Verse. 960 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

فَلَنَسْــــَٔـلَنَّ الَّذِيْنَ اُرْسِلَ اِلَيْہِمْ وَلَنَسْــــَٔـلَنَّ الْمُرْسَلِيْنَ۝۶ۙ
Falanasalanna allatheena orsila ilayhim walanasalanna almursaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلنسألن الذين أرسل إليهم» أي الأمم عن إجابتهم الرسل وعملهم «ولنسألن المرسلين» عن الإبلاغ.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في تقرير وجه النظم وجهان: الوجه الأول: أنه تعالى لما أمر الرسل في الآية المتقدمة بالتبليغ، وأمر الأمة بالقبول والمتابعة، وذكر التهديد على ترك القبول والمتابعة بذكر نزول العذاب في الدنيا، أتبعه بنوع آخر من التهديد، وهو أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة. الوجه الثاني: أنه تعالى لما قال: {أية : فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا إِلا أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ }تفسير : [الأعراف: 5] أتبعه بأنه لا يقع يوم القيامة الاقتصار على ما يكون منهم من الاعتراف بل ينضاف إليه أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم، وبين أن هذا السؤل لا يختص بأهل العقاب بل هو عام في أهل العقاب وأهل الثواب. المسألة الثانية: {الذين أرسل إليهم} هم الأمة، والمرسلون هم الرسل، فبين تعالى أنه يسأل هذين الفريقين، ونظير هذه الآية قوله: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } تفسير : [الحجر: 92]. ولقائل أن يقول: المقصود من السؤال أن يخبر المسؤول عن كيفية أعماله، فلما أخبر الله عنهم في الآية المتقدمة أنهم يقرون بأنهم كانوا ظالمين، فما الفائدة في ذكر هذا السؤال بعده؟ وأيضاً قال تعالى بعد هذه الآية: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ } فإذا كان يقصه عليهم بعلم، فما معنى هذا السؤال؟ والجواب: أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين، سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم والتقصير، والمقصود منه التقريع والتوبيخ. فإن قيل: فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟ قلنا: لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة التحق التقصير بكليته بالأمة، فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار، لما ثبت أن كل التقصير كان منهم. ثم قال تعالى: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ } والمراد أنه تعالى يكرر ويبين للقوم ما أعلنوه وأسروه من أعمالهم، وأن يقص الوجوه التي لأجلها أقدموا على تلك الأعمال، ثم بين تعالى أنه إنما يصح منه أن يقص تلك الأحوال عليهم لأنه ما كان غائباً عن أحوالهم بل كان عالماً بها؟ وما خرج عن علمه شيء منها، وذلك يدل على أن الإلهية لا تكمل إلا إذا كان الإلَه عالماً بجميع الجزئيات، حتى يمكنه أن يميز المطيع عن العاصي، والمحسن عن المسيء، فظهر أن كل من أنكر كونه تعالى عالماً بالجزئيات، امتنع منه الاعتراف بكونه تعالى آمراً ناهياً مثيباً معاقباً، ولهذا السبب فإنه تعالى أينما ذكر أحوال البعث والقيامة بين كونه عالماً بجميع المعلومات. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ } يدل على أنه تعالى عالم بالعلم، وأن قول من يقول: إنه لا علم لله قول باطل. فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: {فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } وبين قوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ }تفسير : [الرحمٰن: 39] وقوله: {أية : وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [القصص: 78]. قلنا فيه وجوه: أحدها: أن القوم لا يسألون عن الأعمال، لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال، وعن الصوارف التي صرفتهم عنها. وثانيها: أن السؤال قد يكون لأجل الاسترشاد والاستفادة، وقد يكون لأجل التوبيخ والإهانة، كقول القائل ألم أعطك وقوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدمَ } تفسير : [يۤس: 60] قال الشاعر:شعر : ألستم خير من ركب المطايا تفسير : إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لا يسأل أحداً لأجل الاستفادة والاسترشاد، ويسألهم لأجل توبيخ الكفار وإهانتهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } تفسير : [الصافات: 27] ثم قال: {أية : فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ }تفسير : [المؤمنون: 101] فإن الآية الأولى تدل على أن المسألة الحاصلة بينهم إنما كانت على سبيل أن بعضهم يلوم بعضاً، والدليل عليه قول: {أية : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَـٰوَمُونَ }تفسير : [القلم:30] وقوله: {فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } معناه أنه لا يسأل بعضهم بعضاً على سبيل الشفقة واللطف، لأن النسب يوجب الميل والرحمة والإكرام. والوجه الثالث: في الجواب: أن يوم القيامة يوم طويل ومواقفها كثيرة، فأخبر عن بعض الأوقات بحصول السؤال، وعن بعضها بعدم السؤال. المسألة الرابعة: الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده، لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا رُسُلاً أو مُرْسَلاً إليهم، ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار. المسألة الخامسة: الآية تدل على كونه تعالى متعالياً عن المكان والجهة، لأنه تعالى قال: {وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } ولو كان تعالى على العرش لكان غائباً عنا. فإن قالوا: نحمله على أنه تعالى ما كان غائباً عنهم بالعلم والإحاطة. قلنا: هذا تأويل والأصل في الكلام حمله على الحقيقة. فإن قالوا: فأنتم لما قلتم أنه تعالى غير مختص بشيء من الأحياز والجهات، فقد قلتم أيضاً بكونه غائباً. قلنا: هذا باطل لأن الغائب هو الذي يعقل أن يحضر بعد غيبة، وذلك مشروط بكونه مختصاً بمكان وجهة، فأما الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة وكان ذلك محالاً في حقه، امتنع وصفه بالغيبة والحضور، فظهر الفرق والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} دليل على أن الكفار يحاسبون. وفي التنزيل {أية : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}تفسير : . [الغاشية: 26]. وفي سورة القصص {أية : وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ }تفسير : [القصص: 78] يعني إذا استقرّوا في العذاب. والآخرة مَواطنُ: موطن يسألون فيه للحساب. وموطن لا يسألون فيه. وسؤالهم سؤال تقرير وتوبيخ وإفضاح. وسؤال الرسل سؤال ٱستشهادٍ بهم وإفصاح؛ أي عن جواب القوم لهم. وهو معنى قوله: {أية : لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 78] على ما يأتي. وقيل: المعنى {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} أي الأنبياء {وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي الملائكة الذين أرسلوا إليهم. واللام في «فلنسألنّ» لام القسم وحقيقتها التوكيد. وكذا {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ}. قال ابن عباس: ينطق عليهم. {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} أي كنا شاهدين لأعمالهم. ودلت الآية على أن الله تعالىٰ عالمٌ بعلم.

البيضاوي

تفسير : {فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} عن قبول الرسالة وإجابتهم الرسل. {ولَنَسْـأَلَنَّ المْرسَلِينَ} عما أجيبوا به، والمراد عن هذا السؤال توبيخ للكفرة وتقريعهم، والمنفي في قوله: {وَلاَ يَسْـئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} سؤال استعلام. أو الأول في موقف الحساب وهذا عند حصولهم على العقوبة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَنَسْئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } أي الأمم عن إجابتهم الرسل وعملهم فيما بلغهم {وَلَنَسْئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} عن الإِبلاغ.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ...} الآية وعيد مِنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لجميع العالم أخبر سبحانه أنه يسأل الأمم أجمع عما بلغ إليهم عنه وعن جميع أعمالهم، ويسأل النَّبيين عما بَلَّغُوا، وهذا هو سُؤَالُ التقرير، فإن اللَّه سبحانه قد أَحَاطَ علماً بكل ذلك قبل السؤال، فأما الأَنْبِيَاءُ وَالمُؤْمِنون، فيعقبهم جوابهم رَحْمَةً وكرامة، وأما الكفار، ومن نفذ عليه الوَعِيد من العُصَاةِ، فيعقبهم جوابهم عَذَاباً وتوبيخاً. * ت *: وروى أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب «فَضْلِ العلمِ» بِسَنَدِهِ عن مَالِك أنه قال: بلغني أن العلماء يُسْأَلُونَ يوم القيامة كما تُسْأَلُ الأنبياء يعني عن تَبْلِيغ العِلمِ انتهى. وخرج أبو نُعَيْم الحافظ من حديث الأَعْمَشِ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما من عَبْدٍ يخطو خطوةً إِلا يُسْأَلُ عنها ما أَرَادَ بها".تفسير : وقد ذكرنا حَدِيثَ مسلم عن أبي برزة في غير هذا المَوْضِعِ. وخرج الطبراني بسنده عن ابن عُمَرَ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ دَعَا اللَّه بِعَبْدٍ من عِبَادِهِ، فيوقفه بين يَدَيْهِ، فيسأله عن جَاهِهِ، كما يسأله عن عَمَلِهِ » تفسير : . انتهى. وروى مالك عن يحيى بن سَعِيدٍ، قال: بلغني أن أَوَّلَ ما ينظر فيه من عَمَلِ الْمَرْءِ، الصلاة، فإن قُبِلَتْ منه نُظِرَ فيما بقي من عَمَلِهِ، وإِن لم تُقْبَلْ منه لم يُنْظَرْ في شَيْءٍ من عمله. وروى أبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه معنى هذا الحديث مرفوعاً عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أول ما يُحاسَبُ به النَّاسُ يوم القِيَامَةِ من أعمالهم الصَّلاَةُ » تفسير : قال: يقول رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ للملائكة انْظُرُوا في صَلاَةِ عَبْدِي أتمَّهَا أم نَقَصَها، فإن كانت تَامَّةً كتبت تَامَّةً، وإن كان انتُقِصَ منها شيءٌ، قال الله: انظروا هل لعبدي من تَطَوُّعٍ؟ فإن كان له تَطَوَّع قال: أتموا لعبدي فَرِيضَتَهُ من تَطَوُّعِهِ، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك. انتهىٰ. واللفظ لأبي داود. وقال النسائي: ثم سائر الأعمال تجري على ذلك انتهى من «التذكرة» وقوله سبحانه: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} أي: فَلنسْرِدَنَّ عليهم أعمالهم قِصَّةً قصة، {بِعِلْمٍ} أي: بحقيقة ويقين {وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ}.

ابن عادل

تفسير : القائمُ مقامَ الفاعِلِ الجار والمجرور وفي كيفيَّة النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لمَّا أمر الرَّسول أولاً بالتبليغ ثم أمر الأمة بالقَبُولِ، والمتابعة، وذكر التَّهْديد على ترك القبول والمتابعة، بذكر نُزُولِ العذابِ في الدُّنْيَا - أتبعه بنوع آخر من التَّهْديدِ وهو أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة. الثاني: أنه تعالى لما قال: {أية : فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}تفسير : [الأعراف: 5] أتبعه أنه لا يقتصر على الاعتراف منهم يوم القيامة، بل يَنْضَافُ إليه أنَّهُ تعالى يسأل الكُلَّ عن كيفيَّةِ أعمالهم، وبين أن هذا السؤال لا يختصُّ بأهل العقاب، بل هو عامٌّ بأهل العقابِ والثَّوابِ، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الحجر: 92،93]. فإن قيل: المقصود من السُّؤالِ أن يخبر المسئول عن كيفية أعمالهم، وقد أخبر عنهم أنهم يقرون بأنهم كانوا ظَالمينَ فما فَائِدَةُ السُّؤال بعده؟ وأيضاً قال تعالى بعد هذه الآية: {أية : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ}تفسير : [الأعراف: 7] فإذا كان يقصُّه عليهم بعلم فما معنى هذا السؤال؟ فالجواب: أنَّهُم لمَّا أقَرُّوا بأنهم كانُوا ظالمين مُقَصِّرين سألوا بعد ذلك عن سَبَبِ الظُّلْمِ، والتَّقْصِيرِ، والمقصود منه التَّقْريعُ والتَّوبيخُ. فإن قيل ما الفائدة في سؤال الرُّسُلِ مع العلم بأنه لم يَصْدُر عنهم تقصير ألبتة؟ فالجوابُ: لأنهم إذا اثبتوا أنه لم يَصْدُرْ عنهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ التحق التَّقْصِيرُ كله بالأمَّةِ، فيتضاعفُ إكرامُ اللَّه تعالى للرُّسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التَّقْصِير، ويتضاعف الخِزْيُ والإهانَةُ في حقِّ الكفَّارِ، ولما ثبت أنَّ ذلك التَّقْصِيرُ كان منهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} قال: نسأل الناس عما أجابوا المرسلين، ونسأل المرسلين عما بلغوا {فَلْنَقُصَّنَّ عليهم بعلم} قال: يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كانوا يعملون . وأخرج عبد بن حميد عن قوله {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} قال: أحدهما الأنبياء وأحدهما الملائكة {فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} قال: ذلك قول الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {فلنسألن الذين أرسل إليهم} يقول: الناس نسألهم عن لا إله إلا الله {ولنسألن المرسلين} قال: جبريل . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري في قوله {فلنسألن الذين أرسل إليهم} قال: هل بلغكم الرسل {ولنسألن المرسلين} قال: ماذا ردوا عليكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم أبي عبد الرحمن. انه تلا هذه الآية فقال: يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال. يقول ربك: ألم اجعل لك جسداً ففيم أبليته؟ الم اجعل لك علماً ففيم عملت بما علمت؟ ألم أجعل لك مالاً ففيم أنفقته في طاعتي أم في معصيتي؟ ألم اجعل لك عمراً ففيم أفنيته؟ وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن وهيب بن الورد قال: بلغني أن أقرب الخلق إلى الله اسرافيل والعرش على كاهله، فإذا نزل الوحي دلى اللوح من نحو العرش، فيقرع جبهة اسرافيل فينظر فيه، فيرسل إلى جبريل فيدعوه فيرسله، فإذا كان يوم القيامة دعي اسرافيل فَيُؤْتَى به ترتعد فرائصه، فيقال له: ما صنعت فيما أدى إليك اللوح؟ فيقول: أي رب أديته إلى جبريل. فَيُدْعَى جبريل فيؤتى به ترتعد فرائصه، فيقال له: ما صنعت فيما أدى إليك إسرافيل؟ فيقول: أي رب بلغت الرسل. فيدعى بالرسل ترتعد فرائصهم، فيقال لهم: ما صنعتم فيما أدى إليكم جبريل؟ فيقولون: أي رب بلغنا الناس. قال: فهو قوله {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي سنان قال: أقرب الخلق إلى الله اللوح وهو معلق بالعرش، فإذا أراد الله أن يوحي بشيء كتب في اللوح، فيجيء اللوح حتى يقرع جبهة إسرافيل، وإسرافيل قد غطى وجهه بجناحيه لا يرفع بصره اعظاماً لله، فينظر فيه فإن كان إلى أهل السماء دفعه إلى ميكائيل، وإن كان إلى أهل الأرض دفعه إلى جبريل، فأول من يحاسب يوم القيامة، اللوح يدعى به ترعد فرائصه، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقول ربنا: من يشهد لك؟ فيقول: اسرافيل. فيدعى إسرافيل ترعد فرائصه، فيقال له: هل بلغك اللوح؟ فإذا قال نعم قال اللوح: الحمد لله الذي نجاني من سوء الحساب، ثم كذلك. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل: يا إسرافيل هات ما وكلتك به. فيقول: نعم يا رب في الصور كذا وكذا ثقبة، وكذا روح الإِنس منها كذا وكذا، وللجن منها كذا وكذا، وللشياطين منها كذا وكذا، وللوحوش منها كذا وكذا، وللطير منها كذا كذا، وللبهائم منها كذا وكذا، وللهوام منها كذا وكذا، وللحيتان منها كذا وكذا، فيقول الله عز وجل: خذه من اللوح. فإذا هو مثلاً بمثل لا يزيد ولا ينقص، ثم يقول عز وجل: هات ما وكلتك يا ميكائيل. فيقول: نعم يا رب أنزلت من السماء كذا وكذا كيلة، وزنة كذا وكذا مثقالاً، وزنة كذا وكذا قيراطاً، وزنة كذا وكذا خردلة، وزنة كذا وكذا درة، أنزلت في سنة كذا وكذا كذا وكذا، وفي شهر كذا وكذا كذا وكذا، وفي جمعة كذا وكذا كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا كذا وكذا، وفي ساعة كذا وكذا كذا وكذا أنزلت للزرع منه كذا وكذا، وأنزلت للشياطين منه كذا وكذا، وأنزلت للانس منه كذا وكذا، وأنزلت للبهائم كذا وكذا، وأنزلت للوحوش كذا وكذا، وللطير كذا وكذا، وللحيتان كذا وكذا، وللهوام كذا وكذا. فذلك كله كذا وكذا، فيقول: خذه من اللوح. فإذا هو مثلاً بمثل لا يزيد ولا ينقص، ثم يقول: يا جبريل هات ما وكلتك به. فيقول نعم يا رب أنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية في كذا وكذا، في جعمة كذا وكذا، في يوم كذا وكذا، وأنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية، وكذا وكذا سورة، فيها كذا وكذا آية، فذلك كذا وكذا آية، فذلك كذا وكذا حرفاً، وأهلكت كذا وكذا مدينة، وخسفت بكذا وكذا. فيقول: خذه من اللوح. فإذا هو مثلاً بمثل لا يزيد ولا ينقص. ثم يقول هات ما وكلتك به يا عزرائيل. فيقول: نعم يا رب قبضت روح كذا وكذا إنسي، وكذا وكذا جني، وكذا وكذا شيطان، وكذا وكذا غريق، وكذا وكذا حريق، وكذا وكذا كافر، وكذا وكذا شهيد، وكذا وكذا هديم، وكذا وكذا لديغ، وكذا وكذا في سهل، وكذا وكذا في جبل، وكذا وكذا طير، وكذا وكذا هوام، وكذا وكذا وحش، فذلك كذا وكذا جملته كذا وكذا، فيقول: خذه من اللوح. فإذا هو مثلاً بمثل لا يزد ولا ينقص. وأخرج أحمد عن معاوية بن حيدة " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن ربي دَاعِيَّ وأنه سائلي هل بلغت عبادي، وإني قائل رب إني قد بلغتهم فليبلغ الشاهد منكم الغائب، ثم إنكم تدعون مفدمة أفواهكم بالفدام، إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن طاوس. أنه قرأ هذه الآية فقال الإِمام يسأل عن الناس، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده . وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإِمام يسأل عن الناس، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده " . تفسير : وأخرج ابن حبان وأبو نعيم عن أنس " حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته " . تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فأعدوا للمسائل جواباً. قالوا: وما جوابها؟ قال: أعمال البر " . تفسير : وأخرج الطبراني في الكبير عن المقدام " حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يكون رجل على قوم إلا جاء يقدمهم يوم القيامة، بين يديه راية يحملها وهم يتبعونه، فيسأل عنه ويسألون عنه . تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من أمير يؤمر على عشرة إلا سُئِلَ عنهم يوم القيامة " . تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: أن الله سائل كل ذي رعية عما استرعاه أقام أمر الله فيهم أم أضاعه، حتى أن الرجل ليسأل عن أهل بيته . وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم "حديث : أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة ينظر في صلاته فإن صلحت فقد أفلح، وإن فسدت فقد خاب وخسر " .

السلمي

تفسير : قيل: لنسألن الذين أرسل إليهم عن قبول الرسالة والقيام بشروطها، ولنسألن المرسلين عن أداء الرسالة والأمانة فيها. قال أبو حفص فى هذه الآية: لنسألن الذين أرسل إليهم عن حفظ حرمات لرسل، ولنسألن المرسلين عن الشفقة على الأمم.

القشيري

تفسير : {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} سؤال تعنيف وتعذيب. {وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} سؤال تشريف وتقريب. {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} عن القبول فيتقنَّعون بذل الخجل. {وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} عن البلاغ فيتكلمون ببيان الهيبة، فالكلُّ بِسِمةِ العبودية والتوقير، والحقُّ بنعت الكبرياء والتقدير.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} اى نسال من الامة فهم الخطاب وقبوله بشرط الحرمة واستعماله بوصف المتابعة ونسال الرسل اداء الراسالة فى صورة كلاما على قدر عقول الخلق شفقة على الامة قال ابو حفص لنسئلن الذين ارسل اليهم سوال تعنيف وتعذيب ولنسئلن المرسلين سوال الشريف وتقريب.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلنسئلن الذين ارسل اليهم} الفاء لترتيب الاحوال الاخروية على الدنيوية اى لنسألن الامم قاطبة يوم الحشر قائلين ماذا اجبتم المرسلين {ولنسئلن المرسلين} عما اجيبوه او المراد بالسؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم والذى نفى بقوله تعالى {أية : ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} تفسير : [القصص: 78]. سؤال الاستعلام او الاول فى موقف الحساب والثانى فى موقف العقاب. وفى التفسير الكبير انهم لا يسألون عن الاعمال ولكن يسألون عن الدواعى التى دعتهم الى الاعمال وعن الصوارف التى صرفتم عنها.

الطوسي

تفسير : الفاء في قوله {فلنسئلن الذين} عطف جملة على جملة، وقد يكون لهذا، وقد يكون لعطف مفرد على مفرد، وقد يكون للجواب. وانما دخلت الفاء وهي موجبة للتعقيب مع تراخي ما بين الاول والثاني، وذلك يليق بـ (ثم) لتقريب ما بينهما، كما قال {أية : اقتربت الساعة} تفسير : وقال {أية : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} تفسير : وقال{أية : أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم}تفسير : وبينهما بعد. والنون في قوله {فلنسألن} نون التأكيد يتلقى بها القسم، وانما بني المضارع مع نون التأكيد، لانه انما دخلت عليه طلباً للتصديق، كما ان الامر طلب للفعل فأدخلت عليه نون التأكيد وتثبت مع الفعل، لان هذه الزيادة التي لا تكون للاسم باعدته كما باعدت الالف واللام ما لا ينصرف من الفعل، فانصرف. أقسم الله تعالى في هذه الآية انه يسأل المكلفين الذين ارسل اليهم رسله واقسم أيضا انه ليسأل الصادقين المرسلين الذين بعثهم، فيسأل هؤلاء عن الابلاغ ويسأل اولئك عن الامتثال، وهو تعالى وان كان عالما بما كان منهم، فانما أخرجه مخرج التهديد والزجر ليتأهب العباد ويحسنوا الاستعداد لذلك السؤال. وحقيقة السؤال طلب الجواب بأداته في الكلام، وحقيقة الاستخبار طلب الخبر بأداته في الكلام. وقوله {فلنقصن عليهم بعلم} قسم آخر، واخبار منه تعالى انه يقص عليهم بما عملوه فانه علم جميع ذلك. وانما ذكره بنون الجمع لاحد أمرين: احدها - ان هذا على كلام العظماء من الملوك لان أفعالهم تضاف الى أوليائهم. والثاني - ان الملائكة تقص عليهم بأمر الله. وقال ابن عباس نقص عليه بما نجده في كتاب عمله. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: "حديث : ان الله يسأل كل احد بكلامه له ليس بينه وبينه ترجمان"تفسير : والقص ما يتلو بعضه بعضا. ومنه المقص، لان قطعه يتلو بعضه بعضا، ومنه القصة من الشعر، والقصة من الكتاب، ومنه القصاص لانه يتلو الجناية في الاستحقاق، ومنه المقاصة في الحق، لانه يسقط ما له قصاصا بما عليه. وانما دخلت نون التأكيد مع لام القسم في المضارع دون الماضي، لانها تؤذن بطلب الفعل الذي تدخل فيه نحو (لأكرمَنَّ زيداً) فان فيه طلب الاكرام بأداته، فالتصديق بالقسم، ولهذا ألزمت النون في طلب الفعل من جهتين، وفتحت هذه النون ما قبلها في جمع المتكلم، ولم تفتحه في الغائب، لان الضمة يجب ان تبقى لتدل على الواو المحذوفة في (ليقصنَّ) بالياء وليس كذلك المتكلم، لانه لا واو فيه. ومعنى قوله {بعلم} قيل فيه وجهان: احدهما بأنا عالمون، والآخر بمعلوم، كما قال {أية : ولا يحيطون بشيء من علمه}تفسير : أي من معلومه، ووجه المسألة له والقصص عليهم أنه سؤال توبيخ وتقريع للضالين، وسؤال تذكير وتنبيه للمؤمنين، فبمقدار ما يغتم أولئك يسّر هؤلاء. ثم يسأل الرسل لان من الامم من يجحد، فيقول ما جاءنا من بشير ولا نذير، ومنهم من يقول: والله ربنا ما كنا مشركين. فان قيل كيف يجمع بين قوله {أية : ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} تفسير : وقوله {فلنسألن الذين أرسل إليهم}؟ قلنا فيه قولان: احدهما - انه نفى ان يسألهم سؤال استرشاد واستعلام وانما يسألهم سؤال توبيخ وتبكيت. الثاني - تنقطع المسألة عند حصولهم في العقوبة، كما قال {أية : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان}تفسير : وقال في موضع آخر {أية : وقفوهم إنهم مسئولون}تفسير : والوجه ما قلناه انه يسألهم سؤال توبيخ قبل دخولهم في النار فاذا دخلوها انقطع سؤالهم. والسؤال في اللغة على اربعة اقسام: احدها - سؤال استرشاد واستعلام، كقولك؟ اين زيد؟، ومن عندك؟ وهذا لا يجوز عليه تعالى. والثاني - سؤال توبيخ وتقريع، وهو خبر في المعنى، كقولك ألم احسن اليك فكفرت نعمتني؟؟ ألم اعطيك فجحدك عطيتي؟!. ومنه قوله تعالى {أية : ألم أعهد إليكم}تفسير : وقوله {أية : ألم يأتكم رسل}تفسير : وقوله {أية : ألم تكن آياتي تتلى عليكم}تفسير : وقال الشاعر: شعر : ألستم خير من ركب المطايا واندى العالمين بطون راح تفسير : ولو كان سائلا لما كان مادحا، وقال العجاج: شعر : اطربا وانت قِنسَّرِيٌّ تفسير : معنى قنسري كبير السن، وهذا توبيخ لنفسه أي كيف اطرب مع الكبر والشيب. الثالث - سؤال التحضيض وفيه معنى (ألا) كقولك: هلا تقوم، وألا تضرب زيدا أي قم واضرب زيدا. والرابع - سؤال تقرير بالعجز والجهل، كقولك للرجل: هل تعلم الغيب؟ وهل تعرف ما يكون غدا؟ وهل تقدر ان تمشي على الماء؟ وكما قال الشاعر: شعر : وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر تفسير : المعنى وليس يصلح العطار ما أفسد الدهر، فاذا ثبت ذلك فقوله {أية : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان}تفسير : وقوله {أية : ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} تفسير : المراد به لا يسألون سؤال استعلام واستخبار ليعلم ذلك من قولهم، لانه تعالى عالم بأعمالهم قبل خلقهم. واما قوله {فنسألن الذي أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} وقوله {أية : فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون}تفسير : فهو مسألة توبيخ وتقريع، كقوله {أية : ألم أعهد إليكم}. تفسير : وسؤاله للمرسلين ليس بتوبيخ ولا تقريع لكنه توبيخ للكفار وتقريع لهم أيضا. واما قوله {أية : فلا أنساب بينهم يؤمئذ ولا يتسائلون}تفسير : فمعناه سؤال تعاطي واستخبار عن الحال التي جهلها بعضهم لتشاغلهم عن ذلك، كما قال {أية : لكل امرىء منهم يومنذ شأن يغنيه}تفسير : وقوله {أية : وأقبل بعضهم على بعض يتسألون} تفسير : فهو سؤال توبيخ وتقريع وتلاوم، كما قال {أية : فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون}تفسير : وكقوله{أية : أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم} تفسير : وقوله {أية : ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار} تفسير : وهذا كثير في القرآن، وليس في شيء من ذلك تضاد بين المسألتين، ولا تنافي بين الخبرين بل اثبات لسؤال عن شيء آخر ومثله قول الشاعر: شعر : فأصبحت والليل لي ملبس واصبحت الارض بحراطما تفسير : فقوله: واصبحت والليل لي ملبس لم يرد به الصبح، لانه لو أراد لما نفاه بـ (والليل لي ملبس) وانما أراد اصبحت بمعنى اشعلت المصباح وهو السراج أي اسرجت في ظلمة الليل، فلم يكن خبراه متضادين. وقوله {وما كنا غائبين} فالغائب البعيد عن حضرة الشيء، ومعناه في الآية انه لا يخفى عليه شيء وذلك يدل على انه ليس بجسم، لانه لو كان جسما على العرش على ما يذهب اليه المجسمة لكان غائبا عما في الارضين السفلى، لان من كان دون هذا بكثير فهو غائب عنا.

الجنابذي

تفسير : {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} من امم الانبياء عن كيفيّة تبليغ الرّسل واجابتهم لهم واطاعتهم ايّاهم {وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} عن تبليغهم وكيفيّة اجابة اممهم.

اطفيش

تفسير : {فَلنَسألنَّ الَّذينَ أُرسِلَ إليْهِم} نائب أرسل هو المجرور بواسطة الجار، والأصل فلنسألن الذين أرسل إليهم الرسل، ولما حذف المفعول الصريح وهو الرسل ناب المجرور، وقرأ ابن مسعود وابن عباس: فلنسألن الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا، والمراد سؤال توبيخ وتقريع لا استعلام، يسألهم عما أجابوا به الرسل، وعن أعمالهم. {ولنسألنَّ المرسلين} سؤال تقرير، هل بلغوا الرسالة؟ وسؤالهم توبيخ وتقريع وتكذيب لأممهم أيضا، فإنهم ينكرون التبليغ، فتكذبهم الأنبياء والملائكة وجوارحهم، فيزداد بذلك خزيهم وهوانهم وعذابهم، ويعقب ذلك كرامة للمرسلين.

الالوسي

تفسير : {فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } بيان ـ كما قال الطبرسي ـ لعذابهم الأخروي إثر بيان عذابهم الدنيوي خلا أنه تعرض كما قيل لبيان مبادي أحوال المكلفين جميعاً لكونه أدخل في التهويل. والفاء عند البعض لترتيب الأحوال الأخروية على الدنيوية ذكراً حسب ترتبها عليها وجوداً. وذكر العلامة الطيبي أن الفاء فصيحة على معني فما كان دعواهم في الدنيا إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا فقطعنا دابرهم ثم لنحشرنهم فلنسألنهم، ووضع على هذا الظاهر موضع الضمير لمزيد التقرير. وقال في «الكشف»: لعل الأوجه أن يجعل هذا متعلقاً بقوله تعالى: { أية : ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ } تفسير : [الأعراف: 3] ويجعل قوله سبحانه: { أية : وَكَم مّن قَرْيَةٍ } تفسير : [الأعراف: 4] الخ معترضاً حثا على الاعتبار بحال السابقين ليتشمروا في الاتباع اهـ. والأمر عند من جعل الكلام السابق على التقديم والتأخير وادعى أن مجيء البأس في الآخرة سهل كما لا يخفى، أي لنسألن الأمم قاطبة أو هؤلاء قائلين ماذا أجبتم المرسلين؟. {وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } ماذا أجيبوا، والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم، والمنفي في قوله تعالى: { أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } تفسير : [الرحمٰن: 39] سؤال الاستعلام فلا منافاة بين الآيتين، وجمع آخرون بينهما بأن للمثبت موقفاً وللمنفي آخر. وقال الإمام: «إنهم لا يسألون عن الأعمال (أي ما فعلتم) ولكن يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال والصوارف التي صرفتهم عنها» أي لم كان كذا، وقيل: معنى {لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } لا يعاقب بذنبه غيره، وقيل: المراد من الذين أرسل إليهم الأنبياء ومن المرسلين الملائكة الذين بلغوهم رسالات ربهم. وروي ذلك عن فرقد وهو كما ترى، وقيل: لا حاجة إلى التوفيق فإن المنفي هو السؤال عن الذنب لا مطلق السؤال. ورد بأن عدم قبول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام ذنب وأي ذنب فسؤالهم عنه ينافيه وفيه نظر. وتخصيص سؤال المرسلين عليهم السلام بما ذكرنا هو الذي يشهد به الأخبار وتدل عليه الآثار، وفي القرآن ما يؤيد ذلك فقد قال سبحانه: { أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } تفسير : [المائدة: 109] وتخصيص سؤال الذين أرسل إليهم بما تقدم هو الذي جرى عليه جماعة من المفسرين. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه يقال للذين أرسل إليهم: هل بلغكم الرسل؟ ويقال للمرسلين: ماذا ردوا عليكم. وأخرج أيضاً عن القاسم أبي عبد الرحمن أنه تلا هذه الآية فقال يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال يقول ربك: ألم أجعل لك جسداً ففيم أبليته؟ ألم أجل لك علماً ففيم عملت بما علمت؟ ألم أجعل لك مالاً ففيم أنفقته في طاعتي أم في معصيتي؟ ألم أجعل لك عمرا ففيم أفنيته؟. وأخرج هو وغيره عن طاوس أنه قرأ ذلك فقال الإمام: يسأل عن الناس والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها / والعبد يسأل عن مال سيده، ولعل الظاهر أن سؤال كل من المرسل إليهم والمرسلين هنا عن أمر يتعلق بصاحبه، ولا يأبى هذا أن المكلفين يسألون عن أمور أخر والمواقف يوم القيامة شتى ويسأل السيد ذو الجلال عباده فيها عن مقاصد عديدة فطوبى لمن أحذ بعضده السعد فأجاب بما ينجيه.

ابن عاشور

تفسير : الفاء في قوله: {فلنسألن} عاطفة، لِترتيب الأخبار لأنّ وجود لام القسم علامة على أنّه كلام أنُفٌ انتقال من خبر إلى خبر، ومن قصة إلى قصة وهو انتقالٌ من الخبر عن حَالتهم الدنيوية إلى الخبر عن أحوالهم في الآخرة. وأكّد الخبر بلام القسم ونون التّوكيد لإزالة الشكّ في ذلك. وسؤال الذين أرسل إليهم سُؤال عن بلوغ الرّسالة. وهو سؤال تقريع في ذلك المحشر، قال تعالى:{أية : ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين}تفسير : [القصص: 65]. وسؤال المرسلين عن تبليغهم الرّسالة سؤال إرهاب لأمُمِهم، لأنّهم إذا سمعوا شهادة رسلهم عليهم أيقنوا بأنّهم مسوقون إلى العذاب، وقد تقدّم ذلك في قوله: {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} تفسير : [النساء: 41] ــــ وقوله ــــ {أية : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} تفسير : [المائدة: 109]. و{الذين أرسل إليهم}، هم أمم الرّسل، وعبّر عنهم بالموصول لما تدُلّ عليه الصّلة من التّعليل، فإن فائدة الإرسال هي إجابة الرّسل، فلا جرم أن يسأل عن ذلك المُرسَل إليهم، ولمّا كان المقصود الأهمّ من السّؤال هو الأمم، لإقامة الحجّة عليهم في استحقاق العقاب، قُدّم ذكرهم على ذكر الرّسل، ولما تدُلّ عليه صلة (الذي) وصلة (ال) من أنّ المسؤول عنه هو ما يتعلّق بأمر الرّسالةِ، وهو سؤال الفريقين عن وقوع التّبليغ. ولَمَّا دلّ على هذا المعنى التّعبيرُ: بــــ {الذين أرسل إليهم} والتّعبيرُ: بــــ {المرسلين} لم يحتجّ إلى ذكر جواب المسؤولين لظهور أنّه إثبات التّبليغ والبلاغ. والفاء في قوله: {فلنقصن عليهم} للتفريع والتّرتيب على قوله: {فلنسألن}، أي لنسألنّهم ثمّ نخبرهم بتفصيل ماأجمله جوابهم، أي فلنقصّنّ عليهم تفاصيل أحوالهم، أي فعِلْمُنا غَنِي عن جوابهم ولكن السّؤال لغرض آخر. وقد دلّ على إرادة التّفصيل تنكيرُ علم في قوله: {بعلم} أي علم عظيم، فإنّ تنوين (عِلم) للتعظيم، وكمالُ العلم إنّما يظهر في العلم بالأمور الكثيرة، وزاد ذلك بياناً قولُه: {وما كنا غائبين} الذي هو بمعنى: لا يعزب عن علمنا شيء يغيب عنّا ونغيب عنه. والقَصّ: الاخبار، يقال: قصّ عليه، بمعنى أخبره، وتقدّم في قوله تعالى: {أية : يقص الحقّ} تفسير : في سورة الأنعام (57). وجملة: {وما كنا غائبين} معطوف على {فلنقصن عليهم بعلم}، وهي في موقع التّذييل. والغائب ضدّ الحاضر، وهو هنا كناية عن الجاهل، لأنّ الغيبة تستلزم الجهالة عرفاً، أي الجهالة بأحوال المَغيب عنه، فإنّها ولو بلغتْه بالأخبار لا تكون تامة عنده مثل المشاهد، أي: وما كنّا جاهلين بشيء من أحوالهم، لأنّنا مطّلعون عليهم، وهذا النّفي للغيبة مثل إثبات المعيَّة في قوله تعالى: {أية : وهو معكم أينما كنتم} تفسير : [الحديد: 4]. وإثباتُ سؤال الأمم هنا لا ينافي نفيه في قوله تعالى: {أية : ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون} تفسير : [القصص: 78] ــــ وقوله ــــ {أية : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} تفسير : [الرحمٰن: 39] لأنّ المسؤول عنه هنا هو التّبليغ والمنفيَّ في الآيتين الآخريين هو السّؤال لمعرفة تفاصيل ذنوبهم، وهو الذي أريد هنا في قوله: {وما كنا غائبين}.

الشنقيطي

تفسير : لم يبين هنا الشيء المسؤول عنه المرسلون، ولا الشيء المسؤول عنه الذين أرسل إليهم. وبين في مواضع أخر أنه يسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، ويسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم. قال في الأول: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ}تفسير : [المائدة: 109]. وقال في الثاني: {أية : وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [القصص: 65]. وبين في موضع آخر أنه يسأل جميع الخلق عما كانوا يعلمون، وهو قوله تعالى: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الحجر: 92-93]. وهنا إشكال معروف: وهو أنه تعالى قال هنا: {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6]، وقال أيضاً: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الحجر: 92-93]، وقال: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} تفسير : [الصافات: 24]، وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة، مع أنه قال: {أية : وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [القصص: 78]، وقال: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39]. وقد بينا وجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) وسنزيده إيضاحاً هنا إن شاء الله تعالى. اعلم أولاً: أن السؤال المنفي في الآيات المذكورة. أخص من السؤال المثبت فيها. لأن السؤال المنفي فيها مقيد بكونه سؤالاً عن ذنوب خاصة. فإنه قال: {أية : وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [القصص: 78] فخصه بكونه عن الذنوب، وقال: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39] فخصه بذلك أيضاً. فيتضح من ذلك أن سؤال الرسل والموؤودة مثلاً ليس عن ذنب فعلوه فلا مانع من وقوعه. لأن المنفي خصوص السؤال عن ذنب، ويزيد ذلك إيضاحاً قوله تعالى: {أية : لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 8] الآية، وقوله بعد سؤاله لعيسى المذكور في قوله: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [المائدة: 116] الآية. {أية : قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}تفسير : [المائدة: 119] الآية، والسؤال عن الذنوب المنفي في الآيات: المراد به سؤال الاستخبار والاستعلام. لأنه جل وعلا محيط علمه بكل شيء، ولا ينافي نفي هذا النوع من السؤال ثبوت نوع آخر منه هو سؤال التوبيخ والتقريع. لأنه نوع من أنواع العذاب، ويدل لهذا أن سؤال الله للكفار في القرآن كله توبيخ وتقريع كقوله: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} تفسير : [الصافات: 24-25]. وقوله: {أية : أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الطور: 15]. إلى غير ذلك من الآيات وباقي أوجه الجمع مبين في كتابنا المذكور - والعلم عند الله تعالى-.

أبو بكر الجزائري

تفسير : معنى الكلمات: أرسل إليهم: هم الأمم والأقوام. فلنقصن عليهم بعلم: فلنخبرنهم بأعمالهم متتبعين لها فلا نترك منها شيئاً. وما كنا غائبين: أي عنهم أيام كانوا يعملون. الوزن يومئذ الحق: أي العدل. فمن ثقلت موازينه: أي بالحسنات فأولئك هم المفلحون بدخول الجنة. خسروا أنفسهم: بدخولهم النار والإِصطلاء بها أبداً. معايش: جمع معيشة بمعنى العيش الذي يعيشه الإِنسان. قليلاً ما تشكرون: أي شكراً قليلاً والشكر ذكر النعمة للمنعم وطاعته بفعل محابه وترك مكارهه. معنى الآيات: قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} يخبر تعالى أنه إذا جمع الخلائق لفصل القضاء مؤكداً الخبر بالقسم أنه يسأل كل أمة أو جماعة أو فرد أرسل إليهم رسله يسألهم عن مدى إجابتهم دعوة رسله إليهم، فهل آمنوا بما جاءتهم به الرسل، وأطاعوهم فيما بلغوهم، من التوحيد والعبادة والطاعة والانقياد، كما يسأل الرسل أيضاً هل بلغوا ما ائتمنهم عليه من رسالته المتضمنة أمر عباده بالإِيمان به وتوحيده وطاعته في أمره ونهيه، ثم يقصُّ تعالى على الجميع بعلمه كل ما كان منهم من ظاهر الأعمال وباطنها، ولا يستطيعون إخفاء شيء أبداً، ولم يكن سؤاله لهم أولاً، إلا من باب إقامة الحجة وإظهار عدالته سبحانه وتعالى فيهم، ولتوبيخ من يستحق التوبيخ منهم، وهذا معنى قوله تعالى: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} عنهم حينما كانوا في الدنيا يعملون فكل أعمالهم كانت مكشوفة ظاهرة له تعالى ولا يخفى عليه منها شيء وهو السميع البصير. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [6] والثانية [7] أما الآيتان الثالثة الرابعة فقد أخبر تعالى أنه بعد سؤالهم وتعريفهم بأعمالهم ينصب الميزان وتوزن لهم أعمالهم فمن ثقلت موازين حسناته أفلح بالنجاة من النار ودخول الجنة دار السلام ومن خَّفت لقلة حسناته وكثرة سيئاته خسر نفسه بإلقائه في جهنم ليخلد في عذاب أبدي، وعلل تعالى لهذا الخسران في جهنم بقوله {بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} أي يكذبون ويجحدون، وأطلق الظلم وأريد به التكذيب والجحود لأمرين هما: أولاً: اكتفاء بحرف الجر الباء إذ لا تدخل على ظلم ولكن على كذب أو جحد يقال كذب به وجحد به ولا يقال ظلم به ولكن ظلمه وهذا من باب التضمين وهو سائغ في لغة العرب التي نزل بها القرآن. وثانياً: أنهم بدل أن يؤمنوا بالآيات وهي واضحات كذبوا بها فكانوا كأنهم ظلموا الآيات ظلماً حيث لم يؤمنوا بها وهي بينات. هذا ما دلت عليه الآيتان أما الآية الخامسة [10] فقد تضمنت امتنان الله تعالى على عباده، وكان المفروض أن يشكروا نعمه عليهم بالإِيمان به وتوحيده وطاعته، ولكن الذي حصل هو عدم الشكر من أكثرهم قال تعالى {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} حيث جعلهم متمكنين في الحياة عليها يتصرفون فيها ويمشون في مناكبها، وقوله {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} هذه نعمة أخرى وهي أن جعل لهم فيها معايش وأرزاقاً يطلبونها فيها ويحصلون عليها وعليها قامت حياتهم، وقوله {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي لا تشكرون إلا شكراً يسيراً لا يكاد يذكر. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والسؤال والحساب ووزن الأعمال يوم القيامة. 2- صعوبة الموقف حيث تسأل الأمم والرسل عليهم السلام كذلك. 3- الفلاح والخسران مبنيان على الكسب في الدنيا فمن كسب خيراً نجا، ومن كسب شراً هلك. 4- وجوب شكر النعم بالإِيمان والطاعة لله ورسوله.

القطان

تفسير : قص: اخبر الوزن: هنا نتيجة الحساب توزن الاعمال بميزان دقيق. ثقلت موازّينه. كانت اعماله صالحة خفت موازينه: كانت اعماله سيئة بآياتنا يظلمون: يكذبون. بعد ان أمر الله الرسُلَ في الآية السابقة بالتبليغ، وأمر الأمم بالقبول والاتّباع، ثم ذكّرهم بعذاب الأمم التي عاندت وعصت الرسُل السابقين - ذكر هنا ان الحساب يوم القيامة دقيق وعادل، حيث يُسأل كل انسان عن عمله ويحاسب عليه. يومئذٍ يُسأل الناسُ: هل بَلَغَتهم الرسالة؟ وبماذا اجابوا المرسلين؟ ولنسألن الرسل ايضا: هل بلَّغتم ما أُنزل اليكم؟ وبماذا اجابكم اقوامكم؟ {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ}. ولَنخبرنّ الجميع أخباراً صادقة بجميع ما كان منهم، لأننا أحصينا عليهم كل شيء. إننا لم نكُ غائبين عنهم في وقتٍ من الأوقات ولا حالٍ من الاحوال، وسيكون السؤال ههنا للإعلام والإخبار، توبيخاً لهم وتأنيباً على رؤوس الاشهاد. روى الترمذي عن أبي برزة الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "حديث : لا تزولُ قدما عبدٍ حتى يُسألَ عن عُمُره فِيمَ أفناه، وعن عِلمه فيم عمِل به، وعن مالِه من اين اكتسبَه وفيم انقه،وعن جمسه فيم أبلاه؟ تفسير : {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ....} وفي ذلك اليوم يكون تقدير الأعمال تقديرا عادلا، ليأخذ كلُّ واحدٍ ما يستحقه من ثواب وعقاب فالذين كثُرت حسناتُهم ورجَحَتْ على سيئاتهم همُ الفائزون بالنجارة من العذاب،والحائزون للنعيم في دار الثواب. أما الذين كثُرت سيئاتهم ورجحت على حسناتهم فهم الخاسِرون، لأنهم باعوا أنفسَهم للشيطان. ونحن لا نعلم كيفية وزن الحسنات والسيئات واذا كان العلم الحديث قد صنع موازين للحر والبرد واتجاه الريح والامطار وخزن المعلومات في الكمبيوتر وغير ذلك فان الله تعالى لا يعجز عن وزن الحسنات والسيئات، وهو القادر على كل شيء.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَلَنَسْأَلَنَّ} {وَلَنَسْأَلَنَّ} (6) - يَقولُ تَعَالَى: إِنَّهُ سَيَسْأَلُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَّا أَجَابُوا بِهِ رُسُلَهُمْ فِيمَا أَرْسَلَهُمُ اللهُ بِهِ إِلَيْهِم، وَسَيَسْأَلُ الرُّسُلَ أَيْضاً عَمَّا بَلَّغُوهُ إِلى الأُمَمِ مِنْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ، وَعَمَّا أَجَابَهُمْ بِهِ أَقْوَامُهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق يسأل الرسل بعد أن يجمعهم عن مدى تصديق أقوامهم لهم، والسؤال إنما يأتي للإِِقرار، ومسألة السؤال وردت في القرآن بأساليب ظاهر أمرها أنها متعارضة، والحقيقة أن جهاتها منفكة، وهذا ما جعل خصوم القرآن يدعون أن القرآن فيه تضارب. فالحق سبحانه يقول: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101] ويقول سبحانه أيضاً: {أية : وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} تفسير : [المعارج: 10] ويقول جل وعلا: {أية : ...وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [القصص: 78] ويقول سبحانه وتعالى: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39] ثم يقول هنا: {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6] وهذا ما يجعل بعض المستشرقين يندفعون إلى محاولة إظهار أن بالقرآن- والعياذ بالله- متناقضات. ونقول لكل منهم: أنت تأخذ القرآن بغير ملكة البيان في اللغة، ولو أنك نظرت إلى أن القرآن قد استقبله قوم لسانهم عربي، وهم باقون على كفرهم فلا يمكن أن يقال إنهم كانوا يجاملون، ولو أنهم وجدوا هذا التناقض، أما كانوا يستطيعون أن يردوا دعوى محمد فيقولوا: أيكون القرآن معجزا وهو متعارض؟! لكن الكفار لم يقولوها، مما يدل على أن ملكاتهم استقبلت القرآن بما يريده قائل القرآن. وفي أعرافنا نورد السؤال مرتين؛ فمرة يسأل التلميذ أستاذه ليعلم، ومرة يسأل الأستاذ تلميذه ليقرر. إذن فالسؤال يأتي لشيئين اثنين: إما أن تسأل لتتعلم، وهذا هو الاستفهام، وإما أن تسأل لتقرر حتى تصبح الحجة ألزم للمسئول، فإذا كان الله سيسأله، أي يسأله سؤال إقرار ليكون أبلغ في الاحتجاج عليه، وبعد ذلك يقولون: {أية : وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ * فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 10-11] وهذا اعتراف وإقرار منهم وهما سيدا الأدلة؛ لأن كلام المقابل إنما يكون شهادة، ولكن كلام المقر هو إقرار اعتراف. إذن إذا ورد إثبات السؤال فإنه سؤال التقرير من الله لتكون شهادة منهم على أنفسهم، وهذا دليل أبلغ للحجة وقطع للسبل على الإِنكار. فإما أن يقر الإِنسان، وإن لم يقر فستقول أبعاضه؛ لأن الإِرادة انفكت عنها، ولم يعد للإِنسان قهر عليها، مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ...} تفسير : [فصلت: 21] والحق هنا يقول: {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ}. وهو سؤال للإِقرار. قال الله عنه: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ...} تفسير : [المائدة: 109] وحين يسأل الحق المرسلين، وهم قد أدوا رسالتهم فيكون ذلك تقريعاً للمرسَل إليهم. ويقول الحق بعد ذلك: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ...}