٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أمر الأمر بالفحشاء بين تعالى أنه يأمر بالقسط والعدل، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {أَمَرَ رَبّي بِٱلْقِسْطِ } يدل على أن الشيء يكون في نفسه قسطاً لوجوه عائدة إليه في ذاته، ثم إنه تعالى يأمر به لكونه كذلك في نفسه، وذلك يدل أيضاً على أن الحسن إنما يحسن لوجوه عائدة إليه، وجوابه ما سبق ذكره. المسألة الثانية: قال عَطاء، والسُّدّي {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل وبما ظهر في المعقول كونه حسناً صواباً. وقال ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله والدليل عليه قوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [آل عمران: 18] وذلك القسط ليس إلا شهادة أن لا إله إلا الله. فثبت أن القسط ليس إلا قول لا إله إلا الله. إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء. أولها: أنه أمر بالقسط، وهو قول: لا إله إلا الله. وهو يشتمل على معرفة الله تعالى بذاته وأفعاله وأحكامه، ثم على معرفة أنه واحد لا شريك له. وثانيها: أنه أمر بالصلاة وهو قوله: {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } وفيه مباحث: البحث الأول: أنه لقائل أن يقول: {أَمَرَ رَبّي بِٱلْقِسْطِ } خبر وقوله: {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ } أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز. وجوابه التقدير: قل أمر ربي بالقسط. وقل: أقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين. البحث الثاني: في الآية قولان: أحدهما: المُراد بقوله: {أَقِيمُواْ } هو استقبال القبلة. والثاني: أن المراد هو الإخلاص، والسبب في ذكر هذين القولين، أن إقامة الوجه في العبادة قد تكون باستقبال القبلة، وقد تكون بالإخلاص في تلك العبادة، والأقرب هو الأول، لأن الإخلاص مذكور من بعد، ولو حملناه على معنى الإخلاص، صار كأنه قال: وأخلصوا عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين، وذلك لا يستقيم. فإن قيل: يستقيم ذلك، إذا علقت الإخلاص بالدعاء فقط. قلنا: لما أمكن رجوعه إليهما جميعاً، لم يجز قصره على أحدهما، خصوصاً مع قوله: {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } فإنه يعم كل ما يسمى ديناً. إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } اختلفوا في أن المراد منه زمان الصلاة أو مكانه والأقرب هو الأول، لأنه الموضع الذي يمكن فيه إقامة الوجه للقبلة، فكأنه تعالى بين لنا أن لا نعتبر الأماكن، بل نعتبر القبلة، فكان المعنى: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة وقال ابن عباس: المراد إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه، ولا يقولن أحدكم، لاأصلي إلا في مسجد قومي. ولقائل أن يقول: حمل لفظ الآية على هذا بعيد، لأن لفظ الآية يدل على وجوب إقامة الوجه في كل مسجد، ولا يدل على أنه لا يجوز له العدول من مسجد إلى مسجد. وأما قوله: {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } فاعلم أنه تعالى لما أمر في الآية الأولى بالتوجه إلى القبلة، أمر بعده بالدعاء، والأظهر عندي أن المراد به أعمال الصلاة، وسماها دعاء، لأن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء، ولأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر، وبين أنه يجب أن يؤتى بذلك الدعاء مع الإخلاص، ونطيره قوله تعالى: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } تفسير : [البينة: 5] ثم قال تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } وفيه قولان: القول الأول: قال ابن عباس: {كَمَا بَدَأَكُمْ } خلقكم مؤمناً أو كافراً {تَعُودُونَ } فبعث المؤمن مؤمناً، والكافر كافراً، فإن من خلقه الله في أول الأمر للشقاوة، أعمله بعمل أهل الشقاوة، وكانت عاقبته الشقاوة، وان خلقه للسعادة أعمله بعمل أهل السعادة، وكانت عاقبته السعادة. والقول الثاني: قال الحسن ومجاهد: {كَمَا بَدَأَكُمْ } خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً، كذلك تعودون أحياء، فالقائلون بالقول الأول: احتجوا على صحته بأنه تعالى ذكر عقيبه قوله: {فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ } وهذا يجري مجرى التفسير لقوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } وذلك يوجب ما قلناه. قال القاضي: هذا القول باطل، لأن أحداً لا يقول إنه تعالى بدأنا مؤمنين أو كافرين، لأنه لا بد في الإيمان والكفر أن يكون طارئاً وهذا السؤال ضعيف، لأن جوابه أن يقال: كما بدأكم بالإيمان، والكفر، والسعادة، والشقاوة، فكذلك يكون الحال عليه يوم القيامة. واعلم أنه تعالى أمر في الآية أولاً بكلمة «القسط» وهي كلمة لا إله إلا الله، ثم أمر بالصلاة ثانياً، ثم بين أن الفائدة في الإتيان بهذه الأعمال، إنما تظهر في الدار الآخرة، ونظيره قوله تعالى في «طه» لموسى عليه السلام: {أية : إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِى إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } تفسير : [طه: 14، 15]. ثم قال تعالى: {فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ } وفيه بحثان: البحث الأول: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله تعالى. قالت المعتزلة: المراد فريقاً هدى إلى الجنة والثواب، وفريقاً حق عليهم الضلالة، أي العذاب والصرف عن طريق الثواب. قال القاضي: لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيرهم، إذ العبد لا يستحق، لأن يضل عن الدين، إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين، كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة، وفي ذلك زوال الثقة بالنبوات. واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين: الأول: أن قوله: {فَرِيقًا هَدَىٰ } إشارة إلى الماضي وعلى التأويل الذي يذكرونه يصير المعنى إلى أنه تعالى سيهديهم في المستقبل، ولو كان المراد أنه تعالى حكم في الماضي بأنه سيهديهم إلى الجنة، كان هذا عدولاً عن الظاهر من غير حاجة، لأنا بينا بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى. والثاني: نقول هب أن المراد من الهداية والضلال حكم الله تعالى بذلك، إلا أنه لما حصل هذا الحكم امتنع من العبد صدور غيره، وإلا لزم انقلاب ذلك الحكم كذباً، والكذب على الله محال، والمفضي إلى المحال محال، فكان صدور غير ذلك الفعل من العبد محالاً، وذلك يوجب فساد مذهب المعتزلة من هذا الوجه. والله أعلم. البحث الثاني: انتصاب قوله: {وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ } بفعل يفسره ما بعده، كأنه قيل: وخذل فريقاً حق عليهم الضلالة، ثم بين تعالى أن الذي لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة، هو أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله فقبلوا ما دعوهم إليه، ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل. فإن قيل: كيف يستقيم هذا التفصيل مع قولكم، بأن الهدى والضلال إنما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء. فنقول: عندنا مجموع القدرة، والداعي يوجب الفعل، والداعية التي دعتهم إلى ذلك الفعل، هي: أنهم اتخذوا الشيطان أولياء من دون الله. ثم قال تعالى: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } قال ابن عباس: يريد ما بين لهم عمرو بن لحي، وهذا بعيد، بل هو محمول على عمومه، فكل من شرع في باطل، فهو يستحق الذم والعذاب سواء حسب كونه حقاً، أو لم يحسب ذلك، وهذا الآية تدل على أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في صحة الدين، بل لا بد فيه من الجزم والقطع واليقين، لأنه تعالى عاب الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين، ولولا أن هذا الحسبان مذموم، وإلا لما ذمهم بذلك، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} قال ابن عباس: لا إلۤه إلا الله. وقيل: القسط العدل؛ أي أمر بالعدل فأطيعوه. ففي الكلام حذف. {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ} أي توجهوا إليه في كل صلاة إلى القبلة. {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي في أي مسجد كنتم. {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي وحّدوه ولا تشركوا به. {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} نظيره {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الأنعام: 94] وقد تقدم. والكاف في موضع نصب؛ أي تعودون كما بدأكم؛ أي كما خلقكم أوّل مرة يعيدكم. وقال الزجاج: هو متعلق بما قبله. أي ومنها تخرجون كما بدأكم تعودون. {فَرِيقاً هَدَىٰ} «فريقاً» نصب على الحال من المضمر في «تَعُودُونَ» أي تعودون فريقين: سعداء، وأشقياء. يقوّي هذا قراءة أُبَيّ «تعودون فريقينِ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهِم الضلالة»؛ عن الكسائي. وقال (محمد بن) كعب القرظِيّ في قوله تعالى: {فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيّره إلى الضلالة، وإن عمِل بأعمال أهل الهدى. ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى، وإن عمِل بأعمال الضلالة. ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة، وعمِل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم ردّه الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه. قال: «وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ». وفي هذا رد واضح على القدرية ومن تابعهم. وقيل: «فَرِيقاً» نصب بـ «هَدَى»، «وفَرِيقاً» الثاني نصب بإضمار فعل؛ أي وأضل فريقاً. وأنشد سيبويه:شعر : أصبحتُ لا أحمل السِّلاحَ ولا أملِك رأسَ البعير إن نَفَراً والذِّئْبُ أخشاه إن مررتُ به وَحْدِي وأخشَى الرياحَ والمطرا تفسير : قال الفرّاء: ولو كان مرفوعاً لجاز. {إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} وقرأ عيسى بن عمر: «أنهم» بفتح الهمزة، يعني لأنهم.
البيضاوي
تفسير : {قُلْ أَمَرَ رَبّي بِٱلْقِسْطِ} بالعدل وهو الوسط من كل أمر المتجافي عن طرفي الإِفراط والتفريط. {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ} وتوجهوا إلى عبادته مستقيمين غير عادلين إلى غيرها، أو أقيموها نحو القبلة. {عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ} في كل وقت سجود أو مكانه وهو الصلاة، أو في أي مسجد حضرتكم الصلاة ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. {وَٱدْعُوهُ } واعبدوه. {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} أي الطاعة فإن إليه مصيركم. {كَمَا بَدَأَكُمْ} كما أنشأكم ابتداء. {تَعُودُونَ} بإعادته فيجازيكم على أعمالكم فأخلصوا له العبادة، وإنما شبه الإِعادة بالإِبداء تقريراً لإِمكانها والقدرة عليها. وقيل كما بدأكم من التراب تعودون إليه. وقيل كما بدأكم حفاة عراة غرلاً تعودون. وقيل كما بدأكم مؤمناً وكافراً يعيدكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ } العدل {وَأَقِيمُواْ } معطوف على معنى «بالقسط» أي قال: أقسطوا وأقيموا، أو قبله فأقسطوا مقدّراً {وُجُوهَكُمْ } لله {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } أي أخلصوا له سجودكم {وَٱدْعُوهُ } اعبدوه، {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } من الشرك {كَمَا بَدَأَكُمْ } خلقكم ولم تكونوا شيئاً {تَعُودُونَ } أي يعيدكم أحياء يوم القيامة.
ابن عطية
تفسير : تضمن قوله {قل أمر ربي بالقسط} أقسطوا ولذلك عطف عليه قوله {وأقيموا} حملاً على المعنى، و "القسط" العدل والحق واختلف المتأولون في قوله {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} فقيل أراد إلى الكعبة قاله مجاهد والسدي والمقصد على هذا شرع القبلة والأمر بالتزامها، وقيل أراد الأمر بإحضار النية لله في كل صلاة والقصد نحوه كما تقول وجهت وجهي لله قاله الربيع. قال القاضي أبو محمد: فلا يؤخذ الوجه على أنه الجارحة بل هو المقصد والمنزع، وقيل: المراد بهذا اللفظ إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض، أي حيث ما كنتم فهو مسجد لكم تلزمكم عند الصلاة إقامة وجوهكم فيه الله عز وجل، قال قوم: سببها أن قوماً كانوا لا يصلون إلا في مساجدهم في قبلتهم، فإذا حضر الصلاة في غير ذلك من المساجد لم يصلّوا فيها، وقوله {مخلصين} حال من الضمير في {وادعوه} ، و {الدين} مفعول بـ {مخلصين}. قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وابن عباس ومجاهد: المراد بقوله: {كما بدأكم تعودون} الإعلام بالبعث أي كما أوجدكم واخترعكم كذلك يعيدكم بعد الموت فالوقف على هذا التأويل {تعودون} ، و {فريقاً} نصب بـ {هدى} ، والثاني منصوب بفعل تقديره: وعذب فريقاً أو أضل "فريقاً حق عليهم"، وقال ابن عباس أيضاً وأبو العالية ومحمد بن كعب ومجاهد أيضاً وسعيد بن جبير والسدي وجابر بن عبد الله وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم: المراد بقوله {كما بدأكم تعودون} الإعلام بأن أهل الشقاء والكفر في الدنيا الذين كتب عليهم هم أهل الشقاء في الآخرة وأهل السعادة والإيمان الذين كتب لهم في الدنيا هم أهلها في الآخرة لا يتبدل من الأمور التي أحكمها ودبرها وأنفذها شيء، فالوقف في هذا التأويل في قوله {تعودون} غير حسن، و {فريقاً} على هذا التأويل نصب على الحال والثاني عطف على الأول، وفي قراءة أبي بن كعب "تعودون فريقين فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة"، والضمير في {إنهم} عائد على الفريق الذين حق عليهم الضلالة، و {أولياء} معناه: أنصاراً وأصحاباً وإخواناً، {ويحسبون} معناه يظنون يقال: حسبت أحسب حسباناً وحسباً ومحسبة، قال الطبري: وهذه الآية دليل على خطأ قول من زعم أن الله تعالى لا يعذب أحداً على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها على علم منه بموضع الصواب، وقرأ العباس بن الفضل وسهل بن شعيب وعيسى بن عمر "أنهم اتخذوا" بفتح الألف.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ} توجَّهوا حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة، أو اجعلوا سجودكم خالصاً لله ـ تعالى ـ دون الأصنام. {كَمَا بَدَأَكُمْ} شقياً وسعيداً كذلك تبعثون يوم القيامة، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ، أو كما تبعثون، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُحشر الناس حفاة عراة غُرلاً "تفسير : ثم قرأ {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} تفسير : [الأنبياء: 104].
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {قل أمر ربي بالقسط} أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يقولون على الله ما لا يعلمون أمر ربي بالقسط يعني بالعدل، وهذا قول مجاهد والسدي. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بلا إله إلا الله فالأمر بالقسط في هذه الآية يشتمل على معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأفعاله وأنه واحد لا شريك له {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} فإن قلت قل أمر ربي بالقسط خبر وقوله وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز فما معناه. قلت: فيه إضمار وحذف تقديره قل أمر ربي بالقسط وقال {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} فحذف فقال لدلالة الكلام عليه ومعنى الآية قول مجاهد والسدي: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة، وقال الضحاك: معناه إذا حضرت الصلاة وأنتم عند المسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي أو في مسجد قومي. وقيل معناه اجعلوا سجودكم لله خالصاً {وادعوه مخلصين له الدين} أي واعبدوه مخلصين العبادة والطاعة والدعاء لله عز وجل لا لغيره {كما بدأكم تعودون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله عز وجل بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً كما قال تعالى: {أية : هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} تفسير : [التغابن: 2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمناً وكافراً وحجة هذا القول قوله في سياق الآية {فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة} فإنه كالتفسير له ويدل على صحة ذلك ما روي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يُبعث كل عبد على ما مات عليه"تفسير : أخرجه مسلم زاد البغوي في روايته: المؤمن على إيمانه والكافر على كفره. وقال محمد بن كعب: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة كما أن إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم صار إلى الشقاوة. ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل بأعمال أهل الشقاوة كما أن السحرة كانوا يعملون بعمل أهل الشقاوة ثم صاروا إلى السعادة ويصح هذا القول ما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة"تفسير : أخرجه مسلم وقال الحسن ومجاهد في معنى الآية كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً فأحياكم ثم يميتكم كذلك تعودون أحياء يوم القيامة ويشهد لمصلحة هذا القول ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال "حديث : أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين"تفسير : أخرجه البخاري ومسلم وقوله تعالى: {فريقاً هدى} يعني هداهم إلى الإيمان به ومعرفته ووفقهم لطاعته وعبادته {وفريقاً حق عليهم الضلالة} يعني وخذل فريقاً حتى وجبت عليهم الضلالة للسابقة التي سبقت لهم في الأزل بأنهم أشقياء وفيه دليل على أن الهدى والضلالة من الله عز وجل، ولما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص روى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل"تفسير : أخرجه الترمذي. وقوله تعالى:{إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} يعني أن الفريق الذي حق عليهم الضلالة اتخذوا الشياطين نصراء وأعواناً أطاعوهم فيما أمروهم به من الكفر والمعاصي والمعنى أن الداعي الذي دعاهم إلى الكفر والمعاصي هو أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله لأن الشياطين لا يقدرون على إضلال أحد. وقوله {ويحسبون أنهم مهتدون} يعني أنهم مع ضلالتهم يظنون ويحسبون أنهم على هداية وحق وفيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند في الكفر سواء.
ابن عادل
تفسير : قال ابن عباس: أمر ربِّي بـ "لا إله إلا الله" لقوله تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ}تفسير : [آل عمران: 18] إلى قوله: {أية : قَآئِماً بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [آل عمران: 18]. وقال الضحاك: هو بالتوحيد. وقال مُجَاهِدٌ: والسُّدِّيُّ: بالعدل. قوله: "وأقِيمُوا" فيه وجْهَانِ: أظهرهما: أنَّهُ مَعْطُوفٌ على الأمْرِ المقدر أي الذي ينحل إليه المصدر، وهو "بالقِسْطِ" وذلك أنَّ القِسْط مصدر فهو ينحل لحرف مصدري، وفعل، فالتَّقديرُ: قل: أمر ربي بأن أقسطوا وأقيموا، وكما أنَّ المصدر ينحلُّ إلى "أنَّ والفعل الماضي" نحو: عَجِبْتُ من قِيَام زَيْدٍ وخرج، أي: من أن قام، وخَرَجَ ولـ "أن" وللفعل المضارع كقولها: [الوافر] شعر : 2449 - لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقرَّ عَيْنِي ......................... تفسير : أي: لأن ألبس عباءة وتقر، كذلك ينحل لـ "أنَّ" وفعل أمر؛ لأنَّهَا توصل بالثَّلاث الصِّيغ: الماضي والمُضارع والأمر بشرط التَّصَرُّف، وقد تقدَّم تحقيقُ هذه المسألة وإشكالها وجوابُهُ. وهذا بخلاف "ما" فإنَّهَا لا تُوصَلُ بالأمْرِ، وبخلاف "كي" فإنَّهَا لا توصل إلا بالمُضَارِع، فلذلك لا ينحلُّ المصدر إلى "ما" وفعل أمر، ولا إلى "كي" وفعل ماضي أو مضارع. وقال الزَّمخْشَرِيُّ: وقل أقيموا وجوهكم أي: اقصدوا عبادته، وهذا من الزَّمَخْشَرِيِّ يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون قوله "قل" أراد أنه مقدر غير هذا الملفوظ به فيكون "وأقيموا" معمولاً لقول أمر مقدر، وأن يكون معطوفاً على قوله: "أمر رَبِّي" فإنه معمول لـ "قل" وإنما أظهر الزَّمَخْشرِيُّ "قُلْ" مع أقِيمُوا لتحْقيق عطفيته على "أمر رَبِّي". ويجوز أن يكُون قوله"وأقِيمُوا" معطوفاً على أمْرٍ محذوف تقديره قل: أقبلوا وأقيموا. وقال الجُرْجانِيُّ صاحب "النَّظْمِ": نسق الأمر على الجر وجاز ذلك؛ لأنَّ قوله {قُلْ أَمَرَ رَبِّي} قول لأن الأمْرَ لا يكُونُ إلا كلاماً، والكلام قول، وكأنه قال: قل: يقول ربي: أقسطوا وأقيموا، يعني أنَّهُ عطف على المعنى. و "مسجد" هنا يحتمل أن يكون مَكَاناً وزماناً. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: في وقت كلِّ سُجُودٍ، وفي مكان كلِّ سُجُودٍ، وكان من حَقِّ "مسجد" بفتح العين لضمها في المضارع، وله في هذا الشذوذ أخوات كثيرة مذكورة في التَّصريفِ. فصل في المراد بـ "أقيموا وجوهكم" قال مجاهد والسدي: معنى {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وجهوا حَيْثُ ما كنتم في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ. وقال ابْنُ عبَّاس والضحاك: إذا حضرت الصَّلاةُ، وأنتم عند مَسْجِدٍ فصلُّوا فيه ولا يقولن أحدكُم أصلي في مَسجْدِي. وقيل: معناه: اجعلوا سجودكم للَّهِ خَالِصاً، والسبب في ذكر هذين القولين أنّ إقامة الوجه في العبادة قد تكون باستقبال القِبْلَةِ، وقد تكون بالإخلاص في تلك العِبَادَةِ. والأقرب هو الأوَّلُ؛ لأنَّ الإخْلاصَ مذكور بعده، فلو حملناه على معنى الإخلاص صار كأنَّهُ قال: وأخلصوا عند كلِّ مَسْجدٍ وادْعُوه مُخلصينَ، وذلك لا يستقيم. فإن قيل يستقيمُ ذلك إذا علقت الإخلاصَ بالدُّعَاءِ فقط. فالجواب لما أمكن رجوعه إليهما جميعاً لم يَجُزْ قصرهما على أحدهما خصوصاً مع قوله: {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} فعم كل ما يسمى ديناً، وإذا ثبت هذا فاختلفوا في قوله: {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} هل المرادُ منه زمان الصَّلاة أو مكانها على ما تقدم؟ قوله: "مُخْلِصينَ" حال من فاعل "ادْعُوه"، و "الدِّين" مفعولٌ به باسْمِ الفاعل وله متعلق بـ "مخْلِصين" ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنَّهُ حالٌ من "الدين"، والمراد اعبدوه مخلصين له الطَّاعة. "والعِبَادَة" قال ابن الخطيب: المرادُ به أعمالُ الصَّلاةِ، وسمَّاها دعاءً لأنَّ الصلاة في اللُغة عبارة عن الدُّعاء، ونظيره قوله {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البينة: 5]. قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ} "الكاف" في محل نَصْبِ نَعْتاً لمصدر محذوف تقديرُهُ: تعُودُون عَوْداً مثل ما بدأكم. وقيل: تقديره: تُخْرَجُونَ خُرُوجاً مثل ما بَدَأكُم ذكرهما مَكي، والأوَّل أليق بلفظ الآية الكريمة. وقال ابن الأنْبَارِيِّ: موضع "الكاف" في "كما" نصب بـ "تَعُودُونَ" وهو على مذهب العرب في تقديم مفعول الفعل عليه أي: تعودون كما ابتدأ خلقكم. قال الفارسي: كما بَدَأكُم تعودُون ليس على ظَاهِرِه إذ ظاهره تعودون على البَدْءِ، وليس المَعْنَى تشبيههم بالبَدْءِ، إنَّمَا المعنى على إعادة الخلق كما ابتدىء، فتقدير {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}: كما بدأ خلقكم أي: يُحيي خلقكم عوداً كبدئه، وكما أنَّه لم يَعْنِ بالبدء ظاهره من غير حذف المضاف إليه، كذلك لم يَعْنِ بالعود من غير حذف المُضافِ الذي هو ["الخلق" فلما حذف قام المضاف إليه مَقَامَ الفاعِلِ، فصار الفَاعِلُونَ مخاطبين. كما أنه لما حذف المضاف] من قوله: "كما بدأ خلقكم" صار المخاطبون مفعولين في اللفظ قال شهاب الدين: يعني أنَّ الأصل كما بَدَأ خلقكم يعودُ خلقكم، فحذف "الخلق" في الموضعين وصار المخاطبون في الأوَّلِ مفعولين بعد أن كَانُوا مجرورين بالإضافة أيضاً وفي الثاني صاروا فَاعِلينَ بعد أنْ كانوا مجرورين بالإضافة. و "بدأ" بالهمز أنشأ واخترع، ويستعمل بهذا المعنى ثلاثياً ورباعياً على "أفْعَلَ" فالثلاثيُّ كهذه الآية، وقد جمع بين الاستعمالين في قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِيءُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ}تفسير : [العنكبوت: 20] فهذا مِن "أبدأ" ثم قال: كيف بدأ الخلق، هذا فيما يتعدى بنفسه. وأما ما يتعدَّى بالباءِ نحو: بَدَأتُ بكذا بمعنى قدَّمته وجعلتهُ أوَّل الأشياء، يقال منه: بَدَأتُ به وابتدأت به. وحكى الرَّاغِب أيضاً أنَّهُ يقال من هذا: أبْدأتُ به على "أفْعَلَ" وهو غريب. وقولهم: أبْدأت من أرض كذا أي: ابتدأت منها بالخُرُوجِ والبَدْء السيد سمي بذلك؛ قيل: لأنه يبدأ به في العد إذا عُدَّ السَّادَات وذكروا عليه قوله: [الوافر] شعر : 2450 - فَجِئْتُ قُبُورَهُمْ بَدْءاً ولَمَّا فَنَادَيْتُ القُبُورَ فَلَمْ تُجِبْنَهْ تفسير : أي جئت قَبُورَ قومي سيّداً ولم أكن سَيّداً، لكن بموتهم صيّرت سيّداً، وهذا ينظر لقول الآخر: [الكامل] شعر : 2451 - خَلَتِ الدِّيَارُ فَسُدْتُ غَيْرَ مُسَوَّرِ وَمِنَ العَنَاءِ تَفَرُّدِي بالسُّؤدُدِ تفسير : و "ما" مصدريَّةٌ، أي: كبدئكم. فصل في معنى "كما بدأكم تعودون". قال ابنُ عبَّاس: إنَّ الله بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً، كما قال: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ}تفسير : [التغابن: 2]، ثم يعيدُهم يَوْمَ القيامةِ كما خلقهم مُؤمناً وكافراً. وقال جَابِرٌ: يُبعثون على ما مَاتُوا عليه. روى جابر بْنُ عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يبعثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عليْهِ، المُؤمِنُ على إيْمَانِهِ، والكَافِرُ على كُفْرِهِ " تفسير : وقال أبو العالية: "عَادُوا على علمه فيهم". وقال سعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "كما كتب عَلَيْكُم تَكُونُونَ". وقال محمدٌ بْنُ كَعْب: "من ابتدأ الله خلقه على الشِّقْوَةِ صار إليها، وإن عمل عمل أهل السَّعادةِ، كما أنَّ إبليس كان يعمل بِعَمَلِ أهل السَّعادةِ ثم صارَ إلى الشَّقاوةِ، ومن ابتدأ خلقه على السَّعادة صار إليها، وإن عمل بأعْمَال أهل الشٌّقاوة، كما أنَّ السَّحَرَةَ كانت تَعْمَلُ بعمل أهل الشَّقاوةِ فَصَارُوا إلى السَّعادة". روى سهل بْنُ سَعْد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن العبد يَعْمَلُ فيما يرى النَّاسُ بعمل أهل الجَنَّةِ، وأنَّهُ من أهل النَّار، وإنَّهُ ليعمل فيما يرى النَّاس بعمل أهل النَّارِ، وإنما هو من أهل الجنَّةِ، وإنَّما الأعْمَالُ بالخواتيم " تفسير : وقال الحسنُ ومُجَاهِدٌ: كمَا بَدَأكُمْ وخلقكم في الدُّنْيَا ولم تكونا شيئاً، كذلك تعودون أحياء يَوْمِ القيامةِ: كما قال: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ}تفسير : [الأنبياء: 104]. قال قتادةُ، هم من التُّراب وإلى التُّراب يعودُونَ، ونظيره: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ}تفسير : [طه: 55]، واعلم أنَّه تعالى أمر أولاً بكلمة القِسْطِ وهي لا إله إلا الله، ثم أمر بالصَّلاة ثانياً، ثم بيَّن أنَّ الفائدة في الإتْيَانِ بهذه الأعمال إنما تظهر في الآخرة، ونظيره قوله تعالى لموسى: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}تفسير : [طه: 14 - 15].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {قل أمر ربي بالقسط} قال: بالعدل {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} قال: إلى الكعبة حيث صليتم في كنيسة أو غيرها {كما بدأكم تعودون} قال: شقي أو سعيد. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون} يقول: اخلصوا له الدين كما بدأكم في زمان آدم حيث فطرهم على الإِسلام يقول: فادعوه كذلك لا تدعوا لها غيره وأمرهم أن يخلصوا له الدين والدعوة والعمل، ثم يوجهوا وجوههم إلى البيت الحرام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {كما بدأكم تعودون...} الآية. قال: إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً، كما قال {أية : هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن}تفسير : [التغابن: 2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمناً وكافراً . وأخرج ابن جرير عن جابر في الآية قال: يبعثون على ما كانوا عليه، المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {كما بدأكم تعودون} {فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب في قوله {كما بدأكم تعودون} قال: من ابتدأ الله خلقه على الهدى والسعاده صيره إلى ما ابتدأ عليه خلقه، كما فعل بالسحرة ابتدأ خلقهم على الهدى والسعادة حتى توفاهم مسلمين، وكما فعل بإبليس ابتدأ خلقه على الكفر والضلالة وعمل بعمل الملائكة فصيره الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الكفر. قال الله تعالى {أية : وكان من الكافرين} تفسير : [البقرة: 34] . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {كما بدأكم تعودون} يقول: كما خلقناكم أول مرة كذلك تعودون . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله {كما بدأكم تعودون} قال: كما بدأكم ولم تكونوا شيئاً فأحياكم، كذلك يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة . وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله {كما بدأكم تعودون} قال: خلقهم من التراب وإلى التراب يعودون. قال: وقيل في الحكمة: ما فخر من خلق من التراب وإلى التراب يعود، وما تكبر من هو اليوم حي وغداً يموت، وأن الله وعد المتكبرين أن يضعهم ويرفع المستضعفين. فقال {أية : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى}تفسير : [طه: 55] ثم قال {فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {كما بدأكم تعودون} قال: إن تموتوا يحسب المهتدي أنه على هدى ويحسب الغني أنه على هدى، حتى يتبين له عند الموت وكذلك تبعثون يوم القيامة. وذلك قوله {ويحسبون أنهم مهتدون} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير {كما بدأكم تعودون} قال: كما كتب عليكم تكونون {فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الظلالة} . وأخرج أبو الشيخ عن عمر بن أبي معروف قال: حدثني رجل ثقة في قوله {كما بدأكم تعودون} قال: قلفاً بظرا . وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل بن وهب العبدي. أن تأويل هذه الآية {كما بدأكم تعودون} تكون في آخر هذه الأمة . وأخرج البخاري في الضعفاء عن عبد الغفور بن عبد العزيز بن سعيد الأنصاري عن أبيه عن جده " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يمسخ خلقاً كثيراً، وإن الإِنسان يخلو بمعصيته فيقول الله تعالى استهانة بي، فيمسخه ثم يبعثه يوم القيامة إنساناً يقول {كما بدأكم تعودون} ثم يدخله النار ".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}[29] فقال: اطلبوا من السر بالنية الإخلاص فإن الرياء لا يعرفه إلاَّ المخلصون، واطلبوا من العلانية الفعل بالاقتداء، فإن من لم يكن اقتداؤه في جميع أموره بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو ضال، وغير هذين مغاليط.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} [الآية: 29]. قال الجنيد رحمة الله عليه فى هذه الآية: أمر بحفظ السر وعلو الهمة وأن يرضى بالله عوضًا عما سواه. قال أبو عثمان: القسط الصدق. قوله عز وعلا: {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}. قال رويم: إخلاص الدعاء أن ترفع رؤيتك عن أفعالك. قال ابن عطاء: إخلاص الدعاء ما خلص من الآفات. وقال حارث المحاسبى: إخلاص الدعاء إخراج الخلق من معاملة الله. قال أبو عثمان: الإخلاص نسيان رؤية الخلق لدوام النظر إلى الخالق. قال بعضهم: الإخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها. قوله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}. قال: أبدأ خِلقَةَ إبليس على الكفر والخلاف ثم استعمله بأعمال المطيعين بين الملائكة والمقربين، ثم رده إلى ما ابتدأه عليه من الخلاف. والسحرة ابتدأ خَلقهم على الهدى والموافقة واستعملهم بأعمال المخالفين وأهل الضلالة ثم ردهم إلى ما ابتدأهم عليه من الإنفاق، لذلك قال الله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}. قال الحسين: فى قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} لا تغيير لما أجرى عليه من الأعمال، لأن الأعمال قد توافق الخلقة أو تخالف.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ}. القِسط العدل، ويقع ذلك في حق الله تعالى، وفي حق الخلْق، وفي حق نفسك؛ فالعدلُ في حقِّ الله الوقوفُ على حدِّ الأمر من غير تقصير في المأمور بِهِ أو إقدامٍ على المنهيِّ عنه، ثم ألا تدخِّر عنه شيئاً مما خوَّلك، ثم لا تُؤثِرَ عليه شيئاً فيما أحلَّ لك. وأمَّا العدل مع الخلْق - فعلى لسان العلم - بذلُ الإنصاف، وعلى موجِب الفتوة ترك الانتصاف. وأمَّا العدل في حق نَفْسِك فإدخال العتق عليها، وسدُّ أبواب الراحة بكل وجه عليها، والنهوض بخلافها على عموم الأحوال في كل نَفَس. قوله جلّ ذكره: {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}. الإشارة منه إلى استدامة شهوده في كل حالة، وألا تنساه لحظةً في كلِّ ما تأتيه وتذره وتقدمه وتؤخره. قوله جلّ ذكره: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}. من كانت قِسمتهُ - سبحانه - له بالسعادة كانت فطرته على السعادة، وكانت حالته بنعت السعادة، ومن كانت حالته بنعت السعادة كانت عاقبته إلى السعادة، ومن كانت القسمة له بالعكس فالحالة بالضد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان بحالةٍ لقي الله بها ". تفسير : وجملة العلم بالقضاءِ والقَدَرِ أن يتحقق أنه علم ما يكون أنه كيف يكون، وأراد أن يكون كما علم. وما علم ألا يكون - مما جاز أن يكون أراده ألا يكون - أخبر أنه لا يكون. وهو على وجه الذي أخبر، وقضى على العبد وقدَّر أجرى عليه ما سبق به الحكم، وعلى ما قضى عليه حصل العبد على ذلك الوصف.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل امر ربى بالقسط} بيان للمأمور به اثر نفى ما اسند اليه امره به تعالى من الامور المنهى عنها. والقسط العدل وهو الوسط من كل شئ المتجاوز عن طرفى الافراط والتفريط وفى الخبر "حديث : خير الامور اوساطها". شعر : توسط اذا ما شئت امرا فانه كلا طرفى قصد الامور ذميم تفسير : {واقيموا وجوهكم} معطوف على امر بتقدير قل لئلا يلزم عطف الانشاء على الاخبار اى وقل لهم توجهوا الى عبادته مستقيمين غير عادلين الى غيرها او اقيموا وجوهكم نحو القبلة {عند كل مسجد} يحتمل ان يكون اسم زمان وان يكون اسم مكان اى فى كل وقت سجود او مكان سجود والمراد بالسجود الصلاة بطريق ذكر الجزء وارادة الكل. وقال الكلبى معناه اذا حضرت الصلاة وانتم فى مسجد فصلوا فيه ولا يقولن احدكم اصلى فى مسجدى واذا لم يكن عند مسجد فليأت اى مسجد شاء وليصل فيه. وفى الفروع مسجد المحلة افضل من الجامع اذا كان الامام عالما ومسجد المحلة فى حق السوقى نهارا ما كان عند خانوته نهارا وليلا ما كان عند منزله. قال الحدادى وهذه الآية تدل على وجوب فعل الصلاة المكتوبة فى الجماعة وفى الحديث "حديث : من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له الا من عذر ". تفسير : وصلاة الجماعة افضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة وذلك لان كل صلاة اقيمت فى الجماعة كصلاة يوم وليلة اذا اقيمت بغير جماعة لان فرائض اليوم والليلة سبع عشرة ركعة والرواتب عشر فالجميع سبع وعشرون. قال العلماء كل ما شرعت فيه الجماعة كالفرائض والتراويح ونحوهما فالمسجد فيه افضل من ثواب المصلين فى البيت بالجماعة لان فيه اظهار شعائر الاسلام كما ان ثواب المصلين فى البيت وحدانا دون ثواب المصلين فى البيت بالجماعة {وادعوه} اى واعبدوه فهو من اطلاق الخاص على العالم فان الدعاء من ابواب العبادة وهو الخضوع للبارى مع اظهار الافتقار والاستكانة وهو المقصود من العبادة والعمدة فيها {مخلصين له الدين} اى الطاعة فان مصيركم اليه فى الآخرة شعر : فرداكه بيشكاه حقيقت شود بديد شرمنده رهروى كه عمل برمجاز كرد تفسير : {كما بدأكم} اى انشأكم ابتداء {تعودون} اليه باعادته فيجازيكم على اعمالكم والكاف فى محل النصب على انه صفة مصدر محذوف تقديره تعودون عودا مثل ما بدأكم وهو بالهمزة بمعنى انشأ واخترع وانما شبه الاعادة بالابداء تقريرا لامكانها والقدرة عليها. يعنى قيسوا الاعادة بالابداء فلا تنكروها فان من قدر على الانشاء قدر على الاعادة اذ ليس بعثكم اشد من ابتداء خلقكم.
الطوسي
تفسير : آيتان، تمام الأولى في الكوفي {تعودون} وفي البصري تمام الأولى {مخلصين له الدين} وتمام الأخرى عند الجميع {مهتدون}. لما أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا: إِن الله أمرنا بما نفعله ونعتقده من الفواحش، وردَّ عليهم بقوله {إِن الله لا يأمر بالفحشاء} أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول "إن الله يأمر بالقسط" وهو العدل - في قول مجاهد والسدي وأكثر المفسرين - وأصله العدول، فاذا كان الى جهة الحق، فهو عدل. ومنه قوله {أية : إِن الله يحب المقسطين}.تفسير : وإِذا كان الى جهة الباطل، فهو جور، ومنه قوله {أية : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً}.تفسير : وأمرهم أن يقيموا وجوههم عند كل مسجد وقيل فيه وجوه: أحدها - قال مجاهد والسدي وابن زيد: معناه توجهوا الى قبلة كل مسجد في الصلاة على استقامة. الثاني - قال الربيع: توجهوا بالاخلاص لله، لا للوثن ولا غيره. وقال الفراء: معناه اذا دخل عليك وقت الصلاة في مسجد فصل فيه، ولا تقل آتى مسجد قومي، وهو اختيار المغربي: وقوله {وادعوه مخلصين له الدين} أمرهم بالدعاء والتضرع اليه تعالى على وجه الاخلاص. وأصل الاخلاص إِخراج كل شائب من الخبث، ومنه إِخلاص الدين لله (عز وجل) وهو توجيه العبادة اليه خالصاً دون غيره. وقوله {كما بدأكم تعودون} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وابن زيد: كما خلقكم أولاً تعودون بعد الفناء، وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال "حديث : يحشرون عراة حفاة عزلاً، كما بدأنا أول خلق نعيده. وعداً علينا انا كنا فاعلين ". تفسير : الثاني - قال ابن عباس وجابر في رواية أنهم يبعثون على ما ماتوا عليه: المؤمن على إِيمانه والكافر على كفره. وإِنما ذكر هذا القول، لأحد أمرين: أحدهما - قال الزجاج: على وجه الحجاج عليهم، لأنهم كانوا لا يقرُّون بالبعث. الثاني - على وجه الأمر بالاقرار به، كأنه قيل وأقروا أنه كما بدأكم تعودون. والبدأ فعل الشىء أول مرة، والعود فعله ثاني مرة. قد يكون فعل أول خصلة منه بدأ، كبدء الصلاة، وبدء القراءة، بدأهم وأبداهم لغتان. وقوله {فريقا هدى} فالفريق جماعة انفصلت من جماعة، وذكر (فريق) ها هنا أحسن من ذكر (نفر وقوم أو نحوه) لما فيه من الاشعار بالمباينة ونصب {فريقاً هدى}. وقوله {وفريقاً حق عليهم الضلالة} لتقابل فريقاً هدى بعطف فعل على فعل، وتقديره وفريقا أضل إِلا انه فسره ما بعده نظير قوله {أية : يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدَّ لهم عذاباً أليماً}.تفسير : وقال الفراء: نصب فريقاً على الحال، والعامل فيه (تعودون) فريقاً، والثاني عطف عليه، ولو رفع على تقدير أحدهما كذا، والآخر كذا، كان جائزاً كما قال {أية : قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة}تفسير : والهدي والاضلال في الآية يحتمل أربعة أوجه: أحدها - أنه حكم بأن هؤلاء مهتدون مدحاً لهم، وحكم بأن اولئك ضالون ذماً لهم. الثاني - الدلالة التي انشرح بها صدور هؤلاء للاهتداء، وضاقت بها صدور أولئك لشدة محبتهم لما هم عليه من مذهبهم. الثالث - هدى بأن لطف لهؤلاء بما اهتدوا عنده، وصار كالسبب لضلال أولئك بتخيرهم لينتقلوا عن فاسد مذهبهم. الرابع - أنه هدى هؤلاء الى طريق الثواب. وأولئك لعمى والاضلال عنه بالعقاب في النار. وقوله {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} اخبار منه تعالى انه فعل بهم ما فعل من الضلال، لأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، والاتخاذ الافتعال من الأخذ بمعنى اعداد الشىء لأمر من الامور، فلما أعدوا الشياطين لنصرتهم، كانوا قد اتخذوهم أولياء باعدادهم. وقوله {ويحسبون أنهم مهتدون} يعني هؤلاء الكفار يظنون أنهم مهتدون. والحسبان والظن واحد، وهو ما قوي عند الظَّانِّ كون المظنون على ما ظنه مع تجويزه أن يكون على غيره، فبالقوة يتميز من اعتقاد التقليد والتخمين، وبالتجويز يتميز من العلم، لأن مع العلم القطع.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} فانّ القسط هو توسّط النّفس فى الافعال والاقوال والاحوال والاخلاق والعقائد بين تفريط النّفس عن الاغراض العقليّة وافراطها فيها بحيث يؤدّى الى ما نهى عنه كالاغراض الدّنيويّة {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وهذا يؤيد ما ذكر فى الخبر فى تفسير الفحشاء، واقامة الوجه صرفه عن الانحراف الى ما ينبغى ان يتوجّه اليه من قبلته، وقبلة وجه البدن اشرف بقاع الارض، وقبلة وجه النّفس القلب، وقبلة وجه القلب الرّوح، وقبلة الرّوح هى الولاية المطلقة، وقبلة الكلّ هى خليفة الله، والمسجد ايضاً يعمّ المساجد الطّينيّة والمساجد الرّوحانيّة من القلب والرّوح والولاية المطلقة والايّام المتبرّكة والسّاعات الشّريفة من كلّ يومٍ، والمساجد الحقيقيّة البشريّة الّذين هم خلفاء الله فى ارضه وبيوته لخلقه واصل الكلّ هو خليفة الله الاعظم اعنى عليّاً (ع) وجمع الوجوه بجمع الكثرة مضافاً مفيداً للاستغراق والاتيان بكلمة كلّ فى جانب المسجد للاشارة الى تعميم الوجه والمسجد وقد فسّر المسجد ههنا فى الخبر بالائمّة (ع) {وَٱدْعُوهُ} اى ادعوا ربّى او ادعوا المسجد وهو عطف على اقيموا كما انّ اقيموا عطف على امر ربّى ليكون مقولاً لقل، او عطف على امر بتقدير قال ليكون مقولاً لقول الله تعالى والمعنى، ادعوا ربّى او المسجد بتصفية بيوت قلوبكم عمّا يمنعه من دخولها واستيلائه عليها ثمّ باستدعاء دخوله بالسنة قالكم وحالكم واستعدادكم، فانّ قلب المؤمن من عرش الرّحمن وبيت الله الّذى اذن ان يرفع كما قيل: شعر : هركه خواهد نشينى با خدا كو نشيند در حضور اوليا تفسير : وكما قيل: شعر : مسجدى كو اندرون اولياست سجده كَاه جملة است آنجا خداست تفسير : لكن لا يدخله الاّ بعد تصفيته عمّا لا يليق به تعالى وقد سبق فى سورة البقرة عند قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 114] (الى آخرها) تحقيق للمسجد {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} اى طريق الدّعوة من الاغراض والاهواء خارجين من ارادتكم واختياركم كالميّت بين يدى الغسّال مؤتمرين بأمر؛ موتوا قبل ان تموتوا: فانّه {كَمَا بَدَأَكُمْ} من غير ارادةٍ منكم واختيارٍ وغرضٍ وهوىً {تَعُودُونَ} فمن أراد العود اليه فليخرج من جميع ما ينسب الى نفسه والاّ فسيعيده الملائكة الغلاظ كاعادة العبد الجانى الآبق الى مولاه للمؤاخذة، او المعنى ادعوه متضرّعين منتظرين للورود عليه مخلصين له الطّاعة والعبادة لانّه كما بدأكم تعودون اليه فيجازيكم على طاعاتكم وعلى اىّ تقدير يكون قوله كما بدأكم تعودون فى مقام التّعليل.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} يا محمد {أمر ربِّى بالقِسْط} بالعدل والحق لا بالفحشاء كما قال مجاهد والسدى، وقال ابن عباس: بلا إله إلا الله محمد رسول الله، ما جاء به حق {وأقيمُوا وجُوهَكم} اقصدوا عبادته مستقيمين إليها عن غيرها، وعبر بذلك لأن عبادة غيره كاعوجاج الوجه إلى جنب، وشمل ذلك توجيه الوجه للقبلة، فإنه من العبادة، وقد قيل: إن المراد أقيموا وجوهكم نحو القبلة، وبه قال مجاهد والسدى، والمراد شرع الكعبة قبلة، وقال الربيع بن خيثم: المراد الأمر بإحضار النية لله. {عِنْد كلِّ مسْجدٍ} موضع سجود، وكائنا ما كان، قال مجاهد والسدى: وجهوا وجوهكم حيث ما كنتم فى الصلاة إلى الكعبة، وقال الضحاك: إذا أحضرت الصلاة وأنتم فى مسجد: فصلوا فيه ولا تؤخروها إلى مساجدكم، وكانوا يقولون: أصلى فى مسجدى أو فى مسجد قومى. قال قوم: سبب نزول ذلك قوم يقولون ذلك، وأجيز أن يكون مسجد اسم زمان، أى عند كل وقت سجود، وأن يكون مصدراً أى عند كل سجود أى صلاة، والجملة من مقول القول المذكور كأنه قال: قل لهم أمر ربى بالقسط، وقل أقيموا وجوهكم الخ، وعطف الطلب على الخبر والعكس جائزان قطعا فى الحكاية، ولا ينبغى لأحد منع ذلك فيها، تقول: قال زيد جاء بكر وأكرمه يا خالد، كأنك قلت: قال زيد جاء بكر وقال أكرمه يا خالد، وأيضا الجملة المحكية مفرد فلا حاجة إلى تحرج بعض عن ذلك بعطف أقيموا على معنى أمر ربى بالقسط، وهو اقسطوا فالعطف عليه باعتبار معناه. {وادْعوهُ} وحدوه أو اطلبوه، أو اعبدوه {مخْلصينَ له الدِّين} العبادة والطلب، وكان كل قوم سوى المسلمين إذا صلوا أشركوا بالله {كما بدأكم تعُودُون} ترجعون للجزاء بعد الموت، كما أنشأكم أولا ولم تكونوا، وذلك رد على منكر البعث كما قال الحسن ومجاهد وابن عباس وقتادة، هذا ما يظهر لى، وقيل: "كما بدأكم حفاة عراة غرلا لا تعودون" وقيل: "كما بدأكم من تراب تعودون إليه" والوقف على تعدون، ويدل له ما رواه ابن عباس رضى الله عنهما: "حديث : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: "أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله عز وجل حفاة عراة عزلا أى بلا سلاح، أو غرلا أى غير مختونين كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ". تفسير : وقال أبو العالية، ومحمد بن كعب، وابن جبير، والسدى، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، ومجاهد فى رواية عنهما: كما خلقكم فى الدنيا مؤمنا وكافرا تعودون يوم القيامة مؤمنا وكافرا، ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يبعث كلُّ على ما مات عليه المؤمن على إيمانه والكافر على كفره" تفسير : ويدل له أيضا قوله: {فريقاً هَدَى وفَريقاً حقَّ عَليهُم الضَّلالة}.
اطفيش
تفسير : {قُلْ أَمَرَ رَبّى بِالقِسطِ} بالعدل، وكل ما أَمر الله عز وجل به عدل ولو صعب أَو لم تستحسنه النفس، ولا تفريط ولا إِفراط فيه {وَأَقِيمُوا} عطف على أَمر ربى وليس فيه عطف الأَمر على الإِخبار لأَن المعنى، قل لهم لفظ أَمر ربى بالقسط، ولفظ أَقيموا، والجمل بعد القول أَسماء مراد بها أَلفاظها، ولا حاجة إِلى دعوى عطفه على معنى القسط مع تضمينه معنى أَمر ربَّى قال اقسطوا وأَقيموا، ولا إِلى دعوى أَن التقدير اقبلوا ولا إِلى دعوى تقدير القول ولا إِلى دعوى العطف على فعل ينحل إِليه المصدر الذي هو القسط أَى أَمر ربى بأَن أَقسطو أَو أَقيموا {وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ومعنى إِقامة الوجوه عند كل مسجد إِقامتها نحو القبلة عند كُل سجود أَى صلاة فهو مصدر، أَو عند كل وقت صلاة فهو اسم زمان، أَو فى كل موضع سجود يمكن ولا تؤخروها إِلى أَن تخرجوا إِلى مساجدكم كما أَن من قبلكم أمروا بتأخيرها إِلى أَن يرجعوا إِلى مساجدهم، فهو اسم مكان، والمسجد على هذا بمعنى المصطلح عليه من البناء، وفى هذا بعد كما فى قول من قال اقصدوا المسجد فى وقت كل صلاة على أَنه أَمر بالجماعة ندباً عند بعض ووجوباً عند آخرين. أَو توجهوا إِلى عبادته مستقيمين غير عادلين إِلى غيرها، وذلك بالصلاة كما تقول: أَطع الله فى الصلاة، وأَنت تريد أَطع الله فيها بإِقامتها لا بعبادة أُخرى توقعها فيها {وَادْعُوهُ} اعبدوه واسأَلوه حوائجكم {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أَى العبادة أَو الإِيمان بالله. أَخلصوا ذلك عن الشرك، وإِن فسرنا إقامة الوجوه عند كل مسجد بإِخلاص الصلاة كان هذا عطف عام على خاص إِن فسرنا الدين بالعبادة وعطف مغاير إِن فسر بالإِيمان بالله {كَمَا بَدأَكُمْ تَعُودُونَ} تعودون عودا ثابتاً كبدء إِياكم أَو عوداً مثل بدء إِياكم فى أَن كلا منهما إيجاد بعد عدم. ولو كان الأَول من نطفة وأَطوار مترتبة والثانى غير ذلك والجملة مستأنفة لإِبطال إِنكارهم البعث، بأَن القادر على البدء قادر على الإِعادة وليست أَشد على الله ولا شدة على الله، وتعليل لقوله وأَقيموا إِلخ، أَى امتثلوا ما أَمرتكم به من القسط وإِقامة الوجه والدعاء والصلاة فإِنكم بعد موتكم ستبعثون للجزاء بأَعمالكم، وكما بدأَكم من التراب تعودون إِليه، وكما بدأَكم حفاة عراة غرلاً تعودون، وكما بدأَكم مؤمناً وكافراً تعودون إِليه فى الآخرة مؤمنا وكافرا على أَصل السعادة والشقاوة، هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن، روى الترمذى يخط عتيق محشى عليه مقروء على شيخ اشتريته من مكة "حديث : عن عمر بن العاص: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى يده كتابان فقال: أَتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله، فقال للذى في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أَسماء أَهل الجنة وأَسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أَجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أَبدا، ثم قال للذى فى شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أَسماء أَهل النار وأَسماء آبائهم وقبائلهم ثم أَجمل على أخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أَبدا، فقال أَصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إِن كان أَمر قد فرغ منه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أَهل الجنة وإِن عمل أَى عمل، وإِن صاحب النار يختم له بعمل أَهل النار وإِن عمل أَى عمل ثم قال بيديه فنبذهما، ثم قال: فرغ ربكم من العباد فريق فى الجنة وفريق فى السعير"تفسير : . ومعنى قال للذى فى يمينه إِلخ فى شأْن الذى، ومعنى قال بيديه أَشار بهما، ومعنى قولهم أَجمل إِنه أَجمل الحساب فى آخر الورقة كالفذلكة، و ذلك كله تحقيق، وقيل تمثيل.
الالوسي
تفسير : {قُلْ أَمَرَ رَبّي بِٱلْقِسْطِ } بيان للمأمور به إثر نفي ما أسند أمره إليه تعالى من الأمور المنهي عنها؛ والقسط على ما قال غير واحد العدل، وهو الوسط من / كل شيء المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط. وقال الراغب: «هو النصيب بالعدل كالنَّصَفِ والنَّصَفة. ويقال: القسط لأخذ قسط غيره وذلك جور والإقساط لإعطاء قسط غيره وذلك إنصاف ولذلك يقال: قسط الرجل إذا جار وأقسط إذا عدل». وهذا أولى مما قاله الطبرسي من أن أصله (الميل) فإن كان إلى جهة الحق فعدل ومنه قوله سبحانه: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } تفسير : [المائدة: 42] وإن كان إلى جهة الباطل فجور ومنه قوله تعالى: { أية : وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } تفسير : [الجن: 15] والمراد به هنا ـ على ما نقل عن أبـي مسلم ـ جميع الطاعات والقرب. وروي عن ابن عباس والضحاك أنه التوحيد وقول لا إله إلا الله ومجاهد والسدي وأكثر المفسرين على أنه الاستقامة والعدل في الأمور. {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ } أي توجهوا إلى عبادته تعالى مستقيمين غير عادلين إلى غيرها {عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } أي في وقت كل سجود كما قال الجبائي أو مكانه كما قال غيره فعند بمعنى في والمسجد اسم زمان أو مكان بالمعنى اللغوي، وكان حقه فتح العين لضمها في المضارع إلا أنه مما شذ عن القاعدة، وزعم بعضهم أنه مصدر ميمي والوقت مقدر قبله، والسجود مجاز عن الصلاة. وقال غير واحد: المعنى توجهوا إلى الجهة التي أمركم الله تعالى بالتوجه إليها في صلاتكم وهي جهة الكعبة. والأمر على القولين للوجوب. واختار المغربـي أن المعنى إذا أدركتم الصلاة في أي مسجد فصلوا ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم، والأمر على هذا للندب والمسجد بالمعنى المصطلح ولا يخفى ما فيه من البعد. ومثله ما قيل: إن المعنى اقصد المسجد في وقت كل صلاة على أنه أمر بالجماعة ندباً عند بعض ووجوباً عند آخرين. والواو للعطف وما بعده قيل: معطوف على الأمر الذي ينحل إليه المصدر مع أن أي أن أقسطوا. والمصدر ينحل إلى الماضي والمضارع والأمر، وقال الجرجاني: إنه عطف على الخبر السابق المقول لقل وهو إنشاء معنى، وإن أبيت فالكلام من باب الحكاية. وجوز أن يكون هناك قل مقداراً معطوفاً على نظيره. و {أَقِيمُواْ } مقول له. وأن يكون معطوفاً على محذوف تقديره قل أقبلوا وأقيموا. {وَٱدْعُوهُ } أي اعبدوه {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } أي الطاعة فالدعاء بمعنى العبادة لتضمنها له والدين بالمعنى اللغوي. وقيل: إن هذا أمر بالدعاء والتضرع إليه سبحانه على وجه الإخلاص أي ارغبوا إليه في الدعاء بعد إخلاصكم له في الدين {كَمَا بَدَأَكُمْ } أي أنشأكم ابتداءً {تَعُودُونَ } إليه سبحانه فيجازيكم على أعمالكم فامتثلوا أوامره أو فأخلصوا له العبادة فهو متصل بالأمر قبله. وقال الزجاج: إنه متصل بقوله تعالى: { أية : فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } تفسير : [الأعراف: 25] ولا يخفى بعده. ولم يقل سبحانه: يعيدكم كما هو الملائم لما قبله إشارة إلى أن الإعادة دون البدء من غير مادة بحيث لو تصور الاستغناء عن الفاعل لكان فيها دونه فهو كقوله تعالى: { أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } تفسير : [الروم: 27] سواء كانت الإعادة الإيجاد بعد الإعدام بالكلية أو جمع متفرق الأجزاء. وإنما شبهها سبحانه بالإبداء تقريراً لإمكانها والقدرة عليها. وقال قتادة: المعنى كما بدأكم من التراب تعودون إليه كما قال سبحانه: { أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } تفسير : [طه: 55] وقيل: المعنى كما بدأكم لا تملكون شيئاً كذلك تبعثون يوم القيامة./ وعن محمد بن كعب أن المراد أن من ابتدأ الله تعالى خلقه على الشقوة صار إليها وإن عمل بأعمال أهل السعادة ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل بعمل أهل الشقاوة. ويؤيد ذلك ما رواه الترمذي « حديث : عن عمرو بن العاص قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله فقال للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل ثم قال ـ أي أشار ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما ثم قال: فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير ». تفسير : وقريب من هذا ما روي عن ابن جبير من أن المعنى: كما كتب عليكم تكونون. وروي عن الحبر أن المعنى كما بدأكم مؤمناً وكافراً يعيدكم يوم القيامة فهو كقوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } تفسير : [التغابن: 2].
ابن عاشور
تفسير : بعد أن أبطل زعمهم أنّ الله أمرهم بما يفعلونه من الفواحش إبطالاً عاماً بقوله: {أية : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} تفسير : [الأعراف: 28] استأنف استئنافاً استطرادياً بما فيه جماع مقوّمات الدّين الحق الذي يجمعه معنى القِسْط أي العدل تعليماً لهم بنقيض جهلهم، وتنويهاً بجلال الله تعالى، بأنّ يعلموا ما شأنه أن يأمر الله به. ولأهميّة هذا الغرض، ولمضادته لمدّعاهم المنفي في جملة: {أية : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء}تفسير : [الأعراف: 28] فُصلت هذه الجملة عن التي قبلها، ولم يُعطف القولُ على القول ولا المقول على المقول: لأنّ في إعادة فعل القَول وفي ترك عطفه على نظيره لَفْتاً للأذهان إليه. والقسط: العَدل وهو هنا العدل بمعناه الأعمّ، أي الفعل الذي هو وسط بين الإفراط والتّفريط في الأشياء، وهو الفضيلة من كلّ فعل، فالله أمر بالفضائل وبما تشهد العقول السّليمة أنّه صلاح محض وأنّه حسن مستقيم، نظير قوله: {أية : وكان بين ذلك قَواماً} تفسير : [الفرقان: 67] فالتّوحيد عدل بين الإشراك والتّعطيل، والقصاص من القاتل عدل بين إطلال الدّماء وبين قتل الجماعة من قبيلة القاتل لأجل جناية واحد من القبيلة لم يُقدَر عليه. وأمَر الله بالإحسان، وهو عدل بين الشحّ والإسراف، فالقسط صفة للفعل في ذاته بأن يكون ملائماً للصّلاح عاجلاً وآجلاً، أي سالماً من عواقب الفساد، وقد نقل عن ابن عبّاس أنّ القسط قول لا إلٰه إلاّ هو، وإنّما يعني بذلك أنّ التّوحيد من أعظم القسط، وهذا إبطال للفواحش التي زعموا أنّ الله أمرهم بها لأنّ شيئاً من تلك الفواحش ليس بقسط، وكذلك اللّباس فإنّ التّعري تفريط، والمبالغة في وضع اللباس إفراطٌ، والعدل هو اللّباس الذي يستر العورة ويدفع أذى القرّ أو الحَرّ، وكذلك الطّعام فتحريم بعضه غلو، والاسترسال فيه نهامة، والوسط هو الاعتدال، فقوله: {أمر ربي بالقسط} كلام جامع لإبطال كلّ ما يزعمون أنّ الله أمرهم به ممّا ليس من قبيل القسط. ثمّ أعقبه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم عن الله: {أقيموا وجوهكم عند كل مسجد} فجملة: {وأقيموا} عطف على جملة: {أمر ربي بالقسط} أي قُلْ لأولئك المخاطبين أقيموا وجوهكم. والقصد الأوّل منه إبطال بعض ممّا زعموا أنّ الله أمرهم به بطريق أمرهم بضدّ ما زعموه ليحصل أمرهم بما يرضي الله بالتّصريح. وإبطالُ شيء زعموا أنّ الله أمرهم به بالالتزام، لأنّ الأمر بالشّيء نهي عن ضدّه، وإن شئت قلت لأنّ من يريد النّهي عن شيءٍ وفعلَ ضدّه يأمر بضدّه فيحصل الغرضان من أمره. وإقامة الوجوه تمثيل لكمال الإقبال على عبادة الله تعالى، في مواضع عبادته، بحال المتهيّىء لمشاهدة أمر مهم حين يُوجه وجهه إلى صَوْبه، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فذلك التّوجّه المحض يطلق عليه إقامة لأنّه جعل الوَجه قائماً، أي غير متغاضضٍ ولا متوان في التّوجّه، وهو في إطلاق القيام على القوّة في الفعل كما يقال: قامت السّوق، وقامت الصّلاة، وقد تقدّم في أوّل سورة البقرة (3) عند قوله: {أية : ويقيمون الصلاة} تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : فأقم وجهك للدين حنيفاً} تفسير : [الروم: 30] فالمعنى أنّ الله أمر بإقامة الوجوه عند المساجد، لأنّ ذلك هو تعظيم المعبود ومكان العبادة، ولم يأمر بتعظيمه ولا تعظيم مساجده بما سوى ذلك مثل التّعرّي، وإشراك الله بغيره في العبادة مناف لها أيضاً، وهذا كما ورد في الحديث: «حديث : المصلّي يناجي ربّه فلا يَبْصُقَنّ قِبل وجهه» تفسير : فالنّهي عن التّعرّي مقصود هنا لشمول اللّفظ إياه، ولدلالة السّياق عليه بتكرير الامتنان والأمرِ باللّباس: ابتداء من قوله: {أية : ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما} تفسير : [الأعراف: 20] إلى هنا. ومعنى: {عند كل مسجد} عند كلّ مكان متخَذ لعبادة الله تعالى، واسم المسجد منقول في الإسلام للمكان المعيَّن المحدود المتّخذ للصّلاة وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام} تفسير : في سورة العقود (2)، فالشّعائر التي يوقعون فيها أعمالاً من الحجّ كلّها مساجد، ولم يكن لهم مساجد غير شعائر الحجّ، فذِكر المساجد في الآية يعيّن أنّ المراد إقامة الوجوه عند التّوجّه إلى الله في الحجّ بأن لا يشركوا مع الله في ذلك غيرَه من أصنامهم بالنّية، كما كانوا وضعوا (هُبَلَ) على سطح الكعبة ليكون الطّواف بالكعبة لله ولهُبل، ووضعوا (إسافاً ونائلة) على الصّفا والمروة ليكون السّعي لله ولهما. وكان فريق منهم يهلّون إلى (منَاة) عند (المشلل)، فالأمر بإقامة الوجوه عند المساجد كلّها أمر بالتزام التّوحيد وكمال الحال في شعائر الحجّ كلّها، فهذه مناسبة عطف قوله: وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} عقب إنكار أن يأمر الله بالفحشاء من أحوالهم، وإثبات أنّه أمر بالقسط ممّا يضادها. وهذا الأمر وإن كان المقصود به المشركين لأنّهم المتّصفون بضدّه، فللمؤمنين منه حظّ الدّوام عليه، كما كان للمشركين حظّ الإعراض عنه والتّفريط فيه. والدّعاء في قوله: {وادعوه مخلصين له الدين} بمعنى العبادة أي اعبدوه كقوله: {أية : إن الذين تدعون من دون الله} تفسير : [الأعراف: 194]. والإخلاص تمحيض الشّيء من مخالطة غيره. والدّين بمعنى الطّاعة من قولهم دنت لفلان أي أطعته. ومنه سمّي الله تعالى: الديَّان، أي القهّار المذلّل المطوع لسائر الموجودات ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} تفسير : [البينة: 5]، والمقصد منها إبطال الشّرك في عبادة الله تعالى، وفي إبطاله تحقيق لمعنى القِسط الذي في قوله: {قل أمر ربي بالقسط} كما قدمناه هنالك، و{مخلصين}حال من الضّمير في ادعوه. وجملة: {كما بدأكم تعودون} في موضع الحال من الضّمير المستتر في قوله: {مخلصين} وهي حال مقدرة أي: مقدّرين عَودكم إليه وأنّ عودكم كبدئكم، وهذا إنذار بأنّهم مُؤاخدون على عدم الإخلاص في العبادة، فالمقصود منه هو قوله: {تعودون} أي إليه، وأدمج فيه قوله: {كما بدأكم} تذكيراً بإمكان البعث الذي أحالوه؛ فكان هذا إنذاراً لهم بأنّهم عائدون إليه فمُجَازَوْن عن إشراكهم في عبادته، وهو أيضاً احْتجاج عليهم على عدم جدوى عبادتهم غيرَ الله، وإثبات للبعث الذي أنكروه بدَفع موجب استبعادهم إياه، حين يقولون: {أية : أإذا مِتنَا وكنّا تراباً وعظاماً ءإنّا لمبعوثون}تفسير : [الواقعة: 47] ــــ ويقولون ــــ {أية : أإنا لمردودون في الحافرة أإذا كنّا عظاماً نَخِرة}تفسير : [النازعات: 10، 11] ونحو ذلك، بأنّ ذلك الخلق ليس بأعجبَ من خلقهم الأوّل كما قال تعالى: {أية : أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} تفسير : [ق: 15] وكما قال: {أية : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} تفسير : [الروم: 27] أي بنقيض تقدير استبعادهم الخلق الثّاني، وتذكير لهم بأنّ الله منفرد بخلقهم الثّاني، كما انفرد بخلقهم الأوّل، فهو منفرد بالجزاء فلا يغني عنهم آلهتهم شيئاً. فالكاف في قوله: {كما بدأكم تعودون} لتشبيه عود خلقهم ببدئه و(ما) مصدريّة والتّقدير: تعودون عوداً جديداً كبدئه إيَّاكم، فقدم المتعلِّق، الدّال على التّشبيه، على فعلِه، وهو تعودون، للاهتمام به، وقد فسّرت الآية في بعض الأقوال بمعان هي بعِيدة عن سياقها ونظمها. و{فريقاً} الأوّلُ والثّاني منصوبان على الحال: إمَّا من الضّمير المرفوع في {تعودون}، أي ترجعون إلى الله فريقين، فاكتُفي عن إجمال الفريقين ثم تفصيلِهما بالتّفصيل الدّال على الإجمال تعجيلاً بذكر التّفصيل لأنّ المقام مقام ترغيب وترهيب، ومعنى {فريقاً هدى}: أنّ فريقاً هداهم الله في الدّنيا وفريقاً حقّ عليهم الضّلالة، أي في الدّنيا، كما دلّ عليه التّعليل بقوله: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله}، وإمّا من الضّمير المستتر في قوله: {مخلصين} أي ادْعُوه مخلصين حال كونكم فريقين: فريقاً هداه الله للإخلاص ونبذِ الشّرك، وفريقاً دام على الضّلال ولازم الشّرك. وجملة: {هدى} في موضع الصّفة لفريقاً الأوّل، وقد حذف الرّابط المنصوب: أي هداكم الله، وجملة: {حق عليهم الضلالة} صفة {فريقاً} الثّاني. وهذا كلّه إنذار من الوقوع في الضّلالة، وتحذير من اتّباع الشّيطان، وتحريض على توخي الاهتداء الذي هو من الله تعالى، كما دلّ عليه إسناده إلى ضمير الجلالة في قوله: {هدى} فيعلم السّامعون أنّهم إذا رجعوا إليه فريقين كان الفريق المفلح هو الفريق الذين هداهم الله تعالى كما قال: {أية : أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} تفسير : [المجادلة: 22] وأنّ الفريق الخاسر هم الذين حَقّت عليه الضّلالة واتّخذوا الشّياطين أولياء من دون الله كما قال: {أية : أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} تفسير : [المجادلة: 19]. وتقديم {فريقاً الأوّل والثّاني على عامليهما للاهتمام بالتّفصيل. ومعنى: {حق عليهم الضلالة} ثبتت لهم الضّلالة ولزموها. ولم يقلعوا عنها، وذلك أنّ المخاطبين كانوا مشركين كلّهم، فلمّا أمروا بأن يعبدوا الله مخلصين افترقوا فريقين: فريقاً هداه الله إلى التّوحيد، وفريقاً لازم الشّرك والضّلالة، فلم يطرأ عليهم حال جديد. وبذلك يظهر حسن موقع لفظ: {حق}هنا دون أن يقال أضلّه الله، لأنّ ضلالهم قديم مستمر اكتسبوه لأنفسهم، كما قال تعالى في نظيره: {أية : فمنهم من هدى اللَّه ومنهم من حقت عليه الضلالة} تفسير : [النحل: 36] ــــ ثمّ قال ــــ {أية : إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} تفسير : [النحل: 37]، فليس تغيير الأسلوب بين: {فريقاً هدى} وبين {وفريقاً حق عليهم الضلالة} تحاشيا عن إسناد الإضلال إلى الله، كما توهمه صاحب «الكشاف»، لأنّه قد أسند الإضلال إلى الله في نظير هذه الآية كما علمت وفي آيات كثيرة، ولكنّ اختلاف الأسلوب لاختلاف الأحوال. وجُرد فعل حقّ عن علامة التّأنيث لأنّ فاعله غير حقيقي التّأنيث، وقد أظهرت علامة التّأنيث في نظيره في قوله تعالى: {أية : ومنهم من حقت عليه الضلالة}تفسير : [النحل: 36]. وقوله: {أية : إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} تفسير : استئناف مراد به التّعليل لجملة {أية : حقت عليه الضلالة}تفسير : [النحل: 36]، وهذا شأن (إنّ) إذا وقعت في صدر جملة عقب جملة أخرى أن تكون للرّبط والتّعليل وتغني غَنَاء الفاء، كما تقدّم غيرَ مرّة. والمعنى أنّ هذا الفريق، الذي حَقت عليهم الضّلالة، لمّا سمعوا الدّعوة إلى التّوحيد والإسلام، لم يطلبوا النّجاة ولم يتفكّروا في ضلال الشّرك البيِّن، ولكنّهم استوحوا شياطينهم، وطابت نفوسهم بوسوستهم، وائتمروا بأمرهم، واتّخذوهم أولياء، فلا جرم أن يدوموا على ضلالهم لأجل اتّخاذهم الشّياطين أولياء من دون الله. وعطف جملة: {ويحسبون} على جملة: {اتخذوا} فكان ضلالهم ضلالاً مركباً، إذ هم قد ضلّوا في الائتمار بأمر أيمّة الكفر وألياء الشّياطين، ولمّا سمعوا داعي الهُدى لم يتفكّروا، وأهملوا النّظر، لأنّهم يحسبون أنّهم مهتدون لا يتطرق إليهم شكّ في أنّهم مهتدون، فلذلك لم تخطر ببَالهم الحاجة إلى النّظر في صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم والحسبان الظنّ، وهو هنا ظن مجرّد عن دليل، وذلك أغلب ما يراد بالظنّ وما يرادفه في القرآن. وعطف هذه الجملة على التي قبلها، واعتبارهما سواء في الإخبار عن الفريق الذين حقّت عليهم الضّلالة، لقصد الدّلالة على أنّ ضلالهم حاصل في كلّ واحد من الخبرين، فولاية الشّياطين ضلالة، وحسبانهم ضلالهم هدى ضلالة أيضاً، سواء كان ذلك كلّه عن خطأ أو عن عناد، إذ لا عذر للضّال في ضلاله بالخطأ، لأنّ الله نصب الأدلّة على الحقّ وعلى التّمييز بين الحقّ والباطل.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ}. في هذه الآية الكريمة للعلماء وجهان من التفسير: الأول: أن معنى {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} أي كما سبق لكم في علم الله من سعادة أو شقاوة، فإنكم تصيرون إليه. فمن سبق له العلم بأنه سعيد صار إلى السعادة، ومن سبق له العلم بأنه شقي صار إلى الشقاوة، ويدل لهذا الوجه قوله بعده: {فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ}. وهو ظاهر كما ترى، ومن الآيات الدالة عليه أيضاً قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} تفسير : [التغابن: 2]، وقوله: {أية : وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُم} تفسير : [هود: 119] الآية، أي ولذلك الاختلاف إلى شقي، وسعيد خلقهم. الوجه الثاني: أن معنى قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}، أي كما خلقكم أولاً، ولم تكونوا شيئاً، فإنه يعيدكم مرة أخرى. ويبعثكم من قبوركم أحياء بعد أن متم وصرتم عظاماً رميماً، والآيات الدالة على هذا الوجه كثيرة جداً، كقوله: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا} تفسير : [الأنبياء: 104] الآية، وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه} تفسير : [الروم: 27] الآية، وقوله: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [يس: 79] الآية، وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [الحج: 5] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنه قد يكون في الآية وجهان، وكل واحد منهما حق، ويشهد له القرآن، فنذكر الجميع، لأنه كله حق، والعلم عند الله تعالى: قوله تعالى: {إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}. وبين تعالى في هذه الآية الكريمة، أن الكفار اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ومن تلك الموالاة طاعتهم لهم فيما يخالف ما شرعه الله تعالى، ومع ذلك يظنون أنفسهم على هدى. وبين في موضع آخر: أن من كان كذلك فهو أخسر الناس عملاً، والعياذ بالله تعالى، وهو قوله جل وعلا: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف: 103-104]. تنبيه هذه النصوص القرآنية تدل على أن الكافر لا ينفعه ظنه أنه على هدى، لأن الأدلة التي جاءت بها الرسل لم تترك في الحق لبساً ولا شبهة، ولكن الكافر لشدة تعصبه للكفر لا يكاد يفكر في الأدلة التي هي كالشمس في رابعة النهار لجاجاً في الباطل، وعناداً، فلذلك كان غير معذور. والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: القسط: العدل في القول والحكمة والعمل. أقيموا وجوهكم: أي أخلصوا العبادة لله واستقبلوا بيته. كما بدأكم تعودون: كما بدأ خلقكم أول مرة يعيدكم بعد الموت أحياء. أولياء من دون الله: يوالونهم محبة ونصرة وطاعة، من غير الله تعالى. زينتكم: أي البسوا ثيابكم عند الدخول في الصلاة. ولا تسرفوا: في أكل ولا شرب، والإِسراف مجاوزة الحد المطلوب في كل شيء. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان أخطاء مشركي قريش فقد قالوا في الآيات السابقة محتجين على فعلهم الفواحش بأنهم وجدوا آباءهم على ذلك وأن الله تعالى أمرهم بها وأكذبهم الله تعالى في ذلك وقال في هذه الآية [29] {قُلْ} يا رسولنا {أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} الذي هو العدل وهو الإِيمان بالله ورسوله وتوحيد الله تعالى في عبادته، وليس هو الشرك بالله وفعل الفواحش، والكذب على الله تعالى بأنه حلل كذا وهو لم يحلل، وحرم كذا وهو لم يحرم، وقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي وقل لهم يا رسولنا أقيموا وجوهكم عند كل مسجد أي أخلصوا لله العبادة، واستقبلوا بيته الحرام، {وَٱدْعُوهُ} سبحانه وتعالى {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي ادعوه وحده ولا تدعوا معه أحداً قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} يذكرهم بالدار الآخرة والحياة الثانية، فإن من آمن بالحياة بعد الموت والجزاء على كسبه خيراً أو شراً أمكنه أن يستقيم على العدل والخير طوال الحياة وقوله {فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} بيان لعدله وحكمته ومظاهر قدرته فهو المبدىء والمعيد والهادي والمضل، له الملك المطلق والحكم الأوحد، فكيف يعدل به أصنام وأوثان هدى فريقاً من عباده فاهتدوا، وأضل آخرين فضلوا ولكن بسبب رغبتهم عن الهداية وموالاتهم لأهل الغواية، {إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} فضلوا ضلالاً بعيداً {وَيَحْسَبُونَ} لتوغلهم في الظلام والضلال {أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}. وقوله تعالى: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي البسوا ثيابكم عند الطواف بالبيت فلا تطوفوا عراة، وعند الصلاة فلا تصلوا وأنتم مكشوفوا العورات كما يفعل المشركون المتخذون الشياطين أولياء فأضلتهم حتى زينت لهم الفواحش قولاً وفعلاً واعتقاداً. وقوله: {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} أي كلوا مما أحل الله لكم واشربوا، ولا تسرفوا بتحريم ما أحل الله، وشرع ما لم يشرع لكم فالزموا العدل، فإنه تعالى لا يحب المسرفين فاطلبوا حبه بالعدل، واجتنبوا بغضه بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. من هداية الآيات: 1- وجوب العدل في القول وفي الحكم. 2- وجوب اخلاص العبادة صلاةً كانت أو دعاءً لله تعالى. 3- ثبوت القدر. 4- وجوب ستر العورة في الصلاة. 5- حرمة الإِسراف في الأكل والشرب وفي كل شيء.
د. أسعد حومد
تفسير : (29) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ: أَمَرَ رَبِّي بِالاسْتِقَامَةِ وَالعَدْلِ فِي كُلِّ الأُمُورِ (بِالقِسْطِ)، فَأَقْسِطُوا وَتَوَجَّهُوا إِلَى اللهِ بِخُشُوعٍ وَحُضَورِ قَلْبٍ، عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ تَعْبُدُونَهُ فِيهِ، وَأَخْلِصُوا فِي عِبَادَتِهِ، وَكَمَا خَلَقَ اللهُ النَّاسَ وَلَمْ يَكُونُوا شَيْئاً، كَذَلِكَ هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْشُرَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُعِيدَهُمْ إِلى الحَيَاةِ، ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ وَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. وَاللهُ لاَ يَتَقَبَّلُ العَمَلَ مِنَ العَبْدِ إِلاَ إِذَا كَانَ مُسْتَجْمِعاً أَمْرَينِ: - الصَّوابَ وَمُوَافَقَةَ الشَّرِيعَةِ. - وَأَنْ يَكُونَ خَالِصاً لِوَجْهِ اللهِ بَعِيداً عَنِ الشِّرْكِ. بِالقِسْطِ - بِالعَدْلِ - وَهُوَ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ للهِ. أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ - تَوَجَّهُوا إِلَى عِبَادَتِهِ مُسْقَيمِينَ. عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ - فِي كُلِّ مَكَانِ سُجُودٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والقسط هو العدل من قسط قِسطاً، وأمّا قاسط فهي اسم فاعل من قسط قَسْطاً وقَسُوطاً أي جار وعدل عن الحق، والقاسطون هم المنحرفون والمائلون عن الحق والظالمون، كلمة العدل هي التسوية، فإن ملت إلى الحق، فذلك العدل المحبوب. وإن ملت إلى الباطل، فذلك أكره مكروه {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ}. وهذه جملة خبرية. {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 29] وهذا فعل أمر، وقد يتبادر إلى الذهن إن هذا من عطف الأمر على الخبر، ولكن لنلتفت أن الحق يعطفها على "قل"، فكأن المقصود هو أن يقول: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. والوجه هو السمة المعينة للشخص؛ لأن الإنسان إن أخفى وجهه لن تعرفه إلا أن كان له لباس مميز لا يرتديه الا هو. والوجه أشرف شيء في التكوين الجسمي، ولذلك كان السجود هو وضع الوجه في الأرض، وهذا منتهى الخضوع لأمر الله بالسجود؛ لأن السجود من الفاعل المختار وهو الإنسان يكون بوضع الجبهة على الأرض. وكل شيء خاضع لحكم الله نقول عنه: إنه ساجد. {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ...} تفسير : [الحج: 18] والشجر يسجد وهو نبات، والدواب تسجد وهي من جنس الحيوان، والشمس والقمر والنجوم والجبال من الجماد وهي أيضا ساجدة، لكن حين جاء الحديث عن الإنسان قسمها سبحانه وقال: {أية : وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ...} تفسير : [الحج: 18] لأن الإنسان له خاصية الاختيار، وبقية الكائنات ليس له اختيار. إذن فالسجود قد يكون لغير ذي وجه، والمراد منه مجرد الخضوع، أما الإنسان فالسجود يكون بالوجه ليعرف أنه مستخلف وكل الكائنات مسخرة لخدمته وطائعة وكلها تسبح ربنا، فإذا كان السيد الذي تخدمه كل هذه الأجناس حيواناً، ونباتاً، وجماداً قد وضع وجهه على الأرض فهو خاضع من أول الأمر حين نقول عنه إنه ساجد. {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ...} [الأعراف: 29] والإقامة أن تضع الشيء فيما هيىء له وخُلق وطُلب منه، وإن وجهته لناحية ثانية تكون قد ثنيته وأملته وحنيته، وعَوِّجته. إذن فإقامة الوجه تكون بالسجود؛ لأن الذي سخر لك هذا الوجود وحكمك بمنهج التكليف هو من جعلت وجهك في الأرض من أجله، وإن لم تفعل فأنت تختار الاعوجاج لوجهك، واعلم أن هذا الخضوع والخشوع والسجود لله لن يعطيك فقط السيادة على الأجناس الأخرى التي تعطيك خير الدنيا، ولكن وضع جبهتك ووجهك على الأرض يعطيك البركة في العمل ويعطيك خير الآخرة أيضاً. والعاقل هو من يعرف أنه أخذ السيادة على الأجناس فيتقن العبودية لله، فيأخذ خيري الدنيا والآخرة حيث لا يفوته فيها النعيم ولا يفوت هو النعيم، أما في الدنيا فأنت تقبل عليها باستخلاف وتعلم أنك قد يفوتك النعيم، أو تفوت أنت النعيم، وحين تتذكر الله وتكون خاضعاً لله فأنت تنال البركة في حركة الاستخلاف. {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ...} [الأعراف: 29] والمسجد مكان السجود، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون ". تفسير : إذن فكل موضع في الأرض مسجد؛ فإن دخلت معبداً لتصلي فهذا مسجد. والأرض كلها مسجد لك. يصح أن تسجد وتصلي فيها. وتزاول فيها عملك أيضا، ففي المصنع تزاول صنعتك فيه، وحين يأتي وقت الصلاة تصلي، وكذلك الحقل تصلي فيه، لكن المسجد الاصطلاحي هو المكان الذي حُبس على المسجدية وقصر عليها، ولا يزاول فيه شيء آخر. فإن أخذت المسجد على أن الأرض مسجد كلها تكن {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ} في جميع أنحاء الأرض. وإن أخذتها على المسجد، فالمقصود إقامة الصلاة في المكان المخصوص، وله متجه وهو الكعبة. وكذلك يكون اتجاهك وأنت تصلي في أي مكان. والمساجد نسميها بيوت الله ولكن باختيار خلق الله، فبعضنا يبني مسجداً هنا أو هناك. ويتجهون إلى بيت باختيار الله وهو الكعبة. ولذلك كانت كعبة ومتوجهاً لجميع بيوت الله. وقصارى الأمر أن نجعل قبلة المسجد متجهة إلى الكعبة وأن نقيم الوجه عليها، أي على الوجه الذي تستقيم فيه العبادة. وهو أن تتجهوا وأنتم في صلاتكم إلى الكعبة فهي بيت الله باختيار الله. وساعة ما تصادفك الصلاة صل في أي مسجد، أو {أَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} يقصد بها التوجه للصلاة في المسجد، وهنا اختلف العلماء، هل أداء الصلاة وإقامتها في المسجد ندباً أو حتماً؟. والأكثرية منهم قالوا ندباً، والأقلية قالوا حتماً. ونقول: الحتمية لا دليل عليها. من قال بحتمية الصلاة في المسجد استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسِ بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم . تفسير : ونقول: هل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أو لم يفعل؟ لم يفعل رسول الله ذلك، إنما أراد بالأمر التغليظ ليشجعنا على الصلاة في المساجد عند أي أذان للصلاة. ويقول الحق سبحانه: {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ...} [الأعراف: 29] والدعاء: طلب من عاجز يتجه به لقادر في فعل يحبه الداعي. وحين تدعو ربك ادعه مخلصاً له الدين بحيث لا يكون في بالك الأسباب؛ لأن الأسباب إن كانت في بالك فأنت لم تخلص الدين، لأن معنى الإِخلاص هو تصفية أي شيء من الشوائب التي فيه، والشوائب في العقائد وفي الأعمال تفسد الإِتقان والإِخلاص، وإياكم أن تفهموا أن أحداً لا تأتي له هذه المسألة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أنّي لَيُغَانُ على قلبي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة ". تفسير : إذن فالإِخلاص عملية قلبية، وأنت حين تدعوا الله ادعه دائماً عن اضطرار، ومعنى اضطرار. أن ينقطع رجاؤك وأملك بالأسباب كلها. فذهبت للمسبب، وما دمت مضطراً سيجيب ربنا دعوتك؛ لأنك استنفدت الأسباب، وبعض الناس يدعون الله عن ترف، فالإِنسان قد يملك طعام يومه ويقول: ارزقني، ويكون له سكن طيب ويقول: أريد بيتاً أملكه. إذن فبعضنا يدعو بأشياء لله فيها أسباب، فيجب أن نأخذ بها، وغالبية دعائنا عن غير اضطرار. وأنا أتحدى أن يكون إنسان قد انتهى به أمر إلى الاضطرار ولا يجيبه الله. ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: {...كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29] والله سبحانه يخاطب الإِنسان، ويحننه، مذكراً إياه بـ" افعل كذا" و"لا تفعل كذا". وسبحانه قادر أن يخلقه مرغماً على أن يفعل، لكنه - جل وعلا - شاء أن يجعل الإِنسان سيدا وجعله مختاراً، وقهر الأجناس كلها أن تكون مسخرة وفاعلة لما يريد، وأثبت لنفسه - سبحانه - صفة القدرة، ولا شيء يخرج عن قدرته؛ فأنت أيها العبد تكون قادراً على أن تعصي ولكنك تطيع، وهذه هي عظمة الإِيمان إنّها تثبت صفة المحبوبية لله، فإذا ما غُر الإِنسان بالأسباب وبخدمة الكون كله، وبما فيه من عافية، وبما فيه من قوة، وبما فيه من مال، تجد الحق يلفته: لاحظ أنك لن تنفلت مني: أنا أعطيت لك الاختيار في الدنيا، لكنك ترجع لي في الآخرة ولن تكون هناك أسباب، ولن تجد إلا المسبب، ولذلك اقرأ: {أية : ...لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] كأن المُلْكَ- قبل ذلك - أي في الدنيا - كان للبشر فيه شيء لمباشرتهم الأسباب هذا يملك، وذلك يملك، وآخر يوظف، لكن في الآخرة لا مالك، ولا مَلِكٌ إلا الله، فإياكم أن تغتروا بالأسباب، وأنها دانت لكم، وأنكم استطعتم أن تتحكموا فيها؛ لأن مرجعكم إلى الله. ويقول الحق بعد ذلك: {فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أمر الحق أنه بالحق بقوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} [الأعراف: 29] إلى {مُّهْتَدُونَ} [الأعراف: 30]. والإشارة فيها: أن القسط في قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ}؛ هو القسط إلى الله تعالى بجميع أسبابه النازلة من الله {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 29]؛ يعني: استقيموا في التوجه إلى الله عند كل صلاة وطاعة {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} [الأعراف: 29]؛ أي: اطلبوا منه ولا تطلبوا من غيره شيئاً، فإن المخلص من يكون مقصده ومطلوبه ومحبوبه في كل حال من الأحوال قبل القيام بالطاعة وعند القيام بها وبعد الفراغ منها. فإنكم {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29]؛ يعني: كما بدأكم منه تعودون إليه إما باللطف، وإمَّا بالقهر، فأما أهل الصدق فيعودون إليه على قدم الإخلاص، وصدق التوجه إلى الله تعالى وعدم الالتفات إلى ما سواه وهو قوله تعالى: {فَرِيقاً هَدَىٰ} [الأعراف: 30]، وأهل النار يسبحون في النار على وجههم، فإنهم توجهوا إلى الدنيا وزخارفها على قدم الشرك فضلوا عن سبيل الله وكانوا {وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} [الأعراف: 30]؛ وذلك لأن من سيرتهم {إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الأعراف: 30]، فإن الشياطين يتولون أمورهم على وفق طبعهم فيخرجونهم من نور الطاعة والعبودية إلى ظلمات الشرك والطبيعة فيغيرون بذلك، {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الأعراف: 30] فيؤديهم الحسبان دركات النيران. ثم أخبر عن سبيل الرشاد للعباد بقوله تعالى: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]؛ أي: عند كل طاعة ظاهرة وباطنه، قرينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وقد يقال: زينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود، فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية فشتان بين عبد وعبد، {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} [الأعراف: 31]؛ أي: وكلوا مما يأكلون أهل البيان في مقام العندية، واشربوا مما يشربون، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقينِ ". تفسير : {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، والإسراف نوعان: إفراط، وتفريط، فالإفراط: ما يكون فوق الحاجة الضرورية، أو على وفق الطبع والشهوة، أو على الغفلة، أو على ترك الأدب بالشره، أو على غير الذكر، والتفريط: أن ينقص من قدر الحاجة الضرورية ويقصر في حفظ القوة والطاقة للقيام بحق العبودية، أو يبالغ في أداء حق الربوبية بإهلاك نفسه فيضيع حقها، أو فيضيع حقوق الربوبية بحظوظ نفسه، أو يطبع حقوق القلب والروح والسر الذي هو مستعد لحصولها بحظوظ النفس؛ فالمعنى: لا تسرفوا لا تضيعوا حقوقنا ولا حقوقكم بحظوظكم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 284 : 6 : 5 - سفين عن وقآء بن أياس عن مجاهد {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} قال، يبعث المؤمن مؤمنا والكافر كافرا. [الآية 29]. 285: 7 : 6 - سفين عن الأعمش عن أبي سفين عن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، "حديث : يبعث كل عبد على ما مات عليه"تفسير : : المؤمن على إيمانه والكافر على كفره.
همام الصنعاني
تفسير : 888- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الآية: 29] قال: كما بدأهم فخلقهم ولم يكونوا شيئاً ثم ذهبوا، ثم يُعيدهم. 889- عبد الرزاق، قال مَعْمَر، قال الكلبي: {كَمَا بَدَأَكُمْ}: [الآية: 29]، كمَا خَلَقَهُمْ كذلك يعودون، مَنْ خَلَقَهُ مؤمناً وكافِراً أعَادَهُ كما بدأه. 890- عبد الرزاق، قال: أخبرني الثَّوري، عن وَقَاء بن إياس عن مجاهِد قال: يُبْعَثُ المؤمن مؤمِناً، والكافِر كافراً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):