Verse. 962 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَالْوَزْنُ يَوْمَىِٕذِۨ الْحَقُّ۝۰ۚ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِيْنُہٗ فَاُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الْمُفْلِحُوْنَ۝۸
Waalwaznu yawmaithini alhaqqu faman thaqulat mawazeenuhu faolaika humu almuflihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والوزن» للأعمال أو لصحائفها بميزان له لسان وكتفان كما ورد في حديث كائن «يومئذ» أي يوم السؤال المذكور وهو يوم القيامة «الحق» العدل صفة الوزن «فمن ثقلت موازينه» بالحسنات «فأولئك هم المفلحون» الفائزون.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن من جملة أحوال القيامة السؤال والحساب، بين في هذه الآية أن من جملة أحوال القيامة أيضاً وزن الأعمال، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: {ٱلْوَزْنَ } مبتدأ و {يَوْمَئِذٍ } ظرف له و {ٱلْحَقّ } خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون {يَوْمَئِذٍ } الخبر و {ٱلْحَقّ } صفة للوزن، أي والوزن الحق، أي العدل يوم يسأل الله الأمم والرسل. المسألة الثانية: في تفسير وزن الأعمال قولان: الأول: في الخبر أنه تعالى ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها، ثم قال ابن عباس: أما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فتوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الناجون قال وهذا كما قال في سورة الأنبياء: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً }تفسير : [الأنبياء: 47] وأما كيفية وزن الأعمال على هذا القول ففيه وجوه: أحدهما: أن أعمال المؤمن تتصور بصورة حسنة، وأعمال الكافر بصورة قبيحة، فتوزن تلك الصورة: كما ذكره ابن عباس. والثاني: أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد مكتوبة، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوزن يوم القيامة فقال: «الصحف» وهذا القول مذهب عامة المفسرين في هذه الآية، وعن عبد لله بن سلام، أن ميزان رب العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة، والأخرى على جهنم، ولو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلاً كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله يوضع في الأخرى فترجح»تفسير : وعن الحسن: بينما الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم واضع رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها قد أغفى فسالت الدموع من عينها فقال: «ما أصابك ما أبكاك؟» فقالت: ذكرت حشر الناس وهل يذكر أحد أحداً، فقال لها: «حديث : يحشرون حُفاة عُراة غرلاً» {أية : لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }تفسير : [عبس: 37] لا يذكر أحد أحداً عند الصحف، وعند وزن الحسنات والسيئات، وعن عبيد بن عمير يؤتى بالرجل العظيم الأكول الشروب فلا يكون له وزن بعوضة. والقول الثاني: وهو قول مجاهد والضحاك والأعمش، أن المراد من الميزان العدل والقضاء وكثير من المتأخرين ذهبوا إلى هذا القول، وقالوا حمل لفظ الوزن على هذا المعنى سائغ في اللغة والدليل عليه فوجب المصير إليه. وأما بيان أن حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة، فلأن العدل في الأخذ والإعطاء، لا يظهر إلا بالكيل والوزن في الدنيا فلم يبعد جعل الوزن كناية عن العدل، ومما يقوي ذلك أن الرجل إذا لم يكن له قدرة ولا قيمة عند غيره يقال: إن فلاناً لا يقيم لفلان وزناً قال تعالى: {أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً } تفسير : [الكهف: 105] ويقال أيضاً فلان استخف بفلان، ويقال هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه، أي يعادله ويساويه مع أنه ليس هناك وزن في الحقيقة قال الشاعر:شعر : قد كنت قبل لقائكم ذا قوة عندي لكل مخاصم ميزانه تفسير : أراد عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه فجعل الوزن مثلاً للعدل. إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن يكون المراد من هذه الآية هذا المعنى فقط والدليل عليه أن الميزان، إنما يراد ليتوصل به إلى معرفة مقدار الشيء، ومقادير الثواب والعقاب لا يمكن إظهارها بالميزان، لأن أعمال العباد أعراض وهي قد فنيت وعدمت، ووزن المعدوم محال، وأيضاً فبتقدير بقائها كان وزنها محالاً، وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال. فنقول: المكلف يوم القيامة، إما أن يكون مقراً بأنه تعالى عادل حكيم أو لا يكون مقراً بذلك فإن كان مقراً بذلك، فحينئذ كفاه حكم الله تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب وإن لم يكن مقراً بذلك لم يعرف من رجحان كفة الحسنات على كفة السيئات أو بالعكس حصول الرجحان لاحتمال أنه تعالى أظهر ذلك الرجحان لا على سبيل العدل والإنصاف فثبت أن هذا الوزن لا فائدة فيه ألبتة، أجاب الأولون وقالوا إن جميع المكلفين يعلمون يوم القيامة أنه تعالى منزه عن الظلم والجور، والفائدة في وضع ذلك الميزان أن يظهر ذلك الرجحان لأهل القيامة، فإن كان ظهور الرجحان في طرف الحسنات، ازداد فرحه وسروره بسبب ظهور فضله وكمال درجته لأهل القيامة وإن كان بالضد فيزداد غمه وحزنه وخوفه وفضيحته في موقف القيامة، ثم اختلفوا في كيفية ذلك الرجحان، فبعضهم قال يظهر هناك نور في رجحان الحسنات، وظلمة في رجحان السيئات، وآخرون قالوا بل بظهور رجحان في الكفة. المسألة الثالثة: الأظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد والدليل عليه قوله: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [الأنبياء: 47] وقال في هذه الآية: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر. قال الزجاج: إنما جمع الله الموازين ههنا، فقال: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } ولم يقل ميزانه لوجهين: الأول: أن العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد. فيقولون: خرج فلان إلى مكة على البغال. والثاني: أن المراد من الموازين ههنا جمع موزون لا جمع ميزان وأراد بالموازين الأعمال الموزونة ولقائل أن يقول هذان الوجهان يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ، وذلك إنما يصار إليه عند تعذر حمل الكلام على ظاهره ولا مانع ههنا منه فوجب إجراء اللفظ على حقيقته فكما لم يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة، فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل. وأما قوله تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ }. اعلم أن هذه الآية فيها مسائل: المسألة الأولى: أنها تدل على أن أهل القيامة فريقان منهم من يزيد حسناته على سيئاته، ومنهم من يزيد سيئاته على حسناته، فأما القسم الثالث وهو الذي تكون حسناته وسيئاته متعادلة متساوية فإنه غير موجود. المسألة الثانية: قال أكثر المفسرين المراد من قوله: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ } الكافر والدليل عليه القرآن والخبر والأثر. أما القرآن فقوله تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ } ولا معنى لكون الإنسان ظالماً بآيات الله إلا كونه كافراً بها منكراً لها، فدل هذا على أن المراد من هذه الآية أهل الكفر، وأما الخبر فما روي أنه إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجرته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك فمن أنت؟ فيقول: «حديث : أنا نبيك محمد وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما تكون إليها»تفسير : ، وهذا الخبر رواه الواحدي في «البسيط»، وأما جمهور العلماء فرووا ههنا الخبر الذي ذكرناه من أنه تعالى يلقى في كفة الحسنات الكتاب المشتمل على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال القاضي: يجب أن يحمل هذا على أنه أتى بالشهادتين بحقهما من العبادات، لأنه لو لم يعتبر ذلك لكان من أتى بالشهادتين يعلم أن المعاصي لا تضره، وذلك إغراء بمعصية الله تعالى. ولقائل أن يقول: العقل يدل على صحة ما دل عليه هذا الخبر، وذلك أن العمل كلما كان أشرف وأعلى درجة، وجب أن يكون أكثر ثواباً، ومعلوم أن معرفة الله تعالى ومحبته أعلى شأناً، وأعظم درجة من سائر الأعمال، فوجب أن يكون أوفى ثواباً، وأعلى درجة من سائر الأعمال. وأما الأثر فلأن ابن عباس وأكثر المفسرين حملوا هذه الآية على أهل الكفر. وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: إن المرجئة الذين يقولون: المعصية لا تضر مع الإيمان تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنه تعالى حصر أهل موقف القيامة في قسمين: أحدهما: الذين رجحت كفة حسناتهم وحكم عليهم بالفلاح. والثاني: الذين رجحت كفة سيئاتهم، وحكم عليهم بأنهم أهل الكفر الذين كانوا يظلمون بآيات الله، وذلك يدل على أن المؤمن لا يعاقب ألبتة. ونحن نقول في الجواب: أقصى ما في الباب أنه تعالى لم يذكر هذا القسم الثالث في هذه الآية إلا أنه تعالى ذكره في سائر الآيات فقال: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 116] والمنطوق راجح على المفهوم، فوجب المصير إلى إثباته، وأيضاً فقال تعالى في هذا القسم: {فَأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } ونحن نسلم أن هذا لا يليق إلا بالكافر وأما العاصي المؤمن فإنه يعذب أياماً ثم يُعفى عنه، ويتخلص إلى رحمة الله تعالى، فهو في الحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال وانقطاع والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} ابتداء وخبر. ويجوز أن يكون {ٱلْحَقِّ} نعته، والخبر {يَوْمَئِذٍ}. ويجوز نصب {ٱلْحَقِّ} على المصدر. والمراد بالوزن وزن أعمال العباد بالميزان. قال ابن عمر: توزن صحائف أعمال العباد. وهذا هو الصحيح، وهو الذي ورد به الخبر على ما يأتي. وقيل: الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. وقال مجاهد: الميزان الحسنات والسيئات بأعيانها. وعنه أيضاً والضحاكِ والأعمش: الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء، وذِكر الوزن ضربُ مثلٍ؛ كما تقول: هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه، أي يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وَزْنٌ. قال الزجاج: هذا سائغٌ من جهة اللسان، والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان. قال القشيرِيّ: وقد أحسن فيما قال، إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الدِّين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطينُ والجنّ على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة. وقد أجمعت الأُمة في الصدر الأوّل على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل. وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصاً. قال ابن فُورَك: وقَدْ أنكرت المعتزلة الميزان بناءً منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها. ومن المتكلِّمين من يقول: إن الله تعالىٰ يقلِب الأعراض أجساماً فيزنها يوم القيامة. وهذا ليس بصحيح عندنا، والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب التي فيها الأعمال مكتوبة، وبها تخف. وقد روي في الخبر ما يحقِّق ذلك، وهو أنه روي: «حديث : أن ميزان بعضِ بني آدم كاد يخف بالحسنات فيوضع فيه رِق مكتوب فيه «لا إله إلاَّ الله» فيثقل»تفسير : . فقد عُلِمَ أن ذلك يرجع إلى وزن ما كتب فيه الأعمال لا نفس الأعمال، وأن الله سبحانه يخفف الميزان إذا أراد، ويثقله إذا أراد بما يُوضع في كِفتيه من الصحف التي فيها الأعمال. وفي صحيح مسلم عن صَفْوان بن مُحْرِز قال قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النَّجْوى؟ قال سمعته يقول: «حديث : يُدْنَى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كَنَفه فيُقَرِّره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول أي ربِّ أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيُعْطَى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله»تفسير : . فقوله: «حديث : فيعطى صحيفة حسناته»تفسير : دليل على أن الأعمال تكتب في الصحف وتوزن. وروى ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يُصاح برجل من أُمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعة وتسعون سِجِلاًّ كل سِجِل مدّ البصر ثم يقول الله تبارك وتعالىٰ هل تنكر من هذا شيئاً فيقول لا يا ربّ فيقول أظَلَمْتك كَتَبتِي الحافظون فيقول لا ثم يقول ألك عذر ألك حسنة فيهاب الرجل فيقول لا فيقول بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم فتُخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البِطاقة مع هذه السِّجِلاّت فيقول إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كِفة والبطاقة في كِفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة»تفسير : . زاد الترمذيّ «حديث : فلا يثقل مع اسم الله شيء»تفسير : وقال: حديث حسن غريب. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في «الكهف والأنبياء» إن شاء الله تعالىٰ. قوله تعالىٰ: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} «مَوَازِينُهُ» جمع ميزان، وأصله مِوزان، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد يوزن بكل ميزان منها صِنف من أعماله. ويمكن أن يكون ذلك ميزاناً واحداً عُبِّرَ عنه بلفظ الجمع؛ كما تقول: خرج فلان إلى مكة على البغال، وخرج إلى البصرة في السفن. وفي التنزيل: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ}. {أية : كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الشعراء: 123]. وإنما هو رسول واحد في أحد التأويلين. وقيل: الموازين جمع موزون، لا جمع ميزان. أراد بالموازين الأعمال الموزونة. {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} مثله. وقال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكِفّتان؛ فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته؛ فذلك قوله: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} ويؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة فيوضع في كِفّة الميزان فيخف وزنه حتى يقع في النار. وما أشار إليه ابن عباس قريب مما قيل: يخلق الله تعالىٰ كل جزء من أعمال العباد جوهراً فيقع الوزن على تلك الجواهر. وردّه ٱبن فُورك وغيره. وفي الخبر: «حديث : إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بِطاقة كالأنملة فيلقيها في كِفّة الميزان اليمنَى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبيّ صلى الله عليه وسلم بأبِي أنت وأُميّ! ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت؟ فيقول أنا محمد نبيك وهذه صلواتك التي كنت تُصلّي عليّ قد وفيتك أحوج ما تكون إليها»تفسير : . ذكره القشيرِيّ في تفسيره. وذكر أن البطاقة (بكسر الباء) رُقعة فيها رقم المتاع بلغة أهل مصر. وقال ابن ماجه: قال محمد بن يحيى: البِطاقة الرُّقعة، وأهل مصر يقولون للرُّقْعة بِطاقة. وقال حذيفة: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السَّلام، يقول الله تعالىٰ: «حديث : يا جبريل زِنْ بينهم فرُدّ من بعض على بعض»تفسير : . قال: وليس ثمّ ذهب ولا فضة؛ فإن كان للظالم حسناتٌ أخِذ من حسناته فردّ على المظلوم، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتحمل على الظالم؛ فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن الله تعالىٰ يقول يوم القيامة يا آدم ٱبرز إلى جانب الكرسي عند الميزان وٱنظر ما يرفع إليك من أعمال بَنِيك فمن رجح خيرُه على شره مثقالَ حَبّة فله الجنة ومن رجح شره على خيره مثقال حبة فله النار حتى تعلم أني لا أَعذب إلاَّ ظالماً».

البيضاوي

تفسير : {وَٱلْوَزْنُ} أي القضاء، أو وزن الأعمال وهو مقابلتها بالجزاء. والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان له لسان وكفتان، ينظر إليه الخلائق إظهاراً للمعدلة وقطعاً للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وتشهد بها جوارحهم. ويؤيده ما روي: أن الرجل يؤتى به إلى الميزان فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة. وقيل توزن الأشخاص لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إنه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة»تفسير : {يَوْمَئِذٍ} خبر المبتدأ الذي هو الوزن. {ٱلْحَقّ} صفته، أو خبر محذوف ومعناه العدل السوي. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ} حسناته، أو ما يوزن به حسناته فهو جمع موزون أو ميزان وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن. {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الفائزون بالنجاة والثواب.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَٱلْوَزْنُ} أي: للأعمال، يوم القيامة {ٱلْحَقُّ} أي: لا يظلم تعالى أحداً؛ كقوله: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ} تفسير : [الأنبياء: 47] وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40] وقال تعالى: {أية : فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ } تفسير : [القارعة: 6-11] وقال تعالى: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ } تفسير : [المؤمنون: 101-103]. (فصل) والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال، وإن كانت أعراضاً، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساماً، قال البغوي: يروى نحو هذا عن ابن عباس؛ كما جاء في الصحيح من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيابتان، أو فرقان من طير صواف. ومن ذلك في الصحيح قصة القرآن، وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك. وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر: «حديث : فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح»تفسير : ، وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق، وقيل: يوزن كتاب الأعمال؛ كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به، ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها: لا إله إلا الله، فيقول: يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» تفسير : رواه الترمذي بنحو من هذا، وصححه، وقيل: يوزن صاحب العمل؛ كما في الحديث: «حديث : يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين، فلا يزن عند الله جناح بعوضة»تفسير : ثم قرأ: {أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً} تفسير : [الكهف: 105]، وفي مناقب عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أتعجبون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد» تفسير : وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحاً، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلْوَزْنُ } للأعمال أو لصحائفها بميزان له لسان وكفتان كما ورد في حديث كائنٌ {يَوْمَئِذٍ } أي يوم السؤال المذكور وهو يوم القيامة {ٱلْحَقُّ} العدل: صفة (الوزن) {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } بالحسنات {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الفائزون.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ } الوزن مبتدأ وخبره الحق، أي الوزن في هذا اليوم العدل الذي لا جور فيه، أو الخبر يومئذ، والحق وصف للمبتدأ، أي الوزن العدل كائن في هذا اليوم وقيل: إن الحق خبر مبتدأ محذوف. واختلف أهل العلم في كيفية هذا الوزن الكائن في هذا اليوم، فقيل: المراد به وزن صحائف أعمال العباد بالميزان وزناً حقيقياً، وهذا هو الصحيح، وهو الذي قامت عليه الأدلة وقيل: توزن نفس الأعمال، وإن كانت أعراضاً فإن الله يقلبها يوم القيامة أجساماً كما جاء في الخبر الصحيح: «حديث : إن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فِرْقان من طير صوافّ»تفسير : . وكذلك ثبت في الصحيح أنه يأتي القرآن في صورة شاب شاحب اللون ونحو ذلك. وقيل: الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. وقيل: الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء، وذكرهما من باب ضرب المثل، كما تقول هذا الكلام في وزن هذا. قال الزجاج: هذا سائغ من جهة اللسان، والأولى أن نتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان. قال القشيري: وقد أحسن الزجاج فيما قال، إذ لو حمل [الميزان على هذا، فليحمل] الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجنّ على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، ثم قال: وقد أجمعت الأمة في الصدر الأوّل على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصاً انتهى. والحق هو: القول الأوّل. وأما المستبعدون لحمل هذه الظواهر على حقائقها فما يأتون في استبعادهم بشيء من الشرع يرجع إليه، بل غاية ما تشبثوا به مجرد الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة على أحد، فهذا إذا لم تقبله عقولهم، فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، حتى جاءت البدع كالليل المظلم وقال كل ما شاء، وتركوا الشرع خلف ظهورهم وليتهم جاءوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها، ويتحد قبولهم لها، بل كل فريق يدعى على العقل ما يطابق هواه، ويوافق ما يذهب إليه هو أو من هو تابع له، فتتناقض عقولهم على حسب ما تناقضت مذاهبهم، يعرف هذا كل منصف، ومن أنكره فليصفّ فهمه وعقله عن شوائب التعصب والتمذهب، فإنه إن فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه. وقد ورد ذكر الوزن والموازين في مواضع من القرآن كقوله: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً }تفسير : [الأنبياء: 47]، وقوله: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ }تفسير : [المؤمنون: 101]، وقوله: {أية : فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ فأُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ } تفسير : [المؤمنون: 102، 103]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } تفسير : [النساء: 40]، وقوله: {أية : فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } تفسير : [القارعة: 6-9]. والفاء في {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } للتفصيل. والموازين: جمع ميزان، وأصله موزان قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، وثقل الموازين هذا يكون بثقل ما وضع فيها من صحائف الأعمال. وقيل: إن الموازين جمع موزون، أي فمن رجحت أعماله الموزونة، والأوّل: أولى. وظاهر جمع الموازين المضافة إلى العامل أن لكل واحد من العاملين موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله. وقيل: وهو ميزان واحد عبر عنه بلفظ الجمع كما يقال: خرج فلان إلى مكة على البغال، والإشارة بقوله: {فَأُوْلَـئِكَ } إلى "من"، والجمع باعتبار معناه كما رجع إليه ضمير {مَوٰزِينُهُ } باعتبار لفظه هو مبتدأ خبره {هُمْ ٱلْمُفْلِحُونَ } والكلام في قوله: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } مثله، والباء في {بِمَا كَانُواْ بِآيَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ } سببية، و"ما" مصدرية. ومعنى {يَظْلِمُونَ } يكذبون. قوله: {وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأرْضِ } أي جعلنا لكم فيها مكاناً وهيأنا لكم فيها أسباب المعايش. والمعايش جمع معيشة، أي ما يتعايش به من المطعوم والمشروب، وما تكون به الحياة، يقال عاش يعيش عيشاً ومعاشاً ومعيشاً. قال الزجاج: المعيشة ما يتوصلون به إلى العيش، والمعيشة عند الأخفش وكثير من النحويين مفعلة. وقرأ الأعرج «معائش» بالهمز، وكذا روى خارجة بن مصعب، عن نافع. قال النحاس: والهمز لحن لا يجوز، لأن الواحدة معيشة والياء أصلية، كمدينة ومداين، وصحيفة وصحايف. قوله: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } الكلام فيه كالكلام فيما تقدّم قريباً من قوله تعالى: {أية : قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } تفسير : [الأعراف: 3]. قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } هذا ذكر نعمة أخرى من نعم الله على عبيده. والمعنى: خلقناكم نطفاً ثم صوّرناكم بعد ذلك، وقيل المعنى: خلقنا آدم من تراب، ثم صورناكم في ظهره. وقيل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ } يعني: آدم ذكر بلفظ الجمع؛ لأنه أبو البشر، {ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } راجع إليه، ويدلّ عليه: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ } فإن ترتيب هذا القول على الخلق والتصوير يفيد أن المخلوق المصوّر آدم عليه السلام. وقال الأخفش: إن "ثم" في {ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } بمعنى الواو. وقيل المعنى: خلقناكم من ظهر آدم، ثم صوّرناكم حين أخذنا عليكم الميثاق. قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال وقيل المعنى: ولقد خلقنا الأرواح أوّلاً، ثم صوّرنا الأشباح، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، أي أمرناهم بذلك فامتثلوا الأمر، وفعلوا السجود بعد الأمر {إِلاَّ إِبْلِيسَ } قيل: الاستثناء متصل بتغليب الملائكة على إبليس؛ لأنه كان منفرداً بينهم، أو كما قيل: لأن من الملائكة جنساً يقال لهم الجنّ. وقيل: غير ذلك. وقد تقدّم تحقيقه في البقرة. قوله: {لَمْ يَكُن مّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ }. جملة مبينة لما فهم من معنى الاستثناء، ومن جعل الاستثناء منقطعاً قال معناه: لكن إبليس لم يكن من الساجدين، وجملة: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا قال له الله؟ و«لا» في {أَلا تَسْجُدَ } زائدة للتوكيد بدليل قوله تعالى في سورة صۤ: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } تفسير : [صۤ: 75]؛ وقيل إن "منع" بمعنى قال، والتقدير: من قال لك أن لا تسجد؛ وقيل "منع" بمعنى دعا، أي ما دعاك إلى أن لا تسجد. وقيل: في الكلام حذف، والتقدير: ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى أن لا تسجد {إِذْ أَمَرْتُكَ } أي وقت أمرتك، وقد استدل به على أن الأمر للفور، والبحث مقرر في علم الأصول، والاستفهام في {مَا مَنَعَكَ } للتقريع والتوبيخ، وإلا فهو سبحانه عالم بذلك، وجملة: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر كأنه قيل: فما قال إبليس؟ وإنما قال في الجواب {أنا خير منه}، ولم يقل: منعني كذا، لأن في هذه الجملة التي جاء بها مستأنفة ما يدل على المانع، وهو اعتقاده أنه أفضل منه. والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول مع ما تفيده هذه الجملة من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله. ثم علل ما ادّعاه من الخيرية بقوله: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } اعتقاداً منه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين. وقد أخطأ عدوّ الله، فإن عنصر الطين أفضل من عنصر النار من جهة رزانته وسكونه، وطول بقائه، وهي حقيقة مضطربة سريعة النفاد، ومع هذا فهو موجود في الجنة دونها، وهي عذاب دونه، وهي محتاجة إليه لتتحيز فيه، وهو مسجد وطهور، ولولا سبق شقاوته، وصدق كلمة الله عليه، لكان له بالملائكة المطيعين لهذا الأمر أسوة وقدوة، فعنصرهم النوري أشرف من عنصره الناري. وجملة {قَالَ فَٱهْبِطْ } استئنافية كالتي قبلها، والفاء لترتيب الأمر بالهبوط على مخالفته للأمر، أي اهبط من السماء التي هي محل المطيعين من الملائكة الذين لا يعصون الله فيما أمرهم، إلى الأرض التي هي مقرّ من يعصي ويطيع، فإن السماء لا تصلح لمن يتكبر، ويعصى أمر ربه مثلك، ولهذا قال {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا }. ومن التفاسير الباطلة ما قيل إن معنى {ٱهْبِطْ مِنْهَا } أي أخرج من صورتك النارية التي افتخرت بها صورة مشوّهة مظلمة؛ وقيل المراد هبوطه من الجنة. وقيل من زمرة الملائكة، وجملة {فاخرج} لتأكيد الأمر بالهبوط، وجملة {إنك من الصاغرين} تعليل للأمر، أي إنك من أهل الصغار، والهوان على الله، وعلى صالحي عباده، وهكذا كل من تردّى برداء الاستكبار، عوقب بلبس رداء الهوان والصغار. ومن ليس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع. وجملة: {قَالَ أَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } استئنافية كما تقدّم في الجمل السابقة، أي أمهلني إلى يوم البعث، وكأنه طلب أن لا يموت، لأن يوم البعث لا موت بعده، والضمير في {يُبْعَثُونَ } لآدم وذريته، فأجابه الله بقوله: {إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ } أي الممهلين إلى ذلك اليوم، ثم تعاقب بما قضاه الله لك، وأنزله بك في دركات النار. قيل: الحكمة في إنظاره ابتلاء العباد، ليعرف من يطيعه ممن يعصيه. وجملة: {قَالَ فبِمَا أَغْوَيْتَنِى } مستأنفة كالجمل السابقة، واردة جواباً لسؤال مقدّر، والباء في {فبِمَا} للسببية، والفاء لترتيب الجملة على ما قبلها. وقيل: الباء للقسم كقوله: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [ص: 82] أي فباغوائك إياي {لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}، والإغواء: الإيقاع في الغيّ. وقيل: الباء بمعنى اللام، وقيل: بمعنى مع. والمعنى: فمع إغوائك إياي. وقيل: "مَا" في {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } للاستفهام. والمعنى: فبأي شيء أغويتني؟ والأوّل: أولى. ومراده بهذا الإغواء الذي جعله سبباً لما سيفعله مع العباد هو ترك السجود منه، وأن ذلك كان بإغواء الله له، حتى اختار الضلالة على الهدى. وقيل: أراد به اللعنة التي لعنه الله، أي فبما لعنتني فأهلكتني، لأقعدنّ لهم ومنه: {أية : فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } تفسير : [مريم: 59] أي هلاكاً. وقال ابن الأعرابي: يقال: غوى الرجل يغوي غياً، إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه، ومنه: {أية : وَعَصَىٰ ءادَمَ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } تفسير : [طه: 121] أي فسد عيشه في الجنة {لأقْعُدَنَّ لَهُمْ } أي لأجهدنّ في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسبب تركي السجود لأبيهم. والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة. وانتصابه على الظرفية، أي في صراطك المستقيم كما حكى سيبويه ضرب زيد الظهر والبطن، واللام في (لأقعدنّ) لام القسم، والباء في {فبِمَآ أَغْوَيْتَنِى } متعلقة بفعل القسم المحذوف، أي فبما أغويتني أقسم لأقعدنّ. قوله: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ } ذكر الجهات الأربع؛ لأنها هي التي يأتي منها العدو عدوّه، ولهذا ترك ذكر جهة الفوق والتحت، وعدى الفعل إلى الجهتين الأوليين "بمن"، وإلى الآخريين "بعن"، لأن الغالب فيمن يأتي من قدام وخلف أن يكون متوجهاً إلى ما يأتيه بكلية بدنه، والغالب فيمن يأتي من جهة اليمين والشمال أن يكون منحرفاً، فناسب في الأوليين التعدية بحرف الابتداء، وفي الأخريين التعدية بحرف المجاوزة، وهو تمثيل لوسوسته وتسويله بمن يأتي حقيقة. وقيل المراد: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } من دنياهم {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } من آخرتهم {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ } من جهة حسناتهم {وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } من جهة سيئاتهم، واستحسنه النحاس. قوله: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } أي وعند أن أفعل ذلك لا تجد أكثرهم شاكرين، لتأثير وسوستي فيهم وإغوائي لهم، وهذا قاله على الظنّ، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ }تفسير : [سبأ: 20]. وقيل: إنه سمع ذلك من الملائكة فقاله، وعبر بالشكر عن الطاعة أو هو على حقيقته وأنهم لم يشكروا الله بسبب الإغواء. وجملة {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا } استئناف، كالجمل التي قبلها، أي من السماء أو الجنة أو من بين الملائكة كما تقدّم {مَذْءومًا } أي مذموماً من ذأمه إذا ذمَّه، يقال: ذأمته وذممته بمعنى. وقرأ الأعمش «مذموماً». وقرأ الزهريّ «مذوماً» بغير همزة؛ وقيل المذءوم: المنفي، والمدحور: المطرود. قوله: {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } قرأ الجمهور بفتح اللام على أنها لام القسم، وجوابه: {لأَمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } وقيل: اللام في {لَّمَن تَبِعَكَ } للتوكيد، وفي {لأَمْلاَنَّ } لام القسم. والأوّل: أولى، وجواب القسم سدّ مسدّ جواب الشرط، لأن مَنْ شرطية، وفي هذا الجواب من التهديد ما لا يقادر قدره. وقرأ عاصم في رواية عنه "لَّمَن تَبِعَكَ" بكسر اللام، وأنكره بعض النحويين. قال النحاس: وتقديره والله أعلم، من أجل من اتبعك كما يقال: أكرمت فلاناً لك. وقيل: هو علة لا خرج، وضمير {مّنكُمْ } له ولمن اتبعه، وغلب ضمير الخطاب على ضمير الغيبة، والأصل منك ومنهم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ } قال: العدل {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } قال: حسناته {وَمَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ } قال: حسناته. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، توزن الأعمال. وقد ورد في كيفية الميزان والوزن والموزون أحاديث كثيرة. وأخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مدّ البصر، فيقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربّ، فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا ربّ، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، وإنّه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: يا ربّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» تفسير : وقد صححه أيضاً الترمذي، وإسناده أحمد حسن. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس، في قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } قال: خلقوا في أصلاب الرجال، وصوّروا في أرحام النساء. وأخرج الفريابي عنه أنه قال: خلقوا في ظهر آدم، ثم صوّروا في الأرحام. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً قال: أما {خلقناكم} فآدم، وأما {ثم صوّرناكم} فذريته. وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة، في الآية قال: خلق إبليس من نار العزة. وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من نار، وخلق آدم مما وصف لكم»تفسير : وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: أوّل من قاس إبليس في قوله: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } وإسناده صحيح إلى الحسن. وأخرج أبو نعيم في الحلية، والديلمي، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جدّه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله له اسجد لآدم، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين» تفسير : قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه، قرنه الله يوم القيامة بإبليس، لأنه اتبعه بالقياس، وينبغي أن ينظر في إسناد هذا الحديث، فما أظنه يصح رفعه وهو لا يشبه كلام النبوّة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: {فبِمَا أَغْوَيْتَنِى } أضللتني. وأخرج عبد بن حميد، عنه، في قوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } قال: طريق مكة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } قال: أشككهم في آخرتهم {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } قال: أرغبهم في دنياهم {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ } أشبه عليهم أمر دينهم {وَعَن شَمَائِلِهِمْ } قال: أسنّ لهم المعاصي وأحق عليهم الباطل {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } قال: موحدين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } يقول: من حيث يبصرن {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } من حيث لا يبصرون {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ } من حيث يبصرون {وَعَن شَمَائِلِهِمْ } من حيث لا يبصرون. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عنه، أيضاً في الآية قال: لم يستطع أن يقول من فوقهم. وفي لفظ علم أن الرحمة تنزل من فوقهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، في قوله: {مَذْءومًا } قال: ملوماً، مدحوراً: قال مقيتاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد {مَذْءومًا } قال: منفياً {مَّدْحُورًا } قال: مطروداً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الوزن ها هنا هو القضاء بالحق، أي بالعدل، قاله مجاهد. والثاني: أنه موازنة الحسنات والسيئات بعلامات يراها الناس يوم القيامة. والثالث: أنه موازنة الحسنات والسيئات بميزان له كفتان، قاله الحسن وطائفة. واختلف من قال بهذا في الذي يوزن على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الذي يوزن هوالحسنات والسيئات بوضع إحداهما في كفة والأخرى في كفة، قاله الحسن والسدي. والثاني: أن الذي يوزن صحائف الأعمال، فأما الحسنات والسيئات فهي أعمال، والوزن إنما يمكن في الأجسام، قاله عبد الله بن عمر. والثالث: أن الذي يوزن هو الإنسان، قال عبيد بن عمير، قال يؤتى بالرجل العظيم الجثة فلا يزن جناح بعوضة. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه فمن قُضي له بالطاعة. والثاني: معناه فمن كانت كفة حسناته أثقل من كفة سيئاته. والثالث: معناه فمن زادت حسناته على سيئاته. {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} يعني بما لهم من الثوب، وبضده إذا خفت.

ابن عطية

تفسير : {الوزن} مصدر وزن يزن، ورفعه بالابتداء و {الحق} خبره، و {يومئذ} ظرف منتصب بـ {الوزن} ويصح أن يكون {يومئذ} خبر الابتداء، و {الحق} نعت لـ {الوزن} والتقدير الوزن الحق ثابت أو ظاهر يومئذ، و {يومئذ} إشارة إلى يوم القيامة، والفصل بين الخلائق، واختلف الناس في معنى الوزن والموازين فقالت فرقة: إن الله عز وجل أراد أن يعلم عباده أن الحساب والنظر يوم القيامة هو في غاية التحرير ونهاية العدل فمثل لهم في ذلك بالوزن والميزان إذ لا يعرف البشر أمراً أكثر تحريراً منه، فاستعير للعدل وتحرير النظر لفظة الوزن والميزان كما استعار ذلك أبو طالب في قوله: شعر : بميزان قسط لا يخس شعيرة له حاكم من نفسه غير عائل تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أصح من الأول من جهات، أولها أن ظواهر كتاب الله عز وجل تقتضيه وحديث الرسول عليه السلام ينطق به، من ذلك: قوله لبعض الصحابة وقد قال له يا رسول الله أين أجدك في القيامة؟ فقال "حديث : اطلبني عند الحوض فإن لم تجدني فعند الميزان" تفسير : ، ولو لم يكن الميزان مرئياً محسوساً لما أحاله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطلب عنده، وجهة أخرى أن النظر في الميزان والوزن والثقل والخفة المقترنات بالحساب لا يفسد شيء منه ولا تختل صحته، وإذا كان الأمر كذلك فلم نخرج من حقيقة اللفظ إلى مجازه دون علة؟ وجهة ثالثة وهي أن القول في الميزان هو من عقائد الشرع الذي لم يعرف إلا سمعاً، وإن فتحنا فيه باب المجاز غمرتنا أقوال الملحدة والزنادقة في أن الميزان والصراط والجنة والنار والحشر ونحو ذلك إنما هي ألفاظ يراد بها غير الظاهر. وروي هذا القول عن مجاهد والضحاك وغيره، وكذلك استعير على قولهم الثقل والخفة لكثرة الحسنات وقلتها، وقال جمهور الأمة: إن الله عز وجل أراد أن يعرض لعباده يوم القيامة تحرير النظر وغاية العدل بأمر قد عرفوه في الدنيا وعهدته أفهامهم، فميزان القيامة له عمود وكفتان على هيئة موازين الدنيا، قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام، وقالوا: هذا الذي اقتضاه لفظ القرآن ولم يرده نظر. قال القاضي أبو محمد: فينبغي أن يجري في هذه الألفاظ إلى حملها على حقائقها، وأما "الثقل" و "الخفة" فإن الآثار تظاهرت بأن صحائف الحسنات والسيئات توضع في كفتي الميزان فيحدث الله في الجهة التي يريد ثقلاً وخفة على نحو إحداثه ذلك في جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت نزول الوحي عليه، ففي الصحيح من حديث زيد بن ثابت أنه قال: كنت أكتب حتى نزلت {أية : غير أولي الضرر} تفسير : [النساء: 95] وفخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي حتى كادت أن ترض فخذي، وفي الحديث أنه كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته بركت به عجزاً عن حمله لثقل الحادث فيه، ولا بد لنا أن نعلم أن الثقل الحادث مع الحسنات إنما يتعلق بجسم، إذ العرض لا يقول بالعرض، فجائز أن يحدث الثقل في الصحائف وهو أقربها إلى الظن، وجائز أن يحدث في ذلك من الأجسام المجاورة لتلك الحال، وإلى حدوثه في الصحائف ذهب أبو المعالي، ورويت في خبر الميزان آثار عن صحابة وتابعين في هيئته وطوله وأحواله لم تصح بالإسناد، فلم نر للإطالة بها وجهاً، وقال الحسن فيما روي عنه: بلغني أن لكل أحد يوم القيامة ميزاناً على حدة. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود الناس على خلافه، وإنما لكل أحد وزن يختص به والميزان واحد، وروي عن مجاهد في قوله {ثقلت موازينه} أن "الموازين" الحسنات نفسها. قال القاضي أبو محمد: وجمع لفظ "الموازين" إذ في الميزان موزونات كثيرة فكأنه أراد التنبيه عليها بجمعه لفظ الميزان. و {المفلحون} في اللغة المدركون لبغيتهم الناجحون في طلبهم ومنه قول عبيد: [الرجز] شعر : أفلحْ بما شئت فقد يبلغ بالضْـ ـضَعف وقد يُخْدَعُ الأريبُ تفسير : فأما قول الشاعر: [المنسرح] شعر : والمسْي والصبح لا فلاح معهْ تفسير : فقد قيل إنه بمعنى البقاء. قال القاضي أبو محمد: والبقاء بلوغ بغية فالمعنيان متقاربان، ووزن الله تعالى أعمال العباد مع علمه بدقائق الأشياء وجلائلها نظير كتبه أعمالهم في صحائفهم واستنتساخه ذلك ونظير استنطاقه جوارحهم بالشهادة عليهم إقامة للحجة وإيضاحاً، فقد تقرر في الشرع أن كلمة التوحيد ترجح ميزان من وزنت في أعماله ولا بد، فإن قال قائل كيف تثقل موازين العصاة من المؤمنين بالتوحيد ويصح لهم حكم الفلاح ثم تدخل طائفة منهم النار وذلك شقاء لا محالة؟ فقالت طائفة إنه توزن أعمالهم دون التوحيد فتخف الحسنات فيدخلون النار ثم عند إخراجهم يوزن التوحيد فتثقل الحسنات فيدخلون الجنة، وأيضاً فمعرفة العاصي أنه غير مخلد فلاح وإن تقدمه شقاء على جهة التأديب. وقوله تعالى: {ومن خفت موازينه} الآية، المعنى من خفت كفة حسناته فشالت، و {خسروا أنفسهم} أي بالهلاك والخلود في النار وتلك غاية الخسارة، وقوله: {بما كانوا} أي جزاء بذلك كما تقول أكرمتك بما أكرمتني، و"ما" في هذا الموضع مصدرية، و "الآيات" هنا البراهين والأوامروالنواهي و {يظلمون} أي يضعونها في غير مواضعها بالكفر والتكذيب.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالْوَزْنُ} القضاء بالعدل، أو موازنة الحسنات والسيئات بميزان له كفَّتان توضع الحسنات في إحداهما والسيئات في الأخرى أو توزن صحائف الأعمال إذ لا يمكن وزن الأعمال وهي أعراض قاله ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهماـ، أو يوزن الإنسان فيؤتى بالرجل العظيم الجثة فلا يزن جناح بعوضة، قاله عبيد بن عمير ـ رضي الله تعالى عنهماـ {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} قضي له بالطاعة، أو زادت حسناته على سيئاته، أو ثقلت كفة حسناته.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} التقدير: والوزن الحق ثابت، أو ظاهر يومئذٍ، أي يوم القيامة. قال جمهور الأُمَّةِ: إنَّ اللَّه عز وجل أراد أن يبين لعباده أن الحِسَابَ والنظر يوم القِيَامَةِ هو في غَايَةِ التحرير، ونهاية العَدْلِ بأَمْرٍ قد عرفوه في الدُّنْيَا، وعهدته أفهامهم، فميزان القِيَامَةِ له عمود وَكِفَّتَانِ على هيئة مَوَازِينِ الدنيا، جَمَع لفظ «المَوَازِين»؛ إذ في الميزان مَوْزُونَاتٌ كثيرة، فكأنه أراد التَّنْبِيه عليها. قال الفخر: والأظْهَرُ إثبات مَوَازِينَ في يوم القيامة لا ميزان واحدِ، لظواهر الآيات، وحمل الموازين على الموزنات، أو على الميزان الواحد يوجبان العُدُولَ عن ظَاهِرِ اللفظ، وذلك إنما يُصَارُ إليه عند تَعَذُّرِ حَمْلِ الكلام على ظَاهِرِهِ، ولا مانع هاهنا منه، فوجب إِجْرَاءُ اللفظ على حقيقته، فكما لم يمتنع إثبات مِيزانٍ له كِفَّتان، فكذلك لا يمتنع إِثْبَاتُ موازين بهذه الصِّفَةِ، وما الموجب لتَرْكِهِ، والمصير إلى التأويل. انتهىٰ. قال أبو حَيَّان: موازينه جُمِعَ باعتبار المَوْزُونَاتِ، وهذا على مذهب الجمهور؛ في أن الميزَانَ واحد. وقال الحسن: لكل واحدِ ميزَانٌ، فالجمع إذن حَقِيقَةٌ انتهى. والآيات هُنَا البَرَاهِينُ والأوامر والنواهي. وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ....} الآية خطاب لجميع الناس، والمعايش: بكسر الياء دون هَمْزٍ جمع معيشة، وهي لفظة تعمُّ جَمِيعَ المأكول الذي يُعَاشُ به، والتحرف الذي يُؤَدِّي إليه، {وقَلِيلاً} نصب بـ {تَشْكُرُونَ} ويحتمل أن تكون {مَّا} مع الفعل بتأوليل المَصْدَرُ، و{قَلِيلاً} نعت لِمَصْدَرٍ محذوف، تقديره: شكراً قليلاً شكركم، أو شكراً قليلاً تشكرون.

ابن عادل

تفسير : الوزن مبتدأ، وفي الخبر وجهان: أحدهما: هو الظَّرْف أي: الوزن كائن أو مستقرٌّ يومئذٍ أي: يوم إذ يُسْألُ الرُّسُلُ والمرسلُ إليهم. فحذف الجملة المضاف إليها "إذْ" وعوَّض منها التَّنْوين، هذا مذهب الجُمْهُور خلافاً للأخْفَش. وفي "الحقّ" على هذا الوجه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه نَعْتٌ للوزن أي: الوزن الحق في ذلك اليوم. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوفٍ كأنَّهُ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ من قائل يقول: ما ذلك الوزن؟ فقيل: هو الحقُّ لا البَاطِلُ. الثالث: أنه بدلٌ من الضَّميرِ المستكن في الظَّرْفِ وهو غَرِيبٌ ذكرهُ مَكِيٌّ. والثاني: من وجهي الخبر أن يكون الخبر "الحق"، و "يومئذ" على هذا فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ منصوب على الظَّرْفِ ناصبه "الوَزْنُ" أي: يقع الوَزْنُ ذلك اليوم. والثاني: أنَّهُ مفعول به على السَّعةِ وهذا الثاني ضعيفٌ جدّاً لا حَاجَةَ إليه. ولمَّا ذَكَرَ أبُو البقاءِ كون "الحق" خبراً، وجعل "يَوْمئذٍ" ظرفاً للوزن قال: "ولا يَجُوزُ على هذا أن يكون صِفَةً، لَئِلاّ يلزم الفَصْلُ بين المَوصُولِ وصِلَتِهِ". قال شهابُ الدِّين: وأين الفَصْلُ؟ فإن التركيبَ القرآنيَّ إنما جاء فيه "الحق" بعد تمام الموصول بصلته، وإذا تمَّ الموصول بصلته جاز أن يُوصَفَ. تقول: "ضَرْبُكَ زَيْداً يَوْمَ الجُمْعَةِ الشديدُ حسنٌ". فالشَّديدُ صفة لِضَربِكَ. فإنْ تَوَهَّمَ كون الصِّفَةِ محلُّها أن تقع بعد الموصوف وتليه، فَكَأنَّهَا مُقدَّمَةٌ في التَّقدير فَحَصَلَ الفَصْلُ تقديراً فإن هذا لا يُلْتَفَتُ إليه؛ لأنَّ تلك المعمولات من تَتِمَّةِ الموصول فلم تل إلاَّ الموصول وعلى تقدير اعتقاد ذلك له، فالمَانِعُ من ذلك أيضاً صيرورةُ المبتدأ بلا خبر، لأنَّكَ إذا جعلت "يَومئذٍ" ظرَفْاً للوزن و "الحقُّ" صفته فأين خبره؟ فهذا لو سَلِمَ من المانع الذي ذكره كان فيه هذا المانع الآخر. وقد طوَّلَ مكيٌّ بذكر تقديم "الحقّ" على "يومئذ" وتأخيره عنهُ باعتبار الإعرابات المتقدمة، وهذا لا حَاجَةَ إليه لأنَّا مقيَّدُونَ في القرآن بالإتيان بِنَظْمِهِ. وذكر أيضاً أنه يجوز نصبه، يعني أنَّهُ لو قُرِىءَ به لكان جَائِزاً، وهذا أيضاً لا حاجة إليه. قوله: "مَوَازِيْنُهُ" فيها قولان: أحدهما: أنَّها جمع ميزان: الآلة [التي] يوزنُ بها، وإنَّمَا جمع؛ لأن كلَّ إنسانٍ له ميزان يخصُّه على ما جاء في التَّفْسير، أو جُمع باعتبار الأعمال الكثيرة وعبّر عن هذا الحال بالمحل. والثاني: أنَّها جمع موزون، وهي الأعمال، والجمع حينئذٍ ظاهر. قيل: إِنَّمَا جمع الميزان ههنا، وفي قوله: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [الأنبياء: 47]؛ لأنَّه لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزانٌ، ولأفعال الجوارح ميزانٌ، ولما يتعلق بالقول ميزان. وقال الزَّجَّاجُ: إنَّمَا جمع الموازين ههنا لوجهين: الأوَّلُ: أنَّ العرب قد تُوقِعُ لَفْظَ الجَمْعِ على الواحد فيقولون: خرج فلان إلى مَكَّةَ راكباً البِغَالَ. والثاني: أن الموازين ههنا جمع موزون لا جمع ميزان. قال القرطبيُّ: والموازين جمع ميزان وأصلُهُ: "مِوْزَانٌ" قلبت الواوُ ياءً لكسرة ما قبلها. فصل في المراد بالميزان قال مُجَاهِدٌ والأعْمَشُ والضَّحَّاكُ: المراد بالميزان العدل والقضاء، وذهب إلى هذا القول كثيرٌ من المُتأخِّرينَ قالوا: لأنَّ لَفْظَ الوزن على هذا المعنى شَائِعٌ في اللُّغَةِ؛ لأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلاَّ بالكَيْل، والوزن في الدُّنْيَا، فلم يبعد جعل الوزن كِنَايَةً عن العَدْلِ، ويؤيِّدُ ذلك أنَّ الرَّجُلَ إذا لم يكن له قَدْرٌ ولا قِيمَةٌ عند غيره يقال: إنَّ فُلاناً لا يقيم لفلان وَزْناً. قال تعالى: {أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً}تفسير : [الكهف: 105]، ويُقَالُ هذا الكلامُ في وزن هذا وفي وزانه، أي: يعادله ويُسَاويه مع أنَّهُ ليس هناك وَزْنٌ في الحَقيقَةِ؛ قال الشَّاعِرُ: [الكامل] شعر : 2405 - قَدْ كُنْتُ عِنْدَ لِقَائِكُمْ ذَا قُوَّةٍ عِنْدِي لِكُلِّ مُخَاصِمٍ مِيزَانُهُ تفسير : أيْ عندي لكل مخاصم كلامٌ يعادل كلامه، فجعل الوزن مثلاً للعدل وإذا ثبت هذا فَنَقُولُ: المُرَادُ من الآية هذا المعنى فقط، والدَّلِيلُ عليه أنَّ الميزانَ إنَّما يراد ليتوصل به إلى مَعْرِفةِ مقدار الشيء، ومقاديرُ الثواب والعِقَابِ لا يمكن إظْهَارُهَا بالميزان؛ لأن أعْمَالَ العِبَادِ أعْرَاضٌ، وهي قد فنِيَتْ وعُدِمَتْ، ووزن المعدوم مُحَالٌ، وأيضاً فبتقدير بِقَائِهَا كان وزنها محالاً. وأُجيب بأنَّ فائدته أنَّ جميع المكلفين يعلمون يَوْمَ القيامة أنَّهُ تعالى مُنَزَّهٌ عن الظُّلْم والجَوْرِ. وفائدةُ وضع الميزانِ أنْ يظهر ذلك الرُّجْحَانُ لأهل المَوْقِفِ، فإن رجحت الحسنات ازداد فَرَحُهُ وسُرُورُهُ، وإنْ كان بالضِّدِّ فيزداد غمُّه. وقال القُرْطُبِيُّ: "الصَّحيحُ أنَّ المراد بالميزان وزن أعمال العباد". فإن قيل: الموزون صَحَائِفُ الأعْمَالِ، أو صور مخلوقة على حَسْبِ مقَاديرِ الأعْمالِ. فنقول: إنَّ المكلف يوم القيامة إمَّا أن يكون مقراً بأنَّ اللَّهَ - تعالى - عَادِلٌ حَكِيمٌ، أو لا يكون مقرًّا بذلك فإن كان مقرّاً بذلك فحينئذ كفاه حكم اللَّه تعالى بمقادير الثَّواب والعقاب في علمه بأنه عَدْلٌ وصوابٌ، وإنْ لم يكن مُقِرّاً بذلك لم يعرف من رجحان كفَّةِ الحسنات على كفَّةِ السيِّئات أو بالعَكْس من حُصُولِ الرُّجْحَانِ لا على سبيل العَدْلِ والإنْصافِ، فثبتَ أنَّ هذا الوَزْنَ لا فَائِدَةَ فيه ألْبَتَّةَ وقال أكْثَرُ المفسرين: أرَادَ وزن الأعْمَالِ بالميزان، وذلك أنَّ الله - تعالى - ينصب ميزاناً له لسان يوزن بها أعمال العباد خيرها وشرها وكفتان، كل كَفَّةٍ بِقَدْرِ ما بين المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. واختلفوا في كَيْفيَّةِ الوَزْنِ، فقال بعضهم: توزن صحائف الأعمال. وروي أنَّ رَجُلاً ينشر عليه تسعة وتسعون سِجلاًّ، كل سِجِّلٍّ منها مدُّ البَصَرِ فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفَّة الميزان ثم يخرج له بِطَاقَةٌ فيها شهادةُ أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله، فتوضع السِّجلات في كفه، والبطاقة في كفَّة فطاشت السِّجلات وثقلت البطاقة. وقيل: توزن الأشخاص. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لَيَأتي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامةِ فلا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ " تفسير : وقيل: توزن الأعمال. رُوِيَ ذلك ابْنِ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - فيؤتى بالأعْمَالِ الحَسَنَةِ على صُورةٍ حَسَنَةٍ، وبالأعمال السيِّئَةِ على صورة قَبِيحَة، فتوضع في الميزانِ. والحكمة في وَزْنِ الأعْمَالِ امتحان اللَّه عباده بالإيمان به في الدُّنْيَا، وإقامة الحُجَّةِ عليهم في العقبى.

البقاعي

تفسير : ولما تقدمت الإشارة بقوله تعالى{أية : وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} تفسير : [الأنعام: 152] الآية إلى المساواة الحقيقية في الميزان معجوز عنها وأنه أبعد المقادير عن التساوي، والنص في قوله تعالى{أية : ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها}تفسير : [الأنعام: 160] على قدرة القدير على ذلك، وختم الآية السالفة بإحاطة العلم على الوجه الأبلغ المقتضي لذلك على أعلى الوجوه، أكد الأمر أيضاً وقصره على علمه هنا فقال: {والوزن} بميزان حقيقي لصحف الأعمال أو للاعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور أو بغير ذلك بعد أن يقذف الله في القلوب العلم به، ولعله حال من نون العظمة في الاية التي قبلها، أي إنا لا نكتفي بما نقص بل نزنه فيصير بحيث يظهر لكل أحد أنه على غاية ما يكون من التساوي؛ قال أبو حيان وعلي بن الحسين النحوي الأصفهاني في إعرابه: "الوزن" مبتدأ {يومئذ} ظرف منصوب به {الحق} خبر المبتدأ، زاد الأصفهاني فقال: واستضعف إعمال المصدر وفيه لام التعريف وقد ذكرنا أنه جاء في التنزيل {أية : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم}تفسير : [النساء: 148] - انتهى. أي والوزن في ذلك اليوم مقصور على الحق، يطابقه الواقع مطابقة حقيقية لا فضل فيها أصلاً ولا يتجاوز الوزن في ذلك اليوم الحق إلى شيء من الباطل بزيادة ذرة ولا نقصها ولا ما دون ذلك، فتحرر أن مقصود السورة الحث على اتباع الكتاب، وهو يتضمن الحث على اتباع الرسول والدلالة على التوحيد والقدرة على البعث ببيان الأفعال الهائلة في ابتداء الخلق وإهلاك الماضين إشارة إلى أن من لم يتبعه ويوحد - من إنزله على هذا الأسلوب الذي لا يستطاع، والمنهاج الذي وقفت دونه العقول والطباع، لما قام من الأدلة على توحيده بعجز من سواه عن أقواله وأفعاله - أوشك أن يعاجله قبل يوم البعث بعقاب مثل عقاب الأمم السالفة والقرون الخالية مع ما ادخر له في ذلك اليوم من سوء المنقلب وإظهار اثر الغضب. ولما أخبر أن العبرة بالميزان على وجه يظهر أنه لا حيف فيه بوجه، تسبب عنه قوله: {فمن ثقلت} أي دست ورسبت على ما يعهد في الدنيا {موازينه} أي موزونات أعماله، أي أعماله الموزونة، ولعله عبر بها عنها إشارة إلى ان كل عمل يوزن على حدة ليسعى في إصلاحه {فأولئك} أي العالو الهمم {هم} أي خاصة {المفلحون*} أي الظاهرون بجميع مآربهم {ومن خفت} أي طاشت {موازينه} أي التي توزن فيها الأعمال الصالحة {فأولئك} المبعدون {الذين خسروا أنفسهم} أي التي هي رأس مالهم فكيف بما دونها {بما كانوا بآياتنا} أي على ما لها من العظمة {يظلمون*} أي باستمرار ما يجددونه من وضعها في غير المحل الذي يليق بها فعل من هو في ظلام؛ قال الحسن، وحق الميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل، وحق لميزان توضع فيه السيئات أن يخف. ولما أمر الخلق بمتابعة الرسل وحذرهم من مخالفتهم، فأبلغ في تحذيرهم بعذاب الدنيا ثم بعذاب الآخرة، التفت إلى تذكيرهم ترغيباً في ذلك بإسباغ نعمه وتحذيراً من سلبها، لأن المواجهة أردع للمخاطب، فقال في موضع الحال من {خسروا انفسهم}: {ولقد مكناهم} أي خسروها والحال أنا مكناكم من إنجائها بخلق القوى والقدر وإدرار النعم، وجعلنا مكاناً يحصل التمكن فيه {في الأرض} أي كلها، ما منها من بقعة إلا وهي صالحة لا نتفاعهم بها ولو بالاعتبار {وجعلنا لكم} أي بما لنا من العظمة {فيها معايش} أي جميع معيشة، وهي أشياء يحصل بها العيش، وهو تصرف أيام الحياة بما ينفع، والياء أصلية فلذا لا تهمز، وكذا ما ولي ألف جمعه حرف علة أصلي وليس قبل ألفه واو كأوائل ولا ياء كخيائر جمع أول وخير فإنه لا يهمز إلا شاذًا كمنائر ومصائب جمع منارة ومصيبة. ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه أوجدهم وقوّاهم وخلق لهم ما يديم قواهم، فأكلوا خيره وعبدوا غيره، أنتج قوله على وجه التاكيد: {قليلاً ما تشكرون*} أي لمن أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة بما تنجون به أنفسكم؛ وقال أبو حيان: إنه راجع للذين خوطبوا بـ {أية : اتبعوا ما أنزل إليكم } تفسير : [الأعراف: 3] وما بينهما أورد مورد الاعتبار والاتعاظ بذكر ما آل إليه أمرهم في الدنيا وما يؤول إليه في الآخرة - انتهى. ولما ذكر سبحانه ما منحهم به من التمكين، ذكّرهم ما كانو عليه قبل هذه المكنة من العدم تذكيراً بالنعم في سياق دال على البعث الذي فرغ من تقريره، وعلى ما خص به أباهم آدم عليه السلام من التمكين في الجنة بالخلق والتصوير وإفاضة روح الحياة وروح العلم وأمر أهل سماواته بالسجود له والغضب على من عاداه وطرده عن محل كرامته ومعدن سعادته وإسكانه هو بذلك المحل الأعلى والموطن الأسنى مأذوناً له في كل ما فيه إلا شجرة واحدة، فلما خالف الأمر أزاله عنه وأخرجه منه؛ وفي ذلك تحذير لأهل المكنة من إزالة المنة في استدرار النعمة وإحلال النقمة فقال: {ولقد خلقناكم} أي بما لنا من صفات العظمة {ثم صورناكم} أي قدرنا خلقكم ثم تصويركم بأن جعلنا فيكم قابلية قريبة من ذلك بتخصيص كل جزء من المادة بمقداره المعين بتخمير طينة آدم عليه السلام على حالة تقبل ذلك كما يهيأ التراب بتخميره بإنزال المطر لأن يكون منه شجرة، وقد تكون تلك الشجرة مهيأة لقبول صورة الثمرة وقد لا تكون كما قال تعالى: {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر } تفسير : [المؤمنون: 12-14] وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " حديث : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح " تفسير : وعنه أيضاً رضي الله عنه عند مسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك "تفسير : الحديث. فظاهر هذا الحديث مخالف للفظ الذي قبله وللآية، فيحمل على أن معنى صورها: هيأها في مدة الأربعين الثانية لقبول الصورة تهيئة قريبة من الفعل، وسهل أولها بالتخمير على هيئة مخصوصة بخلاف ما قبل ذلك، فإنها كانت نطفة فكانت بعيدة عن قبول الصورة، ولذلك اختلفوا في احترامها وهل يباح إفسادها والتسبب في إخراجها، ومعنى "خلق": قدر أي جعل لكل شيء من ذلك حداً لا يتجاوزه في الجملة، والدليل على هذا المجاز شكه في كونها ذكراً أو أنثى، ولو كان ذلك على ظاهره لما حصل شك في كونها ذكراً أو أنثى إذ آلة الذكر والأنثى من جملة الصورة، وبهذا تلتئم هذه الاية مع قوله تعالى{أية : إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}تفسير : [ص: 71] فهذا خلق بالفعل، والذي في هذه السورة بإيداعه القوة المقربة منه، والمراد من الآية التذكير بالنعم استعطافاً إلى المؤالفة وتفظيعاً بحال المخالفة، أي خسروا أنفسهم والحال أنا أنعمنا عليهم بنعمة التمكين بعد أن أنشأناهم على الصورة المذكورة بعد أن كانوا عدماً وأسجدنا ملائكتنا لأبيهم وطردنا من تكبر عليه طرداً لا طرد مثله، وأبعدناه عن محل قدسنا بعداً لا قرب معه، وأسكنا أباهم الجنة دار رحمتنا وقربنا، فقال تعال مترجماً عن ذلك: {ثم قلنا} أي على ما لنا من الاختصاص بالعظمة {للملائكة} أي الموجودين في ذلك الوقت من أهل السماوات والأرض كلهم، بما دلت عليه "ال" سواء قلنا: إنها للاستغراق أو الجنس {اسجدوا لآدم} أي بعد كونه رجلاً قائماً سوياً ذا روح كما هو معروف من التسمية؛ ثم سبب عن هذا الأمر قوله: {فسجدوا} أي كلهم بما دل عليه الاستثناء في قوله: {إلا إبليس} ولما كان معنى ذلك لإخراجه ممن سجد أنه لم يسجد، صرح به فقال: {لم يكن من الساجدين*} أي لآدم.

السيوطي

تفسير : أخرج اللالكائي في السنة والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب قال "حديث : بينا نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم في أناس إذ جاء رجل ليس عليه سحناء سفر، وليس من أهل البلد، يتخطى حتى ورك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ما الإِسلام؟ قال: الإِسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان، قال: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال نعم. قال: صدقت يا محمد قال: ما الإِيمان؟ قال: الإِيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالجنة والنار والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: فإذا فعلت هذا فأنا مؤمن؟ قال: نعم. قال: صدقت " . تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {والوزن يومئذ الحق} قال: العدل {فمن ثقلت موازينه} قال: حسناته {ومن خفت موازينه} قال: حسناته. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن عبد الله بن العيزار قال: إن الإِقدام يوم القيامة لمثل النبل في القرن، والسعيد من وجد لقدميه موضعاً، وعند الميزان ملك ينادي: ألا إن فلان بن فلان ثقلت موازينه وسعد سعادة لن يشقي بعدها أبداً، ألا إن فلان بن فلان خَفَّتْ موازنيه وشقى شقاء لن يسعد بعده أبداً . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {والوزن يومئذ الحق} قال: توزن الأعمال. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها، فمن أراد الله به خيراً ختم له بخير عمله، ومن أراد به شراً ختم له بشر عمله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحارث الأعور قال: إن الحق ليثقل على أهل الحق كثقله في الميزان، وأن الحق ليخف على أهل الباطل كخفته في الميزان . وأخرج ابن المنذر واللالكائي عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: ذكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان . وأخرج أبو الشيخ عن كعب قال: يوضع الميزان بين شجرتين عند بيت المقدس . وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير واللالكائي عن حذيفة قال: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام، يرد بعضهم على بعض فيؤخذ من حسنات الظالم فترد على المظلوم، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فردت على الظالم . وأخرج أبو الشيخ عن الكلبي في قوله {والوزن يومئذ الحق} قال: أخبرني أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: له لسان وكفتان يوزن، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم ومنازلهم في الجنة بما كانوا بآياتنا يظلمون. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} قال: للنبي صلى الله عليه وسلم بعض أهله: يا رسول الله هل يذكر الناس أهليهم يوم القيامة؟ قال " حديث : أما في ثلاث مواطن فلا: عند الميزان، وعند تطاير الصحف في الأيدي، وعند الصراط ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحده دخل النار، ثم قرأ {فمن ثقلت موازينه} الآيتين. ثم قال. إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الأعراف. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الإِخلاص عن علي بن أبي طالب قال: من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه يوم القيامة، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة. وأخرج أبو الشيخ عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : يوضع الميزان يوم القيامة فيوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار ". تفسير : وأخرج البزار وابن مردويه واللالكائي والبيهقي عن أنس رفعه قال: إن ملكاً موكل بالميزان، فيؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان بن قلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خفت ميزانه نادى الملك: شقى فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والآجري في الشريعة والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن عائشة. أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مالك..؟! قالت: ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال: أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحداً حيث توضع الميزان حتى يعلم اتخف ميزانه أم تثقل، وعند تطاير الكتب حين يقال {هاؤم اقرأوا كتابيه} [الحاقة: 19] حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أو من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حافتاه كلاليب كثيرة وحسك كثير يحبس الله بها من شاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا " . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن سليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك...! ما عبدناك حق عبادتك، ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تنحى على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي. فيقولون: سبحانك...! ما عبدناك حق عبادتك ". تفسير : وأخرج ابن المبارك في الزهد والآجري في الشريعة واللالكائي عن سلمان قال: يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعه، فتقول الملائكة: من يزن هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك...! ما عبدناك حق عباتك. وأخرج ابن مردويه عن عائشة " حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خلق الله كفتي الميزان مثل السماء والأرض. فقالت الملائكة: يا ربنا من تزن بهذا؟ قال: أزن به من شئت. وخلق الله الصراط كحد السيف فقالت الملائكة: يا ربنا من تجيز على هذا؟ قال: أجيز عليه من شئت " . تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: الميزان له لسان وكفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان، فتثقل على السيئات فتؤخذ فتوضع في الجنة عند منازله، ثم يقال للمؤمن: الحق بعملك. فينطلق إلى الجنة فيعرف منازله بعمله، ويؤتى بالسيئات في أقبح صوره فتوضع في كفة الميزان، فتخف ــ والباطل خفيف ــ فتطرح في جهنم إلى منازله فيها، ويقال له: الحق بعملك إلى النار. فيأتي النار فيعرف منازله بعمله وما أعد الله له فيها من ألوان العذاب. قال ابن عباس: فلهم أعرف بمنازلهم في الجنة والنار بعملهم من القوم ينصرفون يوم الجمعة راجعين إلى منازلهم . وأخرج الترمذي وحسنه والبيهقي في البعث عن أنس قال: حديث : سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال "أنا فاعل. قلت: يا رسول الله أين أطلبك؟ قال: أطلبني أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: فاطلبني عند الميزان. قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطىء هذه الثلاثة مواطن" . تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه واللالكائي والبيهقي في البعث عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مد البصر، فيقول: أتنكر من هذا شيئاً، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفلك عذراً وحسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، وأنه لا أظلم عليك اليوم. فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم. فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء ". تفسير : وأخرج أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم "حديث : توضع الموازين يوم القيامة فيؤتي بالرجل فيوضع في كفه ويوضع ما أحصى عليه فتمايل به الميزان فيبعث به إلى النار فإذا أدبر به، صائح يصيح عند الرحمن: لا تعجلوا لا تعجلوا فإنه قد بقي له. فيؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله. فتوضع مع الرجل في كفة حتى تميل به الميزان " . تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والنميري في كتاب الأعلام عن عبد الله بن عمرو قال "إن لآدم عليه السلام من الله عز وجل موقفاً في فسح من العرش، عليه ثوبان أخضران كأنه سحوق، ينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى الجنة، وينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى النار، فبينا آدم على ذلك إذ نظر إلى رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينطلق به إلى النار، فينادي آدم: يا أحمد. فيقول: لبيك يا أبا البشر. فيقول هذا رجل من أمتك ينطلق به إلى النار، فأشد المئزر وأسرع في أثر الملائكة وأقول: يا رسل ربي قفوا. فيقولون: نحن الغلاظ الشداد الذين لا نعصي الله ما أمرنا ونفعل ما نؤمر. فإذا أيس النبي صلى الله عليه وسلم قبض على لحيته بيده اليسرى واستقبل العرش بوجهه، فيقول: يا رب قد وعدتني أن لا تخزيني في أمتي؟ فيأتي النداء من عند العرش: أطيعوا محمداً وردوا هذا العبد إلى المقام. فأخرج من حجزتي بطاقة بيضاء كالأنملة، فألقيها في كفة الميزان اليمنى وأنا أقول: بسم الله. فترجح الحسنات على السيئات، فينادي سعد وسعد جده وثقلت موازينه: انطلقوا به إلى الجنة، فيقول: يا رسل ربي قفوا حتى أسأل هذا العبد الكريم على ربه. فيقول: بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك من أنت؟ فقد: أقلتني عثرتي. فيقول: أنا نبيك محمد، وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي، وافتك أحوج ما تكون إليها". وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر عن النبي صى الله عليه وسلم قال "حديث : أول ما يوضع في ميزان العبد نفقته على أهله ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة واللالكائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : والذي نفسي بيده لو جيء بالسموات والأرض ومن فيهن وما بينهن وما تحتهن فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن " . تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار وأبو يعلى والطبراني والبيهقي بسند جيد عن أنس قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال "حديث : ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله. قال عليك بحسن الخُلق وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال: قلت لأم الدرداء: أما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً؟ قالت: نعم، دخلت عليه فسمعته يقول "حديث : أول ما يوضع في الميزان الخُلق الحسن ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان واللالكائي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : ما من شيء يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خُلق حسن ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عمر بن الخطاب قال: أعطيت ناقة في سبيل الله، فأردت أن أشتري من نسلها، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : دعها تأتي يوم القيامة هي وأولادها جميعاً في ميزانك ". تفسير : وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : من قضى لأخيه حاجة كنت واقفاً عند ميزانه، فإن رجح وإلا شفعت " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن مغيث بن سميّ وعن مسروق قالا: تعبَّد راهب في صومعة ستين سنة، فنظر يوماً في غب سماء فقال: لو نزلت فإني لا أرى أحداً فشربت من الماء وتوضأت ثم رجعت إلى مكاني، فتعرضت له امرأة فتكشفت له، فلم يملك نفسه إن وقع عليها، فدخل بعض تلك الغدران يغتسل فيه، وأدركه الموت وهو على تلك الحال، ومر به سائل فأوما إليه أن خذ الرغيف رغيفاً كان في كسائه، فأخذ المسكين الرغيف ومات، فجيء بعمل ستين سنة فوضع في كفة، وجيء بخطيئته فوضعت في كفة، فرجحت بعمله حتى جيء بالرغيف، فوضع مع عمله فرجح بخطيئته. وأخرج الطبراني في الأوسط عن سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : بخ بخ خمس ما أثقلهن في الميزان. سبحان الله، ولا إله إلا الله، والحمد لله، والله أكبر، وفرط صالح يفرطه المسلم . تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن حبان عن عمرو بن حريث " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أنفقت عن خادمك من عمله كان لك أجره في موازينك ". تفسير : وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " حديث : من توضأ فمسح بثوب نظيف فلا بأس به ومن لم يفعل فهو أفضل، لأن الوضوء يوزن يوم القيامة مع سائر الأعمال ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن المسيب أنه كره المنديل بعد الوضوء، وقال: هو يوزن. وأخرج الترمذي والبيهقي في شعب الإِيمان عن الزهري قال: إنما كره المنديل بعد الوضوء لأن كل قطره توزن. وأخرج المرهبي في فضل العلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء ". تفسير : وأخرج الديلمي من حديث ابن عمر وابن عمرو. مثله. وأخرج عبد البر في فضل العلم عن إبراهيم النخعي قال: يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه يوم القيامة فيخف، فيجاء بشيء أمثال الغمام فيوضع في كفة ميزانه فترجح، فيقال له: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا. فيقال له: هذا فضل العلم الذي كنت تعلمه الناس. وأخرج ابن المبارك في الزهد عن حماد بن أبي سليمان قال: يجيء رجل يوم القيامة فيرى عمله محتقراً، فبينما هو كذلك إذ جاءه مثل السحاب حتى يقع في ميراثه، فيقال: هذا ما كنت تعلم الناس من الخير فورث بعدك فأجرت فيه. وأخرج ابن المبارك عن أبي الدرداء قال: من كان الأجوفان همه خسر ميزانه يوم القيامه. وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن ليث قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: أمة محمد أثقل الناس في الميزان، ذلت ألسنتهم بكلمة ثقلت على من كان قبلهم: لا إله إلا الله. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أيوب قال: سمعت من غير واحد من أصحابنا: أن العبد يوقف على الميزان يوم القيامة فينظر في الميزان، وينظر إلى صاحب الميزان فيقول صاحب الميزان: يا عبد الله أتفقد من عملك ذلك شيئاً؟ فيقول: نعم. فيقول: ماذا؟ فيقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فيقول صاحب الميزان: هي أعظم من أن توضع في الميزان. قال موسى بن عبيدة: سمعت أنها تأتي يوم القيامة تجادل عمن كان يقولها في الدنيا جدال الخصم. وأخرج أبو داود والحاكم عن أبي الأزهر زهير الأنماري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه قال "حديث : اللهمَّ أغفر لي، وأخسَّ شيطاني، وفكَّ رهاني، وثَقِّلْ ميزاتي، واجعلني في النديّ الأعلى ".

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} [الآية: 8]. قيل فى هذه الآية: من وزن نفسه بميزان العدل كان من المخبتين. ومن وزن خطراته وأنفاسه بميزان الحق اكتفى بمشاهدته، والموازين مختلفة: ميزان للنفس والروح، وميزان للقلب والعقل، وميزان للمعرفة والسر. فميزان النفس والروح للأمر والنهى وكفتاه الكتاب والسنة، وميزان القلب والعقل الثواب والعقاب وكفتاه الوعد والوعيد، وميزان المعرفة والسر الرضا والسخط وكفتاه الهرب والطلب، وقد فسر فى غير هذا الموضع.

القشيري

تفسير : يَزِنُ أعمالهم بميزان الإخلاص، وأحوالهم بميزان الصدق. فَمَعنْ كانت أعمالُهم بالرياء مصحوبة لم يَقْبَلُ أعمالَهم، ومَن كانت أحوالُهم بالإعجاب مشوبةً لم يرفع أحوالَهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} للحق سبحانه موازين يزن بها الاحوال الاعمال يزن بميزان الاخلاص المعاملات ويزن بميزان الصدق الحالات فكل عمل عمل برؤية الاعواض ورؤية العمل والاتلفات فيه الى غير الله فهو ساقط عن محل القبول وكل حالة صاحبها موجب بها فهى ساقطة عن درجة الوصول فالنيات موازين المعاملات والصدق ميزان الحلات فمن ههنا يزن نفسه بميزان الرياضات والمجاهدات ويزن قلبه بميزان المراقبات ويزن عقله بميزان الاعتبارات ويزن روحه بميزان المقامات ويزن سره بميزان المحاضرات ومطالعة الغيبيات ويزن صورة ميزان المعاملات الذى كفتاه الحقيقة والطريقة ولسانه الشريعة وعموده العدل والانصاف يوزن نفسه يوم القيامة بميزان الشرف ويوزن قلبه بميزان اللطف ويوزن عقله بميزان النور ويوزن روحه بميزان السروور يوزن سره بميزان الوصول ويوزن صورته بميزان القلوب فاذا ثقلت موازينه بما ذكرنا فجزاء نفسه الامن من الفراق وجزاء قلبه مشاهدة مشوق فى الاشواق وجرأ عقله مطالعات الصفات وجزاء روحه كشف انوار الذات وجزاء سره ادراك اسرارا المقدميات وجزاء صورته الجلوس فجالس وصال الابديات وايضا ههنا لاهل الحق موازين ميزان الارادة وميزان المحبة وميزان الشوق وميزان العشق وميزان المعرفة وميزان اليقين وميزان التوحيد فهذه سبعة موازين فينبغى ان يزن المريد نفسه فى كل نفس بميزان الارادة ويزن المحة قلبه فى كل نفس بميزان المحبة ويزن المشتقاين عقله فى كل نفس بميزان الشوق ويزن العاشق روحه فى كل نفس ميزان العشق ويزن العارف سره فى كل نفس بميزان راردته عن نفسه انقايادها للحق عند جريان القضاء والقدر عليها ويستوفى المحب بميزان محبته عن قلبه شهود فى الحضرة بلا خطرات المذمومة والالتفاتات المشوبة بنعت النيات الصافية ويستوفى المشتاق بميزان شوقه من عنقله جولانه فى الشواهدات لطلب عرفان المشهادات بلا فترة ولا رعونة ويستوفى العاشق بميزان عشقه من روحه طرانها فى الملكوت لطلب الجبروت ويستوفى العارف بميزان معرفته من سره اصغاء بنعت الشهود لكشوف انوار الغيب وغوصه فى بحر الهموم لطلب جوهر الالهام ويستوفى الموقف بميزان اليقين من انفاسه صعودها عند تنفسها الى معارف القرب بلا هو اجل اليقين وغبار الوسواس ويستوفى الموحد بميزان توحيده من جميع وجوده اضمحلاله فى انوار كبريائه القدم وفنائه فى سبحات الايد فمن تقلب هذه الموازين افلح عن حجبة الامتحانات وتنقل موازين الحضرة غدا يفيض انوار صفات الحق ولطئاف ذاته وكرامات قربته له فيفلح هناك بالله عن غير الله ويصير اهل الله لانه خرج عن موازين صفاته وانوار ذاته بنعت المعرفة والتوحيد والمحبة فطوبى لهذه المحاسب طوبى له وحسن مأب قال الشيخ ابو عبد الرحمن السملى فى تفسير هذه الأية ومن وزن نفسه بميزان العدل كان من المحبين ومن وزن خطراته وانفاسه بميزان الحق اكتفى بمشاهدته والموازين مختلفة ميزان للنفس والروح وميزان للقلب والعقل وميزان للمعرفة والسر فميزان النفس والروح الامر والنهى وكفتاه الكتاب والسنة وميزان القلب العقل والثواب العقاب وكتفاه الوعد والوعيد وميزان المرعفة والسر الرضا والسخط وكفتاه الهرب والطلب وقال الاستاد يوزن العمالهم بميزان الاخلال واحوالهم بيمزان الصدق فمن كانت اعماله بالرياء مصحوبة لم يقبل اعماله ومن كانت احواله بالاعجاب مشوبة لم يرفع احواله وافهم يا صاحبى ان حكمه وزن الاعمال يوم القيامة للعباد ان الله يبين لهم ما كان مكتوبا فى اللوح المحفوظ قبل الخلق مما يرجى عليهم من القضاء والقدر والرضا والسخط والشقاوة والسعادة مقابلة بما جرى عليهم فى الدنيا الذى فى اوراق الحساب التى فى يدى الملائكة ليزيدهم برهانا وعيانا وعلما بعمله المحيط على كل شئ وليكون حجة عليهم خرج اعمالهم على وفق ما كان مكتوبا عليهم وافهم يا صاحبى ان الاعمال اعراض كيف تكون موزونة ليس هذا فى علم الخلق ان ميزانه الحقيقى رده وقبوله وهو قادر ان يخرج الاعراض بصور الجواهر فيرن بميزانه الذى يظهره لهم يوم القيامة وذلك على لسان الشرع يوجب الايمان به قال ابن عباس توزن الحسنات والسيات فى ميزان له وكفتان فاما المؤمن يؤتى بعلمه فى احسن صورة فيوضع فى كفة الميزان وهو الحق فيثقل حسناته على سياته فيوضع عمله فى الجنة فيعرفها بعلمه فذلك قوله تعالى فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون وهم اعرف بمنازل لهم فى الجنة اذا انصرفوا اليها من اهل الجمعة اذا انصروا فى الى منازرهم واما الكفار فيوتى بامالهم فى اقبح صورة فتوضع فى كفة الميزان وهى الباطل فيخفف وزنه حتى تضع فى النار ثم يقال للكافر الحق بعملك.

اسماعيل حقي

تفسير : {والوزن} اى وزن الاعمال التمييز بين راجحها وخفيفها وجيدها ورديها والمعنى بالفارسية. (سنجيدن اعمال هريك) {يومئذ} اى يوم القيامة {الحق} بالفارسية [راستست وبودنى] {فمن ثقلت موازينه} اى حسناته التى توزن فهو جمع موزون ان يكون جمع ميزان باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن. وقال فى التأويلات النجمية وانما قال موازينه بالجمع لان كل عبد ينصب له موازين بالقسط تناسب حالاته فلبدنه ميزان يوزن به اوصافه ولروحه ميزان يوزن به نعوته ولسره ميزان يوزن به احواله ولخفيه ميزان يوزن به اخلاقه والخفى لطيفة روحانية قابلة لفيض الاخلاق الربانية ولهذا قال عليه السلام "حديث : ما وضع فى الميزان اثقل من حسن الخلق " .تفسير : وذلك لانه ليس من نعوت المخلوقين بل هو من اخلاق رب العالمين والعباد مأمورون بالتخلق باخلاقه {فاولئك} الجمع باعتبار معنى من {هم} ضمير فصل يفيد اختصاص المسند بالمسند اليه {المفلحون} الفائزون بالنجّاته والثواب.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الوزن}: مبتدأ، و {يومئذٍ}: خبره، و {الحق}: صفته، أي: الوزن العدل حاصل يومئذٍ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {والوزن} أي: وزن الأعمال، على نعت الحق والعدل، حاصل يوم القيامة، حين يسأل الرسل والمُرسل إليهم. والجمهور على أن صحائف الأعمال تُوزن بميزان له لسان وكفتان، ينظر إليه الخلائق؛ إظهارًا للمعدلة وقطعًا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم، ويؤيده ما رُوِي: "حديث : أن الرجل يُؤتى به إلى الميزان، فيُنشَر عليه تسعَةٌ وتِسعُونَ سِجلاًّ، كُلُّ سِجِلًّ مَد البَصَرِ، فَتُخرَحُ لَهُ بطَاقة فِيهَا كَلِمةُ الشهَادِة، فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفةٍ، والبطاقة في كفّة، فَتثقُل البطاقةُ، وتَطِيشُ السِّجلاَّتُ ". تفسير : وقيل: توزن الأشخاص؛ لما رُوِي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنّهُ ليأتِي العَظِيمُ السَّمِينُ يَومَ القِيَامَة لا يَزنُ عندَ اللهِ تَعالى جَنَاحَ بَعُوضَةٍ " تفسير : . والتحقيق: أن المراد به الإهانة والتصغير، وأنه لا يساوي عند الله شيئًا؛ لاتباعه الهوى. ثم فصل في الأعمال فقال: {فمن ثَقُلَتْ موازينه} أي: حسناته، أو الميزان الذي يوزن به حسناته، وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن، فعلى الأول هو جمع موزون، وعلى الثاني جمع ميزان، فمن رجحت حسناته {فأولئك هم المفلحون} الفائزون بالنجاة والثواب الدائم، {ومن خفّت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسَهُمْ} بتضييع الفطرة السليمة التي فُطِروا عليها، واقتراف ما عرضها للهلاك، {بما كانوا بآياتنا يَظلمُون} حيث بدلوا التصديق بها بالتكذيب، والعمل فيها بالتفريط. نسأل الله تعالى الحفظ. الإشارة: العمل الذي يثقل على النفس كله ثقيل في الميزان؛ لأنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقًا، والعمل الذي يخف على النفس كله خفيف؛ لأنه فيه نوع من الهوى؛ إذ لا يخف عليها إلا ما لها فيه حظ وهوى، وفي الحكم: "إذا التبس عليك أمران، فانظر أثقلها على النفس فاتبعه؛ فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقًا". وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله ما ثقل ميزان عبد إلا باتباعه الحق، وما خف إلا باتباعه الهوى. قال تعالى: {والوزن يومئذٍ الحق}. هـ. بمعناه ذكره في القوت. وهذا في غير النفس المطمئنة، وأما هي فلا يثقل عليها شيء، وقد يثقل عليها الباطل، ويخف عليها الحق، لكمال رياضتها. والله تبارك وتعالى أعلم. ثم ذكَّرهم بالنعم، فقال: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ}.

الطوسي

تفسير : ارتفع قوله {والوزن} بالابتداء، وخبره {الحق}، وهو الوجه المختار. وقال الفراء: يجوز ان يكون خبره {يومئذ} وينصب {الحق} على المصدر. وتقديره والوزن يومئذ - يعني في يوم القيامة - حقا، فينصب الحق وان كان فيه الالف واللام، كما قال {أية : فالحق والحق أقول}تفسير : والوزن في اللغة هو مقابلة أحد الشيئين بالآخر حتى يظهر مقداره، وقد استعمل في غير ذلك تشبيهاً به، منها وزن الشعر بالعروض، ومنها قولهم: فلان يزن كلامه وزنا قال الاخطل: شعر : واذا وضعت أباك في ميزانهم رجحوا وشال ابوك في الميزان تفسير : وقيل في معنى الوزن في الآية أربعة أقوال: قال الحسن: موازين الآخرة لها كفتان فالحسنات والسيئات توضعان فيهما وتوزنان. ثم اختلفوا، فقال بعضهم: انما توضع صحائف الاعمال فتوزن، وهو قول عبد الله بن عمر. وقال ابو علي: انما تتفضل كفة الحسنات من كفة السيئات بعلامة يراها الناس يومئذ، وذهب عبيد بن عمير الى انه يوزن الانسان فيؤتى بالرجل العظيم الجثة، فلا يزن جناح بعوضة. وقال مجاهد: الوزن عبارة عن العدل في الآخرة وانه لا ظلم فيها على أحد، وهو قول البلخي وهو أحسن الوجوه، وبعده قول الجبائي. ووجه حسن ذلك - وان كان الله تعالى عالما بمقادير المستحقات - ما فيه من المصلحة في دار التكليف وحصول الترهيب به والتخويف. وقوله {يومئذ} يجوز في {يومئذ} الاعراب والبناء، لان اضافته الى مبني اضافة غير محضة تقربه من الاسماء المركبة، واضافته الى الجملة تقربه من الاضافة الحقيقة. ونِّون يومئذ لانه قد قطع عن الاضافة اذ شأن التنوين ان يعاقبها، وقد قطع (اذ) في هذا الموضع عنها. و (الحق) وضع الشيء موضعه على وجه تقتضيه الحكمة. وقد استعمل مصدرا على هذا المعنى وصفة، كما جرى ذلك في العدل، قال الله تعالى {أية : ذلك بأن الله هو الحق}تفسير : فجرى على طريق الوصف. وقوله {فمن ثقلت موازينه} فالثقل عبارة عن الاعتماد اللازم سفلا ونقيضه الخفة، وهي اعتماد لازم علوًا، ومثلت الاعمال بهما لما ذكر من المقارنة. والمعنى ان من كانت طاعاته أكثر، فهو من الفائزين بثواب الله. ومن قلت طاعاته {فأولئك الذين خسروا أنفسهم} بأن استحقوا عذاب الابد جزاء على ما كانوا يظلمون أنفسهم بجحود آياتنا وجحتنا. وقوله {موازينه} فالموازين جمع ميزان، وأصله من الواو، وقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. ولم يقلب في (خوان) لتحركها وأنها لم تجر على فعل لها. والخسران ذهاب رأس المال، ومن اعظم رأس المال النفس، فاذا أهلك نفسه بسوء عمله، فقد خسر نفسه. وظلمهم بآيات الله مثل كفرهم بها وجحدهم اياها.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} الوزن تعيين قدر الشّيء ووزن كلّ شيء بحسبه وكذا ميزانه، وتبادر تحديد الاجسام الثّقيلة من لفظ الوزن وما به يوزن الاجسام الثّقيلة من الميزان بسبب شيوعه بين العامّة والاّ فلا اختصاص له بها فميزان الاجسام الثّقيلة هو ذو الكفّتين والقبّان والكيل وميزان المتكمّمات القارّة الشّبر والذّرع والفرسخ، وميزان الغير القارّة السّاعات والايّام والشّهور والاعوام، وميزان المغشوش من الفلزّات وغيره المحكّ والنّار، وميزان الاعمال صحيحها وسقيمها العقل، ولا سيّما العقل الكامل اعنى النّبى (ص) والولىّ (ع)، وما أسّسنا لتحديد الافعال والاقوال والاحوال والعقائد وسائر العلوم فميزان الاعمال القالبيّة المعاشيّة هو العقل الجزئىّ المدبّر لدفع الضّرّ وجلب النّفع، وميزان المعاديّة منها هو الاتّصال بالنّبىّ (ع) بالكيفيّة المخصوصة المقرّرة عندهم بالبيعة العامّة النّبويّة وصدورها من جهة ذلك الاتّصال من تصرّفات الخيال والشّيطان، وثقل هذا الميزان باتّصال الاعمال بالنّبىّ (ع) او خليفته وجذبها ايّاه الى جهة عاملها او جذبها عاملها الى النبىّ (ع) او خليفته وخفّتها بانقطاعها عن هذا الميزان وعدم جذبها ايّاه الى عاملها، ولمّا كان لكلّ من صفحتى النّفس العمّالة والعلاّمة جهتان سفليّة وعلويّة، شيطانيّة وملكيّة فلا غر وفى ظهورهما يوم العرض بصورة ذى الكفّتين ويظهر مثل تلك فى الآخرة، لانّه كما سبق كلّ ما وجد فى النّفس والعالم الصّغير يظهر مثله فى العالم الكبير فى الآخرة فلا وجه لانكار بعض ظهور ذى الكفّتين ووزن الاعمال به، وكذلك ميزان الاعمال القلبيّة هو الاتّصال بالإمام بالكيفيّة المقرّرة والبيعة الخاصّة الولويّة وصدورها من جهة ذلك الاتّصال وثقلها باتّصالها وخفّتها بانقطاعها مطلقاً او حين العمل بالغفلة عن الاتّصال، وبتفاوت الاتّصال بالشّدّة والضّعف يتفاوت الاعمال فى الثّقل فالمتّصل بالصّورة البشريّة اقلّ ثقلاً، والمتّصل بملكوت الامام تعمّلاً اكثر ثقلاً، والمتّصل بملكوته من غير تعمّل اكثر ثقلاً، والمتّصل بجبروته بمراتبها اكثر ثقلاً، والمتحقّق به هو الثّقيل المطلق، فلكلّ عمل موازين عديدة من بشريّة النّبىّ (ص) او الامام (ع)، وقوله وفعله وملكوته وجبروته، ولكلٍّ مراتب عديدة، وكلّ مرتبة ميزان الاعمال المتّصل بتلك المرتبة، هذا اذا اريد بالحقّ معناه الوصفىّ اللّغوىّ اى الثّابت المحقّق، وامّا اذا اريد معناه العرفىّ اى الحقّ المضاف والولاية المطلقة ولذا جيء به معرّفاً باللاّم مشيراً الى الحقّ المعهود، فالمعنى انّ الوزن يعنى الميزان يومئذٍ الولاية ولمّا كان للولاية مراتب كما انّ لعلىّ (ع) مراتب بحسب بشريّته وملكوته وجبروته وحقيّتّه، وكما انّ للعالم مراتب بحسب ملكوته السّفلىّ وملكه وملكوته العليا وجبروته بمراتب كلّ منها، وكلّ مرتبةٍ منها ميزان لما يناسبها ويوافقها قال تعالى {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} بصيغة الجمع ووجه الثّقل والخفّة قد عرفت {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} فانّ الفلاح بالانجذاب الى العلو والمتّصل منجذب الى العلو بخلاف المنقطع فانّه قد ينجذب الى السّفل وهو الجحيم.

الأعقم

تفسير : {والوزن يومئذ الحق} يعني وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها، واختلف في كيفية الوزن، فقيل: توزن صحائف الأعمال بميزان له لسان وكفتان ينظر إليه الخلائق، تأكيداً للحجة واظهاراً للنصفة وقطعاً للمعذرة {فمن ثقلت موازينه} قال مجاهد: حسناته {ولقد مكناكم في الأرض} مكاناً وقراراً وملكناكم فيها واقدرناكم على التصرف فيها {وجعلنا لكم فيها معايش} جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب {قليلا ما تشكرون} على نعمه {ولقد خلقناكم} يعني خلقنا اباكم آدم {ثم صورناكم} أي صورنا اباكم {ثم قلنا} الآية، وقيل: خلقنا أباكم آدم ثم صوّرناكم في ظهره {ثم قلنا للملائكة} {اسجدوا لآدم فسجدوا إلاَّ ابليس لم يكن من الساجدين} لآدم (عليه السلام) فقال الله تعالى لإبليس لعنه الله حين امتنع من السجود لآدم (عليه السلام): {ما منعك ألاَّ تسجد إذْ أمرتك قال أنا خير منه}، قيل: قاله على لسان بعض ملائكته، وقيل: بل قاله الله سبحانه ودل المعجز على أنَّه كلامه {قال فاهبط} أي انزل وانحدر {منها}، قيل: من السماء، وقيل: من الجنة، وقيل: من الدرجة الشريفة {قال انظرني} أي امهلني وأخرني ولا تميتني {إلى يوم يبعثون} من قبورهم وهو يوم القيامة {قال إنك من المنظرين} ومتى قيل: هل خاطبه بهذا؟ قيل: يحتمل ذلك، وقيل: أمر ملكاً يخاطبه بذلك، قال في الحاكم: ومتى قيل: هل يجوز إجابة دعاء الكافر؟ قلنا: لا لأن ذلك اكرام وتعظيم ولذلك يقال: فلان مستجاب الدعوة، وقد قيل: إن إبليس الملعون سأل الانظار إلى يوم القيامة فمنعه الله تعالى ذلك وأنظره إلى يوم الوقت المعلوم وهو وقت موته، وقيل: النفخة الأولى، قال: {فبما أغويتني}، قيل: جنبتني من رحمتك، وقيل: يجوز أن يكون هذا مذهب ابليس كما أنه مذهب المحبرة إضافة الاغواء إلى الله تعالى {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} طريقك المستوي {ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} يعني من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الأغلب وهذا مثل للوسوسة وقد قيل: لآتينهم من قبل دنياهم وآخرتهم، ولم يذكر من فوقهم لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم {ولا تجد أكثرهم} أكثر بني آدم {شاكرين} لنعمتك {قال أخرج منها}، قيل: قاله على لسان بعض الملائكة، قيل: من الجنة، وقيل: من السماء، وقيل: من المنزلة الرفيعة التي كانت له {مذؤوماً}، قيل: مهاناً، وقيل: لعيناً، وقيل: مطروداً لمن تبعك أي أطاعك واقتدى بك منهم من بني آدم.

اطفيش

تفسير : {والوزْنُ} وزنُ الأعمال وهو الجزاء عليها، والإخبار بكميتها وأعيانها، أو المراد القضاء والحكم {يَومئذٍ} أى يوم نسأل الذين أرسل إليهم والمرسلين وهو متعلق بالوزن {الحقُّ} خبرا، ويوم متعلق بمحذوف خبرا أى ثابت وظاهر يومئذ، والحق نعت للوزن، والأول أولى لسلامته من الفصل بين النعت والمنعوت بالخبر، وقرئ والوزن يومئذ القسط. وقال جمهور المخالفين: إن الميزان ميزان كفة وعمود ولسان، فقيل: توزن فيه صحف الأعمال وهو الصحيح عندهم، ونسب للأكثر، وقول تتجسم الحسنات صورا بيضا، والسيئات سوداً، فتوزن، ونسبوه لابن عباس، وقيل: يخلق الله الثقل والخفة فى الحسنات والسيئات بدون أن يردها أجساما، كما أن جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم يثقل بالوحى فى وقت الوحى، حتى إن ناقته لتبرك به عجزاً. وعن زيد بن ثابت: كنت أكتب حتى نزل: {أية : غير أولى الضرر} تفسير : وفخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذى حتى كادت ترض فخذى، وبذلك قال أبو المعالى ورجح، واستدل القائلون بأن الميزان ميزان كفة وعمود ولسان، بأن ذلك هو ظاهر القرآن والحديث، والحمل على الظاهر والحقيقة أولى، بل متعين ما لم يكن مانع ولا مانع هنا، وبأنه صلى الله عليه وسلم قال لبعض الصحابة لما قال له أين أجدك: "حديث : اطلبنى عند الحوض وان لم تجدنى فعند الميزان" تفسير : وكذا قال لفاطمة رضى الله عنها، وخاطبها بخطاب الأنثى، ولو لم يكن الميزان محسوسا لما أحال على الطلب عنده. والجواب: أن حمل الميزان على التمييز والجزاء ولو كان مجازاً أولى، لأنه أسهل فى فهم العقل وأفصح وأسلم من رد العرض جسما، ولو كان الله على كل شىء قديراً، أو لا دليل فى الحديث لجواز أن يقول: اطلبنى عند محل إظهار الجزاء والتمييز، وقالوا: أراد الله أن يظهر لعباده تحرير النظر وغاية العدل بأمر قد عرفوه فى الدنيا وهو الميزان، تأكيدا للحجة، وقطعا للمعذرة، وانظر سورة الأنبياء، وذلك كما استنتج الأعمال واستنطق الجوارح بها، واستشهد عليها مع علمه الذى لا يزول. وعن بعضهم: توزن الأشخاص لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنه ليأتى الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وليس بشىء" تفسير : لأن المراد الإعلام بأن المعتبر يوم القيامة الأعمال الحسنة لا عظم الجسم وحسنه، وليس القول بشىء من تلك الأقوال بمكفر نفاقا ولا شركا، ولكن الذى نعتقده ما ذكرته أولا، لكن لما لم يعرف البشر شيئا أكثر تحريرا من الوزن، عبر به وهو موجود فى كلامهم قال أبو طالب: شعر : بميزان قسط لا ببخس شعيرة له حاكم من نفسه غير عائل تفسير : وبه قال مجاهد والضحاك، وعليه فالخفة والثقل مستعاران لكثرة الحساب والجزاء والأعمال، وقلة ذلك. {فمَنْ ثَقُلت مَوازينُه} جمع موزون، والمراد الحسنات وهو قول مجاهد، أو جمع ميزان وعليه فإنما جمع تعظيما، أو باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن، كما تجمع الشمس باعتبار الأيام، فجمع الميزان تنبيها على تعدد الموزونات وكثرتها مبالغة، وقيل: جمع لاشتماله على الكفتين والشاهون واللسان، ولا يتم الوزن إلا بذلك كله، فلكل منه نصيب فى الوزن، فكان كل واحد منه ميزان، وعن الحسن: لكل عبد يوم القيامة ميزان على حدة، قال بعضهم: وهو مردود، وقيل: جمع تعظيماً، وقيل: لكل أحد موازين كل نوع من العمل بميزان، وصاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام فيما نسبوه لحذيفة بن اليمان رضى الله عنه. {فأُولئِك هُمُ المفْلحُون} المدركون لبغيتهم، الفائزون بثواب الله، الناجون مما يحذرون.

اطفيش

تفسير : {والْوَزْنُ} القضاء والعدل عند مجاهد والضحاك والأَعمش، وذلك تصوير للمفعول بصورة المحسوس للبيان، وعلى هذا كثير من متأَخرى قومنا، وكذلك نحمل ما ورد في أَحاديث من ميزان العمود والكفات وطيش الكفة وثقلها على رجحان الحسنات على السيئات وبالعكس دون الوزن المعقول، وتحتمل تلك الأَحاديث الوضع، وذلك مذهبنا ومذهب المعتزلة، وأَجاز بعض المعتزلة كالعلاف وبشر ابن المعتمر ما ذكره قومنا من وزن كتب الأَعمال أَو تجسم الأَعراض لكن لم يقل بأَنه يقع، بل من الجائز لكن لا يقع، وهو أَيضاً باطل لأَن الأَعراض لا توصف بالثقل والخفة، ولا تبقى أَكثر من حال ولا دليل على أَن الله يعيدها، والظاهر أَنه لا تمكن إِعادتها والمقصود التمييز والله يميزها بعلمه {يَوْمَئِذٍ} يوم إِذ نسأَل المرسلين والأُمم ونقص عليهم. وإِذ للاستقبال مجازاً، أَو إِذ سَأَلناهم وقصصنا عليهم فإِذ للماضى تنزيلاً للمستقبل منزلته لتحقق وقوعه، والظرف متعلق بالوزن، وعمل المصدر المقرون بأَل في الظرف أَو في المجرور صحيح لا ضعف فيه ولا مانع له، والوزن مبتدأ خبره قوله تعالى الْحَقُّ وهذا أَولى من أَن تقول الخبر يومئذ والحق نعت والوزن مفصول بالخبر وهو أَجنبي لأَن عامل الخبر المبتدأ وعامل النعت ليس المبتدأَ بل عامله الابتداء العامل في المبتدإِ، أَو المعنى على أَن الحق نعت والخبر يومئذ أَن الوزن الحق يكون يومئذ واختاره بعض ويدل له "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة" أَو الخبر يوم والحق خبر لمحذوف كأَنه قيل ما ذلك الوزن فقيل هو الحق، وإِذا وقع الوزن {فَمَنْ ثَقُلَتْ} لكثرتها أَو لعظمتها وتجويدها جداً ولو قلت وذلك لعدم إِصراره على سيئاته لأَن سيئاته ولو كانت أكثر من حسناته فهن شبيهات بالشيء الخفيف، ومن أَصر على سيئاته فإِنها الثقيلة، وتجعل حسناته كالعدم وكالشيء الخفيف {مَوَازِينهُ} جمع موزون أَى أَعماله الموزونات، ولا يطلق الثقل فى القرآن عند الأَعمال إِلا على الصالحات لأَنها المقصودة بالإِطلاق فى الوزن، وذلك عند عدم ذكر السيئات وعند ذكرها كما هنا، وكذا الخفة لا تطلق إِلا فى الصالحات {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الناجون الفائزون، وأَل لعهد المفلح عنده صلى الله عليه وسلم هكذا وعهد حقيقته، وكذا الموصول في قوله فأولئك الذين خسروا.

الالوسي

تفسير : {وَٱلْوَزْنُ} أي وزن الأعمال والتمييز بين الراجح منها والخفيف والجيد والرديء، وهو مبتدأ وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ } متعلق بمحذوف خبره، وقوله تعالى: {ٱلْحَقُّ } صفته أي والوزن الحق ثابت يوم إذ يكون السؤال والقص. واختار هذا بعض من المعربين، وقيل: الظاهر أن {ٱلْحَقُّ } خبر و {يَوْمَئِذٍ } ظرف للوزن لئلا يقع الفصل بين الصفة والموصوف. ولعل وجه عدم اختيار هذا أن فيه أعمال المصدر المعرف وهو قليل. وفي «الكشف» ليس المعنى على أن الوزن هو الحق بل أن الوزن الحق يكون يومئذ ألا يرى إلى قوله سبحانه: { أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ }. تفسير : [الأنبياء: 47] وذكر الأصفهاني في «شرح اللمع» لابن جني أن (الحق) بدل من الضمير المستتر في الظرف، وهو وجه حسن إلا أن الأول رجح جانب المعنى ولم يبال بالفصل بالخبر لاتحاده من وجه بالمبتدأ لا سيما والظرف يتوسع فيه. وجوز أبو البقاء أن يكون (الحق) خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل: ما ذلك الوزن؟ فقيل: هو الحق أي العدل السوي. وأن يكون (الوزن) خبر مبتدأ محذوف أيضاً أي هذا الوزن وهو كما ترى. وقرىء {ٱلْقِسْطَ } «والوزن ـ كما قال الراغب ـ معرفة قدر الشيء يقال: وزنته وزنا وزنة، والمتعارف فيه عند العامة ما يقدر (بالقسطاس) والقبان». واختلف في كيفيته يوم القيامة. والجمهور ـ كما قال القاضي ـ على أن صحائف الأعمال هي التي توزن بميزان له لسان وكفتان لينظر إليه الخلائق إظهاراً للمعادلة وقطعاً للمعذرة كما يسألون عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم. ولا تعرض لهم لماهية هاتيك الصحائف والله تعالى أعلم بحقيقتها. ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مد البصر فيقول سبحانه: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون فيقول: لا يا رب فيقول سبحانه أفلك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول لا يا رب فيقول جل شأنه: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة / والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء » تفسير : وهذه الشهادة ـ على ما قاله القرطبي نقلاً عن الحيكم الترمذي ـ ليست شهادة التوحيد لأن من شأن الميزان أن يوضع في إحدى كفتيه شيء وفي الأخرى ضده فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة ومن المستحيل أن يؤتى لعبد واحد بكفر وإيمان معاً فيستحيل أن توضع شهادة التوحيد في الميزان أما بعد الإيمان فإن النطق بهذه الكلمة الطيبة حسنة فتوضع في الميزان كسائر الحسنات. وأيد ذلك بقوله جل وعلا في الحديث: « حديث : إن لك عندنا حسنة » تفسير : دون أن يقول سبحانه: إيماناً. وجوز أن يكون المراد هذه الكلمة إذا كانت آخر كلامه في الدنيا. وجوز غيره أن تكون كلمة التوحيد، ومنع لزوم وضع الضد في الكفة الأخرى ليلزم المحال فتدبر. وجاء في خبر آخر أخرجه ابن أبي الدنيا والنميري في كتاب «الإعلام» عن عبد الله أيضاً قال: حديث : إن لآدم عليه السلام من الله عز وجل موقفا في فسح من العرش عليه ثوبان أخضران كأنه نخلة سحوق ينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى الجنة ومن ينطلق به إلى النار فبينا آدم على ذلك إذ نظر إلى رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينطلق به إلى النار فينادي آدم عليه السلام يا أحمد يا أحمد فيقول عليه الصلاة والسلام: لبيك يا أبا البشر فيقول: هذا رجل من أمتك ينطلق به إلى النار قال صلى الله عليه وسلم: فأشد المئزر وأسرع في أثر الملائكة فأقول: يا رسل ربي قفوا فيقولون. نحن الغلاظ الشداد الذين لا نعصي الله تعالى ما أمرنا ونفعل ما نؤمر فإذا أيس النبـي صلى الله عليه وسلم قبض على لحيته بيده اليسرى واستقبل العرش بوجهه فيقول: يا رب قد وعدتني أن لا تخزيني في أمتي فيأتي النداء من قبل العرش أطيعوا محمداً وردوا هذا العبد إلى المقام فيخرج صلى الله عليه وسلم بطاقة بيضاء كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى وهو يقول بسم الله فترجح الحسنات على السيئات فينادي المنادي سعد وسعد جده وثقلت موازينه انطلقوا به إلى الجنة فيقول يا رسل ربي: قفوا حتى أسأل هذا العبد الكريم على ربه فيقول: بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك من أنت؟ فقد أقلتني عثرتي ورحمت عبرتي فيقول عليه الصلاة والسلام. أنا نبيك محمد وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي وفيتكها أحوج ما تكون إليها تفسير : انتهى. ولعل فعل مثل هذا ـ إذا صح الخبر ـ مبالغة في إظهار كرامة النبـي صلى الله عليه وسلم على ربه عز وجل بين الأولين والآخرين. وقيل: توزن الأشخاص، واحتجوا له بما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إنه ليؤتى العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله تعالى جناح بعوضة ولا أدري على هذا ما يوضع في الكفة الأخرى من الميزان إذا وضع المذنب في إحداهما، ووضع شخص في مقابلة شخص لا أراه إلا كما ترى، والخبر ليس نصاً في الدعوى كما لا يخفى، وقيل: إن هذه الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية تظهر في النشأة الآخرة بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن والقبح، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وصححه غير واحد وقال: إن عليه الاعتقاد، وفي الآثار ما يؤيده. فقد أخرج ابن عبد البر عن إبراهيم النخعي قال: يجاء بعمل الرجل فيوضع بكفة ميزانه يوم القيامة فيخف فيجاء بشيء أمثال الغمام فيوضع في كفة ميزانه فيرجحه فيقال له: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا فيقال له: هذا فضل العلم الذي كنت تعلمه الناس، وأخرج ابن المبارك عن حماد بن أبي سليمان بمعناه. وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل، واستعمال لفظ الوزن في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكناية وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، وإليه ذهب المعتزلة إلا أن منهم من جوز / الوزن بالمعنى المتعارف عقلاً وإن لم يقض بثبوته كالعلاف وبشر بن المعتمر، ومنهم من أحاله لأن الأعمال أعراض وهي مما لا تبقى ومما لا يمكن إعادتها، سلمنا بقاءها أو إمكان إعادتها لكنها أعراض والأعراض يمتنع وزنها إذ لا توصف بثقل ولا خفة، سلمنا إمكان وزنها لكن لا فائدة في ذلك إذ المقصود إنما هو العلم بتفاوت الأعمال والله تعالى عالم بذلك وما لا فائدة فيه ففعله قبيح والرب تعالى منزه عن فعل القبيح، وجوابه يعلم مما قدمنا. وفسر هؤلاء الميزان بالعدل والإنصاف. واعترض الآمدي على ذلك بأن الميزان موصوف بالثقل والخفة، والعدل والإنصاف لا يوصفان بذلك، وفي الأخبار ما هو صريح في أن الميزان جسماني، فقد أخرج الحاكم وصححه عن سلمان عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسع فتقول الملائكة: يا رب من يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: من شئت من خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك » تفسير : وفي رواية ابن المبارك واللالكائي عنه قال: يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعه فتقول الملائكة من يزن هذا؟ الحديث. وأخرج ابن مردويه عن عائشة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : «خلق الله تعالى كفتيْ الميزان مثل السموات والأرض فقال الملائكة: يا ربنا من تزن بهذا؟ فقال: أزن به من شئت » تفسير : وفي بعض الآثار « حديث : أن الله تعالى كشف عن بصر داود عليه السلام فرأى من الميزان ما هاله حتى أغمي عليه فلما أفاق قال: يا رب من يملأ كفة هذا حسنات فقال جل شأنه: يا داود إذا رضيت عن عبد ملأتها بشق تمرة تصدق بها » تفسير : إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. فالأولى ـ كما قال الزجاج ـ اتباع ما جاء في الأحاديث ولا مقتضي للعدول عن ذلك، فإن قيل: إن المكلف يوم القيامة إما مؤمن بأنه تعالى حكيم منزه عن الجور فيكفيه حكمه تعالى بكيفيات الأعمال وكمياتها وإما منكر له فلا يسلم حينئذ أن رجحان بعض الأعمال على بعض لخصوصيات راجعة إلى ذوات تلك الأعمال بل يسنده إلى إظهار الله تعالى إياه على ذلك الوجه فما الفائدة في الوزن؟ أجيب بأنه ينكشف الحال يومئذ وتظهر جميع الأشياء بحقائقها على ما هي عليه وبأوصافها وأحوالها في أنفسها من الحسن والقبح وغير ذلك وتنخلع عن الصور المستعارة التي بها ظهرت في الدنيا فلا يبقى لأحد ممن يشاهدها شبهة في أنها هي التي كانت في الدنيا بعينها وإن كل واحد منها قد ظهر في هذه النشأة بصورته الحقيقية المستتبعة لصفاته ولا يخطر بباله خلاف ذلك قاله بعض المحققين والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } تفصيل للأحكام المترتبة على الوزن، والموازين إما جمع ميزان ـ وجمعه مع أن المشهور الصحيح أن الميزان مطلقاً واحد باعتبار تعدد الأوزان أو الموزونات، وكذا إذا قلنا بأن ميزان كل شخص واحد وفي الكلام مضاف مقدر أي كفة موازينه، ـ وإما جمع موزون وإضافته للعهد، لترتب الفلاح على ذلك فالمراد الحسنات، والجمع على هذا ظاهر، وكذا لو قلنا إن لكل عمل ميزاناً {فَأُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، والجمعية باعتبار معناه كما أن إفراد ضمير {مَوٰزِينُهُ } العائد إليه باعتبار لفظه، وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة، وهو مبتدأ و {هُمُ } إما ضمير فصل يفصل به بين الخبر والصفة ويؤكد النسبة ويفيد اختصاص المسند بالمسند إليه و{ٱلْمُفْلِحُونَ } أي الفائزون بالنجاة والثواب / خبر. وإما مبتدأ ثان و{ٱلْمُفْلِحُونَ } خبره والجملة خبر المبتدأ الأول، وتعريف المفلحين للدلالة على أنهم الناس الذين بلغك أنهم مفلحون في الآخرة أو إشارة إلى ما يعرفه كل أحد من حقيقة المفلحين وخصائصهم.

ابن عاشور

تفسير : عطف جملة: {والوزن يومئذٍ الحق} على جملة {أية : فلنقصن} تفسير : [الأعراف: 7]، لما تضمّنته المعطوف عليها من العلم بحسنات النّاس وسيّئاتهم، فلا جرم أشعرت بأنّ مظهرَ ذلك العلم وأثَرَه هو الثّواب والعقاب، وتفاوتُ درجات العاملين ودرَكاتهم تفاوتاً لا يُظلم العامل فيه مثقال ذرّة، ولا يفوتُ ما يستحقّه إلاّ أن يتفضّل الله على أحدٍ برفع درجة أو مغفرة زلة لأجل سلامة قلب أو شفاعة أو نحو ذلك، ممّا الله أعلم به مِن عبادِه، فلذلك عقبت جملة: {أية : فلنقصن}تفسير : [الأعراف: 7] بجملة: {والوزن يومئذٍ الحق} فكأنّه قيل: فلنقصنّ عليهم بعلم ولنُجَازِيَنَّهم على أعمالهم جزاء لا غبن فيه على أحد. والتّنوين في قوله: {يومئذٍ} عوض عن مضاف إليه دلّ عليه: {أية : فلنسألن الذين أرْسِلَ إليهم}تفسير : [الأعراف: 6] وما عطف عليه بالواو وبالفاء، والتّقدير: يومَ إذ نسألهم ونسأل رُسلَهم ونقُص ذنوبهم عليهم. والوزن حقيقته معادلة جسم بآخر لمعرفة ثقل أحد الجسمين أو كليهما في تعادلهما أو تفاوتهما في المقدار، وإذ قد كان تساوي الجسمين الموزونين نادر الحصول تعيَّن جُعلت أجسام أخرى يُعرف بها مقدار التّفاوت، فلا بد من آلة توضع فيها الأشياء، وتسمّى الميزان ولها أشكال مختلفة شكلاً واتساعاً. والأجسام التي تجعل لتعيين المقادير تُسمّى مَوازين، وَاحِدُها ميزان أيضاً وتسمّى أوزاناً واحدها وَزْن، ويطلق الوزن على معرفة مقدار حال في فضل ونحوِه قال تعالى: {أية : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً}تفسير : [الكهف: 105] وفي حديث أبي هريرة، في «الصّحيحين»: «حديث : إنَّه ليؤتى بالعظيم السمين يومَ القيامة لا يَزن عند الله جَناح بعوضة»تفسير : . ويستعار استعارة تمثيلية للتدبير في أحوال، كقول الراعي:شعر : وَزَنَتْ أميَّةُ أمْرَها فدَعَتْ له من لَمْ يكن غُمِراً ولا مَجهولاً تفسير : فالوزن في هذه الآية يراد به تعيين مقادير مَا تستحقّه الأعمال من الثّواب والعقاب تعييناً لا إجحاف فيه، كتعيين الميزان على حسب ما عيّن الله من ثواب أو عقاب على الأعمال، وذلك ممّا يعلمه الله تعالى: ككون العمل الصّالح لله وكونِه ريَاء، وككون الجهاد لإعلاء كلمة الله أو كونِه لمجرّد الطمع في الغنيمة، فيكون الجزاء على قدر العمل، فالوزن استعارة، ويجوز أن يراد به الحقيقة فقد قيل توضع الصحائف التي كتبتها الملائكة للأعمال في شيء خلقه الله ليجعله الله يوم القيامة، ينطق أو يتكيّف بكيفيّةٍ فيدلّ على مقادير الأعمال لأربابها، وذلك ممكن، وقد وردت أخبار في صفة هذا الميزان لم يصحّ شيء منها. والعِبارات في مثل هذا المقام قاصرة عن وصف الواقعات، لأنّها من خوارق المتعارف، فلا تعدُو العباراتُ فيها تقريبَ الحقائق وتمثيلها بأقصى ما تعارفه أهل اللّغة، فما جاء منها بصيغة المصدر غيرَ متعلّق بفعل يقتضي آلة فحمْلُه على المجاز المشهور كقوله تعالى: {أية : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} تفسير : [الكهف: 105]. وما جاء منها على صيغة الاسماء فهو محتمل مثل ما هنا لقوله: {فمن ثقلت موازينه} إلخ ومثل قول النّبيء صلى الله عليه وسلم «حديث : كلمتان خفيفتان على اللّسان ثقيلتان في الميزان»تفسير : وما تعلّق بفعل مقتض آلة فحمله على التمثيل أو على مخلوق من أمور الآخرة مثل قوله تعالى: {أية : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} تفسير : [الأنبياء: 47]. وقد ورد في السنّة ذكر الميزان في حديث البطاقة التي فيها كلمة شهادة الإسلام، عند التّرمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث قول النّبي صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك: «حديث : فاطلبْني عند الميزان» تفسير : خرّجه التّرمذي. وقد اختلف السلف في وجود مخلوق يبيّن مقدار الجزاء من العمل يسمّى بالميزان توزن فيه الأعمال حقيقة، فاثبت ذلك الجمهور ونفاه جماعة منهم الضحاك ومجاهد والأعمش، وقالوا: هو القضاء السوي، وقد تبع اختلافهم المتأخرون فذهب جمهور الأشاعرة وبعض المعتزلة إلى تفسير الجمهور، وذهب بعض الأشاعرة المتأخرين وجمهورُ المعتزلة إلى ما ذهب إليه مجاهد والضحاك والأعمش، والأمر هين، والاستدلال ليس ببيِّن والمقصود المعنى وليس المقصود آلته. والإخبار عن الوزن بقوله: {الحق} إن كان الوزن مجازاً عن تعيين مقادير الجزاء فالحق بمعنى العدل، أي الجزاء عادل غير جائز، لأنّه من أنواع القضاء والحكم، وإن كان الوزن تمثيلاً بهيئة الميزان، فالعدل بمعنى السوي، أي والوزن يومئذ مساوٍ للأعمال لا يرجح ولا يحجف. وعلى الوجهين فالإخبار عنه بالمصدر مبالغة في كونه محقاً. وتفرع على كونه الحق قوله: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون}، فهو تفصيل للوزن ببيان أثره على قدر الموزون. ومحل التّفريع هو قوله: {فأولئك هم المفلحون} وقوله: فأولئك الذين خسروا أنفسهم إذ ذلك مفرّع على قوله: {فمن ثقلت موازينه} وقوله: ومن خفت موازينه. وثقل الميزان في المعنى الحقيقي رجحان الميزان بالشّيء الموزون، وهو هنا مستعار لاعتبار الأعمال الصّالحة غالبة ووافرة، أي من ثقلت موازينه الصّالحات، وإنّما لم يذكر ما ثقلت به الموازين لأنّه معلوم من اعتبار الوزن، لأنّ متعارف النّاس أنّهم يزنون الأشياء المرغوب في شرائِها المتنافس في ضبط مقاديرها والتي يتغابن النّاس فيها. والثّقل مع تلك الاستعارة هو أيضاً ترشيح لاستعارة الوزن للجزاء، ثمّ الخفّة مستعارة لعدم الأعمال الصّالحة أخذاً بغاية الخفة على وزان عكس الثّقل، وهي أيضاً ترشيح ثان لاستعارة الميزان، والمراد هنا الخفّة الشّديدة وهي انعدام الأعمال الصّالحة لقوله: {بما كانوا بآياتنا يظلمون}. والفلاَح حُصول الخير وإدراك المطلوب. والتّعريف في {المفلحون} للجنس أو العهد وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : وأولئك هم المفلحون} تفسير : في سورة البقرة (5). وما صْدَقُ (مَن) واحد لقوله: {موازينه}، وإذ قد كان هذا الواحد غير معيّن، بل هو كلّ من تحقّق فيه مضمون جملة الشّرط، فهو عام صح اعتباره جماعة في الإشارة والضّميرين من قوله: {فأولئك هم المفلحون}. والاتيان بالإشارة للتّنبيه على أنّهم إنّما حصلوا الفلاَح لأجل ثقل موازينهم، واختير اسم إشارة البعد تنبيهاً على البعد المعنوي الاعتباري. وضمير الفصل لقصد الانحصار أي هم الذين انحصر فيهم تحقّق المفلحين، أي إن علمتَ جماعة تعرف بالمفلحين فهم هُم. والخسران حقيقته ضد الرّبح، وهو عدم تحصيل التّاجر على ما يستفضله من بيعه، ويستعار لفقدان نفع ما يرجى منه النّفع، فمعنى {خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُم} فقدوا فوائدها، فإن كلّ أحد يرجو من مواهبه، وهي مجموع نفْسِه، أن تجلب له النّفع وتدفع عنه الضرّ: بالرأي السَّديد، وابتكار العمل المفيد، ونفوس المشركين قد سوّلت لهم أعمالاً كانت سبب خفّة موازين أعمالهم، أي سبب فقد الأعمال الصّالحة منهم، فكانت نفوسهم كرأسسِ مال التّاجر الذي رجا منه زيادة الرّزق فأضاعه كلّه فهو خاسر له، فكذلك هؤلاء خسروا أنفسهم إذ أوقعتهم في العذاب المقيم، وانظر ما تقدّم في قوله تعالى: {أية : الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} تفسير : في سورة الأنعام (20). وقوله تعالى: {أية : فما ربحت تجارتهم} تفسير : في سورة البقرة (16). والباء في قوله: {بما كانوا} باء السّببيّة، وما مصدرية أي بكونهم ظلموا بآياتنا في الدّنيا، فصيغة المضارع في قوله: {يظلمون} لحكاية حالهم في تجدّد الظلم فيما مضى كقوله تعالى: {أية : والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه} تفسير : [فاطر: 9]. والظلم ــــ هنا ــــ ضدّ العدل: أي يظلمون الآيات فلا ينصفونها حقّها من الصدق. وضمن {يظلمون} معنى يُكَذّبون، فلذلك عُدّي بالباء، فكأنّه قيل: بما كانوا يظلمون فيكذبون بآياتنا على حد قوله تعالى: {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظُلماً وعلواً} تفسير : [النمل: 14]. وإنّما جعل تكذيبهم ظلما لأنّه تكذيب ما قامت الأدلّة على صدقه فتكذيبه ظلم للأدلّة بدحضها وعدم إعمالها. وتقديم المجرور في قوله: {بآياتنا} على عامله، وهو {يظلمون}، للاهتمام بالآيات. وقد ذكرت الآية حال المؤمنين الصّالحين وحال المكذّبين المشركين إذ كان النّاس يوم نزول الآية فريقين: فريق المؤمنين، وهم كلّهم عاملون بالصّالحات، مستكثرون منها، وفريق المشركين وهم أخلياء من الصّالحات، وبقي بين ذلك فريق من المؤمنين الذين يخلطون عملاً صالحاً وآخر سيّئاً وذلك لم تتعرّض له هذه الآية، إذ ليس من غرض المقام، وتعرّضت له آيات آخرى.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن وزنه للأعمال يوم القيامة حق أي لا جور فيه، ولا ظلم، فلا يزاد في سيئات مسيء، ولا ينقص من حسنات محسن. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ}تفسير : [الأنبياء: 47]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} تفسير : [النساء: 40] الآية إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من ثقلت موازينهم أفلحوا، ومن خفت موازينهم خسروا بسبب ظلمهم، ولم يفصل الفلاح والخسران هنا. وقد جاء في بعض المواضع ما يدل على أن المراد بالفلاح هنا كونه في عيشة راضية في الجنة، وأن المراد بالخسران هنا كونه في الهاوية من النار، وذلك في قوله: {أية : فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ} تفسير : [القارعة: 6-11]. وبين أيضاً خسران من خفت موازينه بقوله: {أية : وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} تفسير : [المؤمنون: 103-104] إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَوَازِينُهُ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} {يَوْمَئِذٍ} (8) - وَاللهُ تَعَالَى يَزِنُ أَعْمَالِ العِبَادِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُقَدِّرُهَا بِعَدْلٍ تَامٍّ (بِالحَقِّ)، فَلا يَظْلِمُ أَحَداً شَيْئاً، فَالذِينَ تَرْجَحُ مَوَازِينُ أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ وَحَسَنَاتُهُمْ (ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُمْ) فَأُولئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ بِالنَّجَاةِ مِنَ العَذَابِ (المُفْلِحُونَ). ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ - رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : في هذه الآيات نجد الحديث عن الوزن للأعمال، وهذا كله تأكيد للحجة عليهم؛ فالله لا يظلم أحداً، وفي وزن الأعمال إبطال للحجة من الذين يخافون النار، ولم يؤدوا حقوق الله في الدنيا، وكل ذلك ليؤكد الحجة، ويظهر الإنصاف ويقطع العذر، وهنا قول كريم يقول فيه الحق سبحانه: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ...} تفسير : [الأنبياء: 47] هذه الموازين هي عين العدل، وليست مجرد موازين عادلة، بل تبلغ دقة موازين اليوم الآخر أنها هي عدل في ذاتها. وهنا يقول الحق: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ}. نعم، الميزان في هذا اليوم حق ودقيق، لنذكر انه قال من قبل: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} تفسير : [الأنعام: 160] والميزان الحق هو الذي قامت عليه عدالة الكون كله، وكل شيء فيه موزون، وسبحانه هو الذي يضع المقادير على قدر الحكمة والإِتقان والدقة التي يؤدي بها كل كائن المطلوبَ منه، ولذلك يقوله سبحانه: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 7] ولم نر السماء قذفت وألقت علينا أحداثاً غير متوقعة منها، فالكون له نظام دقيق. والوزن في يوم القيامة هو مطلق الحق، ففي هذا اليوم تبطل موازين الأرض التي كانت تعاني إما خللاً في الآلة التي يوزن بها، وإمّا خللاً في الوزن، وإمّا أن تتأثر بأحداث الكون، وما يجري فيه من تفاعلات، أما ميزان السماء فلا دخل لأحد به ولا يتأثر إلا بقيمة ما عمل الإِنسان، وساعة يقول سبحانه: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ}. فكأن الميزان في الدنيا يمكن أن يحصل فيه خلل، وكذلك المِلْك أيضاً؛ لأنه سبحانه أعطى أسباباً للملك المناسب لكل إنسان، فهذا يملك كذا، والثاني يملك كذا، والثالث يملك كذا، وبعد ذلك يتصرف كل إنسان في هذا الملك إن عدلاً، وإن ظلماً على ضوء الاختيار. لكن حين يأتي اليوم الآخر فلا ملك لأحد: {أية : ...لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] فالأمر حينئذ يكون كله لله وحده، فإن كان الملك في الدينا قد استخلف فيه الحق عباده، فهذه الولاية تنتهي في اليوم الآخر: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. وسبحانه هو القائل: {أية : فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ} تفسير : [القارعة: 6-11] إذن فالميزان يثقل بالحسنات، ويخف بالسيئات، ونلحظ أن القسمة العقلية لإِيجاد ميزان ووزان وموزون تقتضي ثلاثة أشياء: أن تثقل كفة، وتخف الأخرى، أو أن يتساويا، ولكن هذه الحال غير موجودة هنا. ويتحدث الحق عن الذين تخف موازينهم فيقول سبحانه وتعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن عبيد بن عمير الليثي في قوله عز وجل: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} [الآية: 8] قال: يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأَكول الشروب، فلا يزن عند الله جناح بعوضة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} معناهُ العَدلُ. تفسير : وقوله تعالى: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} معناهُ حَسَنَاتُهُ {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} معناهُ سَيئاتُهُ.

الأندلسي

تفسير : {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} مذهب الجمهور أن في القيامة موازين توزن بها أعمال العباد اتباعاً لظواهر النصوص في ذلك. وذهب مجاهد والضحاك والأعمش وجماعة وهو قول المعتزلة: إلى أن ما ورد من الوزن والموازين إنما هو كناية عن العدل ومحاسبة أهل الموقف بحساب أعمالهم والوزن مبتدأ ويومئذٍ ظرف منصوب بالوزن والتنوين في إذ تنوين العوض من جملة محذوفة تقديره يوم إذْ نسأل ونقص فحذف ذلك وعوّض منه التنوين ولذلك لا يجتمعان، وكذا كل موضع يلحق التنوين فيه لاذْ والحق خبر عن المبتدأ الذي هو الوزن. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} من أثبت الميزان ذكر أنه ذو كفتين ولسان ولم يثبت مثل هذا نصاً لا في القرآن ولا في السنة والثقل والخفة إنما هما من صفات الأجسام والحسنات والسيئات من صفات الاعراض، فقال: هؤلاء ان الموزون إنما هو الصحف التي كتبت فيها الحسنات والسيئات. وقوله: موازينه أفرد الضمير مراعاة للفظ من ثم جمع في قوله: فأولئك، مراعاة لمعنى من. ويتعلق بآياتنا بقوله: {يِظْلِمُونَ} لتضمنه معنى يكذبون أو لأنها بمعنى يجحدون. {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} تقدم معنى مكناكم في قوله: أول الانعام مكناهم في الأرض. والخطاب راجع للذين خوطبوا اتبعوا ما أنزل إليكم وما بينهما أورد مورد الاعتبار والاتعاظ بذكر ما آل إليه أمرهم في الدنيا وما يؤول إليه في الآخرة. {مَعَايِشَ} جمع معيشة. وقرأ خارجة عن نافع: معائش، بالهمز شبهها بصحائف من حيث عدد الحروف والحركات والكون. والمعيشة: ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما مما يتوصل به إلى ذلك. وهي في الأصل مصدر ينزل منزلة الآلات. وإعراب: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} كإِعراب قليلاً ما تذكرون. {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} هو على حذف مضاف تقديره خلقنا أباكم ثم صورنا أباكم ويبقى ثم دالة على موضوعها من المهملة في الزمان. فبدأ بالخلق وهو إخراج من العدم الصرف إلى مادة وهي الترائب. ولقوله تعالى: {أية : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}تفسير : [آل عمران: 59]، ثم ثنى بالتصوير وهو تشكيله بالصورة الآدمية. وتقدم تفسير: {قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ} في البقرة فاغنى عن إعادته. وقوله: {لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} جملة لا موضع لها من الإِعراب مؤكدة لمعنى ما أخرجه الاستثناء من نفي سجود إبليس كقوله: {أية : أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ} تفسير : [البقرة: 34]، بعد قوله: إلا إبليس، في البقرة. {قَالَ مَا مَنَعَكَ} انتقل من ضمير المتكلم المعظم إلى ضمير الغيبة في قال. وما: استفهامية مبتدأة. والجملة بعدها خبره ولا في أن لا تسجد زائدة للتوكيد يدل على زيادتها سقوطها في قوله: أن تسجدوا وإذ معمولة لقوله: منعك. والمعنى أنه وبّخه وقرّعه على امتناعه من السجود، وإن كان تعالى عالماً لما منعه من السجود. وما: استفهامية، تدل على التوبيخ كما قلنا قبل. {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} هذا ليس بجواب مطابق للسؤال، لكنه يتضمن الجواب إذ معناه منعني فضلي عليه لشرف عنصري على عنصره ولم ينظر المسكين لأمر من أمره بالسجود وهو الله تعالى فامتثال الأمر طاعة الله تعالى، وقد تكلم الناس في تفضيل النار على الطين وفي تفضيل الطين على النار، بما هو مذكور في البحر. {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا} لما كان امتناعه من السجود بسبب ظهور شرفه على آدم عند نفسه قابله الله بالهبوط المشعر بالنزول من علو إلى أسفل. والضمير في: منها عائد على الجنة وإن لم يجر لها ذكر. قال ابن عطية: أُهبط أولاً وأخرج من الجنة وصار في السماء، لأن الاخبار تظافرت أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجنة ثم أمر آخراً بالهبوط من السماء مع آدم وحواء. ومعنى: {فَمَا يَكُونُ لَكَ} أي لا يصح لك، أوْ لا يتم، أو لا ينبغي. والضمير في { فِيهَا} يعود على ما عاد عليه منها ولا مفهوم لهذا الظرف بل التكبر منهي عنه في كل موضع. وكرر معنى الهبوط بقوله: {فَٱخْرُجْ} لأن الهبوط منها خروج ولكنه أخبر بصغاره وذلته وهو أنه جزاء على تكبره قوبل بالضد مما اتصف به وهو الصغار الذي هو ضد التكبر، والتكبر تفعل منه لا أنه خلق كبيراً عظيماً ولكنه هو الذي تعاطى الكبر. {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} هذا يدل على إقراره بالبعث، وعلمه بأن آدم سيكون له ذرية ونسل يعمرون الأرض ثم يموتون. والضمير في يبعثون، عائد على ما دل عليه المعنى إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه ومعنى أنظرني: أخرني. {قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} الظاهر أن الباء: للقسم. وما: مصدرية، ولذلك تلقت الحلف بقوله: {لأَقْعُدَنَّ} وأغويتني بمعنى أضللتني، قاله ابن عباس. والإِغواء نسبه إبليس إلى الله تعالى وهو فعل من أفعال الله تعالى جار على الحكمة الإِلهية، فجاز أن يقسم به. قال الزمخشري: فإِن قلت: بم تعلقت الباء؟ فإِن تعليقها بلأقعدن يصد عنه لام القسم لا تقول: والله بزيد لأمرن. قلت: تعلقت بفعل القسم المحذوف تقديره فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدن أي بسبب إغوائك أقسم. "انتهى". ما ذكره من أن اللام تصد عن تعلق الباء بلأقعدن ليس مجمعاً عليه بل في ذلك خلاف. وعبر بالقعود عن الثبوت في المكان والتلبث فيه، قالوا: وانتصب صراطك على إسقاط على، قاله الزجاج. وشبهه بقول العرب: ضرب زيد الظهر والبطن، أي على الظهر والبطن وإسقاط حرف الجر لا ينقاس في مثل هذا، لا يقال: قعدت الخشبة، تريد قعدت على الخشبة، والأولى أن يضمن لأقعدن معنى ما يتعدى بنفسه فينتصب الصراط أنه مفعول به. والتقدير لألزمنّ بقعودي صراطك المستقيم وهذا الصراط هو دين الإِسلام وهو الموصل إلى الجنة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن تعيين الوزن للنبيِّين بقوله تعالى: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} [الأعراف: 8]، الإشارة فيها: أن الوزن عند الله يوم القيامة لأهل الحق وأرباب الصدق وأعمال البر كما قال تعالى: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ}، فلا وزن للباطل وأهله، يدل عليه قوله تعالى: {أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً}تفسير : [الكهف: 105]، وروي أنه يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشَّروب فلا يزن جناح بعوضة، {أية : فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}تفسير : [المؤمنون: 102] بالأعمال الصالحة والصفات الحميدة والأوصاف الرضية والنعوت المرضيَّة والأحوال السنية والأخلاق الربانية، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 8] الفائزون بإبقاء الحق وبقائه، الناجون من مقام أنانيتهم لفنائهم، وإنما قال تعالى: {مَوَازِينُهُ} بالجمع؛ لأن كل عبد ينصب موازين القسط تناسب حالاته، فلبدنه: ميزان توزن به أعماله، ولنفسه: ميزان توزن بها صفاتها، ولقلبه: ميزان يوزن به أوصافه، ولروحه: ميزان يوزن به لغته، ولسره: ميزان يوزن به أحواله، والخفية: ميزان يوزن به أخلاقه، والخفى: لطيفة روحانية قابلة لفيض الأخلاق الربَّانية، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ شَيْءٍ يَوضَعُ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ"تفسير : وذلك؛ لأنه ليس من نعوت المخلوقين بل هو من أخلاق رب العالمين، والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه. {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} [الأعراف: 9] مما ذكرنا، {فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم} [الأعراف: 9] أفسدوا استعدادها لقبول هذه الكمالات التي ذكرناها، {بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} [الأعراف: 9]؛ أي: يجحدون؛ يعني: أفسدوا استعدادهم حسن لقبول الكمالات بجحودهم. ثم أخبر عن كرمه ونعمه بقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} [الأعراف: 10] إلى قوله: {أية : صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الأعراف: 16]، والإشارة فيها: أن التمكين لفظ جامع للتمليك والتسليط والقدرة على تحصيل أسباب كل خير وسعادة دنيوية وأخروية وكمال استعداد المعرفة والمحبة والطلب والسير إلى الله تعالى ونيل الوصول والوصال، وما شرف بها التمكين إلا الإنسان، وبه كرم وبه فضل وبه يتم أمر خلافته، ولهذا أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وبه منَّ الله تعالى على أولاده بقوله: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} [الأعراف: 10]؛ أي: سيرناكم ووهبنا لكم في خلافة الأرض ما لم نمكن أحداً غيركم في الأرض من الحيوانات، ولا في السماء من الملائكة، {وَجَعَلْنَا لَكُمْ} [الأعراف: 10] خاصة، {فِيهَا مَعَايِشَ} [الأعراف: 10]؛ لأنها مجموعة من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية، فمعيشة الملك: روحية، ومعيشة الحيوان هي: معيشة بدنية، ومعيشة الشيطان هي: معيشة نفسه الأمارة بالسؤ، ولمَّا حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية التي لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي: القب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي: الشهود، ومعيشة سره هي: الكشوف، ومعيشة خفية هي: الوصول والوصال، {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10]؛ أي: قليلاً منكم من يشكر هذه النعم؛ أي: نعمة التمكين ونعمة المعايش برؤية هذه النعم والتحديث بها، فإن رؤية النعم شكرها، والتحدث بالنعم أيضاً شكر. ثم أخبرنا عن شرح هذا التمكين وبدوّ أمره، فقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11]؛ أي: خلقنا أرواحكم قبل أجسادكم، يدل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام"تفسير : {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أي: خلقنا أجسادكم وجعلناها صور الأرواح. واعلم أن للأجسام وتصويرها بداية في الخلقة ونهاية، فبدايتها: الذُّريَّة التي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام بقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}تفسير : [الأعراف: 172] ولم يقل: ذراتهم، وفي الحديث الصحيح: "حديث : إن الله مسح ظهر آدم وأخرج ذريته منه كلهم كهيئة الذر"؛تفسير : يعني: في الصغر، وهذا يدل على أنهم كانوا مصورين في صلب آدم. ونهايتها: أيضاً لها بداية ونهاية، فبدايتها: عند تصوير الجنين في الرحم، كقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ}تفسير : [آل عمران: 6]، ونهايتها: عند كمال الصورة والجسد في حال الكهولة غالباً، فمعنى الآية: خلقناكم أرواحاً ثم صورناكم في ظهر آدم ذرية كهيئة الذر ثم في أرحام الأمهات بصورة الجنين، {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} [الأعراف: 11] وأنتم في صلبه فهذا من التمكين أيضاً. {فَسَجَدُوۤاْ} [الأعراف: 11]؛ يعني: الملائكة؛ لاستعدادهم الفطري، {إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} [الأعراف: 11] لما فيه من الاستكبار للنارية واستعلائها، {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] وهذا خطاب الامتحان لجوهر إبليس؛ ليظهر به استحقاق اللعنة، فإنه لو كان ذا بصيرة لقال: منعني تقديرك وقضاؤك ومشيئتك الأزلية، فلما كان أعمى بالعين التي ترى أحكام الله وتقديره وهويته، بصيراً بالعين التي ترى أنانيته، {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} [الأعراف: 12]؛ يعني: منعتني خيرتي عنه أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بقوله تعالى: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12]؛ يعني: النار علوية نورانية لطيفة، والطين سفلي ظلماني كثيف فهي خير منه، فأخطا اللعين في الجواب وفي الاستدلال والقياس من وجوه، وقد قدرنا خطأه في الجواب. فأمَّا في القياس: فأحد الوجوه: أنَّا لو سلمنا أن النار أفضل ما شرف وأعلى من الطين من حيث الظاهر والصورة، ولكن من حيث الحقيقة والمعنى الطين أفضل وأشرف منها؛ لأن من صفات الطين وخواصه: الثبات ومنه النشوء والنمو، ولهذا السر كان تعلق روح الإنسان به؛ ليصير قابلاً للترقي، فإن جوهره كان من قبيل اجواهر الملائكة في الروحانية والنورانية وقابل للترقي، والنار من خاصيتها الإحراق والإفناء. وثانيها: أن في الطين لزُوُجَة وإمساكاً، فإذا استفاد الروح منه بالترابية هذه الخاصية يصير ممسكاً للفيض الإلهي، إذ لم يكن ممسكاً له في عالم الأرواح، ولهذا السر؛ استحق آدم عليه السلام سجود الملائكة، وسيأتي شرحه - إن شاء الله تعالى - وفي النار خاصية الإتلاف وهو ضد الإمساك. والثالث: أن الطين مركَّب من الماء والتراب، والماء مطية الحياة كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}تفسير : [الأنبياء: 30]، والتراب مطية النفس النامية، فعند أزدواجهما تتولد النفس الحيوانية؛ وهو الروح الحيواني وهو مطية الروح الإنساني للمناسبة الزوجية بينهما، وفي النار ضد هذا من الإهلاك والإفساد، ثم تقول: شرف سجود آدم وفضله على الساجدين لم يكن لمجرد خواص الطبيعة، وإن شرف طبيعته لشرف التخمير من غير واسطة لقول: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}تفسير : [ص: 75]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خمر طينة بيده أربعين صباحاً ". تفسير : وإنما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح للشرف، بالإضافة إلى الحضرة فيه من غير واسطة، كما قال تعالى: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [الحجر: 29]، ولاختصاصه بالتجلي فيه عند نفخ الروح كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق آدم فتجلى فيه"؛تفسير : ولهذا السر ما أمر الملائكة بالسجود بعد تسوية قالب آدم من الطين بل أمرهم بالسجود بعد نفخ الروح فيه كما قال تعالى: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [ص: 71-72]، وذلك؛ لأن آدم عليه السلام بعد أن نفخ فيه الروح صار مستعداً للتجلي؛ لما حصل فيه من لطافة الروح ونوارنيته التي يستحق بها التجلي ومن إمساك الطين الذي يقبل الفبيض الإلهي ويمسكه عند التجلي فاستحق سجود الملائكة؛ لأنه صار كعبة حقيقة تفهم - إن شاء الله - وتنفع، فلا تكون كالشيطان أعمى عند مطالعة هذه الحقائق، والمتكبر عن الإيمان بها فتخرج من جنة هذه المعارف وروضة هذه العواطف وتخاطب أيضاً بقوله تعالى: {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13]، وإنما لزمه الهبوط والخروج من معارف العز ومنازلة؛ لأنه اعتصم بيد الإباء والاستكبار في جبل الأنانية بقوة الخيرية، فاستخرد وهبط من عالم العلو إلى عالم السفل، وصار من الصاغرين بعد أن كان من الكافرين، فلما ابتلي بالقضاء وطرد من الجوار أخذ في النوح وألبس من الروح ورضي بالعباد واطمأن بالحياة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ثم ذكر الجزاء على الأعمال، فقال: { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ } أي: والوزن يوم القيامة يكون بالعدل والقسط، الذي لا جور فيه ولا ظلم بوجه. { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } بأن رجحت كفة حسناته على سيئاته { فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي: الناجون من المكروه، المدركون للمحبوب، الذين حصل لهم الربح العظيم، والسعادة الدائمة. { وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ } بأن رجحت سيئاته، وصار الحكم لها، { فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } إذ فاتهم النعيم المقيم، وحصل لهم العذاب الأليم { بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ } فلم ينقادوا لها كما يجب عليهم ذلك.