Verse. 982 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَاِذَا فَعَلُوْا فَاحِشَۃً قَالُوْا وَجَدْنَا عَلَيْہَاۗ اٰبَاۗءَنَا وَاللہُ اَمَرَنَا بِہَا۝۰ۭ قُلْ اِنَّ اللہَ لَا يَاْمُرُ بِالْفَحْشَاۗءِ۝۰ۭ اَتَقُوْلُوْنَ عَلَي اللہِ مَا لَا تَعْلَمُوْنَ۝۲۸
Waitha faAAaloo fahishatan qaloo wajadna AAalayha abaana waAllahu amarana biha qul inna Allaha la yamuru bialfahshai ataqooloona AAala Allahi ma la taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا فعلوا فاحشة» كالشرك وطوافهم بالبيت عراة قائلين لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها فنهوا عنها «قالوا وجدنا عليها آباءنا» فاقتدينا بهم «والله أمرنا بها» أيضا «قل» لهم «إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون» أنه قاله، استفهام إنكار.

28

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الناس من حمل الفحشاء على ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة وغيرهما، وفيهم من حمله على أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء، والأولى أن يحكم بالتعميم، والفحشاء عبارة عن كل معصية كبيرة، فيدخل فيه جميع الكبائر، واعلم أنه ليس المراد منه أن القرم كانوا يسلمون كون تلك الأفعال فواحش. ثم كانوا يزعمون أن الله أمرهم بها، فإن ذلك لا يقوله عاقل. بل المراد أن تلك الأشياء كانت في أنفسها فواحش، والقوم كانوا يعتقدون أنها طاعات، وإن الله أمرهم بها، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم كانوا يحتجون على إقدامهم على تلك الفواحش بأمرين. أحدهما: أنا وجدنا عليها آباءنا. والثاني: أن الله أمرنا بها. أما الحجة الأولى: فما ذكر الله عنها جواباً، لأنها إشارة إلى محض التقليد، وقد تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة، لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة، فلو كان التقليد طريقاً حقاً للزم الحكم بكون كل واحد من المتناقضين حقاً ومعلوم أنه باطل، ولما كان فساد هذا الطريق ظاهراً جلياً لكل أحد لم يذكر الله تعالى الجواب عنه. وأما الحجة الثانية: وهي قولهم: {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } فقد أجاب عنه بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء } والمعنى أنه ثبت على لسان الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة، فكيف يمكن القول بأن الله تعالى أمرنا بها؟ وأقول للمعتزلة أن يحتجوا بهذه الآية على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه، ثم إنه تعالى نهى عنه لكونه مشتملاً على ذلك الوجه، لأن قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء } إشارة إلى أنه لما كان ذلك موصوفاً في نفسه بكونه من الفحشاء امتنع أن يأمر الله به، وهذا يقتضي أن يكون كونه في نفسه من الفحشاء مغايراً لتعلق الأمر والنهب به، وذلك يفيد المطلوب. وجوابه: يحتمل أنه لما ثبت بالاستقراء أنه تعالى لا يأمر إلا بما يكون مصلحة للعباد، ولا ينهي إلا عما يكون مفسده لهم، فقد صح هذا التعليل لهذا المعنى. والله أعلم. ثم قال تعالى: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وفيه بحثان: البحث الأول: المراد منه أن يقال: إنكم تقولون إن الله أمركم بهذه الأفعال المخصوصة فعلمكم بأن الله أمركم بها حصل لأنكم سمعتم كلام الله تعالى ابتداء من غير واسطة، أو عرفتم ذلك بطريق الوحي إلى الأنبياء؟ أما الأول: فمعلوم الفساد بالضرورة. وأما الثاني: فباطل على قولكم، لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء على الإطلاق، لأن هذه المناظرة وقعت مع كفار قريش، وهم كانوا ينكرون أصل النبوة، وإذا كان الأمر كذلك، فلا طريق لهم إلى تحصيل العلم بأحكام الله تعالى، فكان قولهم أن الله أمرنا بها قولاً على الله تعالى بما لا يكون معلوماً. وإنه باطل. البحث الثاني: نفاة القياس قالوا: الحكم المثبت بالقياس مظنون وغير معلوم، وما لا يكون معلوماً لم يجز القول به لقوله تعالى في معرض الذم والسخرية: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وجواب مثبتي القياس عن أمثال هذه الدلالة قد ذكرناه مراراً. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : الفاحشة هنا في قول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عُراةً. وقال الحسن: هي الشرك والكفر. واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم، وبأن الله أمرهم بها. وقال الحسن: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا» قالوا: لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه. {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} بيّن أنهم متحكّمون، ولا دليل على أن الله أمرهم بما ٱدّعوا. وقد مضى ذمّ التقليد وذمّ كثير من جهالاتهم. وهذا منها.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً} فعلة متناهية في القبح كعبادة الصنم وكشف العورة في الطواف. {قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} اعتذروا واحتجوا بأمرين تقليد الآباء والافتراء على الله سبحانه وتعالى، فأعرض عن الأول لظهور فساده ورد الثاني بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء} لأن عادته سبحانه وتعالى جرت على الأمر بمحاسن الأفعال، أو الحث على مكارم الخصال. ولا دلالة عليه على أن أقبح الفعل بمعنى ترتب الذم عليه آجلاً عقلي، فإن المراد بالفاحشة ما ينفر عنه الطبع السليم ويستنقصه العقل المستقيم. وقيل هما جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم لما فعلوها: لم فعلتم؟ فقالوا: وجدنا عليها آباءنا. فقيل ومن أين أخذ آباؤكم؟ فقالوا: الله أمرنا بها. وعلى الوجهين يمتنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه لا مطلقاً. {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله تعالى.

ابن كثير

تفسير : قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، فتضع المرأة على قبلها النسعة أو الشيء، وتقول:شعر : اليومَ يَبْدو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ تفسير : فأنزل الله: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} الآية، قلت: كانت العرب ما عدا قريشاً لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش، وهم الحمس، يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوباً، طاف فيه، ومن معه ثوب جديد، طاف فيه، ثم يلقيه، فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوباً جديداً، ولا أعاره أحمسي ثوباً، طاف عرياناً، وربما كانت امرأة، فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر، فتقول:شعر : اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُه أَوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ تفسير : وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} فقال تعالى رداً عليهم: {قُلْ} أي: يا محمد لمن ادعى ذلك: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} أي: هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك، {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: أتسندون إلى الله من الأقوال مالا تعلمون صحته، وقوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} أي: بالعدل والاستقامة، {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي: أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات، فيما أخبروا به عن الله، وما جاؤوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته؛ فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك. وقوله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} إلى قوله: {ٱلضَّلَـٰلَةَ} اختلف في معنى قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} فقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}: يحييكم بعد موتكم، وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء، وقال قتادة: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} قال: بدأ فخلقهم، ولم يكونوا شيئاً، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولاً، كذلك يعيدكم آخراً، واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة، فقال: «حديث : يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً، كما بدأنا أول خلق نعيده، وعداً علينا إنا كنا فاعلين» تفسير : وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث شعبة، وفي صحيح البخاري أيضاً من حديث الثوري به، وقال وِقاءُ بن إياس أبو يزيد عن مجاهد: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} قال: يبعث المسلم مسلماً، والكافر كافراً، وقال أبو العالية {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} ردّوا إلى علمه فيهم، وقال سعيد بن جبير: كما بدأكم تعودون، كما كتب عليكم تكونون، وفي رواية: كما كنتم عليه تكونون، وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة، صار إلى ما ابتدىء عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدىء خلقه عليه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملوا بأعمال أهل الشقاء، ثم صاروا إلى ما ابتدئوا عليه، وقال السدي: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} يقول: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} كما خلقناكم، فريق مهتدون، وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ} قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمناً وكافراً، كما قال: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}تفسير : [التغابن: 2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمناً وكافراً. قلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري: «حديث : فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة»تفسير : . وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم» تفسير : هذا قطعة من حديث البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني في قصة قزمان يوم أحد، وقال ابن جرير: حدثني ابن بشار حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : تبعث كل نفس على ما كانت عليه» تفسير : وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه، عن الأعمش به، ولفظه: «حديث : يبعث كل عبد على ما مات عليه» تفسير : وعن ابن عباس مثله، قلت: ويتأيد بحديث ابن مسعود، قلت: ولا بد من الجمع بين هذا القول، إن كان هو المراد من الآية، وبين قوله تعالى: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} تفسير : [الروم: 30] وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»تفسير : وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم» تفسير : الحديث، ووجه الجمع على هذا، أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك، وجعله في غرائزهم وفطرهم ومع هذا قدر أن منهم شقياً، ومنهم سعيداً {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} تفسير : [التغابن: 2] وفي الحديث: «حديث : كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» تفسير : وقدر الله نافذ في بريته، فإنه هو {أية : وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 3] و{ٱلَّذِىۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} [طه: 50] وفي الصحيحين: «حديث : فأما من كان منكم من أهل السعادة، فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة، فسييسر لعمل أهل الشقاوة» تفسير : ولهذا قال تعالى: {فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ} ثم علل ذلك فقال: {إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآية، قال ابن جرير: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحداً على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عناداً منه لربه فيها؛ لأنه لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل، وهو يحسب أنه مهتد، وفريق الهدى، فَرْقٌ، وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً } كالشرك وطوافهم بالبيت عراة قائلين: لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها، فنهوا عنها {قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا } فافتدينا بهم {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } أيضاً {قُلْ } لهم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآء أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أنه قاله؟ استفهام إنكار.

الشوكاني

. تفسير : الفاحشة: ما تبالغ في فحشه وقبحه من الذنوب. قال أكثر المفسرين: هي طواف المشركين بالبيت عراة. وقيل هي الشرك، والظاهر أنها تصدق على ما هو أعم من الأمرين جميعاً، والمعنى: أنهم إذا فعلوا ذنباً قبيحاً متبالغاً في القبح، اعتذروا عن ذلك بعذرين: الأوّل: أنهم فعلوا ذلك اقتداء بآبائهم لما وجدوهم مستمرين على فعل تلك الفاحشة، والثاني: أنهم مأمورون بذلك من جهة الله سبحانه. وكلا العذرين في غاية البطلان والفساد، لأن وجود آبائهم على القبح لا يسوّغ لهم فعله، والأمر من الله سبحانه لهم لم يكن بالفحشاء، بل أمرهم باتباع الأنبياء والعمل بالكتب المنزلة ونهاهم عن مخالفتهما، ومما نهاهم عنه فعل الفواحش، ولهذا ردّ الله سبحانه عليهم بأن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء } فكيف تدّعون ذلك عليه سبحانه، ثم أنكر عليهم ما أضافوه إليه، فقال: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وهو من تمام ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم، وفيه من التقريع والتوبيخ أمر عظيم، فإن القول بالجهل إذا كان قبيحاً في كل شيء، فكيف إذا كان في التقوّل على الله؟ وإن في هذه الآية الشريفة لأعظم زاجر، وأبلغ واعظ، للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر لا بأهل الحق، فإنهم القائلون: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 23] والقائلون {وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } والمقلد لولا اغتراره بكونه وجد أباه على ذلك المذهب، مع اعتقاده بأنه الذي أمر الله به، وأنه الحق لم يبق عليه، وهذه الخصلة هي التي بقي بها اليهودي على اليهودية، والنصراني على النصرانية، والمبتدع على بدعته، فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية، والنصرانية، أو البدعية، وأحسنوا الظنّ بهم، بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر الله به، ولم ينظروا لأنفسهم، ولا طلبوا الحق كما يجب، وبحثوا عن دين الله كما ينبغي، وهذا هو التقليد البحت والقصور الخالص، فيا من نشأ على مذهب من هذه المذاهب الإسلامية أنا لك النذير المبالغ في التحذير، من أن تقول هذه المقالة وتستمر على الضلالة، فقد اختلط الشرّ بالخير، والصحيح بالسقيم، وفاسد الرأي بصحيح الرواية، ولم يبعث الله إلى هذه الأمة إلا نبياً واحداً أمرهم باتباعه ونهى عن مخالفته فقال: {أية : وَمَا آتَـٰكُمْ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } تفسير : [الحشر: 7] ولو كان محض رأى أئمة المذاهب وأتباعهم حجة على العباد، لكان لهذه الأمة رسل كثيرون متعدّدون بعدد أهل الرأي المكلفين للناس بما لم يكلفهم الله به. وإن من أعجب الغفلة، وأعظم الذهول عن الحق، اختيار المقلدة لآراء الرجال مع وجود كتاب الله، ووجود سنة رسوله، ووجود من يأخذونهما عنه، ووجود آلة الفهم لديهم، وملكة العقل عندهم. قوله: {قُلْ أَمَرَ رَبّي بِٱلْقِسْطِ } القسط: العدل، وفيه أن الله سبحانه يأمر بالعدل، لا كما زعموه من أن الله أمرهم بالفحشاء. وقيل القسط هنا هو: لا إلٰه إلا الله، وفي الكلام حذف، أي قل أمر ربي بالقسط فأطيعوه. قوله: {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } معطوف على المحذوف المقدّر، أي توجهوا إليه في صلاتكم إلى القبلة في أي مسجد كنتم، أو في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود، على أن المراد بالسجود: الصلاة {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } أي ادعوه أو اعبدوه حال كونكم مخلصين الدعاء، أو العبادة له. وقيل: وحدوه ولا تشركوا به. قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } الكاف: نعت مصدر محذوف. وقال الزجاج: هو متعلق بما قبله. والمعنى: كما أنشأكم في ابتداء الخلق يعيدكم، فيكون المقصود الاحتجاج على منكري البعث، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وقيل: كما أخرجكم من بطون أمهاتكم تعودون إليه كذلك ليس معكم شيء، فيكون مثل قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [الأنعام: 94]. وقيل: كما بدأكم من تراب تعودون إلى التراب {فَرِيقًا هَدَىٰ } منتصب بفعل يفسره ما بعده. وقيل: منتصب على الحال من المضمر في تعودون، أي تعودون فريقين: سعداء وأشقياء، ويقويه قراءة أبيّ «فريقين فريقا هدى»، والفريق الذي هداه الله هم: المؤمنون بالله المتبعون لأنبيائه، والفريق الذي حقت عليه الضلالة: هم الكفار. قوله: {إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱللَّهِ } تعليل لقوله: {وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ } أي ذلك بسبب أنهم أطاعوا الشياطين في معصية الله، ومع هذا فإنهم {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ }، ولم يعترفوا على أنفسهم بالضلالة، وهذا أشدّ في تمرّدهم وعنادهم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً } قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فنهوا عن ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في الآية قال: والله ما أكرم الله عبداً قط على معصيته، ولا رضيها له ولا أمر بها، ولكن رضي لكم بطاعته، ونهاكم عن معصيته، وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد، في قوله: {أَمَرَ رَبّي بِٱلْقِسْطِ } قال: بالعدل {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } قال: إلى الكعبة حيثت صليتم في كنيسة أو غيرها {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قال: شقي وسعيد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } الآية قال: إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً كما قال: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِن} تفسير : [التغابن: 2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمناً وكافراً. وأخرج ابن جرير، عن جابر في الآية قال: يبعثون على ما كانوا عليه المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عنه أنه ذكر القدرية فقال: قاتلهم الله، أليس قد قال الله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، أيضاً في الآية: يقول كما خلقناكم أوّل مرّة كذلك تعودون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَآءَنَا} في هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها وردت في العرب الذين كانوا يطوفون عراة، والفاحشة التي فعلوها كشف العورة، وهذا قول أكثر المفسرين. والثاني أنها في عبدة الأوثان، والفاحشة التي فعلوها الشرك، قاله الحسن. والثالث أنها اتخاذ البَحِيْرَةِ والسائبة والوصيلة والحام، قاله الكلبي. قوله عز وجل: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} فيه وجهان: أحدهما: بالصدق. والثاني: بالعدل. {وَأقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه توجهوا حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة، قاله مجاهد. والثاني: معناه اجعلوا سجودكم خالصاً لله تعالى دون ما سواه من الأوثان والأصنام، قاله الربيع بن أنس. والثالث: معناه اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة، أمراً بالجماعة لها، ندباً عند الأكثرين، وحتماً عن الأقلين. والرابع: أن أي موضع أدركت فيه وقت الصلاة فصل فيه فإنه مسجد ولا تؤخرها إلى حضور المسجد. {وَاْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: يعني أقروا له بالوحدانية وإخلاص الطاعة. والثاني: ارغبوا إليه في الدعاء بعد إخلاصكم له الدين. {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: كما بدأكم شقياً وسعيداً، كذلك تبعثون يوم القيامة، قاله ابن عباس. الثاني: كما بدأكم فآمن بعضكم وكفر بعضكم، كذلك تبعثون يوم القيامة. روى أبو سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تُبْعَثُ كُلُّ نَفْسٍ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ ". تفسير : والثالث: كما خلقكم ولم تكونوا شيئاً، كذلك تعودون بعد الفناء أحياء، قاله الحسن، وابن زيد. والرابع: كما بدأكم لا تملكون شيئاً، كذلك تبعثون يوم القيامة. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلاً وَأَوَّلُ مَنْ يُكَسَى إِبْرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلاَمُ" تفسير : ثم قرأ {أية : كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلينَ} تفسير : [الأنبياء: 104].

الثعالبي

تفسير : وقوله: وإذا فَعَلُوا وما بعده دَاخِلٌ في صفة الذين لا يؤمنون، والفاحشة في هذه الآية، وإن كان اللفظ عَامّاً هي كَشْفُ العَوْرَةِ عند الطَّوَافِ، فقد روي عن الزهري أنه قال: إن في ذلك نزلت هذه الآية. وقاله ابنَ عَبَّاسٍ ومجاهد. وقوله عز وجل: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} تضمن معنى اقسطوا، ولذلك عطف عليه قوله: {وَأَقِيمُواْ} حملاً على المعنى، والقِسْطُ العَدْلُ واختلف في قوله سبحانه: {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} فقال مجاهد، والسدي: أراد إلى الكعبة، والمقصد على هذا شَرْعُ القبلة والتزامها. وقيل: أراد الأمر بإحضار النية لله في كُلِّ صَلاَةٍ، والقصد نحوه، كما تقول: وَجَّهْتُ وَجْهِي لله قاله الربيع. وقيل: المراد إبَاحَةُ الصلاة في كُلِّ موضع من الأرض، أي: حيث ما كنتم فهو مَسْجِدٌ لكم تلزمكم عند الصَّلاَةِ إقامة وجوهكم فيه لله عز وجل. وقوله سبحانه: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} قال ابن عَبِّاسٍ، وقتادة، ومجاهد: المعنى: كما أوجدكم، واخترعكم، كذلك يعيدكم بعد الموتِ والوقف على هذا التأويل تعودون و«فريقاً» نصب بــ «هدى» والثاني منصوب بِفِعْلٍ تقديره: وعذب فريقاً. وقال جابر بن عبد اللَّه وغيره، وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المُرَادَ الإعلام بأن مَنْ سَبَقَتْ له من اللَّه الحُسْنَى، وكتب سعيداً كان في الآخِرَةِ سَعِيداً، ومن كتب عليه أنه من أَهْلِ الشَّقَاءِ، كان في الآخرة شَقِيًّا، ولا يتبدَّل من الأمور التي أحكمها وَدَبَّرَهَا، وأنفذها شيء، فالوقف في هذا التأويل في قوله: {تَعُودُونَ} غير حسن {وَفَرِيقاً} على هذا التأويل نصب على الحال، والثاني عطف على الأول. {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} معناه: يظنُّونَ. قال الطبري: وهذه الآية دَلِيلٌ على خَطَإ من زَعَمَ أن اللَّه لا يعذب أحداً على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها على عِلْمٍ منه بموضع الصواب.

ابن عادل

تفسير : هذه الجملة الشَّرْطيَّة لا محلَّ لها من الإعراب؛ لأنَّها استئنافيَّة وهو الظَّاهِرُ وجوَّزَ ابْنُ عَطِيَّة أن تكون داخِلَةً في حيِّز الصِّلَةِ لعطفها عليها. قال ابْنُ عطيَّة ليقع التوبيخ بصفة قَوْمٍ قد فعلوا أمثالاً للمؤمنين إذا شبه فعلهم فعل الممثل بهم. قوله: "وَجَدْنَا" يحتمل أنْ يكون العلمية أي علمنا طريقهم أنها هذه، ويحتمل أن يكون بمعنى: لَقِينَا، فيكون مفعولاً ثانياً على الأول وحالاً على الثاني. فصل في المراد من الآية. قوله {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} قال ابنُ عبَّاسٍ، ومجاهدٌ: هي طوافهم بالبيت عراة. وقال عطاءٌ: الشِّرك. وقيل: ما كَانُوا يحرمونه من البحيرةِ والسَّائِبَةِ وغيرها، وهو اسم لكلِّ فعل قبيحٍ بلغ النِّهايةَ في القُبْحِ، فالأولى أن يحكم بالتعميم، وفيه إضمارٌ مَعْنَاهُ: وإذا فعلوا فَاحِشَةً فنهوا عنها قالوا: وجدنا عليها آباءنا. قيل: ومن أينَ أخذ آباؤكم؟ قالوا: اللَّهُ أمَرَنَا بها. واعلم أنَّهُ ليس المرادُ أنَّ القومَ كَانُوا يعتقدونَ أن تلك الأفعال فواحش ثم يزعمون أنَّ الله أمرهم بها، فإنَّ ذلك لا يقولهُ عاقلٌ، بل المراد أن تلك الأشياء في أنفسها فواحش، والقوم كَانُوا يعتقدون أنها طاعات والله أمرهم بها ثُمَّ إنَّهُ تعالى حكى عنهم أنَّهُم كانوا يحتجون على إقدامهم على تلك الفواحِشِ بأمرين. أحدهما: {وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا}. والثاني: {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا}. فأمَّا الحُجَّةُ الأولى فما ذكر الله عنها جواباً لأنَّها محض التَّقْلِيد، وهو طريقة فاسدَةٌ في عقل كلِّ أحد؛ لأنَّ التقليد حاصل في الأديان المتناقضة فلو كان التَّقلِيدُ حقاً للزِمَ الحكمُ بأنَّ كُلَّ من المتناقضين حقّاً وذلك باطلٌ، ولما كان فساد هذا الطَّريق ظاهراً جلياً لم يذكر الجواب عنه. وأمّا الحجَّةُ الثَّانِية وهي قولهم: {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} فقد أجَابَ اللَّهُ عنها بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} والمعنى أنَّه لما بين على لِسانِ الأنْبِيَاءِ والرُّسُلِ كون هذه الأفعال منكرة قبيحة، فكيف يمكن القول بأنَّ اللَّهَ تعالى أمرنَا بِهَا. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} حذف المفعول الأوَّل للعلم به أي لا يأمر أحداً أو لا يأمركم يا مُدَّعين ذلك. فصل قالت المعتزلَةُ: قوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} إشارة إلى أنَّهُ لما كان موصوفاً في نفسه بكونه من الفحشاء؛ امتنع أن يأمر الله به، وهذا يقتضي أن يكون كونه في نفسه فحشاً مغايراً لتعلق الأمر والنَّهْيِ بِهِ. والجوابُ: لما ثبت بالاستقراءِ أنَّهُ تعالى لا يأمرُ إلاَّ بما يكون مصلحة للعباد ولا ينهى إلا عمَّا يكون مفسدة لهم، فقد صَحَّ هذا التَّعْلِيلُ. قوله: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} والمعنى أن قولكم: إنَّ اللَّه أمَرَكُم بهذه الأفعال إمَّا لأنكم سمعتم كلام اللَّهِ تعالى ابتداء من غير واسطة، أو عرفتم ذلك بطريقِ الوحي عن الأنْبِيَاءِ. أما الأول: فباطل بالضَّرُورةِ. وأما الثاني: فباطل على قولكم لأنَّكُم تنكرون نبوّة الأنبياءِ على الإطلاق لأن هذه المناظرة مع كُفَّار قُرَيْشٍ، وهم كانوا منكرين أصْلَ النُّبُوَّةِ، وإذا كان كذلك، فلا طريق لهم إلى تحصيل العلم بأحْكَامِ اللَّهِ تعالى، فكان قولهم: إنَّ الله أمرنا بها قولاً على اللَّه بما لا يَعْلَمُونَ، وإنَّهُ بَاطِلٌ. قوله: {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} مفعول به، وهذا مفرد في قوة الجملة؛ لأنَّ ما لا يعلمون ممَّا يتقولونه على الله - تعالى - كلام كَثِيرٌ من قولهم: {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} كتبحير البحائر وتسييب السَّوائب، وطوافهم بالبيت عُرَاةً إلى غير ذلك وكذلك حذف المفعول من قوله: {أية : أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [الأعراف: 29]. فصل في دحض شبهة لنفاة القياس استدلَّ بهذه الآية نفاةُ القياس؛ لأنَّ الحكم المثبت بالقياس مظنون غير معلوم وما لا يكون معلوماً لم يجز القول به لقوله تعالى في معرض الذَّمِّ: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وقد تقدَّم جوابٌ عن مثل هذه الدلالةِ.

البقاعي

تفسير : ولما جعل أمارتهم في ولاية الشيطان عدم الإيمان، عطف على ذلك أمارة أخرى فقال: {وإذا فعلوا فاحشة} أي أمراً بالغاً في القبح كالشرك وكشف العورة في الطواف {قالوا} معللين لارتكابهم إياها {وجدنا عليها} أي فاحشة {آباءنا} ولما كانت هذه العلة ظاهراً عارها بيناً عوارها، ضموا إليها افتراء ما يصلح للعلية، فقالوا معبرين بالاسم الأعظم غير محتشمين من جلاله وعظمته وكماله: {والله أمرنا بها}. ولما كانت العلة الأولى ملغاة، وكان العلم ببطلانها بديهياً، لأن من المعلوم أنهم لو وجدوهم على سفه في تحصيل المال ما تابعوهم؛ أعرض عنها إشارة إلى ذلك، وأمر بالجواب عن الثانية التي هي افتراء على الملك الأعلى مع ادعائهم أنهم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأشدهم تحرياً بقوله: {قل إن الله} أي الذي له الكمال كله {لا يأمر بالفحشاء} أي بشيء من هذا الجنس. ولما كان الكذب قبيحاً في نفسه وهو عندهم أقبح القبيح مطلقاً، فكيف به على كبير منهم فكيف إذا كان على أعظم العظماء! قال منكراً عليهم موبخاً لهم مهدداً: {أتقولون على الله} أي الذي له جميع العظمة {ما لا تعلمون*} لأنكم لم تسمعوا ذلك عن الله بلا واسطة ولا نقل إليكم بطريق صحيح عن نبي من الأنبياء عليهم السلام، وفيه تهديد شديد على الجهل والقول على الله بالظن. لما كان تعليلهم بأمر الله مقتضياً لأنه إذا أمر بشيء أتبع، أمره أن يبلغهم أمره الذي جاء به دليل العقل مؤيداً بجازم النقل فقال: {قل} أي لهؤلاء الذين نابذوا الشرع والعرف {أمر ربي} المحسن إليّ بالتكليف بمحاسن الأعمال، التي تدعو إليها الهمم العوال {بالقسط} وهو الأمر الوسط بين ما فحش في الإفراط صاعداً عن الحد، وفي التفريط هابطاً منه؛ ولما كان التقدير: فأقسطوا اتباعاً لما أمر به، أو كان القسط مصدراً ينحل إلى: أن أقسطوا، عطف عليه {وأقيموا وجوهكم} مخلصين غير مرتكبين لشيء من الجور {عند كل مسجد} أي مكان ووقت وحال يصلح السجود فيه، ولا يتقيدن أحد بمكان ولا زمان بأن يقول وقد أدركته الصلاة: أذهب فأصلي في مسجدي {وادعوه } عند ذلك كله دعاء عبادة {مخلصين له الدين*} أي لا تشركوا به شيئاً. ولما كان المعنى: فإن من لم يفعل ذلك عذبه بعد إعادته له بعد الموت، ترجمه مستدلاً عليه بقوله معللاً: {كما بدأكم} أي في النشأة الأولى فأنتم تبتدئون نعيدكم بعد الموت فأنتم {تعودون*} حال كونكم فريقين: {فريقاً هدى} أي خلق الهداية في قلوبهم فحق لهم ثواب الهداية {وفريقاً} أضل، ثم فسر أضل - لأنه واجب التقدير بالنصب - بقوله: {حق} أي ثبت ووجب {عليهم الضلالة} أي لأنه أضلهم فيحشرون على ما كانو عليه في الدنيا من الأديان، والأبدان، وقد تبين أن ههنا احتباكين: أثبت في أولهما بدا دليلاً على حذف يعيد وذكر تعودون دليلاً على حذف تبتدئون، وأثبت في الثاني هدى دليلاً على حذف أضل وذكر حقوق الضلالة دليلاً على حذف حقوق الهدى. ولما كرر سبحانه ذكر البعث كما تدعو إليه الحكمة في تقرير ما ينكره المخاطب تأنيساً له به وكسراً لشوكته وإيهاناً لقوته وقمعاً لسورته إلى أن ختم بما هو أدل عليه مما قبل من قوله ومنها تخرجون{أية : فلنسئلن الذين أرسل إليهم}تفسير : [الأعراف: 6] علل ما ختم به هذا الدليل من حقوق الضلالة أي وجوبها أي وجوب وبالها عليهم بقوله: {إنهم اتخذوا} أي كلفوا أنفسهم ضد ما دعتهم إليه الفطرة الأولى بأن أخذوا {الشياطين أولياء} أي أقرباء وأنصاراً {من دون الله} أي الملك الأعلى الذي لا مثل له {ويحسبون} أي والحال أنهم يظنون بقلة عقولهم {أنهم مهتدون*} فأشار بذلك إلى أنهم استحقوا النكال لأنهم قنعوا في الأصول - التي يجب فيها الابتهال ألى القطع - بالظنون. ولما أمر سبحانه بالقسط وبإقامة الوجه عند كل مسجد، أمرهم بما ينبغي عند تلك الإقامة من ستر العورة الذي تقدم الحث عليه وبيان فحش الهتك وسوء أثره معبراً عنه بلفظ الزينة ترغيباً فيه وإذناً في الزينة وبياناً لأنها ليس مما يتورع عنه لقوله صلى الله عليه وسلم " حديث : إن الله يحب إذا بسط على عبد رزقه أن يرى أثر نعمته عليه " تفسير : رواه أحمد والترمذي وابن منيع عن أبي هريرة رضى الله عنه، وأتبع ذلك أعظم ما ينبغي لابن آدم أن يعتبر فيه القسط من المأكل والمشرب فقال مكرراً النداء استعطافاً وإظهاراً لعظيم الإشفاق وتذكيراً بقصة أبيهم آدم عليه السلام التي أخرجته من الجنة مع كونه صفي الله ليشتد الحذر: {يا بني آدم} أي الذي زيناه فغره الشيطان ثم وقيناه شره بما أنعمنا عليه به من حسن التوبة وعظيم الرغبة {خذوا زينتكم} أي التي تقدم التعبير عنها بالريش لستر العورة والتجمل عند الاجتماع للعبادة {عند كل مسجد} وأكد ذلك كونُهم كانوا قد شرعوا أن غير الحمس يطوفون عراة. ولما امر بكسوة الظاهر بالثياب لن صحة الصلاة متوقفة عليها، أمر بكسوة الباطن بالطعام والشراب لتوقف القدرة عادة عليها فقال: {وكلوا واشربوا} وحسَّن ذلك أن بعضهم كان يتدين في الحج بالتضييق في ذلك. ولما أمر بالملبس والمطعم، نهى عن الاعتداء فيهما فقال: {ولا تسرفوا} بوضع شيء من ذلك فيما لا يكون أحق مواضعه ولو بالزيادة على المعاء، ومن ذلك أن يتبع السنة في الشرب فيسير لأن العكر يرسب في الإناء فربما أذى من شربه، ولذلك نهى عن النفس في الإناء لأنه ربما أنتن فعافته النفس، وأما الطعام فليحسن إناءه والأصابع لنيل البركة وهو أنظف، ثم علل ذلك بقوله: {إنه لا يحب المسرفين*} أي لا يكرمهم، ولا شك أن من لا يحبه لا يحصل له شيء من الخير فيحيط به كل شر، ومن جملة السرف الأكل في جميع البطن، والاقتصاد الاقتصار على الثلث كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبة فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس " تفسير : و " حديث : وما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن " تفسير : و " حديث : الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد " تفسير : أخرجه البخاري عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال الأطباء، الأمعاء سبعة، فالمعنى حينئذ أن الكافر يأكل شعباً فيملأ الأمعاء السبعة، والمؤمن يأكل تقوتاً فيأكل في معى واحد، وذلك سبع بطنه، وإليه الإشارة بلقيمات، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهوالثلث - والله أعلم - وسبب الاية أنهم كانوا يطرحون ثيابهم إذا أرادوا الطواف، يقولون: لا نطوف في ثياب إذ بتنا فيها، ونتعرى منها لنتعرى من الذنوب إلا الحمس وهم قريش ومن ولده، وكانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً، فقال المسلمون: يارسول الله! فنحن أحق أن نفعل ذلك - فأنزلت.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا} قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة فنهوا عن ذلك . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وإذا فعلوا فاحشة} قال: فاحشتهم أنهم كانوا يطوفون حول البيت عراة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وإذا فعلوا فاحشة...} الآية. قال: كان قبيلة من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة، فإذا قيل لهم لم تفعلون ذلك؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا وأمرنا الله بها . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان المشركون الرجال يطوفون بالبيت بالنهار عراة والنساء بالليل عراة، ويقولون: إنا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، فلما جاء الإِسلام وأخلاقه الكريمة نهوا عن ذلك . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: والله ما أكرم الله عبداً قط على معصيته ولا رضيها له ولا أمر بها، ولكن رضي لكم بطاعته ونهاكم عن معصيته .

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً} جملةٌ مبتدأة لا محل لها من الإعراب، وقد جُوّز عطفُها على الصلة، والفاحشةُ الفَعلةُ المتناهيةُ في القبح، والتاء لأنها مُجراةٌ على الموصوف المؤنث أو للنقل من الوصفية إلى الاسمية، والمرادُ بها عبادةُ الأصنامِ وكشفُ العورة في الطواف ونحوُهما. {قَالُواْ} جواباً للناهين عنها {وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} محتجين بأمرين: تقليدِ الآباءِ والافتراءِ على الله سبحانه، ولعل تقديمَ المقدم للإيذان منهم بأن آباءَهم إنما كانوا يفعلونها بأمر الله تعالى بها على أن ضمير (أمرنا) لهم ولآبائهم، فحينئذ يظهر وجهُ الإعراض عن الأول في رد مقالتِهم بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء} فإن عادتَه تعالى جاريةٌ على الأمر بمحاسن الأعمالِ والحثِّ على مراضي الخِصال، ولا دِلالةَ فيه على أن قبحَ الفعلِ ـ بمعنى ترتبِ الذم عليه عاجلاً والعقابِ آجلاً ـ عقلي فإن المرادَ بالفاحشة ما ينفِر عنه الطبعُ السليم ويستنقِصُه العقلُ المستقيم، وقيل: هما جوابا سؤالين مترتبـين كأنه قيل لما فعلوها: لم فعلتم؟ فقالوا: وجدنا عليها آباءَنا، فقيل: لمَ فعلها آباؤُكم؟ فقالوا: الله أمرنا بها، وعلى الوجهين يُمنع التقليدُ إذا قام الدليلُ بخلافه لا مطلقاً {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من تمام القولِ المأمورِ به، والهمزةُ لإنكار الواقعِ واستقباحِه وتوجيهُ الإنكارِ والتوبـيخِ إلى قولهم عليه تعالى ما لا يعلمون صدورَه عنه تعالى ـ مع أن بعضَهم يعلمون عدمَ صدورِه عنه تعالى ـ مبالغةٌ في إنكار تلك الصورةِ فإن إسنادَ ما لم يُعلم عنه تعالى إليه تعالى إذا كان مُنكراً فإسنادُ ما عُلم عدمُ صدورِه عنه إليه عز وجل أشدُّ قبحاً وأحقُّ بالإنكار. {قُلْ أَمَرَ رَبّي بِٱلْقِسْطِ} بـيانٌ للمأمور به إثرَ نفي ما أُسند أمرُه إليه تعالى من الأمور المنهيِّ عنها، والقسطُ العدلُ وهو الوسَطُ من كل شيء، المتجافي عن طرفي الإفراطِ والتفريط. {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ} وتوجهوا إلى عبادته مستقيمين غيرَ عادلين إلى غيرها، أو أقيموا وجوهَكم نحو القِبلة {عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ} في كل وقت سجودٍ أو مكانِ سجودٍ وهو الصلاةُ أو في أي مسجدٍ حضَرتْكم الصلاةُ وعنده ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم {وَٱدْعُوهُ} واعبدوه {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} أي الطاعةَ فإن مصيرَكم إليه بالآخرة {كَمَا بَدَأَكُمْ} أي أنشأكم ابتداءً {تَعُودُونَ} إليه بإعادته فيجازيكم على أعمالكم وإنما شُبه الإعادةُ بالإبداء تقريراً لإمكانها والقدرةِ عليها، وقيل: كما بدأكم من التراب تعودون إليه، وقيل: حفاةً عراة غُرْلاً تعودون إليه وقيل: كما بدأكم مؤمناً وكافراً يعيدكم.

القشيري

تفسير : استروحوا في التعلل إلى سلوكهم نهجَ أسلافِهِم، فاستمسكوا بحبلٍ واهٍ فزلَّت بهم أقدامُ الغرور، وقعوا في وهدة المحنة.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا فعلوا} اى كفار قريش {فاحشة} اى فعلة متناهية فى القبح كعبادة الصنم وكشف العورة فى الطواف ونحوهما {قالوا} جوابا للناهين عنها محتجين على حسنها بامرين الاول تقليد الآباء وهو قولهم {وجدنا عليها آباءنا} والثانى الافتراء على الله وهو قولهم {والله امرنا بها} فاعرض الله تعالى عن رد احتجاجهم الاول لظهور فساده فان التقليد لا يعتبر دليلا على صحة الفعل الذى قام الدليل على بطلانه وان كان معتبرا فى غيره ورد الثانى بقوله {قل ان الله لا يأمر بالفحشاء} لان عادته تعالى جرت على الامر بمحاسن الافعال والحث على مكارم الخصال {أتقولون على الله مالا تعلمون} انه امركم بذلك وذلك لان طريق العلم اما السماع من الله تعالى ابتداء اى من غير توسط رسول يبلغهم ان الله تعالى امرهم بذلك وانتفاؤه ظاهر واما المعرفة بواسطة الانبياء وهم ينكرون نبوة الانبياء على الاطلاق فلا طريق لهم الى العلم باحكام الله تعالى فكان قولهم والله امرنا بها قولا على الله بما لا يعلمون وهو اى قوله أتقولون من تمام القول المأمور به والهمزة لانكار الواقع واستقباحه. والاشارة فى الآية ان الفاحشة طلب الدنيا وحبها والحرص على جمعها فان افحش الفواحش حب الدنيا لانه رأس كل حطيئة. والمعنى اذا قوع اهل الغفلة فى طلب الدنيا وزينتها والتمتع بها بتلقين الشياطين وتدبيرهم وتزيينهم فيدعوهم داع الى الله وطلبه وترك الدنيا وطلبها {قالوا وجدنا عليها آباءنا} اى على محبة الدنيا وشهواتها {والله امرنا بها} اى بطلبها بالكسب الحلال {قل ان الله لا يأمر بالفحشاء} اى لا يأمر بحب الدنيا والحرص على جمعها وانما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوة واللباس ليقوم باداء حق العبودية {أتقولون على الله مالا تعلمون} اى تفترون على الله مالا تعلمون آفته ولا وبال عاقبته ولا تعلمون ان ذلك ن فتنة الشيطان وتزيينه واغوائه كذا فى التأويلات النجمية: وفى المثنوى شعر : اين جهان جيفه است ومردار رخيص برجنين مردار جون باشم حريص

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: في وصف المشركين: {وإذا فعلوا فاحشة} أي: فعلة متناهية في القبح؛ كعبادة الصنم، وكشف العورة في الطواف، احتجوا بفعل آبائهم فقالوا: {وجَدنَا عليها آباءنا واللهُ أمرنَا بها} فاعتذروا بعذرين باطلين: أحدهما: تقليد آبائهم، والآخر: افتراؤهم على الله، فأعرض عن الأول؛ لظهور فساده، ورد الثاني بقوله: {قل إنَّ الله لا يأمرُ بالفحشاء}؛ لأن الله تعالى جرت عادته على الأمر بمحاسن الأفعال ومكارم الخلال. ولا حجة فيه للمعتزلة. انظر البيضاوي. والآية كأنها جواب سؤالين مترتبين؛ كأنه قيل لهم: لِمَ فعلتم هذه الفواحش؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا، فقيل: ومن أين أخذها آباؤكم؟ قالوا: الله أمرنا بها، فكذبهم الله بقوله: {إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون}، أي: أتتقولون على الله ما لا علم لكم به؛ إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله. {قل أمرَ ربي بالقسط} أي: العدل، وهو الوسط من كل أمر، المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط، وأمر بأن قال: {وأقيموا وجوهَكم عند كل مسجد} أي: افعلوا الصلاة في كل مكان يمكن في السجود إذا حضرتكم، ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. والمعنى: إباحة الصلاة في كل موضع، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : جُعِلَت لِيَ الأرضُ مَسجدًا وَطَهورًا " تفسير : . وقيل: المراد إحضار النية والإخلاص لله في كل صلاة بدليل قوله: {وادعوه}؛ أي: اعبدوه {مخلصين له الدين} أي: الطاعة، فلا تعبدوا معه غيره، فإنكم راجعون إليه، {كما بدأكم تعودون} فيجازيكم على أعمالكم، فاحتج على البعث الأخروي بالبدأة الأولى؛ لاشتراكهما في تعلق القدرة بهما، بل العود أسهل باعتبار العادة، وقيل: كما بدأكم من التراب، تعودون إليه، وقيل: كما بدأكم حفاة عراة غرلاً، تعودون، وقيل: كما بدأكم مؤمنًا وكافرًا، يُعيدكم. قاله البيضاوي. {فريقًا هدى}؛ بأن وفقهم للإيمان، {وفريقًا حق عليهم الضلالة}؛ بمقتضى القضاء السابق، أي: خذل فريقًا حق عليهم الضلالة، {إنهم اتخذوا الشياطينَ أولياءَ} يطيعونهم فيما يأمرونهم به، {من دون الله}، وهذا تعليل لخذلانهم وتحقيق لضلالتهم، {وَيحسَبُون} أي: يظنون {أنهم مهتدون}؛ فهم على جهل مركب، وفيه دليل على أن الكافر المخطىء والمعاند: سواء في الذم واستحقاق العذاب؛ إذ لا يعذر بالخطأ في أمر التوحيد. الإشارة: تقليد الآباء في المساوىء من أقبح المساوىء، واحتجاج العبد بتخليته مع هواه هو ممن اتخذ إلهه هواه، إن الله لا يأمر بالفحشاء، فإذا قال العبد ـ في حال انهماكه: هكذا أحبني ربي، فهو خطأ في الاحتجاج؛ بل يجاهد نفسه في الإقلاع، ويتضرع إلى مولاه في التوفيق؛ فإن الحق تعالى إنما يأمر بالعدل والإحسان، ودوام الطاعة والإذعان، والخضوع لله في كل زمان ومكان، والتحقق بالإخلاص في كل أوان، وإفراد المحبة والولاية للكريم المنان. وبالله التوفيق. ثم أمرهم بستر العورة في الصلاة والطواف، فقال: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}.

الطوسي

تفسير : الكناية في قوله {فعلوا فاحشة} كناية عن المشركين، الذين كانوا يبدون سوآتهم في طوافهم: النساء والرجال الحمس خاصة، وله خبر طويل - في قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والسدي، وقالت العامرية: شعر : اليوم يبدو بعضه او كله وما بدا منه فلا أحله تفسير : قال الفراء: كانوا يعملون ستاً من سور مقطعة يشدون على حقوهم فسمي حوقاً، وإِن عمل من صوف سمي رهطاً. وقال الحسن وأبو علي: هي كناية عن عبدة الاوثان وفواحشهم الشرك بالله والكفر بنعمه. والفاحشة ما عظم قبحه في قول الزجاج، يقال فحش يفحش فحشاً، ولا يقال في الصغيرة - عند من قال بها - فاحشة، وإِن قيل فيها: إِنها قبيحة، كما لا يقال في القوم فاحش، وإِن قيل: قبيح. أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم {إِذا فعلوا فاحشة} وارتكبوا قبيحاً اعتذروا لنفوسهم بأن قالوا: وجدنا آباءنا يفعلونها. قال الحسن: وإِنما دعاهم الى هذا القول، لأن أهل الجاهلية كانوا أهل اجبار، وقالوا: لو كره الله ما نحن عليه من هذا الدين لنقلنا عنه، فهو قوله {والله أمرنا بها} وقال غيره: إِنهم توهموا أن آباءهم لم يفعلوا ذلك إِلا وهو من قبل الله. وإِنما قال آباؤهم بسببه فحينئذ رد الله عليهم قولهم بأن قال {إِن الله لا يأمر بالفحشاء} ثم قالى على وجه الانكار {أتقولون على الله ما لا تعلمون}؟! لأنهم ان قالوا لا، نقضوا مذهبهم، وإِن قالوا: نعم، افتضحوا في قولهم وقال الزجاج: معنى {أتقولون على الله} أتكذبون عليه؟! وفي الآية حجة على أصحاب المعارف، وأهل التقليد، لأنه ذم الفريقين، ولو كان الأمر على ما يقولون لما توجه عليهما الذم!!. فإِن قيل: إِنما أنكر الله قولهم: إِن الله أمرنا بها، ولا يدفع ذلك أن يكون مريداً لها، لأن الأمر منفصل من الارادة. قلنا: الأمر لا يكون أمراً إِلا بارادة المأمور به، فما أراده فقد رغب فيه ودعا اليه فاشتركا في المعنى.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ} لساناً او حالاً {وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا} يعنى اعتمدوا واطمأنّوا على ما اعتادوه، ونسبوا عاداتهم الى الله كما هو شأن عامّة النّاس {وَ} قالوا {ٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ} ردّاً لهم فى نسبة العادات الى الله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} ليس المراد بالفحشاء ما يستقبحه العقل والشّرع بحسب الصّورة، بل المراد ما صدر عن النّفس لغايات نفسانيّة سواء كان صورته صورة ما قرّره الشّرع او نهى عنه، فالصّلوة رياءً او لقصد الجاه او المال او حفظ مالٍ او عرضٍ او دمٍ فاحشة {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فى الخبر انّه لا يزعم احد انّ الله يأمر بالزّنا وشرب الخمر وشيءٍ من هذه المحارم، بل هذا فى ائمّة الجوار ادّعوا انّ الله أمرهم بالايتمام بقوم لم يأمرهم الله بالايتمام بهم، وهو يؤيّد ما ذكرنا من تفسير الفحشاء وكذا يؤيّده قوله {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} أي من الكفر والشرك {قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. وهذا على الاستفهام، يقول: نعم، قد قلتم على الله ما لا تعلمون. قوله: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} أي بالعدل {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} كقوله: (أية : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً)تفسير : [الجن: 18] أي: إن كل قوم سوى المسلمين إذا صلوا في مساجدهم أشركوا بالله، وقال مجاهد: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي إلى الكعبة حيث صلّيتم في كنيسة أو غيرها. قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} أي عراة كما خلقوا. ذكروا عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يبعث الله الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً تفسير : قال: {فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ} ذكروا أن مجاهداً قال: يعني شقياً وسعيداً. قال: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} قال مجاهد: يعني قريشاً لتركهم الثياب في الطواف.

اطفيش

تفسير : {وإذا فَعلُوا فاحِشةً} ما تبلغ من الذنوب فى القبح كعبادة الصنم، وكشف العورة فى الطواف وغيرها ونهوا عنها {قالُوا وجَدْنا عَليها آباءنا} فاقتدينا بهم، وهذا جواب بالتقليد، أعرض الله سبحانه عنه، ولم يجب عنه لطرور فساده عقلا من غير نظر إلى شرع، فإن التقليد ليس بطريق للعلم. {واللهُ أمَرنا بها} هذا جواب بالافتراء على الله أجاب عنه بقوله: {قُلْ إنَّ الله لا يأمر بالفحشاءِ} لاستحالة فعل القبيح عنه، لعدم الداعى وتنزه ذاته، ولجريان عادته على الأمر بمجلس الأفعال، والحث على مكارم الخصال، فكيف يأمر بفعل القبيح، والأمر كالفاعل. وعن ابن عباس ومجاهد: الفاحشة طوافهم بالبيت عراة الرجال والنساء، وروى أنهم يطوفون بالنهار عراة، ويطفن بالليل عاريات، فقال عطاء: الفاحشة الشرك، ويأمر منزل منزلة اللازم، أى لا يمكن منه الأمر بها، أو مفعوله حذف للتعميم، أى لا يأمر أحد إلا إياكم ولا آباءكم ولا غيرهم، وقد قيل: إن قوله: {والله أمرنا بها} جواب لسؤال مقدر محكى فى الآية، أى وإذ قيل لهم: من أين أخذ آباؤكم؟ قالوا: آباؤنا: الله أمرنا بها، وهذا أيضا تقليد ممتنع لقيام الدليل على خلافه. ولا دليل فى الآية على أن قبح الفعل بمعنى ترتب الذنب عليه فى الأجل عقلى، لأن المراد بالفاحشة ما ينفر عنه الطبع السليم، وبه يحكم العقل عند غير المنزلة لا ما هو مذموم للعقل فى حكم الله تعالى، وبهذا يحكم العقل عند المعتزلة، ويحتمل أن يكون قولهم: {والله أمرنا بها} لم يقصدوا به كذبا، بل اعتقدوا أن الله لو كره ما فعلوه لنقلهم عنه، وإذ لم ينقلهم عنه فهو راض به. ويدل له ما روى عن الحسن: أن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب وهم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على الله، بل قال تصديق ذلك قوله عز وجل: {وإذا فعلوا فاحشة} الآية والآية منقطعة عما قبلها، ويجوز دخولها فى صفات الذين لا يؤمنون المذكورين قبلها، قيل ليقع التوبيخ بصفة قوم جعلوا مثالا للموبخين، إذا شبه فعلهم فعل الممثل بهم. {أتقولُونَ} هذا توبيخ، ومن قال أنكر فمراده إنكار أن يكون ما يقولون حقا أو إنكار أن يصح لهم أن يقولوه {عَلى الله ما لا تعْلمونَ} صحته، فإنه لم يأتكم به ملك أو نبى من الله، كيف وقد أنكرتم النبوة ولا تقدرون على الاستماع من الملك وكذا آباءكم.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} فى الشرع ولو كانت طاعة عندهم كعبادة الأَصنام والطواف فى عرى وغير ذلك مما يستقبح إِذا قدموا حجاجاً أَو معتمرين طاف الرجال نهاراً عراة والنساء ليلا عاريات، وكانوا يطلبون إِزاراً عارية وإِن لم يجدوه طافوا فى عرى، وعلى كل حال يلقون ثيابهم ويحرمونها لأَنهم عصوا الله فيها، والفاحشة اسم لما اشتد قبحه، وأَصله وصف أَى فعلة فاحشة ثم تغلبت عليه الاسمية {قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا} فاقتدينا بهم. وامتثلنا أَمر الله وأَمرنا بأَمر آبائنا، وجملة إِذا فعلوا إِلى قوله بها عطف على لا يؤمنون، أَى جعلنا الشياطين أَولياءَ لمن اتصفوا بانتفاء الإِيمان وتقليد الآباءَ فى الفاحشة، ودعوى أن الله أمرهم بها فذلك احتجاج بأَمرين: الأَول وجود آبائهم والثانى دعوى أَن الله أَمرهم بها {قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} رد لقولهم الله أَمرنا بها؛ لأَنه ربما أِبه على جاهل أمر يتوهم أَنه من الله وتسميته فاحشة حدث من الله ولم يذكر الرد على قولهم وجدنا عليها آباءَنا لظهر أَن التقليد غير حجة ولو كان حجة لصحت الأَديان التقليدية المتناقضة كلها، والموجود أَن كلا يضلل الآخر وصدق المتناقضين محال، وهذا مدلول قوله "إِن الله لا يأْمر بالفحشاء" ضمن لأَنه سبحانه إِذا أَمر بمحاسن الأَعمال فكيف يترك أَمره هذا بمجرد اتباع الآباء فيما هو قبيح عقلا، والمراد بالقبح العقلى هنا نفرة الطبع السليم واستنقاص الفعل المستقيم لاكون الشئ متعلق الذم قبل ورود النهى عنه وبلا ورود وهو المتنازع فيه عندنا معشر الإِباضية، وقومنا وعند المعتزلة دون الأَول فلا دليل للمعتزلة فى الآية على ما زعموا من التقبيح والتحسين العقليين. ويجوز أَن يراد لِمَ فعلتم فقالوا وجدنا آباءَنا، فقيل: من أَين أَخذ آباؤكم؟ فقالوا: الله أَمرنا بها لتوسط أَمره آباءَنا والله يأمر بمحاسن الأَفعال دائماً إِجماعا ومن يأمر بها على الدوام لا يأْمر بالفحشاء فالله لا يأْمر بها {أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من جملة ما حكى بقل، والاستفهام توبيخ وإِنكار للياقة أَن يقولوا على الله ما لم يعلموا بحقيقته لعدم سمعه من ملك أَو نبى وهو الفواحش، والخطاب لقريش وهم ينكرون نبوءَة الأَنبياء، ولو كانوا ربما سأَلوا أَهل التوراة، والقبح إِما بحكم الله وعليه العقاب، وهو يثبت بالشرع لا بالعقل خلافاً للمعتزلة، وإِما بكراهة الطبع المستقيم لا خلاف فيه أَنه بالعقل ولا دلالة فيه للمعتزلة على أَن مرجع التقبيح للعقل ورد الشرع به أَو لم يرد، ولا دليل فى قوله أَتقولون إلخ على نفى القياس لأَنه ولو كان مظنونا لا معلوما لكن لما انعقد الإِجماع على ما يثبت به كان معلوما من هذه الحيثية، أَو المراد بالعلم فى الآية ما يعم الظن المطابق، أَو هذا عام خص منه البعض وهو ما يثبت بالقياس فإِنه بمنزلة الاستثناء من هذا الحكم، والمخصص هو الإِجماع والأَول أَولى وإِنما يمنع التقليد إِذا قام الدليل على خلافه.

الالوسي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً } جملة مبتدأة لا محل لها من الإعراب وجوز عطفها على الصلة. والفاحشة الفعلة القبيحة المتناهية في القبح والتاء إما لأنها مجراة على الموصوف المؤنث أي فعلة فاحشة وإما للنقل من الوصفية إلى الإسمية والمراد بها هنا عبادة الأصنام وكشف العورة في الطواف ونحو ذلك. وعن الفراء تخصيصها بكشف العورة. «وفي الآية ـ على ما قاله الطبرسي ـ حذف، أي وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها». {قَالُواْ } جواب للناهين {وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } محتجين بأمرين تقليد الآباء والافتراء على الله سبحانه. وتقديم المقدم للإيذان بأنه المعول عليه عندهم أو للإشارة منهم إلى أن آباءهم إنما كانوا يفعلونها بأمر الله تعالى على أن ضمير {أَمَرَنَا } كما قيل لهم ولآبائهم، وحينئذٍ يظهر وجه الإعراض عن الأول في رد مقالتهم بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاءِ } فإن عادته تعالى جرت على الأمر بمحاسن الأعمال والحث على (مكارم) الخصال وهو اللائق بالحكمة المقتضية أن لا يتخلف، وقال الإمام: «لم يذكر سبحانه جواباً عن حجتهم الأولى لأنها إشارة إلى محض التقليد وقد تقرر في العقول أنه طريقة فاسدة لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة فلو كان التقليد حقاً لزم القول بحقية الأديان المتناقضة وأنه محال فلما كان فساد هذا الطريق ظاهراً لم يذكر الله تعالى الجواب عنه»، وذكر بعض المحققين أن الإعراض إنما هو عن التصريح برده وإلا فقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ } الخ متضمن للرد لأنه سبحانه إذا أمر بمحاسن الأعمال كيف يترك أمره لمجرد اتباع الآباء فيما هو قبيح عقلاً والمراد بالقبح العقلي هنا نفرة الطبع السليم واستنقاص العقل المستقيم لا كون الشيء متعلق الذم قبل ورود النهي عنه وهو المتنازع فيه بيننا وبين المعتزلة دون الأول كما حقق في الأصول فلا دلالة في الآية على ما زعموه، وقيل: إن المذكور جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم لما فعلوها لما فعلتم؟ قالوا: وجدنا آباءنا فقيل: ومن أين أخذا آباؤكم؟ فقالوا: الله أمرنا بها، والكلام حينئذٍ على تقدير مضاف أي أمر آباءنا؛ وقيل: لا تقدير والعدول عن أمرهم الظاهر حينئذٍ للإشارة إلى ادعاء أن أمر آبائهم أمر لهم. وعلى الوجهين يمتنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه فلا دلالة في الآية على المنع من التقليد مطلقاً. {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من تمام القول المأمور به، والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه والإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يكون، وتوجيه الإنكار إلى قولهم عليه تعالى ما لا يعلمون صدوره منه عز شأنه مع أن منهم من يقول عليه سبحانه ما يعلم عدم صدوره مبالغة في إنكار تلك الصورة، ولا دليل في الآية لمن نفى القياس بناءً على أن ما يثبت به مظنون لا معلوم لأن ذلك مخصوص من عمومها بإجماع الصحابة ومن يعتد به أو بدليل آخر، وقيل: المراد بالعلم ما يشمل الظن.

ابن عاشور

تفسير : {وإذا فعلوا فاحشة} معطوف على {أية : للذين لا يؤمنون} تفسير : [الأعراف: 27] فهو من جملة الصّلة، وفيه إدماج لكشف باطلهم في تعلّلاتهم ومعاذيرهم الفاسدة، أي للذين لا يقبلون الإيمان ويفعلون الفواحش ويعتذرون عن فعلها بأنّهم اتّبعوا آباءهم وأنّ الله أمرهم بذلك، وهذا خاص بأحوال المشركين المكذّبين، بقرينة قوله: {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} والمقصود من جملتي الصّلة: تفظيع حال دينهم بأنّه ارتكاب فواحش، وتفظيع حال استدلالهم لها بما لا ينتهض عند أهل العقول. وجاء الشّرط بحرف {إذا} الذي من شأنه إفادة اليقين بوقوع الشّرط ليشير إلى أنّ هذا حاصل منهم لا محالة. والفاحشة في الأصل صفة لموصوف محذوف أي: فَعْلَة فاحشة ثمّ نزل الوصف منزلة الاسم لكثرة دورانه، فصارت الفاحشة اسماً للعمل الذّميم، وهي مشتقّة من الفُحْش ــــ بضمّ الفاء ــــ وهو الكثرة والقوّة في الشّيء المذموم والمكروه، وغلبت الفاحشة في الأفعال الشّديدة القبح وهي التي تنفر منها الفطرة السّليمة، أو ينشأ عنها ضرّ وفساد بحيث يأباها أهل العقول الرّاجحة، وينكرها أولو الأحلام، ويستحيي فاعلها من النّاس، ويتستر من فعلها مثل البغاء والزّنى والوأد والسّرقة، ثمّ تنهى عنها الشّرائع الحقّة، فالفعل يوصف بأنّه فاحشة قبل ورود الشّرع، كأفعال أهل الجاهليّة، مثل السّجود للتّماثيل والحجارة وطلب الشّفاعة منها وهي جماد، ومثل العراء في الحجّ، وترك تسمية الله على الذّبائح، وهي من خَلق الله وتسخيره، والبغاء، واستحلال أموال اليتامى والضّعفاء، وحرمان الأقارب من الميراث، واستشارة الأزلام في الإقدام على العمل أو تركه، وقتل غير القاتل لأنّه من قبيلة القاتل، وتحريمهم على أنفسهم كثيراً من الطيّبات التي أحلّها الله وتحليلهم الخبائث مثل الميتة والدّم. وقد روي عن ابن عبّاس أنّ المراد بالفاحشة في الآية التّعري في الحجّ، وإنّما محمل كلامه على أنّ التّعرّي في الحجّ من أوّل ما أريد بالفاحشة لاقصرها عليه فكأن أيمّة الشّرك قد أعدوا لأتباعهم معاذير عن تلك الأعمال ولقنوها إياهم، وجِماعها أن ينسبوها إلى آبائهم السالِفين الذين هم قدوة لخلفهم، واعتقدوا أنّ آباءهم أعلم بما في طي تلك الأعمال من مصالح لو اطّلع عليها المنكرون لعرفوا ما أنكروا، ثمّ عطفوا على ذلك أنّ الله أمر بذلك يعنون أنّ آباءهم ما رسموها من تلقاء أنفسهم، ولكنّهم رسموها بأمر من الله تعالى، ففهم منه أنّهم اعتذروا لأنفسهم واعتذروا لآبائهم، فمعنى قولهم: {والله أمرنا بها} ليسَ ادّعاءَ بلوغ أمر من الله إليهم ولكنّهم أرادوا أنّ الله أمر آباءهم الذين رسموا تلك الرّسوم وسنّوها فكان أمرُ الله آباءَهم أمراً لهم، لأنّه أراد بقاء ذلك في ذريّاتهم، فهذا معنى استدلالهم، وقد أجمله إيجاز القرآن اعتماداً على فطنة المخاطبين. وأسند الفعل والقول إلى ضمير الذين لا يؤمنون في قوله: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا}: على معنى الإسناد إلى ضمير المجموع، وقد يكون القائل غير الفاعل، والفاعل غير قائل، اعتداداً بأنّهم لما صَدّق بعضهم بعضاً في ذلك فكأنّهم فعلوه كلّهم واعتذروا عنه كلّهم. وأفاد الشّرط رَبْطاً بين فعلهم الفاحشة وقولهم: {وجدنا عليها آباءنا} باعتبا إيجاز في الكلام يدلّ عليه السّياق، إذ المفهوم أنّهم إذا فعلوا فاحشة فأنكِرَتْ عليهم أو نُهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا، وليس المراد بالإنكار والنّهي خصوص نهي الإسلام إياهم عن ضلالهم، ولكن المراد نهيُ أيّ ناه وإنكارُ أيّ منكر، فقد كان ينكر عليهم الفواحش من لا يوافقونهم عليها من القبائل، فإنّ دين المشركين كان أشتاتاً مختلفاً، وكان ينكر عليهم ذلك من خلعوا الشّرك من العرب مثل زيد بن عمرو بن نفيل، وأمّيةَ ابن أبي الصَّلْت، وقد قال لهم زيد بن عمرو: «إنّ الله خلق الشّاة وأنزل لها الماء من السّماء وأنبت لها العشب ثمّ أنتم تذبحونها لغيره» وكان ينكر عليهم من يتحَرج من أفعالهم ثمّ لا يسعه إلاّ اتّباعهم فيها إكراهاً. وكان ينكر عليهم من لا توافق أعمالُهم هواه: كما وقع لامرىء القيس، حيث عزم على قتال بني أسد بعد قتلهم أباه حُجْراً، فقصد ذا الخَلَصة ــــ صنمَ خَثْعَمَ ــــ واستقسم عنده بالأزلام فخرج له النّاهي فكسر الأزلام وقال:شعر : لو كنتَ يا ذا الخَلَص الموتورا مِثْلي وكان شيخُك المقبورا لَمْ تنهَ عن قتل العُداة زُوراً تفسير : ثمّ جاء الإسلام فنعى عليهم أعمالهم الفاسدة، وأسمعهم قوارع القرآن فحينئذ تصدّوا للاعتذار. وقد علم من السّياق تشنيع معذرتهم وفساد حجّتهم. ودلّت الآية على إنكار ما كان مماثلاً لهذا الاستدلال وهو كلّ دليل توكأ على اتّباع الآباء في الأمور الظّاهر فسادها وفحشها، وكلّ دليل استند إلى ما لا قبل للمستدل بعلمه، فإنّ قولهم: {والله أمرنا بها} دعوى باطلة إذ لم يبلغهم أمر الله بذلك بواسطة مبلّغ، فإنّهم كانوا ينكرون النّبوءة، فمن أين لهم تلقي مراد الله تعالى. وقد ردّ الله ذلك عليهم بقوله لرسوله: {قل إن الله لا يأمرنا بالفحشاء} فَأعْرَضَ عن ردّ قولهم: {وجدنا عليها آباءنا} لأنّه إن كان يراد ردّه من جهة التّكذيب فهم غير كاذبين في قولهم، لأنّ آباءهم كانوا يأتون تلك الفواحش، وإن كان يراد ردّه من جهة عدم صلاحيته للحجّة فإنّ ذلك ظاهر، لأنّ الإنكار والنّهي ظاهر انتقالهما إلى آبائهم، إذ ما جاز على المثل يجوز على المماثل، فصار ردّ هذه المقدّمة من دليلهم بديهياً وكان أهمّ منه ردّ المقدّمة الكبرى، وهي مناط الاستدلال، أعني قولهم: {والله أمرنا بها}. فقوله: {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} نقض لدعواهم أنّ الله أمَرهم بها أي بتلك الفواحش، وهو ردّ عليهم، وتعليم لهم، وإفاقة لهم من غرورهم، لأنّ الله متّصف بالكمَال فلا يأمر بما هو نقص لم يرضه العقلاء وأنكروه، فكون الفعل فاحشة كاف في الدّلالة على أنّ الله لا يأمر به لأنّ الله له الكمال الأعلى، وما كان اعتذارهم بأنّ الله أمر بذلك إلاّ عن جهل، ولذلك وبَّخهم الله بالاستفهام التّوبيخي بقوله: {أتقولون على الله ما لا تعلمون} أي ما لا تعلمون أنّ اللهأمر به، فحُذف المفعول لدلالة ما تقدّم عليه، لأنّهم لم يعلموا أنّ الله أمرهم بذلك إذ لا مستند لهم فيه، وإنّما قالوه عن مجرّد التّوهّم، ولأنّهم لم يعلموا أنّ الله لا يليق بجلاله وكماله أن يأمر بمثل تلك الرّذائل. وضمن: {تقولون} معنى تكذيون أو معنى تتقَوّلون، فلذلك عُدّي بعَلى، وكان حقّه أن يعدى بعَنْ لو كان قولاً صحيح النّسبة، وإذ كان التّوبيخ وارداً على أن يقولوا على الله ما لا يعلمون كان القول على الله بما يُتحقّق عدمُ وروده من الله أحرى. وبهذا الرد تمحض عملهم تلك الفواحش للضّلال والغرور واتّباع وحي الشّياطين إلى أوليائهم أيمّة الكفر، وقادة الشّرك: مثل عَمْرو بن لُحَي، الذي وَضَعَ عبادة الأصنام، ومثل أبي كَبشة، الذي سنّ عبادة الشّعري من الكواكب، ومثل ظالم بن أسْعد، الذي وضع عبادة العُزى، ومثل القلَمَّسِ، الذي سنّ النَّسيء إلى ما اتّصل بذلك من موضوعات سدنة الأصنام وبيوتِ الشّرك. واعلم أن ليس في الآية مستند لإبطال التّقليد في الأمور الفرعيّة أو الأصول الدّينيّة لأنّ التّقليد الذي نعاه الله على المشركين هو تقليدهم مَن ليسوا أهلاً لأنّ يقلَّدوا، لأنّهم لا يرتفعون عن رتبة مقلِّديهم، إلاّ بأنّهم أقدم جيلاً، وأنّهم آباؤهم، فإنّ المشركين لم يعتذروا بأنّهم وجدوا عليه الصّالحين وهداة الأمّة، ولا بأنّه ممّا كان عليه إبراهيم وأبناؤه، ولأنّ التّقليد الذي نعاه الله عليهم تقليد في أعمال بديهيّة الفساد، والتّقليد في الفساد يستوي، هو وتسنينه، في الذّم، على أنّ تسنين الفساد أشدّ مذمّة من التّقليد فيه كما أنبأ عنه الحديث الصّحيح: «حديث : مَا من نفس تُقتل ظُلماً إلاّ كان على ابنِ آدم الأولِ كِفْل من دمها ذلك لأنّه أوّلُ من سَنّ القتل» تفسير : ــــ وحديث: «حديث : مَن سَنّ سُنّة سَيِّئة فعليه وزرها ووزر من عَمِل بها إلى يوم القيامة»تفسير : . فما فرضه الذين ينزعون إلى علم الكلام من المفسّرين في هذه الآية من القول في ذمّ التّقليد ناظر إلى اعتبار الإشراك داخلاً في فعل الفواحش.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا} الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا فعلوا فاحشة. استدلوا على أنها حق وصواب، بأنهم وجدوا آباءهم يفعلونها، وأنهم ما فعلوها، إلا لأنها صواب ورشد. وبين في موضع آخر: أن هذا واقع من جميع الأمم، وهو قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}تفسير : [الزخرف: 23]. ورد الله عليهم هذا التقليد الأعمى في آيات كثيرة، كقوله: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 170]، وقوله: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُون} تفسير : [المائدة: 104]، وقوله: {أية : قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ} تفسير : [الزخرف: 24]، وقوله: {أية : إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ}تفسير : [الصافات: 69-70] إلى غير ذلك من الآيات.

الواحدي

تفسير : {وإذا فعلوا فاحشة} يعني: طوافهم بالبيت عارين. {قل أمر ربي بالقسط} ردٌّ لقولهم: {والله أمرنا بها} والقسط: العدل {وأقيموا وجوهكم عند كلِّ مسجد} وجِّهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصَّلاة إلى الكعبة {وادعوه مخلصين له الدين} وحِّدوه ولا تشركوا به شيئاًَ. {كما بدأكم} في الخلق شيقيَّاً وسعيداً، فكذلك، {تعودون} سعداء وأشقياء، يدلُّ على صحَّة هذا المعنى قوله: {فريقاً هدى} أرشد إلى دينه، وهم أولياؤه {وفريقاً حقََّ عليهم الضلالة} أَضَلَّهُمْ، وهم أولياء الشَّياطين {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} ثمَّ أمرهم أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعرَّوا، فقال: {يا بني آدم خذوا زينتكم} يعني: ما وارى العورة {عند كلِّ مسجد} لصلاةٍ أو طواف {وكلوا واشربوا} كان أهل الجاهليَّة لا يأكلون أيَّام حجِّهم إلاَّ قوتاً، ولا يأكلون دسماً. يُعظِّمون بذلك حجِّهم، فقال المسلمون: نحن أحقُّ أن نفعل، فأنزل الله تعالى: {وكلوا} يعني: اللَّحم والدَّسم {واشربوا} اللَّبن والماء وما أحلَّ لكم {ولا تسرفوا} بحظركم على أنفسكم ما قد أحللته لكم من اللَّحم والدَّسم {إنَّه لا يحب} مَنْ فعل ذلك، أَيْ: لا يُثيبه ولا يدخله الجنَّة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 28- وإذا فعل المكذبون أمراً بالغ النكر - كالشرك، والطواف بالبيت عراة، وغيرهما - اعتذروا وقالوا: وجدنا آباءنا يسيرون على هذا المنهاج ونحن بهم مقتدون، والله أمرنا به ورضى عنه حيث أقرنا عليه، قل لهم يا أيها النبى منكراً عليهم افتراءهم: إن الله لا يأمر بهذه الأمور المنكرة، أتنسبون إلى الله ما لا تجدون له مستنداً ولا تعلمون عنه دليل صحة النسب إليه سبحانه؟ 29- بَيِّن لهم ما أمر به الله وقل: أمر ربى بالعدل وما لا فحش فيه، وأمركم أن تخصوه بالعبادة فى كل زمان ومكان، وأن تكونوا مخلصين له فيها، وكلكم بعد الموت راجعون إليه، وكما بدأ خلقكم بيسر وكنتم لا تملكون إذ ذاك شيئاً، ستعودون إليه بيسر تاركين ما حولكم من النعم وراء ظهوركم. 30- وسيكون الناس يوم القيامة فريقين: فريقاً وفَّقه الله لأنه اختار طريق الحق فآمن وعمل عملا صالحاً، وفريقاً حُكِمَ عليه بالضلالة؛ لأنه اختار طريق الباطل وهو الكفر والعصيان، وهؤلاء الضالون قد اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله فاتبعوهم، وهم يظنون أنهم مُوَفَّقون لاغترارهم بخداع الشياطين. 31- يا بنى آدم: خذوا زينتكم من اللباس المادى الذى يستر العورة، ومن اللباس الأدبى وهو التقوى، عند كل مكان للصلاة، وفى كل وقت تؤدون فيه العبادة، وتمتعوا بالأكل والشرب غير مسرفين فى ذلك، فلا تتناولوا المحرم، ولا تتجاوزوا الحد المعقول من المتعة، إن الله لا يرضى عن المسرفين.

القطان

تفسير : الفاحشة والفحشاء: ما عظم قبحه من الافعال القسط: الاعتدال في جميع الامور اقامة الشيء: اعطاؤه حقه وتوفيته شروطه اقيموا وجوهكم: اعطوا توجهكم الى الله حقه. بعد ان بيّن الله حالة الشياطين وأنهم قرناء للعاصين مسلَّطون عليهم - ذكر هنا أثر ذلك التسلط، وهو الطاعةُ لهم في أقبحِ الأشياء مع عدم شعورهم بذلك القبح. لذا فإنهم يقولون: إنّنا نقلّد آباءَنا والله أمَرَنا بذلك. وسببُ ذلك أن العرب ما عدا قريشاً كانوا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها من قبلُ، ويقولون: لا نطوف في ثيابٍ عَصينا فيها. وكانت قريش فقط تطوف في ثيابها، ومن أعاره قريشيُّ ثوباً طاف فيه، ومن كان معه ثوبٌ جديد طاف فيه ثم يلقيه، ومن لم يجد ثوباً طاف عريانَ. كان هذا مذهبهم، رجالاً ونساءً، فحرَّم ذلك الإسلام فقال: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا}. واذا فعل الذين لا يؤمنون بالله عملا قبيحا لطوافهم في البيت عرايا، وغير ذلك من الامور الباطلة، فلامهم الناس على ذلك، قالوا وجدنا آباءَنا يفعلون كما نفعل، ويسيرون على هذا المنهاج، ونحن بهم مقتدون، والله أمرنا به ورضي عنه حيث أقرّنا عليه. وقد ردّ الله على ذلك بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} قل ايها النبيّ منكِراً عليهم افتراءَهم: ان الله لا يأمر بهذه الأمور المنكَرة. ثم ردّ عليهم أيضا بقوله: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أتنسِبون الى الله ما لا تعلمون انه شَرَعَه لعباده، وليس عندكم دليل على صحة ما تقولون!! وبعد ان أنكر عليهم ان يكونوا على علم بأمر الله فيما فعلوا، بيّن ما يأمر به الله من محاسن الأعمال ومكارم الاخلاق بقوله لرسوله: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ...} أي بالعدل، وما لا فُحش فيه. وأمركم ان تخصّوه بالعبادة في كل زمانٍ ومكان، وان تكونوا مخلِصين له الدينَ،ولا تتوجهوا الى غيره. وبعد أن بيّن أصلَ الدين، وأمَرَنا بالتوجّه إليه وحدَه - ذكّرنا بالبعث والجزاء على الاعمال فقال: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} أي إنكم أيها البشَر كما بدأ الله خلقَكم وتكوينَكم ستعودون اليه يوم القيامة، تاركين ما حوله من النِعم وراء ظهوركم. {فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}. وسيكون الناس يوم القيامة فريقين: فريقاً وفّقه الله لأنه آمن وعمل عملاً صالحا، وفريقاً حكم عليه بالضلالة لأنه اختار طريق الباطل وهؤلاء الضالُّون قد اتّخذوا الشياطينَ أولياء من دون الله فاتَّبعوهم، فضلّوا وهم يظنّون أنهم مهتدون، لاغترارهم بخداع الشياطين.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَاحِشَةً} {آبَاءَنَا} (28) - وَإِذَا فَعَلَ المُكَذِّبُونَ أَمْراً بَالِغَ النُّكْرِ، كَالشِّرْكِ، وَالطَّوَافِ، بِالبَيْتِ عُرَاةً، اعْتَذَرُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: إِنَّهُمْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَهُمْ يَسِيرُونَ عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدِينَ بِهِمْ، وَاللهُ أَمَرَهُمْ بِهِ، وَرَضِيَ لَهُمْ عَنْ فِعْلِهِ، إِذْ أَقَرَّهُمْ عَلَيهِ. وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ مُنْكِراً مَا يَفْتَرُونَ: إنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِهذِهِ الأُمُورِ المُنْكَرَةِ، فَكَيْفَ يَنْسُبُونَ إِلَيهِ تَعَالَى مَا لاَ يَجِدُونَ دَلِيلاً عَلَى صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ؟ فَعَلُوا فَاحِشَةً - فَعَلُوا فِعْلاً مُتَنَاهِياً فِي القُبْحِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والفاحشة مأخوذة من التفحش أي التزايد في القبح، ولذلك صرفها بعض العلماء إلى لون خاص من الذنوب، وهو الزنا، لأن هذا تزيد في القبح، فكل معصية يرتكبها الإنسان تنتهي بأثرها، لكن الزنا يخلف آثاراً.. فإمّا أن يوأد المولود، وإما أن تجهض المرأة، وإما أن تلد طفلها وتلقيه بعيداً، ويعيش طريداً في المجتمع لا يجد مسئولاً عنه، وهكذا تصبح المسألة ممتدة امتداداً أكثر من أي معصية أخرى. وتصنع هذه المعصية الشك في المجتمع. ولنا أن نتصور إن إنساناً يشك في أن من ينسبون إليه ويحملون اسمه ليسوا من صلبه، وهذه بلوى كبيرة للغاية. والذين قالوا: إن الفاحشة المقصود بها الزنا نظروا إلى قول الله سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 32] أو الفاحشة هي ما فيه حد، أو الفاحشة هي الكبائر، ونحن نأخذها على أنها التزيد في القبح على أي لون من الألوان. فما هي الفاحشة المقصودة هنا؟. إنها الفواحش التي تقدمت في قوله: {أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ...} تفسير : [المائدة: 103] وكذلك ما جاء في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ...} تفسير : [الأنعام: 137] وكذلك في قوله الحق سبحانه: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا...} تفسير : [الأنعام: 136] أو أن المقصود أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، فيطوف الرجال نهاراً، والنساء يطفن ليلاً، لماذا؟. لأنهم ادَّعَوْا الورع. وقالوا: نريد أن نطوف إلى بيت ربنا كما ولدتنا أمهاتنا، وأن نتجرد من متاع الدنيا، ولا نطوف ببيت الله في ثياب عصينا الله فيها. وقولهم: {وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا} تقليد، والتقليد لا يعطي حكماً تكليفياً، وإن أعطى علماً تدريبيا، بأن ندرب الأولاد على مطلوب الله من المكلف ليستطيعوا ويألفوا ما يكلفون به عندما يصلون إلى سن التكليف. ومما يدل على أن التقليد لا يعطي حقيقة، أنك تجد المذهبين المتناقضين- الشيوعية والرأسمالية مثلاً- مقلدين؛ لهذا المذهب مقلدون، ولهذا المذهب مقلدون. فلو أن التقليد معترف به حقيقة لكان التقليدان المتضادان حقيقة، والمتضادان لا يصبحان حقيقة؛ لأنهم - كما يقولون - الضدان لا يجتمعان، هذا هو الدليل العقلي في إبطال التقليد. ولذلك نلاحظ في أسلوب الأداء القرآني أنه أداء دقيق جداً؛ فالذي يتكلم إله. {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف: 28] والرد من الله عليهم أنه سبحانه لم يأت في مسألة التقليد بردّ لأنه بداهة لا يؤدي إلى حقيقة، بل قال: {...قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28] وهذا رد على قولهم: والله أمرنا بها. وأين الرد على قولهم: {وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا}؟. نقول إنه أمر لا يحتاج إلى رد؛ لأنه أمر يرفضه العقل الفطري، ولذلك ترك الله الرد عليه؛ لوضوح بطلانه عند العقل الفطري، وجاء بالرد على ادعائهم أن الله يأمر بالفحشاء، فالله لا يأمر بالفحشاء. ثم كيف كان أمر الله لكم؟. أهو أمر مباشر.. بمعنى أنه قد أمر كل واحد منكم أن يرتكب فاحشة؟ ألم تنتبهوا إلى قول الحق سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً...} تفسير : [الشورى: 51] أم بلغكم الأمر بالفاحشة عن طريق نبي فكيف ذلك وأنتم تكذبون مجيء الرسول؟. وهكذا يكون قولكم مردوداً من جهتين: الجهة الأولى: إنه لا طريق إلى معرفة أمر الله إلا بأن يخاطبكم مباشرة أو يخاطبكم بواسطة رسل؛ لأنكم لستم أهلاً للخطاب المباشر، والجهة الثانية: أنكم تنكرون مسألة الأنبياء والرسل. فأنتم لم يخاطبكم الله بالمباشرة أو بواسطة الرسل فلم يبق إلا أن يقال لكم: {...أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28] ولا جواب على السؤال إلا بأمرين: إما أن يقولوا: "لا" فقد كذبوا أنفسهم، وإما أن يقولوا: "نعم"؛ فإذا قالوا: نعم نقول على الله ما لا نعلم؛ فقد فضحوا أنفسهم وأقروا بأن الله لم يأمر بالفاحشة، بل أمر الله بالقسط، لذلك يقول سبحانه بعد ذلك: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ...}

الجيلاني

تفسير : {وَإِذَا فَعَلُواْ} أي: هؤلاء الكافرون بوسوسة الشياطين {فَاحِشَةً} فعله ذميمة قبيحة متناهية في القبح {قَالُواْ} في الجواب: {وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا} وهم يقولون: {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} فيما أنزل علينا على لسان نبينا {قُلْ} يا أكمل الرسل {إِنَّ ٱللَّهَ} الهادي لعباده {لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ} أيها المفترون {عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28] لياقته بجنابه. {قُلْ أَمَرَ رَبِّي} بمقتضى فضله وعدله على من أمر منه خلص عباده {بِٱلْقِسْطِ} أي: العدل السوي في جميع مأموراته بلا ميل إلى جانبي الإفراط والتفريط {وَ} عليكم أيها المؤمنون أن {أَقِيمُواْ} واستقيموام {وُجُوهَكُمْ} التي بها ميلكم وتوجهاتكم نحو الحق بلا ميل إلى ما سواه {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ومقام تتذللون فيه وتتوجهون نحوه {وَ} بالجملة: {ٱدْعُوهُ} وتوجهوا نحوه حال كونكم مستقيمين فيه {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي: الطاعة والانقياد بلا شوب الغير والسوى مطلقاً، واعلموا أيها الأظلال {كَمَا بَدَأَكُمْ} الله أي: أنشأكم وأظهركم من كتم العدم بمد ظله ورش نوره عليكم {تَعُودُونَ} [الأعراف: 29] إليه بقبض الظل وطيه في نشأتكم الأولى. {فَرِيقاً } منكم {هَدَىٰ} بتوفيق الله إلى مبدئه ومعاده {وَفَرِيقاً} ضل وغوى لذلك {حَقَّ} وثبت {عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} في مكمن القضاء، وكيف لا يحقيهم ويحيط بهم الضلالة {إِنَّهُمُ} من غاية غفلتهم {ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ} آلهة {مِن دُونِ ٱللَّهِ} المتوحد بذاته {وَيَحْسَبُونَ} بسبب هذا الاتخاذ {أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الأعراف: 30] إلى طريق النجاة بل ضالون تائهون. {يَابَنِيۤ ءَادَمَ} المجبولين على زي التقوى ولباس السلامة {خُذُواْ زِينَتَكُمْ} التي زينكم الله بها من الحقائق والمعارف والمكاشفات والمشاهدات {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ومقام تميلون فيه نحو الحق وجوهكم التي يلي الحق {و} لا تهملوا أمر مراكبكم التي هي نفوسكم وهوياتكم؛ لئلا تبطلوا صنع الله ولا تخربوا بيته، بل {كُلُواْ} مقدار سد الجوعة {وَٱشْرَبُواْ} قدر دفع العطشة {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} فيهما إلى حيث يؤدي إلى تقوية القوى البهيمية {إِنَّهُ} سبحانه {لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] ولا يرضى عن فعلهم لإخلائهم بإسراف الأكل والشرب على الميل الذي جبلوا لأجله؛ إذ الشبع يميت القلب وينقص الغريزة الإنسانية، ويزيد القوى البهيمية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى مبينا لقبح حال المشركين الذين يفعلون الذنوب، وينسبون أن الله أمرهم بها. { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً } وهي: كل ما يستفحش ويستقبح، ومن ذلك طوافهم بالبيت عراة { قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } وصدقوا في هذا. { وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } وكذبوا في هذا، ولهذا رد اللّه عليهم هذه النسبة فقال: { قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } أي: لا يليق بكماله وحكمته أن يأمر عباده بتعاطي الفواحش لا هذا الذي يفعله المشركون ولا غيره { أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } وأي افتراء أعظم من هذا؟!! ثم ذكر ما يأمر به، فقال: { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } أي: بالعدل في العبادات والمعاملات، لا بالظلم والجور. { وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } أي: توجهوا للّه، واجتهدوا في تكميل العبادات، خصوصا "الصلاة" أقيموها، ظاهرا وباطنا، ونقوها من كل نقص ومفسد. { وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } أي: قاصدين بذلك وجهه وحده لا شريك له. والدعاء يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة، أي: لا تراءوا ولا تقصدوا من الأغراض في دعائكم سوى عبودية اللّه ورضاه. { كَمَا بَدَأَكُمْ } أول مرة { تَعُودُونَ } للبعث، فالقادر على بدء خلقكم، قادر على إعادته، بل الإعادة، أهون من البداءة. { فَرِيقًا } منكم { هَدَى } اللّه، أي: وفقهم للهداية، ويسر لهم أسبابها، وصرف عنهم موانعها. { وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ } أي: وجبت عليهم الضلالة بما تسببوا لأنفسهم وعملوا بأسباب الغواية. فـ { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } {أية : وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً } تفسير : فحين انسلخوا من ولاية الرحمن، واستحبوا ولاية الشيطان، حصل لهم النصيب الوافر من الخذلان، ووكلوا إلى أنفسهم فخسروا أشد الخسران. { وَ } هم { يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } لأنهم انقلبت عليهم الحقائق، فظنوا الباطل حقا والحق باطلا وفي هذه الآيات دليل على أن الأوامر والنواهي تابعة للحكمة والمصلحة، حيث ذكر تعالى أنه لا يتصور أن يأمر بما تستفحشه وتنكره العقول، وأنه لا يأمر إلا بالعدل والإخلاص، وفيه دليل على أن الهداية بفضل اللّه ومَنِّه، وأن الضلالة بخذلانه للعبد، إذا تولى - بجهله وظلمه - الشيطانَ، وتسبب لنفسه بالضلال، وأن من حسب أنه مهتدٍ وهو ضالٌّ، أنه لا عذر له، لأنه متمكن من الهدى، وإنما أتاه حسبانه من ظلمه بترك الطريق الموصل إلى الهدى.