Verse. 941 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَلَا تَقْرَبُوْا مَالَ الْيَتِيْمِ اِلَّا بِالَّتِيْ ہِىَ اَحْسَنُ حَتّٰي يَبْلُغَ اَشُدَّہٗ۝۰ۚ وَاَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيْزَانَ بِالْقِسْطِ۝۰ۚ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا اِلَّا وُسْعَہَا۝۰ۚ وَاِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوْا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٰي۝۰ۚ وَبِعَہْدِ اللہِ اَوْفُوْا۝۰ۭ ذٰلِكُمْ وَصّٰىكُمْ بِہٖ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ۝۱۵۲ۙ
Wala taqraboo mala alyateemi illa biallatee hiya ahsanu hatta yablugha ashuddahu waawfoo alkayla waalmeezana bialqisti la nukallifu nafsan illa wusAAaha waitha qultum faiAAdiloo walaw kana tha qurba wabiAAahdi Allahi awfoo thalikum wassakum bihi laAAallakum tathakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي» أي بالخصلة التي «هي أحسن» وهي ما فيه صلاحه «حتى يبلغ أشدَّه» بأن يحتلم «وأوفوا الكيل والميزان بالقسط» بالعدل وترك البخس «لا نكلف نفسا إلا وسعها» طاقتها في ذلك فإن أخطأ في الكيل والوزن والله يعلم صحة نيته فلا مؤاخذة عليه كما ورد في حديث «وإذا قلتم» في حكم أو غيره «فاعدلوا» بالصدق «ولو كان» المقول له أو عليه «ذا قربى» قرابة «وبعهد الله أوفوا ذلكم وصَّاكم به لعلكم تذكَّرون» بالتشديد تتعظون والسكون.

152

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى خمسة أنواع من التكاليف، وهي أمور ظاهرة جلية لا حاجة فيها إلى الفكر والاجتهاد، ثم ذكر تعالى في هذه الآية أربعة أنواع من التكاليف، وهي أمور خفية يحتاج المرء العاقل في معرفته بمقدارها إلى التفكر، والتأمل والاجتهاد. فالنوع الأولى: من التكاليف المذكورة في هذه الآية قوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ }. واعلم أنه تعالى قال في سورة البقرة: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إصلاح لهم خير}تفسير : [البقرة: 220] والمعنى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بأن يسعى في تنميته وتحصيل الربح به ورعاية وجوه الغبطة له، ثم إن كان القيم فقيراً محتاجاً أخذ بالمعروف، وإن كان غنياً فاحترز عنه كان أولى فقوله: {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } معناه كمعنى قوله: {أية : وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } تفسير : [النساء: 6]. وأما قوله: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } فالمعنى احفظوا ماله حتى يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله. وأما معنى الأشد وتفسيره: قال الليث: الأشد مبلغ الرجل الحكمة والمعرفة. قال الفراء: الأشد. وأحدها شد في القياس، ولم أسمع لها بواحد. وقال أبو الهيثم: واحدة الأشد شدة كما أن واحدة الأنعم نعمة، والشدة: القوة والجلادة، والشديد الرجل القوي، وفسروا بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحتلام بشرط أن يؤنس منه الرشد، وقد استقصينا في هذا الفصل في أول سورة النساء. والنوع الثاني: قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} اعلم أن كل شيء بلغ تمام الكمال، فقد وفى وتم. يقال: درهم واف، وكيل واف، وأوفيته حقه، ووفيته إذا أتممته، وأوفى الكيل إذا أتمه ولم ينقص منه شيئاً وقوله: {وَٱلْمِيزَانَ } أي الوزن بالميزان وقوله: {بِٱلْقِسْطِ } أي بالعدل لا بخس ولا نقصان. فإن قيل: إيفاء الكيل والميزان، هو عين القسط، فما الفائدة في هذا التكرير؟ قلنا: أمر الله المعطي بإيفاء ذي الحق حقه من غير نقصاه، وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة. واعلم أنه لما كان يجوز أن يتوهم الإنسان أنه يجب على التحقيق وذلك صعب شديد في العدل أتبعه الله تعالى بما يزيل هذا التشديد فقال: {لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } أي الواجب في إيفاء الكيل والوزن هذا القدر الممكن في إيفاء الكيل والوزن. أما التحقيق فغير واجب. قال القاضي: إذا كان تعالى قد خفف على المكلف هذا التخفيف مع أن ما هو التضييق مقدور له، فكيف يتوهم أنه تعالى يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه؟ بل قالوا: يخلق الكفر فيه، ويريده منه، ويحكم به عليه، ويخلق فيه القدرة الموجبة لذلك الكفر، والداعية الموجبة له، ثم ينهاه عنه فهو تعالى لما لم يجوز ذلك القدر من التشديد والتضييق على العبد، وهو إيفاء الكيل والوزن على سبيل التحقيق، فكيف يجوز أن يضيف على العبد مثل هذا التضييق والتشديد؟ واعلم أنا نعارض القاضي وشيوخه في هذا الموضع بمسألة العلم ومسألة الداعي، وحينئذ ينقطع ولا يبقى لهذا الكلام رواء ولا رونق. النوع الثالث: من التكاليف المذكورة في هذه الآية، قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ } واعلم أن هذا أيضاً من الأمور الخفية التي أوجب الله تعالى فيها أداء الأمانة، والمفسرون حملوه على أداء الشهادة فقط، والأمر والنهي فقط، قال القاضي وليس الأمر كذلك بل يدخل فيه كل ما يتصل بالقول، فيدخل فيه ما يقول المرء في الدعوة إلى الدين وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل ملخصاً عن الحشو والزيادة بألفاظ مفهومة معتادة، قريبة من الأفهام، ويدخل فيه أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقعاً على وجه العدل من غير زيادة في الإيذاء والإيحاش، ونقصان عن القدر الواجب، ويدخل فيه الحكايات التي يذكرها الرجل حتى لا يزيد فيها ولا ينقص عنها، ومن جملتها تبليغ الرسالات عن الناس، فإنه يجب أن يؤديها من غير زيادة ولا نقصان، ويدخل فيه حكم الحاكم بالقول، ثم إنه تعالى بين أنه يجب أن يسوي فيه بين القريب والبعيد، لأنه لما كان المقصود منه طلب رضوان الله تعالى لم يختلف ذلك بالقريب والبعيد. والنوع الرابع: من هذه التكاليف قوله تعالى: {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ } وهذا من خفيات الأمور لأن الرجل قد يحلف مع نفسه، فيكون ذلك الحلف خفياً، ويكون بره وحنثه أيضاً خفياً، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام قال: {ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }. فإن قيل: فما السبب في أن جعل خاتمة الآية الأولى بقوله: {أية : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } تفسير : [الأنعام: 151] وخاتمة هذه الآية بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }. قلنا: لأن التكاليف الخمسة المذكورة في الأولى أمور ظاهرة جلية، فوجب تعقلها وتفهمها وأما التكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية فأمور خفية غامضة، لا بد فيها من الاجتهاد والفكر حتى يقف على موضع الاعتدال، فلهذا السبب قال: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {تَذَكَّرُونَ } بالتخفيف والباقون {تذكرن} بتشديد الذال في كل القرآن وهما بمعنى واحد.

البيضاوي

تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } أي بالفعلة التي هي أحسن ما يفعل بماله كحفظه وتثميره. {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } حتى يصير بالغاً، وهو جمع شدة كنعمة وأنعم أو شد كصر وأصر وقيل مفرد كأنك. {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ } بالعدل والتسوية. {لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا ما يسعها ولا يعسر عليها، وذكره عقيب الأمر معناه أن إيفاء الحق عسر عليكم فعليكم بما في وسعكم وما وراءه معفو عنكم. {وَإِذَا قُلْتُمْ } في حكومة ونحوها. {فَٱعْدِلُواْ } فيه. {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ } ولو كان المقول له أو عليه من ذوي قرابتكم. {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ } يعني ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع. {ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تتعظون به، وقرأ حمزة وحفص والكسائي {تَذَكَّرُونَ } بتخفيف الذال حيث وقع إذا كان بالتاء والباقون بتشديدها.

ابن كثير

تفسير : قال عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أنزل الله {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} و{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً} تفسير : [النساء: 10] الآية، فانطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء، فيحبس له حتى يأكله، ويفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ} تفسير : [البقرة: 220] قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم. رواه أبو داود، وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} قال الشعبي ومالك وغير واحد من السلف: يعني: حتى يحتلم، وقال السدي: حتى يبلغ ثلاثين سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ستون سنة، قال: وهذا كله بعيد ها هنا، والله أعلم، وقوله تعالى: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء؛ كما توعد على تركه في قوله تعالى: { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [المطففين: 1-6] وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان. وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي: من حديث الحسين بن قيس أبي علي الرحبي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان: «حديث : إنكم وليتم أمراً هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم» تفسير : ثم قال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث الحسين وهو ضعيف في الحديث. وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفاً، قلت: وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث شريك عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين بهما هلكت القرون المتقدمة: المكيال والميزان» تفسير : وقوله تبارك وتعالى: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} أي: من اجتهد في أداء الحق وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده، فلا حرج عليه، وقد روى ابن مردويه من حديث بقية عن ميسرة بن عبيد عن عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} فقال: «حديث : من أوفى على يده في الكيل والميزان، والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما، لم يؤاخذ، وذلك تأويل وسعها» تفسير : هذا مرسل غريب، وقوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} كقوله: {أية : يَـٰأَيُّهَآ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [المائدة: 8] الآية، وكذا التي تشبهها في سورة النساء، يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب والبعيد، والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد في كل وقت وفي كل حال، وقوله: {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} قال ابن جرير: يقول: وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء ذلك أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم، وتعملوا بكتابه وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله، {ذَٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} يقول تعالى: هذا أوصاكم به، وأمركم به، وأكد عليكم فيه {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: تتعظون، وتنتهون عما كنتم فيه قبل هذا، وقرأ بعضهم بتشديد الذال، وآخرون بتخفيفها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى } أي بالخصلة التي {هِىَ أَحْسَنُ } وهي ما فيه صلاحه {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } بأن يحتلم {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ } بالعدل وترك البخس {لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } طاقتها في ذلك، فإن أخطأ في الكيل والوزن والله يعلم صحة نيته- فلا مؤاخدة عليه، كما ورد في حديث {وَإِذَا قُلْتُمْ } في حكم أو غيره {فَٱعْدِلُواْ } بالصدق {وَلَوْ كَانَ } المقول له أو عليه {ذَا قُرْبَىٰ } قرابة {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } بالتشديد والتخفيف تتعظون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} إنما خص مال اليتيم بالذكر وإن كان مال غيره في التحريم بمثابته، لأن الطمع فيه لقلة مراعيه أقوى، فكان بالذكر أولى. وفي قوله: {إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أربعة تأويلات: أحدها: حفظ ماله عليه إلى أن يكبر ليتسلمه، قاله الكلبي. والثاني: أن ذلك هو التجارة به، قاله مجاهد. والثالث: هو ألا يأخذ من الربح إذا اتجر له بالمال شيئاً، قاله الضحاك. والرابع: هو أن يأكل الولي بالمعروف من ماله إن افتقر، ويترك إن استغنى، ولا يتعدى من الأكل إلى الباس ولا غيره، قاله ابن زيد. ويحتمل خامساً: أن التي هي أحسن: حفظ أصوله وتثمير فروعه. ثم قال: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} والأشُد القوة والشباب. وفي حدها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الحلم حين تكتب له الحسنات وعليه السيئات، قاله ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك. والثاني: أن الأَشُد ثلاثون سنة، قاله السدي. والثالث: أن الأشد ثماني عشرة سنة، ذكره علي بن عيسى وفيه وجوه أُخَر نذكرها من بعد. ثم قال تعالى: {وَأَوْفُواْ الْكَيلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} يعني بالعدل، أمر في مال البائع من تأدية بمثل ما أُمِر به في مال اليتيم. ثم قال: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} يعني أنه لما كان العدل في الوزن والكيل مستحقاً، وكان تحديد أقل القليل متعذراً، كان ذلك عفواً، لأنه لا يدخل في الوسع فلم يكلفه. ثم قال: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: إذا حكمتم فأنصفوا. الثاني: إذا شهدتم فاصدقوا. الثالث: إذا توسطتم فلا تميلوا. ثمَ قال: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ} فيه قولان: أحدهما: أن عهد الله كل ما أوجبه الإنسان على نفسه من نذر وغيره. الثاني: أنه الحلف بالله أن يلزم الوفاء به إلا في معصية. {ذَالِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى الذين هادوا وما أوصاهم به في التوراة. والثاني: أنه راجع إلى المسلمين وما وصاهم به في القرآن. قوله عز وجل: {وََأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} فيه قولان: أحدهما: القرآن. والثاني: الشرع وسُمِّيَ ذلك صراطاً، والصراط هو الطريق لأنه يؤدي إلى الجنة فصار طريقاً إليها. {فَاتَّبِعُوهُ} يعني في العمل به. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما تقدم من الكتب المنزلة نسخها بالقرآن، وهو محتمل. والثاني: ما تقدم من الأديان المتقدمة نسخها بالإسلام وهو محتمل. والثالث: البدع والشبهات. {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} يعني عن طريق دينه. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يكون سبيله نصرة دينه وجهاد أعدائه، فنهى عن التفرق وأمر بالأجتماع.

ابن عطية

تفسير : هذا نهي عن القرب الذي يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة، ثم استثنى مايحسن وهو التثمير والسعي في نمائه، قال مجاهد: {التي هي أحسن} التجارة فيه ممن كان من الناظرين له مال يعيش به، فالأحسن إذا ثمر مال يتيم أن لا يأخذ منه نفقة ولا أجرة ولا غيرها من كان من الناظرين لا مال له ولا يتفق له نظر إلا بأن ينفق على نفسه من ربح نظره وإلا دعته الضرورة إلى ترك مال اليتيم دون نظر فالأحسن أن ينظر ويأكل بالمعروف، قاله ابن زيد، و"الأشد" جمع شد وجمع شدة، وهو هنا الحزم والنظر في الأمور وحسن التصرف فيها. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وليس هذا بالأشد المقرون ببلوغ الأربعين، بل هذا يكون مع صغر السن في ناس كثير وتلك الأشد هي التجارب والعقل المحنك، ولكن قد خلطهما المفسرون، وقال ربيعة والشعبي ومالك فيما روي عنه وأبو حنيفة، "بلوغ الأشد" البلوغ مع أن لا يثبت سفه، وقال السدي: "الأشد" ثلاثون سنة، وقالت فرقة ثلاثة وثلاثون سنة، وحكى الزجاج عن فرقة ثمانية عشر سنة، وضعّفه ورجح البلوغ مع الرشد وحكى النقاش أن "الأشد" هنا من خمسة عشر إلى ثلاثين، والفقه ما رجح الزجّاج، وهو قول مالك رحمه الله الرشد وزوال السفه مع البلوغ. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا أصح الأقوال وأليقها بهذا الموضع، وقوله تعالى: {وأوفوا الكيل والميزان} الآية أمر بالاعتدال في الأخذ والإعطاء، "والقسط" بالعدل، وقوله {لا نكلف نفساً إلا وسعها} يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرز لا أنه مطالب بغاية العدل في نفس الشيء المتصرف فيه، قال الطبري: لما كان الذي يعطي ناقصاً يتكلف في ذلك مشقة، وقوله {وإذا قلتم فاعدلوا} يتضمن الشهادات والأحكام والتوسط بين الناس وغير ذلك، أي ولو كان ميل الحق على قراباتكم، وقوله: {وبعهد الله} يحتمل أن يراد جميع ما عهده الله إلى عباده، ويحتمل أن يراد به جميع ذلك مع جميع ما انعقد بين إنسانين وأضاف ذلك العهد إلى الله من حيث قد أمر بحفظه والوفاء به، وقوله {لعلكم} ترجٍّ بحسبنا وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "تذّكّرون" بتشديد الذال والكاف جميعاً وكذلك "يذّكّرون" و"يذكّر الإنسان" وما جرى من ذلك مشدداً كله، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر كل ذلك بالتشديد إلا قوله {أية : أو لا يذكر الإنسان} تفسير : [مريم:67] فإنهم خففوها، وروى أبان وحفص عن عاصم "تذَكرون" خفيفة الذال في كل القرآن. وقرأ حمزة والكسائي "تذكرون" بتخفيف الذال إذا كان الفعل بالتاء، وإذا كان بالياء قرأه بالتشديد، وقرأ حمزة وحده في سورة الفرقان {أية : لمن أراد أن يذْكر} تفسير : [الآية:62] بسكون الذال وتخفيف الكاف، وقرأ ذلك الكسائي بتشديدهما وفتحهما.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} حفظه ماله [إلى] أن يكبر فيسلم إليه، أو التجارة به، أو لا يأخذ من ربح التجارة به شيئاً، أو الأكل إذا كان فقيراً والترك إن كان غنياً ولا يتعدى من الأكل إلى لباس ولا غيره، وخصّ مال اليتيم بالذكر وإن كان غيره محرماً لوقوع الطمع فيه إذ لا حافظ له ولا مراعي. {أَشُدَّهُ} الأشد: استحكام قوّة الشباب عند نشوئه وحَدُّه بالاحتلام، أو بثلاثين سنة. ثم نزل بعده {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} تفسير : [النساء: 6]، أو لثماني عشرة سنة. {لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا} عفا عما لا يدخل تحت الوسع من إيفاء الكيل والوزن. {وَبِعَهْدِ اللَّهِ} كل ما ألزمه الإنسان نفسه لله من نذر أو غيره، أو الحلف بالله ـ تعالى ـ يجب الوفاء به إلا في المعاصي.

الخازن

تفسير : {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} يعني ولا تقربوا مال اليتيم إلا بما فيه صلاحه وتثميره وتحصيل الربح له. قال مجاهد: هو التجارة فيه وقال الضحاك: هو أن يسعى له فيه. ولا يأخذ من ربحه شيئاً هذا إذا كان القيم بالمال غنياً غير محتاج فلو كان الوصي فقيراً فله أن يأكل بالمعروف {حتى يبلغ أشده} يعني احفظوا مال اليتيم إلى أن يبلغ أشده فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله. فأما الأشد فهو استحكام قوة الشباب والسن حتى يتناهى في الشاب إلى حد الرجال. قال الشعبي ومالك: لأشد الحلم حين تكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات. وقال أبو العالية: حتى يعقل وتجتمع قوته. وقال الكلبي: الأشد هو ما بين ثمان عشرة سنة إلى ثلاثين سنة وقيل إلى أربعين وقيل إلى ستين سنة وقال الضحاك: الأشد عشرون سنة، وقال السدي: الأشد ثلاثون سنة وقال مجاهد: الأشد ثلاث وثلاثون سنة وهذه الأقوال التي نقلت عن المفسرين في هذه الآية إنما هي نهاية الأشد لا ابتداؤه. والمراد بالأشد في هذه الآية. هو ابتداء بلوغ الحلم مع إيناس الرشد وهذا هو المختار في تفسير هذه الآية. وقوله تعالى: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} يعني بالعدل من غير زيادة ولا نقصان {لا نكلف نفساً إلا وسعها} يعني طاقتها وما يسعها في إيفاء الكيل والميزان وإتمامه. لم يكلف المعطي أن يعطي أكثر مما وجب عليه ولم يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه حتى لا تضيق نفسه عنه، بل أمر كل واحد بما يسعه مما لا حرج عليه فيه {وإذا قلتم فاعدلوا} يعني في الحكم والشهادة {ولو كان ذا قربى} يعني المحكوم عليه وكذا المشهود عليه، وقيل: إن الأمر بالعدل في القول هو أعم من الحكم والشهادة، بل يدخل فيه كل قول حتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير زيادة فيه ولا نقصان وأداء الأمانة وغير ذلك من جميع الأقوال التي يعتمد فيها العدل والصدق {وبعهد الله أوفوا} يعني ما عهد إلى عباده ووصاهم به وأوجبه عليهم أو ما أوجبه الإنسان على نفسه كنذر ونحوه فيجب الوفاء به {ذلكم} يعني الذي ذكر في هذه الآيات {وصاكم به} يعني بالعمل به {لعلكم تذكرون} يعني لعلكم تتعظون وتتذكرون فتأخذون ما أمرتكم به.

ابن عادل

تفسير : هذا استثناء مُفَرّغ أي: لا تَقَرَبُوه إلا بالخَصْلَة الحُسْنَى، فيجُوزُ أن يَكُون حالاً، وأن يَكُون نَعْتَ مَصْدَر، وأتى بصيغة التَّفْضِيل؛ تنبيهاً على أنَّه يتحرَّى في ذلك، ويَفْعَل الأحْسَن ولا يَكْتَفي بالحَسَن. قوله: "حَتَّى يَبْلُغ" هذه غاية من حَيْث المَعْنَى، فإن المَعْنى: احْفَظُوا ماله حتى يَبْلُغَ أشُدَّهُ، [ولو جَعلْنَاه غاية للَّفْظِ، كان التقدير: لا تَقْرَبُوه حتى يَبْلُغ] فاقربوه، ولَيْس ذلك مُرَاداً. قال القرطبي: "وليس بُلُوغ الأشُدِّ مما يُبِيحُ به قُرْب ماله بغير الأحْسَن؛ لأن الحُرْمَة في حقِّ البَالِغ ثابِتَةٌ، وخصَّ اليتيم بالذِّكر؛ أن خَصِيمَهُ الله - تعالى -, والمعنى: لا تَقْرَبُوا مال اليَتيم إلا بالَّتِي هي أحْسَن على الأبَدِ حَتَّى يَبْلُغ أشُدَه، وفي الكلام حَذْف تقديره: فإذا بَلَغَ أشُدَّه وأونِس منه الرُّشْد، فادْفَعُوا إليه مَالَه". والأشُدُّ: اختلف النَّحْويُّون فيه على خمسة أوجه: فقال الفرَّاء: "هو جمع لا وَاحِد له، والأشُدُّ واحدُها "شَدٌّ" في القياس، ولم أسْمَع لها بِوَاحدٍ". وقيل: هو مُفْرَدٌ لا جمع، نقل ابن الأنْبَاري ذلك عن بعض أهْل اللَّغَة، وأنه بِمَنْزِلة "الآنُك", ونقل أبو حيَّان عنه: أن هذا الوَجْه مُخْتَاره في آخرين، ثم قال: "ولَيْس بمختارٍ؛ لفقدان أفْعُل في المُفْرَادَات وضعاً". وقيل: هو جَمْع "شدَّة" و "فِعْلَة" يُجْمَع على "أفْعُل"؛ كنِعْمَة وأنْعُم، قاله أبو الهَيْثَم، وقال: "وكأن الهَاءَ في الشِّدَة والنِّعْمَة لم تكن في الحَرْف، إذ كانت زَائِدَة، وكان الأصلُ نِعْم وشِدّ فَجُمِعَا على "أفْعُل"؛ كما قالوا: رِجْل وأرْجُل، وقِدْح وأقْدُح، وضِرْس وأضْرُس". وقيل: هو جمع شُدّ [بضم الشِّين نقله ابن الأنْبَارِي عن بعض البَصْرِيِّين؛ قال: كقولك: هو وُدُّ، وهم أوُدٌّ]. وقيل: هو جمع شَدّ بفتحها، وهو مُحْتَمل. والمراد هُنَا ببلوغ الأشد: بُلُوغ الحُلُمِ في قَوْل الأكْثَرِ؛ لأنه مَظِنَّة ذلك. وقيل: هو مَبْلَغ الرِّجَال من الحِيلة والمَعْرِفة. وقيل: هو أن يَبْلغ خمسة عشر إلى ثلاثين. وقيل: أن يَبْلغ ثلاثة وثلاثين. وقيل: أرْبَعِين. وقيل: سِتِّين، وهذه لا تَلِيق بهذه الآيةِ، إنما تليق بقوله - تعالى -: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} تفسير : [الأحقاف:15] وتقدم منه طرف في النساء. والأشُدُّ مشتق من الشِّدَّة؛ وهي القُوَّة والجلادة، وأنشد الفرَّاء - رحمه الله تعالى -: [البسيط] شعر : 2382- قَدْ سَادَ وهو فَتًى حَتَّى إذَا بَلَغَتْ أشُدُّهُ وعَلاَ فِي الأمْرِ واجْتَمَعَا تفسير : وقال الآخرُ في ذلك: [الكامل] شعر : 2383- عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهَارُ كأنَّمَا خُضِبَ البَنَانُ وَرَأسُهُ بِالعِظْلمِ تفسير : قوله: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ} "الكيل والميزان" هما الآلة التي يُكال بها ويُوزَن، وأصْل الكَيْل: المصْدَر ثم أطْلِق على الآلَةِ، و "الميزان": مِفْعال من الوزن لهذه الآلةِ؛ كالمِصْبَاح والمقياس لِمَا يُسْتَصْبَحُ به، وما يُقاسُ به، وأصل ميزان: مِوْازن فَفُعِلَ به ما فُعِلَ بمِيقَاتٍ، وقد تقدم في البقرة. و "بِالقِسْطِ" حال من فَاعِل "أوْفُوا" أي: أوْفُوهُمَا مقسطين، أي: مُتَلَبِّسِين بالقِسْط، ويجُوز أن يكون حالاً من المفعُول، أي: أوْفُوا الكَيْل والميزان مُتَلَبِّسِين بالقِسْطِ، أي: تَامِّين، والقِسْط العدل. وقال أبو البقاء: "والكيْل هنا مَصْدر في مَعْنَى المَكِيل، وكذلك الميزان، ويجُوز أن يكون فيه حَذْفُ مُضَافٍ، تقديره: مَكِيل الكَيْلِ ومَوْزُونُ المِيزانِ"، ولا حاجة إلى ما ادِّعَاه من وُقُوع المصدر موقع اسْمِ المفعُول، ولا من تقدير المضاف؛ لأن المعنى صحيح بدُونهما، وأيضاً فـ "ميزان" ليس مصدراً، إلا أنه يُعَضِّد قوله ما قاله الوَاحِدِيُّ، فإن قال: "والميزن، أي: وزن الميزان؛ لأن المُرَاد إتْمَام الوَزْن، لا إتمام الميزان؛ كما أنَّه قال: "وأوْفوا الكَيْل" ولم يقل المِكْيَال، فهو من بابِ حَذْف المُضَافِ" انتهى. والظَّاهر عدم الاحْتِيَاج إلى ذلك، وكأنَّه لم يَعْرِف أن الكَيْل يُطْلَق على نَفْس المِكْيَال، حتى يقول: "ولم يقل المكيال". قوله: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً} مُعْتَرض بين هذه الأوَامِر، واعلم أنَّ كُلَّ شيء بلغ تمام الكمال فقد وفى وتَمَّ، يقال: درْهَم وافٍ وكيل وافٍ، وأوْفَيْتُه حقَّه وَوَفَيْتُه، إذا أتممته، وأوْفَى الكيل، إذا أتَمَّهُ ولم يَنْقُص منه شَيْئاً، وكذلك وَفَى المِيزَان. وقوله: "بالقسط" أي: بالعَدْل لا بخْس ولا نُقْصَان فيه. فإن قيل: "أوفُوا الكَيْل والمِيزَان" هو عين القِسْط، فما فَائِدة التكرير؟ فالجواب: أن اللَّه - تبارك وتعالى - أمر المُعْطِي بإيفاءِ ذي الحقِّ حقَّه من غير نُقْصَانٍ، وأمر صَاحِبَه أن يَأخُذ حقَّهُ من غير طلب زِيَادة، ولما كان يَجُوز أن يَتَوَهَّم الإنْسَان أنه يَجِب على التَّحقِيق، وذلك صَعْبٌ شديدٌ في العَدْل، أتْبَعَهُ الله - تعالى - بما يُزِيُل هذا التَّشْدِيد، فقال: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَها}، أي: الوَاجب [في إيفَاءِ] الكيْل والوَزْنِ هو القَدْر المُمْكِن، أمَّا التّحْقِيق فغير وَاجِبٍ. قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: في مُوَطأ مالكٍ عن يَحْيَى بن سَعيد - رضي الله عنه -؛ أنه بلغه عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -؛ أنه قال: "ما ظَهَر الغُلُول في قَوْم قطّ إلا ألْقَى اللَّه في قُلُوبِهم الرُّعْب؛ ولا فَشَا الزِّنَا في قَوْم إلاَّ كَثُر فيهم المَوْت، ولا نَقَصَ قَوْم المِكْيَال والميزانَ إلا قطعَ عَنْهُم الرِّزْق، ولا حَكَمَ قَوْم بغير الحقِّ إلا فَشَا فيهم الدَّم، ولا قوم بالعهد إلا سُلِّطَ عليهم العَدُوُّ". وقال ابن عبَّاس: إنكم مَعْشر الأعاجم قد وليتم أمْرَيْن بهما هلك من كان قبلكم، الكَيْل والميزان فصل قال القاضي: "إذا كان الله - تعالى - قد خف على المُكَلَّف هذا التخفيف، مع أن ما هُو التَّضْيِيقُ مَقْدُورٌ له، فكيف يَتَوَهَّمُ متوَهِّمٌ أنه - تبارك وتعالى - يكلف الكَافِر الإيمان مع أنَّهُ لا قُدْرَة له عليه؟ بل قالوا: إن الله - تعالى - يَخْلُقُ الكُفْر فيه، ويُريد منه ويَحْكُم به عليه، ويخلق فيه القُدْرَة الموجِبَة لذلك الكُفْر والدَّاعِية الموجِبَة له، ثم يَنْهَاه عنه، فهو - تعالى - لمًّا لم يُجَوِّز ذلك القَدْر من التَّشْديد والتَّضْييق على العَبْد، وهو إيفاء الكَيْل والوَزْن على سبيل التَّخْفِيف، فكيف يَجُوز أن يُضَيِّق على العَبْد مثل هذا التَّضْييق والتَّشْدِيد؟" وجوابه: المُعَارضة بمَسْألة العِلْم والدَاعي. قوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ} حمله المُفَسِّرون على أدَاءِ الشَّهَادة والأمْر والنَّهي. قال القاضي: وليس الأمْر كذلك، بل يَدْخُل فيه كُلُّ ما يتصل بالقَوْل من الدَّعْوة إلى الدِّين، وتَقْرير الدَّلائل عليه، ويَدْخُل فيه أن يكُون الأمْر بالمَعْرُوف والنَّهِي عن المنكر وَاقِعاً على الوَجْه بالعَدْل من غير زِيَادة في الإيذَاء والإيحَاشِ، ونُقْصَان عن القدر الواجب، ويدخل فيه الحِكَايات التي يَذْكُرها الرَّجُل حتى لا يَزيد فيها ولا يَنْقُص عنها، ومن جملتها تَبْلِيغ الرِّسالات النَّاسَ وحكم الحَاكِم، ثم إنه - تبارك وتعالى - بيَّن أنه يَجِبُ أن يُسَوَّى فيه بين القَريب والبَعيد، فقال: {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}؛ لأن المَقْصُود منه طلب رضوان الله - تعالى -، وذلك لا يَخْتَلِف بالقُرْب والبُعْد، ولو كان المَقُولُ له والمَقول عليه ذَا قُرْبَة. قوله: "وبِعَهْدِ اللَّهِ" يجُوزُ أن يكُون من بابِ إضافَةِ المصدر لفاعِلِه، أي: بما عَاهَدَكُم اللَّهُ عليه، وأن يكُون [مُضافاً لمفعُوله، أي: بما عاهدتم اللَّه عليه؛ كقوله: {أية : صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} تفسير : [الأحزاب:23] {أية : بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح:10] وأن تكون] الإضافة لمجرد البيان، أُضيفَ إلى اللَّه - تعالى - من حَيْثُ إنه الآمِر بِحِفْظِهِ والمراد به العَهْد الواقع بين الآيَتَيْن. فإن قيل: ما السَّبَبُ في أن خَتْمَ الآية الكريمة بقوله: "تَذَكَّرُون" وخاتمة الأولى "تَعْقِلُونَ". فالجواب لأن الأربعة قَبْلَها خَفِيَّة، تحتاج إلى إعمال فِكْر ونظر، حتى يقف مُتَعاطِيها على العَدْل، فناسبها التذكر، وهذا بخلاف الخمسة الأشياء فإنها ظاهرة تعقلها وتَفْهَمُها؛ فلذلك ختمتْ بالفعل. "تَذَكرُون" حيث وَقَع، يقرؤه الأخوان وعَاصِم في رواية حَفْصِ بالتَّخْفِيف، والباقون بالتَّشْدِيد، والأصْل: "تَتَذَكِّرُون" فمن خَفَّف، حذف إحْدى التَّاءَيْن، وهل هِي تاءُ المُضارعة أو تاء التَّفَعُل؟ خلاف مَشْهُور، ومن ثقَّل، أدْغَم التَّاء في الدَّال.

البقاعي

تفسير : ولما كان المال عديل الروح من حيث إنه لا قوام لها إلا به، ابتدأ الآية التي تليها بالأموال، ولما كان أعظمها خطراً وحرمة مال اليتيم لضعفه وقلة ناصره، ابتدأ به فنهي عن قربه فضلاً عن أكله أو شربه فقال: {ولا تقربوا مال اليتيم} أي بنوع من أنواع القربان عمل فيه أو غيره {إلا بالتي هي أحسن} من الخصال من السعي في تنميته وتثميره وليستمر ذلك {حتى يبلغ أشده} وهو سن يبلغ به أوان حصول عقله عادة وعقل يظهر به رشده؛ ثم ثنى بالمقادير على وجه يعم فقال: {وأوفوا} أي أتموا {الكيل والميزان} لأنهما الحكم في أموال الأيتام وغيرهم؛ ولما كان الشيء ربما أطلق على ما قاربه نحو {قد قامت الصلاة} أي قرب قيامها، وهذا وقت كذا - وإذا قرب جداً، أزيل هذا الاحتمال بقوله: {بالقسط} أي إيفاء كائناً به من غير إفراط ولا تفريط. ولما كانت المقادير لا تكاد تتساوى لا سيما الميزان فإنه أبعدها من ذلك، وأقربها الذرع وهو داخل في الكيل، فإنه يقال: كال الشيء بالشيء: قاسه، أشار إلى أنه ليس على المكلف المبني أمره على العجز للضعف إلا الجهد فقال: {لا نكلف} أي على ما لنا من العظمة {نفساً إلا وسعها} وما وراء الوسع معفو عنه؛ ثم ثلث بالعدل في القول لأنه الحكم على الأموال وغيرها، وقدم عليه الفعل لأنه دال عليه، فصار الفعل موصى به مرتين فقال: {وإذا قلتم} أي في شهادة أو في حكم أو توفيق بين اثنين أو غير ذلك {فاعدلوا} أي توفيقاً بين القول والفعل. ولما كانت النفوس مجبولة على الشفقة على القريب قال: {ولو كان} أي المقول في حقه له أو عليه بشهادة أو غيرها {ذا قربى} ولا تحابوه طمعاً في مناصرته أو خوفاً من مضارته؛ ثم ختم بالعهد لجمعه الكل في القول والفعل فقال: {وبعهد الله} أي الملك الأعظم خاصة {أوفوا} وهذا يشمل كل ما على الإنسان وله، فإن الله لم يهمل شيئاً بغير تقدم فيه؛ ثم أكد تعظيم ذلك بقوله: {ذلكم} أي الأمر المعتنى به {وصّاكم به} أي ربكم المحسن إليكم. ولما كانت هذه الأفعال والأقوال شديداً على النفس العدلُ فيها لكونها شهوات، تقدم بالترغيب فيها والترهيب منها بأن كل من يفعل شيئاً منها مع غيره يوشك أن يفعل معه مثله، فلذلك حض على التذكر في الوصية بها ولأنها خفية تحتاج إلى مزيد تدبر فقال: {لعلكم تذكرون *} أي لتكونوا بحيث يحصل لكم التذكر - ولو على وجه خفي بما أشار إليه الإدغام - فيما جبلت عليه نفوسكم من محبة مثل ذلك لكم، فتحكموا لغيركم بما تحكمون به لأنفسكم. ولما قرر هذه الشرائع، نبه على تعظيمها بالخصوص على وجه يعم جميع ما ذكر في السورة بل وفي غيرها، فقال عاطفاً على ما تقديره - عطفاً على المنهيات وأضداد المأمورات على وجه يشمل سائر الشريعة -: ولا تزيغوا عن سبيلي: {وأن} أي ولأن - على قراءة الجماعة بالفتح، أي اتبعوه لذلك، وعلى قراءة ابن عامر ويعقوب بالكسر هو ابتداء {هذا} أي الذي شرعته لكم {صراطي} حال كونه {مستقيماً فاتبعوه} أي بغاية جهدكم لأنه الجامع للعباد على الحق الذي فيه كل خير. ولما كان الأمر باتباعه متضمناً للنهي عن غيره، صرح به تأكيداً لأمره فقال: {ولا تتبعوا السبل} أي المنشعبة عن الأهوية المفرقة بين العباد، ولذا قال مسبباً {فتفرق بكم} أي تلك السبل الباطلة {عن سبيله} ولما مدحه آمراً به ناهياً عن غيره مبيناً للعلة في ذلك، أكد مدحه فقال: {ذلكم} أي الأمر العظيم من اتباعه {وصّاكم به}. ولما كان قد حذر من الزلل عنه، وكان من المعلوم أن من ضل عن الطريق الأقوم وقع في المهالك، وكان كل من يتخيل أنه يقع في مهلك يخاف، قال: {لعلكم تتقون *} أي اتبعوه واتركوا غيره ليكون حالكم حال من يرجى له أن يخاف من أن يزل فيضل فيهلك، وهذا كما مدحه سبحانه سابقاً في قوله {أية : وهذا صراط ربك مستقيماً} تفسير : [الأنعام: 126]، {أية : قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون} تفسير : [الأنعام: 126] وفصل ما هنا من الأحكام في ثلاث آيات، وختم كل آية لذلك بالوصية ليكون ذلك آكد في القول فيكون أدعى للقبول، وختم كل واحدة منها بما ختم لأنه إذا كان العقل دعا إلى التذكير فحمل على التقوى.

ابو السعود

تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} توجيهُ النهي إلى قُربانه من المبالغة في النهي عن أكله ولإخراج القُربان النافعِ عن حكم النهي بطرق الاستثناءِ، أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} إلا بالخَصلة التي هي أحسنُ ما يكون من الحِفظ والتثميرِ ونحو ذلك، والخطابُ للأولياء والأوصياء لقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} فإنه غايةٌ لما يُفهم من الاستثناء لا للنهي كأنه قيل: احفظوه حتى يصيرَ بالغاً رشيداً فحينئذ سلّموه إليه كما في قوله تعالى: {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء، الآية 6] والأشُدُّ جمع شِدّة كنعمة وأنعم أو شَدّ ككلب وأكلُب أو شد كصر وآصر وقيل: هو مفرد كآنُك {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل والتسوية {لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} إلا ما يسعُها ولا يعسُر عليها، وهو اعتراضٌ جيء به عَقيبَ الأمرِ بالأمر للإيذان بأن مراعاةَ العدلِ كما هو عسيرٌ كأنه قيل: عليكم بما في وسعكم وما وراءه معفوٌّ عنكم {وَإِذَا قُلْتُمْ} قولاً في حكومة أو شهادة أو نحوِهما {فَٱعْدِلُواْ} فيه {وَلَوْ كَانَ} أي المقولُ له أو عليه {ذَا قُرْبَىٰ} أي ذا قرابةٍ منكم ولا تميلوا نحوهم أصلاً وقد مر تحقيق معنى لو في مثل هذا الموضعِ مراراً {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} أي ما عَهد إليكم من الأمور المعدودةِ، أو أيِّ عهدٍ كان فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أولياً أو ما عاهدتم الله عليه من الإيمان والنذور، وتقديمُه للاعتناء بشأنه {ذٰلِكُمْ} إشارةٌ إلى ما فُصِّل من التكاليف، ومعنى البُعد لما ذكر فيما قبل {وَصَّـٰكُمْ بِهِ} أمركم به أمراً مؤكداً {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تتذكرون ما في تضاعيفه وتعملون بمقتضاه، وقرىء بتشديد الذالِ وهذه أحكامٌ عشَرةٌ لا تختلف باختلاف الأممِ والأعصارِ. عن ابن عباس رضي الله عنهما (هذه آياتٌ محكماتٌ لم ينسَخْهن شيء من جميع الكتُب وهن محرماتٌ على بني آدم كلِّهم وهن أمُّ الكتابِ، من عمِل بهن دخلَ الجنة ومن تركهن دخلَ النار). وعن كعب الأحبارِ والذي نفسُ كعبٍ بـيده إن هذه الآياتِ لأولُ شيءٍ في التوراة بسم الله الرحمٰن الرحيم قل: تعالَوا الآيات...

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ}[152] قال: تكلم أهل الصدق على أربعة أوجه، قوم تكلموا في الله وبالله ولله ومع الله، وقوم تكلموا في أنفسهم لأنفسهم فسلموا من آفة الكلام وقوم تكلموا في الخلق ونسوا أنفسهم وابتدعوا وضلوا، وبئس ما صنعوا إلى أنفسهم. فاتركوا الكلام للعلم، ثم تكلموا على الضرورة تسلموا من آفات الكلام. يعني أن لا تتكلم حتى تخاف من الإثم. ثم قال: من ظن [ظن السوء] حرم اليقين، ومن تكلم بما لا يعنيه حرم الصدق، ومن شغل جوارحه في غير الله حرم الورع، فإذا حرم العبد هذه الثلاث هلك، وهو مثبت في ديوان الأعداء. وقد حكي عن الربيع بن خيثم رحمه الله أنه قال: ما أنا عن نفسي براض فأتفرغ من ذم نفسي إلى ذم الناس، خافوا الله في ذنوب العباد، وتواثبوا في ذنوب أنفسهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ} [الآية: 152]. قال أبو سليمان فى هذه الآية: إذا تكلمتم فتعلموا بذكره. وقال محمد بن حامد العدل: فى الكلام ما لا يكون على صاحبه فى ذلك تبعة عاجلاً وآجلاً. قوله تعالى: {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ}. قال الجوزجانى: العهود كثيرة وأحق العهود بالوفاء الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فأمر نفسك بالمعروف، فإن قبلت منك وإلا روضها بالجوع والسهر وكثرة الذكر ومجالسة الصالحين لترغب فى المعروف، ثم تأمر به غيرك وتنهى نفسك عن المنكر، فإن قبلت منك وإلا فأدبها بالسياحة، والتقطع والعزلة وقلة الكلام وملازمة الصبر لتنتهى، فإن انتهت فانه الناس عن المنكر.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ} اذا دعيتم مقام الولاية فاصدقوا بالقاء نفوسكم الى قناطير البلايا فان الولاية مقرونة بالبلية وايضا اذا اخبرتم منى باللسان فكونوا حاضرين عندى بالجنان واذا ذكرتمونى بالظاهر فكونوا شاهدين مشاهدتى فى الباطن واذا شهدتم على مغايب عبادى حين ترعفهم شانها اياهم لا تفرغوا فى الامر بالمعروف ولا تخلافوا عن لومة اللائمين بالنهى عن المنكر وكونوا عادلين فيه ولا تجاوز وعن الحدود التى رسمتها فى شرايعى قال ابو سليمان فى هذه الأية اذا تكلمتم فتكلموا بذاكره وقال محمد بن حامد العدل من الكلام مالا يكون على صاحبه فى ذلك لبلغة عاجلا وأجلا قوله تعالى {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} الوفاء بالعهد اقبال القلب الى الله بلا ادبار بنعت لامحبة ولاشوق حتى يصل اليه ولا يحتجب بشئ دونه ولا يختار عليه غيره قال الجورجانى العهود كثيرة واحق العهود بالوفاء الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بامر نفسك بالمعروف فان قبلت منك والا رضها بالجوع والسهر وكثرة الذكر ومجالسة الصالحين لترغب فى المعروف ثم تامره غيرك وتنهى نفسك عن المنكر فان قبلت والافاد بها بالسياحة والتقطع والعزلة وقلة الكلام وملازمة الصبر لتنتهى فاذا انتهيت فانه الناس عن المنكر ولما شرع الله سبحانه شورع الحقيقة ونصب فى سبيل معرفته اعلام الربوبية ووصى عباده باللزوم فيها بنعت الصر والرضا عند تحمل العا والسباحة فى بحر البلاء لوجدان المنى والتزين بلبسا البقاء اوكد عقد الحقيقة عليهم وحجج عليهم تمهيد للعبودية وعرفانها للربوبية بقوله {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} صراطه المستقيم متابعة الهامة والاسوة بكلامه والشروع فى عبودتيه لغفرانه وطلب مشاهداته عند تقديس الخاطر عن غيره قال جعفر بن محمد عليهما السلام طرق من القلب الى الله بالاعراض عما سواه واراد بالسبل ههنا سبل الخطرات المذمومة والهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية فانها مظلمة مفاوزها قاطعة لطريق المريدين وسيلة سيبل الهدى والهدى وضوح شموس الصفات فى جلال الأيات للعقول الصافية عن اكدار الخليقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تقربوا مال اليتيم} اى لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه اليتيم من الانسان من لا اب له ومن الحيوان من لا ام له والخطاب للاولياء والاوصياء {الا بالتى هى احسن} الا بالخصلة التى هى احسن ما يفعل بماله كحفظه وتثميره {حتى يبلغ اشده} غاية لما يفهم من الاستثناء لا للنهى كأنه قيل احفظوه حتى يصير بالغا رشيدا فحينئذ سلموه اليه. وجعل ابو حنيفة غاية الاشد خمسا وعشرين سنة فاذا بلغها دفع اليه ماله ما لم يكن معتوها. قال الجوهرى {حتى يبلغ اشده} اى قوته وهو ما بين ثمانى عشرة الى ثلاثين وهو واحد جاء على بناء الجمع مثل آنك وهو الاسرب ولا نظير لهما وكان سيبويه يقول واحدته شدة. وهذا هو الحكم السادس وانما وصى الله تعالى بحفظ مال اليتيم لانه عاجز فتولى الله امره وامر بالشفقة والنظر فى حقه شعر : ألا تانكر يدكه عرش عظيم بلرزد همى جون بكريد يتيم تفسير : {وأوفوا الكيل} فى المكيلات اى أتموه ولا تنقصوا منه شيأ {والميزان} فى الموزونات وهو بالفارسى [ترازو] {بالقسط} حال من فاعل اوفوا اى اوفو هما مقسطين اى ملتبسين بالقسط وهو العدل. فان قيل ايفاء الكيل والميزان هو عين القسط فما فائدة التكرير. قلنا ان الله تعالى امر المعطى بايفاء ذى الحق حقه من غير نقصان وامر صاحب الحق بأخذه من غير طلب زيادة {لا نكلف نفسا الا وسعها} الا ما يسعها ولا يعسر عيها. وذكره عقيب الامر للايذان بان مراعاة العدل عسير عليكم فعليكم بما فى وسعكم وما وراءه معفو عنكم فاذا اجتهد الانسان فى الكيل والوزن ووقعت فيه زيادة يسيرة او نقصان يسير لم يؤاخذه به اذا اجتهد جهده وان اعيد الكيل على ذلك فزاد او نقص لم يثبت التراجع اذا كان ذلك القدر من التفاوت مما يقع بين الكيلين. واما التقصير القصدى فليس بمعفو وينبغى الاحتياط بقدر الامكان ـ روى ـ عن بعضهم انه قال لبعض الناس وهو فى النزع وكان يعامل الناس بالميزان قل لا اله الا الله فقال ما اقدر اقولها لسان الميزان على لسانى يمنعنى من النطق بها قال فقلت له أما كنت توفى الوزن قال بلى ولكن ربما كان يقع فى الميزان شئ من الغبار لا اشعر به. وعن مالك بن دينار انه دخل على جار له احتضر فقال يا مالك جبلان من النار بين يدى اكلف الصعود عليهما قال مالك فسألت اهله فقالوا كان له مكيالان يكيل باحدهما ويكتال بالآخر فدعوت بهما فضربت احدهما بالآخر حتى كسرتهما ثم سألت الرجل فقال ما يزداد الامر الا شدة. وهذا هو الحكم السابع. والاشارة اوفوا بكيل العمر وميزان الشرع حقوق الربوبية واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الالوهية لا نكلف نفسا فى ايفاء الحقوق واستيفاء الحظوظ الا بحسب استعدادها شعر : هركس بقدر بال وبرخويش مى برد تفسير : {واذا قلتم} قولا فى حكومة او شهادة او نحوهما {فاعدلوا} فيه {ولو كان} المقول له او عليه {ذا قربى} اى ذا قرابة منكم ولا تميلوا نحوهم اصلا لان مداد الامر اتباع الحق المشروع وطلب مرضاة الله تعالى فلا فرق بين ذى قرابة واجنبى. وهذا هو الحكم الثامن وحقيقة العدل فى الكلام ان يذكر الله ولا يذكر معه غيره وان يتكلم لله وفى الله وبالله وهذا لا يتيسر الا لارباب التحقيق فان كلام غيرهم مشوب بالغرض والدعوى شعر : بانك هدهدكر بياموزد فتى راز هدهد كوو بيغام سبا تفسير : {وبعهد الله أوفوا} اى ما عهد اليكم أى عهد كان من ملازمة العدل وتأدية احكام الشرع وغيرهما فهو مضاف الى الفاعل او ما عاهدتم الله عليه من الايمان والنذور فهو مضاف الى المفعول ويحتمل ان يراد به العهد بين الانسانين ويكون اضافته الى الله تعالى من حيث انه امر بحفظه والوفاء به شعر : وفاء عهد نكو باشد اربيا موزى وكرنه هركه توبينى ستمكرى داند تفسير : وهذا هو الحكم التاسع وحقيقة العهد ان لا يعبد الا مولاه ولا يحب الا اياه ولا يرى سواه شعر : ازدم صبح ازل تا آخر شام ابد دوستى ومهربريك عهد ويك ميثاق بود تفسير : {ذلكم} اشارة الى ما فصل من التكاليف الاربعة {وصٰكم به} امركم به امرا مؤكدا {لعلكم تذكرون} تتذكرون ما فى تضاعيفه وتعملون بمقتضاه.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة الا أبا بكر {تذكرون} بتخفيف الذال حيث وقع. الباقون بالتشديد. قال سيبويه: ذكرته ذكرا مثل شربا، قال ابو علي: (ذكر) فعل يتعدى الى مفعول واحد، كقوله {فاذكروني أذكركم} فاذا ضاعفت العين تعدى الى مفعولين كقولك ذكرته اباه قال الشاعر: شعر : يُذَكرْنِيك حنين العجول ونوح الحمامة تدعو هديلا تفسير : فان نقله بالهمزة كان كنقله بالتشديد، وتقول: ذكرته فتذكر، لان تذكر مطاوع (فعل) كما تفاعل مطاوع فاعل، قال تعالى {أية : إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا}تفسير : وقد تعدى تفعلت قال الشاعر: شعر : تذكرت أرضا بها أهلها أخوالها فيها وأعمامها تفسير : وأنشد ابو زيد: شعر : تذكرت ليلى لات حين أذكارها وقد حني الاضلال ضلا بتضلال تفسير : فقال اذكارها، كما قال {أية : وتبتل إليه تبتيلا}تفسير : ونحو ذلك مما لا يحصى مما لا يجيء المصدر على (فعلة)، وجاء المصدر على (فعلى) بالف التأنيث، فقالوا ذكرى وقالوا في الجمع الذكر، فجعلوه بمنزلة (سدرة، وسدر) وقالوا: الدكر بالدال غير المعجمة حكاه سيبويه، والمشهور بالذال. فمن قرأ بتشديد الذال اراد يتذكرون ويأخذون به، ولا يطرحونه وادغم التاء في الذال، والمعنى يتذكرون، كما قال {أية : والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر}تفسير : أي يتفكر وقال {أية : أولا يذكر الإنسان}تفسير : معناه اولا يتفكر، وقال {أية : ولقد صرفناه بينهم ليذكروا}تفسير : أي ليتفكروا فيه. ومن قرأ - بتخفيف الذال - أراد لكي يذكروه ولا ينسوه فيعملوا به. والقراءتان متقاربتان غير ان هذا حذف التاء الاولى، والاولون أدغموا التاء في الذال. والمعنى فيها لعلكم تتذكرون. هذه الآية عطف على ما حرم الله في الآية الاولى واوصى به، فنهى في هذه الآية ان تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن، والمراد بالقرب التصرف فيه، وانما خص اليتيم بذلك وان كان واجبا في كل احد، لان اليتيم لما كان لا يدفع عن نفسه ولا له والد يدفع عنه، فكان الطمع في ماله أقوى تأكد النهي في التصرف في ماله. وقوله {إلا بالتي هي أحسن} قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - حفظه عليه الى ان يكبر فيسلم اليه. وقيل معناه تثميره بالتجارة في قول مجاهد والضحاك والسدي. والثالث - ما قاله ابن زيد: ان يأخذ القيم عليه بالمعروف دون الكسوة. وقوله {حتى يبلغ أشده} اختلفوا في حد الاشد، فقال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك وعامر الشعبي: هو الحلم. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال قوم: ثماني عشرة سنة. لانه اكثر ما يقع عندهم البلوغ واستكمال العقل. وقال قوم قوم: انه لا حد له وانما المراد به حتى يكمل عقله ولا يكون سفيها يحجر عليه. والمعنى حتى يبلغ اشده فيسلم اليه ماله او يأذن في التصرف في ماله، وحذف لدلالة الكلام عليه. هذا أقوى الوجوه. وواحد الاشد قيل فيه قولان: احدهما - شد مثل اضر جمع ضر، واشد جمع شد. والشد القوة، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، كما شد النهار ارتفاعه. وحكى الحسين بن علي المغربي عن أبي اسامة أن واحدة شدة. مثل نعمة وانعم. وقال بعض البصريين: الاشد واحد مثل الافك. ومن قال ان واحده شد استدل بقول عنترة: شعر : عهدي به شد النهار كأنما خضب البنان ورأسه بالعظلم تفسير : هكذا رواه المفضل الضبي. وقال الآخر: شعر : يطيف به شد النهار ظعينه طويلة انقاء اليدين سحوق تفسير : وقوله {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} أمر من الله بتوفية كيل ما يكال وتوفية وزن ما يوزن بالقسط يعني بالعدل وفاء من غير بخس. وقوله {لا نكلف نفسا إلا وسعها} معناه هنا انه لما كان التعويل في الوزن والكيل على التحديد من اقل القليل يتعذر، بين انه لا يلزم في ذلك الاجتهاد في التحرز. وقوله {وإذا قلتم فاعدلوا} يعني قولوا الحق. ولو كان على ذي قرابة لكم. وانما خص القول بالعدل دون الفعل، لان من جعل عادته العدل في القول دعاه ذلك الى العدل في الفعل، لان ذلك من آكد الدواعي اليه والبواعث عليه. وقوله {وبعهد الله أوفوا} قيل في معنى العهد ها هنا قولان: احدهما - كل ما أوجبه على العبد فقد عهد اليه بايجابه عليه وتقديم القول فيه والدلالة عليه. الثاني - قال ابو علي عهد الله الحلف بالله، فاذا حلف في غير معصية الله وجب عليه الوفاء. وقوله {ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} قيل في معناه قولان: احدهما - لئلا تغفلوا عنه فتتركوا العمل به والقيام بما يلزم منه. الثاني - لتتذكروا كل ما يلزمكم بتذكر هذا فتعملوا به.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} اى بالنّيّة الّتى هى احسن وهى نيّة حفظ ماله ونفسه وانماء ماله {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} جمع الشّدّ بالفتح كفلس وافلس او الشّدّة كالنّعمة والانعم او مفرد، وعلى جمعيّته فالمقصود الاشارة الى قوّة جميع قواه البدنيّة والنّفسانيّة وهو البلوغ الشّرعىّ الّذى فيه قوةّ قواه البدنيّة والنّفسانيّة بكمال تميزه ودركه الخير والشّرّ البدنيّين والنّفسانيّين {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} المراد بهما المعروفان وقد مضى فى بيان الميزان ما يمكنك التّعميم به وكذا فى سائر فقرات الآية، والتّقييد بالقسط امّا للتأكيد او للمنع من اعطاء الزّيادة على قدر الاستحباب فانّه كالتّبذير الممنوع او مورث لجهالة المكيل والموزون المفسدة للمعاملة ولذا جاء بقوله {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} معترضاً فانّ القسط الحقيقىّ فى الايفاء هو اداء تمام ما حقّه ان يؤدّى بحيث لا يزيد ولا ينقص حبّة وهو امر ليس فى وسع البشر {وَإِذَا قُلْتُمْ} فى حكومة اذا حكّمكم النّاس او فى شهادة او اصلاح او نصح او ترحّم او سخط او معاش او معاد او واجب او مباح بألسنتكم او بسائر اعضائكم او بقواكم العلاّمة او العمّالة {فَٱعْدِلُواْ} توسّطوا بين الافراط والتّفريط فى الاقوال والاحوال والافعال، والتّأدية بصورة الشّرط وبلفظ اذا والمضىّ للاشارة الى انّ القول غير مأمور به لكنّ الانسان لا يخلو عن قولٍ ما خصوصاً على التّعميم المذكور ويكون مأموراً بالتّوسّط فى القول {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} جسمانيّاً او روحانيّاً فى العالم الكبير او الصّغير {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} تقديم المعمول للاهتمام به ولشرافته ولابراز العلّة للامر قبل الاتيان به لقصد الحصر او للحصر ايضاً بناءً على انّ الوفاء بسائر العهود من شراط عهد الله، اعلم، انّ العهد والعقد والميثاق والبيعة مع الله فى عرف اهل الله اذا اطلقت يراد بها البيعة العامّة النّبويّة او البيعة الخاصّة الولويّة، وبالاولى يحصل الاسلام وبالثّانية يحصل الايمان وتسمّى تلك البيعة بيعة ومبايعة، لانّ البائع بتلك البيعة يبيع نفسه وماله بثمنٍ هو الجنّة كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} تفسير : [التوبة:111] وتسمّى عهداً ومعاهدةً لتعهّد البائع والمشترى القيام بما عليهما وعقداً لانعقاد يد البائع على يد المشترى وميثاقاً لاستحكام ذلك العهد بتقبّل الشّروط من الطّرفين ووثوق كلّ بالاخر بذلك العقد، ولمّا كان المشترى منصوباً من الله ووكيلاً منه فى تلك المبايعة صحّ نسبتها الى الله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الفتح:10]، {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة:111]، {أية : وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة:111]، {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [البقرة:83] {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} تفسير : [البقرة:40]، وغير ذلك من الآيات والاخبار الدّالّة على نسبة هذه الى الله {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} التّذكّر هو الالتفات الى المعلوم والاستشعار به بعد الغفلة عنه او مطلقاً وهو من صفات العقل كما أن الغفله من صفات النّفس ولذا اخّره عن قوله تعقلون وكرّر ذلك للاشارة الى مراتب المعاصى وانّ بعضها لا يصدر عن العاقل، وبعضها لا يصدر عن المتذكّر وان كان قد يصدر عن العاقل الغافل، وبعضها لا يصدر عن المتّقى وان كان قد يصدر عن العاقل المتذكّر والمراد بالتّقوى فى قوله {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، هو التّقوى الحقيقيّة الّتى هى الرّجوع عن طرق النّفس المعوجّة واتّباع ائمّة الجور الى طريق القلب واتّباع الامام الحقّ، والعاقل المتذكّر ما لم يصل الى الامام الحقّ لا يمكنه الرّجوع الى طريق القلب ولذا اقتصر هناك على اتّباع الصّراط المستقيم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}. نزلت هذه الآية فكانت جهداً عليهم ألا يخالطوهم في المال ولا في المأكل، ثم أنزل: (أية : وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ) تفسير : [البقرة:220] فنسختها. قرة بن خالد قال: سألت الضحاك بن مزاحم عن مخالطة اليتيم في ماله فقال: في نفسي لو قدمت الكوفة إن شاء الله أن أنظر إلى بني أخت لي أيتام، فأخلط طعامي وطعامهم كما يخلط الخليط الأسحم ثم نضرب بأيدينا في نواحيه. قوله: {وَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} أي بالعدل {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي إلا طاقتها، وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع. قال: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} يعني الشهادة {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} أي ولو كانت الشهادة على ذي قربى، يعني المسلمين. كقوله: (أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَو الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) تفسير : [النساء:135] قال: {وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا} أي ما كان من الحق. {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي لكي تتذكروا. قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} أي الإِسلام، طريقاً مستقيماً إلى الجنة. وإنما انتصب لأنه من باب المعرفة، كقولك: هذا عبد الله مقبلاً. قوله: {فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} اليهودية والنصرانية وما كان غير ملّة الإِسلام {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} أي عن سبيل الله، أي الإِسلام. {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. أي لكي تتقوا. وقال مجاهد: {وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ}، أي: البدع والشهوات. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كلّ بدعة ضلالة .

اطفيش

تفسير : {ولا تَقْربُوا مالَ اليتيم إلاَّ بالتى هِىَ أحْسَنُ} إلا بالفعلة التى هى أحسن كالسعى فى حفظه جدًّا، وفى انمائه بتجر وسقى ونحو ذلك، وإخراج الزكاة منه، حرم الله بهذا تضييعه وخيانته بأخذه أو أخذ بعضه، أو إعطاء بعضه فيما لا يجب فيه، ولا يعود نفعه عليه، ولكن لا يتصدق منه، وقيل: يتصدق منه بقليل على اليتيم فيكون حفظا لماله، ونموّاً له، وفى الحديث: "حديث : اتجروا بمال اليتيم لا تأكله الزكاة"تفسير : وفسر مجاهد التى هى أحسن بالتجر فيه وفسره الضحاك بأن يسعى فيه ولا يأخذ من ربحه شيئا إن كان غنيا، وإلا أكل بمعروف، وأحسن اسم تفضيل على بابه، أى أحسن ما يحفظ به المال وينمو، وأحسن مما يحفظون به أموالكم وتنموها به. {حتَّى يبلُغ أشدَّهُ} قوته بدنا وعقلا بأن يبلغ ويؤنس رشده، وهو مفرد كآنك أو جمع شدة كنعمة وأنعم بكسر أول المفرد أو جمع شد بكسره أيضا، والكل بمعنى القوة، فإذا بلغ أشده فأوصلوه يده. {وأوفُوا الكيْلَ والميزانَ بالقِسْط} بالعدل بأن لا ينقص الذى يعطى من ماله، ولا تتجاوز الذى يأخذ إلى زيادة بأن يطلب من يعطى أن يزيد، أو يزيد هو بأن يبيح له من عليه الحق أن يكيل أو يزن هو، والخطاب لمن يكيل ويزن، ومن يكال له ويزن له فبالقسط حال مؤسسة باعتبار الذى يأخذ، أى يقتصر على إيفاء الحق ممن عليه الحق له، لا يتعدى إلى زيادة، ومؤكدة باعتبار من عليه الحق، ولا مانع من مجئ الحال مؤكدة باعتبار، ومؤسسة باعتبار آخر، وإن جعلنا الخطاب لمن عليه الحق لأنه الذى يكيل ويزن أصالة فهى مؤكدة. {لا نُكلِّف نفساً إلا وُسْعها} لما كان الكيل والوزن مما لا طاقة لأحد على الوقف على حدهما بلا زيادة ولا نقصان، كما ذكره الشيخ إسماعيل رحمه الله، قال تعالى: لم ألزمكم فيهما إلا جهدكم إلى إلا ما تسعه طاقتكم، ولا تقدر على سواه من العدل، فالوسع ليس هنا ما تسعه طاقتك وتسع أكثر منه مما هو عدل، والحاصل أن المراد أقصى طاقتكم، وما وراء ذلك من زيادة من يكيل أو يزن من مقال غيره أو من نقص من يكيل أو يزن من ماله معفو عنه، كما ندب الذى له الحق أن ينقص قليلا حوطة، لأنه إذا استقصى فى حقه فقد تعرض للشر بأن يزيد، وندب الذى عليه الحق أن يزيد حوطة من غير أن يلزم من عليه الحق أن يزيد ما عسر عليه، أو من له الحق أن ينقص ما يعسر عليه، ثم إنه يجوز حمل قوله: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} على أن يعود إلى الايفاء بالكيل والوزن بالقسط، وإلى قوله: {لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن} أو إلى ذلك وجميع التكاليف. {وإذا قُلْتم} تكلمتم فى القضاء بين الناس أو فى أداء الشهادة، أو فى الأمر والنهى، أو فى حكاية ما تحكون أو أداء الرسالة والتوسط بين الناس كالصلح ونحو ذلك {فاعْدِلُوا} فى قولكم {ولَوْ كانَ} المقول له، أو عليه {ذا قُرْبَى} فإن كان المقول له ذا قربى فلا تزد فى نفعه عما له، كما لا تنقص، وإن كان المقول عليه ذا قربى فلا تزد فى نفعه عما له، كما لا تنقص، وإن كان المقول عليه ذا قربى فلا يثبت له الحق، وليس له كما قال ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين. {وبعَهْد اللهِ أوفُوا} أوفوا بما عهد إليكم أى بما أنهى إليكم وأعلمكم بوجوبه أو حرمته من الأحكام الشرعية، ومنه هذا العدل المذكور، وقيل: المراد بالعهد النذر والوعد الذى يجب الوفاء به. {ذلكُم} أى ما ذكر من النهى عن قرب مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن، وإيفاء الكيل والميزان بالقسط والعدل فى القول، ولو فى ذى قربى، والإيفاء بعهد الله {وصَّاكُم به} الكلام فيه كالكلام فى الذى قبله، ولا يخفى التأكيد بلا تقربوا و بـ "بالقسط" وبلو كان ذا قربى، وبعهد الله، فإن العهد مما يوثق به فى معنى التوصية به الأمر بالمحافظة عليه. {لعلَّكُم تتذكَّرونَ} لتتعظون فتأخذوا بذلك، وقرأ حمزة والكسائى وحفص تذكرون بتاء واحدة، وإسكان الذال وضم الكاف، حيث وقع فى القرآن بالتاء، والباقون فى جمع القرآن بالتشديد للدال.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُوا} أَيها الأَوصياءُ والأَولياء وغيرهم {مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} إِلا بالفعلة أَو القربة أَو الخصلة التى هى أَحسن وأَفضل مما تفعلون بأَموالكم من الحفظ وتنميته بنحو التجر والسقى، ولا تكتفوا بالحسن. كما يجوز فى أَموالكم الاكتفاء بالحسن عن الأَحسن ثم إِنه لا يخفى أَن لا تقربوا أَوكد من لا تباشروا على حد ما مر فى لا تقربوا الفواحش، وخص ذكر اليتيم مع أَن مال ذى الأَب والبالغ كذلك، لحق الإِسلام والقرابة لأَن الطمع فى مال اليتيم أَكثر لضعفه ولأَن إِثمه أَعظم {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} فهو الذى يقرب مال نفسه ويحوطه وليس المراد أَنه إِذا بلغ أَشده فاقربوه بما ليس أَحسن، فقد قال {أية : فإِن ءَانستم منهم رشدا فادفعوا إِليهم أَموالهم}تفسير : [النساء: 6] فالأَشد: القوة ببلوغ الحلم وإِيناس الرشد وهو مفرد كآنك بهمزة وأَلف فنون مضمومة أَو اسم جمع بمعنى القوات أَو جمع شدة بكسر عند سيبويه كنعمة وأَنعم، وقيل أَنعم جمع نعمة بضم النون أَو جمع شد بالفتح ككلب وأَكلب أَو جمع شد بالكسر كذئب وأَذؤب، أَو جمع شد بضمها كضر وأَضر وأَصله أَشدد باسكان الشين وضم الدال الأُولى، نقلت الضمة إِلى الشين وأدغمت الدال، ولما كان زيادة الأَشد ينتهى إِلى ثلاث وثلاثين ولا يزيد بعد، جاز إِطلاق الأَشد عليها تسمية بآخرها {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} مصدر كالميعاد بمعنى الوعد فوافق الكيل فى المصدرية، فهما مصدران بمعنى مفعول أَى المكيل والموزون، أَو باقيان على المعنى المصدرى والمعنى صحيح، أَو الميزان اسم آلة فتجعل للكيل بمعنى الآلة بمعنى المكيال أَو بقدر مضاف، أَى مكيل الكيل وموزون الميزان {بِالقِسْطِ} بالعدل حال من وأَوفوا ولا يتكرر مع الإِبقاء لأَن الإِيفاء ترك النقص فى حق من عليه الحق، والقسط ترك الزيادة فى حق من له الحق، إِلا أَنه خوطب بهما معا من عليه الحق أَى عليكم أَن لا تنقصوا ولكم أَن لا تزيدوا وعبارة بعض أَمر الله تعالى المعطى بايفاءِ ذى الحق حقه من غير نقصان، وأَمر صاحب الحق بأَخذ حقه من غير طلب الزيادة {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أَى لا نكلفها بأَقل من وسعها فى أداءِ حق الخلق، وكذا فى أَداءِ حق الخالق بلا مشقة عظيمة وعسر شديد، ولا عقاب عليكم فيما أَخطأَتم فيه بعد استعمال قواكم، ولكن إِذا علمتم فعليكم التخلص وإِلا تتخلصوا عوقبتم، وإِن لم تعلموا حتى متم نقص من حسناتكم، وذكر تكليف النفس بوسعها بعد الكيل والميزان لشدة الوقوف على استيفائهما فعليكم وسعكم ووراءَه العفو، وقد قيل لا يوصل إِلى حقيقة الكيل والميزان، وأَول وقت الصلاة والخوف والرجاء وأَول البلوغ. أَو ذلك امتنان بأَنى كلفتكم ما تطيقونه بلا مشقة ومن زاد فى الكيل والوزن فقد وفى بالحق وله ثواب الزيادة {وإِذا قُلْتُمْ} تكلمتم فى قضاء أَو إِفتاء أَو وعظ أَو أَمر أَو نهى أَو حكاية أَو أَداء شهادة وتأدية أَحكام الشرع، ولتضمن القول هنا معنى التكلم لم يكن له مفعول به، أَو لم يذكر لعدم تعلق المقام به فصار كاللازم، والفعل كالقول هكذا أَو إِذا قلتم أَو فعلتم، أَو يراد بالقول ما يشمل الفعل مجازا {فَاعْدِلُوا} فى ذلك القول أَو لفعل، لا تجوروا فى القضاء ولا تزيغوا فى الإِفتاء أَو الوعظ، ولا تزيدوا أَو تخلطوا فى حكاية قصة ولا تأمروا بمنكر أَو تنهوا عن المعروف، ولا تنقصوا أَو تزيدوا فى الشهادة فإِن ذلك كله غير عدل {وَلَوْ كَانَ} أَى المقول له أَو عليه أَو المفعول له أَو عليه {ذَا قُرْبَى} فتدعوكم أَنفسكم إِلى فعل أَو قول له، أَو إِزاحة ضر لازم له أَو فعل كذلك مع أَنه ليس ذلك حقا له، لا تتركوا حقا ضاراً له أَو بعضه ولا فعلا ضارا له أَو بعضه وهو حق عليه. ولم يذكر الفعل لأَنه يفهم بالأُولى لأَنه أَقوى من حيث الإِنجاز ولو كان دون القول من حيث إِثبات الأَحكام الشرعية {وَبِعَهْدِ اللهِ} قدم على متعلقة وهو قوله {أَوْفُوا} على طريق الاهتمام، وإِضافة عهد إِلى الله إِضافة مصدر للفاعل أَى أَوفوا بمقتضى عهده إِليكم بتقدير مضاف كما رأَيت، أَو بمعنى مفعول أَى بمعهود الله أَى الذى عهده الله إِليكم، أَو إِضافة مصدر لمنصوب على العظمة، أَى بمقتضى عهدكم الله أَو بمعهودكم الله. وعهد الله إِليهم فعل ما أَلزمه إِياهم وما استحبه وترك ما حرمه أَو كرهه، وعهدهم إِلى الله ما وعدوا الله من نذر ويمين وطاعة، وما من شأنه أَن يفعل الله أَو يترك فإِن ذلك قامت به الحجة ولو كفروا، أَو كأَنهم آمنوا أَو أَلزموه أَنفسهم أَو المراد العهد يوم أَلست بربكم {ذَلِكُمْ} أَى العهد المذكور أَو الإِيفاء به {وَصَّاكُمْ بِهِ} تأَكيداً فإِن الإِيصاءَ بالشئ أَوثق من الأَمر به لأَنه أضمر وطلب محافظة، ومعنى الإِيصاء بالنهى أَو المنهى عنه الإِيصاء بمراعاته للاجتناب {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تتعظون وتعملون بمقتضاه، فتمت الآية بتعقلون لأَنهم استمروا على ما فيها من الإِشراك وما بعده ولم يعقلوا قبح ذلك، وذكر فيها حق الوالدين لأَنه أَعظم الحقوق بعد التوحيد، فكفرانه يلى كفر الشرك، خلقه الله وقاما به حين كان لا يقدر على شئ. وأَما ما فى الثانية من حفظ مال اليتيم وما بعده فقد يقومون ويفتخرون به فأَمرهم بتذكره لئلا ينسوه، أَو ما فى الأُولى ظاهر فأَمرهم بتعقله، وما فى الثانية خفى فأَمرهم بالتفكر فيه. أَو ما فى الأُولى بالمنع والنهى، وأَحب شئ إِلى الإِنسان ما منع، فكانت بالعقل الذى فيه معنى الحبس وما فى الثانية بالأَمر فكانت بما يدل على التفكر فلا ينسى.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} أي بالفعلة التي هي أحسن ما يفعل بماله كحفظه وتثميره، وقيل: المراد لا تقربوا ماله إلا وأنتم متصفون بالخصلة التي هي أحسن الخصال في مصلحته فمن لم يجد نفسه على أحسن الخصال ينبغي أن لا يقربه وفيه بعد؛ والخطاب للأولياء والأوصياء لقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} فإنه غاية لما يفهم من الاستثناء لا للنهي كأنه قيل: احفظوه حتى يبلغ فإذا بلغ فسلموه إليه كما في قوله سبحانه: { أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } تفسير : [النساء: 6] والأشد ـ على ما قال الفراء ـ جمع لا واحد له. وقال بعض البصريين: هو مفرد كآنك ولم يأت في المفردات على هذا الوزن غيرهما. وقيل: هو جمع شدة كنعمة وأنعم، وقدر فيه زيادة الهاء لكثرة جمع فعل على أفعل كقدح وأقدح. وقال ابن الأنباري: إنه جمع شد بضم الشين كود واود. وقيل: جمع شد بفتحها. وأياً ما كان فهو من الشدة أي القوة أو الارتفاع من شد النهار إذا ارتفع. ومنه قول عنترة: شعر : عهدي به شد النهار كأنما خضب البنان ورأسه بالعظلم تفسير : والمراد ببلوغ الأشد عند الشعبـي وجماعة: بلوغ الحلم. وقيل: أن يبلغ ثماني عشرة سنة، وقال السدي: أن يبلغ ثلاثين إلا أن الآية منسوخة بقوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } تفسير : [النساء: 6] وقيل: غير ذلك. وقد تقدم الخلاف في زمن دفع مال اليتيم إليه وأشبعنا الكلام في تحقيق الحق في ذلك فتذكر. {وَأَوْفُوا} أي أتموا {ٱلْكَيْلَ } أي المكيل فهو مصدر بمعنى اسم المفعول {وَٱلْمِيزَانَ} كذلك ـ كما قال أبو البقاء ـ وجوز أن يكون هناك مضاف محذوف أي مكيل الكيل وموزون الميزان {بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل وهو في موضع الحال من ضمير {أَوْفُواْ} أي مقسطين. وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون حالاً من المفعول أي تاماً. ولعل الإتيان بهذه الحال للتأكيد. وفي «التفسير الكبير» «فإن قيل: إيفاء الكيل والميزان هو عين القسط فما الفائدة من التكرير؟ قلنا: أمر الله تعالى المعطي بإيفاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة» فتدبر. {لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا ما يسعها ولا يعسر عليها. والجملة مستأنفة جيء بها عقيب الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالعدل للترخيص فيما خرج عن الطاقة لما أن في مراعاة ذلك كما هو حرجاً مع كثرة / وقوعه فكأنه قيل: عليكم بما في وسعكم في هذا الأمر وما وراءه معفو عنكم. وجوز أن يكون جىء بها لتهوين أمر ما تقدم من التكليفات ليقبلوا عليها كأنه قيل: جميع ما كلفناكم به ممكن غير شاق ونحن لا نكلف ما لا يطاق. {وَإِذَا قُلْتُمْ} قولاً في حكومة أو شهادة أو نحوهما {فَٱعْدِلُواْ } فيه وقولوا الحق {وَلَوْ كَانَ} المقول له أو عليه {ذَا قُرْبَىٰ} أي صاحب قرابة منكم {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} أي ما عهد إليكم من الأمور المعدودة أو أي عهد كان فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً أو ما عاهدتم الله تعالى عليه من أيمانكم ونذوركم. والجار والمجرور متعلق بما بعده، وتقديمه للاعتناء بشأنه {ذٰلِكُمْ } أي ما فصل من التكاليف الجليلة {وَصَّـٰكُمْ بِهِ} أمركم به أمرا مؤكدا {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ما في تضاعيفه وتعملون بمقتضاه. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {تَذَكَّرُونَ} بتخفيف الذال والباقون بالتشديد في كل القرآن وهما بمعنى واحد. وختمت الآية الأولى بقوله سبحانه: { أية : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } تفسير : [الأنعام: 151] وهذه بقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } لأن القوم كانوا مستمرين على الشرك وقتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس المحرمة بغير حق غير مستنكفين ولا عاقلين قبحها فنهاهم سبحانه لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها. وأما حفظ أموال اليتامى عليهم وإيفاء الكيل والعدل في القول والوفاء بالعهد فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان؛ قاله القطب الرازي، ثم قال فإن قلت إحسان الوالدين من قبيل الثاني أيضاً فكيف ذكر من الأول؟ قلت: أعظم النعم على الإنسان نعمة الله تعالى ويتلوها نعمة الوالدين لأنهما المؤثران في الظاهر ومنهما نعمة التربية والحفظ عن الهلاك في وقت الصغر فلما نهى عن الكفر بالله تعالى نهى بعده عن الكفران في نعمة الأبوين تنبيهاً على أن القوم لما لم يرتكبوا الكفران فبطريق الأولى أن لا يرتكبوا الكفر. وقال الإمام: السبب في ختم كل آية بما ختمت «أن التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الأولى [أمور] ظاهرة جلية فوجب تعقلها وتفهمها والتكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية أمور خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والفكر الكثير حتى يقف على موضع الاعتدال وهو التذكر» انتهى. ويمكن أن يقال: إن أكثر التكليفات الأول أُدِّي بصيغة النهي وهو في معنى المنع والمرء حريص على ما منع فناسب أن يعلل الإيصاء بذلك بما فيه إيماء إلى معنى المنع والحبس وهذا بخلاف التكليفات الأُخر فإن أكثرها قد أُدِّي بصيغة الأمر وليس المنع فيه ظاهراً كما في النهي فيكون تأكيد الطلب والمبالغة فيه ليستمر عليه ويتذكر إذا نسي فليتدبر.

ابن عاشور

تفسير : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}. عطف جملة: {ولا تقربوا} على الجملة التي فَسَّرت فعل: { أية : أتْلُ } تفسير : [الأنعام: 151] عطف محرّمات ترجع إلى حفظ قواع التّعامل بين النّاس لإقامة قواعد الجامعة الإسلاميّة ومدنيتها وتحقيق ثقة النّاس بعضهم ببعض. وابتدأها بحفظ حقّ الضّعيف الذي لا يستطيع الدّفع عن حقّه في ماله، وهو اليتيم، فقال: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} والقِربان كناية عن ملابسة مال اليتيم. والتّصرّف فيه كما تقدّم آنفاً في قوله: { أية : ولا تقربوا الفواحش }تفسير : [الأنعام: 151]. ولمَّا اقتضى هذا تحريم التصرّف في مال اليتيم، ولو بالخزن والحفظ، وذلك يعرّض ماله للتّلف، استُثني منه قوله: {إلا بالتي هي أحسن} أي إلاّ بالحالة التي هي أحسن، فاسم الموصول صفة لموصوف محذوف يقدّر مناسباً للموصول الذي هو اسم للمؤنَّث، فيقدر بالحالة أو الخَصلة. والباء للملابسة، أي إلاّ ملابسين للخصلة أو الحالة التي هي أحسن حالات القرب، ولك أن تقدّره بالمرّة من: {تقربوا} أي إلاّ بالقَربة التي هي أحسن. وقد التزم حذف الموصوف في مثل هذا التّركيب واعتباره مؤنَّثاً يجري مجرى المثل، ومنه قوله تعالى: { أية : ادفع بالتي هي أحسن السيئة } تفسير : [المؤمنون: 96] أي بالخصلة الحسنة ادفَعْ السيّئة، ومن هذا القبيل أنَّهم أتوا بالموصول مؤنَّثاً وصفاً لمحذوف ملتزم الحذف وحذفوا صلته أيضاً في قولهم في المثل: «بعد اللَّتَيَّا والتي»، أي بعد الدّاهية الحقيرة والدّاهية الجليلة كما قال سُلْمِيّ بنُ ربيعةَ الضبِّي: شعر : ولقد رأبْتُ ثَأى العشيرة بينَها وكفيتُ جانبها اللَّتَيَّا والتِي تفسير : و{أحسنُ} اسم تفضيل مسلوب المفاضلة، أي الحسنة، وهي النّافعة التي لا ضرّ فيها لليتيم ولا لِماله. وإنَّما قال هنا: {ولا تقربوا} تحذيراً من أخذ ماله ولو بأقلّ أحوال الأخذ لأنَّه لا يدفع عن نفسه، ولذلك لم يقل هنا: {ولا تأكلوا} كما قال في سورة البقرة (188): { أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل }. تفسير : والأشُدّ: اسم يدلّ على قوّة الإنسان، وهو مشتقّ من الشدّ وهو التوثّق، والمراد به في هذه الآية ونظائرها، ممّا الكلام فيه على اليتيم، بلوغه القوّة التي يخرج بها من ضعف الصّبا، وتلك هي البلوغ مع صحّة العقل، لأنّ المقصود بلوغه أهليّة التصرّف في ماله. وما منع الصّبي من التصرّف في المال إلاّ لضعف في عقله بخلاف المراد منه في أوصاف الرّجال فإنَّه يُعنى به بلوغ الرجل منتهى حدّ القوّة في الرّجال وهو الأربعون سنة إلى الخمسين قال تعالى: { أية : حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة } تفسير : [الأحقاف: 15] وقال سُحيم بن وَثيل: شعر : أخُو خمسين مُجتمع أشُدّي وَنَجَّذني مداورة الشُّؤون تفسير : والبلوغ: الوصول، وهو هنا مجاز في التدرّج في أطوار القوّة المخرِجة من وهن الصّبا. و{حتى} غاية للمستثنى: وهو القربان بالتي هي أحسن، أي التصرّف فيه إلى أن يبلغ صاحبه أشدّه أي فيسلم إليه، كما قال تعالى في الآية الأخرى { أية : فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } تفسير : [النساء: 6] الآية. ووجه تخصيص حقّ اليتيم في ماله بالحفظ: أنّ ذلك الحقّ مظنّة الاعتداء عليه من الولي، وهو مظنة انعدام المدافع عنه، لأنَّه ما من ضعيف عندهم إلاّ وله من الأقارب والموالي من يدفع عنه إذا استجاره أو استنجده، فأمّا اليتيم فإنّ الاعتداء عليه إنَّما يكون من أقرب النّاس إليه، وهو وليّه، لأنَّه لم يكن يلي اليتيم عندهم إلاّ أقرب النّاس إليه، وكان الأولياء يتوسّعون في أموال أيتامهم، ويعتدُون عليها، ويضيعون الأيتام لكيلا ينشأوا نشأة يعرفون بها حقوقهم، ولذلك قال تعالى: { أية : ألم يجدك يتيماً فآوى } تفسير : [الضحى: 6] لأنّ اليتيم مظنّة الإضاعة فلذلك لم يوص الله تعالى بمال غير اليتيم، لأنّ صاحبه يدفع عن نفسه، أو يستدفع بأوليائه ومنجديه. {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ}. عطف الأمر بإيفاء الكيل والميزان، وذلك في التّبايع، فقد كانوا يبيعون التّمر والزّبيب كيلاً، وكانوا يتوازنون الذّهب والفضّة، فكانوا يُطَفّفون حرصاً على الرّبح، فلذلك أمرهم بالوفاء. وعدل عن أن يأتي فيه بالنَّهي عن التّطفيف كما في قول شعيب: { أية : ولا تَنقصوا المكيال والميزان } تفسير : [هود: 84] إشارة إلى أنَّهم مأمورون بالحدّ الذي يتحقّق فيه العدل وافياً، وعدمُ النّقص يساوي الوفاء، ولكن في اختيار الأمر بالإيفاء اهتماماً به لتكون النّفوس ملتفتة إلى جانب الوفاء لا إلى جانب ترك التّنقيص، وفيه تذكير لهم بالسّخاء الذي يتمادحُون به كأنَّه قيل لهم: أين سخاؤكم الذي تتنافسون فيه فهلا تظهرونه إذا كِلْتم أو وزنتم فتزيدوا على العدل بأن توفّروا للمُكتال كرماً بله أن تسرقوه حقّه. وهذا تنبيه لهم على اختلال أخلاقهم وعدم توازنها. والباء في قوله: {بالقسط} للملابسة والقسط العدل، وتقدّم عند قوله تعالى: { أية : قائماً بالقسط } تفسير : في سورة آل عمران (18)، أي أوفوا متلبّسين بالعدل بأن لا تظلموا المكتال حقّه. {لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}. ظاهر تعقيب جملة: {وأوفوا الكيل} إلخ بجملة: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} أنَّها متعلّقة بالتي وليتها فتكون احتراساً، أي لا نكلّفكم تمام القسط في الكيل والميزان بالحبّة والذرّة ولكنّا نكلّفكم ما تظنّون أنَّه عدل ووفاء. والمقصود من هذا الاحتراسسِ أنّ لا يَترك النّاسُ التّعامل بينهم خشية الغلط أو الغفلة، فيفضي ذلك إلى تعطيل منافع جمّة. وقد عدل في هذا الاحتراس عن طريق الغيبة الذي بُنيَ عليه المقول ابتداء في قوله: { أية : ما حرم ربكم عليكم } تفسير : [ الأنعام: 151] لِما في هذا الاحتراس من الامتنان، فتولّى الله خطاب النّاس فيه بطريق التكلّم مباشرة زيادة في المنّة، وتصديقاً للمبلّغ، فالوصاية بإيفاء الكيل والميزان راجعة إلى حفظ مال المشتري في مظنّة الإضاعة، لأنّ حالة الكيل والوزن حالة غفلة المشتري، إذ البائع هو الذي بيده المكيال أو الميزان، ولأنّ المشتري لرغبته في تحصيل المكيل أو الموزون قد يتحمّل التّطفيف، فأوصِي البائع بإيفاء الكيل والميزان. وهذا الأمر يدلّ بفحوى الخطاب على وجوب حفظ المال فيما هو أشدّ من التّطفيف، فإنّ التّطفيف إن هو إلاّ مخالسة قَدْر يسير من المبيع، وهو الذي لا يظهر حين التّقدير فأكل ما هو أكثر من ذلك من المال أوْلى بالحفظ، وتجنّب الاعتداء عليه. ويجوز أن تكون جملة: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} تذييلاً للجمل التي قبلها، تسجيلاً عليهم بأنّ جميع ما دُعوا إليه هو في طاقتهم ومكنتهم. وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: { أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } تفسير : في آخر سورة البقرة (286). {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}. هذا جامعٌ كلّ المعاملات بين النّاس بواسطة الكلام وهي الشّهادة، والقضاء، والتّعديل، والتّجريح، والمشاورة، والصّلح بين النّاس، والأخبار المخبِرة عن صفات الأشياء في المعاملات: من صفات المبيعات، والمؤاجرات، والعيوب؛ وفي الوعود، والوصايا، والأيمان؛ وكذلك المدائح والشّتائم كالقذف، فكلّ ذلك داخل فيما يصدر عن القول. والعدل في ذلك أن لا يكون في القول شيء من الاعتداء على الحقوق: بإبطالها، أو إخفائها، مثل كتمان عيوب المبيع، وادّعاء العيوب في الأشياء السّليمة، والكذب في الأثمان، كأن يقول التّاجر: أُعطيت في هذه السلعة كذا، لثمن لم يُعْطَه، أو أنّ هذه السّلعة قامتْ علي بكذا. ومنه التزام الصّدق في التّعديل والتّجريح وإبداء النّصيحة في المشاورة، وقول الحقّ في الصّلح. وأمّا الشّهادة والقضاء فأمر العدل فيهما ظاهر، وإذا وَعَد القائل لا يُخلِف، وإذا أوْصَى لا يظلم أصحابَ حقوق الميراث، ولا يحلف على الباطل، وإذا مدحَ أحداً مدحه بما فيه، وأمَّا الشّتم فالإمساك عنه واجب ولو كان حقّاً فذلك الإمساك هو العدل لأنّ الله أمر به. وفي التّعليق بأداة الشّرط في قوله: {وإذا قلتم} إشارة إلى أنّ المرء في سعة من السكوت إن خشي قولَ العدل. وأمَّا أن يقول الجور والظّلم والباطل فليس له سبيل إلى ذلك، والكذب كلّه من القول بغير العدل، على أنّ من السكوت ما هو واجب. وفي «الموطأ» أنّ رجلاً خطب إلى رجل أختَه فذكر الأخُ أنَّها قد كانت أحدثَتْ فبلغ ذلك عُمر بن الخطّاب فضربه أو كاد يضربه ثمّ قال: «مَالَك ولِلْخَبَر». والواو في قوله: {ولو كان} واو الحال، ولو وصلية تفيد المبالغة في الحال التي من شأنها أن يظُنّ السّامع عدمَ شموللِ الحكم إيَّاها لاختصاصها من بين بقيّة الأحوال التي يشملها الحكم، وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى: { أية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به } تفسير : في سورة آل عمران (91)، فإنّ حالة قرابة المقوللِ لأجله القولُ قد تحمل القائل على أن يقول غير العدل، لنفع قريبه أو مصانعته، فنبّهوا على وجوب التزام العدل في القول في تلك الحالة، فالضّمير المستتر في (كان) كائد إلى شيء معلوم من الكلام: أي ولو كان الذي تعلّق به القول ذا قربى. والقربى: القرابة ويُعلم أنَّه ذو قرابة من القائل، أي إذا قلتم قولاً لأجله أو عليه فاعدلوا ولا تقولوا غير الحقّ، لا لدفع ضرّه بأن تغمصوا الحقّ الذي عليه، ولا لنفعه بأن تختلقوا له حقّاً على غيره أو تبرءوه ممّا صدر منه على غيره، وقد قال الله تعالى في العدل في الشّهادة والقضاء: { أية : كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين } تفسير : [النساء: 135]. وقد جاء طلب الحقّ في القول بصيغة الأمر بالعدل، دون النّهي عن الظلم أو الباطل: لأنَّه قيّده بأداة الشّرط المقتضي لصدور القول: فالقول إذا صدر لا يخلو عن أن يكون حقّاً أو باطلاً، والأمر بأن يكون حقّاً أوفَى بمقصد الشّارع لوجهين: أحدهما: أنّ الله يحبّ إظهار الحقّ بالقول، ففي الأمر بأن يكون عدلاً أمر بإظهاره ونهي عن السّكوت بدون موجب. الثّاني: أنّ النَّهي عن قول الباطل أو الزّور يصدق بالكلام الموجَّه الذي ظاهره ليس بحقّ، وذلك مذموم إلاّ عند الخوف أو الملاينة، أو فيما لا يرجع إلى إظهار حقّ، وتلك هي المعاريض التي ورد فيها حديث: « حديث : إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب » تفسير : . ختم هذه المتلوات بالأمر بإيفاء العهد بقوله: {وبعهد الله أوفوا}. وعهد الله المأمور بالإيفاء به هو كلّ عهد فيه معنى الانتساب إلى الله الذي اقتضته الإضافة، إذ الإضافة هنا يصحّ أن تكون إضافة المصْدر إلى الفاعل، أي ما عهد اللَّهُ به إليكم من الشّرائع، ويصحّ أن تكون إضافة المصدر إلى مفعوله، أي ما عاهدتم الله أن تفعلوه، والتزمتموه وتقلّدتموه، ويصحّ أن تكون الإضافة لأدنى ملابسة، أي العهد الذي أمر الله بحفظه، وحذر من ختره، وهو العهود التي تنعقد بين الناس بعضهم مع بعض سواء كان بين القبائل أم كان بين الآحاد. ولأجل مراعاة هذه المعاني النّاشئة عن صلاحيّة الإضافة لإفادتها عُدِل إلى طريق إسناد اسم العهد إلى اسم الجلالة بطريق الإضافة دون طريق الفعل، بأن يقال: وبما عاهدتم الله عليه، أو نحن ذلك ما لا يحتمل إلاّ معنى واحداً. وإذْ كان الخطاب بقوله: { أية : تعالوا } تفسير : [الأنعام: 151] للمشركين تعيّن أن يكون العهد شيئاً قد تقرّرت معرفته بينهم، وهو العهود التي يعقدونها بالموالاة والصّلح أو نحو ذلك فهو يدعوهم إلى الوفاء بما عاقدوا عليه. وأضيف إلى الله لأنَّهم كانوا يتحالفون عند التّعاقد ولذلك يسمّون العهد حِلْفاً، قال الحارث بن حلِّزة: شعر : واذْكروا حِلْف ذي المجاز وما قُدم فيه العهودُ والكفلاء تفسير : وقال عمرو بن كلثوم: شعر : ونُوجد نحن أمنعَهم ذماراً وأوفاهم إذا عقَدوا يميناً تفسير : فالآية آمرة لهم بالوفاء، وكان العرب يتمادحون به. ومن العهود المقرّرة بينهم: حلف الفضول، وحلف المطيَّبين، وكلاهما كان في الجاهليّة على نفي الظّلم والجور عن القاطنين بمكّة، وذلك تحقيق لعهد الله لإبراهيم عليه السّلام أن يجعل مكّة بلداً آمناً ومن دخله كان آمناً، وقد اعتدى المشركون على ضعفاء المؤمنين وظلموهم مثللِ عمار، وبلال، وعامر بن فهيرة، ونحوهم، فهو يقول لهم فيما يتلو عليهم أنّ خفر عهد الله بأمان مكّة، وخفر عهودكم بذلك، أولى بأن تحرّموه من مزاعمكم الكاذبة فيما حرّمتم وفصّلتم، فهذا هو الوجه في تفسير قوله: {وبعهد الله أوفوا}. وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر العهد وصرف ذهن السّامع عند، ليتقرّر في ذهنه ما يرد بعده من الأمر بالوفاء، أي إن كنتم تَرَون الوفاء بالعهد مدحة فعهد الله أولى بالوفاء وأنتم قد اخترتموه، فهذا كقوله تعالى: {أية : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} تفسير : [البقرة: 217] ــــ ثمّ قال ــــ { أية : وصَدّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله } تفسير : [البقرة: 217] {ذَٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. تكرار لقوله المماثل له قبله، وقد علمت أنّ هذا التّذييل ختم به صنف من أصناف الأحكام. وجاء مع هذه الوصيّة بقوله: {لعلكم تذكرون} لأنّ هذه المطالب الأربعة عرف بين العرب أنَّها محامد، فالأمر بها، والتّحريض عليها تذكير بما عرفوه في شأنها ولكنّهم تناسوه بغلبة الهوى وغشاوة الشّرك على قلوبهم. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو جعفر، ويعقوبُ: تذّكرون ــــ بتشديد الذال لإدغام التّاء الثّانية في الذال بعد قلبها ــــ، وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص، وخلَف ــــ بتخفيف الذال على حذف التّاء الثّانية تخفيفاً ــــ.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} الآية. قد يتوهم غير العارف من مفهوم مخالفة هذه الآية الكريمة، أعني مفهوم الغاية في قوله: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] إنه إذا بلغ أشده، فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن، وليس ذلك مراداً بالآية، بل الغاية ببلوغ الأشد يراد بها أنه إن بلغ أشده يدفع إليه ماله، إن أونس منه الرشد، كما بينه تعالى بقوله: {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 6] الآية. والتحقيق أن المراد بالأشد في هذه الآية البلوغ، بدليل قوله تعالى: {أية : إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} تفسير : [النساء: 6] الآية. والبلوغ يكون بعلامات كثيرة، كالإنبات، واحتلام الغلام، وحيض الجارية، وحملها، وأكثر أهل العلم على أن سن البلوغ خمسة عشرة سنة. ومن العلماء من قال: إذا بلغت قامته خمسة أشبار، فقد بلغ، ويروى هذا القول عن علي، وبه أخذ الفرزدق في قوله يرثي يزيد بن المهلب: شعر : ما زال مذ عقدت يداه إزاره فسما فأدرك خمسة الأشبار يدني خوافق من خوافق تلتقي في ظل معتبط الغبار مثار تفسير : والأشد، قال بعض العلماء: هو واحد لا جمع له كالآنك، وهو الرصاص، وقيل: واحده شد كفلس وأفلس، قاله القرطبي وغيره، وعن سيبويه أنه جمع شدة، ومعناه حسن، لأن العرب تقول: بلغ الغلام شدته إلا إن جمع الفعلة فيه على أفعل غير معهود، كما قاله الجوهري، وأما أنعم، فليس جمع نعمة، وإنما هو جمع نعم من قولهم بؤس ونعم، قاله القرطبي، وقال أيضاً: وأصل الأشد النهار إذا ارتفع، يقال. أتيته شد النهار، وكان محمد بن محمد الضبي ينشد بيت عنترة: شعر : عهدي به شد النهار كأنما خضب اللبان ورأسه بالعظلم تفسير : وقال الآخر: شعر : تطيف به شد النهار ظعينة طويلة أنقاء اليدين سحوق تفسير : قال مقيده - عفا الله عنه -: ومنه قول كعب بن زهير: شعر : شد النهار ذراعا عيطل نصف قامت فجاوبها نكد مثاكيل تفسير : فقوله: "شد النهار"، يعني وقت ارتفاعه، وهو بدل من اليوم في قوله قبله: شعر : يوما يظل به الحرباء مصطخداً كأن ضاحيه بالشمس محلول تفسير : فشد النهار بدل من قوله يوماً، بدل بعض من كل، كما أن قوله: "بوماً" بدل من إذا في قوله قبل ذلك: شعر : كأن أوب ذراعيها إذا عرقت وقد تلفع بالقور العساقيل تفسير : لأن الزمن المعبر عنه "بإذا" هو بعينه اليوم المذكور في قوله "يوماً يظل؟ البيت، ونظيره في القرآن، قوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النازعات: 34-35]، وقوله: {أية : فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ} تفسير : [عبس: 33-34] الآية، وإعراب أبيات كعب هذه يدل على جواز تداخل البدل، وقوله: "ذراعا عطيل" خبر كأن في قوله: "كأن أوب ذراعيها" البيت. وقال السدي: الأشد ثلاثون سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ستون سنة، ولا يخفى أن هذه الأقوال بعيدة عن المراد بالآية كما بينا، وإن جازت لغة، كما قال سحيم بن وثيل: شعر : أخو خمسين مجتمع أشدى ونجذني مداورة الشؤون تفسير : تنبيه قال مالك وأصحابه: إن الرشد الذي يدفع به المال إلى من بلغ النكاح، هو حفظ المال وحسن النظر في التصرف فيه، وإن كان فاسقاً شريباً، كما أن الصالح التقي إذا كان لا يحسن النظر في المال لا يدفع إليه ماله، قال ابن عاصم المالكي في تحفته: شعر : وشارب الخمر إذا ما ثمرا لما يلي من ماله لن يحجرا وصالح ليس يجيد النظرا في المال إن خيف الضياع حجرا تفسير : وقال الشافعي ومن وافقه: لا يكون الفاسق العاصي رشيداً، لأنه لا سفه أعظم من تعريضه نفسه لسخط الله وعذابه بارتكاب المعاصي، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بإيفاء الكيل والميزان بالعدل، وذكر أن من أخل بإيفائه من غير قصد منه لذلك، لا حرج عليه لعدم قصده، ولم يذكر هنا عقاباً لمن تعمد ذلك، ولكن توعده بالويل في موضع آخر، ووبخه بأنه لا يظن البعث ليوم القيامة، وذلك في قوله: {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [المطففين: 1-6]. وذكر في موضع آخر أن إيفاء الكيل والميزان خير لفاعله، وأحسن عاقبة، وهو قوله تعالى: {أية : وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} تفسير : [الإسراء: 35]. قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}. أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالعدل في القول، ولو كان على ذي قرابة، وصرح في موضع آخر بالأمر بذلك، ولو كان على نفسه أو والديه، وهو قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [النساء: 135] الآية. قوله تعالى: {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} الآية. أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالإيفاء بعهد الله، وصرح في موضع آخر أن عهد الله سيسأل عنه يوم القيامة، بقوله: {أية : وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} تفسير : [الإسراء: 34] أي عنه.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَصَّاكُمْ} (152) - وَيُتَابِعُ اللهَ تَعَالَى، فِي هذِهِ الآيَةِ، بَيَانَ مَا أَوْصَى بِهِ النَّاسَ، وَمَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، فَيَقُولُ تَعَالَى: وَمِمَّا أَوْصَى بِهِ النَّاسَ: أَلاَّ يَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ، إِذَا وُلُّوا أَمْرَهُ، أَوْ تَعَامَلُوا مَعَهُ، إِلاَّ بِالطَّرِيقَةِ الحَسَنَةِ (إِلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ) التِي تَحْفَظُ مَالَهُ، وَتُثَمِّرُهُ، وَتُرَجِّحُ مَصْلَحَتَهُ، وَأَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِ تَرْبِيَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَأَنْ يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ اليَتِيمُ سِنَّ الرُّشْدِ، وَالقُوَّةِ وَالقُدّرَةِ عَلَى الإِدْرَاكِ وَالتَّصَرُّفِ. وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَأَخَذُوا فِي عَزْلِ مَالِ اليَتِيمِ وَطَعَامِهِ، عَنْ مَالِهِمْ، فَكَانَ طَعَامُ اليَتِيمِ يَفْسُدُ، لاَ يَمَسُّهُ أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُمْ. فَشَكَوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}. تفسير : فَاللهُ تَعَالَى يَأْمُرُ النَّاسَ بِمُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ اليَتِيمِ، وَالعِنَايَةِ بِمَالِهِ، وَعَدَمِ التَّصَرُّفِ فِيهِ إِلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَيُحَذِّرُهُمْ تَعَالَى مِنَ التَّجَاوُزِ عَلَى مَالِ اليَتِيمِ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ مِمَّا أَوْصَى بِهِ النَّاسَ أَيْضاً: إِيفَاءَ الكَيْلِ وَالمِيْزَانِ عِنْدَ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَعدمَ غَمْطِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ وَاللهُ تَعَالَى يَدْعُو المُؤْمِنَ أَنْ يَبْلُغَ جُهْدَهُ فِي أَدَاءِ ذَلِكَ، فَإِذَا بَلَغَ جُهْدَهُ، وَعَمِلَ مَا فِي وُسْعِهِ، يَكُونُ قَدْ قَامَ بِأَمْرِ اللهِ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِ إِنْ أَخَطَأَ بَعْدَ ذَلِكَ، لأَِنَّ اللهَ لاَ يُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها، وَقَدرَ طَاقَتِهَا. وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ مِمَّا وَصَّى بِهِ النَّاسَ أَيْضاً العَدْلَ فِي القَوْلِ واَلفِعْلِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ: فِي الشَّهَادَةِ وَفِي الحُكْمِ وَفِي الكَيْلِ وَالمِيْزَانِ، وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِقَريبٍ، فَإِنَّ القَرَابَةَ وَالصَّدَاقَةَ يَجِبُ ألاَّ تَصْرِفَا الإِنْسَانَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ، وَعَنِ العَدْلِ فِيهِ. كَمَا يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالوَفَاءِ بِعَهْدِ اللهِ، وَالقِيَامِ بِطَاعَتِهِ، فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى، وَفِيمَا عَاهَدُوا النَّاسَ عَلَيْهِ. وَهَذَا مَا أَوْصَى بِهِ اللهُ المُؤْمِنينَ، وَأَمَرَهُمْ بِهِ، وَأَكَّدَ عَلَيهِ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إذَا اجْتَهَدْتُمْ بِالوَفَاءِ بِمَا أَمَرَ اللهُ، وَتَوَاصَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ وَتَنَاهَيْتُمْ عَنِ المُنْكَرِ، فَلَعَلَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ تَتَّعِظُونَ، وَتَنْتَهُونَ عَمَّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلاَلِ. حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ - حَتَّى يَبْلُغَ اسْتِحْكَامَ قُوَّتِهِ وَيَرْشُدَ. بِالقِسْطِ - بِالعَدْلِ دُونَ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ. وُسْعَهَا - طَاقَتَهَا، وَمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعلم أن اليتيم هو من فقد أباه، ولم يبلغ مبلغ الرجال، هذا في الإنسان، أما اليتيم في الحيوان فهو من فقد أمه. وقوله الحق: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ..} [الأنعام: 152] هنا يفرض سبحانه أن اليتيم له مال، فلم يقل: لا تأكل مال اليتيم. بل أمرك ألا تقترب منه ولو بالخاطر، ولو بالتفكير، وعليك أن تبتعد عن هذه المسألة. وإذا كان قد قال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} فهل هذا الأمر على إطلاقه؟. لا؛ لأنه اضاف وقال بعد ذلك: {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي بأن نُثَمِّرَ له ماله تثمراً يسع عيشه، ويبقى له الأصل وزيادة، ولذلك قال في موضع آخر: {أية : وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا...} تفسير : [النساء: 5] فلا يأخذ أحد مال اليتيم ويدخره، ثم يعطيه منه كل شهر جزءاً حتى إذا بلغ الرشد يجد المال قد نقص أو ضاع، لذلك لم يقل: ارزقوهم منها، بل قال: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا} أي ارزقوهم رزقاً ناشئاً منها. فَمَالُهم ظرفية للرزق، ولا يتأتىّ هذا إلا بأن نثموها لليتيم، ولا نحرم الوصاية على اليتيم لرعاية ماله من أصحاب الكفاءات في إدارة الأعمال والأمناء، وقد يوجد الكفء في إدارة العمل، والأمين فيه لكن حاله لا ينهض بأن يتحمل تبعات ومؤنة حياته وقيامة بإدارة أموال اليتيم؛ فقال- سبحانه- في ذلك: {أية : وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ...} تفسير : [النساء: 6] أي أن يهب الوصيّ تلك الرعاية الله، وحين يهب تلك الرعاية لله ولا يأخذ نظير القيام بها أجراً؛ يضمن أنه إن وُجِدَ في ذريته إلى يوم القيامة يتيم فسيجد من يعوله حسبة لله وتطوعاً منه مدخرا أجره عند الله. والحق هو القائل: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9] وحينما يجد اليتيم من يرعاه، وحين يتعاطف المجتمع مع كل يتيم فيه، ويتولى أمور اليتامى أناس أمناء قادرون على إدارة أمورهم فسوف يقل جزع الإنسان من أن يموت ويترك صغاره؛ لأنه سيجد كرامة ورعاية لليتيم، فالناس تخاف من الموت لأن لهم عيالاً صغارا، ويرون أن المجتمع لا يقوم برعاية اليتامى، لكن الإنسان إن وجد اليتيم مكرما، ووجده آباء من الأمة الإسلامية متعددين، فإن جاءه الموت فسوف يطمئن على أولاده لأنهم في رعاية المجتمع، ولكن لا تنتظر حتى يصلح شأن المجتمع بل أصلح من نفسك وعملك تجاه أي يتيم، ويمكنك بذلك أن تطمئن على أولادك فستجد من يرعاهم بعد مماتك، وحين يرعى المجتمع الإيماني كل يتيم ستجد الناس لا تضيق ذرعا بقدر الله في خلقه بأن يموت الواحد منهم ويترك أولادا. والمثل واضح في سورة الكهف بين العبد الصالح وسيدنا موسى حينما مرّا على قرية: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا...} تفسير : [الكهف: 77] فلم طلبا نقوداً ليدخراها، ولكنهما طلبا طعاماً لسد الجوع، وهذه حاجة مُلحّة. ومع أنهما استطعما أهل القرية أبى أهل القرية أن يضيفوهما. ومعنى ذلك أنها قرية لئيمة الأهل. وعلى الرغم من العبد الصالح وجد ردّهم علية وامتناعهم عن إطعامهما، ولكنه عندما وجد جداًر، وبفراسته علم أن الجدار يريد أن ينقض، وكأن الجدار له إدارة، فأقام الجدار، ولأمه سيدنا موسى عليه السلام، وكان سيدنا موسى منطقيا مع نفسه، فقد طلب هو وشيخه من أهل القرية مجرد الطعام فرفضوا، فكيف ترد عليهم بأن تبنى لهم الجدار، وكان يجب أن تأخذ على البناء أجرة، فهم قوم لئام، هذا كلام موسى. لكن العبد الصالح جازاهم بما يستحقون؛ لأنه ببنائه الجدار قد حال بينهم وبين أخذ الكنز، لأنه لو ترك الجدار ينهار لظهر الكنز الذي تحته وهو ليتمين، وهكذا عرف العبد الصالح كيف يربيهم. وبعد ذلك أراد الله أن يشرح لنا أن الجدار لغلامين يتمين في المدينة. {أية : فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا...} تفسير : [الكهف: 82] فكأن استخراج الكنز مقارن ببلوغ الرشد، وكأن العبد الصالح قد بنى الجدار بناء مؤقوتا، بحيث لا ينهار إلا حين يبلغ الغلامان مبلغ الرشد، لقد بنى العبد الصالح البناء وكأنه يضبط الميقات فلا يتماسك الجدار إلا لساعة بلوغ الغلامين أشدهما، وعندئذ يستخرج الغلامان كنزهما. وبعد ذلك جاء لنا بالحثيثة لكل ذلك، فقال سبحانه: {أية : وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً...} تفسير : [الكهف: 82] فكأن صلاح الأب هو الذي أراد به الحق أن يظهر لنا كيف حمى كنز الأبناء، فيأتي العبد الصالح وموسى لأهل القرية اللئام، ويطلبان طعاماً، فلا يطعمونهما، فيبي العبد الصالح الجدار الموقوت الذي يصون الكنز من اللئام. والحق يقول هنا: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..} [الأنعام: 152] من لا يقدر على قرب مال اليتيم بالتي هي أحسن فليبتعد عنه. وحتى لا يتحرز ويتوقى الناس من رعايتهم مال اليتيم، قال سبحانه: {أية : وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [النساء: 6] وكلمة {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي لا يكنز ولا يدخر منه أبداً، بل يأكل بما يدفع الجوع فقط ويكتسي ما يستر جسمه. ونعرف أن اليتيم لم ينضج عقله بعد، وكذلك الكبير السفيه هو أيضاً لا يقدر على التصرف؛ لذلك قال الحق في أدائه البياني حيث يؤدي اللفظ ما يوحي بالمعاني الواسعة: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} تفسير : [النساء: 5] وجعل الحق مال السفيه في مرتبة مال الولي؛ لأن السفيه لا يحترم ملكيته وقد يبددها. ولكن المال يعود لهذا الإِنسان حين يذهب عنه السفه فيقول الحق: {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 6] إنه أداء قرآني عجيب، يشجع الناس ألا يتركوا السفيه يبدد ماله فتكون خسارة للمجتمع كله، فمادام هو في سفه فانظر إلى المال كأنه مالك، ولتكن أميناً عليه أمانتك على مالك. وعندما ترى وتجد رشده وتطمئن على ذلك، فإن الحق يأمرك أن تعيد له ماله. ونعود إلى اليتيم، هنا يقول الحق: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. هذا إن كان له مال، فماذا عن اليتيم الذي لا مال له؟. هنا تكون الوصية أقوى، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" "وأشار بالسّبابة والوسطى وفرّج بينهما ". تفسير : وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل ". تفسير : وخذوا بالكم واجعلوا مسح رأس اليتيم لله، فمن الجائز أن تكون لليتيم أم جميلة، ويريد الولي أن يتقرب منها عن طريق الولد، احذروا ذلك، فإنه فضلا على أنه يسخط الله ويغضبه فهو خسة ولؤم ونذالة. {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] لم يقل الله - سبحانه - بالتي هي حسنة ولكنه قال: {بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} لتشديد الحرص على مال اليتيم حتى يبلغ أشده لأن بلوغ الأشد، يعني أن اليتيم صارت له ذاتية مستقلة، وما المعيار في الذاتية المستقلة؟؛ أن يصبح قادراً على إنجاب مثله، وهذا معيار النضج، مثله مثل الثمرة حين تنضج؛ أي صارت البذرة التي فيها صالحة لأن نضعها في الأرض لتكون شجرة. وأنت إن قطفت الثمرة قبل أن تنضج لا تجد طعمها حلوا، ولا تستسيغ مذاقها إلا حين تستوي البذرة وتنضج. و"الأشد" أي أن الإِنسان يصير قادراً على إنجاب مثله وهو ما نسميه البلوغ، ويصبح أيضاً قادراً على حسن التصرف في المال وفي كل شيء. ويتابع سبحانه: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} [الأنعام: 152] والكيل هي المعايير لما يكال حجماً، والموازين هي المعايير لما يُقَدِّر كثافة، فهناك معيار للحجم ومعيار للكثافة. معيار الحجم الكيل، ومعيار الكثافة هو الوزن، وهناك أيضاً التقديرات العادلة في القياس، للأقمشة مثلاً، المقياس فيها هو المتر، إذن كل شيء بحسبه، وإذا أردت الموزون فلابد أن يكن بالقسط، أي بالعدل. وهذه المسألة من الصعب تحقيقها، ولذلك تختلف الموازين باختلاف نفاسة الأشياء، فحين نزن الفول أو العدس أو البطاطس أو القلقاس، فنحن نزنه بميزان كبير؛ لأن فرق الميزان يكون حول الكيلو جرام، فالأمر حينئذ يكون مقبولاً. وحين نزن أشياء أثمن قليلاً، نأتي بالميزان الدقيق. فإن كان الشيء الموزون ذهباً نحيط الميزان بجدران زجاجية لأن لفحة الهواء قد تقلل أو تزيد الوزن. إننا نحاول أن نمنع تأثير تيارات الهواء عليها. وحين نزن المواد الكيماوية نأتي بميزان يعمل بالذرة. إذن موزون يأخذ درجة ميزانه بمقدار نفاسته وتأثيره؛ لأن تحقيق العدالة في الميزان مسألة صعبة، وكذلك الأمر في الكيل. فحين يكيل الإنسان كيلاً يمسك إناء الكيلة ويهزه؛ حتى يأتي الميكال دقيقاً محرراً، وإن أراد أن يلغي ضميره ويأخذ أكثر من حقه فهو يملأ المكيال بأكثر مما يحتمل ويسند الزيادة بيده حتى لاتقع. وربنا يقول: {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} تفسير : [المطففين: 1-3] فحين يكتال يستوفى ويطفف أي يزيد ما سوف يأخذه شراء، وحين يبيع يقلل الكيل أو الوزن ليأخذ ثمناً أكثر من ثمن ما يزن أو يكيل. وأصل المبادلات غالباً بين طرفين، وبعض المتنطعين يقول: كيف يقول الحق: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} والتطفيف في أي مسألة يكون بالزيادة، لا بالنقص. ونقول: انتبه إلى أن المتحدث هو الله، والتطفيف يزيد طرفاً وينقص من طرف، وكل صفقة بين اثنين فيها بيع وشراء. فإن أراد واحد أن يجعل الخسران على طرف وأن يستوفي لنفسه فهو مطفف. ولذلك تأتي دقة الأداء القرآني من ربنا: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا..} [الأنعام: 152] وقال الحق ذلك لأنه يعلم أن الكيل والميزان بالعدل أمر متعذر؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لواسع رحمته في التشريع لنا لم يجعل مجتال الاستطاعة أمراً يمكن أن تتحكم فيه أشياء لا تدخل في الاستطاعة؛ ففي ضبط المكيال والميزان قال: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} لأن المكيال والميزان أداتان تتحكم فيهما ظروف لا تدخل في نطاق الإنسان. ولذلك قلنا: إن وزن الأشياء التي نعلمها إن كانت من الأشياء التي ليست فيها نفاسة فوزنها له آلة. وإن كانت في المتوسط فوزنها له آلة، وإن كان في الأشياء النفيسة الدقيقة التي للقدر الصغير فيها قيمة مؤثرة، فإن لها آلة مضبوطة مصونة من عوامل الجو حتى لا تتأثر بهبّة الهواء، فقول الحق: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} إباحة للأشياء الزائدة او الناقصة التي لا تدخل في الاستطاعة، ثم قال سبحانه: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ..} [الأنعام: 152] نعلم أن القول نسبة كلامية ينطق بها المتكلم ليسمعها مخاطب، ينفعل للمطلوب فيها خبراً أو إنشاءً، والقول مقابله الفعل، وكلاهما عمل، فالقول عمل والفعل عمل؛ قل أو افعل، فافهم أن القول متعلق بجارحة اللسان، والفعل متعلق بكل الجوارح ما عدا اللسان، فإذا رأيت، وإذا سمعت، وإذا شممت، وإذا لمست كل ذلك يطلق عليه أنه فعل، ولكن إذا ما تحرك اللسان فذلك قول: { وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}. وهل العدل مقصور على القول؟ أو العدل أيضاً يكون في الفعل؟ إن العدل قد يكون في خلاف بين اثنين، وهذا لا يتأتى بفعلك، وإنما يتأتى الحكم والفصل فيه بقولك، وإذا ما تعودت العدل في قولك، ألفته وأنست به وأحببته حتى في أعمالك الخاصة الأخرى. والقول منه الإقرار، وإن تقر على شيء في نفسك فقله بالعدل وبالحق، والشهادة. قلها بالحق، والحكم. قله بالحق. والوصية. قلها بالحق. والفتوى. قلها بالحق. إذن فالحق في القول أمر دائر في كثير من التصرفات؛ لأنك إذا قلت بالحق أمكنك أن تعدل ميزان حركة الحياة؛ فميزان حركة الحياة لا يختل إلا إن رجح باطل على حق؛ لأنك إذا حكمت لواحد بشيء لا يستحقه فقد أعطيته ما ليس له، وإنك بعملك هذا تجعل المتحرك في الحياة يزهد في الحركة, لكن إذا ما حافظت على حركة كل متحرك، وأخذ كل واحد حظه من الحياة بقدر ما يعمل اتزنت كل الأمور، ولم يعد هناك قوم يعيشون على جهد غيرهم وعرق سواهم، إذن فقول العدل هو مناط حركة الحياة الثابتة المستقيمة الرتيبة الرشيدة: { وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}. والذي يؤثر في العدل هو الهوى، وحين يوجد الهوى فهو يحاول أن أن يميلك إلى ناحية ليس فيها الحق، وأولى النواحي أن يكون الأمر متعلقاً بك أو بقرابة لك، وقد تريد إن حكمت- والعياذ بالله- باطلاً، أن تسعد ذا قرباك، وأنت بذلك لم تؤد حق القرابة؛ لأن حق القرابة كان يقتضي أن تمنع عنه كل شيء محرّم وتحمي عرضه، وتحمي دينه قبل أن تحمي مصلحته في النفعية الزائلة. ولذلك يأمرك الحق بأن تقول الكلمة بالعدل ولو كان المحكوم له أو عليه ذا قربى؛ لأنك حين تحكم بالباطل فأنت في الواقع حكمت عليه لا له. {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} [الأنعام: 152] ونحن نعلم أن عهد الله هو ما عاهدنا الله عليه، وأول عهد وقمة العهود هو الإيمان به سبحانه، وترتب على ذلك أن نتلقى منه التكليف، فكل تكليف من تكاليف الله لخلقه يُعتبر عهداً داخلاً في إطار الإِيمان؛ لأن الله لا يحكم حكماً أو يبينه لمكلَّف إلا بعد أن يقول: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...} تفسير : [المائدة: 1] أي يا من آمنت بالعهد الأصيل في القيم وهو العقيدة، وآمنت بي إلهاً: خذ التكليف مني؛ لأنك قد دخلت معي في عهد هو الإِيمان. ولذلك لا يكلف الله بالأحكام كافراً به، إنما يقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ولذلك يجب أن نأخذ كل حكم بدليله من الإِيمان بمن حكم به، فلا تبحث عن في كل حكم، وإنما علة كل حكم أن تؤمن بالذي أمرك ان تفعل كذا، فَعِلَّة كل هي الحكم. ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله تعالى: {ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152] و"ذلكم" إشارة إلى ما تقدم، من أول قوله سبحانه: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الأنعام: 151] إلى أن انتهينا إلى قوله سبحانه: {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} [الأنعام: 152] والتوصية تخصيص للتشريع؛ لأن التشريع يعم احكاماً كثيرة جدَّا، ولكن الوصية التي يوصي الله بها تكون هي عيون التشريع. ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه عن هذه الآيات: "إنها محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار". ولم يوجد شرع جاء لينسخ واحدة من هذه الوصايا، ولذلك يقول اليهودي الذي أسلم وهو كعب الأحبار: "والذي نفس كعب بيده إنّ هذه الآيات لأول شيء في التوراة: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}. ثم نجد أن هذه الوصية الأخيرة هي جامعة لكل شيء؛ نجد تسع وصايا قد مرّت؛ خمسا منها قال فيها: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، وأربعاً قال فيها: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، والعاشرة يقول: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وهذه الوصية العاشرة هي الجامعة لكل أنواع الفضائل التكليفية إنّها قوله الحق: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي...}

الجيلاني

تفسير : {وَ} من جملة المحرمات التي حرمها الحق عليكم: أن {لاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} ولا تتصرفوا {إِلاَّ بِ} التصرفات {ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} لليتيم وأحفظ لغبطته من تنمية ماله وحفظه {حَتَّىٰ يَبْلُغَ} اليتيم {أَشُدَّهُ} أي: يسمع من التصرفات الشرعية شرعاً، وحينئذ يسلم إليه بعد تجربته واختباره، {وَ} من جملتها أيضاً: ألا تنقصوا وتخسروا في الكيل والوزن بل {أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} أي: بالعدل ولا تنقصوا منهما، وإن كان إبقاؤهما في غاية الصعوبة والعسر، فعليكم أن تبذلوا وسعكم وطاقتمك في تعديلها وإيفائهما مهما أمكن لكم، وما ليس في وسعكم {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} معفو عنكم، {وَ} من جملتها: ألا تميلوا في الأحكام {إِذَا قُلْتُمْ} وحكمتم حال كونكم حاكمين بين الخصمين {فَٱعْدِلُواْ} في الحكومة {وَلَوْ كَانَ} المحكوم عليه أو له {ذَا قُرْبَىٰ} من حميمكم وذوي قرابتكم، وعليكم أيها الحكام ألا تتجاوزوا في الأحكام عما حكم الله به بل {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ } الحكيم العليم {أَوْفُواْ} وبمقتضى حكمه وحكمه وفوا {ذٰلِكُمْ} المذكور مما {وَصَّـٰكُمْ} الله {بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152] رجاء أن تتذكروا وتتعظوا به أيها المتواجهون إلى توحيده. {وَ} اعلموا أيها المائلون نحو توحيدي {أَنَّ هَـٰذَا} أي: المذكور في هذه السورة من الأوامر والنواهي والمحرمات والمحللات والأحكام والإشارات والآداب المعاملات {صِرَاطِي} الموصل إلى توحيدي {مُسْتَقِيماً} سوياً بلا ميل واعوجاج {فَٱتَّبِعُوهُ} حتى تفوزوا إليه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ} المتفرقة والطرق المختلفة {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ} وتضلكم {عَن سَبِيلِهِ} أي: سبيل توحيده الذاتي {ذٰلِكُمْ} أي: اتباع طرق التوحيد مما {وَصَّاكُمْ} الله {بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] رجاء أن تحذروا بسببه عن سبيل الأهوية الفاسدة والآراء الباطلة المضلة عن طريق الحق وتوحيده.