٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : في نظم الآية وجهان: الوجه الأول: أنه تعالى لما بين أنه أمر آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض، وجعل الأرض لهما مستقراً بين بعده أنه تعالى أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا، ومن جملتها اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا. الوجه الثاني: أنه تعالى لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة أنه كان يخصف الورق عليها، أتبعه بأن بين أنه خلق اللباس للخلق ليستروا بها عورتهم، ونبه به على المنة العظيمة على الخلق بسبب أنه أقدرهم على التستر. فإن قيل: ما معنى إنزال اللباس؟ قلنا: إنه تعالى أنزل المطر، وبالمطر تتكون الأشياء التي منها يحصل اللباس، فصار كأنه تعالى أنزل اللباس، وتحقيق القول أن الأشياء التي تحدث في الأرض لما كانت معلقة بالأمور النازلة من السماء صار كأنه تعالى أنزلها من السماء. ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلاْنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ }تفسير : [الزمر: 6] وقوله: {أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } تفسير : [الحديد: 25] وأما قوله: {وَرِيشًا } ففيه بحثان: البحث الأول: الريش لباس الزينة، استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته، أي أنزلنا عليكم لباسين: لباساً يواري سوآتكم، ولباساً يزينكم، لأن الزينة غرض صحيح كما قال: {أية : لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً }تفسير : [النحل: 8] وقال: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } تفسير : [النحل: 6]. البحث الثاني: روي عن عاصم رواية غير مشهورة {***ورياشاً} وهو مروي أيضاً عن عثمان رضي الله عنه، والباقون {سَوْءتِكُمْ وَرِيشًا } واختلفوا في الفرق بين الريش والرياش فقيل: رياش جمع ريش، وكذياب وذيب، وقداح وقدح، وشعاب وشعب، وقيل: هما واحد، كلباس ولبس وجلال وجل، روى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: كل شيء يعيش به الإنسان من متاع أو مال أو مأكول فهو ريش ورياش، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث، والريش قد يطلق على سائر الأموال وقوله تعالى: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } فيه بحثان: البحث الأول: قرأ نافع وابن عامر والكسائي {وَلِبَاسُ } بالنصب عطفاً على قوله: {لِبَاساً } والعامل فيه أنزلنا وعلى هذا التقدير فقوله: {ذٰلِكَ } مبتدأ وقوله: {خَيْرٌ } خبره والباقون بالرفع وعلى هذا التقدير فقوله: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } مبتدأ وقوله: {ذٰلِكَ } صفة أو بدل أو عطف بيان وقوله خير خبر لقوله: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } ومعنى قولنا صفة أن قوله: {ذٰلِكَ } أشير به إلى اللباس كأنه قيل ولباس التقوى المشار إليه خير. البحث الثاني: اختلفوا في تفسير قوله: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } والضابط فيه أن منهم من حمله على نفس الملبوس ومنهم من حمله على غيره. أما القول الأول: ففيه وجوه: أحدها: أن المراد أن اللباس الذي أنزله الله تعالى ليواري سوآتكم هو لباس التقوى وعلى هذا التقدير فلباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده الله لأجل أن يخبر عنه بأنه خير لأن جماعة من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت فجرى هذا في التكرير مجرى قول القائل: قد عرفتك الصدق في أبواب البر، والصدق خير لك من غيره. فيعيد ذكر الصدق ليخبر عنه بهذا المعنى. وثانيها: أن المراد من لباس التقوى ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقي به في الحروب. وثالثها: المراد من لباس التقوى الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلوات. والقول الثاني: أن يحمل قوله: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } على المجازات ثم اختلفوا فقال قتادة والسدي وابن جريج: لباس التقوى الإيمان. وقال ابن عباس: لباس التقوى العمل الصالح، وقيل هو السمت الحسن، وقيل هو العفاف والتوحيد، لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عارياً من الثياب. والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسياً، وقال معبدهو الحياء. وقيل هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخبات والعمل الصالح، وإنما حملنا لفظ اللباس على هذه المجازات لأن اللباس الذي يفيد التقوى، ليس إلا هذه الأشياء أما قوله: {ذٰلِكَ خَيْرٌ } قال أبو علي الفارسي: معنى الآية {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ... خَيْرٌ } لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب له إلى الله تعالى مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به. قال: وأضيف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع في قوله: {أية : فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ } تفسير : [النحل: 112] وقوله: {ذٰلِكَ مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ } معناه من آيات الله الدالة على فضله ورحمته على عباده يعني إنزال اللباس عليهم {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } فيعرفون عظيم النعمة فيه.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {يَابَنِيۤ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} قال كثير من العلماء: هذه الآية دليل على وجوب ستر العورة؛ لأنه قال: {يُوَٰرِى سَوْءَاتِكُمْ}. وقال قوم: إنه ليس فيها دليل على ما ذكروه، بل فيها دلالة على الإنعام فقط. قلت: القول الأوّل أصح. ومن جملة الإنعام ستر العورة؛ فبين أنه (سبحانه وتعالىٰ) جعل لذريته ما يسترون به عوراتهم، ودل على الأمر بالتستر. ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعْيُن الناس. وٱختلفوا في العورة ما هي؟ فقال ٱبن أبي ذئب: هي من الرجل الفرج نفسه، القبل والدبر دون غيرهما. وهو قول داود وأهل الظاهر وابن أبي عَبْلة والطبري؛ لقوله تعالىٰ: {لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ}، {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}، {لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ}. وفي البخاريّ حديث : عن أنس: «فأجرىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم في زُقاق خيبر ـ وفيه ـ ثم حَسَر الإزار عن فخذه حتى أني أنظر إلى بياض فخذ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم»تفسير : . وقال مالك: السرة ليست بعورة، وأكره للرجل أن يكشف فخذه بحضرة زوجته. وقال أبو حنيفة: الركبة عورة. وهو قول عطاء. وقال الشافعيّ: ليست السرة ولا الركبتان من العورة على الصحيح. وحكى أبو حامد الترمذي أن للشافعيّ في السرة قولين. وحجة مالك حديث : قوله عليه السلام لجَرْهَدٍ: «غطِّ فخذك فإن الفخذ عورة»تفسير : . خرجه البخاريّ تعليقاً وقال: حديث أنس أَسْنَدُ، وحديث جرهدٍ أحوط حتى يخرج من اختلافهم. وحديث جَرْهَدٍ هذا يدل على خلاف ما قال أبو حنيفة. وروي أن أبا هريرة قبَّل سُرة الحسن بن عليّ وقال: أقبل منك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل منك. فلو كانت السرة عورة ما قبَّلها أبو هريرة، ولا مكّنه الحسن منها. وأما المرأة الحرة فعورة كلها إلا الوجه والكفين. على هذا أكثر أهل العلم. وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها»تفسير : . ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. وروي عن أحمد بن حنبل نحوه. وأما أمُّ الولد فقال الأثْرَم: سمعته ـ يعني أحمد بن حنبل ـ يسأل عن أم الولد كيف تصلِّي؟ فقال: تغطِّي رأسها وقدميها؛ لأنها لا تباع، وتصلي كما تصلي الحرة. وأما الأَمَة فالعورة منها ما تحت ثديها. ولها أن تبدي رأسها ومِعصميها. وقيل: حكمها حكم الرجل. وقيل: يكره لها كشف رأسها وصدرها. وكان عمر رضي الله عنه يضرب الإماء على تغطيتهن رؤوسهن ويقول: لا تَشبَّهن بالحرائر. وقال أصبغ: إن ٱنكشف فخذها أعادت الصلاة في الوقت. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كل شيء من الأمة عورة حتى ظفرها. وهذا خارج عن أقوال الفقهاء؛ لإجماعهم على أن المرأة الحرة لها أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله، تباشر الأرض به. فالأمة أولىٰ، وأمُّ الولد أغلظ حالاً من الأمة. والصبيُّ الصغير لا حرمة لعورته. فإذا بلغت الجارية إلى حَدِّ تأخذها العين وتُشْتَهَى سترت عورتها. وحجة أبي بكر بن عبد الرحمن قوله تعالىٰ: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ}تفسير : [الأحزاب: 59]. وحديث أم سلمة أنها سئلت: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يُغَيِّب ظهور قدميها. وقد روُي مرفوعاً. والذين أوقفوه على أمِّ سَلَمة أكثر وأحفظ؛ منهم مالك وابن إسحاق وغيرهما. قال أبو داود: ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دِينار عن محمد بن زيد عن أمّه عن أم سلمة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر: عبد الرحمن هذا ضعيف عندهم؛ إلا أنه قد خرّج البخاري بعض حديثه. والإجماع في هذا الباب أقوىٰ من الخبر. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً} يعني المطر الذي ينبت القطن والكتان، ويُقيم البهائم الذي منها الأصواف والأوبَار والأشعار؛ فهو مجاز مثل {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}تفسير : [الزمر: 6] على ما يأتي. وقيل: هذا الإنزال إنزال شيء من اللباس مع آدم وحوّاء، ليكون مثالاً لغيره. وقال سعيد بن جبير: «أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ» (أي) خلقنا لكم؛ كقوله: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أي خلق. على ما يأتي. وقيل: ألهمناكم كيفية صنعته. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَرِيشاً} قرأ أبو عبد الرحمن والحسن وعاصم من رواية المفضّل الضبيّ، وأبو عمرو من رواية الحسين بن علي الجُعْفِيّ «ورياشا». ولم يحكه أبو عبيدة إلا عن الحسن، ولم يفسر معناه. وهو جمع ريشٍ. وهو ما كان من المال واللباس. وقال الفرّاء: رِيشٌ ورياش، كما يقال: لِبس ولِباس. وريش الطائر ما ستره الله به. وقيل: هو الخِصب ورفاهية العيش. والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة. وأنشد سيبويه: شعر : فرِيشِي منكم وهَوايَ مَعْكم وإنْ كانت زيارتُكم لِمَاما تفسير : وحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة: وهبتُ له دابّة بريشها أي بكسوتها وما عليها من اللباس. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} بين أن التقوىٰ خير لباس؛ كما قال:شعر : إذا المرءُ لم يلبسْ ثياباً من التُّقَىٰ تقلّب عرياناً وإن كان كاسياً وخيرُ لباسِ المرء طاعةُ ربه ولا خيرَ فيمن كان لله عاصياً تفسير : وروىٰ قاسم بن مالك عن عوف عن مَعْبَد الجُهنِيّ قال: «لِبَاسُ التَّقْوَىٰ» الحيَاء. وقال ابن عباس: «لِبَاسُ التَّقْوىٰ» هو العمل الصالح. وعنه أيضاً: السَّمْت الحسَن في الوجه. وقيل: ما علّمه عز وجل وهدىٰ به. وقيل: «لِبَاسُ التَّقْوىٰ» لبس الصوف والخشن من الثياب، ممّا يُتواضع به لله تعالىٰ ويتعبَّد له خيرٌ من غيره. وقال زيد بن علي: «لِبَاسُ التَّقْوىٰ» الدّرع والمِغْفَر؛ والساعدان، والساقان، يُتْقى بهما في الحرب. وقال عروة بن الزبير: هو الخشية لله. وقيل: هو استشعار تقوىٰ الله تعالىٰ فيما أمر به ونهىٰ عنه. قلت: وهو الصحيح، وإليه يرجع قول ٱبن عباس وعروة. وقول زيد بن عليّ حَسَنٌ، فإنه حَضّ على الجهاد. وقال ابن زيد: هو ستر العورة. وهذا فيه تكرار؛ إذ قال أولاً: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ}. ومن قال: إنه لبس الخشن من الثياب فإنه أقرب إلى التواضع وترك الرعونات فدَعْوَى؛ فقد كان الفضلاء من العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى، على ما يأتي مبيناً إن شاء الله تعالى. وقرأ أهل المدينة والكسائيّ «لِبَاسَ» بالنصب عطفاً على «لِبَاساً» الأول. وقيل: انتصب بفعل مضمر؛ أي وأنزلنا لباس التقوى. والباقون بالرفع على الابتداء. و «ذَلِكَ» نعته و «خَيْرٌ» خبر الابتداء. والمعنى: ولباس التقوى المشار إليه، الذي علمتموه، خير لكم من لبس الثياب التي تُوارِي سوءاتكم، ومن الرّياش الذي أنزلنا إليكم؛ فٱلبسوه. وقيل: ٱرتفع بإضمار هو؛ أي وهو لباس التقوى؛ أي هو ستر العورة. وعليه يخرج قول ابن زيد. وقيل: المعنى ولباس التقوى هو خير؛ فـ «ذلك» بمعنى هو. والإعراب الأوّل أحسنُ ما قيل فيه. وقرأ الأعمش «ولباسُ التقوى خيرٌ» ولم يقرأ «ذَلِكَ». وهو خلاف المصحف. {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} أي مما يدل على أن له خالقاً. و «ذلك» رفع على الصفة، أو على البدل، أو عطف بيان.
البيضاوي
تفسير : {يَـٰبَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا} أي خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلاْنْعَـٰمِ }تفسير : [الزمر: 6] وقوله تعالى: {أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ }تفسير : [الحديد: 25] {يُوٰرِى سَوْآتِكُمْ} التي قصد الشيطان إبداءها، ويغنيكم عن خصف الورق. روي: أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها، فنزلت. ولعله ذكر قصة آدم مقدمة لذلك حتى يعلم أن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإِنسان من الشيطان، وأنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم. {وَرِيشًا} ولباساً تتجملون به، والريش الجمال. وقيل مالاً ومنه تريش الرجل إذا تمول. وقرىء «رياشاً» وهو جمع ريش كشعب وشعاب. {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ} خشية الله. وقيل الإِيمان. وقيل السمت الحسن. وقيل لباس الحرب ورفعه بالابتداء وخبره: {ذٰلِكَ خَيْرٌ} أو خبر وذلك صفته كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ} بالنصب عطفاً على {لِبَاساً}. {ذٰلِكَ} أي إنزال اللباس. {مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ} الدالة على فضله ورحمته. {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} فيعرفون نعمته أو يتعظون فيتورعون عن القبائح.
ابن كثير
تفسير : يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات وهي السوآت، والرياش والريش: ما يتجمل به ظاهراً، فالأول من الضروريات، والريش من التكملات والزيادات، قال ابن جرير: الرياش في كلام العرب: الأثاث وما ظهر من الثياب، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وحكاه البخاري عنه: الرياش: المال، وهكذا قال مجاهد وعروة بن الزبير والسدي والضحاك وغير واحد، وقال العوفي عن ابن عباس: الريش: اللباس والعيش والنعيم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرياش: الجمال، وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أصبغ عن أبي العلاء الشامي، قال: لبس أبو أمامة ثوباً جديداً؛ فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من استجد ثوباً فلبسه، فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق، فتصدق به، كان في ذمة الله، وفي جوار الله، وفي كنف الله حياً وميتاً» تفسير : ورواه الترمذي وابن ماجه من رواية يزيد بن هارون عن أصبغ، هو ابن زيد الجهني، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وشيخه أبو العلاء الشامي لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولكن لم يخرجه أحد، والله أعلم. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا مختار بن نافع التمار عن أبي مطر، أنه رأى علياً رضي الله عنه أتى غلاماً حدثاً، فاشترى منه قميصاً بثلاثة دراهم، ولبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين، يقول حين لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي، فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الكسوة: «حديث : الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي» تفسير : ورواه الإمام أحمد، وقوله تعالى: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ} قرأ بعضهم ولباس التقوى، بالنصب، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء، و{ذٰلِكَ خَيْرٌ} خبره، واختلف المفسرون في معناه، فقال عكرمة: يقال هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة، رواه ابن أبي حاتم، وقال زيد بن علي والسدي وقتادة وابن جريج: ولباس التقوى: الإيمان، وقال العوفي عن ابن عباس: العمل الصالح، قال الديال بن عمرو عن ابن عباس: هو السمت الحسن في الوجه، وعن عروة بن الزبير: لباس التقوى: خشية الله، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ولباس التقوى: يتقي الله، فيواري عورته، فذاك لباس التقوى، وكلها متقاربة، ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير حيث قال: حدثني المثنى حدثنا إسحاق بن الحجاج، حدثني إسحاق بن إسماعيل عن سليمان بن أرقم عن الحسن، قال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قميص قوهي محلول الزر، وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : والذي نفس محمد بيده ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر»تفسير : ثم قرأ هذه الآية: {وَرِيشًا وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ} قال: السمت الحسن، هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم، وفيه ضعف، وقد روى الأئمة الشافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب من طرق صحيحة عن الحسن البصري: أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب، وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر، وأما المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير له شاهداً من وجه آخر حيث قال حدثنا.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰبَنِى ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } أي خلقناه لكم {يُوٰرِى } يستر {سَوْءٰتِكُمْ وَرِيشًا } وهو ما يتجمل به من الثياب {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } العمل الصالح والسمت الحسن، بالنصب عطف على «لباساً» والرفع مبتدأ خبره: جملة {ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ ءَايـَٰتِ ٱللَّهِ } دلائل قدرته {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } فيؤمنون، فيه التفات عن الخطاب.
الشوكاني
. تفسير : عبّر سبحانه بالإنزال عن الخلق، أي خلقنا لكم لباساً يواري سوآتكم التي أظهرها إبليس من أبويكم، والسوأة العورة كما سلف، والكلام في قدرها وما يجب ستره منها مبين في كتب الفروع. قوله: {وَرِيشًا } قرأ الحسن وعاصم، من رواية المفضل الضبي، وأبو عمرو، من رواية الحسن بن عليّ الجعفي «ورياشاً» وقرأ الباقون {وريشاً} والرياش جمع ريش: وهو اللباس. قال الفراء: ريش ورياش كما يقال لبس ولباس، وريش الطائر ما ستره الله به. وقيل المراد بالريش هنا: الخصب ورفاهية العيش. قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل اللغة: أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة. وحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة: وهبت له دابة وريشها، أي وما عليها من اللباس. وقيل: المراد بالريش هنا لباس الزينة لذكره بعد قوله: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } وعطفه عليه. قوله: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي بنصب لباس. وقرأ الباقون بالرفع؛ فالنصب على أنه معطوف على لباس الأوّل، والرفع على أنه مبتدأ، وجملة {ذٰلِكَ خَيْرٌ } خبره، والمراد بلباس التقوى: لباس الورع، واتقاء معاصي الله، وهو الورع نفسه والخشية من الله، فذلك خير لباس وأجمل زينة. وقيل: لباس التقوى الحياء. وقيل: العمل الصالح، وقيل: هو لباس الصوف والخشن من الثياب لما فيه من التواضع لله. وقيل: هو الدرع والمغفر الذي يلبسه من يجاهد في سبيل الله، والأوّل أولى. وهو يصدق على كل ما فيه تقوى لله فيندرج تحته جميع ما ذكر من الأقوال، ومثل هذه الاستعارة كثيرة الوقوع في كلام العرب، ومنه:شعر : إذ المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً وإن كان كاسيا تفسير : ومثله:شعر : تغطّ بأثواب السخاء فإنني أرى كل عيب والسخاء غطاؤه تفسير : والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى لباس التقوى، أي هو خير لباس، وقرأ الأعمش: "وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ خَيْرٌ" والإشارة بقوله {ذٰلِكَ مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ } إلى الإنزال المدلول عليه بأنزلنا، أي ذلك الإنزال من آيات الله الدالة على أن له خالقاً. ثم كرّر الله سبحانه النداء لبني آدم تحذيراً لهم من الشيطان، فقال: {يَـٰبَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي لا يوقعنكم في الفتنة، فالنهي وإن كان للشيطان، فهو في الحقيقة لبني آدم بأن لا يفتتنوا بفتنته ويتأثروا لذلك، والكاف في {كَمَا أَخْرَجَ } نعت مصدر محذوف، أي لا يفتننكم فتنة مثل إخراج أبويكم من الجنة، وجملة: {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا } في محل نصب على الحال، وقد تقدّم تفسيره، واللام في {لِيُرِيَهُمَا سوآتهِما} لام كي، أي لكي يريهما، وقد تقدّم تفسيره أيضاً. قوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } هذه الجملة تعليل لما قبلها، مع ما تتضمنه من المبالغة في تحذريهم منه، لأن من كان بهذه المثابة يرى بني آدم من حيث لا يرونه، كان عظيم الكيد، وكان حقيقاً بأن يحترس منه أبلغ احتراس {وَقَبِيلُهُ } أعوانه من الشياطين وجنوده. وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشياطين غير ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها أنه يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبداً، فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقاً، ثم أخبر الله سبحانه بأنه جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون من عباده وهم الكفار. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم} قال: كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة، وفي قوله: {وَرِيشًا} قال: المال. وأخرج ابن جرير، عن عروة بن الزبير، في قوله: {لِبَاسًا يُوٰرِى سوآتكم} قال: الثياب {وَرِيشًا} قال: المال {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } قال: خشية الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن زيد بن عليّ، في قوله: {لِبَاسًا يُوٰرِى سواتِكم} قال: لباس العامة {وَرِيشًا } قال: لباس الزينة {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } قال: الإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، من طرق عن ابن عباس، في قوله: {وَرِيشًا } قال: المال واللباس والعيش والنعيم، وفي قوله: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } قال: الإيمان والعمل الصالح {ذٰلِكَ خَيْرٌ } قال: الإيمان والعمل خير من الريش واللباس، وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله: "ورياشاً} يقول: المال. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا } قال: التقوى، وفي قوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ } قال: الجن والشياطين.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يَا بَنِيَ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوُءَاتِكُمْ} نزلت هذه الآية في قوم من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويرون أن ذلك أبلغ في الطاعة وأعظم في القربة. وفي دخول الشبهة عليهم في ذلك وجهان: أحدهما: أن الثياب قد دنستها المعاصي فخرجوا عنها. والثاني: تفاؤلاً بالتعري من الذنوب فقال الله تعالى: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً} أي ما تلبسون من الثياب. فإن قيل: فليس ذلك بمنزل من السماء. فعنه جوابان: أحدهما: أنه لما كان ينبت من المطر الذي نزل من السماء صار كالمنزل من السماء، قاله الحسن. والثاني: أن هذا من بركات الله، والبركة تنسب إلى أنها تنزل من السماء، كما قال تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ} تفسير : [الحديد: 25]. ثم قال: {يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} أي يستر عوراتكم، وسميت العورة سوأة لأنه يسوء صاحبها انكشافها. ثم قال: {وَرِيشاً} وهذه قراءة أهل الأمصار وكان الحسن يقرأ: {وَرِيَاشاً} وفيه أربعة تأويلات: أحدهما: أنه المعاش، قاله معبد الجهني. والثاني: أنه اللباس والعيش والنعيم، قاله ابن عباس. والثالث: أنه الجمال والزينة، قاله ابن زيد، ومنه قوله رؤبة: شعر : إليك أشكو شدة المعيش وجهد أعوام نتفن ريشي تفسير : يريد أذهبن جمالي وزينتي. والرابع: أنه المال: قاله ابن الزبير ومجاهد، قال الشاعر: شعر : فريشي منكم وهواي معكم وإن كانت زيارتكم لماما تفسير : وفي الريش والرياش وجهان: أحدهما: أن معناهما واحد وإن اختلف لفظهما. والوجه الثاني: أن معناهما مختلف، فالريش ما بطن، والرياش ما ظهر. ثم قال: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} وفي لباس التقوى سبعة تأويلات: أحدها: أنه الإيمان، قاله قتادة والسدي. الثاني: الحياة، قاله معبد الجهني. والثالث: أنه العمل الصالح، قاله ابن عباس. والرابع: أنه السمت الحسن، قاله عثمان بن عفان. والخامس: خشية الله، قاله عروة بن الزبير. السادس: ستر العورة للصلاة التي هي التقوى، قاله ابن زيد. والسابع: لبس ما يُتَّقَى به الحر والبرد، قاله ابن بحر. وفي قوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ} وجهان: أحدهما: أنه راجع إلى لباس التقوى ومعنى الكلام أن لباس التقوى خير من الرياش واللباس، قاله قتادة والسدي. والثاني: أنه راجع إلى جميع ما تقدم من {قَدْ أَنزَلْنَا علَيكُمْ لِبَاساً يُوارِي سَوْءَاتِكُم وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوى}، ثم قال: {ذَلِكَ} الذي ذكرته هو {خَيْرٌ} كله.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَدْ أَنزَلْنَا} لما كانوا يطوفون بالبيت عراة ويرونه أبلغ في التعظيم بنزع ثياب عصوا فيها، أو للتفاؤل بالتعرِّي من الذنوب نزلت وجُعل اللباس مُنزلاً، لنباته بالمطر المنزَل، أو لأنه من بركات الله ـ تعالىـ والبركة تنسب إلى النزول من السماء {أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ} تفسير : [الحديد: 25] {سَوْءَاتِكُمْ} عوراتكم، لأنه يسوء صاحبها انكشافها. {وَرِيشاً} المعاش، أو اللباس والعيش والنعيم، أو الجمال، أو المال. شعر : فريشي منكم وهواي معكم وإن كانت زيارتكم لماما تفسير : {وَلِبَاسُ التَّقْوَى} الإيمان، أو الحياء، أو العمل الصالح، أو السمت الحسن، أو خشية الله ـ تعالى ـ أو ستر العورة. {ذَلِكَ خَيْرٌ} لباس التقوى خير من الرياش واللباس، أو يريد أن ما ذكره من اللباس والرياش ولباس التقوى ذلك خير كله فلا يكون خير للتفضيل.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ورياشا} أبو زيد عن المفضل. الباقون {ريشاً} {ولباس} بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعليّ. الباقون بالرفع. {خالصة} بالرفع: نافع. الآخرون بالنصب {ربي الفواحش} مرسلة الباء: حمزة. الوقوف: {وريشاً} ط لمن قرأ {ولباس} مرفوعاً ومن قرأ بالنصب وقف على {التقوى} {خير} ط {يذكرون} ه {سوآتهما} ط {لا يؤمنون} ه {أمرنا بها} ط {بالفحشاء} ط {ما لا تعلمون} ه {الدين} ط {تعودون} ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية {الضلالة} ج {مهتدون} ه {ولا تسرفوا} ج لاحتمال الفاء أو اللام. {المسرفين} ه {من الرزق} ط {يوم القيامة} ط {يعلمون} ه {ما لا تعلمون} ه {أجل} ج لأن جواب "إذا" منتظر مع دخول الفاء فيها {ولا يستقدمون} ه. التفسير: لما ذكر أن الأرض مستقر لبني آدم ذكر أنه أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا فقال: {يا بني آدم قد أنزلنا} وأيضاً لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة وأنه كان يخصف عليها أتبعه ذكر اللباس الساتر للعورة إظهاراً للمنّة وإشعاراً بأن التستر باب من أبواب التقوى. ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من أبواب التقوى. ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من السماء ومثله{أية : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}تفسير : [الزمر: 6] {أية : وأنزلنا الحديد} تفسير : [الحديد: 25] والريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين لباساً يواري سوآتكم ولباساً لزينتكم لأن الزينة غرض صحيح كما قال:{أية : لتركبوها وزينة ولكم فيها جمال} تفسير : [النحل:6] ومن قرأ {رياشاً} فقد قيل: إنه جمع ريش كشعب وشعاب. وقال الجوهري: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس وهو لباس الفاخر. ويقال: الريش والرياش المال والخصب والمعاش. وبالجملة كل شيء يعيش به الإنسان ومنه قولهم رشت فلاناً أصلحت حاله، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث، والريش قد يطلق على سائر الأموال. أما قوله: {ولباس التقوى} فمن قرأ بالنصب فعلى المنصوب قبله عطف، ومن رفع فعلى الابتداء وخبره إما الجملة التي هي {ذلك خير} كأنه قيل: ولباس التقوى وهو خير لأن أسماء الإشارة كالضمائر في صلاح العود بسببها، وإما المفرد الذي هو {خير} و {ذلك} بدل أو عطف بيان أو صفة بتأويل ولباس التقوى المشار إليه خير. والعدول إلى الإشارة إما لتعظيم لباس التقوى وإما أن يكون المراد بلباس التقوى هو اللباس المواري للسوأة لأن مواراة السوأة من التقوى تفضيلاً له على لباس الزينة. ثم من المفسرين من حمل لباس التقوى على نفس الملبوس أي اللباس الذي أنزله الله تعالى ليواري به السوأة هو لباس التقوى لأن قوماً من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب ويطوفون بالبيت عراة فيكون كقول القائل: قد عرفتك الصدق في أبواب البر والصدق خير لك من غيره فيعيده. أو المراد به ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها في الحروب. أو يراد الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلاة. ومنهم من حمله على لباس التقوى مجازاً فقال قتادة والسدي وابن جريج: إنه الإيمان. وقال ابن عباس: هو العمل الصالح. وقيل: هو السمت الحسن. وقيل: هو العفاف والتوحيد لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عارياً عن الثياب، والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسياً. وقال معبد: هو الحياء. وقيل: هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخباث والأعمال الصالحات. وعلى هذا فمعنى الآية إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب إلى الله تعالى مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به فأضاف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع والخوف في قوله:{أية : فأذاقها الله لباس الجوع والخوف}تفسير : [النحل: 112] {وذلك من آيات الله} الدالة على فضله ورحمته على عباده {لعلهم يذكرون} فيعرفون عظيم النعمة فيه. ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان} الفتنة الامتحان، تقول: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته. وقال الخليل: الفتن الإحراق. وورق فتين أي فضة محرقة، قال الله تعالى:{أية : يوم هم على النار يفتنون}تفسير : [الذاريات: 13] من قدر على إخراج الأب من الجنة مع كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة أقدر. ومحل {كما أخرج} نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا الإخراج نوع من الفتنة. ومحل {ينزع عنهما لباسهما} حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما. واللام في {ليريهما سوآتهما} لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله:{أية : ليبدي لهما} تفسير : [الأعراف: 20] قال ابن عباس: يرى آدم سوأة حواء ويرى حواء سوأة آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر. وعن عائشة رضي الله عنها ما رأيت منه ولا رأى مني. وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم. واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقيل: الثوب الحائل بينهما وبين النظر. وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس الأظفار. وقيل: اللباس الذي هو ثياب الجنة، قال الكعبي: في الآية دلالة على أن المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان. وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى خالق الكل وموجد القدر والدواعي. ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله: {إنه يراكم هو وقبيله} أي جماعته من الثلاثة فصاعداً. والقبيل بنو أب واحد. وقال ابن قتيبة: أي أصحابه وجنده. وقال الليث: هو وقبيله أي وجماعته. {من حيث لا ترونهم} أي يكيدون ويغتالون من حيث لا تشعرون. قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضاً أن الله تعالى يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه تعالى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم. وقال أهل السنة: إنهم يرون الإنسان لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس. قال بعض العلماء: {من حيث لا ترونهم} يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ومخرقة. ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا لارتفع الوثوق عن الناس حتى الزوجة والولد، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس، وإزالة العقل عنهم لكان أولى الناس بذلك العلماء والمشايخ لأن العداوة بينهم وبين خواص الإنس أشد. وعن مجاهد قال إبليس: أعطينا أربع خصال: نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى. وعن مالك بن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله. والضمير في {إنه} للشأن وهو تأكيد ليصح العطف على المرفوع المتصل، ثم قال {إنا جعلنا الشياطين} الآية. واحتج أهل السنة على أنه تعالى هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم ويتأكد هذا النص بقوله:{أية : إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً} تفسير : [مريم: 83] اعتذر القاضي بأن المراد من الجعل الحكم بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن أو المراد التخلية بينهم وبينهم كمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل وأجيب بأن حمل الجعل على الحكم خلاف الظاهر، وهب أنه حكم بذلك فهل يمكن مخالفة حكم الله؟ وبأن الإرسال إنما يصدق على التسليط لا على التخلية المجردة قوله: {وإذا فعلوا فاحشة} قال بعضهم: نزلت في اتخاذهم البحائر والسوائب. وقيل: في الطواف بالبيت عراة والأولى التعميم والفحشاء الخصلة المتزايدة في القبح أعني الكبيرة والمراد أنهم كانوا يفعلون أشياء هي في أنفسها فواحش ويعتقدون أنها طاعات فوبخوا على ذلك لينتهوا عنها. ثم إنه حكى عنهم حجتين: الأولى التقليد ولم يذكر جوابها لظهور بطلانها عند كل عاقل، والثانية أن الله أمرهم بذلك فأجاب عنها بقوله: {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} فللمعتزلة أن يحتجوا به على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه وأن كونه في نفسه من الفحشاء مغاير لتعلق الأمر والنهي ولهذا أكد هذا المعنى بقوله: {أتقولون على الله ما لا تعلمون}؟ والجواب أن عدم الأمر بالفحشاء لا ينافي إرادة الفحشاء ومشيئتها ونحن لا ندعي إلا أنه تعالى مريد لجميع الكائنات وأن شيئاً منها لا يخرج عن حكمه وأرادته وتقديره مع أنه لا يأمر إلا بالعدل والصواب كما قال: {قل أمر ربي بالقسط} قال عطاء والسدي: أي بالعدل وبما ظهر في العقول كونه حسناً. وعن ابن عباس هو قول لا إله إلا الله ويندرج فيه معرفة الله تعالى بذاته وأفعاله وأحكامه. أما قوله: {وأقيموا} فليس من باب عطف الطلب على الخبر وإنما التقدير: وقل أقيموا {وجوهكم} أي استقبلوا القبلة واستقيموا وأخلصوا {عند كل مسجد} في كل وقت سجود أو في مكان سجود كأن المعنى وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة. وقال ابن عباس: المراد أنه إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحد إني لا أصلي إلا في مسجد قومي. ثم لما أمر بالتوجه إلى القبلة أمر بعده بالدعاء والأظهر أن المراد به أعمال الصلاة سميت دعاء لأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر، ويمكن أن يقال: الدعاء بمعنى العبادة فيكون كقوله{أية : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}تفسير : [البينة: 5] ثم برهن على المعاد ليتحقق الجزاء فقال: {كما بدأكم تعودون} قال الحسن ومجاهد: كما بدأ خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً كذلك تعودون أحياء. وعن ابن عباس: المراد كما بدأ خلقكم مؤمناً أو كافراً تعودون فيبعث المؤمن مؤمناً والكافر كافراً، فإن من خلقه الله تعالى في أول الأمر للشقاوة يعمل بعمل أهل الشقاوة وكانت عاقبته ذلك، ومن خلقه للسعادة فإنه يعمل عمل أهل السعادة وكانت عاقبته السعادة. ويؤيد هذا التفسير قوله عقيب ذلك {فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة} وانتصاب {فريقاً} الثاني بفعل مضمر يفسره ما بعده أي وخذل أو أضل فريقاً حق عليهم الضلالة كقولك زيداً مررت به. قال القاضي: المعنى فريقاً هدى إلى الجنة والثواب وفريقاً حق عليهم الضلالة أي العذاب والصرف عن طريق الثواب لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيره إذ العبد لا يستحق أن يضل عن الدين إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة. وأجيب بأن قوله: {هدى} و {حق} ماض وحمله على المستقبل خلاف الظاهر، وبأن الهدى إلى الجنة أو الضلال عنها لا بد أن يكون محكوماً به في الأزل وخلاف حكمه محال. ثم بيّن ما لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة أعني السبب القريب وإلا فانتهاء الكل إلى مسبب الأسباب فقال: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} فقبلوا دعوتهم دون دعوته ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل. ثم بين أن جهلهم مركب لا بسيط فقال: {ويحسبون أنهم مهتدون} وفيه أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في أصول الدين بل لا بد فيه من القطع واليقين. ثم لما أمر بالقسط وكان من جملته أمر اللباس والمأكول والمشروب وأيضاً أمر بإقامة الصلاة وكان ستر العورة شرطاً لصحتها فلا جرم قال: {يا بني آدم خذوا زينتكم} عن ابن عباس قال: كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفليها سيوراً مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر تقيها من الذباب وهي تقول: شعر : اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله . تفسير : وعن طاوس: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد. وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها: وقيل: كانوا يفعلون ذلك تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب. وقال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله الآية. قال أكثر المفسرين: المراد من الزينة لبس الثياب لقوله تعالى:{أية : ولا يبدين زينتهن}تفسير : [النور: 31] يعني الثياب. وأيضاً الزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ولأنه يناسب ما تقدم من ذكر اللباس والرياش، ولأن ظاهر الأمر الوجوب وكل ما سوى اللبس غير واجب فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان. والسنة فيه أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة. وقيل: الزينة المشط. وقيل: الطيب. ثم إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية تقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعاً بقي الباقي داخلاً تحت اللفظ. فإذن ستر العورة واجب في الصلاة وإلا فسدت صلاته. قال أصحاب أبي حنيفة: لبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ للزينة فيكفي في صحة الصلاة. وأجيب بأن اللام في قوله: {أية : وأقيموا الصلاة}تفسير : [البينة: 5] تنصرف إلى المعهود السابق وهو صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم قلتم إنه يصلي في الثوب المغسول بماء الورد؟ أما قوله: {وكلوا} أي اللحم والدسم. {واشربوا} فقد قيل إنهما أمر إباحة بالاتفاق فوجب أن يكون أخذ الزينة أيضاً على الإباحة. وأجيب بأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه مع أن الأكل والشرب قد يكونان واجبين. أيضاً في الجملة وهما يشملان جميع المطعومات والمشربات ويتناولان الأحوال والأوقات إلا ما خصه الدليل المنفصل. والعقل أيضاً مؤكد لهذا المعنى لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة. وفي قوله: {ولا تسرفوا} وجهان: الأول أنه يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه. الثاني - وهو قول أبي بكر الأصم - أن المراد من الإسراف قولهم بتحريم البحيرة والسائبة فإنهم أخرجوها عن ملكهم وتكروا الانتفاع بها. وأيضاً إنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج ما أحله الله تعالى لهم. قال بعض العلماء: إن حمل الإسراف على الاستكثار مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع مما يجوز وينبغي. وعن ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد صاحب المغازي: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم أبدان وعلم أديان. فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه. قال: وما هي؟ قال: قوله {كلوا واشربوا ولا تسرفوا} فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة. قال: وما هي؟ قال: قوله:"حديث : المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته"تفسير : فقال: النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً. قيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها فأنكر ذلك عليهم بقوله: {قل من حرم زينة الله} قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي اللباس الساتر للعورة. وقال آخرون: إنها تتناول جميع أنواع الزينة من الملابس والمراكب والحلي وكذا كل ما يستطاب ويستلذ من المآكل والمشارب والنساء والطيب. عن عثمان بن مظعون أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: غلبني حديث النّفس عزمت على أن اختصي فقال: مهلاً يا عثمان فإن خصاء أمتي الصيام. قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب فقال: إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلوات. فقال: تحدثني نفسي بالسياحة قال: سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة. فقال: أن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك. فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم المسكين واليتيم وتعطيه ما فضل من ذلك. فقال: نفسي تحدثني أن أطلق خولة. فقال: أن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله تعالى. قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها فقال: إن المسلم إذا غشى أهله وما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإن كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كانله شفيعاً ورحمة يوم القيامة. قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم. قال: مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله. قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب. قال: مهلاً فإن جبريل يأمرني بالطيب غباً وقال: لا تتركه يوم الجمعة. ثم قال: يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإنه من رغب عن سنتي ومات فليس مني، ولو مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي. واعلم أن كل واقعة تقع فإما أن لا يكون فيها نفع ولا ضر أو يتساوى ضرها ونفعها فوجب الحكم في القسمين ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً وجب لإطلاق الآية، وإن كان الضرر خالصاً وكان تركه خالص النفع فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً تقابل المثل بالمثل وبقي القدر الزائد نفعاً خالصاً، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً وكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة إلا أن نجد نصاً خاصاً في الواقعة فنقضي به تقديماً للخاص على العام. قال نفاة القياس: لو تعبدنا الله تعالى بالقياس لكان حكم ذلك القياس إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام وحينئذٍ يكون ضائعاً لأن هذا النص مستقبل به، وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس تخصيصاً لعموم هذا النص فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس، فإذن القرآن وافٍ بجميع الأحكام الشرعية والله تعالى أعلم. ثم بيّن أن الزنية والطيبات خلقت في الحياة الدنيا لأجل المؤمنين بالأصالة وللكفرة بالتبعية كقوله: {أية : ومن كفر فأمتعه قليلاً}تفسير : [البقرة: 126] وأما في الآخرة فإنها خالصة لهم فقال: {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة} من قرأ بالرفع فلأنه خبر بعد خبر. قال أبو علي: أو على الخبر {والذين آمنوا} متعلق به والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا {يوم القيامة} وعلى هذا يكون {في الحياة} ظرفاً لـ {آمنوا} و {يوم القيامة} ظرفاً لـ {خالصة} فيفهم من ذلك أنها في غير يوم القيامة غير خالصة لهم بل تكون مشوبة برحمة الكفار. وعلى الأول يكون {في الحياة} ظرفاً لمحذوف أي هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة. ومن قرأ بالنصب فعلى الحال وباقي التقدير كما ذكرنا آنفاً {كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون} أي لقوم يمكنهم النظر والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية. ثم بين أصول الأفعال المحرمة وحصرها في ستة أنواع لأن الجناية إما على الفروج وأشار إليها بقوله: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} وإما أن تكون على العقول وهي شرب الخمر وإليها الإشارة بقوله: {والإثم} وقيل: الفواحش الكبائر والإثم الصغائر. وقيل: الفواحش كل ما تزايد قبحه وتبالغ، والإثم عام لكل ذنب كأنه خصص أوّلاً ثم عمم. وإما أن تكون الجناية على النفوس والأموال والأعراض وإليهن الإشارة بقوله: {والبغي بغير الحق} ومعنى بغير الحق أن لا يقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر إلا أن يكون لهم فيه حق فحينئذٍ يخرج عن أن يكون بغياً، وإما أن تكون الجناية على الأديان إما بالطعن في التوحيد وإليه أشارة بقوله: {وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً} أي لا سلطان حتى ينزل وإما بالافتراء على الله وذلك قوله: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} فإن قيل: الفاحشة وغيرها هي التي نهى الله تعالى عنها فيصير تقدير الآية إنما حرم ربي المحرمات وهذا كلام خالٍ عن الفائدة. فالجواب أن كون الفعل فاحشة عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه فيزول الإشكال. ثم شدد أمر التكاليف بالآجال المحدودة والأنفاس المعدودة فقال: {ولكل أمة أجل} عن ابن عباس والحسن ومقاتل: معناه أنه تعالى أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين لا يعذبهم قبل ذلك ولا يؤخرهم عنه والمقصود وعيد أهل مكة. وقيل: معناه أن أجل العمر لا يتقدم ولا يتأخر سواء الهالك والمقتول. وأورد على القول الأول أنه ليس لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال. وعلى الثاني أنه كان ينبغي أن يقال: ولكل إنسان أو أحد أجل. ويمكن أن يقال: الأمة هي الجماعة في كل زمان والمعلوم من حالها التفاوت في الآجال فزال السؤال. وليس المراد أنه تعالى لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص ولا يقدر على أن يميته إلا في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه سبحانه وتعالى عن كونه قادراً مختاراً أو صيرورته كالموجب لذاته، بل المراد أنه تعالى اختار أن الأمر يقع على هذا الوجه وإنما ذكر الساعة لأن هذا الجزء من الزمان أقل ما يستعمل في تقليل الأوقات عرفاً. والساعة في اصطلاح أهل النجوم جزء من أربعة وعشرين جزءاً من يوم بليلته. قيل: إن عند حضور الأجل يمتنع عقلاً وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم فما معنى قوله: {ولا يستقدمون}؟ وأجيب بأن مجيء الأجل محمول على قرب حضور الأجل كقوله العرب: جاء الشتاء إذا قارب وقته ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك الوقت تارة والتأخر عنه أخرى. التأويل: {قد أنزلنا عليكم لباساً} هو لباس الشريعة {يواري} سوآت الأفعال القبيحة في الظاهر وسوآت الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن {وريشاً} زينةً وجمالاً في الظاهر والباطن {ولباس التقوى} وهو لباس القلب والروح والسر والخفي. فلباس القلب من التقوى هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوآت الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى هو محبة المولى فيواري به سوآت التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى بقاؤه بهوية المولى فيواري بها هوية غير المولى {ذلك خير} لأن لباس البدن بالفتوى هو الشريعة ولباس القلب بالتقوى هو الحقيقة {ذلك من آيات الله} أي إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على المولى. {لا يفتننكم الشيطان} بالدنيا وما فيها ومتابعة الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق {كما أخرج أبويكم من الجنة} وجوار الحق {ينزع عنهما لباسهما} من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة {ليريهما سوآتها} من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة {إنه يراكم هو وقبيله} يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية كما رأوا في آدم{أية : وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : [البقرة: 30] {من حيث لا ترونهم} أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنور الرباني. {إنا جعلنا الشياطين أولياء} خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة. {وإذا فعلوا فاحشة} هي طلب الدنيا وحبها {قالوا إنا وجدنا آباءنا} على محبة الدنيا وشهواتها {والله أمرنا} بطلب الكسب الحلال {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله: {قل أمر ربي بالقسط} {كما بدأكم} لطفاً أو قهراً {تعودون} إليه. فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم الضلالة يعودون إليه جبراً واضطراراً فيسحبون في النار على وجوههم {خذوا زينتكم} فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية {وكلوا واشربوا} في مقام العندية كما قال: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : {ولا تسرفوا} بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث تضيع حقوق العبودية. {زينة الله} فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدّى لطلب هذه المقامات فهي مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع {والطيبات من الرزق} ما لم يكن مشوباً بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية {خالصة يوم القيامة} من هذه الآفات والكدورات كما قال:{أية : ونزعنا ما في صدورهم من غل}تفسير : [الحجر: 47] {الفواحش} ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب؛ ففاحشة العوام {ما ظهر منها} ارتكاب المناهي {وما بطن} خطورها بالبال، وفاحشة الخواص {ما ظهر منها} تتبع ما لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة {وما بطن} الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص {ما ظهر منها} ترك أدب من الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب {وما بطن} الركون إلى شيء في الدارين والالتفات إلى غير الله من العالمين. {والإثم} الإعراض عن الله ولو طرفة عين {والبغي} وهو حب غير الله فإنه وضع في غير موضعه. وأن يستغيثوا بغير الله ما لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة {وأن تقولوا} بفتوى النفس وهواها أو بنظر العقل {على الله ما لا تعلمون} حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال السائرين ما لستم به عارفين {ولكل أمة} من السائرين إلى الله أو إلى الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد للأعداء وسياسة لنفوسهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَـٰبَنِي ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَٰرِي سَوْءَٰتِكُمْ} الآية خِطَابٌ لجميع الأمم وَقْتَ النبي صلى الله عليه وسلم والسَّبَب والمراد: قريش، ومَنْ كان مِنَ العَرَبِ يتعرَّى في طَوَافِهِ بٱلبَيْتِ. قال مجاهد: ففيهم نَزَلَتْ هذه الأربع آيات. وقوله: {أَنزَلْنَا} يحتمل التَّدْرِيجَ أَي: لما أنزل المَطَر، فكان عنه جميع ما يلبس، ويحتمل أن يريد بـــ {أَنزَلْنَا} خلقنا، كقوله: { أية : وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلأنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } تفسير : [الزمر:6]، { أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ } تفسير : [الحديد: 25] و{لِبَاساً} عام في جميع ما يُلْبَسُ، و{يُوَٰرِي}: يستر. وقرأ الجمهور: «وريشاً»، وقرأ عاصم، وأبو عمرو «ورياشاً» وهما عِبَارَتَانِ عن سَعَةِ الرزق، ورفاهة العَيْشِ، وَجَوْدَةِ الملبس والتمتع. وقال البخاري: قال ابن عباس: وريشاً: المال انتهى. وقرأ نافع، وغيره: «ولباسَ» بالنصب. وقرأ حمزة، وغيره بالرفع. وقوله: {ذَٰلِكَ مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ} إشارة إلى جَمِيعِ ما أنزل اللَّه من اللِّبَاسِ والرِّيشِ. وحكى النَّقَّاشُ: أن الإِشَارَةَ إِلى لِبَاسِ التَّقوى؛ أي: هو في العبد آية؛ أي: علامة وأمارة من اللَّه تعالى أنه قد رَضِيَ عنه، ورحمه. وقال ابن عَبَّاسٍ: لباس التقوى هو السَّمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ. وقاله عثمان بن عفان على المنبر. وقال ابن عَبَّاسٍ أيضاً: هو العَمَلُ الصالحَ. وقال عُرْوَةُ بن الزبير: هو خَشْيَةُ اللَّه وقيل: هو لباس الصوف، وكل ما فيه تواضع لله عز وجل. وقال الحَسَنُ: هو الوَرَعُ. وقال معبد الجهني: هو الحَيَاءُ. وقال ابن عَبَّاسٍ أيضاً: لِبَاسُ التقوى العفة. قال * ع * وهذه كلها مثل، وهي من لباس التقوى، و{لَعَلَّهُمْ} تَرَجٍّ بحسبهم، ومبلغهم من المعرفة.
ابن عادل
تفسير : في نظم الآية وجهان: أحدهما: أنَّهُ تعالى لما بيَّنَ أنَّهُ أمر آدم وحوَّاءَ بالهُبُوطِ إلى الأرض، وجعل الأرض لهما مُسْتَقَرّاً بين بعده أنَّهُ تعالى أنزل كلَّ ما يحتاجون إليه في الدُّنْيَا، ومن جملة ما يُحتاج إليه في الدِّين والدُّنيا اللِّباس. والثاني: أنَّهُ تعالى لمّا ذكر واقعة آدم في انكشاف العَوْرَةِ، وأنَّهُ كان يخصف الورق على عَوْرَتَيْهِمَا، أتبعه بأن بيَّنَ أنَّهُ خلق اللِّباسَ للخلق، ليستروا به عَوْرَتَهُم، ونبه بتكون الأشياء التي يَحْصُلُ منها اللِّبَاسُ، فصار كأنَّهُ تعالى أنزل اللِّباسَ أي: أنزل أسْبَابَهُ، فعبَّر بالسَّبَبِ عن المُسَبِّبِ. وقيل: معنى "أنْزَلْنَا" أي: خلقنا لكم. وقيل: كلُّ بَرَكاتِ الأرضِ منسوبةٌ إلى السَّماءِ كقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ}تفسير : [الحديد: 25] وإنَّما يُسْتَخْرَجُ الحديدُ من الأرْضِ، وقوله: {أية : وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}تفسير : [الزمر: 6]. وسبب نزول هذه الآية أنَّهُم كانُوا يطوفون بالبَيْتِ عُرَاةً، ويقولون: لا نطوفُ في ثياب عصينا الله فيها، فكان الرِّجالُ يطوفون بالنَّهارِ، والنِّسَاءُ باللَّيْلِ عراة. قال قتادة. كانت المرأة تطوف، وتضع يَدَهَا على فَرْجِهَا، وتقول: [الرجز] شعر : 2444 - أَليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أحِلُّهُ تفسير : فأمر اللَّهُ تعالى بالسَّتْرِ فقال: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} يستر عوراتِكُم، واحدتها سَوْءَةٌ، سمِّيت بها؛ لأنَّهُ يسوءُ صاحبه انكشافُهَا، فلا يطوف عارياً. قوله: "يُوَارِي": في محلِّ نصبٍ صفة لـ "لِبَاساً". وقوله: "وَرِيشاً" يحتملُ أن يكون من باب عَطْفِ الصِّفاتِ، والمعنى: وصف اللِّبَاسِ بشيئين: مواراة السَّوْءَةِ، والزِّينةِ، وعبَّر عنها بالرِّيشِ لأنَّ الرِّيشَ زينة للطَّائِر، كما أنَّ اللِّباسَ زينة للآدميِّين، ولذلك قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "والرِّيشُ لباسُ الزِّنة، استعير من ريش الطَّيْرِ؛ لأنَّهُ لباسه وزينته". ويحتمل أن يكون من باب عطف الشَّيءِ على غيره أي: أنْزَلْنَا عليكم لباسين، لباساً موصوفاً بالمُواراةِ، ولِبَاساً موصوفاً بالزِّينةِ، وهذا اختيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، فإنَّهُ قال بعد ما حَكَيْتُه عنه آنفاً: "أي: أنزلنا عليكم لباسَيْن، لباساً يُواري سَوْءاتكم، ولباساً يُزَيِّنُكُم؛ لأنَّ الزَّينةَ غرضٌ صحيحٌ كما قال تعالى: {أية : لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}تفسير : [النحل: 8]{أية : وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ}تفسير : [النحل: 6] وعلى هذا، فالكلامُ في قوة حذف موصوف، وإقامةِ صفته مُقامه، والتَّقْديرُ: ولباساً ريشاً أي: ذا ريش". فصل في وجوب ستر العورة قال القُرْطُبِيُّ: استدلَّ كثر من العلماء بهذه الآيةِ على وجوب ستر عَوْرَاتهم، وذلك يدلُّ على الأمر بالسَّتْرِ، ولا خلاف في وجوب سَتْرِ العَوْرَةِ. واختلفوا في العَوْرَةِ ما هي؟ فقال ابْنُ أبي ذئْبٍ: هي القُبُلُ والدُّبُرُ فقط، وهو قول أهْلِ الظَّاهِرِ، وابن أبي عَبْلة والطَّبْرِيِّ لقوله تعالى: {لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ}، وقوله: {أية : بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}تفسير : [الأعراف: 22]، وقوله: {أية : لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ}تفسير : [الأعراف: 27]. وفي البخاريِّ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَسَرَ الإزار عن فَخِذِهِ حَتّى إنِّي أنْظُرُ إلى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ الله صلى الله عليه وسلم. وقال مالكٌ: "ليست السُّرَّة بِعَوْرَةٍ، وأكره له أنْ يَكْشِفَ فَخذَهُ". وقال الشافعيُّ: "ليست السُّرَّة ولا الركبتان من العورة على الصحيح". وقال أبُو بَكْر بْنُ عبْدِ الرَّحمْنِ بْنِ الحارث بن هشام: "كلُّ شيء من الحرة عورةٌ، حتى ظُفُرهَا، وهو حسن". وعن أحْمَد بْنِ حَنْبلٍ: "وعورة الأمَةِ ما بين السُّرَّة والرُّكبة وأم الولدِ أغلظ حالاً من الأمَةِ". و "الرِّيْشُ" فيه قولان: أحدهما: أنه اسم لهذا الشَّيءِ المعروف. والثاني: أنَّهُ مصدرٌ يقال: راشه يريشه رِيشاً إذا جعل فيه الرِّيشَ، فينبغي أنْ يكون الريش مُشْتَركاً بين المصدر والعينِ، وهذا هو التَّحقيق. وقرأ عثمانُ وابن عبَّاسٍ والحسنُ ومجاهدٌ وقتادةُ والسُّلميُّ وعليُّ بْنُ الحسيْنِ وابنه زيْدٌ، وأبو رجَاء، وزرُّ بْنُ حبيشٍ وعاصمٌ، وأبُو عَمْرو - في رواية عنهما -: "وَرِيَاشاً"، وفيها تأويلان: أحدهما - وبه قال الزَّمَخْشَرِيُّ -: أنَّهُ جمعُ رِيْش، فيكون كشِعْب وشِعابٍ، وذِئْبٍ وذئَابٍ، وقِدْحٍ وقِدَاحٍ. والثاني: أنَّه مصدر أيضاً، فيكون رِيشٌ وِرِيَاشٌ مصدرين لـ "رَاشَهُ اللَّهُ ريشاً ورِيَاشاً" أي: أنْعَمَ عليه. وقال الزجاجُ: "هما اللِّبَاسُ، فعلى هذا هما اسمان للشَّيْءِ المَلْبُوسِ، كما قالوا: لِبْسٌ ولباسٌ". وجوَّز الفراء أن يكون "رِيَاش" جمع "رِيش"، وأن يكون مصدراً فأخذ الزَّمَخْشَرِيُّ بأحد القولين، وغيرُه بالآخر، وأنشدوا قول الشاعر: [الوافر] شعر : 2445 - وَرِيشِي مِنْكُمُ وَهَوَايَ مَعْكُمْ وَإنْ كَانَتْ زِيَارتُكُمْ لِمَامَا تفسير : روى ثَعْلَبٌ عن ابن الأعرابي قال: "كُلُّ شيءٍ يعيشُ به الإنسانُ، من متاع، أو مال، أو مأكول، فهو ريشٌ ورِيَاشٌ" وقال ابن السكِّيتِ: "الرِّيَاشُ مختص بالثِّيابِ، والأثاثِ، والرِّيش قد يُطلق على سَائِرِ الأمْوالِ". قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ والضَّحاكُ والسُّدِّيُّ: "وريشاً يعني مالاً، يقال تريش الرَّجُل إذا تَمَوَّلَ". وقيل: الرِّيشُ: الجمالُ كما تقدَّم أي: ما يتجملون به من الثِّيابِ. وقوله: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ}. قرأ نافعٌ وابن عامرٍ والكسائيُّ: "لباسَ" بالنَّصْبِ، والباقون بالرَّفْعِ. فالنَّصْبُ نَسَقاً على "لِبَاساً" أي: أنزلنا لِبَاساً مُوارِياً وزينة، وأنزلنا أيضاً لِبَاس التَّقْوَى، وهذا يُقَوِّي كَوْنَ "رِيشاً" صفة ثانية لـ "لِبَاساً" الأولى إذْ لو أراد أنَّهُ صفة لِبَاسٍ ثانٍ لأبرز موصوفه، كما أبْرَزَ هذا اللِّبَاسَ المضاف للتَّقْوَى. وأما الرَّفْعُ فمن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحدها: أن يكون "لِبَاس" مبتدأ، و "ذلك" مبتدأ ثان و "خير" خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأوَّلِ، والرَّابِطُ هنا اسم الإشارة، وهو أحد الرَّوابِطِ الخَمْسَةِ المتفق عليها، ولنا رابط سَادِسٌ، فيه خلاف تقدَّم التنبيه عليه. وهذا الوَجْهُ هو أوْجَهُ الأعَارِيبِ في هذه الآية الكريمة. الثاني: أن يكون "لِبَاس" خبر مبتدأ محذوف أي: وهو لِبَاسُ، وهذا قول أبي إسحاق، وكأنَّ المعنى بهذه الجملة التَّفسيرُ لِلِبَاس المتُقدم، وعلى هذا، فيكونُ قوله "ذَلِكَ" جملة أخرى من مبتدأ وخبر. وقدَّره مكي بأحسن من تَقْدير الزَّجَّاجِ فقال: "وسَتْر العورة لباس التَّقْوَى". الثالث: أن يكون "ذلك" فَصْلاً بين المبتدأ وخبره، وهذا قَوْلُ الحوفيِّ، ولا نعلم أنَّ أحداً من النُّحَاةِ أجَازَ ذلك، إلاَّ أنَّ الواحِدِيَّ قال: [ومن قال] إن ذلك لَغْوٌ لم يكن على قوله دلالة؛ لأنَّهُ يجوز أن يكون على أحد ما ذكرنا. قال شهابُ الدِّين: فقوله "لَغْوٌ" هو قريب من القول بالفَصْلِ؛ لأنَّ الفَصْلَ لا محلَّ له من الإعرابِ على قول جمهور النَّحويين من البصريين والكوفيين. الرابع: أن يكون "لِبَاس" مبتدأ و "ذلك" بَدَلٌ منه، أو عطف بيان له، أو نعت، و "خيرٌ" خبره، وهو معنى قول الزَّجَّاجِ وأبِي عليٍّ، وأبِي بَكْرِ بْنِ الأنْبَارِيِّ، إلا أنَّ الحُوفي قال: وأنا أرى ألاَّ يكون "ذلك" نعتاً لـ"لِبَاسُ التَّقْوى"؛ لأنَّ الأسْمَاء المبهمة أعرف ما فيه الألف واللاَّم، وما أضيف إلى الألف واللاَّمِ، وسبيل النَّعْتِ أن يكون مُسَاوِياً للمنعوت، أو أقَلَّ منه تَعْرِيفاً، فإنْ كان قد تقدَّم قول أحدٍ به فهو سهوٌ. قال شهابُ الدِّين: أمّا القَوْلُ به فقد قيل كما ذَكَرْتُه عن الزَّجَّاج والفارسي وابن الأنْبَارِيّ، ونصَّ عليه أبُو عليٍّ في "الحُجَّةِ"، أيضاً وذكره الوَاحِدِيُّ. وقال ابن عطيَّة: "هو أنبل الأقوال". وذكر مكيٌّ الاحتمالات الثلاثة: أعني كَوْنَهُ بَدَلاً، أو بياناً، أو نعتاً، ولكن ما بحثه الحُوفِيُّ صحيحٌ من حيث الصِّناعةِ،ومن حيثُ إنَّ الصَّحيحَ في ترتيب المعارف ما ذكر من كون الإشارات أعرف من ذي الأداة؛ ولكن قد يُقَالُ: القائلُ بكونه نَعْتاً لا يجعله أعرف من ذِي الألِفِ واللام. الخامس: جوَّز أبُو البقاءِ أن يكون "لِبَاسُ" مبتدأ، وخبره محذوف أي: ولباسُ التَّقْوى ساتر عوراتكم وهذا تَقْدِيرٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ. وإسنادُ الإنزالِ إلى اللِّبَاسِ: إمَّا لأنَّ "أنْزَلَ" بمعنى "خَلَقَ" كقوله: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ}تفسير : [الحديد: 25]{أية : وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ }تفسير : [الزمر: 6]، وإمَّا على ما يسمِّيه أهل العلم التدريج، وذلك أنَّهُ ينزِّلُ أسْبَابَهُ، وهي الماء الذي هو سَبَبٌ في نبات القُطْنِ والكتَّانِ، والمَرْعى الذي تَأكُلُه البَهَائِمُ ذوات الصُّوف والشَّعَرِ، والوَبَرِ التي يُتَّخَذُ منها الملابِسُ؛ ونحوه قول الشاعر: [الرجز] شعر : 2446 - أقْبَلَ في المُسْتَنِّ مِنْ سَحَابَهْ أسْنِمَةُ الآبَالِ فِي رَبَابَهْ تفسير : فجعله جَائِياً للأسنمة التي للإبل مجازاً لمَّا كان سبباً في تربيتها، وقريب منه قول الآخر: [الوافر] شعر : 2447 - إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وإنْ كَانُوا غِضَابَا تفسير : وقال الزَّمَخْشَريُّ: جَعَلَ ما في الأرض منزَّلاً من السماء؛ لأنَّهُ قضي ثَمَّ وكتب، ومنه {أية : وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ }تفسير : [الزمر: 6]. وقال ابن عطيَّة: "وأيضاً فَخَلْقُ اللَّه وأفعاله، إنَّما هي من علوٍ في القَدْر والمنزلة"، وقد تقدَّمَ الكلامُ عليه أول الآية. وفي قراءة عبد الله وأبَيّ {ولِبَاسُ التَّقْوى خَيْرٌ} بإسقاط "ذلك" وهي مقوِّية للقول بالفصل والبدلِ وعَطْفِ البَيَانِ. وقرأ النَّحْوِيُّ: "ولبُوسُ" بالواو ورفع السِّين. فأمَّا الرَّفع ُفعلى ما تقدَّم في "لباس"، وأمَّا "لبُوسُ" فلم يعينوها: هل هي بفتح اللام فيكون مثل قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ}تفسير : [الأنبياء: 80]؟ أو بضمِّ اللاَّمِ على أنَّهُ جمع؟ وهو مشكل، وأكثر ما يُتَخَيَّل له أن يكون جمع لِبْسٍ بكسر اللام بمعنى مَلْبُوسٍ. قوله: {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} مبتدأ وخبر، والإشارةُ به إلى جميع ما تقدَّم من إنزال اللِّبَاسِ والرِّيش ولباس التَّقْوَى. وقيل: بل هو إشارة لأقرب مذكور، وهو لباسِ التقوى فقط. فصل في المراد بـ "لباس التقوى" اختلفوا في لباس التَّقْوَى، فقيل: هو نَفْسُ المَلْبُوسِ، وقيل: غيره. وأما الأوَّلُ ففيه وجوه: أحدها: هو اللِّبَاسُ المواري للسَّوْءَةِ، وإنَّمَا أعادَهُ اللَّهُ لأجْلِ أن يخبر عنه بأنَّهُ خير؛ لأنَّ أهل الجاهليَّةِ كانوا يَتَعَبَّدُونَ بالعري في الطَّوافِ بالبَيْتِ، فجرى هذا التَّكْرير مجرى قول القائل: "قد عرَّفْتُكَ الصِّدق في أبواب البرِّ، والصِّدْقُ خيرٌ لك من غيره"، فيعيد ذكر الصِّدق لِيُخبرَ عنه بذلك المعنى. وثانيها: لِبَاسُ التَّقْوَى هو الدُّرُوعُ والجواشن والمَغَافِرُ، وما يُتقى به في الحرُوبِ. وثاليها: لِبَاسُ التَّقْوَى ما يُلبس لأجْلِ إقامَةِ الصَّلاةِ. ورابعها: هو الصُّوفُ والثِّيَابُ الخَشِنَةُ التي يلبسها أهل الورع. وأمَّا القَوْلُ الثَّانِي، فيحمل لباسُ التَّقْوَى على المَجَازِ. وقال قتادةُ والسُّدِّيُّ وابن جُرَيْج: هو الإيمانُ. وقال ابن عباس: هو العَمَلُ الصَّالِحُ. وقال عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ والكلْبِيُّ: السَّمْتُ الحَسَنُ. وقال الكَلْبِيُّ: العفافُ والتَّوحيدُ؛ لأنَّ المؤمنَ لا تبدو عورته وإن كان عَارياً من الثِّيابِ، والفَاجِرُ لا تزالُ عورته مَكْشُوفَة وإن كان كاسياً. وقال عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: هو خشية الذّم. وقال الحَسَنُ وسعيدٌ: هو الحياء؛ لأنَّهُ يبْعَثُ على التَّقْوَى. وإنما حمل لفظ اللِّباس على هذه المجازات؛ لأنَّ اللِّباسَ الذي يفيد التقوى ليس إلاَّ هذه الأشياء. وقوله: "ذَلِكَ خَيْرٌ" قال أبُو عليٍّ الفارِسِيُّ: معناه: ولباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب إلى اللَّه تعالى مما خلق من اللِّباسِ والرِّيَاشِ الذي يتجمَّلُ به. وأُضيف اللِّبَاسُ إلى التَّقْوَى، كما أُضيف إلى الجُوعِ في قوله: {أية : فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ}تفسير : [النحل: 112]. وقوله: {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} أي: الدَّالة على فضله ورحمته على عباده، لعلهم يَذَّكَّرُونَ النِّعْمَةَ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم} قال: كان أناس من العرب يطوفون بالبيت عراة فلا يلبس أحدهم ثوباً طاف فيه {ورياشاً} قال: المال . وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله {قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم} قال: نزلت في الحمس من قريش، ومن كان يأخذ مأخذها من قبائل العرب الأنصار: الأوس، والخزرج، وخزاعة، وثقيف، وبني عامر بن صعصعة، وبطون كنانة بن بكر كانوا لا يأكلون اللحم، ولا يأتون البيوت إلا من أدبارها، ولا يضطربون وبراً ولا شعراً، إنما يضطربون الادم ويلبسون صبيانهم الرهاط، وكانوا يطوفون عراة إلا قريشاً، فإذا قدموا طرحوا ثيابهم التي قدموا فيها، وقالوا: هذه ثيابنا التي تطهرنا إلى ربنا فيها من الذنوب والخطايا، ثم قالوا لقريش: من يعيرنا مئزراً؟ فإن لم يجدوا طافوا عراة، فإذا فرغوا من طوافهم أخذوا ثيابهم التي كانوا وضعوا . وأخرج ابن جرير عن عروة بن الزبير في قوله {لباساً يواري سوءاتكم} قال: الثياب {ورياشاً} قال: المال {ولباس التقوى} قال: خشية الله . وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن علي في قوله {لباساً يواري سوءاتكم} قال: لباس العامة {وريشاً} قال: لباس الزينة {ولباس التقوى} قال: الإِسلام . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله {وريشاً} قال: المال واللباس والعيش والنعيم. وفي قوله {ولباس التقوى} قال: الإِيمان والعمل الصالح {ذلك خير} قال: الإِيمان والعمل خير من الريش واللباس . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ورياشاً} يقول: مالا . وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لبس ثوباً جديداً قال "حديث : الحمد لله الذي كساني من الرياش ما أواري به عورتي وأتجمل به في الناس ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الرياش: الجمال . وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {وريشاً} قال: الرياش: المال قال: وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول : شعر : فرشني بخير طال ما قد ربيتني وخير الموالي من يريش ولا يبري تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {لباساً يواري سوءاتكم وريشاً} قال: هو اللباس {ولباس التقوى} قال: هو الإِيمان، وقد أنزل الله اللباس، ثم قال: خير اللباس التقوى. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد. أنه قرأها {وريشاً ولباس التقوى} بالرفع . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {وريشاً} بغير ألف {ولباس التقوى} بالرفع . وأخرج ابن مردويه عن عثمان " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ {ورياشاً} ولم يقل: وريشاً . وأخرج ابن جرير عن زر بن حبيش. إنه قرأها "ورياشاً" . وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن معبد الجهني في قوله {ولباس التقوى} قال: هو الحياء، ألم تر أن الله قال {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى} فاللباس الذي يواري سوءاتكم: هو لبوسكم، والرياش المعاش، ولباس التقوى: الحياء . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ولباس التقوى} قال: يتقي الله فيواري عورته، ذلك لباس التقوى . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {ولباس التقوى} قال: ما يلبس المتقون يوم القيامة {ذلك خير} من لباس أهل الدنيا . وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله {ولباس التقوى ذلك خير} قال: ما يلبس المتقون يوم القيامة خير مما يلبس أهل الدنيا . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ولباس التقوى} قال: السمت الحسن في الوجه. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : ما من عبد عمل خيراً أو شراً إلا كسى رداه عمله حتى يعرفوه، وتصديق ذلك في كتاب الله {ولباس التقوى ذلك خير...} الآية " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: رأيت عثمان على المنبر قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : والذي نفس محمد بيده ما عمل أحد عملاً قط سراً إلا ألبسه الله رداه علانية إن خيراً فخير وإن شراً فشر" تفسير : ثم تلا هذه الآية {ورياشاً} ولم يقل وريشاً {ولباس التقوى ذلك خير} قال: السمت الحسن. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {لباساً يواري سوءاتكم} قال: هي الثياب {ورياشاً} قال: المال {ولباس التقوى} قال: الإِيمان {ذلك خير} يقول: ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوءاتكم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ينزع عنهما لباسهما} قال: التقوى. وفي قوله {إنه يراكم هو وقبيله} قال: الجن والشياطين. وأخرج عبد بن حميد عن ابن منبه {ينزع عنهما لباسهما} قال: النور . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {وقبيله} قال: نسله . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} قال: والله ان عدواً يراك من حيث لا تراه لشديد المؤنة إلا من عصم الله . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: سأل أن يرى ولا يرى، وأن يخرج من تحت الثرى، وإنه متى شاب عاد فتى فأجيب . وأخرج ابن أبي شيبة عن مطرف. أنه كان يقول: لو أن رجلاً رأى صيداً والصيد لا يراه فختله ألم يوشك أن يأخذه؟ قالوا: بلى. قال: فإن الشيطان يرانا ونحن لا نراه، وهو يصيب منا . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: أيّما رجل منكم تخيل له الشيطان حتى يراه فلا يَصُدَّنَّ عنه، وليمضِ قدماً فإنهم منكم أشد فرقاً منكم منهم، فإنه إن صد عنه ركبه وإن مضى هرب منه. قال مجاهد: فانا ابتليت به حتى رأيته، فذكرت قول ابن عباس، فمضيت قدماً فهرب . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن نعيم بن عمر قال: الجن لا يرون الشياطين بمنزلة الإِنس.
ابو السعود
تفسير : {يا بني آدم} خطابٌ للناس كافةً، وإيرادُهم بهذا العنوان مما لا يخفى سرُّه {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا} أي خلقناه لكم بتدبـيرات سماويةٍ وأسبابٍ نازلةٍ منها، ونظيرُه {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ}تفسير : [الزمر، الآية 6] الخ، وقوله تعالى: {أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ }تفسير : الحديد، الآية 25] {يُوٰرِى سَوْآتكم} التي قصد إبليسُ إبداءَها من أبويكم حتى اضطُروا إلى خصف الأوراق وأنتم مستغنون عن ذلك. وروي أن العرب كانوا يطوفون بالبـيت عرايا ويقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله تعالى فيها فنزلت. ولعل ذكر قصةِ آدمَ عليه السلام حينئذ للإيذان بأن انكشافَ العورة أولُ سوءٍ أصاب الإنسان من قِبَل الشيطان، وأنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم {وَرِيشًا} ولباساً تتجملون به، والريشُ الجمالُ وقيل: مالاً، ومنه ترّيش الرجلُ أي تموّل وقرىء رياشاً وهو جمعُ ريشٍ كشِعْب وشِعاب {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ} أي خشيةُ الله تعالى، وقيل: الإيمانُ، وقيل: السمتُ الحسَنُ، وقيل: لباسُ الحرب، ورفعُه بالابتداء خبرُه جملةُ {ذٰلِكَ خَيْرٌ} أو خبرٌ وذلك صفتُه كأنه قيل: ولباسُ التقوى المشارُ إليه خيرٌ وقرىء ولباسَ التقوى بالنصب عطفاً على لباساً {ذٰلِكَ} أي إنزالُ اللباس {مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ} دالةٌ على عظيم فضلِه وعميمِ رحمتِه {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} فيعرِفون نعمتَه أو يتّعظون فيتورّعون عن القبائح. {يا بني آدم} تكريرُ النداءِ للإيذان بكمال الاعتناءِ بمضمون ما صدر به، وإيرادُهم بهذا العنوان مما لا يخفى سببُه {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي لا يوقِعنّكم في الفتنة والمحنة بأن يمنعَكم من دخول الجنة {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ٱلْجَنَّةِ} نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي لا يفتِننّكم فتنةً مثلَ إخراجِ أبويكم، وقد جُوّز أن يكون التقديرُ لا يُخرِجَنكم بفتنته إخراجاً مثلَ إخراجِه لأبويكم، والنهيُ وإن كان متوجهاً إلى الشيطان لكنه في الحقيقة متوجِّهٌ إلى المخاطبـين كما في قولك: لا أُرَينّك هٰهنا، وقد مر تحقيقُه مراراً {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتهما} حال من أبويكم أو من فاعل أخرج، وإسنادُ النزعِ إليه للتسبـيب، وصيغةُ المضارعِ لاستحضار الصورة، وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} أي جنودُه وذريتُه استئنافٌ لتعليل النهي وتأكيدِ التحذيرِ لا منه {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} (من) لابتداء غايةِ الرؤيةِ، وحيث ظرفٌ لمكان انتفاءِ الرؤية ولا ترَوْنهم في محل الجرِّ بإضافة الظرفِ إليه، ورؤيتُهم لنا من حيث لا نراهم لا تقتضي امتناعَ رؤيتِنا لهم مطلقاً واستحالةَ تمثّلِهم لنا. {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ} جُعل قبـيلُه من جملته فجُمع {أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي جعلناهم بما أوجدنا بـينهم من المناسبة أو بإرسالهم عليهم وتمكينِهم من إغوائهم وحملِهم على ما سوّلوا لهم أولياءَ أي قُرناءَ مسلّطين عليهم، والجملة تعليلٌ آخرُ للنهي وتأكيدٌ للتحذير إثرَ تحذير.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} [الآية: 26]. قال النصرآباذى: اللباس كله ملك الحق، ولباس التقوى لباس الحق، قال الله تعالى: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ}. واللباس الذي يوارى السوأة لباس الكرامة. ولباس التقوى لباس الإيمان وهو أشرف. وقال بعضهم: لباس الهداية للعام ولباس التقوى للخاص ولباس الهيبة للعارفين ولباس الزينة لأهل الدنيا ولباس اللقاء والمشاهدة للأولياء ولباس الحضرة للأنبياء.
القشيري
تفسير : سترناكم عن الأسباب الظاهرة، ويَسَّرنا لكم ما تدفعون به صنوفَ المضار عنكم بما مَكَّنَّا لكم من وجوه المنافع. ثم قال: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} فإن اللباس الظاهر يقي آفاتِ الدنيا، ولباس التقوى يصون عن الآفات التي توجب سخط المولى، ولباس التقوى بجميع أجزاء العبد وأعضائه. وللنَّفْس لباسٌ من التقوى وهو بذل الجهد والروح والقلب، لباس من التقوى وهو صدق القصد بنفي الطمع. وللروح لباس من التقوى وهو ترك العلائق وحذف العوائق. وللسرِّ لباسٌ من التقوى وهو نفي المساكنات والتصاون من الملاحظات. ويقال تقوى العُبَّاد ترك الحرام، وتقوى العارفين نفي مساكنة الأنام. ويقال للعوام التقوى، وللخواص للباس التقوى عن شهود التقوى.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا بنى آدم} خطاب للناس كافة ـ روى ـ ان العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون لا نطوف فى ثياب عصينا الله فيها فنزلت الى آخر الآيات الثلاث {قد انزلنا عليكم لباسا} اى خلقناه لكم بانزال سببه من السماء وهو ماء المطر فما تنبته الارض من القطن والكتان من ماء السماء وما يكون من الكسوة من اصواف الانعام فقوام الانعام ايضا من ماء السماء. واعلم ان السماء فاعلة والارض قابلة والحوادث الارضية منسوبة الى السماء فكل ما فى الارض انما هو بتدبيرات سماوية {يوارى سوآتكم} اى يستر عوراتكم فكشف العورة مع وجود ما يسترها من اللباس فى غاية القباحة ولا شك ان الشيطان اغوى من فعل ذلك كما اغوى آدم وحواء فبدت لهما سوآتهما ونستعيذ بالله من شره {وريشا} هو من قبيل ما حذف فيه الموصوف واقيمت صفته مقامه كأنه قيل ولباسا ريشا اى ذا ريش وزينة تتجملون به عبر عن الزينة بالريش تشبيها لها بريش الطائر لان الريش زينة الطائر كما ان اللباس زينة لبنى آدم كأنه قيل انزلنا عليكم لباسين لباسا يوارى سوآتكم ولباسا يزينكم فان الزينة غرض صحيح قال تعالى {أية : لتركبوها وزينة} تفسير : [النحل: 8]. قال الحسين الكاشفى [در تفسير امام زاهد فرموده كه لباس آنست كه از ينبه باشد وريش ازابرشيم وكتان وبشم] {ولباس التقوى} اى خشية الله تعالى مبتدأ خبره قوله {ذلك خير} شبهت التقوى بالملبوس من حيث انها تستر صاحبها وتحفظه مما يضره كما يحفظه الملبوس. قال قتادة والسدى هو العمل الصالح لانه يقى من العذاب كأنه قال لباس التقوى خير من الثياب لان الفاجر وان كان حسن الثياب فهو بادى العورة. قال الشاعر شعر : انى كأنى ارى من لا حياء له ولا امانة وسط القوم عريانا تفسير : قال الحافظ شعر : فلندران حقيقت بنيم جو نخرند قباى اطلس آنكس كه ازهنر عاريست تفسير : وفى التفسير الفارسى [{ولباس التقوى} وبوشش تقوى يعنى لباس كه براى تواضع بوشند جون بشيمينها وجامها درشت {ذلك خير} آن بهتراست كه ازلباسهاى نرم] وفى الحديث "حديث : من رق ثوبه رق دينه " .تفسير : وقيل اول من لبس الصوف آدم وحواء حين خرجا من الجنة. وكان عيسى عليه السلام يلبس الشعر ويأكل من الشجر ويبيت حيث امسى فلبس الصوف والشعر علامة التواضع وفيه تشبيه بالمساكين والعاقل من اختار ما اختاره الصلحاء: قال الصائب شعر : جمعى كه بشت كرم بعشق نيند ناز سمور ومنت سنجاب ميكشند تفسير : واعلم ان اكل جزء من اجزاء الانسان لباسا يوارى سوآة ذلك الجزء من ظاهره وباطنه فلباس الشريعة يوارى سوآة الافعال القبيحة باحكام الشريعة فى الظاهر. وسوآة الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة فى الباطن والتقوى هو لباس القلب والروح والسر والخفى. فلباس القلب من التقوى هو الصدق فى طلب المولى يوارى سوآة طبع الدنيا وما فيها. ولباس الروح من التقوى محبة الحق تعالى يوارى به سوآة التعلق بغير المولى. ولباس السر هو شهود انواع اللقاء يوارى به سوآة رؤية ما سوى الله تعالى. ولباس الخفى هو البقاء بهوية الحق يوارى به سوآة هوية الخلق [يعنى همه تعينات مضمحل ومتلاشى كردد وحجاب بندار ازسر وجودات متكثرة دركشيده آيد وسر {لمن الملك اليوم} برغرفه وحدت قهارى جلوه نمايد] شعر : ملك ملك اوست او خود ما لكست غير ذاتش كل شئ هالكست كل شئ ما خلا الله باطل ان فضل الله غيم هاطل هالك آيدييشى وجهش هست نيست هستى اندرنيسنى خود طرفه ايست تفسير : {ذلك} اى انزال اللباس {من آيات الله} الدالة على فضله ورحمته {لعلهم يذكرون} فيعرفون نعمته حيث اغناهم باللباس عن خصف الورق او يتعظون فيتورعون عن القبائح نحو كشف العورة. وفى الاسرار المحمدية العالم مشحون بالارواح فليس فيه موضع بيت ولا زاوية الا وهو معمور بما لا يعلمه الا الله وما يعلم جنود ربك الا هو. قال حجة الاسلام فى كتابه معراج السالكين والدليل على ذلك امر النبى عليه السلام بالتستر فى الخلوة وان لا يجامع الرجل امرأته عريانين. وكان الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر يدخلون الماء وعليهم السراويلات تسترا عن سكان الماء ـ يحكى ـ عن احمد بن حنبل قال كنت يوما مع جماعة يتجردون ويدخلون الماء فاستعملت خبر النبى عليه السلام "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام الا بمئزر " .تفسير : فلم اتجرد فرأيت تلك الليلة فى المنام كأن قائلا يقول ابشر يا احمد فان الله تعالى قد غفر لك باستعمال السنة فقلت ومن انت قال انا جبرائيل فقد جعلك الله اماما يقتدى بك. قال فى الشرعة وينوى بلبس الثياب ستر العورة والعيب الواقع فى البدن والتزين بها توددا الى اهل الاسلام لا لحظ النفس فان ذلك اللبس بتلك النية يصفى وينور العقل عن الكدورات تصفية بحيث لا يشوبه شئ من اهوية النفس وحظوظها ويؤجر عليه بتلك النية. قيل الاعمال البهيمية ما كان بغير نية. فعلى العاقل جميع الهمم بحيث لا يسخ فى السر ذكر غيره تعالى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ: {لباس}؛ بالرفع، فهو متبدأ، والجملة: خبر، والرابط: الإشارة، والريش: لباس الزينة، مستعار من ريش الطير. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا} أي: خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة، ونظيره: قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } تفسير : [الزُّمر:6]، وقوله تعالى: { أية : وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ } تفسير : [الحَديد:25]. من صفة ذلك اللباس: {يُواري} أي: يستر {سوآتكم} التي قصد إبليس إبداءها، ويغنيكم عن خصف الورق. رُوِي أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: لا نطوف في ثياب عصينا الله تعالى فيها، فنزلت. ولعل ذكر قصة آدم تقدمه لذلك؛ حتى يعلم أن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان، وأنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم. قاله البيضاوي. {وريشًا} أي: ولباسًا فاخرًا تتجملون به {ولباسُ} أي: وأنزلنا عليكم لباس {التقوى}، وهي خشية الله تعالى، أو الإيمان، أو السمت الحسن، واستعار لها اللباس؛ كقولهم: ألبسك الله لباس تقواه، وقيل: لباس الحرب. ومن قرأ بالرفع؛ فخبره: {ذلك خير} أي: لباس التقوى خير من لباس الدنيا؛ لبقائه في دار البقاء دون لباس الدنيا؛ فإنه فانٍ في دار الفناء، {ذلك} أي: إنزال اللباس من حيث هو خير {من آيات الله} الدالة على فضله ورحمته، {لعلهم يذَّكَّرون} فيعرفون نعمه، فيشكرون عليها، أو يتعظون فينزجرون عن القبائح. الإشارة: اللباس الذي يواري سوءات العبودية ـ أي: نقائصها ـ هي أوصاف الربوبية ونعوت الألوهية؛ من عز وغنى، وعظمة وإجلال، وأنوار وأسرار، التي أشار إليها في الحكم بقوله: "لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك، ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبدًا، ولكن إذا أراد أن يُوصلك إليه غطى وصفك بوصفه، ونعتك بنعته، فوصلك بما منه إليك، لا بما منك إليه". والريش هو بهجة أسرار المعاني التي تغيب ظلمة الأواني، أو بهجة الأنوار التي تُفني الأغيار، ولباس التقوى هي حفظه ورعايته لأوليائه في الظاهر والباطن مما يكدر صفاءهم أو يطمس أنوارهم. والله تعالى أعلم. ثم حذَّرهم من الشيطان، وأعملهم بسابق عداوته، فقال: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ}.
الطوسي
تفسير : قرأ أهل المدينة، وابن عامر والكسائي {ولباس التقوى} بالنصب. الباقون بالرفع، ومن نصب حمله على (انزل) من قوله {قد أنزلنا عليكم لباساً، ولباس التقوى} وانزلنا ها هنا مثل قوله {أية : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}تفسير : ومثل قوله {أية : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}تفسير : أي خلق. وانما قال {أنزلنا عليكم لباسا} لاحد أمرين. أحدهما - لانه ينبت بالمطر الذي ينزل من السماء، في قول الحسن والجبائي. الثاني - لأن البركات تنسب الى أنها تأتي من السماء كقوله {أية : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}تفسير : وقوله {ذلك} على هذا مبتدأ وخبره (خير)، ومن رفع قطع اللباس من الاول واستأنف، فجعله مبتدأ وجعل قوله {ذلك} صفة له أو بدلا أو عطف بيان. ومن قال {ذلك} لغو فقد أخطأ، لأنه يجوز أن يكون على أحد ما قلناه، و (خير) خبر لـ (لباس) وتقديره لباس التقوى خير لكم إِذا أخذتم به وأقرب لكم الى الله مما خلق لكم من اللباس والرياش الذي يتجمل به، وأضيف اللباس الى التقوى كما أضيف في قوله{أية : فأذاقها الله لباس الجوع والخوف}تفسير : الى (الجوع). وهذه الآية خطاب من الله تعالى لاهل كل زمان من المكلفين على ما يصح ويجوز من وصول ذلك اليهم، كما يوصي الانسان لولده وولد ولده - وان نزلوا - بتقوى الله وايثار طاعته، ويجوز خطاب المعدوم بمعنى أن يراد بالخطاب اذا كان المعلوم أنه سيوجد وتتكامل فيه شروط التكليف، ولا يجوز أن يراد من لا يوجد لان ذلك عبث لا فائدة فيه. واللباس كلما يصلح للبس من ثوب أو غيره من نحو الدرع، وما يغشى به البيت من نطع او كسوة. واصله المصدر تقول: لبسه يلبسه لَبساً ولباساً، ولِبساً - بكسر اللام - قال الشاعر: شعر : فلما كشفن اللبس عنه مسحنه بأطراف طفل زان غيلا موشما تفسير : الغيل الساعد، ووصفها بلطف الكف. (والريش): ما فيه الجمال، ومنه ريش الطائر، وقيل اصله المصدر من راشه يريشه، وقد تريش فلان أي صار له ما يعيش به، قال الشاعر أنشده سيبويه: شعر : وريشي منكم وهواي معكم وإِن كنت زيارتكم لماما تفسير : وقال سعيد الجهني الرياش المعاش. وقال الزجاج: الريش اللباس يقولون: اعطيت الرجل فريشته أي كسوته، وجمعه رياش. قال مجاهد: وإِنما ذكر اللباس - ها هنا - لأن المشركين كانوا يتعرون في الطواف حتى تبدو سوآتهم باغواء الشياطين، كما أغوي أبويهم قبل هذا الاغواء. وقوله {يواري سوآتكم} معناه يستر ما يسوءكم إِنكشافه من الجسد، لأن السوءة ما يسوء انكشافه من الجسد، والعورة ترجع الى النقيصة في الجسد قال الشاعر: شعر : خرقوا جيب فتاتهم لم يبالوا سوءة الرجله تفسير : ولباس التقوى فيه خمسة أقوال: احدها - قال ابن عباس: هو العمل الصالح. الثاني - قال قتادة والسدي وابن جريج هو الايمان. الثالث - قال الحسن: هو الحياء الذي يكسبكم التقوى. الرابع - قال الجبائي: هو الذي يقتصر عليه من أراد التواضع والنسك في العبادة من لبس الصوف والخشن من الثياب. الخامس - قال الرماني: هو العمل الذي يقي العقاب، وفيه الجمال مثل جمال الناس من الثياب. وقال الحسين بن علي المغربي {لباس التقوى} يعني الذي كان عليكما في الجنة خير لكم بدلالة قوله {ذلك} وهي للبعيد. وقوله {ذلك من آيات الله} معناه إِن الذي فعلناه بكم من حجج الله التي دلتكم على توحيده من الله {لعلهم يذكرون} معناه لكي يتفكروا فيها ويؤمنوا بالله وبرسوله.
الجنابذي
تفسير : {يَابَنِيۤ آدَمَ} خطاب منه تعالى لبنى آدم (ع) اعتناءً بهم وتعداداً لنعمهم {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً} يعنى خلقنا لكم ما يستر بشرتكم ويقيكم من الحرّ والبرد وما يستر عوراتكم البشريّة عن الانظار، وما تتجمّلون به من الملبوس الفاخر فانّ الرّيش هو ما يتجمّل به، وريش الطّائر جماله والوصفان قد يجتمعان فى واحدٍ، ويطلق الرّيش على متاع البيت وعلى ما يعيش الانسان به وعلى سعته ومكنته ونزولهما بحسب نزول اسباب مادّتهما من الامطار والآثار من تأثيرات الكواكب وحركات الافلاك، ونزول اسباب تحصيل صورتهما من التّميز وقوّة التّدبير، واذا اريد باللّباس ما يستر العورات المعنويّة من الافعال الحميدة والصّفات الجميلة ويؤيّده قوله {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} فنزوله واضح، واضافة اللّباس الى التّقوى من قبل اضافة العامّ الى الخاصّ، او اضافة المسبّب الى السّبب، او اضافة المشبّه به الى المشبّه، فانّ التّقوى وان كان مفهومها راجعاً الى العدم لكن لها حقيقة وجوديّة بها يحصل التّنزّه عن الرّذائل من الافعال والاوصاف وبالتّنزّه تحصل الخصائل الّتى بها تستر العورات المعنويّة والنّقائص النّفسانيّة ويحصل التّجمّلات الانسانيّة، وفى الخبر: وامّا لباس التّقوى فالعفاف انّ العفيف لا يبدو له عورة وان كان عارياً من الثّوب، والفاجر بادى العورة وان كان كاسياً من الثّياب، وتخلّل اسم الاشارة بين المبتدء والخبر للاهتمام بذلك اللّباس وتصوير الامر المعنوىّ متمثّلاً حاضراً وقرئ لباس التّقوى بالنّصب عطفاً على لباساً {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} اى انزال اللّباس مع شدّة حاجتكم اليه، او كون لباس التّقوى خيراً بحيث لا يخفى عليكم او لباس التّقوى، فانّ ذلك كلّه من آيات علمه وحكمته وقدرته {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} صرف الخطاب عنهم بطريق الالتفات وهو غاية لانزال اللّباس او لجعل ذلك من آياته.
الأعقم
تفسير : {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً} الآية نزلت لما كانوا يطوفون بالبيت عراة فنهاهم الله تعالى عن ذلك، يا بني آدم خطاب عام، قد أنزلنا مع آدم وحوى حين أهبطا، وقيل: معناه أنه ينبت بالمطر الذي ينزل، وقيل: خلقنا لكم، وقيل: ألهمناكم صنعتها واللباس ما يلبس من الثياب وغيرها {يواري سوءاتكم} يعني عوراتكم {وريشاً} الريش لباس الريشة، وقيل: هو المال استعير من ريش الطائر لأنه ريشه {ولباس التقوى ذلك خير}، قيل: العمل الصالح ويدخل فيه جميع أنواع الخير، وقيل: هو الصوف والخشن من الثياب، وقيل: لباس الحرب والدرع وغيرها، وقيل: ستر العورة، وقيل: خشية الله تعالى {يا بني آدم} خطاب لجميع المكلفين وعظة لهم {لا يفتننكم الشيطان} لا يضلنكم عن الدين ولا يصرفنكم عن الحق، قوله تعالى: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} قبيله: أتباعه، من الجن والإِنس، ومتى قيل: لم يرونا ونحن لا نراهم؟ قيل: لأن الله تعالى جعل لأبصارهم قوَّة شعاع يرى بعضهم بعضاً ويروننا وليس لأبصارنا تلك القوة، وعن مالك بن دينار: أن عدواً يراك ولا تراه لشديد الموتة إلا من عصمه الله تعالى {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون}، قيل: حكمنا وبينا أنهم يتناصرون على الباطل {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا}، إن قيل: من أين أخذها أباؤكم قالوا: الله أمرنا بها، وقيل: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء، ويقولون: نطوف كما ولدنا، وعن الحسن: إن الله تعالى بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى العرب وهم قدرية محبرة يحملون ذنوبهم على الله تعالى وتصديقه، قوله تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة} والفاحشة اسم جامع لكل المعاصي والقبائح، وقيل: هو الشرك، وقيل: أن أهل الجاهلية أهل أخبار قالوا: لو كره الله منَّا ما نحن عليه من الدين لنقلنا عنه، فذلك قوله تعالى: {والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمرُ بالفحشاء} أي بالقبائح، وكفى به رداً على أهل الخير {أتقولون على الله ما لا تعلمون} {قل} يا محمد {أمر ربي بالقسط} اي بالعدل، وقيل: بالتوحيد {وأقيموا وجوهكم} بالاخلاص لله سبحانه عند الصلاة وفي السجود {وادعوه} واعبدوه {مخلصين له الدين} في الطاعة والعبادة {كما بدأكم} خلقكم أحياء لا من شيء أولاً {تعودون} أحياء بعد الموت والفناء، وقيل: تعودون على ما أنتم عليه المؤمن على إيمانه والكافر على كفره {فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة}، قيل: المراد بالهدى الدلالة وذلك أن المؤمن نظر فعرف وهؤلاء لم يعرفوا، وقيل: الهدى إلى طريق الثواب والضلال عنه بالعقاب في النار {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء} يعني يوم القيامة بالطاعة فيما أمروهم به.
اطفيش
تفسير : {يا بنى آدمَ قَدْ أنزلنا عَليكُم لِباساً} أى أنزلنا عليكم ما يكون لباساً بالتدريج وهو المطر، فجميع ما يلبس منه، أو خلقناكم لباسا، فعبر بالإنزال، لأن ما فى الأرض مكتوب فى السماء ومفصل فيه، ومنزل منه بقدر على أيدى الملائكة بالذات أو بالمآل، والصيرورة. {يُوارِى} يستر {سَوْآتكم} التى قصد الشيطان إبداءها، ويغنيكم عن خصف الورق، فإن ظهورها أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان. وعن مجاهد: نزلت هذه الآيات الأربع فيمن كان يطوف بالبيت عريانا من قريش وغيرهم. وعن قتادة والضحاك: كانت العرب تطوف عراة إلا الحُمس وهم قريش، ومن تلاها وهو الصحيح وكان العربى يستعير منهم ثوبا أو يطوف عريانا أو فى ثيابه، ثم يلقيها، وتمادى ذلك حتى كان الطواف بالعراء قربة عند العرب، ويقولون: لا نطوف فى ثياب المعصية، ونودى بمكة وعام تسع: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وعظمت قريش البيت. وذكر النقاش: أن عادة ثقيف، وخزاعة، وبنى عامر بن صعصعة، وبنى مدلج، وعامر، والحارث ابنى عبد مناة، رجالهم ونساءهم الطواف بالبيت عراة، وكان بعض العرب يطوفون بالبيت بالعراء ويقولون: لا نطوف فى ثياب عصينا الله فيها. {وَرِيشاً} لباس زينة مستعار من ريش الطائر، لأنه لباسه وزينته، والعطف على لباسا عطف أحد المتغايرين على الآخر، على أن المراد باللباس المذكور خصوص اللباس الموارى الذى لا زينة زائدة على المواراة فيه، وذلك قول ابن زيد. وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدى: الريش المال، وتريش الرجل تمول، وقيل: سعة الرزق، وقال قوم: الأثاث، والصحيح ما ذكرته أولا لاتصال الكلام بعد ذلك فى اللباس، وليست الزينة بملغاة شرعا، بل معتبرة كما قال الله سبحانه: "لتركبوها وزينة ... ولكم فيها جمال" وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله جميل يحب الجميل" تفسير : وقرأ ابن عباس، وأبو عمرو، وعاصم، ومجاهد فى رواية عنهم، وأبو عبد الرحمن، وأبو رجاء، وزيد بن على، وعلى بن الحسين، وقتادة: ورياشا وهى قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال عثمان بن عفان، والمعنى واحد، وقيل: الرياش جمع ريش كبيرٍ وبيار، وذئب وذئاب، وشعب وشعاب، وقيل: الريش والرياش مصدران، يقال: راشه الله بمعنى أنعم عليه، وقرأ أبى: وزينة بدل وريشا. {ولباسُ التَّقوى} بالنصب عطفا فى قراءة نافع وابن عامر والكسائى، فيكون قوله: {ذَلك خيرٌ} مستأنفا وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة بالرفع فهو مبتدأ وذلك مبتدأ ثان، وخير خبره، والجملة خبر الأول، والرابط إعادة المبتدأ بمعناه، فإن الإشارة للباس التقوى، أجاز ابن هشام ذلك، وأجاز كون ذلك بدلا أو بيانا لا نعتا، لأن النعت عنده لا يكون أعرف من المنعوت، وأجازه الفارسى أيضا، فعلى البدلية والبيانية أو النعتية، فالخبر مفرد. والذى يظهر لى أنه لا يصح كون المبتدأ نفس المبتدأ الأول، بل يجب كونه مغايراً له أو بعضه أو أعم، فتتعين التبعية فى الآية، إلا أن يجعل لباس خبر المحذوف، أى هو لباس التقوى، وذلك مبتدأ أو لباس، وخير خبر إن لذلك، وقرأ أبى: ولبس التقوى، وفى مصحف ابن مسعود: ولباس التقوى خير ذلكم من آيات الله، ويروى عنه خير ذلك من الخ، وكذا روى عن أبى، وقرأ بعضهم ولبوس التقوى بالرفع، وذلك فى قراءة نافع إشارة إلى ما ذكر من اللباس والريش، ولباس التقوى. والمراد بلباس التقوى الإسلام والعمل الصالح، وامتثال المأمورية به، واجتناب المنهى عنه، والورع، وخشية الله، وقال ابن جريج: الإيمان، وقال معبد الجهنى: الحياء وقال ابن عباس: العمل الصالح، وعنه السمت الحسن فى الوجه، وقاله عثمان على المنبر، وعروة بن الزبير: خشية الله، وابن الأنبارى: ستر العورة، والحسن: الورع والسمت الحسن فى الدنيا، وعن ابن عباس والكلبى: العفة، وقيل: الصوف وما فيه تواضع لله عز وجل، وقال زيد بن على: السلاح وآلة الجهاد، وقيل ما يتقى به فى الحرب كالدرع والمغفر، ونسب لزيد بن على، والصحيح ما ذكرته أولا، وما كان من الأقوال بعده متضمنا له، وما أحسن قول بعضهم: شعر : إذا أنت لم تلبس ثياباً من التقى عريت وإن وارى القميص قميص تفسير : {ذلكَ مِن آياتِ اللهِ} الإشارة إلى اللباس، والريش ولباس التقوى، وقال النقاش: إلى لباس التقوى، أى هو فى العبد أمارة من الله أنه رضى عنه ورحمه، وذلك على الرجاء بحسب المبلغ من المعرفة، وقيل: إلى اللباس والريش بتأويل ما ذكر، أو إلى إنزالهما، وعلى هذا القول وما ذكرته قبل قول النقاش المراد أن ذلك دليل على رحمة الله وفضله على عباده وقدرته ووجوده ووحدانيته، وإشارة البعد فى الموضعين للتعظيم. {لعلَّهم يذَّكَّرونَ} فيعرفون عظم النعمة، ويتورعون عن القبائح، ومن أراد التوبة والطاعة فليلبس قميصا جديدا يوم الخميس والقمر فى الزيادة، ثم يصلى ركعتين شكرا لله على ما ألبسه، ثم يكتب: {يا بنى آدم قد أنزلنا} إلى {يذكرون} فى إناء زجاج يمحوه بماء ورد، ويدهن به وجهه، ثم يكتب فى ذلك فى ورقة زيتون، ويجعلها فى جيب القميص، فإنه لا يلبسه أبداً إلا ويعان على الطاعة.
الالوسي
تفسير : { يَابَنِيۤ ءَادَمَ} خطاب للناس كافة. واستدل به على دخول أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد. ولا يخفى سر هذا العنوان في هذا المقام. {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } أي خلقنا لكم ذلك بأسباب نازلة من السماء كالمطر الذي ينبت به القطن الذي يجعل لباساً قاله الحسن، وعن أبـي مسلم أن المعنى أعطيناكم ذلك ووهبناه لكم وكل ما أعطاه الله تعالى لعبده فقد أنزله عليه من غير أن يكون هناك علو أو سفل بل هو جار مجرى التعظيم كما تقول: رفعت حاجتي إلى فلان وقصتي إلى الأمير وليس هناك نقل من سفل إلى علو، وقيل: المراد قضينا لكم ذلك وقسمناه، وقضاياه تعالى وقسمه توصف بالنزول من السماء حيث كتب في اللوح المحفوظ. وعلى كل فالكلام لا يخلو عن مجاز. ويحتمل أن يكون في المسند وهو الظاهر. ويحتمل أن يكون في اللباس أو الإسناد. وقوله سبحانه: {يُوٰرِى } أي يستر ترشيح على بعض الاحتمالات. وعن الجبائي أن الكلام على حقيقته مدعياً نزول ذلك مع آدم وحواء من الجنة حين أمرا بالهبوط إلى الأرض ولم نقف في ذلك على خبر كسته الصحة لباساً، نعم أخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أهبط آدم وحواء عليهما السلام عريانين جميعاً عليهما ورق الجنة فأصاب آدم الحر حتى قعد يبكي ويقول لها: يا حواء قد آذاني الحر فجاءه جبريل عليه السلام بقطن وأمرها أن تغزله وعلمها وعلم آدم وأمره بالحياكة وعلمه ). تفسير : وجاء في خبر آخر أنه عليه السلام أهبط ومعه البذور فوضع إبليس عليها يده فما أصاب يده ذهب منفعته. وفي آخر رواه ابن المنذر عن ابن جريج أنه عليه السلام أهبط معه ثمانية أزواج من الإبل والبقر والضأن والمعز وباسنة والعلاة والكلبتان وغريسة عنب وريحان. وكل ذلك على ما فيه لا يدل على المدعى وإن صلح بعض ما فيه لأن يكون مبدأ لما يوارى. {سَوْءَٰتِكُمْ } أي التي قصد إبليس عليه اللعنة إبداءها من أبويكم حتى اضطرا إلى خصف الأوراق وأنتم مستغنون عن ذلك. روى غير واحد أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عرايا ويقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله تعالى فيها فنزلت هذه الآية، وقيل: إنهم كانوا يطوفون كذلك تفاؤلاً بالتعري عن الذنوب والآثام، ولعل ذكر قصة آدم عليه السلام حينئذٍ للإيذان بأن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من قبل الشيطان وأنه أغواهم في ذلك كما فعل بأبويهم. وفي «الكشاف» «أن هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدّو السوءات وخصف الورق عليها إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة وإشعاراً بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى». {وَرِيشًا } أي زينة أخذا من ريش الطير لأنه زينة له. وعطفه على هذا من عطف الصفات فيكون اللباس موصوفاً بشيئين مواراة السوأة والزينة. ويحتمل أن يكون من عطف الشيء على غيره أي أنزلنا لباسين لباس مواراة ولباس زينة فيكون مما حذف فيه الموصوف أي لباساً ريشاً أي ذا ريش. / وتفسير الريش بالزينة مروي عن ابن زيد. وذكر بعض المحققين أنه مشترك بين الاسم والمصدر، وعن ابن عباس ومجاهد والسدي أن المراد به المال ومنه تريش الرجل أي تمول، وعن الأخفش أنه الخصب والمعاش، وقال الطبرسي: إنه جمع ما يحتاج إليه. وقرأ عثمان رضي الله تعالى عنه {ورياشاً} وهو إما مصدر كاللباس أو جمع ريش كشعب وشعاب. {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } أي العمل الصالح كما روي عن ابن عباس أو خشية الله تعالى كما روي عن عروة بن الزبير أو الحياء كما روي عن الحسن أو الإيمان كما روي عن قتادة والسدي أو ما يستر العورة وهو اللباس الأول كما روي عن ابن زيد أو لباس الحرب الدرع والمغفر والآلات التي يتقى بها من العدو كما روي عن زيد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم، واختاره أبو مسلم أو ثياب النسك والتواضع كلباس الصوف والخشن من الثياب كما اختاره الجبائي، فاللفظ إما مشاكلة وإما مجاز وإما حقيقة، ورفعه بالابتداء وخبره جملة {ذٰلِكَ خَيْرٌ } والرابط اسم الإشارة لأنه يكون رابطاً كالضمير. وجوز أن يكون الخبر {خَيْرٌ } و {ذٰلِكَ } صفة لباس، وإليه ذهب الزجاج وابن الأنباري وغيرهما. واعترض بأن الأسماء المبهمة أعرف من المعرف باللام ومما أضيف إليه والنعت لا بد أن يساوي المنعوت في رتبة التعريف أو يكون أقل منه. ولا يجوز أن يكون أعرف منه فلذا قيل. إن {ذٰلِكَ } بدل أو بيان لا نعت. وأجيب بأن ذلك غير متفق عليه فإن تعريف اسم الإشارة لكونه بالإشارة الحسية الخارجة عن الوضع قيل: إنه أنقص من ذي اللام، وقيل: إنهما في مرتبة واحدة، وعن أبـي علي وهو غريب أن ذلك لا محل له من الإعراب وهو فصل كالضمير. وقرىء {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } بالنصب عطفاً على {لِبَاساً } قال بعض المحققين: وحينئذٍ يكون اللباس المنزل ثلاثة أو يفسر {لِبَاسَ ٱلتَّقْوَىٰ } بلباس الحرب أو يجعل الإنزال مشاكلة، وذكر على القراءة المشهورة أن {ذٰلِكَ } إن كان إشارة للباس المواري فلباس التقوى حقيقة والإضافة لأدنى ملابسة، وإن كان للباس التقوى فهو استعارة مكنية تخييلية أو من قبيل ـ لجين الماء ـ وعلى كل تكون الإشارة بالبعيد للتعظيم بتنزيل البعد الرتبـي منزلة البعد الحسي فتأمل ولا تغفل. {ذٰلِكَ } أي إنزال اللباس المتقدم كله أو الأخير {مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ } الدالة على عظيم فضله وعميم رحمته {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } فيعرفون نعمته أو يتعظون فيتورعون عن القبائح.
سيد قطب
تفسير : هذه وقفة من وقفات التعقيب في سياق السورة. وهي وقفة طويلة بعد المشهد الأول في قصة البشرية الكبرى. وفي سياق السورة وقفات كهذه عند كل مرحلة. كأنما ليقال: قفوا هنا نتدبر ما في هذه المرحلة من عبرة قبل أن نمضي قدماً في الرحلة الكبرى! وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية. وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله؛ ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلاً في صور وأشكال شتى.. ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيهاً إلا لمواجهة حالة قائمة؛ ولا يقص قصصاً إلا لأن له موقعاً في واقع الحركة الإسلامية.. إنه كما قلنا لا يعرض قصصاً لمجرد المتاع الفني! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري.. إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية. وقد كان واقع الجاهلية العربية هو الذي يواجهه التعقيب هنا عقب المرحلة الأولى من قصة البشرية الكبرى.. كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقاً على بقية مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله - الذي جعلوه بيتاً للأصنام وسدنتها! - وأقامت هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين الله؛ وصاغتها في شرائع، زعمت أنها من شرع الله! وذلك لتخضع لها أعناق المشركين؛ كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب.. وكانت قريش سمت نفسها اسماً خاصاً وهو "الحُمس" وجعلوا لأنفسهم حقوقاً ليست لسائر العرب. ومن هذه الحقوق - فيما يختص بالطواف بالبيت - أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم. فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل. فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثياباً لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء! قال ابن كثير في التفسير: (كانت العرب - ما عدا قريشاً - لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها! وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم. ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه؛ ومن معه ثوب جديد طاف فيه. ثم يلقيه فلا يتملكه أحد! ومن لم يجد ثوباً جديداً، ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً! وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر... وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع؛ فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها}.. فقال تعالى رداً عليهم: {قل}. أي يا محمد لمن ادعى ذلك. {إن الله لا يأمر بالفحشاء} أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك. {أتقولون على الله ما لا تعلمون}.. أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته. وقوله تعالى: {قل: أمر ربي بالقسط}.. أي بالعدل. والاستقامة: {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين}.. أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته. فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: (أي أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك). ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس - مضافاً إليه ما يختص بتقاليد كهذه في الطعام يزعمون أنها من شرع الله وليست من شرع الله - في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى. وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة - إلا ما حرم الله - وجاء ذكر اللباس خاصة، ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور؛ وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت، وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة.. فما ذكر من أحداث القصة، وما جاء في التعقيب الأول عليها، هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية.. والقصة تذكر في مواضع أخرى من القرآن، في سور أخرى، لمواجهة حالات أخرى، فتذكر منها مواقف ومشاهد، وتذكر بعدها تقريرات وتعقيبات تواجه هذه الحالات الأخرى.. وكله حق.. ولكن تفصيل القرآن لمواجهة الواقع البشري هو الذي يقتضي هذا الاختيار والتناسق. بين حلقات القصص المعروض في كل معرض، وطبيعة الجو والموضوع في كل معرض. {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً. ولباس التقوى، ذلك خير، ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون}.. هذا النداء يجيء في ظل المشهد الذي سبق عرضه من القصة.. مشهد العري وتكشف السوآت والخصف من ورق الجنة.. لقد كان هذا ثمرة للخطيئة.. والخطيئة كانت في معصية أمر الله، وتناول المحظور الذي نهى عنه الله.. وليست هي الخطيئة التي تتحدث عنها أساطير (الكتاب المقدس!) والتي تعج بها التصورات الفنية الغربية المستقاة من تلك الأساطير ومن إيحاءات "فرويد" المسمومة.. لم تكن هي الأكل من "شجرة المعرفة" - كما تقول أساطير العهد القديم. وغيرة الله - سبحانه وتعالى - من "الإنسان" وخوفه - تعالى عن وصفهم علواً كبيراً - من أن يأكل من شجرة الحياة أيضاً فيصبح كواحد من الآلهة! كما تزعم تلك الأساطير. ولم تكن كذلك هي المباشرة الجنسية كما تطوف خيالات الفن الأوربي دائماً حول مستنقع الوحل الجنسي، لتفسر به كل نشاط الحياة كما علمهم فرويد اليهودي!.. وفي مواجهة مشهد العري الذي أعقب الخطيئة ومواجهة العري الذي كان يزاوله المشركون في الجاهلية يذكر السياق في هذا النداء نعمة الله على البشر وقد علمهم ويسر لهم، وشرع لهم كذلك، اللباس الذي يستر العورات المكشوفة، ثم يكون زينة - بهذا الستر - وجمالاً، بدل قبح العري وشناعته - ولذلك يقول: {أنزلنا} أي: شرعنا لكم في التنزيل. واللباس قد يطلق على ما يواري السوأة وهو اللباس الداخلي. والرياش قد يطلق على ما يستر الجسم كله ويتجمل به، وهو ظاهر الثياب. كما قد يطلق الرياش على العيش الرغد والنعمة والمال.. وهي كلها معان متداخلة ومتلازمة: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً}.. كذلك يذكر هنا {لباس التقوى} ويصفه بأنه {خير}: {ولباس التقوى ذلك خير. ذلك من آيات الله.}.. قال عبد الرحمن بن أسلم: (يتقي الله فيواري عورته، فذاك لباس التقوى).. فهناك تلازم بين شرع الله اللباس لستر العورات والزينة، وبين التقوى.. كلاهما لباس. هذا يستر عورات القلب ويزينه. وذاك يستر عورات الجسم ويزينه. وهما متلازمان. فعن شعور التقوى لله والحياء منه ينبثق الشعور باستقباح عري الجسد والحياء منه. ومن لا يستحي من الله ولا يتقيه لا يهمه أن يتعرى وأن يدعو إلى العري.. العري من الحياء والتقوى، والعري من اللباس وكشف السوأة! إن ستر الجسد حياء ليس مجرد اصطلاح وعرف بيئي - كما تزعم الأبواق المسلطة على حياء الناس وعفتهم لتدمير إنسانيتهم، وفق الخطة اليهودية البشعة التي تتضمنها مقررات حكماء صهيون - إنما هي فطرة خلقها الله في الإنسان؛ ثم هي شريعة أنزلها الله للبشر؛ وأقدرهم على تنفيذها بما سخر لهم في الأرض من مقدرات وأرزاق. والله يذكر بني آدم بنعمته عليهم في تشريع اللباس والستر، صيانة لإنسانيتهم من أن تتدهور إلى عرف البهائم! وفي تمكينهم منه بما يسر لهم من الوسائل: {لعلهم يذَّكرون}.. ومن هنا يستطيع المسلم أن يربط بين الحملة الضخمة الموجهة إلى حياء الناس وأخلاقهم؛ والدعوة السافرة لهم إلى العري الجسدي - باسم الزينة والحضارة والمودة! - وبين الخطة الصهيونية لتدمير إنسانيتهم، والتعجيل بانحلالهم، ليسهل تعبيدهم لملك صهيون! ثم يربط بين هذا كله والخطة الموجهة للإجهاز على الجذور الباقية لهذا الدين في صورة عواطف غامضة في أعماق النفوس! فحتى هذه توجه لها معاول السحق، بتلك الحملة الفاجرة الداعرة إلى العري النفسي والبدني الذي تدعو إليه أقلام وأجهزة تعمل لشياطين اليهود في كل مكان! والزينة "الإنسانية" هي زينة الستر، بينما الزينة "الحيوانية" هي زينة العري.. ولكن "الآدميين" في هذا الزمان يرتدون إلى رجعية جاهلية تردهم إلى عالم البهيمة. فلا يتذكرون نعمة الله بحفظ إنسانتيهم وصيانتها!!! {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة، ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما، إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون. وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها. قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء، أتقولون على الله ما لا تعلمون؟ قل: أمر ربي بالقسط، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين، كما بدأكم تعودون. فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ويحسبون أنهم مهتدون}.. إنه النداء الثاني لبني آدم، في وقفة التعقيب على قصة أبويهم، وما جرى لهما مع الشيطان؛ وعلى مشهد العري الذي أوقفهما فيه عدوهما، بسبب نسيانهما أمر ربهما والاستماع إلى وسوسة عدوهما. وهذا النداء يصبح مفهوماً بما قدمناه من الحديث عن تقاليد الجاهلية العربية في حكاية العري عند الطواف بالبيت؛ وزعمهم أن ما وجدوا عليه آباءهم هو من أمر الله وشرعه! لقد كان النداء الأول تذكيراً لبني آدم بذلك المشهد الذي عاناه أبواهم؛ وبنعمة الله في إنزال اللباس الذي يستر العورة والرياش الذي يتجمل به.. أما هذا النداء الثاني فهو التحذير لبني آدم عامة وللمشركين الذين يواجههم الإسلام في الطليعة. أن يستسلموا للشيطان، فيما يتخذونه لأنفسهم من مناهج وشرائع وتقاليد؛ فيسلمهم إلى الفتنة - كما فعل مع أبويهم من قبل إذ أخرجهما من الجنة ونزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما - فالعري والتكشف الذي يزاولونه - والذي هو طابع كل جاهلية قديماً وحديثاً - هو عمل من أعمال الفتنة الشيطانية، وتنفيذ لخطة عدوهم العنيدة في إغواء آدم وبنيه؛ وهو طرف من المعركة التي لا تهدأ بين الإنسان وعدوه. فلا يدع بنو آدم لعدوهم أن يفتنهم؛ وأن ينتصر في هذه المعركة، وأن يملأ منهم جهنم في نهاية المطاف! {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما}. وزيادة في التحذير، واستثارة للحذر، ينبئهم ربهم أن الشيطان يراهم هو وقبيله من حيث لا يرونهم. وإذن فهو أقدر على فتنتهم بوسائله الخفية؛ وهم محتاجون إلى شدة الاحتياط، وإلى مضاعفة اليقظة، وإلى دوام الحذر، كي لا يأخذهم على غرة: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم}.. ثم الإيقاع المؤثر الموحي بالتوقي.. إن الله قدر أن يجعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون.. ويا ويل من كان عدوه وليه! إنه إذن يسيطر عليه ويستهويه ويقوده حيث شاء، بلا عون ولا نصير، ولا ولاية من الله: {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون}.. وإنها لحقيقة.. أن الشيطان ولي الذين لا يؤمنون؛ كما أن الله هو ولي المؤمنين.. وهي حقيقة رهيبة، ولها نتائجها الخطيرة.. وهي تذكر هكذا مطلقة؛ ثم يواجه بها المشركون كحالة واقعة؛ فنرى كيف تكون ولاية الشيطان؛ وكيف تفعل في تصورات الناس وحياتهم.. وهذا نموذج منها: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها}.. وذلك ما كان يفعله ويقول به مشركو العرب؛ وهم يزاولون فاحشة التعري في الطواف ببيت الله الحرام - وفيهم النساء! - ثم يزعمون أن الله أمرهم بها. فقد كان أمر آباءهم بها ففعلوها، ثم هم ورثوها عن آبائهم ففعلوها! وهم - على شركهم - لم يكونوا يتبجحون تبجح الجاهليات الحديثة التي تقول: ما للدين وشؤون الحياة؟ وتزعم أنها هي صاحبة الحق في اتخاذ الأوضاع والشرائع والقيم والموازين والعادات والتقاليد من دون الله! إنما كانوا يفترون الفرية، ويشرعون الشريعة، ثم يقولون: الله أمرنا بها! وقد تكون هذه خطة ألأم وأخبث، لأنها تخدع الذين في قلوبهم بقية من عاطفة دينية؛ فتوهمهم أن هذه الشريعة من عند الله.. ولكنها على كل حال أقل تبجحاً ممن يزعم أن له الحق في التشريع للناس بما يراه أصلح لأحوالهم من دون الله! والله - سبحانه - يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بالتكذيب لهذا الافتراء على الله؛ وبتقرير طبيعة شرع الله وكراهته للفحشاء. فليس من شأنه سبحانه أن يأمر بها: {قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء. أتقولون على الله ما لا تعلمون؟}: إن الله لا يأمر بالفحشاء إطلاقاً - والفاحشة: كل ما يفحش أي يتجاوز الحد - والعري من هذه الفاحشة، فالله لا يأمر به. وكيف يأمر الله بالاعتداء على حدوده؟ والمخالفة عن أمره بالستر والحياء والتقوى؟ ومن الذي أعلمهم بأمر الله ذاك؟ إن أوامر الله وشرائعه ليست بالادعاء. إن أوامره وشرائعه واردة في كتبه على رسله. وليس هناك مصدر آخر يعلم منه قول الله وشرعه. وليس لإنسان أن يزعم عن أمر أنه من شريعة الله، إلا أن يستند إلى كتاب الله وإلى تبليغ رسول الله. فالعلم المستيقن بكلام الله هو الذي يستند إليه من يقول في دين الله.. وإلا فأي فوضى يمكن أن تكون إذا قدم كل إنسان هواه، وهو يزعم أنه دين الله!! إن الجاهلية هي الجاهلية. وهي دائماً تحتفظ بخصائصها الأصيلة. وفي كل مرة يرتد الناس إلى الجاهلية يقولون كلاماً متشابهاً؛ وتسود فيهم تصورات متشابهة، على تباعد الزمان والمكان.. وفي هذه الجاهلية التي نعيش فيها اليوم لا يفتأ يطلع علينا كاذب مفتر يقول ما يمليه عليه هواه ثم يقول: شريعة الله! ولا يفتأ يطلع علينا متبجح وقح ينكر أوامر الدين ونواهيه المنصوص عليها، وهو يقول: إن الدين لا يمكن أن يكون كذلك! إن الدين لا يمكن أن يأمر بهذا! إن الدين لا يمكن أن ينهى عن ذاك،.. وحجته هي هواه!!! {أتقولون على الله ما لا تعلمون؟}.. وبعد أن ينكر عليهم دعواهم في أن الله أمرهم بهذه الفاحشة، يبين لهم أن أمر الله يجري في اتجاه مضاد.. لقد أمر الله بالعدل والاعتدال في الأمور كلها لا بالفحش والتجاوز. وأمر بالاستقامة على منهج الله في العبادة والشعائر، والاستمداد مما جاء في كتابه على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولم يجعل المسألة فوضى، يقول فيها كل إنسان بهواه، ثم يزعم أنه من الله. وأمر بأن تكون الدينونة خالصة له، والعبودية كاملة؛ فلا يدين أحد لأحد لذاته ولا يخضع أحد لأمر أحد لذاته: {قل أمر ربي بالقسط، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين}.. هذا ما أمر الله به، وهو يضاد ما هم عليه.. يضاد اتباعهم لآبائهم وللشرائع التي وضعها لهم عباد مثلهم، مع دعواهم أن الله أمرهم بها.. ويضاد العري والتكشف وقد امتن الله على بني آدم بأنه أنزل عليهم لباساً يواري سوآتهم وريشاً يتجملون به كذلك.. ويضاد هذا الشرك الذي يزاولونه، بازدواج مصادر التشريع لحياتهم ولعبادتهم.. وعند هذا المقطع من البيان يجيء التذكير والإنذار؛ ويلوّح لهم بالمعاد إلى الله بعد انتهاء ما هم فيه من أجل مرسوم للابتلاء؛ وبمشهدهم في العودة وهم فريقان: الفريق الذي اتبع أمر الله، والفريق الذي اتبع أمر الشيطان: {كما بدأكم تعودون: فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ويحسبون أنهم مهتدون}.. إنها لقطة واحدة عجيبة تجمع نقطة البدء في الرحلة الكبرى ونقطة النهاية. نقطة الانطلاق في البدء ونقطة المآب في الانتهاء: {كما بدأكم تعودون}.. وقد بدأوا الرحلة فريقين: آدم وزوجه. والشيطان وقبيله.. وكذلك سيعودون.. الطائعون سيعودون فريقاً مع أبيهم آدم وأمهم حواء المسلمين المؤمنين بالله المتبعين لأمر الله.. والعصاة سيعودون مع إبليس وقبيله، يملأ الله منهم جهنم، بولائهم لإبليس وولايته لهم. وهم يحسبون أنهم مهتدون. لقد هدى الله من جعل ولايته لله. وأضل من جعل ولايته للشيطان.. وها هم أولاء عائدين فريقين: {فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة. إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون}. ها هم أولاء عائدين. في لمحة تضم طرفي الرحلة! على طريقة القرآن، التي يتعذر أن تتحقق في غير أسلوب القرآن! ثم يتكرر النداء إلى {بني آدم} في هذه الوقفة كذلك؛ قبل أن يتابع السياق الرحلة المديدة؛ في الطريق المرسوم: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين. قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟ قل: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون. قل: إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}.. إنه التوكيد بعد التوكيد على الحقائق الأساسية للعقيدة، في مواجهة ما عليه المشركون العرب في الجاهلية؛ وذلك في سياق النداء إلى بني آدم كافة، وفي مواجهة قصة البشرية الكبرى.. وأظهر هذه الحقائق هو الربط بين ما يحرمونه من الطيبات التي أخرجها الله لعباده دون إذن منه ولا شرع؛ وبين الشرك الذي هو الوصف المباشر لمن يزاول هذا التحريم، ويقول على الله ما لا يعلم، ويزعم من ذلك ما يزعم. إنه يناديهم أن يأخذوا زينتهم من اللباس الذي أنزله الله عليهم. وهو الرياش. عند كل عبادة؛ ومنها الطواف الذي يزاولونه عرايا، ويحرمون اللباس الذي لم يحرمه الله، بل أنعم به على العباد. فأولى أن يعبدوه بطاعته فيما أنزل لهم، لا بخلعه ولا بالفحش الذي يزاولونه: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد}.. ويناديهم كذلك ليتمتعوا بالطيبات من الطعام والشراب دون إسراف: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا. إنه لا يحب المسرفين}. وقد ورد أنه كان هناك تحريم في الطعام كالتحريم في الثياب. وكان هذا من مبتدعات قريش كذلك! وفي صحيح مسلم عن هشام عن عروة عن أبيه قال: "كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت. كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً، فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء. وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة؛ وكان الناس يبلغون عرفات. ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا. فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوباً، ولا يسارٌ يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عرياناً وإما أن يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه فلم يمسه أحد. وكان ذلك الثوب يسمى اللقى".. وجاء في تفسير القرطبي المسمى "أحكام القرآن": "وقيل إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسماً في أيام حجهم، ويكتفون باليسير من الطعام، ويطوفون عراة. فقيل لهم: {خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا، ولا تسرفوا} أي لا تسرفوا في تحريم ما لم يحرم عليكم".. والإسراف يكون بتجاوز الحد، كما قد يكون بتحريم الحلال. كلاهما تجاوز للحد. هذا باعتبار، وذاك باعتبار. ولا يكتفي السياق بالدعوة إلى اتخاذ الزينة عند كل مسجد، وإلى الاستمتاع بالطيب من الطعام والشراب. بل يستنكر تحريم هذه الزينة التي أخرجها الله لعباده، وتحريم الطيبات من الرزق. فمن المستنكر أن يحرم أحد - برأيه - ما أخرجه الله للناس من الزينة أو من الطيبات. فتحريم شيء أو تحليله لا يكون إلا بشرع من الله: {قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}؟ ويتبع الاستنكار بتقرير أن هذه الزينة من اللباس، وهذه الطيبات من الرزق، هي حق للذين آمنوا - بحكم إيمانهم بربهم الذي أخرجها لهم - ولئن كان سواهم يشاركهم فيها في هذه الدنيا، فهي خالصة لهم يوم القيامة لا يشاركهم فيها الذين كفروا: {قل: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة}.. ولن يكون الشأن كذلك، ثم تكون محرمة عليهم؛ فما يخصهم الله في الآخرة بشيء هو حرام! {كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون}. والذين {يعلمون} حقيقة هذا الدين هم الذين ينتفعون بهذا البيان. فأما الذي حرمه الله حقاً، فليس هو الزينة المعتدلة من اللباس، وليس هو الطيب من الطعام والشراب - في غير سرف ولا مخيلة - إنما الذي حرمه الله حقاً هو الذي يزاولونه فعلاً! {قل: إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}.. هذا هو الذي حرمه الله. الفواحش من الأعمال المتجاوزة لحدود الله. ظاهرة للناس أو خافية. والإثم. وهو كل معصية لله على وجه الإجمال. والبغي بغير الحق. وهو الظلم الذي يخالف الحق والعدل - كما بينهما الله أيضاً - وإشراك ما لم يجعل الله به قوة ولا سلطاناً مع الله - سبحانه - في خصائصه. ومنه هذا الذي كان واقعاً في الجاهلية، وهو الواقع في كل جاهلية. من إشراك غير الله ليشرع للناس؛ ويزاول خصائص الألوهية. وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. كالذي كانوا يقولونه من التحليل والتحريم. ومن نسبتهم هذا إلى أمر الله بغير علم ولا يقين.. ومن عجيب ما روي من حال المشركين الذين خوطبوا بهذه الآيات أول مرة؛ ووجه إليهم هذا الاستنكار الوارد في قوله تعالى: {قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده..} ما رواه الكلبي قال: "لما لبس المسلمون الثياب، وطافوا بالبيت عيرهم المشركون بها.. فنزلت الآية.." فانظر كيف تصنع الجاهلية بأهلها! ناس يطوفون ببيت الله عرايا؛ فسدت فطرتهم وانحرفت عن الفطرة السليمة التي يحكيها القرآن الكريم عن آدم وحواء في الجنة:{أية : فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}تفسير : فإذا رأوا المسلمين يطوفون بالبيت مكسوين، في زينة الله التي أنعم بها على البشر؛ لإرادته بهم الكرامة والستر؛ ولتنمو فيهم خصائص فطرتهم الإنسانية في سلامتها وجمالها الفطري، وليتميزوا عن العري الحيواني.. الجسمي والنفسي.. إذا رأوا المسلمين يطوفون ببيت الله في زينة الله وفق فطرة الله "عيروهم"! إنه هكذا تصنع الجاهلية بالناس.. هكذا تمسخ فطرهم وأذواقهم وتصوراتهم وقيمهم وموازينهم! وماذا تصنع الجاهلية الحاضرة بالناس في هذا الأمر غير الذي فعلته بالناس في جاهلية المشركين العرب؟ وجاهلية المشركين الإغريق؟ وجاهلية المشركين الرومان؟ وجاهلية المشركين الفرس؟ وجاهلية المشركين في كل زمان وكل مكان؟! ماذا تصنع الجاهلية الحاضرة بالناس إلا أن تعريهم من اللباس، وتعريهم من التقوى والحياء؟ ثم تدعو هذا رقياً وحضارة وتجديداً؛ ثم تعير الكاسيات من الحرائر العفيفات المسلمات، بأنهن "رجعيات". "تقليديات". "ريفيات"! المسخ هو المسخ. والانتكاس عن الفطرة هو الانتكاس. وانقلاب الموازين هو انقلاب الموازين. والتبجح بعد ذلك هو التبجح..{أية : أتواصوا به؟ بل هم قوم طاغون! }. تفسير : وما الفرق كذلك في علاقة هذا العري، وهذا الانتكاس، وهذه البهيمية، وهذا التبجح، بالشرك، وبالأرباب التي تشرع للناس من دون الله؟ لئن كان مشركو العرب قد تلقوا في شأن ذلك التعري من الأرباب الأرضية التي كانت تستغل جهالتهم وتستخف بعقولهم، لضمان السيادة لها في الجزيرة.. ومثلهم بقية الجاهليات القديمة التي تلقت من الكهنة والسدنة والرؤساء.. فإن مشركي اليوم ومشركاته يتلقون في هذا عن الأرباب الأرضية كذلك.. ولا يملكون لأمرهم رداً.. إن بيوت الأزياء ومصمميها، وأساتذة التجميل ودكاكينها، لهي الأرباب التي تكمن وراء هذا الخبل الذي لا تفيق منه نساء الجاهلية الحاضرة ولا رجالها كذلك! إن هذه الأرباب تصدر أوامرها، فتطيعها القطعان والبهائم العارية في أرجاء الأرض طاعة مزرية! وسواء كان الزي الجديد لهذا العام يناسب قوام أية امرأة أو لا يناسبه، وسواء كانت مراسم التجميل تصلح لها أو لا تصلح، فهي تطيع صاغرة.. تطيع تلك الأرباب. وإلا "عيرت" من بقية البهائم المغلوبة على أمرها! ومن ذا الذي يقبع وراء بيوت الأزياء؟ ووراء دكاكين التجميل؟ ووراء سعار العري والتكشف؟ ووراء الأفلام والصور والروايات والقصص، والمجلات والصحف، التي تقود هذه الحملة المسعورة.. وبعضها يبلغ في هذا إلى حد أن تصبح المجلة أو القصة ماخوراً متنقلاً للدعارة؟! من الذي يقبع وراء هذا كله؟ الذي يقبع وراء هذه الأجهزة كلها، في العالم كله.. يهود.. يهود يقومون بخصائص الربوبية على البهائم المغلوبة على أمرها! ويبلغون أهدافهم كلها من إطلاق هذه الموجات المسعورة في كل مكان.. أهدافهم من تلهية العالم كله بهذا السعار؛ وإشاعة الانحلال النفسي والخلقي من ورائه، وإفساد الفطرة البشرية، وجعلها ألعوبة في أيدي مصممي الأزياء والتجميل! ثم تحقيق الأهداف الاقتصادية من وراء الإسراف في استهلاك الأقمشة وأدوات الزينة والتجميل وسائر الصناعات الكثيرة التي تقوم على هذا السعار وتغذيه! إن قضية اللباس والأزياء ليست منفصلة عن شرع الله ومنهجه للحياة.. ومن ثم ذلك الربط بينها وبين قضية الإيمان والشرك في السياق. إنها ترتبط بالعقيدة والشريعة بأسباب شتى: إنها تتعلق قبل كل شيء بالربوبية، وتحديد الجهة التي تشرع للناس في هذه الأمور، ذات التأثير العميق في الأخلاق والاقتصاد وشتى جوانب الحياة. كذلك تتعلق بإبراز خصائص "الإنسان" في الجنس البشري، وتغليب الطابع "الإنساني" في هذا الجنس على الطابع الحيواني. والجاهلية تمسخ التصورات والأذواق والقيم والأخلاق. وتجعل العري - الحيواني - تقدماً ورقياً. والستر - الإنساني - تأخراً ورجعية! وليس بعد ذلك مسخ لفطرة الإنسان وخصائص الإنسان. وبعد ذلك عندنا جاهليون يقولون: ما للدين والزي؟ ما للدين وملابس النساء.؟ ما للدين والتجميل؟.. إنه المسخ الذي يصيب الناس في الجاهلية في كل زمان وفي كل مكان!!! ولأن هذه القضية التي تبدو فرعية، لها كل هذه الأهمية في ميزان الله وفي حساب الإسلام، لارتباطها أولاً بقضية التوحيد والشرك؛ ولارتباطها ثانياً بصلاح فطرة الإنسان وخلقه ومجتمعه وحياته، أو بفساد هذا كله.. فإن السياق يعقب عليها بإيقاع قوي مؤثر؛ يوقع به عادة في مواقف العقيدة الكبيرة.. إنه يعقب بتنبيه بني آدم، إلى أن بقاءهم في هذه الأرض محدود مرسوم؛ وأنه إذا جاء الأجل فلا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون: {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}. إنها حقيقة أساسية من حقائق هذه العقيدة، يوقع بها السياق على أوتار القلوب الغافلة - غير الذاكرة ولا الشاكرة - لتستيقظ، فلا يغرها امتداد الحياة! والأجل المضروب إما أجل كل جيل من الناس بالموت المعروف الذي يقطع الحياة. وإما أجل كل أمة من الأمم بمعنى الأمد المقدر لقوتها في الأرض واستخلافها.. وسواء هذا الأجل أو ذاك فإنه مرسوم لا يتقدمون عنه ولا يستأخرون. وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لاحظناه من التشابه العجيب في مواجهة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام.. ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولاً بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلاً من هذه التقاليد؛ وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه:{أية : أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين}تفسير : ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية:{أية : سيقول الذين أشركوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء! كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون: قل: فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين.قل: هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون}تفسير : حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم: تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به: عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره: {أية : قل: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً.. الخ }.. تفسير : وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات.. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده؛ ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش.. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأمره: {قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون}. مشيراً هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم.. حتىإذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلاً: {قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}.. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام - لا ما يدعونه هم وينسبونه إلى الله -: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد}.. {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين}.. وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون! ذات القضية، وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات.. وصدق الله العظيم:{أية : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}تفسير : وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة.. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية.. وسبحان منزل هذا القرآن!..
ابن عاشور
تفسير : إذا جرينا على ظاهر التّفاسير كان قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً} الآية استئنافاً ابتدائياً، عاد به الخطاب إلى سائر النّاس الذين خوطبوا في أوّل السّورة بقوله: {أية : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم}تفسير : [الأعراف: 3] الآيات، وهم أمّة الدّعوة، لأنّ الغرض من السّورة إبطال ما كان عليه مشركو العرب من الشّرك وتوابعه من أحوال دينهم الجاهلي، وكان قوله: {أية : ولقد خلقناكم ثم صورناكم} تفسير : [الأعراف: 11] استطراداً بذكر منّة الله عليهم وهم يكفرون به كما تقدّم عند قوله تعالى: {ولقد خلقناكم} فخاطبتْ هذه الآية جميع بني آدم بشيء من الأمور المقصودة من السّورة فهذه الآية كالمقدّمة للغرض الذي يأتي في قوله: {أية : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} تفسير : [الأعراف: 31] ووقوعها في أثناء آيات التّحذير من كيد الشّيطان جعلها بمنزلة الاستطراد بين تلك الآيات وإن كانت هي من الغرض الأصلي. ويجوز أن يكون قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً} وما أشبهه ممّا افتتح بقوله: {يا بني آدم} أربعَ مرّات، من جملة المقول المحكي بقوله: {أية : قال فيها تحيون} تفسير : [الأعراف: 25] فيكون ممّا خاطب الله به بني آدم في ابتداء عهدهم بعمران الأرض على لسان أبيهم آدمَ، أو بطريق من طرق الإعلام الإلهي، ولو بالإلهام، لما تَنشأ به في نفوسهم هذه الحقائق، فابتدأ فأعلمهم بمنَّته عليهم أن أنزل لهم لباساً يواري سَوْآتهم، ويتجمّلون به بمناسبة ما قصّ الله عليهم من تعري أبويهم حين بدت لهما سَوءاتُهما، ثمّ بتحذيرهم من كيد الشّيطان وفتنته بقوله: {أية : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان} تفسير : [الأعراف: 27] ثمّ بأن أمرهم بأخذ اللّباس وهو زينة الإنسان عند مواقع العبادة لله تعالى بقوله: {أية : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد}تفسير : [الأعراف: 31]، ثمّ بأن أخذ عليهم العهد بأن يُصدّقوا الرّسل وينتفعوا بهديهم بقوله: {أية : يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم} تفسير : [الأعراف: 35] الآية، واستطرد بين ذلك كلّه بمواعظ تنفع الذين قُصدوا من هذا القَصص، وهم المشركون المكذّبون محمّداً صلى الله عليه وسلم فهم المقصود من هذا الكلام كيفما تفنّنت أساليبه وتناسقَ نظمُه، وأيًّا ما كان فالمقصود الأوّل من هذه الخطابات أو من حكايتها هم مشركُو العرب ومكذّبو محمّد صلى الله عليه وسلم ولذلك تخللتْ هذه الخطاباتِ مُستطرَدَاتٌ وتعريضاتٌ مناسبة لما وضعه المشركون من التّكاذيب في نقض أمر الفطرة. والجُمل الثّلاث من قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً} ــــ وقوله ــــ {أية : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان} تفسير : [الأعراف: 27] ــــ وقوله ــــ {أية : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} تفسير : [الأعراف: 31] متّصلة تمام الاتّصال بقصّة فتنة الشّيطان لآدم وزوجه، أو متّصلة بالقول المحكي بجملة: {أية : قال فيها تحيون} تفسير : [الأعراف: 25] على طريقة تعداد المقول تعداداً يشبه التّكرير. وهذا الخطاب يشمل المؤمنين والمشركين، ولكن الحظّ الأوفر منه للمشركين: لأنّ حظّ المؤمنين منه هو الشّكر على يَقينهم بأنّهم موافقون في شؤونهم لمرضاة ربّهم، وأمّا حظّ المشركين فهو الإنذار بأنّهم كافرون بنعمة ربّهم، معرّضون لسخطه وعقابه. وابتُدىء الخطاب بالنّداء ليقع إقبالهم على ما بعده بشراشر قلوبهم، وكان لاختيار استحضارهم عند الخطاب بعنوان بني آدم مرّتين وقْع عجيب، بعد الفراغ من ذكر قصّة خلق آدم وما لقيه من وسوسة الشّيطان: وذلك أنّ شأن الذرّية أن تثأر لآبائها، وتعادي عدوّهم، وتحترس من الوقوع في شَرَكه. ولمّا كان إلهام الله آدمَ أن يَستر نفسه بوَرق الجنّة مِنَّةٌ عليه، وقد تقلّدها بنوه، خوطب النّاس بشمول هذه المنّة لهم بعنوان يدلّ على أنّها منّةٌ موروثة، وهي أوقع وأدعى للشّكر، ولذلك سمّى تيسير اللّباس لهم وإلهامهم إياه إنزالاً، لقصد تشريف هذا المظهر، وهو أوّل مظاهر الحَضارة، بأنّه منزّل على النّاس من عند الله، أو لأنّ الذي كان مِنْهُ على آدم نزل به من الجنّة إلى الأرض التي هو فيها، فكان له في معنى الإنزال مزيد اختصاص، على أنّ مجرّد الإلهام إلى استعماله بتسخير إلهي، مع ما فيه من عظيم الجدوى على النّاس والنّفع لهم، يحسِّن استعارة فعل الإنزال إليه، تشريفاً لشأنه، وشاركه في هذا المعنى ما يكون من الملهمات عظيم النّفع، كما في قوله: {أية : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للنّاس} تفسير : [الحديد: 25] أي أنزلنا الإلهام إلى استعماله والدّفاعِ به، وكذلك قوله: {أية : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} تفسير : [الزمر: 6] أي: خلَقها لكم في الأرض بتدبيره، وعلَّمكم استخدامها والانتفاعَ بما فيها، ولا يطرد في جميع ما أُلهم إليه البشر ممّا هو دون هذه في الجدوى، وقد كان ذلك اللّباس الذي نزل به آدم هو أصل اللّباس الذي يستعمله البشر. وهذا تنبيه إلى أنّ اللّباس من أصل الفطرة الإنسانيّة، والفطرة أوّل أصول الإسْلام، وأنّه ممّا كرم الله به النّوع منذ ظهوره في الأرض، وفي هذا تعريض بالمشركين إذ جعلوا من قرباتهم نزع لباسهم بأن يحجّوا عُراة كما سيأتي عند قوله: {أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} تفسير : [الأعراف: 32] فخالفوا الفطرة، وقد كان الأمم يحْتفلون في أعياد أديانهم بأحسن اللّباس، كما حكى الله عن موسى عليه السّلام وأهل مصر: {أية : قال موعدكم يوم الزينة} تفسير : [طه: 59]. واللّباس اسم لما يلبَسه الإنسان أي يستُر به جزءاً من جسده، فالقميص لباس، والإزار لباس، والعمامة لباس، ويقال لبس التّاج ولبس الخاتم قال تعالى: {أية : وتستخرجون حلية تلبسونها} تفسير : [فاطر: 12] ومصدر لبس اللّبس ــــ بضمّ اللاّم ــــ. وجملة: {يواري سوآتكم} صفة (للباساً) وهو صنف اللّباس اللاّزم، وهذه الصّفة صفة مَدح اللّباس أي من شأنه ذلك وإن كان كثير من اللّباس ليس لمواراة السوآت مثل العمامة والبرد والقباء وفي الآيه إشارة إلى وجوب ستر العورة المغلظة، وهي السوأة، وأمّا ستر ما عداها من الرّجل والمرأة فلا تدلّ الآية عليه، وقد ثبت بعضه بالسنّة، وبعضه بالقياس والخوض في تفاصيلها وعللها من مسائل الفقه. والرّيش لباس الزّينة الزائد على ما يستر العورة، وهو مستعار من ريش الطّير لأنّه زينته، ويقال للباس الزّينة رِياش. وعطف (ريشاً) على: {لباساً يوارى سوآتكم} عطفَ صنف على صنف، والمعنى يَسَّرنا لكم لباساً يستركم ولباساً تتزيّنون به. وقوله: {ولباس التقوى} قرأه نافع، وابن عامر، والكسائي، وأبُو جعفر: بالنّصب، عطفاً على {لباساً} فيكون من اللّباس المُنْزَل أي الملهَم، فيتعيّن أنّه لباس حقيقة أي شيء يلبس. والتّقوى، على هذه القراءة، مصدر بمعنى الوقاية، فالمراد: لَبوس الحرب، من الدّروع والجواشن والمغافر. فيكون كقوله تعالى: {أية : وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم} تفسير : [النحل: 81]. والإشارة باسم الإشارة المفرد بتأويل المذكور، وهو اللّباس بأصنافه الثّلاثة، أي خير أعطاه الله بني آدم. فالجملة مستأنفة أو حال من {لباساً} وما عطف عليه. وقرأه ابن كثير، وعاصم، وحمزة، وأبو عمرو، ويعقوب، وخَلف: برفع {لباس التقوى} على أنّ الجملة معطوفة على جملة {قد أنزلنا عليكم لباساً}، فيجوز أن يكون المراد بلباس التّقوى مثل ما يرد به في قراءة النّصب، ويجوز أن يكون المراد بالتّقوى تقوى الله وخشيته، وأطلق عليها اللّباس إمّا بتخييل التّقوى بلباس يُلبس، وإمّا بتشبيه ملازمة تقوى الله بملازمة اللاّبس لباسه، كقوله تعالى: {أية : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}تفسير : [البقرة: 187] مع ما يحسِّن هذا الإطلاق من المشاكلة. وهذا المعنى الرّفعُ أليقُ به. ويكون استطراداً للتّحريض على تقوى الله، فإنّها خير للنّاس من منافع الزّينة، واسم الإشارة على هذه القراءة لتعظيم المشار إليه. وجملة: {ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} استئناف ثان على قراءة: {ولباس التقوى} بالنّصب بأن استأنف. بعد الامتنان بأصناف اللبّاس، استئنافين يؤذنان بعظيم النّعمة: الأوّل بأنّ اللّباس خير للنّاس، والثّاني بأنّ اللّباس آية من آيات الله تدلّ على علمه ولطفه، وتدلّ على وجوده، وفيها آية أخرى وهي الدّلالة على علم الله تعالى بأن ستكون أمّة يَغلب عليها الضّلال فيكونون في حجّهم عُراةً، فلذلك أكّد الوصاية به. والمشار إليه، بالإشارة التي في الجملة الثّانية، عين المشار إليه بالإشارة التي في الجملة الأولى وللاهتمام بكلتا الجملتين جعلت الثّانية مستقلّة غير معطوفة. وعلى قراءة رفع: {ولباس للتقوى} تكون جملة: ذلك من آيات الله استئناف واحداً والإشارة التي في الجملة الثّانية عائدة إلى المذكور قبلُ من أصناف اللّباس حتّى المجازي على تفسير لباس التّقوى بالمجازي. وضمير الغيبة في: {لعلهم يذكرون} التفات أي جعل الله ذلك آية لعلّكم تتذكّرون عظيم قدرة الله تعالى وانفراده بالخلق والتّقدير واللّطف، وفي هذا الإلتفات تعريض بمن لم يتذكر من بني آدم فكأنّه غائب عن حضرة الخطاب، على أنّ ضمائر الغيبة، في مثل هذا المقام في القرآن، كثيراً ما يقصد بها مشركو العرب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وريشاً: لباس الزينة والحاجة. يواري سوءاتكم: يستر عوراتكم. لباس التقوى: خير في حفظ العورات والأجسام والعقول والأخلاق. من آيات الله: دلائل قدرته. لا يفتننكم: أي لا يصرفنكم عن طاعة الله الموجبة لرضاه ومجاورته في الملكوت الأعلى. أبويكم: آدم وحواء. قبيله: جنوده من الجن. فاحشة: خصلة قبيحة شديدة القبح كالطواف بالبيت عراة. معنى الآيات: قوله تعالى {يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً} هذا النداء الكريم المقصود منه تذكير للمشركين من قريش بنعم الله وقدرته عليهم لعلهم يذكرون فيؤمنون ويسلمون بترك الشرك والمعاصي، من نعمه عليهم أن أنزل عليهم لباساً يوارون به سوءاتهم، {وَرِيشاً} لباساً يتجملون به، في أعيادهم ومناسباتهم، ثم أخبر تعالى أن لباس التقوى خير لصاحبه من لباس الثياب، لأن المتقي عبد ملتزم بطاعة الله ورسوله، والله ورسوله يأمران بستر العورات، ودفع الغائلات، والمحافظة على الكرامات، ويأمران بالحياء، والعفة وحسن السمت ونظافة الجسم والثياب فأين لباس الثياب مجردة عن التقوى من هذه؟؟. وقوله تعالى {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} أي من دلائل قدرته الموجبة للإِيمان به وطاعته، وقوله {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي رجاء أن يذكروا هذه النعم فيشكروا بالإِيمان والطاعة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [26] وفي الآية الثانية [27] ناداهم مرة ثانية فقال {يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ} يحذرهم من إغواء الشيطان لهم مذكراً إياهم بما صنع مع أبويهما من إخراجهما من الجنة بعد نزعه لباسهما عنهما فانكشفت سوءاتهما الأمر الذي سبب إخراجهما من دار السلام، منبهاً لهم على خطورة العدو من حيث أنه يراهم هو وجنوده، وهم لا يرونهم، ثم أخبر تعالى أنه جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون، وذلك حسب سنته في خلقه، فالشياطين يمثلون قمة الشر والخبث، فالذين لا يؤمنون قلوبهم مظلمة لانعدام نور الإِيمان فيها فهي متهيئة لقبول الشياطين وقبول ما يوسوسون به ويوحونه من أنواع المفاسد والشرور كالشرك والمعاصي على اختلافها، وبذلك تتم الولاية بين الشياطين والكافرين، وكبرهان على هذا الولاء بينهم أن المشركين إذا فعلوا فاحشة خصلة ذميمة قبيحة شديدة القبح ونهوا عنها احتجوا على فعلهم بأنهم وجدوا آباءهم يفعلونها، وأن الله تعالى أمرهم بها وهي حجة باطلة لما يلي أولا: فعل آبائهم ليس ديناً ولا شرعاً. ثانيا: حاشا لله تعالى الحكيم العليم أن يأمر بالفواحش إنما يأمر بالفواحش الذين يأتونها وهم الشياطين وأوليائهم من الإنس ولهذا رد الله تعالى عليهم بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} ووبخهم معنفاً إياهم بقوله: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التذكير بنعم الله تعالى المقتضي للشكر على ذلك بالإِيمان والتقوى. 2- التحذير من الشيطان وفتنته لاسيما وأنه يرى الإِنسان والإِنسان لا يراه. 3- القلوب الكافرة هي الآثمة، وبذلك تتم الولاية بين الشياطين والكافرين. 4- قبح الفواحش وحرمتها. 5- بطلان الاحتجاج بفعل الناس إذ لا حجة إلا في الوحي الإِلهي. 6- تنزه الرب تعالى عن الرضا بالفواحش فضلاً عن الأمر بها.
القطان
تفسير : الريش: اللباس الفاخر، وما يتزين به لباس التقوى: هو الطاعة والعمل الصالح والتقيد بما امر الله. الفتنة، الابتلاء والاختبار القبيل: الجماعة. بعد ان ذكر الله تعالى خبر آدم وحواء والشيطان، وإبعادهم جميعاً إلى الأرض، وذكر ان الشيطان عدو لهما - بيّن هنا أنه انعم على آدم ونسله بأن خلق لهم كلَّ ما يحتاجونه من اللباس والطعام، وأن خير لباس يتزيّن به الإنسان هو تقوى الله. لذلك حذّرهم من الشيطان وفتنته بوسائله الكثيرة وأتباعه المتنوّعين. هنا نادى الله بني آدم وامتنّ عليهم بما أنعم عليم من اللباس على اختلاف انواعه، وقال لهم: لقد خَلقنا لكم، ملابس تستر عوارتِكم، وموادّ تتزينون بها، لكن الطاعةَ والتقوى خير لباس يقيكم العذاب فتجمّلوا بها وتلك النعم من الآيات الدالة على قدرة الله، وعلى رحمته، ليتذكر الناس بها عظمته وأنه وحده يستحق الالوهية وتلك القصة من سُنن الله الكونية التي تبيّن جزاءَ مخالفة أمرِ الله فيتذكر بها الناس ويحرِصُون على طاعة ربهم. وهذا معنى قوله تعالى: {ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}. {يَابَنِيۤ آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ....}. يا بني آدم لا تستجيبوا للشيطان ولا تغفلوا عن محاولته خداعكم وايقاعكم في المعاصي، فتخرجوا من هذه النعم التي لا تدوم بالشكر والطاعة. إياكم أن تفعلوا كما فعل أبواكم آدمُ وحواء، فأخرجهما الشيطان من النعيم والكرامة. انه يأتيكم وأعوانُه بوسائل متعددة، حيث لا تشعرون بهم، ولا تُحسّون بأساليبهم ومكرهم. وليس للشيطان سلطانٌ على المؤمنين، إذ جعلناه وأعواَنه أولياءَ للّذين لا يؤمنون إيماناً صادقاً، فهم اتباعه وجنوده. قراءات: قرأ نافع وابن عامر والكسائي "ولباس التقوى" بالنصب، والباقون بالرفع.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَابَنِيۤ ءَادَمَ} {يُوَارِي} {سَوْءَاتِكُمْ} {آيَاتِ} (26) - يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ اللِّبَاسِ (وَهُوَ مَا يُلْبَسُ لِسَتْرِ العَوْرَةِ)، وَمِنَ الرِّيشِ (وَهُوَ مَا يُتَجَمَّلُ بِهِ ظَاهِراً). ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى لَهُمْ إنَّ خَشْيَةَ اللهِ، وَالخُوْفَ مِنْهُ، هُمَا أَفْضَلَ مَا يَكْسِبُهُ الإِنْسَانُ وَيَلْبَسُهُ. وَذَلِكَ الذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ النِّعَمِ بِإِنْزَالِ المَلاَبِسِ هُوَ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَدَلاَئِلِ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ عَلَى بَنِي آدَمَ. (وَقِيلَ بَلِ المَقْصُودُ بِلِبَاسِ التَّقْوَى - هُوَ مَا يُلْبَسُ مِنَ الدُّرُوعِ وَالمَغَافِرِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُتَّقَى بِهِ البَأْسُ فِي الحَرْبِ). الرِّيشُ - لِبَاسُ الحَاجَةِ وَالزِّينَةِ. أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ - أَعْطَيْنَاكُمْ وَوَهَبْنَاكُمْ. لِبَاسُ التَّقْوى - الإِيمَانُ وَثَمَرَاتُهُ.
الثعلبي
تفسير : {يَابَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ} أي خلقنا لكم، وقيل: نزّلنا أسبابه وآلاته لأنه [المثبّت] بما يقول. وقيل: [على الحكم] كبقيّة صنعته وذلك أن قريشاً كانوا يطوفون بالبيت عراة وقوله {لِبَاساً} وهو ما يُلبس من الثياب {يُوَارِي} يستر {سَوْءَاتِكُمْ} عوراتكم واحدها سوءة، وهي فعلة من السوء سمّيت سوأة لأنّه يسوء صاحبها إنكشافها من جسده {وَرِيشاً} يعني مالاً في قول ابن عباس والضحاك والسدي، فقال: الريش: الرجل إذا [تموك] وقال ابن زيد: الريش الجمال. وقيل: هو اللباس. وحكي أبو عمرو أنّ العرب تقول: أعطاني فلان ريشة أي كسوة وجهازة. وقرأ عثمان بن عفان والحسن وأبو عبد الرحمن وأبو رجاء وقتادة: ورياشاً بالألف وهو جمع ريش مثل ذئب وذياب وبير وبيار وقَدِحَ وقداح. قال قطرب: الريش والرياش واحد، كقولك دبغ ودباغ ولبس ولباس وحل وحلال وحرم وحرام، ويجوز أن يكون مصدراً من قول القائل: راشه إليه بريشه رياشاً. والرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من المتاع والثياب و الفراش وغيرها. وقال ابن عباس: الرياش اللباس والعيش والنعيم. وقال الأخفش: الرياش الخصبة والمعايش. {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} قرأ أهل المدينة والشام. والكسائي ولباس التقوى بالنصب عطفاً على الريش. وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء وخبره (خير). وجعلوا ذلك صلة في الكلام، وكذلك قرأ ابن مسعود وأُبي بن كعب: ولباس التقوى خير. واختلفوا في لباس التقوى ماهو [هل] يدلّ على لباس التقوى [الدرع] والساعدان. والساقان. والآلات التي يتّقى بها في الحرب مع العدو. وقال قتادة والسدي وابن جريج: لباس التقوى هو الإيمان. وقال معبد الجهني: هو الحياة. وأنشدني أبو القاسم [السدوسي] قال: أنشدني أبو عرابة الدوسي في معناه شعر : إني كأني أرى من لا حيالة ولا أمانة وسط الناس عُرياناً. تفسير : عطيّة عن ابن عباس: هو العمل الصالح وروى الذبال بن عمرو عن ابن عباس قال: هو السمت الحسن في الوجه. وقال الحسن: رأيت عثمان بن عفان (رضي الله عنه) على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قميص قوهي محلول الزر وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحمام، ثمّ قال: أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : والذي نفس محمد بيده ماعمل أحدٌ قط سراً إلاّ ألبسه الله رداءه علانية إن خيراً فخير وإن شراً فشر" تفسير : ثمّ تلا هذه الآية {وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} قال: السمت الحسن. وقال عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية الله، ابن زيد: ستر للعورة يتقي الله فيواري عورته {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} قال وهب بن منبه: الإيمان عريان لباسه التقوى وزينته الحياء وفاله [الفقه] وجماله العفّة، وثمره العمل الصالح. {يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} لا يعلّمنّكم ولا يستزلّنكم فتبدي برأيكم للناس في الطواف بطاعتكم. {كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ} {إِنَّهُ} يعني الشيطان {يَرَاكُمْ} يابني آدم {هُوَ وَقَبِيلُهُ} خيله وجنوده وهم الجن والشياطين. قال ابن زيد: نسله {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} قال مجاهد: قال إبليس: جعل لنا أربعاً: نرى ولا يُرى ونخرج من تحت الثرى. ويعود شيخنا فتى. قال مالك بن دينار: إن عدواً [يراك] ولا تراه لشديد [المؤنة] إلاّ مَنْ عصم الله. وسمعت أبا القاسم [الحبيبي] قال: سمعت أبي قال: سمعت عليّ بن محمد الورّاق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: الشيطان قديم وأنت حديث والشيطان ليّن وأنت ناعم الناحية والشيطان يراك وأنت لا تراه والشيطان لا ينساك وأنت لا تزال تنساه ومن نفسك له عون وليس لك منه عون. وقيل: صدر ابن آدم مسكن له ويجري من ابن آدم مجرى الدم، وأنه لا يقاومه إلاّ بعون الله. ومنه يقول: ولا أراه من حيث يراني. وعندما أنساه لا ينساني فسيدي إن لم [تغث] يسبيني كما سبا آدم من جنانك. قال ذو النون المصري: إن كان هو يراك من حيث لا تراه فإنّ الله يراه من حيث لا يرى الله فاستعن بالله عليه فإنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً. {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ} أعواناً وقرناء {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} وفاحشتهم أنّهم كانوا يطوفون بالبيت عُراة الرجال [بالنهار والنساء بالليل]. ويقولون: نطوف كما ولدتنا أُمهاتنا ولا نطوف في الثياب التي اقترفنا فيها الذنوب. وكانت المرأة تضع على قُبُلها النسعة أو الشيء وتقول: شعر : اليوم يبدو بعضه أو كلّه وما بدى منه فلا أُحلّه تفسير : وفي الآية إضمار ومعناه {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} ونُهوا عنها {قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا} قيل: من أين أخذوا آباؤكم قالوا: {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} قال ابن عباس: بلا إله إلاّ الله، وقال الضحاك: التوحيد، وقال مجاهد والسدي: بالعدل {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} قال مجاهد والسدي وابن زيد: يعني وجهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة. وقال الضحاك: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند المسجد فصلّوا فيه ولا تقولن: أحب أن أُصلي في مسجدي، وإذا لم يكن عند مسجد [فليأت] أيّ مسجد فليصلِّ فيه. وقال الربيع: معناه واجعلوا سجودكم لله سبحانه وتعالى خالصاً دون ما سواه من الآلهة والأنداد {وَٱدْعُوهُ} واعبدوه {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} الطاعة والعبادة {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : تبعث كل نفس على ما كانت عليه ". تفسير : قال ابن عباس: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمناً وكافراً كما قال {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} تفسير : [التغابن: 2] ثمّ يعيده يوم القيامة كما بدأ خلقهم كافراً ومؤمناً، فيبعث المؤمن مؤمناً والكافر كافراً. وقال جابر: يبعثون على ما ماتوا عليه المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه. وقال أبو العالية: عادوا إلى علمه فيهم. قال محمد بن كعب: من ابتدأ خلقه على الشقوة صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه وإن عمل بإعمال أهل السعادة، كما أنّ إبليس عمل أعمال أهل السعادة صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه وإن عمل أهل الشقاوة، كما أنّ السحرة عملت أعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدأ عليه خلقهم. وقال سعيد بن جبير: معناه كما كتب عليكم يكونون نضير قوله {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} تفسير : [ألأنبياء: 104]. قال قتادة: خلقكم من التراب وإلى التراب تعودون نضير قوله {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ} تفسير : [طه: 55]. وقال الربيع ابن أنس: كما بدأكم عرياناً تعودون لهم عرياناً. نضيره قوله: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام: 94]. وقال السدي: كما خلقكم فريق مهتدون وفريق ضلال، كذلك تعودون تخرجون من بطون أُمهاتكم، قال الحسن ومجاهد: كما بدأكم فخلقكم فريق مهتدون وفريق ضلال. كذلك تعودون يوم القيامة، نضيره قوله {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} تفسير : [ألأنبياء: 104]. روي سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يُحشر الناس حُفاة عُراة وأوّل من يُكسى إبراهيم عليه السلام" تفسير : ثمّ قرأ {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} تفسير : [ألأنبياء: 104]. {فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة {يَابَنِيۤ ءَادَمَ} لفت إلى أن تتذكروا ماضي أبيكم مع عدوكم المبين، إبليس، أنتم أولاد آدم، والشيطان موجود، فانتبهوا. لقد أنزل الحق عليكم لباسا يواري سوءاتكم؛ لأن أول مخالفة حدثت كشفت السوءة، والإنزال يقتضي جهة علو لنفهم أن كل خير في الأرض يهبط مدده من السماء، وسبحانه هو من أنزل اللباس لأنه هو الذي أنزل المطر، والمطر روى بذور النبات فخرجت النباتات التي غزلناها فصارت ملابس، وكأنك لو نسبت كل خير لوجدته هابطا من السماء. ولذلك يمتن الحق سبحانه وتعالى على عباده فيقول: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ...} تفسير : [الزمر: 6] نعم هو الذي أنزل من الأنعام أيضاً لأن السببية في النبات من مرحلة أولى، والسببية في الحيوان من مرحلة ثانية، فهو الذي جعل النبات يخرج من الأرض ليتغذى عليه الحيوان، ويقول سبحانه أيضاً: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ...} تفسير : [الحديد: 25] نعم فسبحانه هو من أنزل الحديد أيضاً؛ لأننا نأخذه من الأرض التي خلقها الله، وهذا دليل على أن التنزيلات إنما أراد الله أن يحمي بها كل منهج. {يَابَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ...} [الأعراف: 26] فإذا كنا قد أنزلنا اللباس يواري سوءات الحس وسوءات المادة، كذلك أنزلنا اللباس الذي يواري سوءات القيم. فكلما أنكم تحسّون وتدركون أن اللباس المادي يداري ويواري السوءة المادية الحسية فيجب أن تعلموا أيضاً أن اللباس الذي ينزله الله من القيم إنما يواري ويستر به سواءتكم المعنوية. ولباس الحياة المادية لم يقف عند موارة السوءات فقط، بل تعدى ذلك إلى ترف الحياة أيضاً. لذلك قال الحق: {...قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26] والريش كساء الطير، وقديماً كانوا يأخذون ريش الطير ليزينوا به الملابس. وكانوا يضعون الريش على التيجان، وأخذ العوام هذه الكلمة وقالوا: فلان مريش أي لا يملك مقومات الحياة فقط، بل عنده ترف الحياة أيضاً، فكأن هذا القول الكريم قد جاء بمشروعية الترف شريطة أن يكون ذلك في حل. وقيل أن يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى مقومات الحياة لفتنا إلى الجمال في الحياة، فقال سبحانه: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً...} تفسير : [النحل: 8] والركوب لتجنب المشقة، والزينة من أجل الجَمَال. وكذلك يقول الحق سبحانه: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ...} تفسير : [الأعراف: 32] بل سبحانه طلب زينتنا في اللقاء له في بيته فيقول: {أية : يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ...} تفسير : [الأعراف: 31] إذن فهذا أمر بالزينة، وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: {وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ...} [الأعراف: 26] نعم إن لباس التقوى خير من ذلك كله؛ لأن اللباس المادي يستر العورة المادية، وقصاراه أن يكون فيه مواراة وستر لفضوح الدنيا، لكن لباس التقوى يواري عنا فضوح الآخرة. أو لباس التقوى هو الذي تتقون به أهوال الحروب؛ إنّه خير من لباس الزينة والرياش لأنكم تحمون به أنفسكم من القتل، أو ذلك اللباس- لباس التقوى- خير من اللباس المادي وهو من آيات الله، أي من عجائبه، وهو من الأشياء اللافتة؛ فالإِنسان منكم مكون من مادة لها احتياجات مادية وعورات مادية، وهناك أمور قيمية لا تنتظم الحياة إلا بها، وقد أعطاك الحق مقومات الحياة المادية، وزينة الحياة المادية، وأعطاك ما تحيا به في السلم والحرب، ومنهج التقوى يحقق لك كل هذه المزايا. فخذ الآيات مما تعلم ومما تحس لتستنبط منها ما يغيب عنك مما لا تحس. ويقول الحق بعد ذلك: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ} والرِّيشُ والرِّياشُ: ما ظَهَرَ من اللباسِ. والرِّياشُ أيضاً: المعاشُ والخِصْبُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ} الحياءُ.
الأندلسي
تفسير : {يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً} الآية مناسبتها لما قبلها، هو أنه تعالى ذكر قصة آدم وفيها ستر السوآت وجعل في الأرض له مستقراً ومتاعاً، ذكر ما امتن به على نبيه وما أنعم به عليهم من اللباس الذي يواري السوآت والرياش الذي يمكن به استقرارهم في الأرض واستمتاعهم بما حولهم. {قَدْ أَنزَلْنَا} إلإِنزال مجاز من باب إطلاق السبب على مسببه فأنزل المطر وهو سبب ما يتهيأ به اللباس، واللباس يعم جميع ما يلبس ويستر. والريش معروف، وهو هنا عبارة عن سعة الرزق ورفاهة العيش والتمتع. وقال الزمخشري: لباس الزينة استعير من ريش الطائر، لأنه لباسه وزينته، أي أنزلنا عليكم لباسين لباساً يواري سوآتكم، ولباساً يزينكم لأن الزينة غرض صحيح. وكما قال تعالى: {أية : لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} تفسير : [النحل: 8]، ولكم فيها جمال. "انتهى". ويحسّنه قوله تعالى: {أية : حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} تفسير : [النحل: 14، فاطر: 12] وقرىء: ولباس بالنصب عطفاً على ما قبله. وقرىء: بالرفع وهو مبتدأ وذلك خبر مبتدأ وخير خبر عن قوله: ولباس، والرابط بينهما إسم الإِشارة كا يربط المضمر. وكأنه قال ولباس التقوى هو خبر. والإِشارة بقوله: {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} إلى ما تقدم من إنزال اللباس والرياش ولباس التقوى. والمعنى من آيات الله الدالة على فضله ورحمته على عباده. {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} هذه النعم فيشكرون الله تعالى عليها. {يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} أي لا يستهوينكم ويغلب عليكم، وهو نهي للشيطان. والمعنى نهيهم أنفسهم عن الإصغاء إليه والطواعية لأمره، كما قالوا: لا أرَيَنّك ها هنا، ومعناه النهي عن الإِقامة بحيث يراه. و{كَمَآ} في موضع نصب أي فتنة، مثل فتنة إخراج أبويكم من الجنة. و{يَنزِعُ} حال من الضمير في أخرج أو من أبويكم لأن الجملة فيها ضمير الشيطان وضمير الأبوين ونسب النزع والإِراءة إلى الشيطان لما كان متسبباً فيه. {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} قال الزمخشري: الضمير في أنه يراكم ضمير الشأن والحديث. "انتهى" ولا ضرورة تدعو إلى هذا بل الظاهر أنه ضمير عائد على الشيطان وهو إبليس يبصركم هو وجنوده من الجهة التي لا تبصرونه منها وهم أجسام لطيفة معلوم من هذه الشريعة، وجودهم، كما أن الملائكة أيضاً معلوم وجودهم من هذا الشريعة، ولا يستنكر وجود أجسام لطيفة جداً لا نراها نحن. ألا ترى أن الهواء جسم لطيف لا ندركه نحن وقد قام البرهان العقلي القاطع على وجوده وقد صح تصورهم في الأجسام الكثيفة. ورؤية بني آدم لهم في الأجسام كالشيطان الذي رآه أبو هريرة حين جعل يحفظ تمر الصدقة، والعفريت الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيه: حديث : لولا دعوة أخي سليمان لربطته إلى سارية من سواري المسجد تفسير : الحديث. وكحديث خالد بن الوليد حين سير لكسر ذي الخلصة. وكحديث سوار بن قارب مع رئيه من الجن إلا أن رؤيتهم في الصور نادرة، كما أن الملائكة تبدو في صور كحديث جبريل عليه السلام. وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ}، تعليل للنهي وتحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو المواجي يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون. {إِنَّا جَعَلْنَا} إي صيرنا. {ٱلشَّيَاطِينَ} الآية، ناصريهم ومعاضديهم في الباطل. {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} الظاهر أنه اخبار مستأنف عن هؤلاء الكفار بما كانوا يقولون إذا ارتكبوا الفواحش. وقولهم: {وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا} تقليد لآبائهم في فعل ذلك. والتقليد ليس طريقاً لحصول العلم. وقولهم: {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} إفتراء عليه تعالى. وكانوا يقولون: لو كره الله ذلك لنقلنا عنها. {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} أي بفعل الفحشاء. وإنما لم يرد التقليد لظهور بطلانه، فأبطل تعالى دعواهم إن الله أمر بها، إذ مدرك ذلك إنما هو الوحي على لسان الرسل والأنبياء ولم يقع ذلك. {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ومجنهم على كذبهم ووقفهم على ما لا علم لهم به ولا رواية لهم فيه بل هي دعوى واختلاق. {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل. {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ} معطوف على ما ينحل إليه المصدر الذي هو القسط، أي بأن أقسطوا وأقيموا وكما ينحل المصدر لأنْ والفعل الماضي نحو: عجبت من قيام زيد. وخرج تقديره من أن قام زيد وخرج، ولأنْ والمضارع، نحو: شعر : للبس عَبَاءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف تفسير : تقديره لأن ألبس عباءة وتقر عيني. ولما أشكل هذا التخريج جعل الزمخشري وأقيموا على تقدير وقل، فقال: وقل أقيموا وجوهكم. قال ابن عباس: المعنى إذا حضرت الصلاة فصلوا في كل مسجد، ولا يقل أحدكم أصلي في مسجدي. {وَٱدْعُوهُ} الدعاء على بابه أمر به مقرونا بالإِخلاص. {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} هذا إعلام بالبعث أي كما أوجدكم واخترعكم كذلك يعيدكم بعد الموت. والكاف في كما: للتشبيه. وما: مصدرية. والمعنى تعودون بإِنشائه تعالى مثل بدئه تعالى إياكم شبّه الإِعادة بالبدء. {فَرِيقاً هَدَىٰ} تقسيم للمؤمن والكافر. وانتصب فريقاً على أنه مفعول بهدى. {وَفَرِيقاً} الثاني بإِضمار فعل يفسره ما بعده تقديره وأضل فريقاً. وهذا من باب الاشتغال. فسّر فكل ناصب من معنى قوله: {حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ} تعليل للفريق الذين حقت عليهم الضلالة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 283 : 5 : 11 - سفين في قول الله {لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ} قال، الريش المال، والرياش الثياب. [الآية 26].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):