Verse. 981 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

يٰبَنِيْۗ اٰدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطٰنُ كَـمَاۗ اَخْرَجَ اَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّۃِ يَنْزِعُ عَنْہُمَا لِبَاسَہُمَا لِيُرِيَہُمَا سَوْاٰتِہِمَا۝۰ۭ اِنَّہٗ يَرٰىكُمْ ہُوَوَقَبِيْلُہٗ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَہُمْ۝۰ۭ اِنَّا جَعَلْنَا الشَّيٰطِيْنَ اَوْلِيَاۗءَ لِلَّذِيْنَ لَا يُؤْمِنُوْنَ۝۲۷
Ya banee adama la yaftinannakumu alshshaytanu kama akhraja abawaykum mina aljannati yanziAAu AAanhuma libasahuma liyuriyahuma sawatihima innahu yarakum huwa waqabeeluhu min haythu la tarawnahum inna jaAAalna alshshayateena awliyaa lillatheena la yuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا بني آدم لا يفتننَّكم» يضلكم «الشيطان» أي لا تتبعوه فتفتنوا «كما أخرج أبويكم» بفتنته «من الجنة ينزع» حال «عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه» أي الشيطان «يراكم هو وقبيله» جنوده «من حيث لا ترونهم» للطافة أجسادهم أو عدم ألوانهم «إنا جعلنا الشياطين أولياء» أعوانا وقرناء «للذين لا يؤمنون».

27

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام حصول العبرة لمن يسمعها، فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم وبين فيهاشدة عداوة الشيطان لآدم وأولاده أتبعها بأن حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان فقال: {يَذَّكَّرُونَ يَـٰبَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ٱلْجَنَّةِ } وذلك لأن الشيطان لما بلغ أثر كيده ولطف وسوسته وشدة اهتمامه إلى أن قدر على إلقاء آدم في الزلة الموجبة لإخراجه من الجنة فبأن يقدر على أمثال هذه المضار في حق بني آدم أولى. فبهذا الطريق حذر تعالى بني آدم بالاحتراز عن وسوسة الشيطان فقال: {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } فيترتب عليه أن لا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم، فترتب عليه خروجهما منها وأصل الفتون عرض الذهب على النار وتخليصه من الغش. ثم أتى في القرآن بمعنى المحنة وههنا بحثان: البحث الأول: قال الكعبي: هذه الآية حجة على من نسب خروج آدم وحواء وسائر وجوه المعاصي إلى الشيطان وذلك يدل على أنه تعالى بريء منها. فيقال له لم قلتم أن كون هذا العمل منسوباً إلى الشيطان يمنع من كونه منسوباً إلى الله تعالى؟ ولم لا يجوز أن يقال إنه تعالى لما خلق القدرة والداعية الموجبتين لذلك العمل، كان منسوباً إلى الله تعالى؟ ولما أجرى عادته بأنه يخلق تلك الداعية بعد تزيين الشيطان، وتحسينه تلك الأعمال عند ذلك الكافر، كان منسوباً إلى الشيطان. البحث الثاني: ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما أخرج آدم وحواء من الجنة، عقوبة لهما على تلك الزلة، وظاهر قوله: {أية : إِنّى جَـٰعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً }تفسير : [البقرة: 30] يدل على أنه تعالى خلقهما لخلافة الأرض وأنزلهما من الجنة إلى الأرض لهذا المقصود. فكيف الجمع بين الوجهين؟ وجواب: أنه ربما قيل حصل لمجموع الأمري، والله أعلم. ثم قال: {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا } وفيه مباحث: البحث الأول: {ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا } حال، أي أخرجهما نازعاً لباسهما وأضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك لأن كان بسبب منه، فأسند إليه كما تقول أنت فعلت هذا؟ لمن حصل منه ذلك الفعل بسبب. وإن لم يباشره، وكذلك لما كان نزع لباسهما بوسوسة الشيطان وغروره أسند إليه. البحث الثاني: اللام في قوله: {لِيُرِيَهُمَا } لام العاقبة كما ذكرنا في قوله: {أية : لِيُبْدِيَ لَهُمَا } تفسير : [الأعراف: 20] قال ابن عباس رضي الله عنهما: يرى آدم سوأة حواء وترى حواء سوأة آدم. البحث الثالث: اختلفوا في اللباس الذي نزع منهما فقال بعضهم إنه النور، وبعضهم التقى، وبعضهم اللباس الذي هو ثياب الجنة وهذا القول أقرب لأن إطلاق اللباس يقتضيه والمقصود من هذا الكلام، تأكيد التحذير لبني آدم، لأنه لما بلغ تأثير وسوسة الشيطان في حق آدم مع جلالة قدره إلى هذا الحد فكيف يكون حال آحاد الخلق؟ ثم أكد تعالى هذا التحذير بقوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } وفيه مباحث: البحث الأول: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ } يعني إبليس {هُوَ وَقَبِيلُهُ } أعاد الكناية ليحسن العطف كقوله: {أية : ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ } تفسير : [الأعراف: 19]. البحث الثاني: قال أبو عبيدة عن أبي زيد: «القبيل» الجماعة يكونون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتي، وجمعه قبل. والقبيلة: بنو أب واحد. وقال ابن قتيبة، قبيله أصحابه وجنده، وقال الليث: {هُوَ وَقَبِيلُهُ } أي هو ومن كان من نسله. البحث الثالث: قال أصحابنا: إنهم يرون الأنس لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكاً والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس، وقالت المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يرون الجن، رقة أجسام الجن ولطافتها. والوجه في رؤية الجن للإنس، كثافة أجسام الإنس، والوجه في أن يرى بعض الجن بعضاً، أن الله تعالى يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه، ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه تعالى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم، فعلى هذا كون الإنس مبصراً للجن موقوف عند المعتزلة إما على زيادة كثافة أجسام الجن، أو على زيادة قوة أبصار الإنس. البحث الرابع: قوله تعالى: {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } يدل على أن الإنس لا يرون الجن لأن قوله: {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص، قال بعض العلماء ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا وأرادوا،لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس، فلعل هذا الذي أشاهده وأحكم عليه بأنه ولدي أو زوجتي جنى صور نفسه بصورة ولدي أو زوجتي وعلى هذا التقدير فيرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص، وأيضاً فلو كانوا قادرين على تخبيط الناس وإزالة العقل عنهم مع أنه تعالى بين العداوة الشديدة بينهم وبين الإنس، فلم لا يفعلون ذلك في حق أكثر البشر؟ وفي حق العلماء والأفاضل والزهاد، لأن هذه العداوة بينهم وبين العلماء والزهاد أكثر وأقوى، ولما لم يوجد شيء من ذلك ثبت أنه لا قدرة لهم على البشر بوجه من الوجوه. ويتأكد هذا بقوله: {أية : مَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } تفسير : [إبراهيم: 22] قال مجاهد: قال إبليس اعطينا أربع خصال: نرى ولا نرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى. ثم قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } فقد احتج أصحابنا بهذا النص على أنه تعالى هو الذي سلط الشيطان الرجيم عليهم حتى أضلهم وأغواهم، قال الزجاج: ويتأكد هذا النص بقوله تعالى: {أية : أَنَّا أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ }تفسير : [مريم: 83] قال القاضي: معنى قوله: {جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } هو أنا حكمنا بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن، قال ومعنى قوله: {أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } هو أنا خلينا بينهم وبينهم، كما يقال فيمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل؛ إنه أرسل عليه كلبه. والجواب: أن القائل إذا قال: إن فلاناً جعل هذا الثوب أبيض أو أسود، لم يفهم منه أنه حكم به، بل يفهم منه أنه حصل السواد أو البياض فيه، فكذلك ههنا وجب حمل الجعل على التأثير والتحصيل، لا على مجرد الحكم، وأيضاً فهب أنه تعالى حكم بذلك، لكن مخالفة حكم الله تعالى توجب كونه كاذباً وهو محال، فالمفضي إلى المحال محال، فكون العبد قادراً على خلاف ذلك، وجب أن يكون محالاً. وأما قوله أن قوله تعالى: {أَنَّا أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي خلينا بينهم وبين الكافرين فهو ضعيف أيضاً، ألا ترى أن أهل السوق يؤذي بعضهم بعضاً، ويشتم بعضهم بعضاً، ثم إن زيداً وعمراً إذا لم يمنع بعضهم عن البعض. لا يقال أنه أرسل بعضهم على البعض، بل لفظ الإرسال إنما يصدق إذا كان تسليط بعضهم على البعض بسبب من جهته، فكذا ههنا. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ} أي لا يصرفنّكم الشيطان عن الدِّين؛ كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة. «أَبٌ» للمذكر، و «أبة» للمؤنث. فعلى هذا قيل: أبوان. {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} في موضع نصب على الحال. ويكون مستأنفَا فيوقف على «مِنَ الْجَنَّةِ». {لِيُرِيَهُمَا} نصب بلام كيّ. {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} الأصل «يرءاكم» ثم خفّفت الهمزة. «وَقَبِيلُهُ» عطف على المضمر وهو توكيد ليحسن العطف؛ كقوله: {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}. وهذا يدل على أنه يقبح رأيتك وعمرو، وأن المضمر كالمظهر. وفي هذا أيضاً دليل على وجوب ستر العورة؛ لقوله: {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا}. قال الآخرون: إنما فيه التحذير من زوال النعمة؛ كما نزل بآدم صلى الله عليه وسلم. هذا أن لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا، والأمر بخلاف ذلك. الثانية ـ قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} «قَبِيلُهُ» جنوده. قال مجاهد: يعني الجن والشياطين. ابن زيد: «قبيله» نسله. وقيل: جيله. {وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} قال بعض العلماء: في هذا دليل على أن الجنّ لا يُرَوْن؛ لقوله: «مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ». وقيل: جائز أن يُرَوْا؛ لأن الله تعالى إذا أراد أن يُريهم كشف أجسامهم حتى تُرى. قال النحاس: «مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ» يدل على أن الجن لا يُرَون إلا في وقت نبيّ؛ ليكون ذلك دلالة على نبوّته؛ لأن الله جل وعز خلقهم خلقاً لا يُرَون فيه، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم. وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. قال القشيرِيّ: أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم. وفي الخبر: «حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»تفسير : . وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ}تفسير : [الناس: 5]. وقال عليه السلام: «حديث : إن للمَلك لمة وللشيطان لَمَّة ـ أي بالقلب ـ فأما لمة الملَك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق»تفسير : . وقد تقدم في «البقرة». وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة. وقد خرّج البخاريّ حديث : عن أبي هريرة قال: وكّلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، وذكر قصة طويلة، ذكر فيها أنه أخذ الجِنِّي الذي كان يأخذ التمر، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «ما فعل أسِيرك البارحة»تفسير : . وقد تقدّم في «البقرة». وفي صحيح مسلم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح مُوثَقاً يلعب به وِلدان أهلِ المدينة» ـ في العِفريت الذي تَفَلَّت عليه. وسيأتي في «صۤ»تفسير : إن شاء الله تعالى. {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي زيادة في عقوبتهم وسوّينا بينهم في الذهاب عن الحق.

البيضاوي

تفسير : {يَـٰبَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} لا يمتحننكم بأن يمنعكم دخول الجنة بإغوائكم. {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ٱلْجَنَّةِ} كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها، والنهي في اللفظ للشيطان، والمعنى نهيهم عن اتباعه والافتنان به. {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوآتهما} حال من {أَبَوَيْكُم} أو من فاعل {أَخْرَجَ} وإسناد النزع إليه للتسبب. {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} تعليل للنهي وتأكيد للتحذير من فتنته، وقبيله جنوده ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا تقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا. {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} بما أوجدنا بينهم من التناسب، أو بإرسالهم عليهم وتمكينهم من خذلانهم وحملهم على ما سولوا لهم. والآية مقصود القصة وفذلكة الحكاية.

ابن كثير

تفسير : يحذر تعالى بني آدم من إبليس وقبيله، مبيناً لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم عليه السلام، في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعد ما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً} تفسير : [الكهف: 50].

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰبَنِى ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ } لا يضلنَّكم {ٱلشَّيْطَٰنُ} أي لا تتبعوه فتفتنوا {كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم } بفتنته {مّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ } حال {عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمآ إِنَّهُ } أي الشيطان {يَرٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ } جنوده {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } للطافة أجسادهم أو عدم ألوانهم {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ } أعواناً وقرناء {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَا بَنِي ءَادَمَ لاَ يَفتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ} وهذا خطاب توجه إلى من كان من العرب يطوف بالبيت عرياناً، فقيل لهم لا يفتننكم الشيطان بغروره كما فتن أبويكم من قبل حتى أخرجهما من الجنة، ليكون إِشعارهم بذلك أبلغ في الزجر من مجرد النهي. {ينزعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن لباسهما كان أظفاراً تستر البدن فنزعت عنهما وتركت زينة وتبصرة، قاله ابن عباس. الثاني: أن لباسهما كان نوراً، قاله وهب بن منبه. والثالث: أن نزع عنهما لباسهما من تقوى الله وطاعته، قاله مجاهد. {لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا} فيه قولان: أحدهما: أجسادهما من العورة حين خرجا من لباسهما، وهو مقتضى قول ابن عباس. والثاني: سوأة معصيتهما حتى خرجا من تقوى الله وطاعته، وهو معنى قول مجاهد. {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنَ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: قومه، وهو قول الجمهور. والثاني: جيلُهُ، قاله السدي. {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: من حيث لا تبصرون أجسادهم. والثاني: من حيث لا تعلمون مكرهم وفتنتهم.

ابن عطية

تفسير : هذه المخاطبة لجميع العالم والمقصود بها في ذلك الوقت من كان يطوف من العرب بالبيت عراة، فقيل كان ذلك من عادة قريش، وقال قتادة والضحاك: كان ذلك من عادة قبيلة من اليمن، وقيل كانت العرب تطوف عراة إلا الحمس وهم قريش ومن والاها. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصحيح لأن قريشاً لما سنوا بعد عام الفيل سنناً عظموا بها حرمتهم كانت هذه من ذلك، فكان العربي إما أن يعيره أحد من الحمس ثوباً فيطوف فيه، وإما أن يطوف في ثيابه ثم يلقيها، وتمادى الأمر حتى صار عند العرب قربة فكانت العرب تقول نطوف عراة كما خرجنا من بطون أمهاتنا ولا نطوف في ثياب قد تدنسنا فيها بالذنوب، ومن طاف في ثيابه فكانت سنتهم كما ذكرنا أن يرمي تلك الثياب ولا ينتفع بها وتسمى تلك الثياب اللقى، ومنه قول الشاعر: شعر : كفى حزناً كرّي عليه كأنه لقى بين أيدي الطائفين حريم تفسير : وكانت المرأة تطوف عريانة حتى كانت إحداهن تقول: شعر : اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله تفسير : فنهى الله عز وجل عن جميع ذلك ونودي بمكة في سنة تسع لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، و "الفتنة" في هذه الآية الاستهواء والغلبة على النفس، وظاهر قوله: {لا يفتننكم} نهي الشيطان، والمعنى نهيهم أنفسهم عن الاستماع له والطاعة لأمره كما قالوا لا أرينك ها هنا، فظاهر اللفظ نهي المتكلم نفسه، ومعناه نهي الآخر عن الإقامة بحيث يراه، وأضاف الإخراج في هذه الآية إلى إبليس وذلك تجوز بسبب أنه كان ساعياً في ذلك ومسبباً له، ويقال أب وللأم أبة، وعلى هذا قيل أبوان، و {ينزع} في موضع الحال من الضمير في {أخرج} ، وتقدم الخلاف في "اللباس" من قول من قال الأظفار ومن قال النور ومن قال ثياب الجنة، وقال مجاهد هي استعارة إنما أراد لبسة التقى المنزلة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقوله: {إنه يراكم} الآية، زيادة في التحذير وإعلام أن الله عز وجل قد مكن الشيطان من ابن آدم في هذا القدر وبحسب ذلك يجب أن يكون التحذر بطاعة الله تعالى. قال القاضي أبو محمد: والشيطان موجود قد قررته الشريعة وهو جسم، {وقبيله} يريد نوعه وصنفه وذريته. و {حيثُ} مبنية على الضم، ومن العرب من يبنيها على الفتح، وذلك لأنها تدل على موضع بعينه، قال الزجاج: ما بعدها صلة لها وليست مضافة إليه، قال أبو علي: هذا غير مستقيم وليست {حيث} بموصولة إذ ليس ثم عائد كما في الموصولات، وهي مضافة إلى ما بعدها. ثم أخبر عز وجل أنه صير "الشياطين أولياء" أي صحابة ومداخلين إلى الكفرة الذين لا إيمان لهم، وذكر الزهراوي أن جعل هنا بمعنى وصف. قال القاضي أبو محمد: وهي نزعة اعتزالية. وقوله {وإذا فعلوا} وما بعده داخل في صفة الذين لا يؤمنون ليقع التوبيخ بصفة قوم جعلوا مثالاً للموبخين إذا أشبه فعلهم فعل الممثل بهم، ويصح أن تكون هذه الآية مقطوعة من التي قبلها ابتداء إخبار عن كفار العرب، و "الفاحشة" في هذه الآية وإن كان اللفظ عاماً هي كشف العورة عند الطواف فقد روي عن الزهري أنه قال: إن في ذلك نزلت هذه الآية، وقاله ابن عباس ومجاهد، وكان قول بعض الكفار إن الله أمر بهذه السنن التي لنا وشرعها، فرد الله عليهم بقوله {قل إن الله لا يأمربالفحشاء} ثم وبخهم على كذبهم ووقفهم على قولهم ما لا علم لهم به ولا رواية لهم فيه بل هو دعوى واختلاق.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِبَاسَهُمَا} من التقوى والطاعة، أو كان لباسهما نوراً، أو أظفاراً تستر البدن فنُزعت عنهما وتُركت زينة وتذكرة، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} قيل: هذا خطاب للذين كانوا يطوفون بالبيت عراة والمعنى: لا يخدعنكم بغروره ولا يضلنكم فيزين لكم كشف عوراتكم في الطواف وإنما ذكر قصة آدم هنا وشدة عداوة إبليس له ليحذر بذلك أولاد آدم فقال تعالى: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} يعني آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام والمعنى أن من قدر على إخراج أبويكم من الجنة بوسوسته وشدة عداوته فبأن يقدر على فتنتكم بطريق الأولى فحذر الله عز وجل بني آدم وأمرهم بالاحتراز عن وسوسة الشيطان وغروره وتزيينه القبائح وتحسينه الأفعال الرديئة في قلوب بني آدم فهذه فتنته التي نهى الله تعالى عباده عنها وحذرهم منها. قوله تعالى: {ينزع عنهما لباسهما} إنما أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يباشر ذلك لأن نزع لباسهما كان بسبب وسوسة الشيطان وغروره فأسند إليه واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وبقيت الأظفار تذكرة وزينة ومنافع، وقال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: كان لباس آدم وحواء نوراً، وقال مجاهد: كان لباسهما التقى. وفي رواية عنه التقوى وقيل إن لباسهما من ثياب الجنة وهذا القول أقرب لأن إطلاق اللباس ينصرف إليه ولأن النزع لا يكون إلا بعد اللبس {ليريهما سواءتهما} يعني: ليرى آدم عورة حواء وترى حواء عورة آدم وكان قبل ذلك لا يرى بعضهم سوءة بعض {إنه يراكم هو وقبيله} يعني أن إبليس يراكم يا بني آدم هو وقبيله إنما أعاد الكناية في قوله هو ليحسن العطف والقبيل جمع قبيلة وهي الجماعة المجتمعة التي يقابل بعضهم بعضاً، وقال الليث: كل جيل من جن أو إنس قبيل ومعنى يراكم هو وقبيله أي من هو من نسله، وحكى أبو عبيد عن أبي يزيد القبيل: ثلاثة فصاعداً من قوم شتى والجمع قبل والقبيلة بنو أب واحد. وقال الطبري: قبيله يعني صنفه وجيله الذي هو منهم وهو واحد يجمع على قبل وهم الجن. وقال مجاهد: الجن والشياطين وقال ابن يزيد: قبيله نسله. وقال ابن عباس رضي عنهما: هو ولده وقوله {من حيث لا ترونهم} يعني أنتم يا بني آدم، قال العلماء رحمهم الله: إن الله تعالى خلق في عيون الجن إدراكاً يرون بذلك الإدراك الإنس ولم يخلق في عيون الإنس هذا الإدراك فلم يروا الجن. وقالت المعتزلة الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها والوجه في رؤية الجن للإنس كثافة أجسام الإنس والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضاً أن الله تعالى قوى شعاع أبصار الجن وزاد فيها حتى يرى بعضهم بعضاً ولو جعل في أبصارنا هذه القوة لرأيناهم ولكن لم يجعلها. وحكى الواحدي وابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وجعلت صدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه الله تعالى"تفسير : كما قال تعالى: {أية : الذي يوسوس في صدور الناس}تفسير : [الناس: 5] فهم يرون بني آدم وبنو آدم لا يرونهم، وقال مجاهد: قال إبليس جعل لنا أربعة نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى. وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: إن عدواً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله تعالى {إنا جعلنا الشياطين أولياء} يعني أعواناً وقرباء {للذين لا يؤمنون} قال الزجاج يعني سلَّطانهم عليهم يزيدون في غيهم. قوله عز وجل: {وإذا فعلوا فاحشة} قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد: هي طوافهم بالبيت عراة الرجال والنساء. وقال عطاء: هي الشرك والفاحشة اسم لكل قبيح فيدخل فيه جميع المعاصي والكبائر فيمكن حملها على الإطلاق وإن كان السبب مخصوصاً بما ورد من طوافهم عراة ولما كانت هذه الأفعال التي كان أهل الجاهلية يفعلونها ويعتقدون أنها طاعات وهي في نفسها فواحش ذمهم الله تعالى عليها ونهاهم عنها فاحتجوا عن هذه الأفعال بما أخبر الله عنهم وهو قوله تعالى: {قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} فذكروا لأنفسهم عذرين أحدهما محض التقليد وهو قولهم وجدنا على هذا الفعل آباءنا وهذا التقليد باطل لأنه لا أصل له، والعذر الثاني قولهم والله أمرنا بها وهذا العذر أيضاً باطل وقد أجاب الله تعالى عنه بقوله {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} والمعنى أن هذه الأفعال التي كان أهل الجاهلية يفعلونها هي في أنفسها قبيحة منكرة فكيف يأمر الله تعالى بها والله لا يأمر بالفحشاء بل يأمر بما فيه مصالح العباد ثم قال تعالى رداً عليهم {أتقولون على الله ما لا تعلمون} يعني أنكم سمعتم كلام الله تعالى ابتداء من غير واسطة ولا أخذتموه عن الأنبياء الذين هم وسائط بين الله تعالى وبين عباده في تبليغ أوامره ونواهيه وأحكامه لأنكم تنكرون نبوّة الأنبياء فكيف تقولون على الله ما لا تعلمون.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: { يَـٰبَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ} الآية: خطاب لجميع العالم، والمقصود بها في ذلك الوَقْتِ مَنْ كان يطوف من العَرَبِ بالبيتِ عُرْيَاناً. قيل: كانت العَرَبُ تَطُوفُ عُرَاةً إِلا الحُمْس، وهم قريش، ومن وَالاَهَا، وهذا هو الصحيح، ثم نودي بـــ «مكة» في سنة تسع: لا يحجّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يطوف بالبيت عريان والفتنة في هذه الآية الاسْتِهْوَاءُ، والغَلَبَةُ على النفس، وأضاف الإِخْرَاجَ في هذه الآية إلى إبليس تجوُّزاً لما كان هو السَّبَب في ذلك. قال أبو حيان: {كَمَا أَخْرَجَ } «كما» في موضع نَصْبٍ، أي: فتنة مثل فتنة إِخْرَاجِ أبويكم انتهى. وقوله سبحانه: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ...} الآية زيادة في التحذير، وإعلام بأن اللَّه عز وجل قد مَكَّنَ إبليس من بَني آدَمَ في هذا القدر، وبحسب ذلك يَجِبُ أن يكون التَّحَرُّزُ بِطَاعَةِ اللَّه عز وجل وقَبِيلُ الشيطانُ يُرِيدُ نوعه، وصنفه، وذريته، والشيطان مَوْجُودٌ، وهو جسم. قال النووي: وروينا في كتاب ابن السّني عن أَنَسٍ قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: « حديث : ستر ما بين أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ إِذَا أَراد أن يطرح ثِيَابَهُ: بسم اللَّه الذي لا إلٰه إِلاَّ هُوَ » تفسير : انتهى. وعن علي رضي اللَّه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ستر ما بين الجنِّ وعَوْرَاتِ بني آدَمَ إِذا دَخَلُوا الكُنُفَ أَن يقولوا: بسم اللَّه ». تفسير : رواه الترمذي، وقال: إسناده ليس بالقَوِيِّ. قال النووي: قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُسْتَحَبُّ العَمَلُ في الفَضَائِلِ، والترغيب، والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً وأما الأحكام كالحَلاَلِ، والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق، وغير ذلك فلا يُعْمَلُ فيها إلا بالحديث الصحيح، أو الحسن إلا أن يكون في احْتِيَاطٍ في شيء من ذلك، كما إذا ورد حديث ضعيف بكَرَاهِةِ بعض البيوع، أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يتنزَّه عنه، ولكن لا يَجِبُ انتهى. ونحوه لأبي عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم»: ثم أخبر عز وجل أنه صَيَّرَ الشياطين أولياء، أي: صحابة، ومتداخلين للكفرة الذين لا إيمان لهم.

ابن عادل

تفسير : اعلم أنَّ المَقْصُود من ذكر قَصَص الأنْبِيَاءِ - عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ - حصولُ العِبْرَةِ لمن يَسْمَعُهَا، فالله - تعالى - لما ذَكَرَ قصَّة آدم، وبيَّن فيها شدَّة عداوة الشَّيْطان {كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ}، وذلك لأن الشَّيْطَانَ لما بلغ بكيده، ولُطْفِ وسْوَسَتِهِ إلى أن قدر على إلقاء آدم في الزّلة الموجبة لإخراجه من الجنَّة فبأن يقدر على أمثال هذه المضار في حقِّ بني آدم أولى. فقوله: "لا يَفْتِنَنَّكُم" هو نهي للشَّيْطَان في الصُّورةِ، والمرادُ نَهْيُ المخاطبين عن متابعته والإصغاء إليه، والمعنى: لا يصرفنكم الشيطان عن الدِّين كما فَتَنَ أبَوَيْكُم في الإخْرَاجِ من الجنَّةِ، وقد تقدَّم معنى ذلك في قوله: {أية : فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ}تفسير : [الأعراف: 2]. وقرأ ابن وثَّابٍ وإبْرَاهِيمُ: "لا يُفْتِنَنَّكُمْ" [بضمّ] حرف المضارعة من أفْتَنَهُ بمعنى حَمَلَهُ على الفِتْنَةِ. وقرأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "لا يَفْتِنْكُم" بغير نون توكيدٍ. قوله: "كَمَا أخْرَجَ": نعت لمصدر محذوف أي: لا يَفْتننكم فتنةً مثل فتنة إخْرَاجِ أبَويكُم. ويجوزُ أن يكُون التَّقْدِيرُ: لا يُخْرِجَنَّكم بفتنته إخراجاً مثل إخْرَاجِ أبويكم. و "أبَويْكُم" واحدهُ أبٌ للمذكَّر، وأبة للمُؤنَّثِ، فعلى هذا قيل "أبَوَانِ". فصل في دحض شبهة من نسب المعاصي إلى الله قال الكَعْبِيُّ: هذه حجَّةٌ على من نسب المَعَاصِي إلى اللَّهِ تعالى؛ لأنه تعالى نسبَ خروج آدم وحوَّاء، وسائر وجوه المعَاصِي إلى الشَّيْطَان، وذلك يَدُلُّ على أنَّهُ تعالى [بريءٌ عنها، فيقال له: لِمَ قُلْتُم أنَّ كون هذا العمل منسوباً إلى الشَّيْطَانِ يمنع من كونه منسوباً إلى الله تعالى؟] ولِمَ لا يجوزُ أن يقال إنَّهُ تعالى لمَّا خلق القُدْرَةَ والداعية الموجبتين لذلك العمل كان منسوباً إلى الله؟ ولما أجرى عادته بأنه يخلق تلك الدَّاعية بعد تزيين الشيطان وتحْسينِهِ تلك الأعمال، عند ذلك الكَافِرِ، كان منسوباً إلى الشَّيْطَانِ؟ فصل في إخراج آدم من الجنة عقوبة له ظاهرُ الآيةِ يَدُلُّ على أنَّهُ تعالى إنَّمَا أخرج آدَمَ وحَوَّاءَ من الجنة، عُقُوبَة لهما على تلك الزَّلَةِ، وظاهرُ قوله تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة: 30] يَدُلُّ على أنَّهُ تعالى خلقهما لخلافةِ الأرضِ، فأنْزَلَهُمَا من الجَنَّةِ إلى الأرْضِ لهذا المقصود، فكيف الجمع بين الوَجْهَيْنِ؟ وجوابُهُ: ربما قيل حصل بمجموع الأمْرَيْن، وأنَّهُ خلقه ليجعله خليفة في الأرض، وجعل سبب نزوله إلى الأرْضِ وإخراجه من الجَنَّةِ هي الزلة. قوله: "يَنْزِعُ" جملة في محل نَصْبٍ على الحالِ، وفي صاحبها احتمالان: أحدهما: أنَّه الضَّميرُ في "أخْرَجَ" العائدُ على الشَّيْطَانِ، وأضاف نزع اللِّبَاسِ إلى الشَّيْطَانِ، وإن لم يباشر ذلك؛ لأنَّهُ كان بسبب منه، فأُسند إليه كما تقول: "أنْتَ فعلت هذا" لمن حصل ذلك الفعل بسبب منه. والثاني: أنَّهُ حال من أبَوَيْكُم، وجاز الوجْهَان؛ لأنَّ المعنى يَصِحُّ على كلٍّ من التَّقديرَيْنِ، والصِّناعَةُ مساعدة لذلك، فإنَّ الجملة مشتملةٌ على ضمير الأبَوَيْنِ، وعلى ضَميرِ الشَّيْطَانِ. قال أبُو حَيَّان: فلو كان بدل "يَنْزِعُ" نازعاً تعيَّن الأوَّلُ؛ لأنه إذ ذاك لو جُوِّز الثَّاني لكان وصفاً جرى على غير مَنْ هو له، فكان يجب إبراز الضَّمير، وذلك على مذهب البَصْرِيِّينَ. قال شهابُ الدِّين: يعني أنَّهُ يفرَّق بين الاسم والفعل، إذا جَرَيَا على غير ما هُمَا لَهُ في المَعْنَى، فإن كَانَ اسْماً كان مذهب البَصْريِّينَ ما ذكر، وإنْ كان فعلاً لم يَحْتَجْ إلى ذلك، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المَسْألةِ، وأنَّ ابن مالكٍ سَوَّى بينهما، وأنَّ مكيًّا له فيها كلامٌ مُشْكلٌ. وجيء بِلَفْظِ "يَنْزعُ" مضارعاً على أنَّهُ حكاية حال كأنَّها قد وقعت وانقضت. والنَّزْعُ: الجَذْبُ للشَّيءِ بقوَّة عن مقرِّه، ومنه: {أية : تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}تفسير : [القمر: 20]. ومنه نَزْع القوس وتستعمل في الأعراض، ومنه نَزْعُ العداوةِ والمحَبَّةِ من القَلْبِ، ونُزع فلان كذا سُلبَه، ومنه {أية : وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً}تفسير : [النازعات: 1] لأنَّها تَقْلَعُ أرواح الكَفَرَة بِشِدَّةٍ، ومنه المُنَازَعَةُ وهي المخاصمة. والنَّزْعُ عن الشَّيْء كفٌّ عنه، والنَّزْعُ: الاشتياقُ الشَّديدُ، ومنه نَزَع إلى وَطَنِهِ ونَزَع إلى مذهب كذا نَزْعَةً، وأنْزَعَ القَوْمُ: نَزعَتْ إبلهم إلى مواطنها، ورجل أنْزَعُ أي:زَالَ شعرُه، والنَّزْعَتَانِ بياض يكتنف النَّاصِيَة، والنَّزْعة أيضاً الموضع من رأس الأنْزَعِ، ولا يُقَالُ: امرأةٌ نَزْعَاءُ إذا كان بها ذلك، بل يُقَالُ لها: زَعْرَاءُ، وبئر نَزُوع: أي قَرِيبَةُ القَعْرِ لأنَّهَا يُنزع منها باليدِ. فصل في معنى "اللباس" اختلفوا في اللِّبَاسِ الذي نزع عنهما، فقيل: النُّورُ، وقيل: التُّقَى. وقيل: ثِيَابُ الجَنَّةِ، وهذا أقرب؛ لأنَّ إطلاق اللِّبَاسِ يقتضيه، والمقصودُ، تأكيد التَّحْذِيرِ لبني آدم. واللامُ في قوله: "لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ" لام العاقبة كما ذكرنا في قوله: "لِيُبْدِي لَهُمَا". وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: يرى آدمُ سَوْءَةَ حَوَّاءَ، وترى حواءُ سَوْءَاةَ آدَمَ. قوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} وهو تأكيد للضَّميرِ المتَّصل ليسوَّغَ العطف عليه، كذا عبارة بعضهم. قال الوَاحِدِيُّ: أعاد الكِنايَةَ ليحسن العَطْفَ كقوله: [{أية : ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [البقرة: 35]. قال شهابُ الدِّين: ولا حاجةَ إلى التَّأكِيدِ في مثل هذه الصُّورَةِ] لصِحَّةِ العَطْفِ إذ الفَاصِلُ هنا موجود، وهو كاف في صحة العطف، فليس نظير {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ}. وقد تقدَّم بحثٌ في {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ}، وهو أنَّهُ ليس من بابِ العَطْفِ على الضَّمير لمانع ذُكِرَ ثَمَّ. و "قبيلُه" المشهور قراءته بالرَّفْعِ نسقاً على الضَّميرِ المُسْتَتِرِ، ويجوز أن يكون نَسَقاً على اسم "إنَّ" على الموضع عند مَنْ يجيز ذلك، ولا سِيَّمَا عند مَنْ يَقُولُ: يجوزُ ذلك بعد الخَبَر بإجْمَاع. ويجوز أنْ يكون مُبْتَدأ محذوفَ الخبر فتحصَّل في رفعه ثلاثةُ أوجهٍ. وقرأ اليزِيدِيُّ "وقبيلَه" نصباً، وفيها تخريجان. أحدهما: أنَّهُ منصوبٌ نَسَقاً على اسم "إنّ" لفظاً إن قلنا: إنَّ الضَّميرَ عائد على "الشّيْطَان"، وهو الظَّاهِرُ. والثاني: أنَّهُ مفعولٌ معه أي: يَرَاكم مُصَاحباً لقبيله. والضَّميرُ في "إنَّهُ" فيه وجهان: الظَّاهر منهما كما تقدَّم أنه للشَّيطان. والثاني: أن يكون ضمير الشَّأن، وبه قال الزَّمَخْشَرِيُّ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك. والقَبِيلُ: الجَمَاعَةُ يكونُونَ من ثلاثةٍ فصاعداً من جماعة شتَّى، قاله أبو عبيد وجمعه قبل، والقبيلةُ: الجماعة من أبٍ واحد، فليست القبيلةُ تَأنِيثُ القَبيلِ لهذه المُغَايَرَةِ. وقال ابْنُ قُتَيْبة: قبيله: أصحابه وجنده، وقال: "هو وقَبِيلُهُ" أي هو ومن خلق من قبله. قال القُرْطُبِيُّ: قبيله: جُنُودُهُ. وقال مُجَاهِدٌ: يعني الجنَّ والشَّيَاطِينَ. وقال ابْنُ زَيْد: نسله، وقيل: خيله. قوله: {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} "مِنْ" لابتداء غاية الرؤية و "حَيْثُ" ظرف لمكان انتفاء الرُّؤيَةِ، و "لا تَرَوْنَهُم" في محلِّ خفض بإضافة الظَّرْفِ إليه، هذا هو الظَّاهِرُ في إعراب هذه الآية. ونقل عن أبي إسْحَاقَ كلام مُشْكل، نذكره لئِلاَّ يتوهّم صِحَّتَهُ من رآه. قال أبو إسحاق: ما بعد "حَيْثُ" صلة لها؛ وليست بمضافة إليه. قال الفَارِسِيُّ: هذا غير مستقيم، ولا يصحُّ أن يكون ما بعد "حيث" صلة لها؛ لأنَّهُ إذا كان صلة لها؛ وجب أن يكون للموصول فيه ذكر، كما أن سائر صلاة الموصُولِ ذِكْراً للموصول، فَخُلُوُّ الجملة التي بعد "حَيْثُ" من ضمير يَعُودُ على حيثُ دليل على أنَّهَا ليست صلة لـ "حيث"، وإذا لم تكن صلة؛ كانت مضافَةً. فإن قيل: نقدِّر العائد في هذا كما نُقَدِّرُ [العائد] في المَوْصُولات، فإذا قلت: "رأيتك حيث زيدٌ قائمٌ" كان التَّقْدِيرُ: حيث قائمه ولو قلت: "رأيتُكَ حيثُ قَامَ زَيْدٌ" كان التقدير: حيث قام زيد فيه، ثم اتسعَ في الحرف فحذف، واتَّصل الضَّمِيرُ فحذف، كما يحذف في قولك: زيدٌ الذي ضربت أي الذي ضربته. فالجواب: لو أُريد ذلك لجاز استعمال هذا الأصل فتركهم لهذا الاستعمال دليل على أنَّهُ ليس أصلاً له. قال شهابُ الدِّين: أما أبُو إسحاق لم يعتقد كونها موصولة بمعنى "الَّذِي"، لا يقول بذلك أحَدٌ، وإنَّمَا يَزْعُمُ أنَّهَا ليست مضافة للجملة بعدها، فصارت كالصِّلَةِ لها أي: كالزِّيَادَةِ، وهو كلام مُتَهَافِتٌ، فالرَّدُ عليه من هذه الحَيْثِيَّةِ لا من حيْثية اعتقاده لكونها مَوْصُولةً. ويحتمل أن يكون مراده أنَّ الجملةَ لمَّا كانت من تمَامِ معناها بمعنى أنَّهَا مفتقرةٌ إليها كافْتِقَار الموصول لِصِلَتِهِ أطلق عليها هذه العبارة. ويَدُلُّ على ذلك أنّ مكّياً ذكر في علة بنائها فقال: "ولأنَّ ما بعدها من تَمَامِهَا كالصِّلَةَ والموصول" إلا أنَّهُ يرى أنَّهَا مضافة لما بعدها. وقرىء {مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُ} بالإفراد، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الضَّمِيرُ عَائِداً على الشَّيْطَانِ وَحْدَهُ دون قبيله لأنه هو رأسهم، وهم تَبَعٌ له، ولأنَّهُ المَنْهِيُّ عند أوَّلَ الكلامِ. والثاني: أن يَعُودَ عليه وعلى قبيله، ووحَّد الضَّمير إجراءً له مجرى اسم الإشارة في قوله تعالى: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ}تفسير : [البقرة: 68]. ونظير هذه القراءة قول رُؤبَةَ: [الرجز] شعر : 2448 - فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلقْ كأنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ تفسير : وقد تقدَّم هذا البَيْتُ بحكايته معه في البقرةِ. فصل في المراد بالآية معنى الآيةِ: أنَّ الشَّيْطَانَ يَرَاكُم يا بَنِي آدَمَ هو وقبيلهُ وجنوده، وقال ابْنُ عبَّاسٍ: "هو وَوَلَدُهُ". وقال قتادةُ: "قبيله الجنُّ والشَّياطين من حيث لا ترونهم". قال مَالِكُ بْنُ دينارٍ: إن عدواً يراك ولا تراه لشديد الموتة إلاَّ من عصم اللَّهُ. فصل في بيان رؤية الجن الإنس قال أهل السُّنَّةِ: إنَّهُم يرون الإنْسَ؛ لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم؛ لأنَّهُ تعالى لم يخلق هذه الإدراك في عيون الإنس. وقالت المُعْتَزلَةُ: الوَجْهُ في أنَّ الإنْسَ لا يرون الجِنَّ لرقة أجْسَامِ الجنِّ، ولطافتها، والوجه في رُؤيَة الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه في أن يرى بعض الجنّ بعضاً أنَّ اللَّه تعالى يقوي شُعَاعَ أبْصَارِ الجِنِّ ويزيد فيه، ولو زاد تعالى في قُوَّةِ أبْصَارِنَا على هذه الحالة لرأيناهم وعلى هذا كون الإنس مبصراً للجن موقوف عِنْدَ المعتزلة إما على زيادة كثافةِ أجسَامِ الجنِّ أو على زيادة قُوَّةِ أبصار الإنْسِ. وقوله {مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُم} يدل على أنَّ الإنْسَ لا يرون الجِنَّ لأن قوله {مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُم} يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص. فصل في تغير الجن في صور مختلفة قال بعضُ العُلَمَاء: لو قدر الجِنُّ على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شَاءُوا وأرَادُوا؛ لوجب أنْ ترتفعَ الثِّقَةُ عن معرفة النَّاس فلعلَّ هذا الذي أشاهده، وأحكم عيه بأنَّهُ ولدي، أو زوجتي جنِّي صور نفسه بصورة ولدي أو زَوْجَتِي وعلى هذا التقدير فيرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاصِ، وأيضاً، ولو كانوا قَادِرِين على تخبيط النَّاسِ وإزالة عقولهم عنهم مع أنَّهُ تعالى بين العَدَاوَةَ الشديدة بينهم وبين الإنْسِ، فَلِمَ لا يفعلون ذلك في حق البشر؛ وفي حقِّ العلماء والأفاضل والزهاد؟ لأن هذه العداوة بينهم وبين العلماء والزُّهَّاد أكثر وأقوى، ولما لم يوجد شيء من ذلك ثبت أنَّهُ لا قُدْرَةَ لهم على البشر بوجه من الوُجُوهِ، ويؤكِّدُ ذلك قوله {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي}تفسير : [إبراهيم: 22]. قال مُجَاهدٌ: قال إبليسُ: أعطينا أربعاً: نَرى ولا نُرى، ونخرج من تَحْت الثرى ويعودُ شيخنا فَتَى. قوله {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}. يحتمل أنْ يكون "جعل" بمعنى "صَيَّر"، أي: صيَّرنَا الشَّياطين أولياء. وقال الزَّهْرَاوِيُّ "جعل" هنا بمعنى "وصف" وهذا لا يعرف في جعل وكأنه فراراً من إسناد جَعْلِ الشياطين أولياء لغير المؤمنين إلى اللَّهِ تعالى وكأنَّها نزعة اعتزاليَّة. و "للَّذِينَ" متعلِّقةٌ بـ "أولياء"؛ لأنه في معنى الفعل، ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ؛ لأنَّه صفة لـ "أولياء". فصل في المراد بـ "أولياء" معنى "أولياء" أي: أعْوَاناً وقرناء للَّذين لا يُؤمِنُون. قال الزَّجَّاجُ: سلطناهم عليهم يزيدون في غَيِّهم كقولهم {أية : أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}تفسير : [مريم: 83] واحتج أهل السنة بهذا النص على أنَّهُ تعالى هو الذي سَلَّطَ الشَّيْطَان عليهم حتى أضلهم واغواهم. وقالت المُعْتَزِلَةُ: معنى قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} هو أنَّا حكمْنَا بأنَّ الشَّيْطَان ولي لمن لا يؤمن، قالوا: ومعنى قوله: {أية : أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [مريم: 83] هو أنَّا خلينا بينهم وبينهم كما يقال لمن لا يربط الكلب في داره ولا يمنعه من الوثوب على الداخل أنَّهُ أرسل عليهم كلبه. والجوابُ أن القائل إذا قال: إن فُلاناً جعل هذا ثوباً أبيضَ أو أسود، لم يفهم منه أنَّهُ حكم به بل يفهم منه أنه حصل السَّواد أو البياض فيه، فكذلك هاهنا وجب حمل الجعل على التَّأثير والتَّحصيل لا على مجرد الحكم وأيضاً فهب أنَّهُ تعالى حكم بِذلكَ لكن مخالفة حكم اللَّهِ توجب كَوْنَهُ كَاذِباً وهو مُحَالٌ، والمفضي إلى المُحَالِ مُحَالٌ، فكون العبد قادراً على خلافِ ذلك؛ وجب أن يكُونَ مُحَالاً وأما قولهم إن قوله تعالى {أية : أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [مريم: 83] أي خلَّينا بينهم وبين الكافرين، فهو ضعيف؛ ألا ترى أنّ أَهل السُّوقِ يؤذي بعضُهُم بعضاً، ويشتمُ بعضهم بعضاً ثم إنَّ زيداً وعمراً إذا لم يمنع بعضهم عن بعض لا يُقَالُ إنَّهُ أرسل بعضهم على البعض، بل لفظ الإرْسَالِ إنَّمَا يصدق إذا كان تسلط بعضهم على البعض بسبب من جهته فكذا هاهنا.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ} [الآية: 27]. سُئل بعضهم ما الذى قطع الخلق عن الحق بعد إذ عرفوه؟ فقال: الذى أخرج أباهم من الجنة اتباع النفس والهوى والشيطان. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت ابن عطاء يقول: خروج آدم من الجنة وكثرة بكائه وافتقاره وخروج الأنبياء من صلبه، كان خيرًا له من الجنة والتلذذ والتنعم فيها. قوله تعالى: {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا}. قيل: هو أنوار كرامات القرب ولمعان العز. قال أبو سعيد الخراز: هو النور الذى شملهما فى القرب. قال بعضهم: نزع عنهما اللباس الذى كان يسترهما من وساوس الشيطان. سمعت النصرآباذى يقول: أحسن اللبس ما ألبس الصفى فى الحضرة، فلما بدت منه المخالفة نزع منه لذلك. قال بعض السلف: من تهاون بستر الله عليه أنطقه الله بعيوب نفسه. قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}. قال بعضهم: سلط عليك الشيطان يراك من حيث لا تراه، فلا اعتصام لك منه إلا بالتبرى من حولك وقوتك والرجوع إلى الله والاستعانة به. قوله عز وعلا: {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}. قال ابن عطاء: إنَّا جعلنا الشياطين وأنهم اتخذوا الشياطين، فالحقيقة منها ما أضاف إلى نفسه، والمعارف ما أضاف إليهم كذلك خطابه فى جميع القرآن.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ}. من أصغى إلى وساوس نفسه بأسماع الهوى وجد الشكَّ بين وسواس الشيطان وهاجس النَّفْس، ويتناصر الوسواس والهاجس وتصير خواطرُ وزواجرُ العلمِ مغمورةً مقهورةً - فعن قريبٍ تشمل تلك الهواجس والوساوس صاحبها، وينخرط في سلك موافقة الهوى فيسقط في مهواة الزلة، فإذا لم يحصل تداركٌ بوشيك التوبة صارت الحالةُ قسوةً في القلب، وإذا قسا القلبُ فارقته الحياة وتمَّ له البلاء. قوله جلّ ذكره: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}. لا يحصل للعبد احتراس من رؤية الشيطان إياه وهو عنه غائب إلا برؤية العبد للحق - سبحانه - بقلبه، فيستغيث إليه من كيده، فيُدْخِلْه - سبحانه - في كنف عنايته فيجد الخلاص من مكر الشيطان.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا بنى آدم لايفتننكم الشيطان} اى لا يوقعنكم فى الفتنة والمحنة بان يمنعكم من دخول الجنة باغوائكم {كما اخرج ابويكم من الجنة} نعت لمصدر محذوف اى لا يفتننكم فتنة مثل فتنة اخراج ابويكم آدم وحواء من الجنة فانه اذا قدر بكيده على ازلالهما فان يقدر على ازلال اولاده اولى فوجب عليكم ان تحترزوا عن قبول وسوسته والنهى فى اللفظ للشيطان والمعنى نهيهم عن اتباعه والافتتان به وهو ابلغ من لا تقبلوا فتنة الشيطان {ينزع عنهما لباسهما} حال من ابويكم. وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان لباسهما كان من الظفر اى كان يشبه الظفر فانه كان مخلوقا عليهما خلقة الظفر واسند نزع اللباس الى الشيطان مع انه لم يباشر ذلك لكونه سببا فى ذلك النزع {ليريهما سوآتهما} اى ليظهر لهما عوراتهما وكانا قبل ذلك لايريانها من انفسهما ولا احدهما من الآخر كما روى ان آدم كان رجلا طوالا وكأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس فلما وقع بالخطيئة بدت سوآته وكان لا يراها فانطلق هاربا فى الجنة فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته بشعره فقال لها ارسلينى فقالت لست مرسلتك فناداه ربه يا آدم أمنى تفرّ قال لا ولكنى استحييت {انه} اى الشيطان او الشان {يراكم هو وقبيله} اى جنوده وذريته {من حيث لا ترونهم} من لابتداء غاية الرؤية وحيث ظرف لمكان اتفاء الرؤية ومعناه بالفارسية [ازجايى كه شما اورانمى بينيد يعنى اجسام ايشان از غايت رقت ولطافت در نظر شما نمى آيد وايشان اجاسم شمارا بواسطة غلظت وكثافت مى بينند حذر از جنين دشمن لازمست]: وفى المثنوى شعر : ازنبى برخوان كه ديو و قوم او مى برنداز حال انسى خفيه بو ازر هى كه انس ازان آكاه نيست زانكه زين محسوس وزين اشباه نيست مسلكى دارند ازديده درون مازد دزديهاى ايشان سرنكون دمبدم خبط وزيانى ميكنند صاحب نقب وشكاف زوربند تفسير : ورؤيتهم ايانا من حيث لا نراهم فى الجملة اى فى بعض احوالهم وهو حال بقائهم على صورهم الاصلية لا يقتضى امتناع رؤيتنا اياهم بان يتمثلوا لنا كما تواتر من ان بعض الناس رأى الجن جهارا علنا. قال فى آكام المرجان فى احكام الجان لو كشف الله اجاسمهم وقوى شعاع ابصارنا لرأيناهم او لو كثفهم وشعاع ابصارنا على ما هو عليه من غير ان يقوى لرأيناهم ألا ترى ان الريح ما دامت رقيقة لطيفة لا ترى فاذا كشفت باختلاف الغبار رأيناهم ولم يمتنع دخولهم فى ابداننا كما يدخل الريح والنفس المتردد الذى هو الروح فى ابداننا من التخرق والتخلخل وفى الحديث "حديث : ان الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم " . تفسير : وقد يحتاج فى ابراء المصروع ودفع الجن عنه الى الضرب فيضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة او اربعمائة ضربة او اقل او اكثر والضرب انما يقع على الجنى ولا يحس به المصروع ولو كان على الانسى لقتله وكذا يجوز دخولهم فى الاحجار اذا كان مخلخلة كما يجوز دخول الهواء فيها. فان قلت لو دخل الجن فى جسد ابن آدم لتداخلت الاجسام ولاحترق الانسان. قلت الجسم اللطيف يجوز ان يدخل الى مخاريق الجسم الكثيف كالهواء الداخل فى سائر الاجسام ولا يؤدى ذلك الى اجتماع الجواهر فى حيز واحد لانها لا تجتمع الا على طريق المجاورة لا على سبيل الحلول وانما يدخل فى اجسامنا كما يدخل الجسم الرقيق فى الظروف والجن ليسوا بنار محرقة بل هم خلقوا من نار فى الاصل كما خلق آدم من التراب فالنسبة باعتبار الجزء الغالب. قال فى بحر الحقائق الاشارة انهم انما يرونكم من حيث البشرية التى هى منشأ الصفات الحيوانية وانكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التى هى منشأ علوم الاسماء والمعرفة فانهم لا يرونكم فى هذا المقام وانتم ترونهم بالنظر الروحانى بل بالنظر الربانى انتهى. ثم قوله {انه يرٰكم} تعليل للنهى ببيان انه عدو صعب الاحتراز عن ضرره فان العدو الذى يراك ولا تراه شديد المؤونة لا يتخلص منه الا من عصمهُ الله فلا بد ان يكون العاقل على حذر عظيم من ضرره. فان قيل كيف نحاربهم ونحترز عنهم ونحن لا نراهم. قلنا لم نؤمر بمحاربة اعيانهم وانما امرنا بدفع وسوستهم وعدم قبول ما القاه فى قلوبنا بالاستعاذة منه الى الله تعالى ـ روى ـ عن ذى النون المصرى انه قال ان كان هو يراك من حيث لا تراه فان الله يراه من حيث لا يرى الله فاستعن بالله عليه فان كيد الشيطان كان ضعيفا {انا جعلنا الشياطين اولياء للذين لا يؤمنون} بما اوجدنا بينهم من التناسب فى الخذلان والغواية فصار بعضهم قرين بعض واغواه. فالاولياء جمع ولى بمعنى الصديق ضد العدو يقال منه تولاه اى اتخذه صديقا وخليلا. وذكر عن وهب بن منبه انه قال "حديث : امر الله تعالى ابليس ان يأتى محمدا عليه السلام ويجيبه عن كل ما يسأله فجاء على صورة شيخ وبيده عكازة فقال له "من انت" قال انا ابليس قال "لماذا جئت" قال امرنى ربى ان آتيك واجيبك فاخبرك عما تسألنى فقال عليه الصلاة والسلام "فكم اعداؤكم من امتى" قال خمسة عشر انت يا محمد. وامام عادل. وغنى متواضع. وتاجر صدوق. وعالم متخشع. ومؤمن ناصح. ومؤمن رحيم القلب. وثابت على التوبة. ومتورع عن الحرام. ومديم على الطهارة. ومؤمن كثير الصدقة. وحسن الخلق مع الناس. ومن ينتفع الناس. وحامل القرآن مديم عليه. وقائم الليل والناس نيام قال "فكم رفقاؤكم من امتى" فقال عشرة. سلطان جائر. وغنى متكبر. وتاجر خائن. وشارب الخمر والقتال. وصاحب الرياء. وآكل مال اليتيم. وآكل الربا. ومانع الزكاة. والذى يطيل الامل فهؤلاء اصحابى واخوانى" تفسير : فظهر ان الشياطين كما انهم اولياء لاهل الكفر كذلك هم اولياء لمن هو فى حكم اهل الكفر من اهل المعصية ونسأل الله العناية والتوفيق ـ ويحكى ـ ان الخبيث ابليس تبدى ليحيى بن زكرياء عليهما السلام فقال انى اريد ان انصحك قال كذبت انت لا تنصحنى ولكن اخبرنى عن بنى آدم قال هم عندنا على ثلاثة اصناف. اما الصنف الاول منها فاشد الاصناف علينا نقبل عليه حتى نفتنه ونتمكن منه ثم يفزع الى الاستغفار والتوبة فيفسد علينا كل شئ ادركنا منه ثم نعود له فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا فنحن من ذلك فى عناء. واما الصنف الثانى فهم فى ايدينا بمنزلة الكرة فى ايدى صبيانكم نتلقفهم كيف شئنا قد كفونا انفسهم. واما الصنف الآخر فهم مثلك معصومون لا نقدر منهم على شئ قال يحيى بعد ذلك هل قدرت منى على شئ قال لا الا مرة واحدة فانك قدمت طعاما تأكله لم ازل اشهيه اليك حتى اكلت منه اكثر مما تريد فنمت تلك الليلة فلم تقم الى الصلاة كما كنت تقوم اليها فقال له يحيى لا جرم انى لا اشبع من طعام ابدا قال له الخبيث لا انصح آدميا بعدك. ولقى يحيى بن زكريا ابليس فى صورته ايضا فقال له اخبرنى من احب الناس اليك وابغض الناس اليك فقال احب الناس الى المؤمن البخيل وابغضهم الى الفاسق السخى قال يحيى وكيف ذلك قال لان البخيل قد كفانى بخله والفاسق السخى اتخوف ان يطلع الله عليه فى سخاه فيقبله ثم ولى وهو يقول لولا انك يحيى لم اخبرك كذا فى آكام المرجان فى احكام الجان.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا بني آدم لا يَفتِنَنَّكُمُ الشيطانُ}؛ بأن يشغلكم عما يقربكم إلى الله، ويحملكم على ما يمنعكم من دخول جنته، {كما أخرج أبويكُم من الجنة} بسبب غروره، والنهي، في اللفظ، للشيطان، والمراد: نهيهم عن اتباعه. حال كون أبويكم {ينزعُ} الشيطان {عنهما لباسَهما} بسبب غروره لهما، وإسناد النزع إليه: مجاز؛ للسببية؛ {ليُريهما سوءاتِهما إنه يراكم هو وقبيلُه من حيث لا تَرونهم}، وهو تعليل للنهي. وتحذير من فتنته، و {قبيله}: جنوده. ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا يقتصي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا، وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة؛ فتحمل الآية على الأكثر والغالب. قال تعالى: {إنا جعلنا الشياطينَ أولياءَ للذين لا يؤمنون}؛ بما أوجدنا بينهم من التناسب، أو بإرسالهم عليهم، وتمكينهم من خذلانهم، وحملهم على ما سولوا لهم، والآية هي مقصود القصة وفذلكة الحكاية. قاله البيضاوي. الإشارة: الحكمة في خلق الشيطان هي كونه منديلاً تمسح فيه أوساخ الأقدار، وكونه يحوش أولياء الله إلى الله، كلما نخسهم بنزعه فزعوا إلى مولاهم، فلا يزال بهم كذلك حتى يوصلهم إلى حضرته، فحينئذٍ ينقاد إليهم، ويخدمهم بأولاده. وفي الحِكَم: "إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده". قال محمد بن واسع: تمثل إلى الشيطان في طريق المسجد، فقال لي: يا ابن واسع، كلما أردتك وجدت بيني وبينك حجابًا، فما ذلك؟ قال: أقرأُ، كلما أصبحتُ: اللهم إنك سلطت علينا عدوًا من أعدائنا، بصيرًا بعيوبنا، مطلعًا على عوراتنا، يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، اللهم آيسه منا كما آيسته من رحمتك، وقنطه منا كما قنطته من عفوك، وباعد بيننا وبينه كما باعدت بين المشرق والمغرب ـ وفي رواية: كما باعدت بينه وبين جنتك ـ إنك على كل شيء قدير. هـ. ثم ذكر مساوئ أولياء الشيطان، فقال: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا}.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله لأولاد آدم العقلاء منهم المكلفين، فنهاهم أن يفتنوا بفتنة الشيطان. والفتنة هي الاختبار والابتلاء وافتتان الشيطان يكون بالدعاء الى المعاصي من الجهة التي تميل اليها النفوس وما تشبهيه. وانما جاز ان ينهي الانسان بصيغة النهي للشيطان، لأنه أبلغ في التحذير من حيث يقتضي أنه يطلبنا بالمكروه، ويقصدنا بالعداوة، فالنهي له يدخل فيه النهي لنا عن ترك التحذير منه. وقوله {كما أخرج أبويكم من الجنة} يعني أغوى أبويكم آدم وحواء حتى خرجا من الجنة، فنسب الاخراج اليه لما كان باغوائه، وجرى ذلك مجرى ذم الله تعالى فرعون بأنه يذبح أبناءهم وإِنما أمر بذلك، وتحقيق الذم فيها راجع الى فعل القتل المذموم، ولكنه يذكر بهذه الصفة لبيان منزلة فعله في عظم الفاحشة. وقوله {ينزع عنهما لباسهما} في موضع الحال من الشيطان، وتقديره نازعاً عنهما لباسهما لكي تبدو سوءاتهما فيرياها، والنزع قلع الشىء من موضعه الذي هو ملابس له ويقال: نزع من الأمر ينزع نزوعاً تشبيهاً بهذا، ونازعه اذا حاول كل واحد منهما أن يزيل صاحبه عما هو عليه، وغرض الشيطان في ان يريا سوآتهما هو ان يغمهما ذلك ويسوءهما ان تبدو لغيرهما، كما بدالهما، لان ذلك صفة كل من له مروءة. واللباس الذي ينزع عنهما قيل فيه ثلاثة أقوال: احدها - قال ابن عباس: كان لباسهما الظفر. وقال وهب بن منية كان لباسهما نوراً. وقال قوم هي ثياب من ثياب الجنة. وقوله {إِنه} يعني الشيطان {يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} وانما كانوا يرونا ولا نراهم لان أبصارهم احد من ابصارنا، وأكثر ضوءاً من أبصارنا، فابصارنا قليلة الشعاع، ومع ذلك أجسامهم شفافة وأجسامنا كثيفة، فصح أن يرونا ولا يصح منا أن نراهم، ولو تكثفوا لصح منا أيضاً أن نراهم. وقال أبو علي: في الآية دلالة على بطلان قول من يقول: إِنه يرى الجن من حيث أن الله عمَّم أن لا نراهم، قال: وإِنما يجوز أن يروا في زمن الانبياء بأن يكثف الله أجسامهم. وقال أبو الهذيل وأبو بكر بن الاخشيد: يجوز أن يمكنهم الله أن يتكثفوا فيراهم حينئذ من يختص بخدمتهم. وقبيل الشيطان، قال الحسن وابن زيد: هو نسله، وبه قال أبو علي، واستدل على ذلك بقوله {أية : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو}. تفسير : وقوله {إِنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} معناه إِنا حكمنا بذلك لانهم يتناصرون على الباطل، ومثله قوله {أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إِناثاً} تفسير : أي حكموا بذلك حكما باطلا. و (حيث) في موضع خفض بحرف (من) غير أنها بنيت على الضم، وأصلها ان تكون مرفوعة لانها ليست لمكان بعينه، وان ما بعدها صلة لها ليست بمضافة اليه. ومنهم من يقول (من حيث) خرجت - بالفتح - لالتقاء الساكنين. ومنهم من يقول (حوث) ولا يُقرأ بهما.

الجنابذي

تفسير : {يَابَنِيۤ آدَمَ} نداء آخر لهم بعد ذكر نعمة ستر عوراتهم لنهيهم عمّا يزيل تلك النّعمة {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} بتزيين شجرة النّفس وثمرة مشتهياتها وايلاعكم بها فيزيل عنكم تلك النّعمة من فُتِن الى النّساء، على صيغة المفعول اذا اولع بهنّ واراد الفجور {كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ} بالافتتان بشجرة النّفس {مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} لانّهم من اهل الملكوت السّفلى ولا يراهم البشر ببصره الملكىّ بل ببصيرته الملكوتيّة والجملة تعليل للتّحذير والتّذكير المستفاد من النّهى تأكيداً له، ولمّا كان هناك مظنّة سؤال ان لا يمكن الخلاص لاحد من فتنته لعداوته وخفائه وخفاء مخايل عداوته فلم يكن فائدة للنّهى والتّحذير عنه، قال تعالى جواباً انّ وجه الخلاص منه الايمان بالآخرة والخروج من الرّسوم والعادة، لانّا لم نجعل للشّياطين تصرّفاً وتسلّطاً على من هذه صفته {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} لتخليتنا بينهم وبينهم بعدم محافظة الملائكة.

اطفيش

تفسير : {يا بَنِى آدَم لا يفْتِنَّنكم الشَّيطانُ} لا يضلكم عن طريق الهدى، أى احذروا أن يتأثر فيكم إغواءه ولا تبتغوه، فالنهى لهم ولو كان بحسب اللفظ للشيطان {كما أخْرجَ أبويْكُم} أباكم آدم وأمكم حواء {مِنَ الجنَّة} أى كما فتنهما بإخراجهما منها، وأنتم أهون فى الإضلال منهما عنده، وأسهل فاحذروا، وقيل: نزل ذلك فيمن يطوف بالبيت عريانا، قال بعضهم: ذلك من عادة قريش، وعن الضحاك وقتادة: من عادة قبيلة من اليمن، وإسناد الإخراج إلى إبليس، فجاز لتسلية فيه، والمخرج هو الله، وكذا إسناد النزع إليه فى قوله: {ينْزِعُ عنْهما لباسَهما} وهذه الجملة حال من أبويكم، ومن ضمير أخرج، والمضارع للحال الماضية المنزلة بمنزلة الحال الحاضرة المشاهدة، تأكيدا فى تحذيرهم، وهى فى نفسها ماضية كأنه قيل: أخرجهما نازعا لباسهما، ولا يخفى ما فى الآيات من الدلالة على فتح الكشف، وأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى، وأسند نزع اللباس عنهما إلى إبليس لعنه الله، وهو فعل لله تعالى، لأن سببه الأكل من الشجرة، وسبب الأكل وسوسته ومقاسمته إنى لكما لمن الناصحين. {ليُرِيَهما سَوْآتهما} الرؤية بصرية، وتعدت لاثنين بالهمزة، فإن يرى مضارع أرى، والمراد باللباس هنا ما مرّ، وقال مجاهد: إن المراد هنا التقوى، وإن السوأة المعاصى {إنَّه يراكُم هُو وقَبيلُه} أى جنوده وهم الجن والشياطين، والمفرد قبيلة، وهى الجماعة، وسميت لأن بعضها يقابل بعضا، وقيل: هو مفرد، وعن الليث: القبيل كل جيل من إنس أو جن، وقيل: القبيل ثلاثة فصاعدا عن قوم شتى، والجمع قبل، والقبيلة بنواب واحد، وقيل القبيل المصنف، فكأنه قيل: وصنفه الذى هو منه، وقيل: القبيل النسل والولد، والهاء فى إنه لإبليس أو للشأن، والعطف على المستتر فى يراكم، وقرىء وقبيله بالنصب على الصيغة أو على تقدير: وإن قبيله يرونكم. {مِنْ حَيثُ لا تَروْنَهم} وجملة إن وما بعدها تعليل للنهى وتحذير من فتنتهم، فإنهم أعداء كامنون يصعب الاحتراز عنهم، قال مالك بن دينار: إن عدواً يراك ولا تراه لشديد المؤنة، إلا من عصم الله، والذى يظهر أنه لا ترى الجن، لأن الله سبحانه أخفاهم عنَّا ولم يخلق فى عيوننا إدراكهم لا لرقة أجسادهم ولطافتها، أو عدم لون فيها كما قال بعضهم، وخلق فى أعينهم قوة يروننا بها ويرون بعضهم بعضا، ولو كان عدم رؤيتنا لهم للطافتهم ورقتهم كما قالت المعتزلة والسيوطى وقالوا: إنهم إنما يروننا لكثافة أجسامنا، وزعم جار الله أن الجن لا يراهم أحد، ولا يظهرون للإنس، وإن ادعاء رؤيتهم زور ومخرفة، وكذا قال الشافعى فيما روى عنه، وروى أنه قال بتخريج مدعى رؤيتهم، وذلك تمسك بظاهر الآية. وزعم أنه كلما ورد فى رؤيتهم فإنما هو بالتخييل لا بالتحقيق وهو خطأ منه مشهور، قلده فيه أهل مذهبه وغيرهم، حتى بعض أهل مذهبنا ممن عاصرناه، وليس الشافعى بنبى ولا صحابى، وإنما هو رجل مثلنا، ولا حديث له على دعواه. وأقول: الحق جواز رؤيتهم، وأن ناسا رأوهم وزعم كثير أنهم لا يراهم أحد إلا تخييلا، روى الشيخ عمرو: التدنى العلامة، عن عمر بن الخطاب موقوفا: أن الجن لا يستطيعون أن يتحولوا عن صورهم التى خلقهم الله عليها، ولكن لهم سحرة كسحرتكم، وإذا رأيتم ذلك فأذنوا، والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الراوى فى حديث قبض أبى هريرة على الجنى وإمساكه إياه ما نصه: وفيه أن الشيطان قد يراه الإنسان، وظاهر إطلاق الرؤية أنها على ظاهرها لا تخييلا، ولا شك أن سليمان عليه السلام يراهم عيانا لا تخييلا، وهو من بنى آدم، فإذا ثبت ذلك لم يمنع أن يراهم غيره كذلك، لأن البشرية تشملنا، وليس ذلك من خصوصية ملكه، لأن أهل زمانه الذين يجلسون معه يرونهم إذا جلسوا معهم، ولا ينافى ذلك ذلك الآية، لأن الآية على الغالب. وقد خالف الشافعى أصله إذ روى أنه جلس وهو غلام فى مجلس مالك، فاستفتى مالكاً رجل أنى حلفت بالطلاق الثلاث أن هذا البلبل لا يهدأ من الصياح، فقال له مالك: قد حنثت، فمضى الرجل فالتفت الشافعى إلى أصحاب مالك فقال: إن هذه الفتيا خطأ، فأخبر مالك بذلك فقالوا لمالك: إن هذا الغلام يزعم أن هذه الفتيا خطأ، فقال له مالك: من أين قلت هذا؟ فقال له الشافعى: أليس أنت الذى رويت لنا عن النبى صلى الله عليه وسلم فى قصة فاطمة بنت قيس حديث : أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم: إن أبا جهم ومعاوية خطبانى، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له" تفسير : فهل كانت عصا أبى جهم أبداً على عاتقه، وإنما أراد من ذلك الأغلب. وإنما حملت رؤية أصحاب سليمان إياهم على الحقيقة كرؤيته، وكذا رؤية النبى محمد صلى الله عليه وسلم، ولم أجعل ذلك من خصوصيات ملك سليمان لكثرة أدلة الحمل على ظاهرها، كما روى حديث : أن بعض الصحابة صارع جنياً فرد عليه مالك قائلا: هكذا فقال: إنى من بينهم ضليع، أى حسن وهو مؤمن لا يكذب، فأقر الصحابى على ما رآه عليه، وبين له أنى مع ما رأيت من خلقتى حسن من بين أبى، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنى فقال: "كنت أريد أن أربطه على سارية فى المسجد لتروه، فتذكرت قول سليمان: {رب هب لى ملكا} الآية فأطلقته"" تفسير : فنص على إمكان رؤيته، بل قال الكرخى ما حاصله: إن الحق جواز رؤيتهم على أصل خلقتهم، فتكون الآية مخصوصة بالأحاديث، وقد ألفت فى ذلك رسالة. وأما قوله عز وجل: {لا ترونهم} فمعناه أنكم لا ترونهم فى الجملة كما سيرى كل واحد منا الآخر فى أى وقت شاء، فلا ينافى رؤيتهم فى بعض الأوقات لأفراد من الناس، ولله در البيضاوى إذ قال: إنهم لا يرون فى الجملة احترازا عما ثبت أنهم قد يرون رؤية شاذة، يراهم قليل من الناس، والقلة نسبية، وليس مراده بالجملة الإشارة إلى رؤيتهم بالتخييل كما قيل، لأنه غير ظاهر من العبارة بلفظ الجملة، وقد رآهم سيدنا محمد وسيدنا سليمان وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، ومن غير الأنبياء من الصحابة وغيرهم، ومن أصحابنا وغيرهم ممن لو استقصيت ذكر قصص رؤيتهم لم تف به عشر كراريس، وقبضوا عليهم والأصل فى ذلك كله الحمل على الحقيقة وبالذات لا بالتمثيل والتخييل، ولكن قبل إظهارهم أنفسهم فى استطاعتهم، وقيل: لا. وكذلك المراد عدم رؤيتهم فى الجملة فيما ذكر مجاهد أن إبليس قال: جعل لنا أربعة: نَرى ولا نُرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى، وفيما ذكر ابن عباس أنهم يروننا ولا نراهم، ويجرون من ابن آدم مجرى الدم، وجعل قلب ابن آدم مسكنا لهم إلا من عصمه الله، وزعم الزجاج أن حيث اسم موصول بالجملة بعدها، وليست الجملة مضافا إليها، ويرده أنه لا رابط والجملة مضاف إليها. {إنَّا جَعلنا الشَّياطين أوْلياء للَّذين لا يؤمنُونَ} أعوانا لهم فى الغى بإرسالهم عليهم، وتمكينهم من خذلانهم، ولم نكفهم عنهم، فكان بينهم اتصال فى المعصية والكفر، وهذا تحذير أبلغ من الأول، والمراد أنهم أولياء لهم بما وجدنا بينهم من التناسب، وقوله: {يا بنى آدم لا يفتننكم} إلى {لا يؤمنون} مقصود قصة آدم، وفذلكة الحكاية كأنه قيل: فذلك موجوب أن تحذروا فتنته، وأن تكونوا أولياء.

اطفيش

تفسير : {يَا بَنِى آدَمَ لاَ يَفتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} لا يصرفنكم بوسوسته عن العمل الصالح والتقوى، أَو عن الجنة، واللفظ نهى للشيطان الذى هو السبب، والمراد النهى عن المسبب وهو اتباعه {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} بفتنته، أَى فتنا ثابتا كإِخراجه إِياهما، أَو فتنا مثل إِخراجه، وقوله {يَنْزِعْ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا} حال من أَبويكم، أَو من ضمير أَخرج، والنازع الله عز وجل فأَسند النزع للشيطان والعياذ بالله لأَنه سبب، واللام للتعليل على أَنه - لعنه الله - عارف بفهمه أَو من الملائكة أَن الأَكل من الشجرة سبب للنزع، وإِلا فللعاقبة والمضارع فى الموضعين لتكون الحال كما لمشاهدة وإِلا فالنزع والإِرادة ماضيان، وأَكد التحذر وعلله بقوله {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ} أَكد بهو الضمير المستتر لزيادة التنبيه على أَن الرائي لكم هو ذلك العظيم المكر والسوء ليأخذوا حذرهم جداً، وكم كاف فى العطف على المستتر إِذا عطف عليه بقوله {وَقَبِيلُهُ} جماعته المختلفة كالروم ومن الجن والزنج منهم والعرب منهم أَو أَصحابه وجنده {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} من للابتداء، وكل موضع رأَونا منه فالرؤية مبتدئة منه منتهية إِلينا، لا ترونهم كلما شئتم بل قد ترونهم قليلا موافقة ولو على تحقق بلا تخييل كما يراهم سليمان عليه السلام وهو من البشر، و "حديث : كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذ قبض شيطانا وقال: كنت أَردت أَن أَربطه فى سارية لتروه فتذكرت قوله تعالى "رب هب لى ملكا لا ينبغى لأَحد من بعدى" فأَطلقته"تفسير : . وأَلفت فى ذلك رسالة ثم رأيت الكرخى صرح بأَنه تكون رؤيتهم على أَصل خلقتهم لبعض الناس، وليس عدم رؤيتنا إِياهم للطافَة أَجسامهم وعدم أَلوانهم بل لأَن الله عز وجل حجبهم عنا ولم يخلق فينا قوة إِبصارهم، وخلق فيهم قوة إِبصارهم إِيانا وقوة إِبصار بعض بعضاً، وإِلا فإِنهم أَجسام ولهم أَلوان، ولو لطفوا أو خصوا بأَنهم يخرجون من تحت الثرى ويروننا ولا نراهم ويعود شيخهم شاباً، قال ذو النون: يراك الشيطان من حيث لا تراه ولكن الله يراه من حيث لا يرى فاستعن بالله عليه فإِن كيد الشيطان ضعيف، ولم نكلف محاربة أَعيانهم حتى يكون عدم رؤيتنا إِياهم مانعاً من محاربتهم، بل كلفنا الله دفع وسوستهم بالاستعاذة بالله وذكره. وقال مالك بن دينار: إِن عدوا يراك ولا تراه لشديد المئونة إِلا من عصمة الله عز وجل {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ} أَعوانا {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} يغلبونهم فى الفساد فهم أَصدقاؤهم لمناسبة بينهم أَو مكانتهم من إِغواء الذين لا يؤمنون، فهم بتولون أَمرهم بالإِغواء.

الالوسي

تفسير : {يَـٰبَنِى آدَمَ } تكرير النداء للإيذان بكمال الاعتناء بمضمون ما صدر به {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي لا يوقعنكم في الفتنة والمحنة بأن يوسوس لكم بما يمنعكم به عن دخول الجنة فتطيعوه وقرىء {يَفْتِنَنَّكُمُ } بضم حرف المضارعة من أفتنه حمله على الفتنة، وقرىء {يَفْتِنَكُمُ } بغير توكيد، وهذا نهي للشيطان في الصورة والمراد نهي المخاطبين عن متابعته وفعل ما يقود إلى الفتنة {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ٱلْجَنَّةِ } أي كما فتن أبويكم ومحنهما بأن أخرجهما منها فوضع السبب موضع المسبب، وجوز أن يكون التقدير لا يفتننكم فتنة مثل فتنة إخراج أبويكم أو لا يخرجنكم بفتنته إخراجاً مثل إخراجه أبويكم، ونسبة الإخراج إليه لأنه كان بسبب إغوائه، وكذا نسبة النزع إليه في قوله سبحانه: {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَا } والجملة حال من {أَبَوَيْكُم } أو من فاعل {أَخْرَجَ } ولفظ المضارع على / ما قاله القطب لحكاية الحال الماضية لأن النزع السلب وهو ماض بالنسبة إلى الإخراج وإن كان العري باقياً. وقوله جل شأنه: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } تعليل للنهي كما هو معروف في الجملة المصدرة بإن في أمثاله وتأكيد للتحذير لأن العدو إذا أتى من حيث لا يرى كان أشد وأخوف، والضمير في {إنَّهُ } للشيطان. وجوز أن يكون للشأن وهو تأكيد للضمير المستتر في {يَرَاكُمْ } وقبيله عطف عليه لا على البارز لأنه لا يصلح للتأكيد. وجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر و {من } لابتداء الغاية و {حيث } ظرف لمكان انتفاء الرؤية وجملة {لاَ تَرَوْنَهُمْ } في محل جر بالإضافة، وعن أبـي إسحاق أن {حَيْثُ } موصولة وما بعد صلة لها. ولعل مراده أن ذلك كالموصول وإلا فلا قائل به غيره كما قال أبو علي الفارسي. والقبيل الجماعة فإن كانوا من أب واحد فهم قبيلة. والمراد بهم هنا جنوده من الجن. وقرأ اليزيدي {وقَبِيله } بالنصب وهو عطف على اسم إن. ويتعين كون الضمير للشيطان ولا يصح كونه للشأن خلافاً لمن وهم فيه لأنه لا يصلح العطف عليه ولا يتبع بتابع. والقضية مطلقة لا دائمة فلا تدل على ما ذهب إليه المعتزلة من أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس ولا يتمثلون. ويشهد لما قلنا ما صح من رؤية النبـي صلى الله عليه وسلم لمقدمهم حين رام أن يشغله عليه الصلاة والسلام عن صلاته فأمكنه الله تعالى منه وأراد أن يربطه إلى سارية من سواري المسجد يلعب به صبيان المدينة فذكر دعوة سليمان عليه السلام فتركه. ورؤية ابن مسعود لجن نصيبين. وما نقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه من أن من زعم أنه رآهم ردت شهادته وعزر لمخالفته القرآن محمول ـ كما قال البعض ـ على زاعم رؤية صورهم التي خلقوا عليها إذ رؤيتهم بعد التشكل الذي أقدرهم الله تعالى عليه مذهب أهل السنة وهو رضي الله تعالى عنه من ساداتهم. وما نوزع به القول بقدرتهم على التشكل من استلزامه رفع الثقة بشيء فإن من رأى ولو ولده يحتمل أنه رأى جنياً تشكل به مردود بأن الله تعالى تكفل لهذه الأمة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يؤدي لمثل ذلك المترتب عليه الريبة في الدين ورفع الثقة بعالم وغيره فاستحال شرعاً الاستلزام المذكور. وقول العلامة البيضاوي بعد تعريف الجن في سورتهم بما عرف. وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها فأخبر الله تعالى بذلك ناشىء من عدم الاطلاع على الأحاديث الصحيحة الكثيرة المصرحة برؤيته صلى الله عليه وسلم لهم وقراءته عليهم وسؤالهم منه الزاد لهم ولدوابهم على كيفيات مختلفة. وعندي أنه لا مانع من رؤيته صلى الله عليه وسلم للجن على صورهم التي خلقوا عليها فقد رأى جبريل عليه السلام بصورته الأصلية مرتين وليست رؤيتهم بأبعد من رؤيته. ورؤية كل موجود عندنا في حيز الإمكان واللطافة المانعة من رؤيتهم عند المعتزلة لا توجب الاستحالة ولا تمنع الوقوع خرقاً للعادة. وكذا تعليل الأشاعرة عدم الرؤية بأن الله تعالى لم يخلق في عيون الإنس قوة الإدراك لا يقتضي الاستحالة أيضاً لجواز أن يخلق الله تعالى في عين رسوله عليه الصلاة والسلام الرائي له جل شأنه بعيني رأسه على الأصح ليلة المعراج تلك القوة فيراهم. بل لا يبعد القول برؤية الأولياء رضي الله تعالى عنهم لهم كذلك لكن لم أجد صريحاً ما يدل على وقوع هذه الرؤية. وأما رؤية الأولياء بل سائر الناس لهم متشكلين فكتب القوم مشحونة بها ودفاتر المؤرخين والقصاص ملأى منها. وعلى هذا لا يفسق / مدعي رؤيتهم في صورهم الأصلية إذا كان مظنة للكرامة، وليس في الآية أكثر من نفي رؤيتهم كذلك بحسب العادة. على أنه يمكن أن تكون الآية خارجة مخرج التمثيل لدقيق مكرهم وخفي حيلهم وليس المقصود منها نفي الرؤية حقيقة. ومن هذا يعلم أن القول بكفر مدعي تلك الرؤية خارج عن الإنصاف فتدبر. {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي قرناء لهم مسلطين عليهم متمكنين من إغوائهم بما أوجدنا بينهم من المناسبة أو بإرسالهم عليهم وتمكينهم منهم، والجملة إما تعليل آخر للنهي وتأكيد للتحذير إثر تأكيد وإما فذلكة لحكاية السابقة.

ابن عاشور

تفسير : أعيد خطاب بني آدم، فهذا النّداء تكملة للآي قبله، بُني على التّحذير من متابعة الشّيطان إلى إظهار كيده للنّاس من ابتداء خلقهم، إذ كاد لأصلهم. والنّداء بعنوان بني آدم: للوجه الذي ذكرتُه في الآية قبلها، مع زيادة التّنويه بمنّة اللّباس توكيداً للتّعريض بحماقة الذين يحجّون عُراة. وقد نهوا عن أن يفتنهم الشّيطان، وفتون الشّيطان حصول آثار وسوسته، أي لا تمكّنوا الشّيطان من أن يفتنكم، والمعنى النّهي عن طاعته، وهذا من مبالغة النّهي، ومنه قول العرب لاَ أعْرِفَنَّك تفعل كذا: أي لا تَفْعَلَن فأعْرِفَ فعلك، لا أرَيَنَّكَ هنا: أي لا تحضرن هنا فأراك، فالمعنى لا تطيعوا الشّيطان في فتْنِهِ فيفتنَكم ومثل هذا كناية عن النّهي عن فعل والنّهي عن التّعرّض لأسبابه. وشُبّه الفتون الصّادر من الشّيطان للنّاس بِفَتنِهِ آدمَ وزوجَه إذْ أقدمهما على الأكل من الشجّرة المنهي عنه، فأخرجهما من نعيم كانا فيه، تذكيراً للبشر بأعظم فتنة فتن الشّيطان بها نوعهم، وشملتْ كلّ أحد من النّوع، إذ حُرم من النّعيم الذي كان يتحقق له لو بقي أبواه في الجنّة وتناسلا فيها، وفي ذلك أيضاً تذكير بأنّ عداوة البشر للشّيطان موروثة، فيكون أبعث لهم على الحذر من كيده. و(ما) في قوله: {كما أخرج} مصدريّة، والجار والمجرور في موضع الصّفة لمصدر محذوف هو مفعول مطلق ليفتننّكم، والتّقدير: فُتوناً كإخراجه أبويكم من الجنّة، فإنّ إخراجه إياهما من الجنّة فتون عظيم يشبه به فتون الشّيطان حين يراد تقريب معناه للبشر وتخويفهم منه. والأبوان تثنية الأب، والمراد بهما الأبُ والأمّ على التّغليب، وهو تغليب شائع في الكلام وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولأبويه}تفسير : في سورة النّساء (11). وأطلق الأب هنا عن الجدّ لأنّه أب أعلى، كما في قول النبي: أنا ابن عبدِ المطّلب. وجملة: {ينزع عنهما لباسهما} في موضع الحال المقارنة من الضّمير المستتر في: {أخرج} أو من: {أبويكم} والمقصود من هذه الحال تفظيع هيئة الإخراج بكونها حاصلة في حال انكشاف سَوْآتهما لأنّ انكشاف السوءة من أعظم الفظائع في متعارف النّاس. والتّعبير عمّا مضى بالفعل المضارع لاستحضار الصّورة العجيبة من تمكّنه من أن يتركهما عريانين. واللّباسُ تقدّم قريباً، ويجوز هنا أن يكون حقيقة وهو لباسٌ جلَّلهما الله به في تلك الجنّة يحجب سوآتهما، كما روي أنّه حِجاب من نور، وروي أنّه كقشر الأظفار وهي روايات غير صحيحة. والأظهر أنّ نزع اللّباس تمثيل لحال التّسبّب في ظهور السوءة. وكرّر التّنويه باللّباس تمكيناً للتّمهيد لقوله تعالى بعده: {أية : خذوا زينتكم عند كل مسجد} تفسير : [الأعراف: 31]. وإسناد الإخراج والنّزع والإراءة إلى الشّيطان مجاز عقلي، مبني على التّسامح في الإسناد بتنزيل السّبب منزلة الفاعل، سواء اعتبر النّزع حقيقة أم تمثيلاً، فإنّ أطراف الإسناد المجازي العقلي تكون حقائق، وتكون مجازات، وتكون مختلفة، كما تقرّر في علم المعاني. واللاّم في قوله: {ليريهما سوآتهما} لام التّعليل الادّعائي، تبعاً للمجاز العقلي، لأنّه لمّا أسند الإخراج والنّزع والإراءة إليه على وجه المجاز العقلي، فجعل كأنّه فاعل الإخراججِ ونزععِ لباسهِما وإراءتِهما سوآتِهما، ناسب أن يجعل له غرض من تلك الأفعال وهو أن يُريهما سَوآتهما ليَتِم ادّعاء كونه فاعلَ تلك الأفعال المضرّة، وكونِه قاصداً من ذلك الشّناعة والفظاعة، كشأن الفاعلين أن تكون لهم علل غائية من أفعالهم إتماماً للكيد، وإنّما الشّيطان في الواقع سبب لرؤيتهما سوآتهما، فانتظم الإسناد الادّعائي مع التّعليل الادّعائي، فكانت لام العلّة تقوية للإسناد المجازي، وترشيحاً له، ولأجل هذه النّكتة لم نجعل اللاّم هنا للعاقبة كما جعلناها في قوله: {أية : فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووُري عنهما من سوآتهما} تفسير : [الأعراف: 20] إذ لم تقارن اللاّم هنالك إسناداً مجازياً. وفي الآية إشارة إلى أنّ الشّيطان يهتم بكشف سوأة ابن آدم لأنّه يسرّه أن يراه في حالة سوء وفظاعة. وجملة: {إنه يراكم هو وقبيله} واقعة موقع التّعليل للنّهي عن الافتتان بفتنة الشّيطان، والتّحذير من كيده، لأنّ شأن الحَذِرِ أن يَرصد الشّيء المخوف بنظره ليحترس منه إذا رأى بَوادره، فأخبر الله النّاس بأنّ الشّياطين تَرى البشر، وأنّ البشر لا يرونها، إظهاراً للتّفاوت بين جانب كيدهم وجانب حذر النّاس منهم، فإنّ جانب كيدهم قويّ متمكّن وجانب حذر النّاس منهم ضعيف، لأنّهم يأتون المكيد من حيث لا يدري. فليس المقصود من قوله: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} تعليم حقيقة من حقائق الأجسام الخفيّة عن الحواس وهي المسمّاة بالمجرّدات في اصطلاح الحكماء ويسمّيها علماؤنا الأرواح السفليّة إذ ليس من أغراض القرآن التّصدّي لتعليم مثل هذا إلاّ ما له أثر في التّزكية النّفسية والموعظة. والضّمير الذي اتّصلت به (إنّ) عائد إلى الشّيطان وعُطف: {وقبيله} على الضّمير المستتر في قوله: {يراكم} ولذلك فصل بالضّمير المنفصل. وذُكر القبيل، وهو بمعنى القبيلة، للدّلالة على أنّ له أنصاراً ينصرونه على حين غفلة من النّاس، وفي هذا المعنى تقريب حال عداوةِ الشّياطين بما يعهده العرب من شدّة أخذِ العدوّ عدوّه على غرّة من المأخوذ، تقول العرب: أتَاهم العَدوّ وهم غَارّون. وتأكيد الخبر بحرف التّوكيد لتنزيل المخاطبين في إعراضهم عن الحذر من الشّيطان وفتنته منزلة من يتردّدون في أنّ الشيطان يراهم وفي أنّهم لا يرونه. و{من حيث لا ترونهم} ابتداء مكان مبهم تنتفي فيه رؤية البشر، أي من كلّ مكان لا ترونهم فيه، فيفيد: إنّه يراكم وقبيلهُ وأنتم لا ترونه قريباً كانوا أو بعيداً، فكانت الشّياطين محجوبين عن أبصار البشر، فكان ذلك هو المعتاد من الجنسين، فرؤية ذوات الشّياطين منتفية لا محالة، وقد يخول الله رؤية الشّياطين أو الجنّ متشكّلة في أشكال الجسمانيات، معجزةً للأنبياء كما ورد في الصّحيح: «حديث : إنّ عفريتاً من الجنّ تَفَلَّت عليّ اللّيلةَ في صلاتي فَهَمَمْت أن أوثقه في سارِية من المسجد»تفسير : الحديث، أو كرامةً للصّالحين من الأمم كما في حديث الذي جاء يسرق من زكاة الفطر عند أبي هريرة، وقول النّبيء صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: «حديث : ذلك شيطان» تفسير : كما في «الصّحيحين»، ولا يكون ذلك إلاّ على تشكل الشّيطانِ أو الجنّ في صورة غير صورته الحقيقيّة، بتسخير الله لتتمكّن منه الرّؤية البشريّة، فالمرئيّ في الحقيقة الشّكل الذي ماهيةُ الشّيطان من ورائه، وذلك بمنزلة رؤية مكاننٍ يُعلم أنّ فيه شيطاناً، وطريق العلم بذلك هو الخبر الصّادق، فلولا الخبر لما عُلم ذلك. وجملة: {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً قصد منه الانتقال إلى أحوال المشركين في ائتمارهم بأمر الشّيطان، تحذيراً للمؤمنين من الانتظام في سلكهم، وتنفيراً من أحوالهم، والمناسبة هي التّحذير وليس لهذه الجملة تعلّق بجملةِ: {إنه يراكم هو وقبيله}. وتأكيد الخبر بحرف التّأكيد للاهتمام بالخبر بالنّسبة لمن يسمعه من المؤمنين. والجعل هنا جعل التّكوين، كما يعلم من قوله تعالى: {أية : بعضكم لبعض عدو} تفسير : [الأعراف: 24] بمعنى خلقنا الشّياطين. و{أولياءَ} حال من {الشياطين} وهي حال مقدرة أي خلقناهم مُقدرة وَلايتُهم للّذين لا يؤمنون، وذلك أنّ الله جبل أنواع المخلوقات وأجناسَها على طبائِع لا تنتقل عنها، ولا تقدر على التّصرّف بتغييرها: كالافتراس في الأسد، واللّسع في العقرب، وخلق للإنسان العقلَ والفكر فجعله قادراً على اكتساب ما يختار، ولما كان من جبلة الشّياطين حبّ ما هو فساد، وكان من قدرة الإنسان وكسبه أنّه قد يتطلّب الأمر العائد بالفساد، إذا كان له فيه عاجلُ شهوة أو كان يشبه الأشياء الصّالحة في بادىء النّظرة الحمقاء، كان الإنسان في هذه الحالة موافقاً لطبع الشّياطين، ومؤتمراً بما تسوله إليه، ثمّ يغلِب كسب الفساد والشرّ على الذين توغّلوا فيه وتدرّجوا إليه، حتّى صار المالكَ لإراداتهم، وتلك مَرتبَة المشركين، وتتفاوت مراتب هذه الولاية، فلا جرم نشأت بينهم وبين الشّياطين ولاية ووفاق لتقارب الدّواعي، فبذلك انقلبت العداوة التي في الجبلة التي أثبتها قوله: {أية : إنّ الشيطان لكما عدو مبين} تفسير : [الأعراف: 22] ــــ وقوله ــــ {أية : بعضكم لبعض عدو} تفسير : [الأعراف: 24] فصارت ولاية ومحبّة عند بلوغ ابن آدم آخرَ دركات الفساد، وهو الشّرك وما فيه، فصار هذا جعلا جديداً ناسخاً للجعل الذي في قوله: {بعضكم لبعض عدو} كما تقدّمت الإشارة إليه هنالك، فما في هذه الآية مقيّد للإطلاق الذي في الآية الأخرى تنبيها على أن من حقّ المؤمن أن لا يوالي الشّيطان. والمراد بالذين لا يؤمنون المشركون، لأنّهم المضادون للمؤمنين في مكّة، وستجيء زيادة بيان لهذه الآية عند قوله تعالى: {أية : يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم} تفسير : في هذه السورة (35).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يَابَنِيۤ آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ}. حذر تعالى في هذه الآية الكريمة بني آدم أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم، وصرح في موضع آخر. أنه حذر آدم من مكر إبليس قبل أن يقع فيما وقع فيه، ولم ينجه ذلك التحذير من عدوه وهو قوله تعالى: {أية : فَقُلْنَا يٰآدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 117].

د. أسعد حومد

تفسير : {يَابَنِيۤ ءَادَمَ} {ٱلشَّيْطَانُ} {سَوْءَاتِهِمَآ} {يَرَاكُمْ} {ٱلشَّيَاطِينَ} (27) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ مِنْ إِبْلِيسَ وَجَمَاعَتِهِ (قَبِيلِهِ)، وَيُذَكِّرُهُمْ بِعَدَاوَتِهِ القَدِيمَةِ لآِدَمَ وَزَوْجِهِ، حِينَمَا سَعَى فِي إِخْرَاجِهِمَا مِنَ الجَنَّةِ، دَارِ السَّعَادَةِ وَالهَنَاءِ، إِلَى الأَرْضِ دَارِ الشَّقَاءِ، وَتَسَبَّبَ فِي هَتْكِ سِتْرِهِمَا، وَكَشْفِ عَوْرَاتِهِمَا، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَسْتُورَةً عَنْهُمَا، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ بَنِي آدَمَ عَلَيْهِمْ أَلاَّ يُمَكِّنُوا إِبْلِيسَ مِنْ خِدَاعِهِمْ، وَإِيقَاعِهِمْ فِي المَعَاصِي بِوَسْوَسَتِهِ، فَإِبْلِيسُ يَرَى البَشَرَ فِي حِينِ أَنَّهُمْ لاَ يَرَوْنَهُ هُمْ. وَالشَّيَاطِينُ هُمْ أَوْلِيَاءُ وَأَخِلاَّءُ وَأَصْحَابٌ لِلْكُفَّارِ الذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ مِنَ الإِنْسِ، لاسْتِعْدَادِهِمْ لِتَقَبُّلِ وَسْوَسَةِ الشَّيَاطِينِ وَإِغْوَائِهِمْ. أَمَّا المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ. لاَ يَفْتِنَنَّكُمْ - لاَ يُضِلَّنَّكُمْ وَلاَ يَخْدَعَنَّكُمْ. يَنْزِعُ عَنْهُمَا - يُزِيلُ عَنْهُمَا. قَبِيلُهُ - جُنُودُهُ أَوْ ذُرِّيَتُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قبل أن يطلب منا سبحانه ألا نفتتن بالشيطان، أوضح أنه قد رتب لنا كل مقومات الحياة، وعلينا أن نتذكر موقف الشيطان، من أبينا آدم وإِغواءه له. والفتنة في الأصل هي الاختبار، وتُطلق - أحياناً - على الأثر السيء حيث تكون أشد من القتل، لكن هل يسقط الإِنسان في كل فتنة؟ لا؛ لأن الفتنة هي الاختبار، وفي الاختبار إما أن ينجح الإِنسان، وإمّا أن يرسب، فإن نجح أعطته الفتنة خيراً وإن رسب تعطه شرًّا. وبعد أن ذكر الحق سبحانه وتعالى قصة خلق آدم، وأعلمنا أنه خلقه للخلافة في الأرض، وأن موضوع الجنة هو حلقة مقدمة لتلقي الخلافة؛ لأنه إذا ما أصبح خليفة في الأرض؛ فلله منهج يحكمه في كل حركاته، ومادام له منهج يحكمه في كل حركاته فرحمة به لم ينزل الله للأرض ابتداءً ليتلقى المنهج بدون تدريب واقعي على المنهج، فجعل الجنة مرحلة من مراحل ما قبل الاستخلاف في الأرض، وحذره من الشيطان الذي أبى أن يسجد له، وأراد منه أن يأخذ التجربة في التكليف. وكل تكليف محصور في "افعل كذا" و"لا تفعل كذا"؛ لذلك شاء الله أن يجعل له في الجنة فترة تدريب على المهمة؛ لينزل إلى الأرض مباشراً مهمة الخلافة بعد أن زود بالتجربة الفعلية الواقعية، وأوضح له: أَنْ كُلْ مِنْ كُلِّ ما في الجنة، ولكن لا تقرب هذه الشجرة. و "كُلْ" أَمْرٌ، و"ولا تقرب" نَهْيٌّ. وكل تكليف شرعي هو بين "لا تفعل" وبين "افعل". وبعد ذلك حذره من الشيطان الذي يضع ويجعل له العقبات في تنفيذ منهج الله، فلما قرب آدم وحواء وأكلا منها؛ خالفا أمر الله في {وَلاَ تَقْرَبَا}، وأراد الله أن يبين لهما بالتجربة الواقعية أن مخالفة أمر الله لابد أن ينشأ عنها عورة تظهر في الحياة، فبدت له ولزوجته سواءتهما، فلما بدت لهما سواءتهما علم كل منهما أن مخالفة أمر الله تُظهر عورات الأرض وعورات المجتمع، فأمره الله: أن اهبط إلى الأرض مزوداً بهذه التجربة. ولما هبط آدم وزوجه إلى الأرض أرسل إليه منهج السماء بعد التجربة، وأراد أن يبين لنا أنه عصى أمر ربه في قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا}، وتلقى من ربه كلمات فتاب عليه، وأراد سبحانه أن يبين لنا أن آدم يتمثل فيه أنه بشر يصيب ويخطئ، وتدركه الغفلة، وقد يخالف منهج الله في شيء، ثم يستيقظ من غفلته فيتوب، وبعد أن كلفه أن يبلغ رسالة الله وصار نبيًّا؛ جاءت له العصمة فلا يغفل ولا ينسى في تبليغ الرسالة. ولذلك يجب أن نفطن إلى النص القرآني: {أية : ...وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121] إنّ هذه طبيعة البشر أن يعصي ثم يتوب إذا أراد التوبة، ولابد أن نفطن أيضاً إلى قوله الحق: {ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ} إذن فالاصطفاء جاء بعد المعصية؛ لأن عصيانه كان أمراً طبيعيًّا لأنه بشر، يخطئ ويصيب، ويسهو ويغفل. ولكن بعد أن خرج من الجنة اجتباه الله ليكون نبيًّا ورسولاً، ومادام قد صار نبيًّا ورسولاً فالعصمة تأتي له: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} تفسير : [طه: 122] إذن لا يصح لنا أن نقول: كيف يعصي آدم وهو نبي؟! نقول: تنبه إلى أن النبوة لم تأته إلا بعد أن عصى وتاب؛ فهو يمثل مرحلة البشرية لأنه أبو البشرية كلها، والبشرية منقسمة إلى قسمين: بشر مبلغون عن الله، وأنبياء يبلغون عن الله، فله في البشرية أنه عصى، وله في النبوة أن ربه قد اجتباه فتاب عليه وهداه. والذين يقولون: إن آدم كان مخلوقاً للجنة، نقول لهم: لا. افهموا عن الله، لأنه يقول: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}. إن أمر الجنة كان مرحلة من المراحل التي سبقت الخلافة في الأرض. إنها كانت تدريباً على المهمة التي سيقوم بها في الأرض، والا فلو أن آدم قد خلقه الله للجنة وأن المعصية أخرجته، إلا أن الله قد قبل منه توبته، وما دام قبل توبته فكان يجب أن يبقيه في الجنة، ومن هنا نقول ونؤكد أن الجنة كانت مرحلة من المراحل التي سبقت الخلافة في الأرض. وبعد ذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يخلع علينا التجربة لآدم حتى نتعظ بها، وأن نعرف عداوة الشيطان لنا، وألا نقع في الفتنة كما وقع آدم. {يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ...} [الأعراف: 27] وهذا نهي لبني آدم وليس نهيا للشيطان، وهذا في مُكنة الإنسان أن يفعل أو لا يفعل، فسبحانه لا ينهى الإنسان عن شيء ليس في مكنته، بل ينهاه عما في مكنته، والشيطان قد أقسم أن يفتنه وسيفعل ذلك لأنه أقسم وقال: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}. فإياكم أن تنخدعوا بفتنة الشيطان؛ لأن أمره مع أبيكم واضح، ويجب أن تنسحب تجربته مع أبيكم عليكم فلا يفتننكم كما أخرج أبويكم من الجنة، ويتساءل البعض: لماذا لم يقل الله: لا يفتننكم الشيطان كما فتن أبويكم، وقال: {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ} ؟. ونقول هذا هو السمو والافتنان الراقي في الأداء البياني للقرآن. وإن هذا تحذير من فتنة الشيطان حتى لا يخرجنا من جنة التكليف. كما فتن أبوينا فأخرجهما من جنة التجربة. ويقال عن هذا الأسلوب إنه أسلوب احتباك، وهو أن تجعل الكلام شطرين وتحذف من كل منهما نظير ما أثبت في الآخر قصد الاختصار. وهذا هو الأسلوب الذي يؤدي المعنى بمنتهى الإيجاز؛ لينبه ذهن السامع لكلام الله. فيلتقط من الأداء حكمة الأداء وإيجاز الأداء، وعدم الفضول في الأساليب. {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ...} [الأعراف: 27] والفتنة- كما علمنا- هي في الأصل الاختبار حتى ننقي الشيء من الشوائب التي تختلط به، فإذا كانت الشوائب في ذهب فنحن نعلم أن الذهب مخلوط بنحاس أو بمعدن آخر، وحين نريد أن نأخذ الذهب خالصاً نفتنه على النار حتى ينفض ويزيل عنه ما علق به. كذلك الفتنة بالنسبة للناس، إنها تأتي اختباراً للإنسان لينقي نفسه من شوائب هذه المسألة، وليتذكر ما صنع إبليس بآدم وحواء. فإذا ما جاء ليفتنك فإياك أن تفتن؛ لأن الفتنة ستضرك كما سبق أن الحقت الضرر بأبيك آدم وأمك حواء. والشيطان هو المتمرد على منهج الله من الجن، والجن جنس منه المؤمن ومنه الكافر. فقد قال الحق سبحانه: {أية : وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ...} تفسير : [الجن: 11] والشيطان المتمرد من هذا الجنس على منهج الله ليس واحداً، واقرأ قول الحق سبحانه: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ...} تفسير : [الكهف: 50] وهنا يقول الحق سبحانه: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ...} [الأعراف: 27] و"قبيله" هم جنوده وذريته الذين ينشرهم في الكون ليحقق قَسَمَه: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] إذن ففتنة الشيطان إنما جاءت لتخرج خلق الله عن منهج الله، وحينما عصى إبليس ربّه عزّ عليه ذلك، فبعد أن كان في قمة الطاعة صار عاصيًّا لأمر الله معصية أَدَّته وأوصلته إلى الكفر؛ لأنه ردّ الحكم على الله. إن ذلك قد أوغر صدره وأحنقه، وجعله يوغل ويسرف في عداوة الإِنسان لأنه عرف أن طرده ولعنه كان بسبب آدم وذريته. {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ...} [الأعراف: 27] وهذا يدل على أن المراد ذرية الشيطان، فلو كان المراد شياطين الإِنس معهم لما قال: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}. وعلى ذلك فهذه الآية خاصة بالذرية، ويعلمنا الحق سبحانه وتعالى أن نتنبه إلى أن الشيطان لن يكتفي بنفسه ولن يكتفي بالذرية بل سيزين لقوم من البشر أن يكونوا شياطين الإِنس كما وُجد شياطين الجن، وهم من قال فيهم سبحانه: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً...} تفسير : [الأنعام: 112] وكلمة {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ} تعني الاستمالة التي تجعل الإِنسان يرتكب المعصية وينفعل لها، ويتأثر بزخارف القول. وكل معصية في الكون هكذا تبدأ من زخرف القول، فللباطل دعاته، ومروجوه، ومعلنوه، إنهم يزينون للإِنسان بعض شهواته التي تصرفه عن منهج الله، ونلاحظ أن أعداء الله، وأعداء منهج الله يترصدون مواسم الإِيمان في البشر، فإذا ما جاء موسم الإِيمان خاف أعداء الله أن يمر الموسم تاركاً هبة في نفوس الناس، فيحاولوا أن يكتلوا جهودهم حتى يحرموا الناس نفحة الموسم، فإذا ما حرموا الناس من نفحة الموسم فقد حققوا غرضهم في العداوة للإِسلام. {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ}. إن الشيطان يراكم أيها المكلفون هو وقبيله. والقبيل تدل على جماعة أقلها ثلاثة من أجناس مختلفة أو جماعة ينتسبون إلى أب وأم واحدة. واختلف العلماء حول المراد من هذا القول الكريم؛ فقال قوم: "إنهم جنوده وذريته". ويقصدون جنوده من البشر، ولم يلتفتوا إلى قول الحق: {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} فلا بد أن يكون المراد بالقبيل هنا الذرية؛ لأننا نرى البشر، وفي قوله الحق تغليظ لشدة الحذر والتنبه؛ لأن العدو الذي تراه تستطيع أن تدفع ضرره، ولكن العدو الذي يراك ولا تراه عداوته شديدة وكيده أشد، والجن يرانا ولا نراه، وبعض من العلماء علل ذلك لأننا مخلوقون من طين وهو كثيف، وهم مخلوقون من نار وهي شفيفة. فالشفيف يستطيع أن يؤثر في الكثيف، بدليل أننا نحس حرارة النار وبيننا وبينها جدار، ولكن الكثيف لا يستطيع أن يؤثر في الشفيف ولا ينفذ منه. إذن فنفوذ الجن وشفافيته أكثر من شفافية الإِنسان، ولذلك أخذ خفة حركته. ونحن لا نراه. إذن معنى ذلك أن الشيطان لا يُرى، ولكن إذا كان ثبت في الآثار الصحيحة أن الشيطان قد رُئى وهو من نار، والملائكة من نور، والاثنان كل منهما جنس خفي مستور، وقد تشكل المَلك بهيئة إنسان، وجاء لرسول الله وقال لنا صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم ". تفسير : وعلى ذلك رأى السابقون المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل لا على صورة ملائكيّته، ولكن على صورة تتسق مع جنس البشر، فيتمثل لهم مادة. حديث : وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى الشيطان وقال: "إن عفريتا من الجن جعل يفتك عليّ البارحة ليقطع عليّ الصلاة، وإن الله أمكنني منه فَذَعَتّهُ فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سوراي المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون ". تفسير : وذلك من أدب النبوة. إذن فالشيطان يتمثل وأنت لا تراه على حقيقته، فإذا ما أرادك أن تراه.. فهو يظهر على صورة مادية. وقد ناقش العلماء هذا الأمر نقاشاً يدل على حرصهم على فهم كتاب الله، ويدل على حرصهم على تجلية مراداته وأسراره، فقال بعضهم: حين يقول الله إن الشيطان يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، لابد أن نقول: إننا لن نراه. وأقول: إن الإنسان إن رأى الجني فلن يراه على صورته، بل على صورة مادية يتشكل بها، وهذه الصورة تتسق وتتفق مع بشرية الإنسان؛ لأن الجني لو تصور بصورة مادية كإنسان أو حيوان أو شيء آخر يمكن أن يراه الإنسان، وحينئذ لفقدنا الوثوق بشخص من نراه، هل هو الشيء الذي نعرفه أو هو شيطان قد تمثل به؟ إن الوثوق من معرفة الأشخاص أمر ضروري لحركة الحياة، وحركة المجتمع؛ لأنك لا تعطف على ابنك إلا لأنك تعلم أنه ابنك ومحسوب عليك، ولا تثق في صديقك إلا إذا عرفت أنه صديقك. ولا تأخذ علماً إلا من عالم تثق به. وهب أن الشيطان يتمثل بصورة شخص تعرفه، وهنا سيشكك هذا الشيطان ويمنع عنك الوثوق بالشخص الذي يتمثل في صورته. وأيضاً أعدى أعداء الشيطان هم الذين يبصرون بمنهج الله وهم العلماء، فما الذي يمنع أن يتشكل الشيطان بصورة عالم موثوق في علمه، ثم يقول كلاماً مناقضاً لمنهج الله؟. إذن فالشيطان لا يتمثل، هكذا قال بعض العلماء، ونقول لهم: أنتم فهمتم أن الشيطان حين يتمثل، يتمثل تمثلاً استمرارياً، لا. هو يتمثل تمثل الومضة؛ لأن الشيطان يعلم أنه لو تشكل بصورة إنسان أو لصورة مادية لحكمته الصورة التي انتقل إليها، وإذا حكمته الصورة التي انتقل إليها فقد يقتله من يملك سلاحاً، إنه يخاف منا أكثر مما نخاف منه، ويخاف أن يظهر ظهوراً استمرارياً؛ لذلك يختار التمثل كومضة، ثم يختفي، والإنسان إذا تأمل الجني المشكل. سيجد فيه شيئاً مخالفاً، كأن يتمثل- مثلا- في هيئة رجل له ساق عنزة لتلتفت إليه كومضة ويختفي؛ أنه يخاف أن تكون قد عرفت أن الصورة التي يتشكل بها تحكمه. وإذا عرفت ذلك أمكنك أن تصرعه. ويتابع الحق سبحانه: {...إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27] والشياطين من جَعْل الله، وسبحانه خلّى بينهم وبين الذين يريدون أن يفتنوهم والا لو أراد الله منعهم من أن يفتنوهم. لفعل.. إذن فكل شيء في الوجود، أو كل حدث في الوجود يحتاج إلى أمرين: طاقة تفعل الفعل، وداع لفعل الفعل. فإذا ما كانت عند الإنسان الطاقة للفعل، والداعي إلى الفعل، فإبراز الفعل في الصورة النهائية نستمدها من عطاء الله من الطاقة التي منحها الله للإنسان. فأنت تقول: العامل النساج نسج قطعة من القماش في غاية الدقة، ونقول: إن العامل لم ينسج، وإنما الآلة، والآلة لم تنسج، لكن الصانع الذي صنعها أرادها كذلك، والصانع لم يصممها الا بالعالم الذي ابتكر قانون الحركة بها. إذن فالعامل قد وجّه الطاقة المخلوقة للمهندس في أن تعمل، واعتمد على طاقة المهندس الذي صنعها في المصنع، والمهندس اعتمد على طاقة الابتكار وعلى العالم الذي ابتكر قانون الحركة، والعالم قد ابتكرها بعقل خلقه الله، وفي مادة خلقها الله. إذن فكل شيء يعود إلى الله فعلاً؛ لأنه خالق الطاقة، وخالق من يستعمل الطاقة، والإنسان يوجه الطاقة فقط، فإذا قلت: العامل نسج يصح قولك، وإذا قلت: الآلة نسجت، صح قولك، وإذا قلت: إن المصنع هو الذي نسج صح قولك. إذن فالمسألة كلها مردها في الفعل إلى الله، وأنت وجهت الطاقة المخلوقة لله بالقدرة المخلوقة لله في فعل أمر من الأمور. فإذا قال الله {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ} أي خلّينا بينهم وبينهم المفتونين بهم، غير أننا لو أردنا الا يفتنوا أحداً لما فتنوه. وهذا ما فهمه إبليس. {أية : ...لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 82-83] إذن من يريده الله معصوماً لا يستطيع الشيطان أن يغويه، وتعلم الشياطين أن الله خلّى بينهم في الاختيار، هذه اسمها تخلية؛ ولذلك لا معركة بين العلماء. فمنهجهم أن الطاقة مخلوقة لله، ونسب كل فعل إلى الله، ومنهم من رأى أنَّ موجّه الطاقة من البشر فينسب الفعل للبشر، ومنهم من رأى طلاقة قدرة الله في أنه الفاعل لكل شيء، ومنهم من قال: إن الإنسان هو الذي فعل المعصية.. أي أنه وجه الطاقة إلى عمل والطاقة صالحة له، فربنا يعذبه على توجيه الطاقة للفعل الضار ولا خلاف بينهم جميعاً. {...إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27] إذن جعل الله الشياطين أولياء لمن لم يؤمن، ولكن الذي آمن لا يتخذه الشيطان وليًا. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} [الآية: 27] قال: قبيله الجن والشياطين. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الآية: 29]. يقول: اجعلوا وجوهكم عند كل مسجد إِلى الكعبة، حيث ما صليتم في كنيسة أَو غيرها. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} {فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} [الآية: 29-30]. يعني: شقياً وسعيداً. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الآية: 31]. يعني به قريشاً لتركها الثياب في الطواف. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ} [الآية: 37]. قال: من الشقاءِ والسعادة مثل قوله:{أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}تفسير : [هود: 105].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} [معناه] هو وأَمرُهُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى، محذرا لبني آدم أن يفعل بهم الشيطان كما فعل بأبيهم: { يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ } بأن يزين لكم العصيان، ويدعوكم إليه، ويرغبكم فيه، فتنقادون له { كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ } وأنزلهما من المحل العالي إلى أنزل منه، فأنتم يريد أن يفعل بكم كذلك، ولا يألو جهده عنكم، حتى يفتنكم، إن استطاع، فعليكم أن تجعلوا الحذر منه في بالكم، وأن تلبسوا لأمَةَ الحرب بينكم وبيْنه، وأن لا تغفُلوا عن المواضع التي يدخل منها إليكم. فـ { إِنَّهُ } يراقبكم على الدوام، و { يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ } من شياطين الجن { مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ } فعدم الإيمان هو الموجب لعقد الولاية بين الإنسان والشيطان. {أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ }.