالى: "حديث : إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فسيئة" تفسير : {وهم لا يظلمون} أي لا ينقص من ثواب طاعاتهم ولا يزاد على عقاب سيآتهم. أسؤلة: ما الحكمة في الأضعاف؟ جوابه كان للأمم أعمار طويلة وطاعات كثيرة فوضع الله لهذه الأمة ليلة القدر خيراً من ألف شهر وأضعاف الأعمال {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}{أية : كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة}تفسير : [البقرة: 261] {أية : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}تفسير : [الزمر: 10] وأيضاً لو أن الخصماء يتعلقون بهم يوم القيامة فيذهبون بأعمالهم إلى أن تبقى الأضعاف فيقول الله أضعافهم ليست من فعلهم هي من رحمتي فلا أقتص منهم أبداً. آخر: كيف يوجب الكفر عقاب الأبد؟ جوابه أن الكافر كان على عزم الكفر لو عاش أبداً فاستحق العقاب الأبدي بناء على ذلك الاعتقاد بخلاف المسلم المذنب فإنه يكون على عزم الإقلاع فلا جرم تكون عقوبته منقطعة، وأيضاً الذي جهله الكافر وهو ذات القديم سبحانه وصفاته شيء لا نهاية له فيكون جهله لا يتناهى فكذا عقابه. آخر: إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلاً عن صيام ستين يوماً وهو في كفارة الظهار وتارة بدلاً عن صيام أيام قلائل. آخر: أحدث في رأس إنسان موضحتين فوجب أرشان فإن عاد ورفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ازدادت الجناية وقل العقاب. آخر: قد يجتمع بسبب أطراف تبان ولطائف تزال ديات متعددة إذا حصل الاندمال، وقد ترتقي إلى نيف وعشرين. الأذنان أو إبطال حسهما، العينان أو البصر، الأجفان، المارن، الشفتان، اللسان أو النطق، الأسنان، اللحيان، اليدان، الذكر والأنثيان، الحلمتان، الشفران، الإليتان، الرجلان، العقل، السمع، الشم، الصوت، الذوق، الإمناء أو الإحبال، إبطال لذة الجماع، إبطال لذة الطعام، الإفضاء، البطش، المشي. وقد تضاف إليها موجبات الجوائف والمواضح وسائر الشجات. فإن عاد الجاني قبل الاندمال وحز الرقبة أوقده بنصفين لم يجب إلاّ دية النفس، وكل ذلك يدل على أن رعاية المماثلة غير معتبرة في الشرع. والجواب عن الأسئلة الثلاثة أن هذه الأمور من تعبدات الشرع المطهر وتحكماته فلا سبيل بعقولنا إليها. ويمكن أن يجاب عن الثالث بأن بدل الأطراف لما لم يستقر بالاندمال دخل في دية النفس لعسر ضبط ذلك والجزاء الحقيقي موكول إلى يوم الجزاء والله أعلم. قال أهل السنة: كل الثواب تفضل من الله تعالى فلا إشكال. وقالت المعتزلة: إن بين الثواب والتفضل فرقاً لأن الثواب هو المنفعة المتسحقة والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة. ثم اختلفوا فقال الجبائي: العشرة تفضل والثواب غيرها إذ لو كان الواحد ثواباً والتسعة تفضلاً لزم أن يكون الثواب دون التفضل فلا يكون للتكليف فائدة. وقال آخرون: لا يبعد أن يكون الواحد ثواباًً إلا أنه يكون أعلى شأناً من التسعة الباقية. ثم لما علم رسوله صلى الله عليه وآله أنواع الدلائل والرد على أصناف المشركين وبالغ في تقرير إثبات القضاء والقدر وردّ على أهل الجاهلية أباطيلهم أمره بأن يقول: {إنني هداني ربي} ليعلم أن الهداية لا تحصل إلا بالله عز وجل. {وقيماً} "فيعل" من قام كسيد من ساد. ومن قرأ {قيماً} فعلى أنه مصدر بمعنى القيام كالصغر والكبر وصف به للمبالغة و {ملة إبراهيم} عطف بيان و{حنيفاً} حال من إبراهيم أو من الملة، والمعنى هداني وعرفني ملة إبراهيم حال كونه أو كونها موصوفاً بالحنيفية. ثم قال في صفة إبراهيم: {وما كان من المشركين} رداً على من زعم عليه شيئاً من ذلك. ثم كما عرفه الدين القويم والطريق المستقيم علمه كيف يصنع به ويؤديه فقال: {قل إن صلاتي ونسكي} أي عبادتي وتقربي إليه كما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة. وقيل: للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث. وقيل: المراد بالنسك ههنا الذبائح جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: {أية : فصل لربك وانحر}تفسير : [الكوثر: 2] وقيل: صلاتي وحجي أخذاً من مناسك الحج. {ومحياي ومماتي} أي حياتي وموتي مصدران ميميان. وقال في الكشاف: المراد وما آتيه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح. وفيه أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل لا بد أن يكون جيمع حركات المرء وسكناته لله رب العالمين {وبذلك} من الإخلاص {أمرت وأنا أول المسلمين} لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته. وقال في التفسير الكبير: إنه تعالى أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله تعالى وتقديره وقضائه، وحكمه وذلك أن المحيا والممات بخلق الله فكذا الصلاة والنسك وبذلك من التوحيد أمرت، ثم لما أمر نبيه بالتوحيد المحض أمره أن يذكر ما يجري مجرى الدليل عليه فقال: {قل أغير الله أبغي رباً} وتقريره أن طوائف المشركين من عبدة الأصنام والكواكب ومن اليهود والنصارى والوثنية كلهم معترفون بأن الله تعالى خالق الكل فكأنه سبحانه قال: قل يا محمد منكراً أغير الله أطلب رباً مع أن هؤلاء الذين اتخذوا من دونه آلهة مقرون بأنه خالق تلك الأشياء ولا يدخل في العقل جعل المربوب والعبد شريكاً للرب والمولى. وبوجه آخر الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، وقد ثبت أن الواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته فهو إذن رب كل شيء، وصريح العقل شاهد بأن المربوب لا يكون شريكاً للرب فلا يختص إذن بالربوبية غيره. ثم لما بين الدليل القاطع على التوحيد ذكر أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب فقال {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} ومعناه أن إثم الجاني عليه لا على غيره {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم نفس أخرى وهذا كالرد لقولهم:{أية : اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم}تفسير : [العنكبوت: 12] ثم بين أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم هناك إلا الله تعالى فقال: {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} ثم ختم السورة ببيان حال المبدإ والوسط والمعاد على سبيل الإجمال فقال {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} قيل: الخطاب لبني آدم لأنه جعلهم بحيث يخلف بعضهم بعضاً. وقيل: لأمة محمد صلى الله عليه وآله لأنه خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم، وقيل: لخواص الأمة الذين هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها بالحق كقوله:{أية : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس}تفسير : [ص: 26] {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} في الشرف والعقل والجاه والمال والرزق لا للعجز والبخل ولكن لأجل شبه الابتلاء والامتحان، ولظهور الموفر من المقصر وتميز المطيع من العاصي حسب ما تقتضيه الحكمة والعدالة والتدبير والتقدير. ثم وصف نفسه بالقدرة الكاملة على إيصال العقاب وإيفاء الثواب فقال {إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} فأدخل اللام في قرينة الترغيب وأسقطها عن قرينة الترهيب ترجيحاً لجانب الرحمة والغفران فإن اللطف والرحمة تفيض عنه بالذات والقهر والتعذيب يصدر عنه بالعرض لأن ذلك من ضروريات الملك ولهذا قال "سبقت رحمتي غضبي" وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت قريب. وإنما لم يسقط اللام عن قرينة العقاب في سورة الأعراف في قصة أصحاب السبت لأن ذلك قد ورد عقيب ذكر المسخ فناسب التأكيد باللام، وإنما أخر قرينة الرحمة في الموضعين ليقع ختم الكلام على المغفرة والرحمة فيكون أدل على كمال رأفته ووفور إحسانه. التأويل: {من إملاق} فيه ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله {وأوفوا الكيل} أوفوا بكيل العمر وميزان الشرع حقوق الربوبية واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الألوهية. {وبعهد الله أوفوا} بأن لا تعبدوا ولا تحبوا ولا تروا إلا إياه {وإن هذا صراطي مستقيماً} إشارة إلى أن الصراط المستقيم الحقيقي إلى الله تعالى هو صراط محمد صلى الله عليه وسلم {تماماً على الذي أحسن} أي على من أحسن من أمتك إسلامه. وفيه أن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء كانت تتمة للدين الحنيفي الذي هو الإسلام، ولهذا أمر بأن يقتدى بالأنبياء ليجمع بين هداه وهداهم. ويحتمل أن يراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وآله والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه {أنزلناه مبارك} وبركته أنه أنزل على قلبه فكان خلقه القرآن {فقد جاءكم بينة} ما يبين لكم طريق السير إلى الله ومهدي ما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاء في الكتابين {أية : ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}تفسير : [الأنعام: 59] {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة} عياناً وتسوقيهم إلى الله قهراً والجاء {أو يأتي ربك} إليهم إذ لم يأتوا إليه في متابعتك {قل انتظروا} للمستحيلات {إنا منتظرون} للميعاد في المعاد {إن الذين فارقوا} الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان {وكانوا شيعاً} فرقاً مختلفة من المبتدعة والزنادقة والمتزيدة رياء وسمعة وعلماء السوء وملحدة المتفلسفة {لست منهم في شيء} لأنك على الحق وهم على الباطل وبينهما تضاد إنما أمرهم إلى الله في بدء الخلقة وقسم الاستعداد كما شاء {ثم ينبئهم} يوم الجزاء بما يستحقه كل منهم {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} قبل ذلك حتى يقدر على الإتيان بتلك الحسنة وهي حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد حيث خلقه في أحسن تقويم، وحسنة التربية وحسنة الرزق وحسنة بعثة الرسل وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات من السيئات، وحسنة التوفيق للحسنة وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات {ومن جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها} لأن السيئة بذر يزرع في أرض النفس والنفس خبيثة لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يزرع في أرض القلب والقلب طيب {أية : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً}تفسير : [الأعراف: 58] والتحقيق أنه كما للأعداد ثلاث مراتب الآحاد والعشرات والمئات وبعد ذلك تكون الألوف إلى حيث لا يتناهى، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس والقلب والروح والسر. فالعمل الواحد في مرتبة النفس أي إذا صدر عنها يكون واحداً، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها، وفي مرتبة الروح يكون بمائة، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى، وهذا سر ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت جزاء الحسنات والله تعالى أعلم ورسوله. {قل إنني هداني ربي} من أسفل سافلين القالب بجذبه العناية الأزلية {ونسكي} أي سيري على منهاج "الصلاة معراج المؤمن" {ومحياي} أي حياة قلبي وروحي {ومماتي} أي موت نفسي لطلب {رب العالمين} والوصول إليه {وأنا أول} المستسلمين عند الإيجاد لأمر "كن" كما قال: "أول ما خلق الله نوري". {قل أغير الله} كيف أطلب غير الله وهو حبيبي والمحب لا يطلب إلا الحبيب وإذا هو رب كل شيء فيكون ما له لي، وإن طلبت غيره دونه يكون ذلك الغير علي لا لي كما قال {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} لأن النفس أمارة بالسوء والسوء عليها لا لها {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فإن كان القلب سليماً من كدورات صفات النفس باقياً على ما جبل عليه من حب الله تعالى وطلبه لا يؤاخذ بمعاملة النفس ولا يتألم بعذابها وإنما تكون النفس فقط مأخوذة بوزرها معاقبة بما هي أهله، وإن كان القلب منقلب الحال وأزاغه الله تعالى بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فتصدأ مرآة القلب بصفات النفس وأخلاقها فيتبع النفس وهواها فيزول عنه الصفاء والطهارة والسلامة والذكر والفكر والتوحيد والإيمان والتوكل والصدق والإخلاص ورعاية وظائف العبودية فيكون مأخوذاً بوزره لا بوزر غيره {وهو الذي جعل} كل واحد من بني آدم وقته خليفة ربه في الأرض. وسر الخلافة أن صوره على صفات نفسه حياً قيوماً سميعاً بصيراً عالماً قادراً مريداً متكلماً {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} في استعداد الخلافة {ليبلوكم} ليظهر من المتخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع القهقرى إلى صفات البهائم وأبطل الاستعداد للخلافة بالختم والطبع والحبس في سجين الطبيعة {لغفور رحيم} لمن وفقه لمرضاته ورفع درجاته الله حسبي.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً}: هذا أمر من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه ـــ عليه السلام ـــ أنْ يدعو جميع الخَلْق إلى سماع تلاوة ما حَرَّم اللَّه بشَرْع الإسلام المبعوثِ به إلى الأسود والأحمر، و {مَا} نصبَتْ بقوله: {ٱتْلُ}، وهي بمعنى «الَّذِي»، و «أنْ»، في قوله: {أَلاَّ تُشْرِكُواْ} في موضع رفع، التقدير: الأمر أنْ، أو ذَاكَ أنْ، وقال كعب الأحبار: هذه الآية هي مفتتحُ التوراة: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ...» إلى آخر الآيات، وقال ابن عباس: هذه الآيات هي المحْكَمَات المذْكُورة في آل عمران، ٱجتمعت عليها شرائعُ الخَلْقِ، ولم تنسخ قطُّ في ملة، وقد قيل: إنها العَشْر الكلمات المنزَّلة على موسَىٰ، والإملاق: الفَقْر وعدَمُ المال؛ قاله ابن عباس وغيره، قال القُشَيْريُّ: خوفُ الفقر قرينةُ الكفر، وحُسْنُ الثقةِ بالرَّبِّ سبحانه نتيجةُ الإِيمان. انتهى من «التحبير». وقوله سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، قال مجاهد: {ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: التجارة فيه، والأَشُدُّ هنا: الحَزْمُ والنظرُ في الأمور وحُسْنُ التصرُّف فيها، وليس هذا بالأَشُدِّ المقرونِ بالأربعين، بل هذا يكون مع صِغَر السِّنِّ في ناسٍ كثيرٍ. وقوله سبحانه: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ}: أمر بالاعتدال. وقوله سبحانه: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}: يقتضي أن هذه الأوامر إنما هِيَ فيما يقع تَحْتَ قُدْرة البَشَر من التحفُّظ والتحرُّز. وقوله تعالَىٰ: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ}: يتضمَّن الشهاداتِ والأحكامَ والتوسُّطَ بيْنَ الناسِ وغيْرَ ذلك، أي: ولو كان ميل الحقِّ علَىٰ قراباتكم. وقوله سبحانه: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ}: الإشارة بـ {هَـٰذَا} هي إلى الشرعِ الذي جَاءَ بِهِ نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال الطبريُّ: الإشارة هي إلى هذه الوصايا التي تقدَّمت مِنْ قوله: {قُلْ تَعَالَوْاْ}، وقال ابن مسعود: إن اللَّه سبحانه جَعَلَ طريقه صراطاً مستقيماً طرفه محمَّد صلى الله عليه وسلم وشرعه، ونهايتُه الجنَّة، وتتشعَّب منه طُرُقٌ، فمن سَلَك الجادَّة نجا، ومن خَرَج إلى تلْكَ الطرُقِ أفْضَتْ به إلى النَّار، وقال أيضاً: خطَّ لنا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْماً خطًّا، فَقَالَ: «حديث : هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» تفسير : ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ وَعَنْ شِمَالِهِ خُطُوطاً، فَقَالَ: «حديث : هَذِهِ سُبُلٌ عَلَىٰ كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إلَيْهَا»تفسير : ، ثم قرأ هذه الآية. قال * ع *: وهذه الآية تعمُّ أهل الأهواء والبِدَع والشُّذُوذ في الفُرُوع وغير ذلك من أهل التعمُّق في الجَدَلِ، والخَوْضِ في الكلامِ، هذه كلُّها عُرْضَة للزَّلَل، ومَظِنَّة السوء المعتقَدِ، و {لَعَلَّكُمْ} ترجٍّ بحسبنا، ومن حيث كانَتِ المحرَّمات الأوَلُ لا يقع فيها عاقلٌ قد نظر بعَقْله، جَاءَتِ العبارةُ: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، والمحرَّمات الأُخَرُ شهواتٌ، وقد يقع فيها من العقلاءِ مَنْ لم يتذكَّر، وركوبُ الجادَّة الكاملة يتضمَّن فعل الفضائلِ، وتلك درجةُ التقوَىٰ.

ابن عادل

تفسير : لما بيَّن - تبارك وتعالى - فَسَادَ قَوْل الكُفَّار: "إنَّ الله حرَّم علينا كَذَا وكَذَا" أردَفَه بِبَيَان الأشْيَاءِ التي حرَّمها عليهم. قال الزَّمَخْشَرِي: "تعال" من الخَاصِّ الذي صار عَامّاً، وأصله أن يقوله من كان في مكانٍ عال لِمَن هو أسْفل منه، ثم كَثُر وَعمَّ. قال القرطبي: "وقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ} أي: تقدَّمُوا واقْرَءُوا حقّاً يقيناً؛ كما أوْحَى إليَّ رَبِّي، لا ظنّاً ولا كَذِباً كما زعمتم، ثم بيَّن بعد ذلك فقال: {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً}، يقال للرِّجُل: تعال: أي: تقدّم: ويقال للمرأة: تعالي، ويقال للاثْنَتَيْن والاثْنَيْن: تَعَالَيَا، ولجماعة الرِّجَال: تعالَوْا, ولجماعة النِّسَاء: تَعَالَيْن؛ قال الله - تبارك وتعالى -: {أية : فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} تفسير : [الأحزاب:28]. وجعلوا التَّقَدُّم ضرباً من التَّعَاليِ والارتفاع؛ لأنَّ المأمُور بالتقدّم في أصْل وضْعِ هذا الفِعْل، كأنه كان قَاعِداً فقيل له تَعَالَ، أي: ارفع شخْصَك بالقِيَام وتقدم؛ ثم اتَّسَعُوا فيه حتى جَعَلُوه للوَاقِفِ والمَاشِي؛ قال الشَّجَريّ. قوله: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} في ["ما"] هذه ثلاثة أوجُه: أظهرها: أنها مَوْصُولةٌ بمعنى "الَّذِي" والعَائِد مَحْذُوفٌ، أي: الذي حَرَّمَه، والموْصُول في محلِّ نصْبٍ مَفْعُولاً به. الثاني: أن تكون مَصْدَريَّة، أي: أتْل تَحْريم ربِّكُم، ونفس التَّحْرِيم لا يُتْلَى، وإنما هو مَصْدرٌ واقعٌ موقع المَفْعُول به، أي: أتلُ مُحَرَّمَ ربِّكم الذي حرَّمه هو. والثالث: أنها استِفْهَاميَّة، في محلِّ نَصْبٍ بـ "حَرَّم" بعدها، وهي مُعَلقة لـ "أتْلُ" والتَّقْدير: أتْل أيَّ شَيْءٍ حَرّم ربكم، وهذا ضعيف؛ لأنَّه لا تُعَلَّقُ إلاَّ أفْعَال القُلُوب وما حُمِل عليها. فصل قال القرطبي: هذه الآية أمْرٌ من الله - تعالى - لنبِيِّه - عليه السلام - بأن يَدْعُوَ جميع الخَلْقِ إلى سَمَاعِ تِلاوَة ما حرَّم الله - تبارك وتعالى -, وهكذا يَجِب على من بَعْدَه من العُلَمَاء أن يبَلِّغُوا النَّاس، ويُبَيِّنُوا لهم ما حُرِّمَ عليهم مما أحِلَّ؛ قال - تعالى -: {أية : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} تفسير : [آل عمران:187]. قال الر‍َّبيع بين خيثم لجَلِيس له: "أيَسُرُّك أن تَقْرَأ في صَحِيفَةٍ من النَّبِي صلى الله عليه وسلم لم يُفَكَّ كِتَابُها؟ قال: نعم، قال: فاقْرَءُوا: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} إلى آخر الثَّلاث آيَاتٍ". قال كعبُ الأحْبَار: وهذه السُّورة مفتتح التَّوْرَاةِ: بسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآية الكريمة. وقال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: هذه الآيَاتُ المُحْكَمَاتُ التي ذكرها الله - تعالى - في سُورة "آل عمران" أجمعت عليها شرائِعُ الخَلْق، ولم تُنْسَخ قط في مِلَّةٍ، وقد قيل: إنَّها العَشْر كلمات المُنَزَّلة على مُوسَى - عليه الصلاة والسلام -. و "عليكم" فيه وجهان: أحدهما: أنه مُتَعَلِّق بـ "حَرَّم"؛ اخْتِيَار البَصْرِيِّين. والثاني: أنه متعلِّق بـ "أتْلُ"؛ وهو اختيار الكُوفيِّين، يعني: أن المسألة من باب الإعْمَال، وقد عَرَفْت ان اختيار البَصْريِّين إعمال الثَّاني واختيار الكوفيين إعْمَال الأوَّل. قوله: "ألاَّ تُشْركُوا" فيه أوجُه: أحدها: أنَّ "أنْ" تفسيرية؛ لأنَّه تَقَدَّمَها مَا هُو بمعنى القَوْل لا حُرُوفه، و "لا" هي نَاهِيَة، و "تُشْركُوا" مجزوم بها، وهذا وَجْهٌ ظاهرٌ، وهو اختيار الفراء قال: "ويجُوزُ أن يكون مَجْزوماً بـ "لاَ" على النَّهْي؛ كقولك: "أمَرْتُك ألا تذْهب إلى زَيْد" بالنَّصْب والجزم". ثم قال: والجَزْم في هذه الآية الكريمة أحبُّ إليَّ؛ كقوله - تبارك وتعالى - {أية : فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الأعراف:85] يعني: عَطْف هذه الجُمْلَة الأمْرِيَّة يُقَوِّي [أنَّ] ما قَبَلَها نَهْي؛ ليتناسَبَ طَرفَاً الكلام. وهو اخْتِيَار الزَّمَخْشَري أيضاً؛ فإنه قال: "وأنْ في "ألاَّ تُشْرِكُوا" مفسِّرة، و "لا" للنَّهِي" ثم قال بَعْد كلام: "فإن قُلْتَ:إذا جَعَلت "أن" مُفَسِّرة لفعل التِّلاوة، وهو مُعَلَّق بما حَرَّم ربُّكم، وجب أن يكُون ما بَعْدَه مَنْهِيَّا عنه محرّماً كُلُّهُ؛ كالشرك وما بَعْدَه مما دَخَل عليه حَرْف النَّهْي [فما تصنع] بالأوَامِرِ؟". قال شهاب الدِّين: "لَمَّا وَرَدَت هذه الأوَامِر مع النَّواهي، وتقدمَهُنَّ جميعاً فعل التَّحْريم، واشتركْنَ في الدُّخُول تحت حُكْمه، عُلِم أن التَّحْريم راجعٌ إلى أضْدَادِها، وهي الإسَاءَة إلى الوَالديْن، وبَخْسُ الكَيْل والمِيزَان، وتَرْكُ العَدْل في القَوْل، ونكْثُ العَهْد". قال أبو حيَّان - رضي الله عنه -: "وكون هذه الأشْيَاء اشتركت في الدُّخُول تحت حكم التَّحْريم، وكون التَّحْريم راجعاً إلى أضْدَاد الأوَامِر؛ بعيدٌ جدّاً، وإلغاز في التَّعَامِي، ولا ضَرُورَة تدْعُو إلى ذلك". قال شهاب الدين: "ما اسَتْبْعَدَهُ ليس بِبَعيد، وأين الإلْغَاز والتَّعَمِّي من هذا الكلامِ حتى يَرْمِيه به". قال ابن الخَطِيب: فإن قيل: قوله: {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} كالتَّفْصِيل لِما أجمله في قوله - تبارك وتعالى -: "ما حَرَّم" وذلك بَاطِلٌ؛ لأن تَرْكَ الشِّرْك والإحْسَان بالوالِدين واجبٌ لا مُحَرَّم. والجواب من وجوه: الأول: أن المُرَاد من التَّحْريم أن يَجْعَل له حريماً معيناً، وذلك بأن بَيِّنَه بَيَاناً مَضْبُوطاً معيَّناً؛ فقوله: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} معناه: أتْلُ عليكم ما بَيَّنَه بياناً شَافِياً؛ بحيث يجعل له حَرِيماً مضبوطاً مُعَيَّناً، وعلى هذا التَّقدير السُّؤال زائِلٌ. الثاني: أن الكلام تمَّ وانْقَطع عند قوله: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} ثم ابتدأ فقال: "عليكم ألا تشركوا". فإن قيل: فقوله: "وبالوالدين إحسانا" معطوف على قوله {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} [فوجب أن يكون قوله: "بالوالدين إحساناً" مفسِّراً لقوله: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}] فلزم أن يكون الإحسان بالوَالديْن حراماً؛ وهو باطل. قلنا: لما أوجب الإحْسَان إليهما، فقدَّم تحريم الإسَاءة إليها، والله - تعالى - أعْلَم. ثم قال أبو حيَّان: وأمَّا عطف هَذِهِ الأوامِرِ فيحتمل وجهين: أحدهما: أنها مَعْطُوفة لا على المَنَاهِي قبلها، فيلزم انْسِحَاب التّحْريم عليها؛ حيث كانت في حيِّز "أنْ" التَّفْسِيريَّة، بل هي معطُوفةٌ على قوله: {تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} أمرهم أوّلاً بأمر يترتَّبُ عليه ذِكْرُ مَناهٍ، ثم أمَرَهُم ثانياً بأوَامِر؛ وهذا مَعْنَى وَاضِح. والثاني: أن تكون الأوَامِر معْطُوفة على المَنَاهِي، وداخلة تحت "أنْ" التَّفْسِيريَّة، ويصِحُّ ذلك على تَقْدير محْذُوفٍ، تكون "أنْ" مُفسِرة له وللمَنْطُوق قبله الذي دَلَّ على حَذْفِه، والتَّقْدير: وما أمَرَكُم به، فحذف وما أمَرَكُم به لدِلالةِ ما حرَّم عليه؛ لأن مَعْنَى ما حرَّم ربكم: ما نَهَاكُم ربُّكم عنه، فالمعنى: تعالَوْا أتْل ما نَهَاكُم ربُّكم عنه وما أمَرَكُم به، وإذا كان التَّقْدير هكذا، صح أن تكُون "أن" تَفْسيريَّة لفِعْل النَّهْي، الدَّال عليه التَّحريم وفِعْل الأمْر المَحْذُوف، ألا ترى أنَّه يَجُوز أن تَقُول: أمرتُكَ ألا تكْرِم جَاهِلاً وأكرم عَالِماً" إذ يجوز أن يُعْطَف الأمْرُ على النَّهي والنَّهي على الأمر؛ كما قال: [الطويل] شعر : 2380- ................... يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ تفسير : وهذا لا نَعْلَم فيه خلافاً، بخلاف الجمل المُتَبايِنَة بالخَبَر والاستِفْهَام والإنْشَاء؛ فإن في جواز العَطْف فيها خِلافاً انتهى. الثاني: أن تكون "أنْ" نَاصِبَة للفْعِل بعدها، وهي وما في حَيِّزِهَا في محلِّ نَصْبٍ بدلاً من "مَا حَرَّم". الثالث: أنها النَّاصِبة أيضاً، وهي وما في حَيِّزها بدلٌ من العَائِد المحذُوف، إذا التَّقْدير: ما حَرَّمه، وهلي في المَعْنى كالذي قَبْلَه. و "لا" على هذين الوَجْهَيْن زائدة؛ لئلا يَفْسُد المعنى كزِيَادَتِها في قوله - تعالى -: {أية : أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف:12] و {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} تفسير : [الحديد:29] والتَّقْدير: حرّم ربُّكُم عليكم أن تُشْرِكوا. قال أبو حيَّان: "وهذا ضَعِيف؛ لانحصار عُمُوم المحرَّم في الإشْرَاك؛ إذ ما بعده من الأمْر ليس دَاخِلاً في المُحَرَّم، ولا ما بعد الأمر مما فيه لا يمكن ادّعَاء زِيَادة "لا" فيه؛ لظهور أنَّ "لاَ" فيه للنهْي"، ولما ذكر مكِّي كونها بَدَلاً من "مَا حَرَّم" [لم يُنَبّه على زيادة "لاَ" ولا بُدَّ منه. وقد مَنَع الزَّمَخْشَريُّ أن تكُون بدلاً من "مَا حَرَّمَ"] فقال: "فإن قُلْتَ: هلا قُلْت: هي الَّتِي تَنْصِب الفِعْل، وجعلت "ألاَّ تُشْرِكُوا" بدلاً من "ما حَرَّمَ". قلت: وجب أن يكُون: ألاَّ تُشْرِكُوا، و "لا تَقْرَبوا" و "لا تقْتُلوا" و "لا تَتّبِعُوا السُّبُلَ" نواهي؛ لانعطاف الأوَامِر عليها، وهي قوله - تعالى -: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}؛ لأن التقْدير: وأحْسِنُوا بالوالدين إحْسَاناً، وأوْفُوا وإذا قلتم فاعدلوا، وبعهد الله أوفوا. فإن قُلْت: فما تَصْنَع بقوله: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأنعام:153] فيمن قَرَأَ بالفَتْح؛ وإنما يستقيم عَطْفُه على "ألاَّ تُشْرِكُوا" إذا جعلْت "أنْ" هي النَّاصِبَة، حتى يكون المَعْنَى: أتْل عَلَيْكُم نَفْي الإشْرَاكِ، وأتل عَلَيْكم أنَّ هذا صِرَاطِي مستَقيماً؟ قلت: أجْعَلُ قوله: "وأنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقيماً" علَّةً للاتِّبَاع بتقدير اللام؛ كقوله {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً} تفسير : [الجن:18] بمعنى: ولأنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيماً فاتَّبِعُوه؛ والدليل عليه القِراءة بالكَسْرِ, كأنه قيل: واتَّبْعُوا صراطِي، لأنَّه مسْتَقِيمٌ، أو: واتِّبِعُوا صِرَاطي أنَّه مُسْتَقيم". واعترض عليه أبُو حيَّان بعد السُّؤال الأوّل وجوابه، وهو: "فإن قلت: "هلاَّ قُلْت هي النَّاصِبَة" إلى: "وبِعَهْد الله أوْفُوا" فقال: لا يَتَعَيِّنُ أن تكُون جِمِيع الأوَامِر معطُوفَة على ما دخل عليه "لا" لأنَّا بيَّنَّا جواز عَطْفِ "وبالوَالِدَيْن إحْساناً" على "تَعَالَوْا" وما بَعْدَه معطوف عليه، ولا يكون قوله: "وبالوَالِدَيْن إحْسَاناً" معطوفاً على "ألا تُشْرِكُوا". الرابع: أن تكون "أنْ" النَّاصِبة وما في حَيِّزها مَنْصُوبة على الإغْرَاء بـ "عَلَيْكُم"، ويكون الكلامُ الأوَّل قد تمَّ عند قوله: "رَبُّكُم"، ثم ابْتَدأ فقال: عَلَيْكُم ألاَّ تُشْرِكوا، أي: ألزَمُوا نفي الإشْراك وعدمه، وهذا - وإن كان ذَكَرَه جماعةٌ كما نقله ابن الأنْبَاريِّ - ضَعِيفٌ؛ لتفكك التركيب عن ظَاهِرهِ؛ ولأنه لا يَتَبَادَر إلى الذِّهْنِ. الخامس: أنها وما فِي حيِّزها في محلِّ نَصْبٍ أو جرٍّ على حَذْف لام العِلَّة، والتقدير: أتْلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم لِئَلاَّ تُشْرِكُوا، و [هذا] مَنْقُول عن أبِي إسْحَاق، إلا أن بَعْضَهم استَبْعَدَه من حَيْث إن ما بَعْدَه أمرٌ مَعْطُوف بالواو، ومناهٍ معطوفة بالواوِ أيضاً، فلا يُنَاسِب أن يكون تَبييناً لما حرَّم، أمَّا الأمْر فمن حيثُ المعنى، وأمّا المناهِي فمن حيثُ العَطْف. السادس: أن تكون هِي وما بَعْدَها في محلِّ نصب بإضْمَار فِعْل، تقديره: أُوصِيكم ألاَّ تُشْرِكُوا؛ لأن قوله {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} محمولٌ على أوصِيكُم بالوَالدَيْن إحْسَاناً، وهذا مذهب أبي إسْحَاق ايضاً. السابع: أن يكون "أنْ" وما في حيِّزها في مَوْضع رَفْع على أنها خَبَر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي: المُحَرَمُ ألاَّ تُشْرِكُوا، أو المَتْلُوُّ ألا تشركوا، إلا أن التَّقْدِير بنحو المَتْلُو أحْسَن؛ لأنه لا يُحْوِج إلى زِيَادة "لا"، والتقدير بالمحَرَّم ألاَّ تشركوا، يُحْوِج إلى زِيَادتِها لئلا يَفْسُد المَعْنَى. الثامن: أنها في مَحَلِّ رفْع أيضاً على الابْتِدَاء، والخبر الجَارُّ قبله، والتقدير: علَيْكُم عَدَمُ الإشراكِ، ويكون الوَقْفُ على قوله: "رَب‍ُّكم" كما تقدَّم في وجْه الإغْرَاءِ، هذا مذهب لأبي بَكْر بن الأنْبَاري؛ فإنه قال: "ويجُوز ان يكُون في مَوْضِع [رفع] بـ "على" كما تقول: "كُتِبَ عليكم الصيَام والحَجُّ". التاسع: أن يكون في مَوْضِع رفع بالفَاعِليَّة بالجَارِّ قبلها، وهو ظَاهِر قول ابن الأنْبارِيِّ المتقدِّم، والتقدير: استَقَرَّ عليكم عَدَم الإشْرِاك. وقد تحصَّلت في محلِّ "ألاَّ تُشْرِكُوا" على ثلاثة أوْجُه: الرَّفْع، والنَّصْب، والجرِّ: فالجَرُّ من وجْه واحدٍ، وهو أن يكُون على حَذْفِ حَرْف الجرِّ على مَذْهَب الخَلِيل والكسَائيّ، والرفع من ثلاثة أوْجُه، والنَّصْبُ من سِتَّة أوْجُه، فمجموع ذلك عَشَرة أوْجُه تقدم تَحْرِيرُها. و "شيئاً" فيه وجهان: أحدهما: أنه مَفْعُول به. والثاني: أنه مصدر، أي: إشْرَاكاً، أي: شَيْئاً من الإشْرَاكِ. وقوله: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تقدم تَحْرِيره في البقرة [الآية 83]. قوله - تعالى -: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} الإحْسَانُ إلى الوالِدَيْن: بِرُّهُما وحِفْظُهما، وإمْتِثَال أمرهما، وإزالة الرِّقِّ عَنْهُما، و "إحْسَانَا" نصْب على المصْدر، وناصِبُه فعل مُضْمَر من لَفْظِه، تقديره: وأحْسِنُوا بالوالدَيْن إحْسَاناً. قوله: "مِنْ إمْلاقٍ" "مِنْ" سَبَبِيَّة متعلِّقة بالفِعْل المَنْهِيِّ عنه، أي: "لا تَقْتُلوا أوْلادَكُم لأجْل الإمْلاقِ". والإملاق: الفَقْر في قول ابن عبَّاس. وقيل: الجوع بلغة "لخم"، نقله مؤرج. وقيل: الإسْرَاف، أمْلق أي: أسْرف نَفَقَتِه، قال محمد بن نعيم اليزيدي. وقيل: الإنْفَاق، أملق ماله أي: أنفقه، قاله المُنْذِر بن سَعِيد، والإملاق: الإفْسَاد أيضاً، قاله [شمر] قال: "وأمْلَقَ يكون قَاصِراً ومتعدِّياً، أملق الرَّجُل: إذا افْتَقَر فهذا قَاصِر, وأمْلَق ما عِنْدَه الدَّهْر، أي: أفْسَدَه" وأنشد النَّضْر بن شميل على ذلك قَوْل أوْسِ بن حَجَر: [الطويل] شعر : 2381- ولمَّا رَأيْتُ العُدْمَ قَيَّدَ نَائِلِي وَأمْلَقَ مَا عِنْدِي خُطُوبٌ تَنَبَّلُ تفسير : أي: تَذْهَب بالمَالِ، "تَنَبَّلَتْ بما عِنْدي": أي ذهبت به، معنى الآية الكريمة: لا تَقْتُلوا أولادكم خَشْيَة العَيْلَة. وفي هذه الآية الكريمة قال: {نحن نَرْزُقُكم وإيَّاهُم} فقدَّم المُخَاطبين، وفي "الإسراء": قدّم ضَمِير الأولاد عليهم: فقال: {أية : نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} تفسير : [الإسراء:31] فقيل: للتَّفَنُّنِ في البلاغة. وأحسن منه أن يقال: الظَّاهِر من قوله: "مِنْ إمْلاقٍ" حصُول الإمْلاق للوَالِد لا توقُّعُه وخشْيَتُه، فبُدِئ أوَّلاً بالعَدَةِ برزق الآبَاء؛ بشَارة لَهُم بزَوَال ما هُم فيه من الإمْلاق. وأمّا في آية "سبحان" [الإسراء:1] فظاهرها أنهم موسرون وإنما يخشون حُصُول الفَقْر؛ ولذلك قال: خَشْيَةَ إمْلاق، وإنما يُخْشَى الأمُور المُتَوَقَّعَة، [فبدأ فيها بِضَمَان رِزْقَِهم، فلا مَعْنَى لقتلكم إيَّاهم، فهذه الآية تُفِيد النَّهْي] للآباء عن قَتْل الأولاد، وإن كانوا مُتَلَبِّسِين بالفَقْر، والأخْرَى عن قَتْلِهم وإن كانوا مُوْسِرين، ولكن يَخَافُون وُقُوع الفَقْر، وإفادة معنى جَدِيدٍ أوْلى من ادِّعاء كون الآيَتَيْنِ معنى واحدٍ للتَّأكِيد. فصل في حكم العزل قال القرطبي: استدل بَعْضُهم بهذه الآية الكريمة على منع العَزْلِ؛ لأن قتل الأولادِ رفع للمَوْجُود، والعَزْل منعٌ لأصْل النَّسْل فتشابها, إلا أن قَتْل النَّفْس أعظمُ وِزْراً، وأقبحُ فِعْلاً، ولذلك قال بعض العلماء: إنه يُفْهم من قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا عَلَيْكُم في العَزْل الوَأد الخَفِيّ" تفسير : الكراهة لا التَّحْرِيم، وقال به جماعة من الصَّحابة وغيرهم، وقال بإبَاحَتِه أيضاً جماعة من الصَّحابة والتَّابعين والفُقَهاء؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا عَلَيْكُم ألاَّ تَفْعَلُوا فإنِّمَا هُو القَدَر" تفسير : أي: "ليس عَلَيْكُم جُنَاحٌ في ألا تَفْعَلُوا". وقال جابر: "كُنَّا نَعْزِل والقُرآن يَنْزِل لَوْ كَانَ شَيْء مَنْهِيٌّ عنه لَنَهانَا عَنْهُ القُرآن". [قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن} في محلِّ نصب بدَلاً من الفواحِشِ بدل اشْتمالَ]، أي: لا تقْرَبُوا ظاهِرهَا وباطنها؛ كقولك: ضَرْبتُ زَيْداً ما ظهر مِنه وما بَطَن، ويجوز أن تكُون "مَنْ" بدل البَعْض من الكُلِّ. و "منها" متعلِّقٌ بمَحْذُوف؛ لأنه حال من فاعل "ظَهَر", وحذف "منها" بعد قوله "بطن" لدلالة قوله "مِنْهَا" في الأوَّل عليه، قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: "كانوا يَكْرَهُون الزِّنَا علانية وسِرّاً". وقال الضَّحَّاك: "ما ظهر: الخمر، وما بطن الزنا" والأولى أن يُجْرَى النَّهْي على عُمُومه في جَمْيع الفواحِشِ، ظاهرها وباطنها، ولا يُخَص بنوع مُعَيَّن. قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ} الآية. فقوله: "إلاَّ بالحقِّ" في محلِّ نَصْب على الحالِ من فاعل "تَفْتُلُوا" أي: لا تَقْتُلُوها إلاَّ مُتَلَبِّسِين بالحق، ويَجُوز أن يكون وَصْفاً لمصدر مَحْذُوف، أي: إلاَّ قَتْلاً متلَبساً بالحقِّ، وهو أن يكون القَتْل للقِصَاصِ، أو للرِّدَّة أو للزنا بشرطة، كما جاء مبيناً في السُّنَّة. قال القرطبي: وتَارك الصَّلاة، ومَانِع الزَّكَاة، وقد قتل الصَّدِّيق مانع الزَّكَاة، وقال - تعالى -: {أية : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} تفسير : [التوبة:5]. قوله: "ولا تَقْتُلُوا" هذه شبيه بذكر الخاصِّ بعد العامِّ اعتناءً بِشَأنهِ؛ لأن الفَواحِش يَنْدَرج فيها قَتْل النَّفْس، فجرَّد منها هذا اسْتِفظَاعاً له وتَهْويلاً؛ ولأنَّه قد استَثْنَى منه في قوله: "إلاَّ بالحقِّ" ولو لم يَذْكر هذا الخَاصَّ، لم يَصِحَّ الاستِثْنَاء من عُمُوم الفَوَاحش، لو قيل في غَيْر القُرآن العظيم: "لا تَقْرَبُوا الفواحش إلا بالحقِّ" لم يكن شيئاً. قوله: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بهِ} في مَحَلِّه قولان: أحدهما: أنه مُبْتَدأ, والخبر الجُمْلَة الفِعْليَّة بعده. والثاني: أنه في محلِّ نصب بفعل مُقدَّر من مَعْنَى الفِعْل المتأخر عنه، وتكون المَسْألة من باب الاشْتِغَال، والتقدير: ألزَمَكُم أو كَلَّفَكُم ذلك، ويكون "وصَّاكُمْ بِهِ" مفسِّراً لهذا العَامِل المقدَّر؛ كقوله - تعالى -: {أية : وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيمَاً} تفسير : [الإنسان:31] ونَاسَب قوله هنا: "لَعَلَّكُم تَعْقِلُون" لأن العقل مَنَاط التَّكْليف والوَصيَّة بهذه الأشْيَاء المَذْكُورة.

البقاعي

تفسير : ولما أبطل دينهم كله أصولاً وفروعاً في التحريم والإشراك، وبين فساده بالدلائل النيرة، ناسب أن يخبرهم بالدين الحق مما حرمه الملك الذي له الخلق والأمر ومن غيره، فليس التحريم لأحد غيره فقال: {قل تعالوا} أي أقبلوا إليّ صاعدين من حضيض الجهل والتقليد وسوء المذهب إلى أوج العلم ومحاسن الأعمال؛ قال صاحب الكشاف: هو من الخاص الذي صار عاماً، يعني حتى صار يقوله الأسفل للأعلى {أتل} أي أقرأ، من التلاوة وهي اتباع بعض الحروف بعضاً. ولما كان القصد عموم كل أحد بالتلاوة وإنما خص المخاطبين بالذكر لاعتقادهم خلاف ذلك، وكان المحرم أهم، قدمه فقال: {ما حرم ربكم} أي المحسن إليكم بالتحليل والتحريم {عليكم} فسخطه منكم، وما وصاكم به إقداماً وإحطاماً فرضيه لكم من قبيلي الأصول والفروع؛ ثم فسر فعل التلاوة ناهياً عن الشرك، وما بعده من مضمون الأمر إنما عدي عنها، فقال: {ألا تشركوا به شيئاً} الآيات مرتباً جملها أحسن ترتيب، فبدأ بالتوحيد في صريح البراءة من الشرك إشارة إلى أن التخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل، فإن التقية بالحمية قبل الدواء، وقرن به البر لأنهما من باب شكر المنعم وتعظيماً لأمر العقوق، ثم أولاه القتل الذي هو أكبر الكبائر بعد الشرك، وبدأه بقتل الولد لأنه أفحشه وأفحش من مطلقه فعله خوف القلة، فلما وصى بأول واجب للمنعم الأول الموجد من العدم، أتبعه ما لأول منعم بعده بالتسبب في الوجود، فقال ناهياً عن الإساءة في صورة الأمر بالإحسان على أوكد وجه لما للنفوس من التهاون في حقهما، وكذا جميع المأمورات ساقها هذا السياق المفهم لأن أضدادها منهي عنها ليكون مأموراً بها منهياً عن أضدادها، فيكون ذلك أوكد لها وأضخم: {وبالوالدين} أي افعلوا بهما {إحساناً}. ولما أوصى بالسبب في الوجود، نهى عن التسبب في الإعدام وبدأ بأشده فقال: {ولا تقتلوا أولادكم} ولما كان النهي عاماً، وكان ربما وجب على الولد قتل، خص لبيان الجهة فقال: {من إملاق} أي من أجل فقر حاصل بكم، ثم علل ذلك، ولأجل أن الظاهر هو حصول الفقر قدم الآباء فقال: {نحن نرزقكم} بالخطاب، أي أيها الفقراء، ثم عطف عليه الأبناء فقال: {وإياهم} وظاهر قوله في الإسراء {أية : خشية إملاق} تفسير : [الإسراء: 31] أن الآباء موسرون ولكنهم يخشون من إطعام الأبناء الفقر، فبدأ بالأولاد فقال: "نحن نرزقهم" ثم عطف الآباء فقال "وإياكم" - نبه عليه أبو حيان. ولما كان قتلهم أفحش الفواحش بعد الشرك، أتبعه النهي عن مطلق الفواحش، وهي ما غلظت قباحته، وعظم أمرها بالنهي عن القربان فضلاً عن الغشيان فقال: {ولا تقربوا الفواحش} ثم أبدل منها تأكيداً للتعميم قوله: {ما ظهر منها} أي الفواحش {وما بطن} ثم صرح منها بمطلق القتل تعظيماً له بالتخصيص بعد التعميم فقال: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله} أي الملك الأعلى عليكم قتلها {إلا بالحق} أي الكامل، ولا يكون كاملاً إلا وهو كالشمس وضوحاً لا شبهة فيه، فصار قتل الولد منهياً عنه ثلاث مرات؛ ثم أكد المذكور بقوله: {ذلكم} أي الأمر العظيم في هذه المذكورات. ولما كانت هذه الأشياء شديدة على النفس، ختمها بما لا يقوله إلا المحب الشفوق ليتقبلها القلب فقال: {وصّاكم به} أمراً ونهياً؛ ولما كانت هذه الأشياء لعظيم خطرها وجلالة وقعها في النفوس لا تحتاج إلى مزيد فكر قال: {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا على رجاء من المشي على منهاج العقلاء، فعلم من ذكر الوصية أن هذه المذكورات هي الموصى بها والمحرمات أضدادها، فصار شأنها مؤكداً من وجهين: التصريح بالتوصية بها، والنهي عن أضدادها.

السيوطي

تفسير : أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتماً فليقرأ هؤلاء الآيات {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى قوله {لعلهم يتقون} . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمم "حديث : أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلا {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى ثلاث آيات، ثم قال فمن وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه " . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو عبيد وابن المنذر عن منذر الثوري قال: قال الربيع بن خيثم : أيسرك أن تلقى صحيفة من محمد صلى الله عليه وسلم بخاتم؟ قلت: نعم فقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة الأنعام {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى آخر الآيات . وأخرج ابن شيبة وابن الضريس وابن المنذر عن كعب قال: أول ما نزل من التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى آخرها. وأخرج أبو الشيخ عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار قال: سمع كعب رجلاً يقرأ {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً} فقال كعب: والذي نفس كعب بيده أنها لأوّل آية في التوراة، بسم الله الرحمن الرحيم {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى آخر الآيات . وأخرج ابن سعد عن مزاحم بن زفر قال: قال رجل للربيع بن خيثم: أوصني. قال: ائتني بصحيفة، فكتب فيها {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} الآيات. قال إنما أتيتك لتوصيني؟‍! قال: عليك بهولاء . وأخرج أبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن علي بن أبي طالب قال " حديث : لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج إلى منى وأنا معه وأبو بكر، وكان أبو بكر رجلاً نسابة، فوقف على منازلهم ومضاربهم بمنى، فسلم عليهم وردوا السلام، وكان في القوم مفروق بن عمرو، وهانىء بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروق، وكان مفروق قد غلب عليهم بياناً ولساناً، فالتفت إلى رسول الله صلى عليه وسلم فقال له: إلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ادعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واني رسول الله، وإن تأووني وتنصروني وتمنعوني حتى أؤدي حق الله الذي أمرني به، فإن قريشاً قد تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد. قال له: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً} إلى قوله {تتقون} فقال له مفروق: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن الله يأمر بالعدل والإِحسان} [النحل: 90] الآية. فقال له مفروق: دعوت ــ والله ــ يا قرشي إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك؟ وقال هانىء بن قبيصة: قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش، ويعجبني ما تكلمت به، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم تلبثوا إلا يسيراً حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ــ يعني أرض فارس وأنهار كسرى ــ ويفرشكم بناتهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال له النعمان بن شريك: اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش ــ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً} [الأحزاب: 45] الآيه. ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضاً على يد أبي بكر " . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} قال: من خشية الفاقة. قال: وكان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته مخافة الفاقة عليها والسبا {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} قال: سرها وعلانيتها . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} قال: خشية الفقر {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السر ويستقبحونه في العلانية، فحرَّم الله الزنا في السر والعلانية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها} قال: العلانية {وما بطن} قال: السر . وأخرج ابن أبي حاتم عن عمران بن حصين "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيتم الزاني والسارق وشارب الخمر ما تقولون فيهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هن فواحش وفيهن عقوبة ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حازم الرهاوي أنه سمع مولاه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " حديث : مسئلة الناس من الفواحش " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن جابر قال: بلغني من الفواحش التي نهى الله عنها في كتابه تزويج الرجل المرأة، فإذا نفضت له ولدها طلقها من غير ريبة . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها} قال: نكاح الأمهات والبنات {وما بطن} قال: الزنا . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها} قال: ظلم الناس {وما بطن} قال: الزنا والسرقة . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ولا تقتلوا النفس} يعني نفس المؤمن التي حرم الله قتلها إلا بالحق . وأخرج أحمد والنسائي وابن قانع والبغوي والطبراني وابن مردويه عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع "حديث : ألا إنما هي أربع: لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، فما أنا بأشح عليهن مني إذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} قال طلب التجارة فيه والربح منه . وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} قال: يبتغي لليتيم في ماله . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} قال: التي هي أحسن أن يأكل بالمعروف، إن افتقر وإن واستغنى فلا يأكل. قال الله {أية : ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} تفسير : [النساء: 6] فسئل عن الكسوة؟ فقال: لم يذكر الله كسوة وإنما ذكر الأكل. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة {ولا تقربوا مال اليتيم} قال: ليس له أن يلبس من ماله قلنسوه ولا عمامة ولكن يده مع يده . وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله {حتى يبلغ أشده} قال: الأشد الحلم إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن قيس في قوله {حتى يبلغ أشده} قال: خمس عشرة سنة. وأخرج أبو الشيخ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن. أنه كان يقول في هذه الآية: الأشد الحلم لقوله {أية : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح} تفسير : [النساء: 6] . وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: الأشد: الحلم . وأخرج ابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {أوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها} فقال: من أوفى على يديه في الكيل والميزان والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ، وذلك تأويل وسعها. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} يعني العدل {لا نكلف نفساً إلا وسعها} يعني إلا طاقتها . وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله {بالقسط} قال: بالعدل . وأخرج الترمذي وضعفه وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : يا معشر التجار إنكم قد وليتم أمراً هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم: المكيال والميزان " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما نقص قوم المكيال والميزان إلا سلط الله عليهم الجوع " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله {وإذا قلتم فاعدلوا} قال: قولوا الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} يعني ولو كان قرابتك فقل فيه الحق .

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}[151] ما ظهر منها ما نهى عن إتيانه بالجوارح الظاهرة، وما بطن يعني الإصرار عليه هو على ضربين: فواحد يأتي بمعصية ويبقى مصراً عليها مقيماً على إتيانها، وآخر مصرّ على المعصية لمحبتها في القلب، ولا يقدر أن يفعلها متى وجدها لضعف جوارحه، وهو على أن يفعلها، وهذا من أعظم الإصرار. وقال سهل: من أكل الحلال بالشهوة فهو مصرّ، ومن جاوز حاله إلى الغد ما لم يأت الغد فهو مصر. فسئل عن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين في التفكر فيما لا يعنيهم، فقال: يجوز عليهم الفعل بالجوارح حتى تابوا إلى الله تعالى عن ذلك، فكيف الفكرة. قيل له: هل للقلب من تعبد استعبده الله به دون الجوارح؟ فقال: نعم سكون القلب. قيل له: السكون هو الغرض أم العلم الذي به السكون؟ فقال: هو علم اسميه السكون، يجر ذلك السكون إلى اليقين، فالسكون مع اليقين فريضة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الآية: 151]. قال حارث المحاسبى: الفواحش ما أريد به غير الله. قال بعضهم: ما ظهر من الفواحش فى الأفعال هو الرياء، وما بطن منها الدعاوى الكاذبة.

القشيري

تفسير : هذه أشياء عشرة تضمنتها هذه الآية أولها الشِرْك فإنه رأس المحرمات، والذي لا يقبل معه شيءٌ من الطاعات، وينقسم ذلك إلى شِرك جَلِيٍّ وشِرْك خَفِيِّ؛ فالجَليُّ عبادةُ الأصنامِ، والخفيُّ ملاحظةُ الأنامِ، بعين استحقاق الإعظام. والثاني من هذه الخصال ترك العقوق، وتوقير الوالدين بحفظ ما يجب من أكيدات الحقوق. وبعد ذلك قتل الأولاد خشية الإملاق، وإراقة دمائهم بغير استحقاق. ثم ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما بدا وما استتر، ويدخل في ذلك جميع أقسام الآثام. ثم قتل النَّفس بغير الحق، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق. ثم مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم. ثم بذل الإنصاف في المعاملات والتوقي من جميع التبعات. ثم الصدق في القول والعدل في الفعل. ثم متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل. فَمَنْ قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناق سعد في داريه وحظي بعظائم منزلته.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} الفواحش عرائس الدنيا ما ظهر منها زينتها وخضرتها وما بطن فيها حب الرياسة والجاه قال المحاسبى الفواحش ما اريد بها غير الله قال بعضهم ما ظهر من الفواحش فى الافعال هو الوفاء وما بطن منها الدعاوى الكاذبة.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد لكفار مكة {تعالوا} امر من تعالى والاصل فيه ان يقوله من فى مكان عال لمن هو اسفل منه ثم اتسع فيه بالتعميم فتكلم به كل من تطلب ان يتقدم ويقبل اليه شخص سواء كان الطالب فى علو او سفل او غيرهما {اتل} جواب الامر اى اقرأ {ما حرم ربكم} اى الذى حرمه ربكم اى الآيات المشتملة عليه {عليكم} متعلق بحرم {ان} مفسرة {ألا} ناهية {تشركوا به} تعالى {شيئاً} من الاشياء فتقدير الكلام ذلك التحريم هو قوله لا تشركوا به شيئاً. اعلم ان هذه الآيات الثلاث الى قوله {أية : لعلكم تتقون} تفسير : [الأنعام: 153]. تشتمل على عشر خصال جامعة للخير كله لم ينسخهنّ شئ من جميع الكتب فهن محرمات على بنى آدم كلهم لم يختلفن باختلاف الامم والاعصار من عمل بهن دخل الجنة ومت تركهن دخل النار. اولاهن قوله {ألا تشركوا به شيئا} قدم الشرك لانه رأس المحرمات ولا يقبل الله تعالى معه شيئاً من الطاعات وهو ينقسم الى جلى وخفى فالجلى عبادة الاصنام والخفى رؤية الاغيار مع الله الواحد القهار شعر : تادم وحدت زدى حافظ شوريده حال خامه توحيد كش برورق اين وآن تفسير : {وبالوالدين احسانا} اى واحسنوا بهما احسانا اى لا تسيئوا اليهما لان المحرم هو الاساءة والامر بالشئ مستلزم للنهى عن ضده وكذا معنى اوفوا لا تبخسوا وانما وضع الامر موضع النهى للمبالغة فى ايجاب مراعاة حقوقهما فان مجرد ترك الاساءة غير كاف فى قضاء حقوقهما. وهذا هو الامر الثانى من الاحكام العشرة وانما ذكر بعد تحريم الشرك تحريم العقوق لان الوالدين سببان قريبان لوجوده كما ان الله تعالى موجده فالتقاعد عن اداء حقوقهما عقوق فهو اكبر الكبائر بعد الشرك. قال بعض الاولياء كنت فى تيه بنى اسرائيل فاذا رجل يماشينى فتعجبت منه والهمت انه الخضر فقلت له بحق الحق من انت قال انا اخوك الخضر قلت بأى وسيلة رأيتك قال ببرك امك شعر : جنت كه سراى مادرانست زير قدمات مادرانست تفسير : {ولا تقتلوا أولادكم} اى لا تدفنوا بناتكم حية {من املاق} من اجل فقر. والاملاق تفاد الزاد والنفقة يقال املق الرجل اذا نفد زاده ونفقته من الملق وهو بذل المجهود فى طلب المراد {نحن نرزقكم وإياهم} لا انتم فلا تخافوا الفقر بناء على عجزكم عن تحصيل الرزق. وهذا هو الحكم الثالث من الاحكام العشرة وانما حرم قتل الاولاد لما فيه من هدم بنيان الله وملعون من هدم بنيانه وفيه ابطال ثمرة شجرته ومحصوده وقطع نسله وترك التوكل فى امر الرزق يؤدى الى تكذيب الله تعالى لانه قال {أية : وما من دابة فى الارض إلا على الله رزقها} تفسير : [هود: 6] شعر : ما آبروى فقر وقناعت نمى بريم بايادشه بكوى كه روزى مقدرست تفسير : {ولا تقربوا الفواحش} اى الزنى وجىء بصيغة الجمع قصدا الى النهى عن انواعها ولذلك ابدل منها بدل اشتمال قوله {ما ظهر منها وما بطن} اى ما يفعل منها علانية فى الحوانيت كما هو دأب ارذالهم وما يفعل سرا باتخاذ الاخدان كما هو عادة اشرافهم. وهذا هو الحكم الرابع منها وتوجيه النهى الى قربانها للمبالغة فى النهى عنها ويدخل فى ذلك ما يبعده من الجنة ويدنيه من النار وهو ما ظهر وما يبعده من الحق ويحجبه عنه وان لم يحجبه عن الجنة ولم يبعده منها وهو ما بطن وايضا ما ظهر منها بالفعل وما بطن بالنية ومن الزنى زنى النظر شعر : اين نظر ازدور جون تيراست وسم عشقت افزون ميشود صبر توكم تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الشيطان من الرجل فى ثلاثة منازل فى عينيه وفى قلبه وفى ذكره وهو من المرأة فى ثلاثة منازل فى عينيها وفى قلبها وفى عجزها {ولا تقتلوا النفس التى حرم الله} اى حرم قتلها بان عصمها بالاسلام او بالعهد فيخرج منها الحربى {الا بالحق} استثناء مفرغ من اعم الاحوال اى لا تقتلوها فى حال من الاحوال الا حال ملابستكم بالحق الذى هو امر الشرع بقتلها وذلك بالكفر بعد الايمان والزنى بعد الاحصان وقتل النفس المعصومة. وهذا هو الحكم الخامس وفى القتل ترك تعظيم امر الحق وترك الشفقة على الخلق وهما ملاك الدين. والاشارة ان القتل الحق هو القتل فى طلب الحق والمقتول فى سبيل الله هو حى عند ربه. وعن ابى سعيد الخراز كنت بمكة فجزت يوما بباب بنى شيبة فرأيت شابا حسن الوجه ميتا فنظرت فى وجهه فتبسم فى وجهى وقال لى يا ابا سعيد اما علمت ان الاحباب احياء وان ماتوا وانما ينقلون من دار الى دار شعر : مشو بمرك زامداد اهل دل نوميد كه خواب مردم آكاه عين بيداريست تفسير : {ذلكم} اشارة الى ما ذكر من التكاليف الخمسة {وصٰكم به} اى امركم ربكم بحفظه امرا مؤكداً {لعلكم تعقلون} اى تستعملون عقولكم التى تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المذكورة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {تعالوا}: أمر من التعالي، وأصله: أن يقوله من كان في علو لمن كان في سفل، فاتسع فيه بالتعميم في كل أمر بالقدوم، و {ألاَّ تشركوا}: فيه تأويلات؛ أحدها: أن تكون مفسرة لا موضع لها، و {لا}: ناهية جزمت الفعل، أو تكون مصدرية في موضع رفع، أي: الأمر ألاَّ تشركوا، و {لا}: نافية حينئذٍ، أو بدل من {ما} و {لا}: زائدة، أو على حذف الإغراء، أي: عليكم إلا تشركوا. قال ابن جزي: والأحسن أن يكون ضَمَّنَ {حرَّم} معنى وَصَّى، وتكون {أن} مصدرية، و {لا} نافية، ولا تفسد المعنى؛ لأن الوصية في المعنى تكون بتحريم وتحليل وبوجوب وندب، ويدل على هذا قوله بعد ذلك: {ذلكم وصاكم به} ولا ينكر أن يريد بالتحريم ـ الوصية؛ لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص، وتريد به العموم، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص، فتقدير الكلام على هذا: قل تعالوا أتل ما وصاكم به ربكم، ثم أبدل منه، على وجه التفسير والبيان، فقال: ألاَّ تشركوا، ووصاكم بالإحسان بالوالدين، وهكذا.. فجمعت الوصية ترك الإشراك وفعل الإحسان بالوالدين، وما بعد ذلك. انظر بقية كلامه. وإنما قال الحق سبحانه: {من إملاق}، وقدّم الكاف في قوله {نرزقكم}، وفي الإسراء قال: {أية : خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ }تفسير : [الإِسرَاء:31]، وأخر الكاف؛ لأن ما هنا نزل في فقراء العرب، فكان الإملاق نازلاً بهم وحاصلاً لديهم، فلذلك قال: {من إملاق}، وقدم الخطاب لأنه أهم. وفي الإسراء نزلت في أغنيائهم، فكانوا يقتلون خوفًا من لحوق الفقر، لذلك قال: {خشية إملاق}، وقدم الغيبة فقال: {نحن نرزقهم}؛ حين نخلقهم وإياكم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم: {تعالَوا} أي: هلموا، {أتلُ} أي: أقرأ {ما حرم ربكم عليكم}، واجتمعت عليه الشرائع قبلكم، ولم يُنسخ قط في ملة من الملل، بل وصى به جميع الملل، و {ألاَّ تُشركوا به شيئًا} بل توحدوه وتعبدوه وحده، {و} أن تحسنوا {بالوالدين إحسانًا}، ولا تُسيئوا إليهما؛ لأن من أساء إليهما لم يحسن إليهما. {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} أي: من أجل الفقر الحاصل بكم، وكانت العرب تقتل أولادها خوفًا من الفقر فنزلت فيهم، فلا يفهم منه إباحة قتلهم لغيره، {نحن نرزقكم وإياهم}، فلا تهتموا بأمرهم حتى تقتلوهم. {ولا تقربوا الفواحش}؛ كبار الذنوب {ما ظهر منها} للناس {وما بَطَنَ} في خلوة، أو: ما ظهر منها على الجوارح، وما بطن في القلوب من العيوب، {ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق}؛ كالقود، وقتل المرتد، ورجم المحصن. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحلُّ دَمُ امرىءٍ مُسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ: زِنَىً بعد إحصَانٍ، وكُفرٍ بعد إيمَانٍ، وقَتل نَفسٍ بغيرِ نَفسٍ " تفسير : . {ذلكم} المتقدم، {وصّاكم به لعلكم تعقلون}، فتتدبرون فيما ينفعكم وما يضركم. {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي} بالخصلة التي {هي أحسن}؛ كحفظه وتثميره. والنهي عن القرب: يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة؛ لأنه إذا نهى عن القرب كان الأكل أولى، {حتى يبلغ أشده} وهو البلوغ مع الرشد، بحيث يعرف مصالح نفسه ويأمن عليه التبذير، فيدفع له، {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط}؛ بالعدل والتوفية، {لا نُكلِّف نفسًا إلا وسعها}؛ إلا ما يسعها ولا يعسر عليها، ولمَّا أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج ـ أمر بالوسع في ذلك وعفا عما سواه. {وإذا قلتم} في حكومة ونحوها، {فاعدلوا ولو كان} المقول له في شهادة أو حكومة {ذا قربى}؛ فيجب العدل في ذلك، {وبعهد الله أوفوا} أي: ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع، أو ما عاهدتم مع عباده، {ذلكم وصّاكم به لعلكم تذكرون}؛ تتعظون به. {وأنَّ هذا} أي: ما تقدم في السورة كلها، {صراطي مستقيمًا فاتبعوه}؛ لأن السورة بأسرها إنما هي في إثبات التوحيد، والنبوة، وبيان الشريعة، {ولا تتبعوا السُّبل}؛ الأديان المختلفة والطرق التابعة للهوى، فإن مقتضى الحجة واحد، ومقتضى الهوى متعدد؛ لاختلاف الطبائع والعادات، ولذلك تَفرقت. والمراد بالطرق: اليهودية والنصرانية وغيرهما من الأديان الباطلة، ويدخل فيه البدع والأهواء، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطًا، ثم قال: "حديث : هذا سبيل الله " تفسير : ، ثم خط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: "حديث : هذه سُبُلٌ، وعلى كُلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يَدعُو إليها "تفسير : . {ذلكم} الاتباع {وصّاكم به لعلكم تتقون} الضلال والتفرق عن الحق. وبالله التوفيق. الإشارة: قد وصّى الحقّ ـ جلّ جلاله ـ على التخلص من الشرك، جليه وخفيه، ولا يكون إلا بتحقيق الإخلاص والتوحيد الخاص. وهو مطلب الصوفية، وبالإحسان بالوالدين الروحانيين والبشريين، أي: والد الأرواح ـ وهو الشيخ المربي ـ ووالد الأشباح، ولا بد للمريد من طاعتهما، إلاَّ أنه يقدم طاعة الشيخ، كما تقدم عن الجنيد في ( سورة النساء). ووصى بعدم قتل الأولاد، وهم المواهب والعلوم بإهمال القلب في الغفلة، وعدم قرب الفواحش: الظاهرة الحسية، والباطنية القلبية؛ كالحسد، والكبر، وحب الجاه والدنيا، وسائر العيوب. وعدم قتل النفس بالانهماك في الهوى والغفلة حتى تموت بالجهل عن المعرفة. وعدم قرب مال اليتيم، وهو الذي ليس له شيخ، فإن الغالب عليه عدم المسامحة، وسيأتي عند قوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ أَرِنِيَ أَنظُرْ إِلَيْكَ }تفسير : [الأعرَاف:143]، إشارة لها أرق من هذه، وعلى التوفية في الأمور كلها؛ لأن الصوفي من أهل الصفاء والوفاء، وعلى الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال. وعلى الوفاء بالعهد، وأعظمها عهد الشيوخ المُربين، وعلى اتباع طريق السلوك الموصلة للحضرة وهي ما عينه الشيوخ للمريدين، فلا يتعدى نظرهم ولو لحظة. وبالله التوفيق. ولما ذكر ما وصى به هذه الأمة، ذكر ما وصى به بني إسرائيل، فقال: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ}.

الطوسي

تفسير : لما حكى الله تعالى عن هؤلاء القوم انهم حرموا ما لم يحرمه الله وأحلُّوا ما حرمه، قال لنبيه {قل} لهم {تعالوا} حتى أبيِّن لكم ما حرمه الله. و {تعالوا} معناه أدنوا، وهو مشتق من العلو، وتقديره كأن الداعي في المكان العالي، وان كانا في مستوى من الارض كما يقال للانسان: ارتفع الى صدر المجلس. وقوله {أتل} مشتق مْن التلاوة مثل القراءة. والمتلو مثل المقروء، فالمتلُّوا هو المقروء الاول، والتلاوة هي الثاني منه على طريق الاعادة، وهو مثل الحكاية والمحكي. وقوله {أتل} مجزوم بأنه جواب الامر، وعلامة الجزم فيه حذف الواو، ومن شأن الجازم أن يأخذ الحركة اذا كانت على الحرف، فان لم يكن هناك حركة أخذ نفس الحرف. وقوله {ما حرم ربكم} (ما) في موضع نصب بـ (أتل) وهي بمعنى الذي، وتقديره أتل الذي حرم ربكم عليكم: ان لا تشركوا به شيئا، ويجوز ان يكون نصبا بـ (حرَّم) وتقديره أي شيء حرم ربكم، لان (أتلو) بمنزلة أقول. وقوله {أن لا تشركوا به شيئا} يحتمل موضع (ان) ثلاثة اوجه من الاعراب: احدها - الرفع على تقدير ذلك ان لا تشركوا به شيئا. والثاني - النصب على تقدير أوصى ان لا تشركوا به شيئا. وقيل فيه وجه رابع - ان يكون نصبا بـ (حرَّم) وتكون (لا) زائدة، وتقديره حرم ربكم ان تشركوا به شيئا، كما قال {أية : ما منعك أن لا تسجد}تفسير : ونظائر ذلك قد قدمنا طرفا منها. وموضع تشركوا يحتمل امرين، احدهما - النصب بـ (ان). الثاني - الجزم بـ (لا) على النهي. وقال ابو جعفر (عليه السلام): ادنى الشرك الرياء. وقوله {وبالوالدين إحسانا} العامل فيه (أمر) أي امر بالوالدين إِحسانا، واوصى بالوالدين احسانا. ودليله من وجهين: احدهما - ان في (حرم كذا) معنى اوصى بتحريمه، وامر بتجنبه. الثاني {ذلكم وصاكم به} وقوله {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} عطف بالنهي على الخبر، لان قوله {ولا تقتلوا} نهي، وقوله اوصى ألا تشركوا به شيئا، وأوصى بالوالدين احسانا خبر، وجاز ذلك كما جاز في قوله {أية : قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين}تفسير : وقال الشاعر: شعر : حج وأوصى بسليمى الا عْبُدَ ان لا قرى ولا تكلم أحدا ولا تمش بفضاء بَعُدا ولا يزل شرابها مبردا تفسير : والاملاق: الافلاس من المال والزاد يقال: املق إِملاقا ومنه الملق لانه اجتهاد في تقرب المفلس للطمع في العطية. وقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن جريج والضحاك: الاملاق الفقر، نهاهم الله ان يقتلوا أولادهم خوفا من الفقر. وقال {نحن نرزقكم وإياهم} وقوله {ولا تقربوا الفواحش} نهي عن الفواحش وهي القبائح. وقيل: الفاحش العظيم القبح، والقبيح يقع على الصغير والكبير، لانه يقال القرد قبيح الصورة ولا يقال فاحش الصورة. وضد القبيح الحسن وليس كذلك الفاحش. قال الرماني ويدخل في الآية النهي عن الصغير، لان قرب الفاحش عمل الصغير من القبيح. وقوله {ما ظهر منها وما بطن} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس والضحاك والسدي: كانوا لا يرون بالزنا بأسا سرا، ويمنعون منه علانية، فنهى الله عنه في الحالتين. الثاني - لئلا يظن ويتوهم ان الاستبطان جائز. وقال ابو جعفر (عليه السلام) ما ظهر هو الزنا، وما بطن المخالَّة. وقيل معناه ما علن وما خفي يعني من جميع أنواع الفواحش وهو اعم فائدة. وقوله {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} فالنفس المحرم قتلها هي نفس المسلم والمعاهد دون الكافر الحربي، والحق الذي يستباح به قتل النفس المحرمة ثلاثة اشياء: قود بالنفس الحرام، والزنا بعد احصان، والكفر بعد الايمان. وقوله {ذلكم وصاكم به} خطاب لجميع الخلق {لعلكم تعقلون} معناه لكي تعقلوا عنه ما وصاكم به فتعملوا به.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} بعد عجزهم عن العلم واقامة البرهان والزامهم فساد تقليدهم لرؤسائهم {تَعَالَوْاْ} الىّ فانّى منصوب من الله {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} حتّى تقلّدونى تقليداً صحيحاً {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} اعراب اجزاء الآية انّ ما فيما حرّم مصدريّة او موصوفة او موصولة او استفهاميّة وعليكم ظرف متعلّق بحرّم او باتل او بهما او ابتداء كلام، وان فى ان لا تشركوا مصدريّة ولا نافية او ناهية والنّهى اوفق بما يأتى من عطف الامر عليه، وهو امّا بتقدير الّلام او خبر مبتدء محذوف اى المتلوّ او المحرّم ان لا تشركوا واذا قدّر المحرّم مبتدءً كان لا زائدةً او هو مفعول فعل محذوف، اى اعنى ان لا تشركوا او عليكم خبر مقدّم وان لا تشركوا مبتدء، او عليكم اسم فعل والاّ تشركوا منصوب به، او ان لا تشركوا مفعول اتل على ان يكون ما فى ما حرّم مصدريّة او هو بدل ممّا وابداله ممّا باعتبار حرمة الاشراك، او يكون لا زائدة او لفظة ان تفسيريّة والجملة تفسير لاتل او لحرّم وتفسيره لحرّم باعتبار الاشراك، او ان لا تشركوا مفعول لوصيّكم الله وهذا اوفق بقوله {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} وعلى الوجوه السّابقة فالتّقدير احسنوا بالوالدين وللاهتمام بالوالدين اسقط الفعل ايهاماً لعطفه على الجارّ والمجرور ليتوهّم انّ المعنى ان لا تشركوا بالوالدين احساناً، واتى بالمصدر للاشعار بانّ المقدّر احسنوا واتى به موضع لا تسيئوا فانّه الموافق لسابقه ولاحقه للدّلالة على الاهتمام بالاحسان اليهما وعدم الاكتفاء بترك الاساءة، والوالدان اعمّ من الصورىّ والرّوحانّى {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ} بالوءد وغيره {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} فلا تخشوا الفقر {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ} ما استقبحه العقل واستكرهه الشّرع {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} كالّتى شاعت وصارت سيرة بينكم، كنكاح زوجة الاب وعبادة الاصنام وغيرها من السّنن الرّذيلة الّتى لا يرتضيها العقل ولم - تثبت فى شريعةٍ آلهيّةٍٍ، والنّهى عن القرب مبالغة فى النّهى عن الفعل {وَمَا بَطَنَ} كالزّنا وكلّ ما لم يصر شائعاً وسيرة بينكم من المستقبحات العقليّة والشّرعيّة او المراد بما ظهر ما ظهر قبحه كالزّنا واللّواط لا ما ظهر ذاته كنكاح زوجة الاب وبما بطن ما بطن قبحه كنكاح زوجة الاب، او المراد بما ظهر ما ظهر منها على الاعضاء وبما بطن ما بطن فى النّفوس كالرّذائل النّفسانيّة والخطرات السّيّئة والخيالات الفاسدة والعقائد الكاذبة، او المراد بالفواحش الزّنا فقط اواعمّ منه وممّا كان مثله فى القبح فى الانظار كاللّواط وهذا اوفق بترتيب المعاصى كما لا يخفى على من تأمّل فى الفقرات الثّلاث، ولذا ورد تفسيرها فى الاخبار بالزّنا ومثله، اعلم، انّ ظلم الانسان وعصيانه امّا ظلم لنفسه او ظلم لغيره، وظلم الغير امّا مسرٍ الى ذات الغير او الى ماله، واعظم مراتب ظلم النّفس الزّنا، واعظم مراتب ظلم ذات الغير ازهاق روحه، واعظم مراتب ظلم مال الغير أخذ مال اليتيم عدواناً، وبالفقرات الثّلاث المصدّرة باداة النّهى اشار تعالى شأنه الى هذه الثّلاثة {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} ذكر خاصٍّ بعد العامّ للاهتمام به كما انّ ما سبق على ذكر الفواحش كان ذكر خاصٍّ قبل العامّ لذلك بناءً على تعميم الفواحش، وامّا اذا كان الفواحش خاصّة بالزّنا واللّواط كان ذكر قتل الاولاد مقدّماً على الكلّ، وعدم الاكتفاء بذكر قتل النّفس للاهتمام بوأد الاولاد وقتلهم وللتّشديد فى حرمته {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} قبحه وسوء عاقبته فتتركونه.

الحبري

تفسير : حَدَّثَنا عَلِيٌّ بنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَني الحِبَريُّ الحُسَيْنُ بنُ الحَكَم، قال: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْنِ عن عَمْر [و] بنِ ثَابِتٍ، عن أَبِيْهِ، عن: عَليٍّ بنِ الحُسَيْنِ، قالَ:{ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}. ما ظَهَرَ: نِكاحُ نِساءِ الأَبِ، وَما بَطَنَ: الزِّنا.

الهواري

تفسير : قوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} وهذا ما حرّم عليكم {أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ} وهو الوأد: دفنهم البنات أحياء مخافة الفاقة ومخافة السبي في تفسير بعضهم. وتفسير أول الآية عن الحسن. {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}. قال: {وَلاَ تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ} يعني الزنا {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} فما ظهر منها علانيتها وما بطن سريرتها. وقال الكلبي: ما ظهر منها السِّفاح، يعني الزنا الظاهر، وما بطن المخادنة؛ وكانوا يستقبحون السِّفاح ولا يرون بالمخادنة بأساً، فنهاهم الله عنهما جميعاً. قوله: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ}. ذكروا أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يحل دم امرىء إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً متعمداً تفسير : . وبعضهم يقول: والرابعة ما حكم الله من قتل الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله. وفيما يؤثر عن النبي عليه السلام أنه قال: حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم إلا بحقها تفسير : . فينبغي أن يتفهَّم الناس هذه النُّكتة: إلا بحقّها؛ وحقُّها ما وصفنا من رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً متعمداً، أو قاتل على البغي فقُتل عليه. قال: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا.

اطفيش

تفسير : {قُلْ تَعالوْا} أمر من التعالى وهو تفاعل للعلاج، وثلاثيه علا يعلو، وأصله أن يقوله من كان فى مكان عال لمن كان فى أسفل، أى عالج الصعود إليه، ثم استعمل لمطلق طلب الإتيان والحضور من أسفل إلى علوّ، أو من علو إلى أسفل، أو من أحد مستويين إلى الآخر، وأصل ذلك الأصل أن يقال: تعال عالج الصعود إلى مكان علىّ، سواء كان القائد فى المكان العالى المطلوب الصعود إليه أو فى غيره من عال، أو منخفض، ثم اعتبر لأن بقوله: من كان فى عال لمن أراده أن يصعد إليه، ثم فى طلب الإتيان مطلقا. ولام الكلمة فى تعالوا محذوف واو الجمع المذكورة فيه، قال كعب الأحبار: والذى نفس كعب بيده إن مفتتح التوراة {بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم عليكم ربكم} إلى آخر الآيات التى فيها ذكر التحريم، قال ابن عباس: اجتمعت الشرائع على هؤلاء الآيات ولم تنسخ قط، وقد قيل: إنه العشر الكلمات التى نزلت على موسى، وقال: من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. وعن ابن مسعود: من سره أن ينظر إلى الصحيفة التى عليها خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقرأ {قل تعالوا أتل} إلى قوله: {تتقون}. {أتْلُ ما حرَّم ربُّكم عليْكم} أتل مجزوم فى جواب الأمر بمعنى اقرأ وهو مضارع للمتكلم الذى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما اسم موصول، أى النوع الذى حرمه ربكم، أو نكرة موصوفة أى أشياء حرمها ربكم عليكم، أو مصدرية، أى أتلوا تحريم ربكم، والتحريم لا يتلى لأنه معنى فيقدر مضاف، أى ألفاظ التحريم، لأن المتلو ألفاظ القرآن الدالة على التحريم لا المحرمات أنفسها، ولذا لم أُأَوّل التحريم بالمحرمات كما فعل بعض العلماء، ويجوز أن تكون ما استفهامية مفعولا مقدما لحرَّم، وجملة حرم ربكم مفعول لأتلو، سوغ نصبه الجملة الاستفهام، أى أتلو أى شئ حرم ربكم عليكم، وعليكم يتعلق بحرم ويقدر مثله لأتل، أو أو يعلق بأتل ويقدر مثله لحرم. {ألاَّ تشْركوا به شيئاً} إن حرف تفسير، ويجوز أن تكون مصدرية عند من يجيز دخول المصدرية على النهى والأمر، ولا حرف نهى فيفسر نفس التحريم بنفس النهى عن الإشراك، والأمر فى قوله: {وبالوالدين إحساناً} معطوف على هذا النهى، فيكون مفسراً للتحريم، لكن باعتبار ضده، وهو الإساءة إلى الوالدين، فإنها هى المحرمة من حيث إن الأمر نهى عن تركه مضمونه، فإن معنى أحسنوا بالوالدين لا تتركوا الإحسان إليها إلى الإساءة ولا إلى حال ليست بإحسان، ولا بإساءة، ولذا لم أقل الأمر هنا نهى عن ضده الذى هو الإساءة، لإنه لم ينه عن الإساءة فقط، بل عن البقاء بلا إحسان، ومن جعل أن ناصبه ولا نافية جعل عليكم اسم فعل ناصبا لقوله: {ألا تشركوا} أى الزموا عدم الإشراك، فيكون مبتدأ تفسير التحريم من قوله: {عليكم} فيكون عطف الأوامر والمناهى بعد على عليكم. ويجوز أن تكون لا صلة للتأكيد، والمصدر بدل مما أو من عائدها المحذوف، أى حرمه أو على التحريم على أنها مصدرية، ويجوز بقاء لا على النفى، ويقدر لام الجر والتعليم، أى لئلا تشركوا وتعلق بأتل، ويجوز تعليقه لحرم، ويجوز إبقاؤها على النفى، ويكون ذلك خبر المحذوف، أى المتلو ألاَّ تشركوا، أيجوز أيضا على جعل لا ناهية عند مجيز الإخبار بالنهى، وإدخال أن المصدرية على النهى، ويجوز جعل لا صلة للتأكيد، ويقدر المبتدأ هكذا: المحرم أن تشركوا، وشيئا مفعول به، أى ألا تشركوا بالله صنما ولا شيطانا ولا غيرهما، أو مفعول مطلق أى لا تشركوا به إشراكاً، ويجوز تقدير وبالوالدين إحساناً إخباراً، أى وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً فيجعل ألا تشركوا غير نهى فيعطف عليه، ودخل فى الإشراك الرياء، فمن رائى أحداً فقد أشركه بالله تعالى. {وبالوَالديْن إحْساناً} وأحسنوا بالوالدين إحساناً أو وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً، فإحساناً مصدر نائب عن فعله فى الوجه الأول، ومصدر مؤكد على الثانى، فالوجه الثانى تخريج على القول بجواز حذف عامل المصدر المؤكد، أتبع حق الوالدين حق الله لأنهما سبب وجود الإنسان ومربياه بحفظ وشفقة. {ولا تقْتلُوا أوْلادكُم من إمْلاقٍ} من فقر، وقيل: جوع، ومن للتعليل متعلق بتقتلوا، ويقدر مضاف أى من خشية إملاق، كما قال فى الآية الأخرى: {خشية إملاق} وظاهر الآية عموم الأولاد، والمنقول أنهم يقتلون الإناث، وذكر فى الآية الأخرى أنهم إما أن يمسكوا الإناث على هون أو يدسوهن فى التراب، فلعل القتل للإملاق يقع فى أولادهم الذكور والإناث، وزادت أولادهم الإناث بأنهم يقتلونهن لدمامتهن، أو خوف عيب يلحقهم بهن أو غير ذلك مما مر، وقال الله فى قتل الإناث من الأولاد: {أية : وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت}. تفسير : {نحْنُ نرزقُكُم وإيَّاهُم} رد الله عليهم السبب الذى يقتلون أولادهم به وهو خوف الفقر، نحن نرزقكم بأن الله جل وعلا يرزقهم ويرزق أولادهم، تكفل برزق الجميع، وجعل لكم منهم رزقا على حدة، وليس الرزق لهم فقط فشاركهم أولادهم فيه، وما على الوالد من رزق ولده شئ، بل تربيته والمحافظة عليه والتسبب، قال القشيرى: خوف الفقر قرينة الكفر، وحسن الثقة بالرب سبحانه وتعالى نتيجة الإيمان. {ولا تقْربُوا الفَواحِشَ} كبار الذنوب أو الزنى، والأول أولى لعمومه، يدخل فيه الزنى الذى قيل: هو سبب النزول، ولا يمنع خصوص لسبب النزول تعميم اللفظ، إذ كانوا يكرهون الزنى علانية، ولا يرون به بأسا إذا كان سراً فحرمه الله كله، أو كل الكبائر ما كان علانية وما كان سراً فقال: {ما ظَهَر منها وما بَطَن} وترك المعصية ظاهرا فقط عابدة للمخلوق لا للخالق، كفعل العبادة ظاهراً فقط، وقال الضحاك: ما ظهر الخمر وما بطن الزنى، ولعله تمثيل لما يظهر وما يبطن، لا تخصيص، والأولى التعميم كما علمت، ونسب القول بأن ما بطن الزنى سراً بالمخادنة، وما بطن الزنى ظاهراً إلى ابن عباس الكلبى، والنهى عن القرب من فعل أبلغ من النهى عن فعله، وما بدل من الفواحش به لا مطابق باعتبار ما عطف عليه، وذلك على أن المراد بما ظهر وما بطن نفس الفواحش، وإن أريد جزاء كل فاحشة ظهرت، وجزاء كل فاحشة بطنت، وإذا نهى على الجزاء نهى عن الكل بالأولى، فيكون نهى عن للكل مرتين: مرة بالتصريح ومرة بالإفهام، وإن أريد بما ظهر منها وما بطن أحوالها وسائلها فبدل اشتمال. {ولا تقْتلُوا النَّفس التى حَرَّم الله إلا بالحقِّ} إلا مقترنين بالحق فى قتلها، أو إلا قتلا مقترنا بالحق فى قتلها، كقتلها قصاصا، وقتل المرتد، ورجم المحصن، وقتل الباغى، وقتل النفس داخل فى الفواحش، وخص بالذكر إعظاماً له، وليصح الاستثناء منه لما كان بالحق، إذ لا حق فى الفواحش يستثنى، وخص ذكر الأولاد قبل هذا العموم، لأن قتل الإنسان ولده أفظع قتل، لأنه أيضا قطع رحم أشد قربا، ولأنه لا ذنب إذ هو غير مكلف، ولأنه ضعيف لا ناصر له لضعفه، ولكون قاتله هو أشد الناس اتصالا به، وأشدهم موالاة لأمره، ومخاطبة به، كذا ظهر لى، وإن قلت: كيف يستثنى ما كان قتله حقا مما كان قتله قد حرمه الله؟ قلت: وجهه أن الله حرم قتل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن كان هكذا حرم قتله، إلا أن يأتى بما يحق به قتله كما قال ابن مسعود رضى الله عنه عن رسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، وقتل النفس التى حرم الله، والارتداد " تفسير : {ذَلكُم} أى ما ذكر من النهى عن الإشراك وقتل الأولاد وغيرهم، وقرب الفواحش، والأمر بالإحسان للوالدين {وصَّاكُم به} أمركم به أمراً عظيما، التوصية أعظم من الأمر، لأنها أمر تضمن أمر محافظة، فإما أن يكون ما مر من الأمر والنهى وصية، ولا نعلم من مجرد اللفظ أنه وصية، فأخبرنا الله بهذا أنه أمرنا به توصية، وإما أن يكون غير وصية، ولكن إنشاء الإيصاء بقوله: {وصاكم به} وإنما أن يكون سمى ما أكل به الكلام كله أيضا، لأنه أكله بذكر: قل وتعالوا وأتل وحرم وربكم وعليكم، وأكد لا تشركوا به شيئا نكرة فى سياق النفى إذ لم تذكر معرفة وأحسنوا بـ "إحساناً" وناب عنه، أو تحسنوا بإحسانا، وأكد {لا تقتلوا أولادكم من إملاق} بنحن نرزقكم وإياهم، والزجر عن الفواحش بلا تقربوا، وبما ظهر منها وما بطن، والزجر عن قتل النفس بقوله: {حرم الله} إذ لو قيل يعدلون ولا تشركوا به، وأحسنوا بالوالدين، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، ولا تفحشوا ولا تقتلوا النفس إلا بالحق لكفى، ومعنى التوصية بما أمر به ونهى عنه التوصية بالمحافظة عليهما بفعل المأمور به، واجتناب المنهى عنه. {لعلَّكم تعْقِلُون} لتفهموا ما فى ما وصاكم به من المصالح ودفع المضار، أو ليكمل عقلكم الغرزى بالاكتساب، أو لترشدوا وتخرجوا عن حد السفه أو لتتدبروا.

الالوسي

تفسير : {قُلْ تَعَالَوْاْ} أمر له صلى الله عليه وسلم بعد ما ظهر بطلان ما ادعوا أن يبين لهم من المحرمات ما يقتضي الحال بيانه على الأسلوب الحكيم إيذاناً بأن حقهم الاجتناب عن هذه المحرمات، وأما الأطعمة المحرمة فقد بينت فيما تقدم، و (تعال) أمر من التعالي والأصل فيه أن يقوله من هو في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم اتسع فيه بالتعميم واستعمل استعمال المقيد في المطلق مجازاً، ويحتمل هنا ـ كما قيل ـ أن يكون على الأصل تعريضاً لهم بأنهم في حضيض الجهل ولو سمعوا ما يقال لهم ترقوا إلى ذروة العلم وقنة العز. وقوله سبحانه: {ٱتْلُ} جواب الأمر أي أن تأتوني أتل، و (ما) في قوله تعالى: {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} إما موصولة والعائد محذوف أي أقرأ الذي حرمه ربكم أي الآيات المشتملة عليه أو مصدرية أي تحريمه، والمراد الآية الدالة عليه، وهي في الاحتمالين في موضع نصب على المفعولية لأتل، وجوز أن تكون استفهامية فهي في موضع نصب على المفعولية لحرم، والجملة مفعول {ٱتْلُ} لأن التلاوة ومن باب القول فيصح أن تعمل في الجملة بناءً على المذهب الكوفي من أنه تحكي الجملة بكل ما تضمن معنى القول وغيرهم يقدر في ذلك قائلاً ونحوه. والمعنى هنا على الاستفهام تعالوا أقل لكم وأبين جواب أي شيء حرم ربكم، وقوله تعالى: {عَلَيْكُمْ} متعلق على / كل حال بحرم، وجوز أن يتعلق بأتل ورجح الأول بأنه أنسب بمقام الاعتناء بإيجاب الانتهاء عن المحرمات المذكورة، وهو السر في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم، ولا يضر في ذلك كون المتلو محرماً على الكل كما لا يخفى. {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} أي من الإشراك أو شيئاً من الأشياء فشيئاً يحتمل المصدرية والمفعولية؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في إعراب (أن لا). وبدأ سبحانه بأمر الشرك لأنه أعظم المحرمات وأكبر الكبائر {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ} أي أحسنوا بهما {إِحْسَـٰناً} كاملاً لا إساءة معه. وعن ابن عباس يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب فلا يغلظ لهما في الجواب ولا يحد النظر إليهما ولا يرفع صوته عليهما بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي سيده تذللاً لهما، وثنى الله تعالى بهذا التكليف لأن نعمة الوالدين أعظم النعم على العبد بعد نعمة الله تعالى لأن المؤثر الحقيقي في وجود الإنسان هو الله عز وجل والمؤثر في الظاهر هو الأبوان. وعقب سبحانه التكليف المتعلق بالوالدين بالتكليف المتعلق بالأولاد لكمال المناسبة فقال سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُمْ } بالوأد {مِّنْ إمْلَـٰقٍ} من أجل فقر أو من خشيته كما في قوله سبحانه: {أية : خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ}تفسير : [الإسراء: 31] وقيل: الخطاب في كل آية لصنف وليس خطاباً واحداً فالمخاطب بقوله سبحانه: {مّنْ إمْلَـٰقٍ} من ابتلي بالفقر وبقوله تعالى: {خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ} من لا فقر له ولكن يخشى وقوعه في المستقبل، ولهذا قدم رزقهم هٰهنا في قوله عز وجل {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } وقدم رزق أولادهم في مقام الخشية فقيل: { أية : نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } تفسير : [الإسراء: 31] وهو كلام حسن. وأياً ما كان فجملة {نَحْنُ} الخ استئناف مسوق لتعليل النهي وإبطال سببية ما اتخذوه سبباً لمباشرة المنهي عنه وضمان منه تعالى لإرزاقهم أي نحن نرزق الفريقين لا أنتم فلا تقدموا على ما نهيتم عنه لذلك. {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ} أي الزنا، والجمع إما للمبالغة أو باعتبار تعدد من يصدر عنه أو للقصد إلى النهي عن الأنواع ولذا أبدل منها قوله سبحانه: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} أي ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أراذلهم وما يفعل سراً باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم، وروي ذلك عن ابن عباس والضحاك والسدي، وقيل: المراد بها المعاصي كلها. وفي المراد ـ بما ظهر منها وما بطن ـ على هذا أقوال تقدمت الإشارة إليها واختار ذلك الإمام وجماعة، ورجح بعض المحققين الأول بأنه الأوفق بنظم المتعاطفات، ووجه توسيط هذا النهي بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن القتل مطلقاً عليه باعتبار أن الفواحش بهذا المعنى مع كونها في نفسها جناية عظيمة في حكم قتل الأولاد فإن أولاد الزنا في حكم الأموات. وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في حق العزل: «ذاك وأد خفي» وعلى القول الآخر لا يظهر وجه توسيط هذا العام بين أفراده ويكون توسيطه بين النهيين من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه، وتعليق النهي بقربانها إما للمبالغة في الزجر عنها لقوة الدواعي إليها وإما لأن قربانها داع إلى مباشرتها. {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ} أي حرم قتلها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد فيخرج الحربـي ويدخل الذمّي، فما روي عن ابن جبير من كون المراد بالنفس المذكورة النفس المؤمنة ليس في محله {إِلاَّ بِٱلْحَقّ} استثناء / مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق الذي هو أمر الشرع بقتلها، وذلك كما ورد في الخبر « حديث : بالكفر بعد الإيمان والزنا بعد الإحصان وقتل النفس المعصومة » تفسير : أو من أعم الأسباب أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق وهو ما في الخبر أو من أعم المصادر أي لا تقتلوها قتلاً إلا قتلاً كائناً بالحق وهو القتل بأحد المذكورات. {ذٰلِكُمْ } أي ما ذكر من التكاليف الخمسة الجليلة الشأن من بين التكاليف الشرعية {وَصَّـٰكُمْ بِهِ } أي طلبه منكم طلباً مؤكداً. والجملة الاسمية استئناف جىء به تجديداً للعهد وتأكيداً لإيجاب المحافظة على ما كلفوه. وقال الإمام: «جيء بها لتقريب القبول إلى القلب لما فيها من اللطف والرحمة» {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي تستعملون عقولكم التي تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المحرمة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي للانتقال من إبطال تحريم ما ادّعوا تحريمه من لحوم الأنعام، إلى دعوتهم لمعرفة المحرّمات، التي علمُها حقّ وهو أحقّ بأنْ يعلموه ممّا اختلقوا من افترائهم وموّهوا بجدلهم. والمناسبة لهذا الانتقال ظاهرة فالمقام مقامُ تعليم وإرشاد، ولذلك ابتدىء بأمر الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بفعل القول استرعاء للأسماع كما تقدّم آنفاً. وعُقّب بفعل: {تعالوا} اهتماماً بالغرض المنتقل إليه بأنَّه أجدى عليهم من تلك السّفاسف التي اهتمّوا بها وهذا على أسلوب قوله تعالى: { أية : ليس البِرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكنّ البرّ من آمن بالله واليوم الآخر } تفسير : [البقرة: 177] الآيات. وقوله: { أية : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كَمَنْ آمن بالله واليوم الآخر} تفسير : [التوبة: 19] الآية، ليعلموا البون بين ما يَدعون إليه قومهم وبين ما يدعوهم إليه الإسلام، من جلائل الأعمال، فيعلموا أنَّهم قد أضاعوا أزمانهم وأذهانهم. وافتتاحه بطلب الحضور دليل على أنّ الخطاب للمشركين الذين كانوا في إعراض. وقد تلا عليهم أحكاماً قد كانوا جارين على خلافها ممّا أفسد حالهم في جاهليتهم، وفي ذلك تسجيل عليهم بسوء أعمالهم ممّا يؤخذ من النّهي عنها والأمر بضدّها. وقد انقسمت الأحكام التي تضمّنتها هذه الجمل المتعاطفة في الآيات الثّلاث المفتتحة بقوله: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} إلى ثلاثة أقسام: الأوّل: أحكام بها إصلاح الحالة الاجتماعية العامَّة بين النّاس وهو ما افتتح بقوله: {ألاَّ تشركوا به شيئاً}. الثّاني: ما به حفظ نظام تعامل النّاس بعضِهم مع بعض وهو المفتتح بقوله: { أية : ولا تَقْرَبوا مال اليتيم } تفسير : [الأنعام: 152]. الثّالث: أصل كلي جامع لجميع الهدى وهو اتّباع طريق الإسلام والتّحرّز من الخروج عنه إلى سبل الضّلال وهو المفتتح بقوله: { أية : وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه } تفسير : [الأنعام: 153]. وقد ذيّل كلّ قسم من هذه الأقسام بالوصاية به بقوله: {ذلكم وصاكم به} ثلاث مرّات. و(تعالَ) فعل أمر، أصله يُؤْمر به من يراد صعوده إلى مكان مرتفع فوق مكانه، ولعلّ ذلك لأنَّهم كانوا إذا نَادوا إلى أمر مهمّ ارتقَى المنادي على ربوة ليُسمَع صوته، ثمّ شاع إطلاق (تَعالَ) على طلب المجيء مجازاً بعلاقة الإطلاق فهو مجاز شائع صار حقيقة عرفية، فأصله فعل أمر لا محالة من التعالي وهو تكلّف الاعتلاء ثمّ نقل إلى طلب الإقبال مطلقاً، فقيل: هو اسم فعللِ أمر بمعنى (اقدَمْ)، لأنَّهم وجدوه غير متصرّف في الكلام إذ لا يقال: تعاليتُ بمعنى (قَدِمت)، ولا تعالَى إليّ فلان بمعنى جاء، وأيّاً ما كان فقد لزمته علامات مناسبة لحال المخاطب به فيقال: تعالوا وتَعالَيْن. وبذلك رجَّح جمهور النّحاة أنَّه فعل أمر وليس باسْم فِعل، ولأنَّه لو كان اسم فعل لما لحقتْه العلامات، ولكان مثل: هَلُمّ وهَيْهات. و{أتْلُ} جواب {تعالوا}، والتّلاوة القراءة، والسّردُ وحكاية اللّفظ، وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } تفسير : [البقرة: 102]. و{ألاَّ تشركوا} تفسير للتّلاوة لأنَّها في معنى القول. وذُكرَت فيما حرّم الله عليهم أشياءُ ليست من قبيل اللّحوم إشارة إلى أنّ الاهتمام بالمحرّمات الفواحش أولى من العكوف على دراسة أحكام الأطعمة، تعريضاً بصرف المشركين همتّهم إلى بيان الأطعمة وتضييعهم تزكية نفوسهم وكفّ المفاسد عن النّاس، ونظيره قوله: { أية : قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده} تفسير : [الأعراف: 32] إلى قوله {أية : إنَّما حرم ربِّي الفواحش ما ظهر منها } تفسير : [الأعراف: 33] الآية. وقد ذُكرت المحرّمات: بعضها بصيغة النّهي، وبعضها بصيغة الأمر الصّريح أو المؤوّل، لأنّ الأمر بالشّيء يقتضي النّهي عن ضدّه، ونكتة الاختلاف في صيغة الطّلب لهاته المعدودات سنبيّنها. و{أنْ} تفسيرية لفعل: {أتل} لأنّ التّلاوة فيها معنى القول. فجملة: {ألا تشركوا} في موقع عطف بيان. والابتداء بالنَّهي عن الإشراك لأنّ إصلاح الاعتقاد هو مفتاح باب الإصلاح في العاجل، والفلاح في الآجل. وقوله: {وبالوالدين إحسانا} عطف على جملة: {ألاَّ تشركوا}. و{إحسانا} مصدر ناب مناب فعله، أي وأحسنوا بالوالدين إحساناً، وهو أمر بالإحسان إليهما فيفيد النّهي عن ضدّه: وهو الإساءة إلى الوالدين، وبذلك الاعتبار وقع هنا في عداد ما حَرّم الله لأنّ المحرّم هو الإساءة للوالدين. وإنَّما عدل عن النّهي عن الإساءة إلى الأمر بالإحسان اعتناء بالوالدين، لأن الله أراد برهما، والبرّ إحسان، والأمرُ به يتضمّن النَّهي عن الإساءة إليهما بطريق فحوى الخطاب، وقد كان كثير من العرب في جاهليتهم أهل جلافة، فكان الأولاد لا يوقّرون آباءهم إذا أضعفهم الكبر. فلذلك كثرت وصاية القرآن بالإحسان بالوالدين. وقوله: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} جملة عطفت على الجملة قبلها أريد به النّهي عن الوأد، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى في هذه السّورة (137): { أية : وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم }. تفسير : و(مِنْ) تعليلية، وأصلها الابتدائيّة فجعل المعلول كأنَّه مبتدىء من علّته. والإملاق: الفقر، وكونه علّة لقتل الأولاد يقع على وجهين: أن يكون حاصلاً بالفعل، وهو المراد هنا، وهو الذي تقتضيه (من) التّعليلية، وأن يكون متوقَّع الحصول كما قال تعالى، في آية سورة الإسراء (31): { أية : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } تفسير : لأنَّهم كانوا يئدون بناتهم إمّا للعجز عن القيام بهنّ وإمَّا لتوقّع ذلك. قال إسحاق بن خلف، وهو إسلامي قديم: شعر : إذَا تذكرتُ بنتي حين تندبني فاضت لعبرة بنتي عبرتي بدم أحاذر الفقر يوماً أن يُلِمّ بها فيُكشفَ السترُ عن لحم على وضم تفسير : وقد تقدّم عند قوله تعالى: وكذلك زيَّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} في هذه السورة (137). وجملة: {نحن نرزقكم وإياهم} معترضة، مستأنفة، علّة للنّهي عن قتلهم، إبطالاً لمعذرتهم: لأنّ الفقر قد جعلوه عذراً لقتل الأولاد، ومع كون الفقر لا يصلح أن يكون داعياً لقتل النّفس، فقد بيّن الله أنَّه لمّا خَلق الأولاد فقد قدّر رزقهم، فمن الحماقة أن يظنّ الأب أنّ عجزه عن رزقهم يخوّله قتلهم، وكان الأجدر به أن يكتسِبَ لهم. وعُدل عن طريق الغيبة الذي جرى عليه الكلام من قوله: {ما حرم ربكم} إلى طريق التكلّم بضمير: نرزقكم تذكيراً بالذي أمر بهذا القول كلّه، حتى كأنّ الله أقحمَ كلامَه بنفسه في أثناء كلام رسوله الّذي أمره به، فكلّم النّاس بنفسه، وتأكيداً لتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم. وذكَرَ الله رزقهم مع رزق آبائهم، وقدم رزق الآباء للإشارة إلى أنَّه كما رزق الآباء، فلم يموتوا جوعاً، كذلك يرزق الأبناء، على أن الفقر إنَّما اعترى الآباء فلِمَ يُقتل لأجله الأبناء. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي. هنا لإفادة الاختصاص: أي نحن نرزقكم وإيَّاهم لا أنتم ترزقون أنفسكم ولا ترزقون أبناءكم. وقد بيّنتُ آنفاً أنّ قبائل كثيرة كانت تئد البنات. فلذلك حذروا في هذه الآية. وجملة: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} عطف على ما قبله. وهو نهي عن اقتراف الآثام، وقد نهى عن القرب منها، وهو أبلغ في التّحذير من النّهي عن ملابستها: لأنّ القرب من الشّيء مظنّة الوقوع فيه، ولمّا لم يكن للإثم قرب وبعد كان القرب مراداً به الكناية عن ملابسة الإثم أقلّ ملابسة، لأنَّه من المتعارف أن يقال ذلك في الأمور المستقرة في الأمكنة إذا قيل لا تقرب منها فُهم النّهي عن القرب منها ليكون النّهي عن ملابستها بالأحرى، فلمّا تعذّر المعنى المطابقي هنا تعيّنت إرادة المعنى الالتزامي بأبلغ وجه. والفواحش: الآثام الكبيرة، وهي المشتملة على مفاسد، وتقدّم بيانها عند قوله تعالى: { أية : إنَّما يأمركم بالسّوء والفحشاء } تفسير : في سورة البقرة (169). و{ما ظهر منها} ما يظهرونه ولا يسْتَخْفُون به، مثل الغضب والقذف. {وما بطن} ما يستخْفون به وأكثره الزّنا والسّرقة وكانا فاشيين في العرب. ومن المفسّرين من فسّر الفواحش بالزّنا، وجعل ما ظهر منها ما يفعله سفهاؤهم في الحوانيت وديار البغايا، وبما بطَن اتَّخاذ الأخدان سِرّاً، وروي هذا عن السُدّي. وروي عن الضحّاك وابن عبّاس: كان أهل الجاهليّة يرون الزّنا سِراً حلالاً، ويستقبحونه في العلانية، فحرّم الله الزّنى في السرّ والعلانية. وعندي أن صيغة الجمع في الفواحش ترجح التّفسير الأوّل كقوله تعالى: { أية : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } تفسير : [النجم: 32]. ولعلّ الذي حمل هؤلاء على تفسير الفواحش بالزّنى قوله في سورة الإسراء (32) في آيات عَدَّدت منهيات كثيرة تشابه آيات هذه السورة وهي قوله: { أية : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً } تفسير : وليس يلزم أن يكون المراد بالآيات المتماثلة واحداً. وتقدّم القول في: {ما ظهر منها وما بطن} عند قوله تعالى: { أية : وذروا ظاهر الإثم وباطنه } تفسير : في هذه السّورة (120). وأعقب ذلك بالنّهي عن قتل النّفس، وهو من الفواحش على تفسيرها بالأعمّ، تخصيصاً له بالذّكر: لأنَّه فساد عظيم، ولأنّه كان متفشياً بين العرب. والتّعريف في النّفس تعريف الجنس، فيفيد الاستغراق. ووصفت بـ {التي حَرّم الله} تأكيداً للتّحريم بأنَّه تحريم قديم فإنّ الله حرّم قتل النّفس من عهد آدم، وتعليق التّحريم بالنّفس: هو على وجه دلالة الاقتضاء، أي حرّم الله قتلها على ما هو المعروف في تعليق التّحريم والتّحليل بأعيان الذّوات أنَّه يراد تعليقه بالمعنى الذي تستعمل تلك الذّات فيه كقوله: { أية : أحلّت لكم بهيمة الأنعام } تفسير : [ المائدة: 1] أي، أكلها، ويجوز أن يكون معنى: {حرم الله} جعلها الله حَرَماً أي شيئاً محترماً لا يعتدى عليه، كقوله تعالى: { أية : إنَّما أمرت أن أعبد ربّ هذه البلدة الذي حرمها } تفسير : [النمل: 91]. وفي الحديث: « حديث : وإنِّي أحَرّم ما بين لابَتَيْها » تفسير : . وقوله: {إلا بالحق} استثناء مفرّغ من عموم أحوال ملابسة القتل، أي لا تقتلوها في أيَّة حالة أو بأي سبب تنتحلونه إلاّ بسبب الحقّ، فالباء للملابسة أو السببيّة. والحقّ ضدّ الباطل، وهو الأمر الذي حَقّ، أي ثبت أنّه غير باطل في حكم الشّريعة وعند أهل العقول السّليمة البريئة من هوى أو شهوة خاصّة، فيكونُ الأمرَ الذي اتَّفقت العقول على قبوله، وهو ما اتَّفقت عليه الشّرائع، أو الذي اصطلح أهل نزعة خاصّة على أنَّه يحقّ وقوعه وهو ما اصطلحت عليه شريعة خاصّة بأمّة أو زمن. فالتّعريف في: {الحق} للجنس، والمراد به ما يتحقّق فيه ماهية الحقّ المتقدّم شرحها، وحيثما أطلق في الإسلام فالمراد به ماهيته في نظر الإسلام، وقد فصّل الإسلام حقّ قتل النّفس بالقرآن والسنّة، وهو قتل المحارب والقصاص، وهذان بنصّ القرآن، وقتل المرتدّ عن الإسلام بعد استتابَته، وقتل الزّاني المحصن، وقتل الممتنع من أداء الصّلاة بعد إنظاره حتّى يخرج وقتها، وهذه الثّلاثة وردت بها أحاديث عن النّبيء صلى الله عليه وسلم ومنه القتل الناشىء عن إكراه ودفاععٍ مأذوننٍ فيه شرعاً وذلك قتل من يُقتل من البغاة وهو بنصّ القرآن، وقتل من يقتل من مانعي الزّكاة وهو بإجماع الصّحابة، وأمّا الجهاد فغير داخل في قوله: {إلا بالحق}، ولكنّ قتل الأسير في الجهاد إذا كان لمصلحة كان حقّاً، وقد فصلنا الكلام على نظير هذه الآية في سورة الإسراء. والإشارة بقوله: {ذلكم وصاكم به} إلى مجموع ما ذكر، ولذلك أفرد اسم الإشارة باعتبار المذكور، ولو أتى بإشارة الجمع لكان ذلك فصيحاً، ومنه: { أية : كل أولئك كان عنه مسؤلاً } تفسير : [الإسراء: 36]. وتقدّم معنى الوصاية عند قوله: { أية : أم كنتم شهداء إذ وصّاكم الله بهذا } تفسير : [الأنعام: 144] آنفاً. وقوله: {لعلكم تعقلون} رجاء أن يعقلوا، أي يصيروا ذوي عقول لأنّ ملابسة بعض هذه المحرّمات ينبىء عن خساسة عقل، بحيث ينزّل ملابسوها منزلة من لا يعقل، فلذلك رُجي أن يعقلوا. وقوله: {ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون} تذييل جعل نهاية للآية، فأومأ إلى تنهية نوع من المحرّمات وهو المحرّمات الرّاجع تحريمها إلى إصلاح الحالة الاجتماعيّة للأمّة، بإصلاح الاعتقاد، وحفظ نظام العائلة والانكفاف عن المفاسد، وحفظ النّوع بترك التّقاتل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} الآية. الظاهر في قوله: ما حرم ربكم عليكم، أنه مضمن معنى ما وصاكم به فعلاً، أو تركا. لأن كلا من ترك الواجب، وفعل الحرام حرام، فالمعنى وصاكم ألا تشركوا، وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً. وقد بين تعالى أن هذا هو المراد بقوله: {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} [الأنعام: 151] الآية. قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ} الآية. نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن قتل الأولاد من أجل الفقر الواقع بالفعل. ونهى في سورة الإسراء عن قتلهم خشية الفقر المترقب المخوف منه، مع أنه غير واقع في الحال بقوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} تفسير : [الإسراء: 31]، وقد أوضح صلى الله عليه وسلم معناه حين سأله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "حديث : أي الذنب أعظم؟ فقال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك"، قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك"، قال: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك"، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} [الفرقان: 68] الآية . تفسير : وأخذ بعض اهل العلم من هذه الآية منع العزل. لأنه وأد خفي، وحديث جابر: "كنا نعزل والوحي ينزل"، يدل على جوازه، لكن قال جماعة من أهل العلم: إنه لا يجوز عن الحرة إلا بإذنها، ويجوز عن الأمة بغير إذنها، والإملاق: الفقر، وقال بعض أهل العلم: الإملاق الجوع. وحكاه النقاش عن مؤرج، وقيل: الإملاق الإنفاق، يقال: أملق ماله بمعنى أنفقه، وذكر أن علياً قال لامرأته أملقي ما شئت من مالك. وحكي هذا القول عن منذر بن سعيد، ذكره القرطبي، وغيره، والصحيح الأول.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 151- قل لهم - يا أيها النبى - تعالوا أبيِّن لكم المحرمات التى ينبغى أن تهتموا بها وتبتعدوا عنها: لا تجعلوا لله شريكاً ما، بأى نوع كان من أنواع الشرك، ولا تسيئوا إلى الوالدين، بل أحسنوا إليهما إحساناً بالغاً، ولا تقتلوا أولادكم بسبب فقر نزل بكم، أو تخشون نزوله فى المستقبل، فلستم أنتم الرازقين، بل نحن الذين نرزقكم ونرزقهم، ولا تقربوا الزنى فهو من الأمور المتناهية فى القبح، سواء منها ما ظهر للناس حين إتْيانه، وما لم يطلع عليه إلا الله، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله قتلها لعدم موجبه، إلا إذا كان القتل بحق تنفيذاً لحكم القضاء. أمركم الله أمراً مؤكداً باجتناب هذه المنهيّات التى تقضى بديهة العقل بالبعد عنها، لتعقلوا ذلك. 152- ولا تتصرفوا فى مال اليتيم إلا بأحسن تصرف يحفظه وينمّيه، واسْتَمِروا على ذلك حتى يصل اليتيم إلى حالة من الرشد يستطيع معها أن يستقل بالتصرف السليم، وحينئذ ادفعوا إليه ماله. ولا تمسوا الكيل والميزان بالنقص إذا أعطيتم، أو بالزيادة إذا أخذتم، بل أوفوها بالعدل ما وسعكم ذلك، فالله لا يكلف نفساً إلا ما تستطيعه دون حرج. وإذا قلتم قولا فى حكم أو شهادة أو خبر أو نحو ذلك، فلا تميلوا عن العدل والصدق، بل تحروا ذلك دون مراعاة لصلة من صلات الجنس أو اللون أو القرابة أو المصاهرة، ولا تنقضوا عهد الله الذى أخذه عليكم بالتكاليف، ولا العهود التى تأخذونها بينكم، فيما يتعلق بالمصالح المشروعة، بل أوفوا بهذه العهود. أمركم الله أمراً مؤكداً باجتناب هذه المنهيات، لتتذكروا أن التشريع لمصلحتكم. 153- ولا تحيدوا عن النهج الذى رسمتْه لكم، لأنه هو الطريق المستقيم الموصل إلى سعادة الدارين، بل اتبعوه، ولا تتبعوا الطرق الباطلة التى نهاكم الله عنها حتى لا تتفرَّقوا شيعاً وأحزاباً، وتبعدوا عن صراط الله السوى. أمركم الله أمراً مؤكداً بذلك لتتجنبوا مخالفته.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: اتل: اقرأ. من إملاق: من فقر. الفواحش: جمع فاحشة كل ما قبح واشتد قبحه كالزنى والبخل. حرم الله: أي حرم قتلها وهي كل نفس إلا نفس الكافر المحارب. إلا بالحق: وهو النفس بالنفس وزنى المحصن، والردة. بالتي هي أحسن: أي بالخصلة التي هي أحسن. أشده: الإِحتلام مع سلامة العقل. بالقسط: أي بالعدل. إلا وسعها: طاقتها وما تتسع له. تذكرون: تذكرون فتتعظون. السبل: جمع سبيل وهي الطريق. معنى الآيات: ما زال السياق في إبطال باطل العادلين بربهم المتخذين له شركاء الذين يحرمون بأهوائهم ما لم يحرمه الله تعالى عليهم فقد أمر تعالى رسوله في هذه الآيات الثلاث أن يقول لهم: {تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} لا ما حرمتموه أنتم بأهوائكم وزينه لكم شركاؤكم. ففي الآية الأولى جاء تحريم خمسة أمور وهي: الشرك، وعقوق الوالدين، وقتل الأولاد، وارتكاب الفواحش، وقتل النفس فقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} فأن تفسيرية، ولا ناهية وهذا أول محرم وهو الشرك بالله تعالى، {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، وهذا أمر إذ التقدير وأحسنوا بالوالدين إحساناً، والأمر بالشيء نهي عن ضده فالأمر بالإِحسان يقتضي تحريم الإِساءة والإِساءة إلى الوالدين هي عقوقهما، فكان عقوق الوالدين محرماً داخلاً ضمن المحرمات المذكورة في هذه الآيات الثلاث. {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} فهذا المحرم الثالث وهو قتل الأولاد من الإِملاق الذي هو الفقر وهذا السبب غير معتبر إذ لا يجوز قتل الأولاد بحال من الأحوال وإنما ذكر لأن المشركين كانوا يقتلون أطفالهم لأجله وقوله تعالى {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} تعليل للنهي عن قتل الأولاد من الفقر إذ ما دام الله تعالى يرزقكم أنتم أيها الآباء ويرزق أبناءكم فلم تقتلونهم؟ وفي الجملة بشارة للأب الفقير بأن الله تعالى سيرزقه هو وأطفاله فليصبر وليرج، ولا يقتل أطفاله. وقوله تعالى {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}. هذا الأمر الرابع مما حرم الله تعالى، وهو فعل الفاحشة التي هي الزنى وسواء ما كان منه ظاهراً أو باطناً والتحريم شامل لكل خصلة قبيحة قد اشتد قبحها وفحش فأصبح فاحشة قولاً كانت أو فعلاً أو اعتقاداً، وقوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} هذا هو المحرم الخامس وهو قتل النفس التي حرم الله قتلها وهي كل نفس ما عدا نفس المحارب فإنها مباحة للقتل، الحق الذي تقتل به النفس المحرمة واحد من ثلاثة وهي القود والقصاص فمن قتل نفساً متعمداً جاز قتله بها قصاصاً. والزنى بعد الإِحصان فمن زنى وهو محصن وجب قتله رجماً بالحجارة كفارة له، والردة عن الإِسلام، وقد بينت هذه الحقوق السنة فقد قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح: "حديث : لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة" تفسير : وقوله تعالى في ختام الآية {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي ليعدكم بترك هذه المحرمات الخمس لأن تكونوا في عداد العقلاء، لأن من يشرك بربه صنماً أو يسيء إلى أبويه أو يقتل أولاده أو يفجر بنساء الناس أو يقتلهم، لا يعتبر عاقلاً أبداً إذ لو كان له عقل ما أقدم على هذه العظائم من الذنوب والآثام. وفي الآية الثانية وهي قوله تعالى {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ففي هذه الآية جاء تحريم أربعة أمور هي: أكل مال اليتيم، والتطفيف في الوزن، والجور في الأقوال والأحكام، ونكث العهد. فقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} أي بما ينقصه أو يفسده إلا بالحالة التي هي أحسن له نماءً وحفظاً وقوله {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} بيان لزمن اليتم وهو من ولادته وموت والده إلى أن يبلغ زمن الأشد وهو البلوغ، والبلوغ يعرف بالاحتلام أو نبات شعر العانة، وفي الجارية بالحيض أو الحمل، وببلوغ الثامنة عشرة من العمر وعلى شرط أن يبلغ اليتيم عاقلاً فإن كان غير عاقل يبقى في كفالة كافله، وقوله تعالى: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أمر بتوفية الكيل والوزن، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وبذا حرم بخس الكيل والوزن والتطفيف فيهما وقوله {بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل بحيث لا يزيد ولا ينقص، وقوله {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي طاقتها رفعاً للحرج عن المسلم في الكيل والوزن إذا هو نقص أو زاد بغير عمد ولا تساهل. وقوله تعالى {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} هذا المحرم الثالث وهو قول الزور وشهادة الزور، إذ الأمر بالعدل في القول ولو كان المقول له أو فيه قريباً نهى عن ضده وهو الجور في القول. وقوله تعالى {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} متضمن للمحرم الرابع وهو نكث العهد وخلف الوعد، إذ الأمر بالوفاء بالعهود نْهيٌ عن نكثها وعدم الوفاء بها، وقوله تعالى {ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} إشارة إلى ما تضمنته هذه الآية الثانية مما حرم تعالى على عباده، وقوله {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي ليعدكم بذلك لأن تذكروا فتتعظوا فتجتنبوا ما حرم عليكم. وقوله تعالى: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} هذه هي الآية الثالثة من آيات الوصايا العشر وقد تضمنت. الأمر بالتزام الإسلام عقائداً وعبادات وأحكاماً وأخلاقاً وآداباً، كما تضمنت النهي عن اتباع غيره من سائر الملل والنحل المعبر عنها بالسبل، وما دام الأمر بالتزام الإسلام يتضمن النهي عن ترك الإسلام فقد تضمنت الآية تحريماً ألا وهو ترك الإِسلام واتباع غيره هذا الذي حرم الله تعالى على عباده لا ما حرمه المشركون بأهوائهم وتزيين شركائهم قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إشارة إلى التزام الإِسلام وترك ما عداه ليعدكم بذلك للتقوى وهي إتقاء غضب الرب تعالى وعذابه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- هذه الوصايا العشر عليها مدار الإسلام وسعادة الإِنسان في الدارين كان عبد الله بن مسعود يقول فيها "من سره أن ينظر إلى وصية رسول الله التي عليها خاتمه فليقرأ الآيات الثلاث من آخر سورة الأنعام: {قُلْ تَعَالَوْاْ.... تَتَّقُونَ}. 2- حرمة الشرك وحقوق الوالدين وقتل الأولاد والزنى واللواط وكل قبيح من قول أو عمل أو اعتقاد وقتل النفس إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وبخس الكيل والوزن، وقول الزور وشهادة الزور، ونكث العهد وخلف الوعد. والردة عن الإِسلام، واتباع المذاهب الباطلة والطرق الضالة. 3- كمال العقل باجتناب المحرمات الخمس الأولى. 4- الحصول على ملكة المراقبة باجتناب المحرمات الأربع الثانية. 5- النجاة من النار والخزي والعار في الدارين بالتزام الإسلام حتى الموت والبراءة من غيره من سائر المذاهب والملل والطَرق.

القطان

تفسير : الاملاق: الفقر. الفواحش: مفردها فاحشة، وهي كل ما قبح من الاقوال والافعال. يبلغ أشُده: تكتمل قواه العقلية والجسمية ببلوغ سن الرشد. القسط: العدل. لا تتبعوا السُبل: لا تحيدوا عن تعاليم الإسلام فتخسروا. بعد ان بين الله لعباده جميع ما حرّم عليهم من الطعام، وذكر حجته البالغة على المشركين، لتحريمهم ما لم يحرّمه الله، ثم دحض شُبهتهم التي احتجوا بها على شِركهم بربهم - جاء بهذه الآيات الثلاث فيها تبيان أصول المحرمات في الاقوال والافعال، واصول الفضائل وانواع البر. وقد عبر عنها بعض المفسرين بالوصايا العشر. قل لهم ايها النبي: تعالوا أبيّن لكن المحرمات التي ينبغي ان تهتموا بها وتبتعدوا عنها: 1- لا تجعلوا لله شريكاً ما، بأي نوعٍ كان من انواع الشرك. 2- وأحسنِوا الى الوالدين غاية الإحسان والبر. 3- ولا تقتلوا أولادكم بسبب فقرٍ نزل بكم، فلستم، انتم الرازقين، بل نحن الذين نرزقكم ونرزقهم. 4- وابتعِدوا عن كل ما عظم قُبحه من الأعمال. وقد جاءت كلمات فاحشة وفحشاء وفواحش في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ}. {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}. {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} فكل عمل قبيح هو فاحشة. وقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "حديث : لا أحدٌ أَغْيرُ من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش: ما ظَهر منها وما بطَن ". تفسير : 5- {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}، يعني إذا استحق القاتل ذلك. وفي الحديث الشريف "حديث : لايحل دم امرئ مسلم الا بأمور ثلاثة: كفرٌ بعد ايمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق ". تفسير : {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. أمركم الله تعالى أمراً مؤكّدا باجتناب هذه المنهيات لتعقلوا ذلك. 6- ولا تتصرفوا في مال اليتيم الا بأحسنِ تصرُّف يحفظه وينميه، فاحفظوا مال اليتيم، وثمّروه، وأنفقوا منه على تربيته وتعليمه ما يصلُح به معاشه واستمرّوا على ذلك حتى يبلغ رُشده، ويستطيع ان يستغل ماله بالتصرف السليم. فإذا بلغ فسلِّموه إليه كما قال تعالى في آية اخرى. {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}. 7- وأتِمّوا الكيل إذا كِلتم للناس، او اكتلتم لأنفسكم. وأفو الميزانَ إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون، او لغيركم فيما تبيعون ولا تكونوا من أولئك المطففين الذين وصفهم الله بقوله: {ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}. {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} فالله تعالى لا يكلّف نفساً الا ما تستطيعه دون حرج. وهذا الامر وقع في الأُمم التي قبلَنا قديماً كما حكى الله تعالى عن قوم شعيب بقوله: {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. وقال صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان: "حديث : إنكم وُلِّيتم أمراً هلكتْ فيه الأمم السالفةُ قَبلكم". تفسير : ولا يزال ذلك يقع من كثير من ضعاف النفوس. 8- {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} اذا قلتم قولاً في حكمٍ او شهادة او خير او نحو ذلك، فلا تميلوا عن العدل والصدق، دون مراعات لصِلة القرابة او المصاهرة او الجنس. فبالعدل والصدق تصلح شئون الأمم والافراد، فلا يحلُّ لأحد ان يحابي احداً لقرابة او غيرها {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ}و 9- {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} وأوفوا بعهد الله، فلا تنقُضوا عهده الذي أخذه عليكم بالتكليف، ولا العهود التي تأخذونها بينكم، فيما يتلعق بالمصالح المشروعة {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ}. فمن آمن فقد عاهد الله حين الإيمان به ان يمتثل أوامره ونواهيه، وما شرعه للناس ووّصاهم به. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمران ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أربعٌ من كنّ فيه كان منافقاً خالصا، ومن كانت فيه خصلة منها كانت فيه خصلة من النِفاق حتى يدَعَها: اذا حدَّث كذَب، واذا وعَد أخلف، واذا عاهد غدر، واذا خاصم فجر ". تفسير : {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ان ذلك الذي تلوتُه عليكم من الأوامر والنواهي وصاكم الله به رجاء ان يذكره بعضكم لبعض مثل قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}. {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}. وان هذا القرآن الذي ادعوكم اليه، وادعوكم به الى ما يحييكم، هو صراطي ومنهاجي الذي اسلكه الى مرضاة الله، لا يَضِلُّ سالكه، ولا يهتدي تاركه. 10- لا تتعبوا الطرق الباطلة المضلّة التي نهاكم الله عنها، حتى لا تتفرقوا شيعا واحزابا، وتبعدواعن صراط الله المستقيم، كما هو حاصلٌ اليوم. فنحن لنا في كل خِربةٍ دولةٌ ذات مجد‍‍!! وفي كل بيت عدة شِيع وأحزاب!! هدانا الله وتجاوز عما نحن فيه من مخادعة! اخرج الامام احمد والنسائي وابو الشيخ عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : خطّ رسول الله خطاً بيده، ثم قال: سبيلُ الله مسقيما، ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: وهذِه السبُل ليس منها سبيل الا عليه شيطان يدعو اليه،تفسير : ثم قرأ: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}. وقد جعل الله تعالى المستقيم واحدا والسبلَ المخالفة متعددة، لأن الحق واحدٌ والباطل كثير. ولما كان اتباع الصراط المستقيم وعدم التفرق فيه يجمع الكلمة ويعز اهل الحق، كان التفرق فيه سبب الضَّعف وذل المتفرقين وضياع حقهم. {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لقد أوصاكم باتباع صراط الحق المستقيم ونهاكم عن سبل الضلالات والأباطيل ليهيئكم لاتقاء كل ما يشقي ويردي في الدنيا والآخرة. وقد وردت احاديث كثيرة بشأن هذه الوصايا، من ذلك ما أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَيُّكم يبايعني على هؤلاء الآيات االثلاث؟ ثم تلا: قل تَعالوا أتلُ ما حرّم ربُّكم عليكم... ثم قال فَمن وفى بهنّ فأجرُه على الله، ومن انتقص منهنّ شيئاً فأدركه الله في الدُّنيا كانت عقوبتُه، من أخّر إلى الآخرة كان أمرُه الى الله، إن شاء أخذه وان شاء عفا عنه ". تفسير : قراءات: قرأ حمزة والكسائي "وإن هذا طرطي" بكسر همزة إن. وقرأ ابن عامر ويعقوب "وأنْ هذا صراطي" بفتح همزة أَن وبتخفيف النون وقرأ ابن عامر "صراطيَ" بفتح الياء والباقون بتسكين الياء. وقرأ نافع وابن كثير وابو عمرو وعاصم: وأنَّ، بفتح الهمزة وتشديد النون. لقد رسمتْ هذه الآيات للإنسان طريق علاقته بربه الذي يرجع اليه الاحسان والفضل في كل شيء: "ألاّ تُشرِكوا به شيئا"، ووضعت الأساس المتين الذي يُبنى عليه صرح الأُسَر التي تكوِّن الأمةَ القوية الناجحة في الحياة: "وبالوالدَين إحسانا"، وسدّت منافذ الشر الذي يصيب الانسان من الانسان في الأنفُس والأعراض والاموال، وهي عناصر لا بدّ لسلامة الأُمة من سلامتها: "ولا تقتلوا أولادَكم"، "ولا تقتلوا النفسَ" "ولا تقربوا مال اليتيم" ثم ذكرتْ أهمّ المبادئ التي تسمو الحياة الاجتماعيةُ بالتزامِها والمحافظة عليها: "وأوفوا الكيلَ والميزان" "واذا قُلتم فاعِدلوا" "وبعهدِ الله أَوفوا" وخَتمت بأن هذه التكاليف، وتلك المبادئ، هي الصِراط المستقيم، بُعِث به محمد عليه الصلاة والسلام، كما بعث به جميع الرسل السابقين. وقد اطلق العلماء على ما جاء في هذه الآيات الثلاث "الوصايا العشر" نظرا لتذييل آياتها الثلاث بقولِ الله: "ذلكُم وصّاكم به" وقد روي عن عبد الله بن مسعود انه قال: "مَن سرَّه أن ينظر الى وصيّةِ محمد التي عليها خاتَمُه فليقرأْ هذه الآيات: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ..} إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: حديث : لما أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم ان يَعرِض نفسه على قبائل العرب خرج إلى مِنَى وأنا وأبو بكرٍ معه. فوقف رسول الله على منازل القوم ومضاربهم، فسلَّم عليهم وردّوا السلام. وكان في القوم مفروقُ بن عمرو، وهانئ بن قَبيصة، والمثنّى بنُ حارثة والنعمانُ بن شَريك. وكان مفروق أغلبَ القوم لساناً وأوضَحهم بياناً، فالتفتَ إلى رسول الله وقال له: إلامَ تدعو يا أخا قريش؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أدعوكم إلى شهادة ان لا إلهَ الا الله وحدَه لا شريك له، وأَنّي رسولُ الله، وان تُؤوُني وتنصروني وتمنعوني حتى أوْدّيَ حقّ اللهِ الذي أمرني به، فإن قريشاً قد تظاهرتْ على أمر الله، وكذّبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد. فقال مفروق: وإلامَ تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قل تعالوا أتلُ ما حرّم ربكم عليكم...} الآيات الثلاث. فقال مفروق: وإلامَ تدعو أيضا يا أخا قريش فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه. فتلا رسولُ الله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فقال مفروق: دعوتَ واللهِ يا قرشِيُّ إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الاعمال، وقد أفِكَ قوم كذّبوك وظاهروا عليك. وقاله هانئ بن قبيصة: قد سمعتُ مقالتك واستحسنتُ قولك يا أخا قريش ويعجبني ما تكلّمت به. فبشّرهم الرسول - إن آمنوا - بأرضِ فارسَ وانهارِ كسرى. فقال النعمان: اللهمُّ وإنّ ذلك يا اخا قريش؟ فتلا رسول الله قوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} ثم نهض رسول الله وتركَهم وكلًّهم يعجَب من هذه الفصاحة، وتلك المعاني السامية، والفضائل العليا . تفسير : هذه مكانة الآيات الثلاث من ذلك الكتاب العظيم، وهذا مبلغ تأثيرها في نفوس العرب، أهلِ الجاهلية‍! وكيف لا تكون لها تلك المكانةُ وقد جمعتْ بأسلوبها الآخذِ بالقلوب أصولَ الفضائل، وعُمُدَ الحياة الطيبة التي تنبع من الفطرة السليمة!! وبعد، فأين المسلمون اليوم حينما يمسعون هذه الآيات، ثم ينظرون إلى ما هم فيه من تفرُّقٍ في الآراء والأحكام، ومجافاةٍ لاحكام الله، وبُغضٍ لما لا يتفق واهواءَهم منها، ومن الارتماء في أحضان أعدائهم المستعمرين، قدامى وجُدُد!! نسأل الله تعالى ان يجمعنا على كتابه الكريم ويهدينا الصراط المستقيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ} {إِحْسَاناً} {أَوْلاَدَكُمْ} {إمْلاَقٍ} {ٱلْفَوَاحِشَ} {وَصَّاكُمْ} (151) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، الذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ، وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ، وَقَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ، وَهُمْ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَهْوَائِهِمْ، وَبِوَحيٍ مِنَ الشَّيْطَانِ، قُلْ لَهُمْ: تَعَالَوْا أَقْرَأْ عَلَيْكُمْ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً وَصِدْقاً، لاَ تَخَرُّصاً وَلاَ ظَنّاً وَتَخْمِيناً، لَقَدْ وَصَّاكُمْ بِألاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَبِأَنْ تُحْسِنُوا إِلَى وَالِدَيْكُمْ، وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ، وَبِألاّ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ الصِّغَارَ خَشْيَةَ الفَقْرِ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَبِسَبَبِ فَقْرِكُم الحَاصِلِ، فَاللهُ تَعَالَى يَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ. وَأَوْصَاكُمْ رَبُّكُمْ بِألاَّ تَفْعَلُوا الفَوَاحِشَ، كَالزِّنَى وَقَذْفِ المُحْصَنَاتِ، سَوَاءٌ مَا كَانَ مِنْهَا فِي السِّرِّ أَوْ فِي العَلَنِ، وَألاَّ تَقْتُلُوا النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ قَتْلَهَا إلاَّ إِذَا كَانَ القَتْلُ بِحَقٍّ تَنْفِيذاً لِحُكْمِ القَضَاءِ، وَهَذَا مَا أَمَرَكُمُ اللهُ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ عَنِ اللهِ مَا أَمَرَ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: "حديث : لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِأُمُورٍ ثَلاَثَةٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ، وَزِنىً بَعْدَ إِحْصَانٍ وَقَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ"تفسير : ). وَصَّاكُمْ - أَمَرَكُمْ وَأَلْزَمَكُمْ. أَتْلُ عَلَيْكُمْ - أَقْرَأْ عَلَيْكُمْ. الإِمْلاَقُ - شِدَّةُ الفَقْرِ. الفَوَاحِشَ - كِبَارَ المَعَاصِي كَالزِّنَى وَنَحْوِهِ.

الثعلبي

تفسير : ثمّ قال قل يامحمد {تَعَالَوْاْ أَتْلُ} أقرأ {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} حقّاً يقينا كما أوحى إليّ ربّي وأمرني به لاظنّاً ولا تكذيباً كما يزعمون {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} اختلفوا في محل أن فقال بعضهم: [محلّه] نصب، ثمّ اختلفوا في وجه انتصابه فقيل معناه: حرّم أن تشركوا ولا صلة كقولهم: (ما منعك ألا تسجد). وقيل: إنّك ألاّ تشركوا، وقيل: أوحى ألا تشركوا، وقيل: [ما] بدل [من] ما حرّم، وقيل: الكلام عند قوله {حَرَّمَ رَبُّكُمْ} ثمّ قال: عليكم أن لا تشركوا على الكفر، وقال بعضهم: موضع [من] معناه: وهو أن لا تشركوا جهراً بكفركم، وأما بعده فيجوز أن يكون في محل النصب عطفاً على قوله أن لا تشركوا) وأن [.......] لأنّه يجوز أن يكون جزم على الأقوى كقوله {أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ}. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ} عطف بالنهي على الخبر قال الشاعر: شعر : حج وأوصي بسليمى إلا عبدا أن لاترى ولا تكلم أحداً ولا يزال شرابها مبردا تفسير : {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} ولاتئدوا بناتكم خشية العيش فإني أرزقكم وإياهم والإملاق الفقر ونفاد الزاد. {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} يعني علانية {وَمَا بَطَنَ} يعني السرّ قال المفسّرون: كانوا في الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأساً في السرّ فحرّم الله تعالى الزنا في العلانيّة والسر وقال الضحاك: ما ظهر الخمر وما بطن {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ} [نهى وهي] نفس مؤمن أو معاهد {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} يعني بما أباح قبلها وهي الارتداد والقصاص والرجم. وروى مطر الوراق عن نافع بن عمر عن عثمان رضي الله عنه أشرف على أصحابه وقال: علام يقتلونني فإنّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يحل دم أمرىء مُسلم إلاّ بإحدى ثلاث: رجل زنا بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عامداً فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا قتلت أحداً فاقيد نفسي، ولا ارتدت منذ أسلمت، إنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبده ورسوله ". تفسير : {ذٰلِكُمْ} النبيّ الذي ذكرت {وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يعني بما فيه صلاحه وتثميره، وقال مجاهد: هو التجارة فيه، وقال الضحاك: أموال يبتغي له فيه ولا يأخذ من ربحه شيئاً. وقال ابن زيد: وأن يأكل بالمعروف إن افتقر، وإن استغنى لم يأكل، وقال الشعبي: مَنْ خالط مال اليتيم حتّى يفصل عليه فليخالطه، ومَنْ خالطه ليأكل منه وليدعه حتّى يبلغ أشده. وقال يحيى بن يعمر: بلوغ الحلم، وقال الشعبي: الأشد الحلم حيث يكتب له الحسنات وعليه السيئات، وقال أبو العاليّة: حتّى يعقل ويجتمع قوّته. وقال الكلبي: الأشد مابين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة. وقال السدّي: هو ثلاثون سنة ثمّ جاء بعدها حتّى بلغوا النكاح. والأشد جمع شدّ، مثل قدّ وأقدّ، وهو استحكام قوماً لفتى وشبابه وسنه، ومنه شد النهار وهو ارتفاعه، يقال: أتيته شدّ النهار ومد النهار وقال الفضل بن محمد في شد بيت عنترة: شعر : [عهدي به] شدّ النهار كأنّما خضب اللبان ورأسه بالعظلم تفسير : وقال آخر: شعر : تطيف به شد النهار ضعينة طويلة أنقاء اليدين سحوق تفسير : وليس بلوغ الأشد ممّايدع قرب ماله بغير الأحسن وقد تمّ الكلام. {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [على الأبد] {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} فادفعوا إليه ماله إن كان رشيداً {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} بالعدل {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي طاقتها في إيفاء الكيل والوزن، وقال أهل المعاني: معناه: إلاّ يسعها ويحلّ لها ولا يخرج عليه ولا يضيق عنه وذلك أنّ لله تعالى من عباده أنّ كثيراً منهم ضيق نفسه عن أن يطيّب لغيره بما لا يجب عليها له فأمر المعطي بإيفاء الحق ربّه الذي هو له ويكلّفه الزيادة لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها، وأمر صاحب الحق بأخذ حقّه ولم يكلفه الرضا بأقل منه لمّا فيه في النقصان عليه من ضيق نفسه، فلم يكلّف نفساً منهما إلاّ ما لا حرج فيه ولا يضيق عليه. قال ابن عباس: إنكم معشر الأعاجم فقد وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم المكيال والميزان {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ} أي فاصدقوا في الحكم والشهادة {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} محذوف الاسم يعني ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قربة {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} يتّعظون. قال ابن عباس: هذا الآيات محكمات لم ينسخهنّ شيء في جميع الكتب وهنَّ محرّمات على بني آدم كلّهم وهنّ أُمّ الكتاب مَنْ عمل بهن دخل الجنّة ومَنْ تركهن دخل النار. قال كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إنَّ هذا لأوّل شيء في التوراة {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآيات. وقال الربيع بن خيثم لأصحابه: ألا أقرأ عليكم صحيفة عليها خاتم محمد صلى الله عليه وسلم لم يُفك فقرأ هذه الآية {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ} {وَأَنَّ هَـٰذَا} يعني وصّاكم به في هاتين الآيتين {صِرَاطِي} طريقي وديني {مُسْتَقِيماً} مستوياً قويماً {فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ} يعني الطرق المختلفة التي عداها مثل اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات {فَتَفَرَّقَ} فيمتدّ وتخالف [وتشتت] {بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} عن طريقه ودين النبيّ الذي ارتضى وبها وصّى { ذٰلِكُمْ} الذي ذكرت {وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} يعني ثمّ قل يا محمد لهم آتينا موسى الكتاب، لأنّ موسى أوتي الكتاب قبل محمد عليهما الصلاة والسلام. وقيل: ثمّ بمعنى الواو لأنّهما حرفا عطف قال الشاعر: شعر : قل لمن ساد ثمّ ساد أبوه ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه تفسير : {تَمَاماً} نصب على القطع، وقيل: على التفسير {عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} قال بعضهم: معناه تماماً على المحسنين. ويكون (الذي) بمعنى (من) وتقديره على الذين أحسنوا، لفظه واحد ومعناه جمع كما تقول: أُوصي بمالي للذي غزا وحجَّ يريد الغازين والحاجين. وقال الشاعر: شعر : شبّوا عليَّ المجد وشابوا واكتهل تفسير : يريد: واكتهلوا. يدلّ عليه قراءة عبد الله بن مسعود (على الذين أحسنوا). وقال أبو عبيد: معناه على كل مَنْ أحسن، ومعنى هذا القول أتممنا [طلب] موسى بهذا الكتاب، على المحسنين يعني أظهرنا فضله عليهم، والمحسنون هم الأنبياء والمؤمنون. وقيل: معناه: ثمّ آتينا موسى الكتاب متماً للمحسنين يعني تتميماً منّا للأنبياء والمؤمنين الكتب {عَلَى} بمعنى (اللام) كما تقول أتم الله عليه فأتم له. قال الشاعر: شعر : رعته أشهراً وخلا عليها فطار التي فيها واستعاراً تفسير : أراد: وخلا لها. وقيل: (الذي) بمعنى (ما)، يعني آتينا موسى الكتاب تماماً على ما أحسن موسى من العلم والحكمة أي زيادة على ذلك. وقال عبد الله بن بريدة: معناه تماماً مِنّي على مَنّي وإحساني إلى موسى، وقال ابن زيد: معناه تماماً على إحسان الله إلى أنبيائه وأياديه عندهم، وقال الحسن: فمنهم المحسن ومنهم المسيء فنزل الكتاب تماماً على المحسنين، وقرأ يحيى بن يعمر: على الذي أحسن، بالرفع أي على {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً} بياناً {لِّكُلِّ شَيْءٍ} يحتاج إليه من شرائع الدين { وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} هذا يعني وهذا القرآن {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ} واعملوا بما فيه {وَٱتَّقُواْ} وأطيعوا {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فلا تعذبون.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ننظر في هذه الآية فلا نجد شيئاً من المحرمات من الأطعمة التي بها قوام الحياة، ولكن نجد فيها محرمات التي إن اتبعناها نهدر القيم المعنوية التي هي مقومات الحياة الروحية، إنها مقومات الحياة من القيم {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}. والأداء القرآني هنا يأخذ لفظ "تعال" بفهم أعمق من مجرد الإِقبال، فكأن الحق يقول: أقبل عليّ إقبال من يريد التعالي في تلقي الأوامر. فأنت تقبل على أوامر الله لتعلوا وترتفع عن حضيض تشريع البشرية؛ فلا تأخذ قوانينك من حضيض تشريع البشر؛ لأن الشرط الواجب في المشرع ألاّ يكون مساويًّا لمن شرَّع له، وألاّ يكون منتفعاً ببعض ما شرَّع، وأن يكون مستوعباً فلا تغيب عنه قضية ولا يغفل عن شيء والمشرع من الخلق لا يشرع إلا بعد اكتمال عقله ونضجه. ولا يقدر أن يمنع نفسه من الانتفاع بالتشريع. الرأسمالي - مثلاً - يشرع ليستفيد، والماركسي يشرِّع ليستفيد. وكل واحد يشرع وفي نفسه هوى، ومن بعد ذلك تعدّل التشريعات عندما نستبين أنها أصبحت لا تفي ولا تغطي أمور الحياة، فكأن المشرع الأول لقصور علمه غابت عنه حقائق فضحها المجتمع حين برزت القضايا، فنظر في قانونه فلم يجد شيئاً يغطي هذه القضايا، فيقول: نعدل القانون، ونستدرك. ومعنى استدراك القانون اي أن هناك ما جهله ساعة قنن. إذن يشترط في المقنن ألاّ يكون مساويًّا للمُقَنن له، وألاّ تغيب عنه قضية من القضايا حتى لا يُسْتَدّرَك عليه، وألاّ يكون منتفعاً بالتشريع، ولا يوجد ذلك في بشر أبداً، فأوضح الحق: اتركوا حضيض التشريع البشري وارتفعوا إلى السماء لتأخذوا تقنينكم منها؛ فحين ينادي الله "تعالوْا" فمعناها ارتفعوا عن حضيض تقنين بشريتكم إلى الأعلى لتأخذوا منه تقنيانكم التي تحكم حركة حياتكم، فهو لا ينتفع بما شرع، بل أنتم الذين تنتفعون، ولأنه لا يغيب عنه شيء سبحانه، وهو خالق، هو أولى ان يشرع لكم. {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] "أتل" من التلاوة وهي القراءة {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} اي ما جعله حراما.. أي يمتنع عليهم فعله، وسأقول لكم كل البلاغات بلاغاً بعد بلاغ. {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} [الأنعام: 151] لقد جاء سبحانه بتحريم الشرك من خلال تركيب لغوي يؤكد علينا ألا نشرك به؛ فأنت ساعة تأتي لتلقى أوامر لمن ترأسه تقول له: استمع إلى ما أمنعك منه فاتبعه. ثم تبدأ في التفصيل، والحق هنا جاء بأول بند من المحرمات والمحظورات هو ألا نشرك به شيئاً. أي أتلو عليكم تحريم الشرك، فأول المحرمات الشرك، وعلينا أن نوحد الله، فكل نهى عن شيء أمر بمقابله وكل أمر بشيء نهى عن مقابله. وعلى ذلك فكل أمر يستلزم نهيًّا، وكل نهي يستلزم أمراً. فلا تلتبس عليكم الأوامر والنواهي. أو تكون "عليكم" منطقعة عما قبلها، أي عليكم ترك الشرك، وعليكم إحسانا بالوالدين، وألا تقتلوا أولادكم، وألاّ تقربوا الفواحش.. أي ألزموا ذلك. ثم يقول سبحانه: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} وسبحانه يأمر هنا بتأكيد الإحسان إلى الوالدين؛ فهو أمر بإيجاب ويستلزم نهيا عن مقابله وهو عقوق الوالدين، أي لا تعقوهم. فعدم الإحسان إلى الوالدين يدخل فيما حرم الله. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ..} [الأنعام: 151] أي استبقوا حياة أولادكم، فإن أدرتها من قبيل النهي فقل هو نهي عن قتل الأولاد، وإن أردتها من قبيل الإيجاب فقل: استبقوا الحياة. وقول: {مِّنْ إمْلاَقٍ} أي من فقر، فكأنهم كانوا فقراء، ومادام الإملاق موجوداً فشغل الإنسان برزق نفسه يسبق الانشغال برزق من يأتي بعده؛ فيا أهل الإملاق تذكروا أن الله يرزقكم ويرزق من سيأتي زيادة وهم الأولاد. ويقول سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ..} [الأنعام: 151] وهذا نهي عن القرب، أي نهي عن الملابسات التي قد تؤدي إلى الفعل لا نهي عن الفعل فقط؛ فحينما أراد الله يحرم على آدم وعلى زوجه الشجرة قال: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ...} تفسير : [الأعراف: 19] لأن القرب قد يغري بالأكل، وكذلك: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ} أي لا تأتي إلى مقدمات الفواحش بأن تلقي نظرة أو تحدق النظر إلى محرمات غيرك، وكذلك المرأة التي تتبرج؛ إنها تقوم بالإقبال على مقدمات الفواحش، فإذا امتنعت عن المقدمات أمنت الفتنة والزلل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". تفسير : ويمنعك الحق: ألاّ تقرب، أي أبعد نفسك عن مظنة أن تستهويك الأشياء، مثلها مثل "اجتنب" تماماً، وسبحانه وتعالى يقول: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ ..} [الحج: 30] ويقول: {أية : ...وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} تفسير : [الحج: 30] وهنا يقول تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}. وكل ما ظهر من الفواحش هو من أفعال الجوارح التي ترتكب الموبقات و{وَمَا بَطَنَ} هو من أفعال السرائر مثل الحقد، والغل، والحسد. ويتابع سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ..} [الأنعام: 151] وكلمة "النفس" يختلف الناس في معناها، ولا تطلق النفس إلا على التقاء الروح بالمادة، والروح في ذاتها خيّرة، والمادة في ذاتها خيرة مسبحة عابدة. {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ...} تفسير : [الإسراء: 44] وإذا التقت الروح بالمادة تقوم الحياة، فمعنى قتل النفس أن نفصل الروح عن المادة بهدم البنية وهذا غير الموت؛ لأن الله هو الذي يميت النفس، أما الإنسان به في الآية فستجد التعقل يعطيك التوازن في القرار، وقد ختم الحق الخمسة الأشياء فهو يقتل النفس إن هدم بنيتها. والذي وهب الحياة هو الله، فلا يسلب الحياة إلا هو. وبعد ذلك يشرع الله لنا أن نسلب الحياة قصاصاً، أو للزنا من الثيب المحصن رجلا أو امرأة، أو للردّة، فهذا قتل بحق، لكن سبحانه وتعالى يلعن من يهدم بنيان الله بغير الحق، والإِنسان بنيان الله فلا تعتدي عليه. ولذلك أمرنا الله بالقصاص من إنسان قتل إنساناً؛ حتى يحافظ كل واحد على حياة نفسه، وحين يحفظ الإِنسان كل نفس، فإنّه ينجو بنفسه ويسلم. هكذا يأمر الحق بأن نقتل الثّيب، والثيب الزاني يطلق على الذكر والأنثى وهو من تزوج ودخل على زوجه وذاق كل منهما عسيلة الآخر وأفضى إليه، وكذلك المرتد، فنحن نحرص عى حرية الاعتقاد؛ بدليل أننا لا نقتل الكافر الأصلي لكفره، ولكن يجب على الإِنسان أن يفهم أن الدخول إلى الإيمان بالإسلام يقتضي أن يدرسه دراسة مستوفية مقنعة، وأن يعلم أن حياته رهن بأن يرجع عن هذا الدين فإذا علم أن حياته رهن بأن يرجع عن هذا الدين، فلن يدخله إلا وهو مقتنع تمام الاقتناع. ونحن نحمي بالاختيار، فنعلن لكل من يقبل على الإِسلام ونحذره: إياك أن تدخل بظاهر القول دون فهم لمعنى الإِسلام لأنك لو دخلت ثم بعد ذلك ارتددت فسوف تقتل، ومادام الشيء ثمنه الحياة، فالواجب أن يحتاط الإِنسان الاحتياط الشديد. وفي ذلك أيضاً ثقة من أن الإِنسان إذا ما بحث في الأدلة فسيقتنع بأن له إلهاً حقا، ولكننا لا نقتل الكافر الأصلي. إذن فقتل المرتد حماية لحزم الاختيار، فإِياك أن تدخل بدون روية؛ لأنك لو دخلت ثم ارتددت فسوف تقتل، وبذلك يصفي الحق المسألة تصفية لازمة بأن يعرض من يقبل على الإِسلام جميع الحجج على نفسه، ولا يدخل إلا بنية على هذا، ففي أي عقد يحاول الإِنسان أن يعرف التزاماته وأن تتضح أمامه هذه الالتزامات. ولا يدخل إلى الدين الدخول الأهوج، أو الدخول الأرعن، أو الدخول المتعجل. بل يلزمه أن يدخل بتؤدة وروية. وفي الزواج يدخل الإِنسان بكلمة ويخرج بكلمة أيضا هي: "أنت طالق"، ولذلك تحتاط المرأة، فمادامت قد عرفت أن بقاء زواجها رهن بكلمة فعليها أن تحرص ألا تضع هذا الحق إلا في يد أمينة عليه. وساعة أن يقول لها أبوها: اسمعي، إن لك أن تختاري الزوج الذي إن أحبك أكرمك، وإن كرهك لا يظلمك؛ لأن بكلمة منه تنتهي الحياة الزوجية. إذن فعلى المرأة أن تفكر في الإِنسان الأمين على هذه الكلمة. ومع ذلك فهناك احتياط للغفلة؛ فالرجل يتزوج بكلمة واحدة، من مرة واحدة لكن في الطلاق هناك ثلاث مراحل؛ كرصيد للغفلة. فالرجل يتزوج المرأة بكلمة "زوّجتك نفسي أو يزوجها وليها ويكون القبول من الزوج وبهذا يتم الزواج". لكن في الطلاق أباح الله لغفلة الرجل ولرعونته أن يطلق مرة، ثم يراجع هو من غير دخول أحد بينهما، ثم يطلق ثانية، ويراجعها، ولكن بعد الطلاق الثالث يجد التنبيه من الحق: لقد احتطنا لك برصيد من غفلتك. ولكن عندما تريدها زوجاً لك فلا يتم ذلك إلاّ أن تتزوج غيرك، وبعدها قد تعود أو تبقى مع من تزوجها. فاحتط جيداً للأمر الذي تدخل عليه، وللتعاقد الذي التزمت به. فإذا كان هذا هو الشأن في تعاقد الزواج، فما بالنا بالردّة؟ إنّنا نقتل المرتد، ولا نفعل به ذلك قبل أن يؤمن وقبل أن يعلن إيمانه وقبل الدخول في حيز المؤمنين، ليعلم أنه إن رجع عن الإِسلام فسيقتل, وهكذا يصعِّب الإِسلام الدخول إليه، ويحمي الاختيار في الوقت نفسه. ويتابع سبحانه: {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151] و"الوصية" لا تكون إلا للأمور المهمة التي لا تستقيم كالحياة إلا بالقيام بها، إنها في أمهات المسائل التي لا يصح أن نغفلها. ولذلك حين تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقد ظل ثلاثة وعشرين عاماً يستقبل من السماء ويناول أهل الأرض، ثم جاء في حجة الوداع وركّز كل مبادئ الدين في قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. و"وصاكم" غير شرّع؛ فشرّع تأتي بكل التشريعات وما فيها من تفاصيل صغيرة، والوصية تضم أمهات المسائل في التشريع. والعقل يجب أن يسع المسألة من أولها إلى آخرها؛ فلو استعملت عقلك في كل منهي عنه، أو في كل مأمور به في الآية فستجد التعقيل يعطيك التوازن في القرار، وقد ختم الحق الخمسة الأشياء التي ذكرها في هذه الآية بـ {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. وهذه الأوامر متفق عليها في جميع الرسالات وفي جميع الأديان، ويسمونها: "الوصايا العشر". والأشياء الخمسة التي أوصى بها سبحانه هي: * ألا تشركوا به شيئاً. * وبالوالدين إحساناً. * ولا تقتلوا أولادكم من إملاق. * ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. * ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق. فكان يجب أن يقول: ذلكم وصاكم بها، لكنه قال: {وَصَّاكُمْ بِهِ}، فكأن أوامر الله ونواهيه أمر واحد متلازم تتمثل كلها في: التزام ما أمر الله به، واجتنب ما نهى الله عنه. وقوله سبحانه: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فكأن العقل لو خُليِّ ليبحث هذه الأشياء بحثاً مستقلاً عن منهج السماء لوجد أن ضرورة العيش على الأرض تتطلب وجود هذه الأشياء. إذن، كيف نُعْصم من أهوائنا المتضاربة بعضها مع بعض؟. لابد أن يكون الإله واحداً حتى لا يتبع كل واحد منا هواه. إننا نعرف أن الأصل في الإنسان هو الأب والأم. لذلك وصى بالأصل في {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، ووصى أننا لا نقتل الأولاد خشية الفقر؛ لأن الحياة تستمر بهم، وبعد ذلك لابد أن تكون الحياة نظيفة، طاهرة لجميع الأفراد، ولا تشوبها شائبة الدنس أبداً، ولا يتأتى ذلك إلا إذا تركنا الفواحش: ما ظهر منها وما بطن؛ لأننا نلاحظ أن كل الأولاد غير الشرعيين يُهْمَلون؛ فالحق سبحانه وتعالى يريد طهارة الأنسال في الحياة؛ حتى يتحمل كل واحد مسئولية نسله. ويكون محسوباً عليه أمام المجتمع، ويحذرنا سبحانه من أن نقتل النفس إلا بالحق؛ لأن النفس أصل استبقاء الحياة. ثم يجيء الحق بعد ذلك في الآية التالية ليكمل الوصايا فيقول: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ...}

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى ما حرّمه الكفار افتراء عليه وذكر ما أباحه تعالى لهم من الحبوب والفواكه والحيوان، ذكر هنا ما حرّمه تعالى عليهم حقيقة من الأمور الضارة، وذكر الوصايا العشر التي اتفقت عليها الشرائع السماوية وبها سعادة البشرية. اللغَة: {أَتْلُ} أقرأ وأقص {إِمْلاَقٍ} فقر يقال أملق الرجل إِذا افتقر {أَشُدَّهُ} قوته وهو بلوغ سن النكاح والرشد، والأشدُّ جمعٌ لا واحد له {بِٱلْقِسْطِ} بالعدل بلا بخس ولا نقصان {ٱلسُّبُلَ} جمع سبيل وهي الطريق {شِيَعاً} فرقاً وأحزاباً جمع شيعة وهي الفرقة تتشيع وتتعصب لمذهبها {قِيَماً} مستقيماً لا عوج فيه {نُسُكِي} النُّسُك جمع نسيكة وهي الذبيحة وقال الزجاج: عبادتي ومنه الناسك الذي يتقرب إِلى الله بالعبادة. التفسِير: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} أي قل يا محمد تعالوا أقرأ الذي حرّمه ربكم عليكم باليقين لا بالظن والتخمين {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} أي لا تعبدوا معه غيره {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أي وأحسنوا إِلى الوالدين إِحساناً، وذُكر ضمن المحرمات لأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده فكأنه قال: ولا تسيئوا إِلى الوالدين قال أبو السعود: والسرُّ في ذلك المبالغةُ والدلالة على أن ترك الإِساءة إِليهما غير كافٍ في قضاء حقوقهما {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إِمْلاَقٍ} أي ولا تقتلوا أولادكم خشية الفقر قال ابن الجوزي: المراد دفن البنات أحياء من خوف الفقر {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} أي رزقكم ورزقهم علينا فإِن الله هو الرازق للعباد {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} أي لا تقربوا المنكرات الكبائر علانيتها وسرّها قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنى بأساً في السرّ ويستقبحونه في العلانية فحرمه الله في السر والعلانية {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي لا تقتلوا النفس البريئة التي حرّم الله قتلها إِلا بموجب وقد فسّره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحل دم امرئ مسلم إِلا بإِحدى ثلاث: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتاركُ لدينه المفارق للجماعة" تفسير : {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي ذلكم المذكور هو ما أوصاكم تعالى بحفظه وأمركم به أمراً مؤكداً لعلكم تسترشدون بعقولكم إِلى فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا قال أبو حيان: وفي لفظ وصّاكم من اللطف والرأفة وجعلهم أوصياء له تعالى ما لا يخفى من الإِحسان {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أي لا تقربوا مال اليتيم بوجه من الوجوه إِلا بالخصلة التي هي أنفع له حتى يصير بالغاً رشيداً، والنهي عن القرب يعمُّ وجوه التصرف لأنه إِذا نُهي عن أن يقرب المال فالنهيُ عن أكله أولى وأحرى والتي هي أحسن منفعةُ اليتيم وتثمير ماله قال ابن عباس: هو أن يعمل له عملاً مصلحاً فيأكل منه بالمعروف {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل والتسوية في الأخذ والعطاء {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي لا نكلّف أحداً إِلا بمقدار طاقته بما لا يعجز عنه قال البيضاوي: أي إِلا ما يسعها ولا يعسرُ عليها، وذكره بعد وفاء الكيل لأن إِيفاء الحق عسرٌ فعليكم بما في وسعكم وما وراءه معفوٌّ عنكم {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} أي اعدلوا في حكومتكم وشهادتكم ولو كان المشهود عليه من ذوي قرابتكم {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} أي أوفوا بالعهد إِذا عاهدتم قال القرطبي: وهذا عام في جميع ما عهده الله إِلى عباده ويحتمل أن يراد به ما انعقد بين الناس وأضيف إِلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي لعلكم تتعظون {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} أي وبأن هذا ديني المستقيم شرعته لكم فتمسكوا به ولا تتبعوا الأديان المختلفة والطرق الملتوية فتفرقكم وتزيلكم عن سبيل الهدى عن ابن مسعود قال: حديث : خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطاً ثم قال هذا سبيل الله، ثم خطَّ خطوطاً عن يمينه ويساره ثم قال: هذه سُبُل على كل سبيل منها شيطانٌ يدعو إِليها ثم قرأ {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ..} الآية تفسير : {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} كرر الوصية على سبيل التوكيد أي لعلكم تتقون النار بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه قال ابن عطية: لما كانت المحرمات الأولى لا يقع فيها عاقل جاءت العبارة {أية : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 73] والمحرمات الأخر شهوات وقد ويقع فيها من لم يتذكر جاءت العبارة {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} والسير في الجادة المستقيمة يتضمن فعل الفضائل ولا بد لها من تقوى الله جاءت العبارة {أية : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}تفسير : [البقرة: 63] {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} أي أعطينا موسى التوراة تماماً للكرامة والنعمة على من كان محسناً وصالحاً قال الطبري: أي آتينا موسى الكتاب تماماً لنعمتنا عليه في قيامه بأمرنا ونهينا فإِن إِيتاء موسى الكتاب نعمةٌ من الله عليه ومنَّةٌ عظيمة لما سلف منه من صالح العمل وحسن الطاعة {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} أي وبياناً مفصلاً لكل ما يحتاج إِليه بنو إِسرائيل في الدين {وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} أي وهدى لبني إِسرائيل ورحمة عليهم ليصدّقوا بلقاء الله قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ويصدّقوا بالثواب والعذاب {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} أي وهذا القرآن الذي أنزلناه على محمد كتابٌ عظيم الشأن كثير المنافع مشتملٌ على أنواع الفوائد الدينية والدنيوية {فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي تمسكوا به واجعلوه إِماماً واحذروا أن تخالفوه لتكونوا راجين للرحمة {أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ} أي أنزلناه بهذا الوصف العظيم الجامع لخيرات الدنيا والآخرة كراهة أن تقولوا يوم القيامة ما جاءنا كتاب فنتّبعه وإِنما نزلت الكتب المقدسة على اليهود والنصارى قال ابن جرير: فقطع الله بإِنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم حجتهم تلك {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} أي وإِنه الحال والشأن كنا عن معرفة ما في كتبهم ودراستهم غافلين لا نعلم ما فيها لأنها لم تكن بلغتنا {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ} أو تقولوا لو أننا أُنزل علينا الكتاب كما أُنزل على هاتين الطائفتين لكنَّا أهدى منهم إِلى الحق وأسرع إِجابة لأمر الرسول لمزيد ذكائنا وجدّنا في العمل {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} أي فقد جاءكم من الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قرآن عظيم، فيه بيانٌ للحلال والحرام وهدى لما في القلوب ورحمة من الله لعباده قال القرطبي: أي قد زال العذر بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس: بيّنة أي حجة وهو النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي من أكفر ممن كذّب بالقرآن ولم يؤمن به {وَصَدَفَ عَنْهَا} أي أعرض عن آيات الله قال أبو السعود: أي صرف الناس عنها فجمع بين الضلال والإِضلال {سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ} وعيدٌ لهم أي سنثيب هؤلاء المعرضين عن آيات الله وحججه الساطعة شديد العقاب بسبب إِعراضهم عن آيات الله وتكذيبهم لرسله {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} أي ما ينتظر هؤلاء المشركون إِلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعذيبها وهو وقتٌ لا تنفع فيه توبتُهم {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} قال ابن عباس: أي يأتي أمر ربك فيهم بالقتل أو غيره وقال الطبري: المراد أن يأتيهم ربك في موقف القيامة للفصل بين خلقه أو يأتيهم بعض آيات ربك وهو طلوع الشمس من مغربها {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً} أي يوم يأتي بعض أشراط الساعة وحينئذٍ لا ينفع الإِيمان نفساً كافرة آمنت في ذلك الحين ولا نفساً عاصيةً لم تعمل خيراً قال الطبري: أي لا ينفع من كان قبل ذلك مشركاً بالله أن يؤمن بعد مجيء تلك الآية لعظيم الهول الوارد عليهم من أمر الله، فحكم إِيمانهم كحكم إِيمانهم عند قيام الساعة وفي الحديث "حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإِذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفساً إِيمانها لم تكن آمنت من قبل" تفسير : {قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} أي انتظروا ما يحلُّ بكم وهو أمر تهديد ووعيد {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} أي فرّقوا الدين فأصبحوا شيعاً وأحزاباً قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى فرّقوا دين إِبراهيم الحنيف {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} أي أنت يا محمد بريء منهم {إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ} أي جزاؤهم وعقابهم على الله هو يتولى جزاءهم {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} أي يخبرهم بشنيع فعالهم قال الطبري: أي أخبرهم في الآخرة بما كانوا يفعلون وأجازي كلاً منهم بما كان يفعل {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} أي من جاء يوم القيامة بحسنةٍ واحدة جوزي عنها بعشر حسناتٍ أمثالها فضلاً من الله وكرماً وهو أقلُّ المضاعفة للحسنات فقد تنتهي إِلى سبعمائة أو أزيد {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا} أي ومن جاء بالسيئة عوقب بمثلها دون مضاعفة {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي لا يُنقصون من جزائهم شيئاً وفي الحديث القدسي: "حديث : يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيدُ، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغْفرُ" تفسير : فالزيادة في الحسنات من باب الفضل، والمعاملة بالمثل في السيئات من باب العدل {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين إِن ربي هداني إِلى الطريق القويم وأرشدني إِلى الدين الحق دين إِبراهيم {دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} أي ديناً مستقيماً لا عوج فيه هو دين الحنيفية السمحة الذي جاء به إِمام الحنفاء إِبراهيم الخليل {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي وما كان إِبراهيم مشركاً، وفيه تعريضٌ بإِشراك من خالف دين الإِسلام لخروجه عن دين إِبراهيم {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي} أي قل يا محمد إِنَّ صلاتي التي أعبد بها ربي {وَنُسُكِي} أي ذبحي {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} أي حياتي ووفاتي وما أقدّمه في هذه الحياة من خيرات وطاعات {للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي ذلك كله لله خالصاً له دون ما أشركتم به {لاَ شَرِيكَ لَهُ} أي لا أعبد غير الله {وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ} أي بإِخلاص العبادة لله وحده أُمرتُ {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي أولُّ من أقرَّ وأذعنَ وخضع لله جلّ وعلا {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً} تقريرٌ وتوبيخ للكفار، وسببها أنهم دعوه إِلى عبادة آلهتهم والمعنى: قل يا محمد أأطلب رباً غير الله تعالى؟ {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} أي والحال هو خالق ومالك كل شيء فكيف يليق أن أتخذ إِلهاً غير الله؟ {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} أي لا تكون جناية نفسٍ من النفوس إِلا عليها {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي لا يحمل أحدٌ ذنب أحد، ولا يؤاخذ إِنسانٌ بجريرة غيره {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} وهذا وعيدٌ وتهديدٌ أي مرجعكم إِليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم ويميز بين المحسن والمسيء {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} أي جعلكم خلفاً للأمم الماضية والقرون السالفة يخلف بعضكم بعضاً قال الطبري: أي استخلفكم بعد أن أهلك من كان قبلكم من القرون والأمم الخالية فجعلكم خلائف منهم في الأرض تخلفونهم فيها {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} أي خالف بين أحوالكم في الغنى والفقر، والعلم والجهل، والقوة والضعف وغير ذلك مما وقع فيه التفضيل بين العباد {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ} أي ليختبر شكركم على ما أعطاكم قال ابن الجوزي: أي ليختبركم فيظهر منكم ما يكون به الثواب والعقاب {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي إِن ربك سريع العقاب لمن عصاه وغفور رحيم لمن أطاعه، قال في التسهيل: جمع بين الخوف والرجاء، وسرعة العقاب إِما في الدنيا بتعجيل الأخذ أو في الآخرة لأن كل ما هو آتٍ قريب. البَلاَغَة: 1- {وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ} السُّبل استعارة عن البدع والضلالات والمذاهب المنحرفة. 2- {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً} التنكير لإِفادة العموم والشمول. 3- {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ} الإِضافة للتشريف والتعظيم. 4- {يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا} وضع الظاهر مكان الضمير {عَنْهَا} لتسجيل شناعة وقباحة طغيانهم. 5- {قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ} الأمر للتهديد والوعيد. 6- {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا..} الآية اشتمل هذا الكلام على النوع المعروف من علم البيان باللَّف وأصل الكلام: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً لم تكن مؤمنةً قبلُ إِيمانُها بعدُ، ولا نفساً لم تكسب في إِيمانها خيراً قبلُ ما تكسبه من الخير بعدُ، إِلا أنه لفّ الكلامين فجعلهما كلاماً واحداً بلاغة واختصاراً وإِعجازاً، أفاده صاحب الانتصاف. 7- بين {ظَهَرَ} و{بَطَنَ} طباق وبين {ٱلْحَسَنَةِ} و{ٱلسَّيِّئَةِ} طباق كذلك وهو من المحسنات البديعية. 8- {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} قال الشريف الرضي: ليس هناك على الحقيقة أحمال على الظهور وإِنما هي أثقال الآثام والذنوب فهو من الاستعارة اللطيفة. فَائِدَة: وحّد تعالى {سَبِيلِهِ} لأن الحق واحد وجمع {ٱلسُّبُلَ} لأن طرق الضلالة كثيرة ومتشعبة. تنبيه: قال الحافظ ابن كثير: كثيراً ما يقرن تبارك وتعالى في القرآن بين هاتين الصفتين {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} كقوله تعالى {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} تفسير : [الحجر: 49 - 50] إِلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارةً يدعو عباده إِليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إِليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهما لينجع في كلٍ بحسبه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ} معناهُ من فَقرٍ وَفَاقَةٍ.

الأندلسي

تفسير : {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} لما ذكر ما حرموا افتراء عليه ثم ذكر ما أباحه تعالى لهم من الحبوب والفواكه والحيوان، ذكر ما حرمه تعالى عليهم من أشياء نهاهم عنها وما أوجب عليهم من أشياء أمرهم بها. وتقدم شرح تعالوا عند قوله تعالى: {أية : تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ} تفسير : [آل عمران: 64]. والخطاب في: قل لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي: تعالوا، قيل: للمشركين. وقيل: لمن بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مؤمن وكتابي ومشرك. وسياق الآيات يدل على أنه للمشركين وإن كان حكم غيرهم. في ذلك حكمهم أمره تعالى أن يدعو جميع الخلق إلى سماع ما حرم الله تعالى بشرع الإِسلام المبعوث به إلى الأسود والأحمر. وأتل: أسرد. وأنص من التلاوة وهي اتباع بعض الحروف بعضاً. وقال كعب الأحبار: هذه الآية هي مفتتح التوراة: بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم... إلى آخر الآية. وقال ابن عباس: هذه الآيات هي المحكمات التي ذكرها الله تعالى في سورة آل عمران أجمعت عليها شرائع الخلق ولم تنسخ قط في ملة. وقد قيل: انها العشر كلمات أنزلت على موسى عليه السلام. وما: بمعنى الذي، وهي مفعولة بأتل، أي أقرأ الذي حرمه ربكم عليكم. وعليكم متعلق بحرم لا باتل. {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} الظاهر أنّ انْ تفسيرية. ولا: ناهية، لأن أتل فعل بمعنى القول وما بعد أن جملة فاجتمع في أن شرطاً التفسيرية وهي أن يتقدمها معنى القول، وأن يكون ما بعدها جملة. قال الزمخشري: فإِن قلت: إذا جعلت انْ مفسرة لفعل التلاوة وهو معلق بما حرم عليكم، وجب أن يكون بعدها منهياً عنه محرماً كله كالشرك وما بعده مما دخل عليه حرف النهي فما تصنع بالأول؟ قلت: لما وردت هذه الأوامر مع النواهي، وتقدمهن جميعاً فعل التحريم، واشتركن في الدخول تحت حكمه على أن التحريم راجع إلى أضدادها وهي الإِساءة إلى الوالدين، وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله. "انتهى". وكون هذه الأشياء اشتركت في الدخل تحت حكم التحريم وكون التحريم راجعاً إلى أضداد الأوامر بعيد جداً والغاز في المعاني ولا ضرورة تدعو إلى ذلك، وأما عطف هذه الأوامر فيحتمل وجهين: أنها معطوفة لا على المناهي قبلها فيلزم انسحاب التحريم عليها حيث كانت في حيز انّ التفسيرية بل هي معطوفة على قوله: اتل ما حرم أمرهم أولاً بأمر مرتب عليه ذكر مناه ثم أمرهم ثانياً بأوامر، وهذا معنى وأفلح. والثاني أن تكون الأوامر معطوفة على المناهي داخلة تحت أنْ التفسيرية، ويصح ذلك على تقدير محذوف تكون أن مفسرة له وللمنطوق قبله الذي دل على حذفه. والتقدير وما أمركم به فحذف، وما أمركم به لدلالة ما حرم عليه، لأن معنى ما حرم ربكم عليكم ما نهاكم ربكم عنه، فالمعنى قل تعالوا أتل ما نهاكم ربكم عنه وما أمركم به وإذا كان التقدير هكذا أصح أن تكون أنْ تفسيرية لفعل النهي الدال عليه التحريم، وفعل الأمر المحذوف ألا ترى أنه يجوز أن تقول: أمرتك أن لا تكرم جاهلاً، وأكرم عالماً، إذ يجوز عطف الأمر على النهي والنهي على الأمر، كما قال امرؤ القيس: شعر : وقوفاً بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل تفسير : وهذا ألا نعلم فيه خلافاً بخلاف الجمل المتباينة بالخبر والاستفهام والإِنشاء فإن في جواز العطف فيها خلافاً. قال الزمخشري: فإِن قلت: وجب هلا قلت هي التي تنصب الفعل، وجعلت أن لا تشركوا بدلاً مما حرم. قلت: وجب أن يكون لا تشركوا ولا تقربوا ولا تقتلوا ولا تتبعوا السبل نواهي الانعطاف الأوامر عليها. وهي قوله: وبالوالدين إحساناً، التقدير وأحسنوا بالوالدين إحسانا وأوفوا. وإذا قلتم: فاعدلوا وبعهد الله أوفوا. "انتهى". ولا يتعين أن تكون جميع الأوامر معطوفة على جميع ما دخل عليه لا لأنا بيّنا جواز عطف وبالوالدين إحسانا على تعالوا، وما بعده معطوفة عليه، ولا يكون قوله: وبالوالدين معطوف على أن لا تشركوا. {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تقدم تفسيره في البقرة. {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} من هنا سببية أي من فقر، يقال: أملق الرجل إذا افتقر، ولما أمر تعالى بالإِحسان إلى الوالدين نهي عن الإِساءة إلى الأولاد، ونبه على أعظم الإِساءة للأولاد وهو إعدام حياتهم بالقتل خوف الفقر، كما قال في الحديث: حديث : وقد سئل عن أكبر الكبائر فذكر الشرك بالله تعالى وهو قوله: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. ثم قال: وان تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: وإن تزاني حليلة جاركتفسير : . وجاء هذا الحديث منتزعاً من هذه الآية، وجاء التركيب هنا من إملاق نحن نرزقكم وإياهم. وفي سورة الإسراء {أية : خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} تفسير : [الآية: 31]. فيمكن أن يكون ذلك من التفنن في الكلام، ويمكن أن يقال في هذه الآية: جاء من املاق. وظاهره حصول الاملاق للوالد لا توقعه وخشيته وإن كان واجداً للحال. فبدأ أولاً بقوله: نحن نرزقكم، خطاباً للآباء وتبشيراً لهم بزوال الإِملاق وإحالة الرزق على الخالق الرازق، ثم عطف عليهم الأولاد، وأما في سورة الإِسراء فظاهر التركيب أنهم موسرون، وإن قتلهم إياهم إنما هو لتوقع حصول الإِملاق والخشية منه فبدىء فيه بقوله: نحن نرزقهم، إخباراً بتكفله تعالى برزقهم، فلستم أنتم رازقيهم. وعطف عليهم الآباء وصارت الآيتان مفيدتان مَعْنيين أحدهما: أن الآباء نهوا عن قتل الأولاد مع وجود إملاقهم، والآخر: أنهم نهوا عن قتلهم وإن كانوا موسرين، لتوقع الإِملاق وخشيته. وحمل الآيتين على ما يفيد معنيين أولى من التأكيد. {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ} الآية، المنقول فيما ظهر وما بطن كالمنقول في قوله: وذروا، ظاهر الاثم وباطنه. وتقدم فأغنى عن إعادته. {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} هذا مندرج تحت عموم الفواحش، إذ الأجود أن لا يخصّ الفواحش بنوع ما، وإنما جرد منها قتل النفس تعظيماً لهذه الفاحشة واستهوالاً لوقوعها ولأنه لا يتأتى الاستثناء بقوله: إلا بالحق إلا من القتل لا من عموم الفواحش. وقوله: التي حرم الله، حوالة على سبق العهد في تحريمها فلذلك وُصفت بالتي. والنفس المحرمة هي المؤمنة والذميّة والمعاهدة وبالحق بالسبب الموجب لقتلها كالردة والقصاص والزنا بعد الاحصان والمحاربة. {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} إشارة إلى جميع ما تقدم. وفي لفظ وصاكم من اللطف والرأفة، وجعلهم أوصياء له تعالى ما لا يخفى من الإِحسان. ولما كان العقل هو مناط التكليف قال: لعلكم تعقلون، أي فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا والآخرة والوصاة، الأمر المؤكد المقرر. قال الأعشى: أجدك لم تسمع وصاة محمد نبي الإِله حين أوصى وأشهدا. {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} هذا نهي عن القرب الذي يعم جميع وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة. {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي بالخصلة التي هي أحسن في حق اليتيم. ولم يأت إلا بالتي هي حسنة، بل جاء بأفعل التفضيل مراعاة لمال اليتيم وأنه لا يكفي فيه الحالة الحسنة بل الخصلة الحسنى، وأموال الناس ممنوع من قربانها. ونص على اليتيم لأن الطمع فيه أكثر لضعفه وقلة مراعاته. {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} هذه غاية من حيث المعنى لا من حيث هذا التركيب اللفظي. ومعناه: احفظوا على اليتيم ماله إلى بلوغ أشده فادفعوه إليه. وبلوغ الأشد هنا لليتيم هو بلوغ الحلم، مع أنه لا يثبت معه سفه. {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل والسوية. وقيل: القسط هنا أدنى زيادة ليخرج بها عن العهدة بيقين لما روي: حديث : إذا وزنتم فارجحوا وأوفواتفسير : . فعل أمر وبعده أوامر أيضاً وبعده مناه فيحتمل الوجهين السابقين إلى قوله: {لاَ نُكَلِّفُ} الآية، تقدم الكلام على مثلها في البقرة. {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ} أي ولو كان المقول له أو عليه ذا قرابة، فلا ينبغي أن يزيد ولا ينقص، ويدخل في ذي القربى نفس القائل ووالده وأقربوه، فهو ينظر إلى قوله تعالى: {أية : وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ}تفسير : [النساء: 135]. وعني بالقول هنا ما لا يطلع عليه إلا بالقول من أمر وحكم وشهادة وخبر ووساطة بين الناس وغير ذلك. {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} يحتمل أن يكون مضافاً إلى الفاعل أي بما عاهدكم الله عليه أوفوا، وأن يكون مضافاً إلى المفعول، أي بما عاهدتم الله عليه أوفوا. {ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ولما كانت الخمسة المذكورة قبل هذا من الأمور والظاهرة الجلية وجب تعقلها وتفهمها. فختمت بقوله: لعلكم تعقلون. وهذه الأربعة خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والذكر الكثير حتى يقف على موضع الاعتدال ختمت بقوله: لعلكم تذكرون. {وَإِنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ} قرىء: وإن بكسر الهمزة وتشديد النون على الاستئناف. وفاتبعوه: جملة معطوفة على الجملة المستأنفة. وقرىء: بفتح الهمزة وتشديد النون وهو على إضمار اللام تقديره ولأنّ، كقوله تعالى: {أية : لإِيلاَفِ} تفسير : [قريش: 1]، وقوله: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ}تفسير : [قريش: 3]. وقرىء: وأنْ وهو على إضمار اللام وأنْ مخففة من الثقيلة وفيها ضمير الشأن وهذا صراطي مبتدأ وخبر فسرّ ذلك لضمير الشأن. والإِشارة بهذا إلى الآيات التي أعقبتها هذه الآية من الأوامر والنواهي لأنها هي المحكمات التي لم تنسخ في ملة من الملل. ومستقيماً حال مؤكدة، لأن صراطه تعالى لا يكون إلا مستقيماً. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ} في مسند الدارمي عن ابن مسعود قال: حديث : خط لنا يوماً رسول الله صلى الله عليه سلم خطاً ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن يساره ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ هذه الآيةتفسير : . وانتصب فتفرق لأجل النهي جواباً له أي فتفرق فحذف التاء. وقرىء فتفرق بتشديد التاء. {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} كرر التوصية على سبيل التوكيد، ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف وأمر تعالى باتباعه، ونهى عن بنيات الطريق ختم ذلك بالتقوى التي هي إتقاء النار إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية وحصل على السعادة السرمدية.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن المحرمات على البنين والبنات بقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} [الأنعام: 151] إلى قوله {تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]. الإشارة فيها إلى قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} وآل على أن المحرم والمحل هو الله تعالى، وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله لك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ والمبين ما أحل الله وما حرمه. ثم اعلم أن هذه الآيات لتشتمل على عشر خصال جامعة للخير كله: أولها: ألاَّ تشركوا به شيئاً قدم الشرك؛ فإنه رأس المحرمات، {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48]، فإنه لا يقبل معه شيئاً من الطاعات، وهو ينقسم إلى جلي وخفي؛ فالجلي: عبادة الأصنام ومتابعة الهوى في الأنام، فقال تعالى: {أية : أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : [الفرقان: 43]، والخفي: ملاحظة الأنام بعين استحكام الإعظام ورؤية الأغيار مع الله الواحد القهار. وثانيها: قوله تعالى: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الأنعام: 151]، وإنما ذكر بعد تحريم الشرك تحريم العقوق والأمر بالإحسان إلى الوالدين؛ لأنهما سبب وجوده ومظهره، كما أن الله تعالى موجد وجوده ومبدعه ومبدئه فحرم عقوقهما بعد تحريم الشرك به، وأوجب الإحسان إليهما بعد القيام بعبادته، كما قال تعالى: {أية : أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [الإسراء: 23]، إقامة لحقوقهما بعد الإقامة لحقوق الله تعالى، فالتقاعد عن أداء حقوقهما عقوق فهو أكبر الكبائر. وثالثها: قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151]، ثم حرم قتل الأولاد بعد تحريم العقوق؛ لما فيه من هدم بنيان الله تعالى، وملعون من هدم بنيانه، وفيه إبطال ثمرة، وشجرة وجوده، وقطع نسله، وفيه خشية إملاق؛ وهي ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله إن يرزقهم وذلك يؤدي إلى تكذيب الله تعالى؛ لأنه قال تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود: 6]. ورابعها: قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151]، ثم الفواحش جميعها، وقد يدخل في ذلك جميع أقسام الآثام ما ظهر منها: وهو ما يبعده من الجنة ويدينه، وباطن منها: وهو ما يبعده عن الحق ويحجبه عنه، وإن لم يحجبه عن الجنة ولم يبعده منها، وأيضاً ما ظهر منها بالفعل، وما بطن بالنية. وخامسها: قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} [الأنعام: 151]، ثم حرَّم القتل إلا بالحق؛ أي: وإلا في طلب الحق، فإن المقتول في سبيل الله هو حي عند ربه، وفي قتل ترك تعظيم أمر الحق وترك الشفقة على الخلق وهما ملاك الدين {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} [الأنعام: 151]، يعني: هذه الخمسة المحرمة، {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151]، لكي تعرفوا موجبات الانقطاع عن الله تعالى فتحرزوا عنها. وسادسها: قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152]، والأشدة: الصلاح، والفقه؛ يعني: يتفقه في الصلاح للدين لا في إفساد الدنيا، ثم حرَّم المال بعد تحريم قتل النفس؛ لأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، وقدم مال اليتيم؛ لأنه عاجز عن حفظ ماله، فإن الله تولاه، {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} [الأنعام: 152]، وفيه معنيان: أمره وحي الخلق بالاجتناب عن ماله وبالشفقة والنظر في حقه. وسابعها: قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} وفيه معنيان: أحدهما: تحريم الطمع في مال المسلم بنقصان الكيل والوزن عند الوفاء وأتاه بزيادتهما عند الاستيفاء. والثاني: أوفوا الكيل وميزان الشرع بحقوق الربوبية، واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد وحظوظ العبودية من الألوهية، {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً} [الأنعام: 152] في إبقاء الحقوق واستيفاء الحظوظ، {إِلاَّ وُسْعَهَا} [الأنعام: 152] إلا بحسب استعدادها. وثامنها: قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ} [الأنعام: 152] ثم حرَّم الظلم والجور والميل في الفعل المقال، {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} [الأنعام: 152] أي: ولو كان المسلم على الكافر والكافر على المسلم وحقيقته العدل في الكلام أن ما يذكر الله تعالى ولا يذكر معه غيره، وأن يتكلم لله وفي الله وبالله. وتاسعها: قوله تعالى: {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} [الأنعام: 152] ثم حرَّم نقص العهد مع الله وأمر بالوفاء بعهده عليه، وهو ألاَّ يعبد إلا مولاه ولا يحث إلا إياه ولا يرى سواه، {ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ} [الأنعام: 152] يعني: هذه المحرمة الأخرى، {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152]؛ لكي تذكروا أيام الوصال في حضرة الجلال ومشاهدة ذلك الجمال: شعر : أياماً قضت بذي القضاء سقاهن رجاف العشى بطول إذا العيش غض والشباب بمائه وفي حدثان الدهر عنك غفول ونحن بربع إن تطأه ثوابت ولا استجيب للهم فيه ذبول تفسير : وعاشرها: قوله تعالى: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] ثم حرَّم إتباع كل سبيل الله، وأمر باتباع طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: {وَأَنَّ هَـٰذَا} أي: ذكرنا من الخصال العشر، {صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} يعني: إلى الله تعالى وهو صراط محمد صلى الله عليه وسلم، واختص هذه الأمة باتباع صراط إلى الله تعالى. ثم قال جل جلاله: {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} [الأنعام: 153] أي: بمتابعة وصيتكم في السير إلى الله، {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] بالله وتحترزون عن غير الله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قُلْ } لهؤلاء الذين حرموا ما أحل الله. { تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } تحريما عاما شاملا لكل أحد، محتويا على سائر المحرمات، من المآكل والمشارب والأقوال والأفعال. { أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } أي: لا قليلا ولا كثيرا. وحقيقة الشرك بالله: أن يعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يعظم كما يعظم الله، أويصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية، وإذا ترك العبد الشرك كله صار موحدا، مخلصا لله في جميع أحواله، فهذا حق الله على عباده، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. ثم بدأ بآكد الحقوق بعد حقه فقال: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } من الأقوال الكريمة الحسنة، والأفعال الجميلة المستحسنة، فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين أو سرور لهما، فإن ذلك من الإحسان، وإذا وجد الإحسان انتفى العقوق. { وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ } من ذكور وإناث { مِنْ إِمْلاقٍ } أي: بسبب الفقر وضيقكم من رزقهم، كما كان ذلك موجودا في الجاهلية القاسية الظالمة، وإذا كانوا منهيين عن قتلهم في هذه الحال، وهم أولادهم، فنهيهم عن قتلهم لغير موجب، أو قتل أولاد غيرهم، من باب أولى وأحرى. { نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } أي: قد تكفلنا برزق الجميع، فلستم الذين ترزقون أولادكم، بل ولا أنفسكم، فليس عليكم منهم ضيق. { وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ } وهي:الذنوب العظام المستفحشة، { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي: لا تقربوا الظاهر منها والخفي، أو المتعلق منها بالظاهر، والمتعلق بالقلب والباطن. والنهي عن قربان الفواحش أبلغ من النهي عن مجرد فعلها، فإنه يتناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة إليها. { وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ } وهي: النفس المسلمة، من ذكر وأنثى، صغير وكبير، بر وفاجر، والكافرة التي قد عصمت بالعهد والميثاق. { إِلا بِالْحَقِّ } كالزاني المحصن، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. { ذَلِكُمْ } المذكور { وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } عن الله وصيته، ثم تحفظونها، ثم تراعونها وتقومون بها. ودلت الآية على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به. { وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ } بأكل، أو معاوضة على وجه المحاباة لأنفسكم، أو أخذ من غير سبب. { إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي: إلا بالحال التي تصلح بها أموالهم، وينتفعون بها. فدل هذا على أنه لا يجوز قربانها، والتصرف بها على وجه يضر اليتامى، أو على وجه لا مضرة فيه ولا مصلحة، { حَتَّى يَبْلُغَ } اليتيم { أَشُدَّه } أي: حتى يبلغ ويرشد، ويعرف التصرف، فإذا بلغ أشده، أُعطي حينئذ مالُه، وتصرف فيه على نظره. وفي هذا دلالة على أن اليتيم -قبل بلوغ الأشُد- محجور عليه، وأن وليه يتصرف في ماله بالأحظ، وأن هذا الحجر ينتهي ببلوغ الأشُد. { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ } أي: بالعدل والوفاء التام، فإذا اجتهدتم في ذلك، فـ { لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } أي: بقدر ما تسعه، ولا تضيق عنه. فمَن حرَص على الإيفاء في الكيل والوزن، ثم حصل منه تقصير لم يفرط فيه، ولم يعلمه، فإن الله عفو غفور. وبهذه الآية ونحوها استدل الأصوليون، بأن الله لا يكلف أحدا ما لا يطيق، وعلى أن من اتقى الله فيما أمر، وفعل ما يمكنه من ذلك، فلا حرج عليه فيما سوى ذلك. { وَإِذَا قُلْتُمْ } قولا تحكمون به بين الناس، وتفصلون بينهم الخطاب، وتتكلمون به على المقالات والأحوال { فَاعْدِلُوا } في قولكم، بمراعاة الصدق في من تحبون ومن تكرهون، والإنصاف، وعدم كتمان ما يلزم بيانه، فإن الميل على من تكره بالكلام فيه أو في مقالته من الظلم المحرم. بل إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع، فالواجب عليه أن يعطي كل ذي حق حقه، وأن يبين ما فيها من الحق والباطل، ويعتبر قربها من الحق وبُعدها منه. وذكر الفقهاء أن القاضي يجب عليه العدل بين الخصمين، في لحظه ولفظه. { وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا } وهذا يشمل العهد الذي عاهده عليه العباد من القيام بحقوقه والوفاء بها، ومن العهد الذي يقع التعاقد به بين الخلق. فالجميع يجب الوفاء به، ويحرم نقضه والإخلال به. { ذَلِكُمْ } الأحكام المذكورة { وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ما بينه لكم من الأحكام،وتقومون بوصية الله لكم حق القيام، وتعرفون ما فيها، من الحكم والأحكام. ولما بين كثيرا من الأوامر الكبار، والشرائع المهمة، أشار إليها وإلى ما هو أعم منها فقال: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا } أي: هذه الأحكام وما أشبهها، مما بينه الله في كتابه، ووضحه لعباده، صراط الله الموصل إليه، وإلى دار كرامته، المعتدل السهل المختصر. { فَاتَّبِعُوهُ } لتنالوا الفوز والفلاح، وتدركوا الآمال والأفراح. { وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ } أي: الطرق المخالفة لهذا الطريق { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } أي: تضلكم عنه وتفرقكم يمينا وشمالا فإذا ضللتم عن الصراط المستقيم، فليس ثم إلا طرق توصل إلى الجحيم. { ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فإنكم إذا قمتم بما بينه الله لكم علما وعملا صرتم من المتقين، وعباد الله المفلحين، ووحد الصراط وأضافه إليه لأنه سبيل واحد موصل إليه، والله هو المعين للسالكين على سلوكه.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ} [151] 193- أنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عمرو بن مُرَّة قال: سمعت أبا وائل قال: سمعت عبد الله يقول ورفعه قال: "حديث : لا أحد - يعني أغْيَر - من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما أحدٌ / أحبُّ إليه المدح من الله عز وجل، ولذلك مدح نفسه ".

همام الصنعاني

تفسير : 873- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}: [الآية: 151]، قال: سِرّها وعَلانِيتَها.