٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الله تعالى لما أمر بالقسط في الآية الأولى، وكان من جملة القسط أمر اللباس وأمر المأكول والمشروب، لا جرم أتبعه بذكرهما، وأيضاً لما أمر بإقامة الصلاة في قوله: {أية : وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ }تفسير : [الأعراف: 29] وكان ستر العورة شرطاً لصحة الصلاة لا جرم أتبعه بذكر اللباس، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: إن أهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عُراة الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانوا إذا وصلوا إلى مسجد منى، طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عُراة. وقالوا: لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب، ومنهم من يقول: نفعل ذلك تفاؤلاً حتى نتعرى عن الذنوب كما تعرينا عن الثياب، وكانت المرأة منهم تتخذ ستراً تعلقه على حقويها، لتستتر به عن الحمس، وهم قريش، فإنهم كانوا لا يفعلون ذلك، وكانوا يصلون في ثيابهم، ولا يأكلون من الطعام إلا قوتاً، ولا يأكلون دسماً، فقال المسلمون: يا رسول الله فنحن أحق أن نفعل ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، أي: «البسوا ثيابكم وكلوا اللحم والدسم واشربوا ولا تسرفوا». المسألة الثانية: المراد من الزينة لبس الثياب، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } تفسير : [النور: 31] يعني الثياب، وأيضاً فالزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات، ولذلك صار التزيين بأجود الثياب في الجمع والأعياد سنة، وأيضاً أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: {أية : قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوٰرِى سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا } تفسير : [الأعراف: 26] فبين أن اللباس الذي يواري السوأة من قبيل الرياش والزينة، ثم إنه تعالى أمر بأخذ الزينة في هذه الآية، فوجب أن يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدم ذكره في تلك الآية فوجب حمل هذه الزينة على ستر العورة، وأيضاً فقد أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة ههنا لبس الثوب الذي يستر العورة، وأيضاً فقوله: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ } أمر والأمر للوجوب، فثبت أن أخذ الزينة واجب، وكل ما سوى اللبس فغير واجب، فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ } أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فهذا يدل على وجوب ستر العورة عنه إقامة كل صلاة، وههنا سؤالان: السؤال الأول: إنه تعالى عطف عليه قوله: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } ولا شك أن ذلك أمر إباحة فوجب أن يكون قوله: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ } أمر إباحة أيضاً. وجوابه: أنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه، وأيضاً فالأكل والشرب قد يكونان واجبين أيضاً في الحكم. السؤال الثاني: أن هذه الآية نزلت في المنع من الطواف حال العري. والجواب: أنا بينا في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } يقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة لأن اللبس التام هو الزينة. ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء، إجماعاً، فبقي الباقي داخلاً تحت اللفظ، وإذا ثبت أن ستر العورة واجب في الصلاة، وجب أن تفسد الصلاة عند تركه، لأن تركه يوجب ترك المأمور به، وترك المأمور به معصية، والمعصية توجب العقاب على ما شرحنا هذه الطريقة في الأصول. المسألة الثالثة: تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في مسألة إزالة النجاسة بماء الورد. فقالوا: أمرنا بالصلاة في قوله: {أية : أَقِيمُواْ الصلاة } تفسير : [الأنعام: 72] والصلاة عبارة عن الدعاء، وقد أتى بها، والإتيان بالمأمور به يوجب الخروج عن العهدة، فمقتضى هذا الدليل أن لا تتوقف صحة الصلاة على ستر العورة، إلا أنا أوجبنا هذا المعنى عملاً بقوله تعالى: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } ولبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ الزينة، فوجب أن يكون كافياً في صحة الصلاة. وجوابنا: أن الألف واللام في قوله: {أَقِيمُواْ الصلاة} ينصرفان إلى المعهود السابق، وذلك هو عمل الرسول صلى الله عليه وسلم، لم قلتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى في الثوب المغسول بماء الورد؟ والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } فاعلم أنا ذكرنا أن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا القليل، وكانوا لا يأكلون الدسم، يعظمون بذلك حجهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان فساد تلك الطريقة. والقول الثاني: أنهم كانوا يقولون أن الله تعالى حرم عليهم شيئاً مما في بطون الأنعام فحرم عليهم البحيرة والسائبة، فأنزل الله تعالى هذه الآية بياناً لفساد قولهم في هذا الباب. واعلم أن قوله: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } مطلق يتناول الأوقات والأحوال، ويتناول جميع المطعومات والمشروبات، فوجب أن يكون الأصل فيها هو الحل في كل الأوقات، وفي كل المطعومات والمشروبات إلا ما خصه الدليل المنفصل، والعقل أيضاً مؤكد له، لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة. وأما قوله تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُواْ } ففيه قولان: القول الأول: أن يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام، ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه. والقول الثاني: وهو قول أبي بكر الأصم: أن المراد من الإسراف، قولهم بتحريم البحيرة والسائبة، فإنهم أخرجوها عن ملكهم، وتركوا الانتفاع بها، وأيضاً أنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج أيضاً أشياء أحلها الله تعالى لهم، وذلك إسراف. واعلم أن حمل لفظ الإسراف على الاستكثار، مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع من لا يجوز وينبغي. ثم قال تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ } وهذا نهاية التهديد، لأن كل ما لا يحبه الله تعالى بقي محروماً عن الثواب، لأن معنى محبة الله تعالى العبد إيصاله الثواب إليه، فعدم هذه المحبة عبارة عن عدم حصول الثواب، ومتى لم يحصل الثواب، فقد حصل العقاب، لانعقاد الإجماع على أنه ليس في الوجود مكلف، لا يثاب ولا يعاقب. ثم قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرّزْقِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن هذه الآية ظاهرها استفهام، إلا أن المراد منه تقرير الإنكار، والمبالغة في تقرير ذلك الإنكار، وفي الآية قولان: القول الأول: أن المراد من الزينة في هذه الآية اللباس الذي تُسْتَر به العورة، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، وكثير من المفسرين. والقول الثاني: أنه يتناول جميع أنواع الزينة، فيدخل تحت الزينة جميع أنواع التزيين، ويدخل تحتها تنظيف البدن من جميع الوجوه، ويدخل تحتها المركوب، ويدخل تحتها أيضاً أنواع الحلي، لأن كل ذلك زينة، ولولا النص الوارد في تحريم الذهب والفضة والإبريسم على الرجال لكان ذلك داخلاً تحت هذا العموم، ويدخل تحت الطيبات من الرزق، كل ما يستلذ ويشتهيى من أنواع المأكولات والمشروبات، ويدخل أيضاً تحته التمتع بالنساء وبالطيب. وروي عن عثمان بن مظعون: أنه أتى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: غلبني حديث النفس، عزمت على أن أختصي، فقال: «حديث : مهلاً يا عثمان إن خصاء أمتي الصيام» تفسير : قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب. قال: «حديث : إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلاة فقال: تحدثني نفسي بالسياحة»تفسير : . فقال: «حديث : سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة» تفسير : فقال: إن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك، فقال: «حديث : الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم اليتيم والمسكين فتعطيه أفضل من ذلك» تفسير : فقال: إن نفسي تحدثني أن أطلق خولة فقال: «حديث : إن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله»تفسير : قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها. قال: «حديث : إن المسلم إذا غشى أهله أو ما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإذا كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كان له شفيعاً ورحمة يوم القيامة»تفسير : قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم قال: «حديث : مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله»تفسير : قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب. قال: «حديث : مهلاً فإن جبريل أمرني بالطيب غباً وقال لا تتركه يوم الجمعة»تفسير : ثم قال: «حديث : يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإن من رغب عن سنتي ومات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي»تفسير : . واعلم أن هذا الحديث يدل على أن هذه الشريعة الكاملة تدل على أن جميع أنواع الزينة مباح مأذون فيه، إلا ما خصه الدليل، فلهذا السبب أدخلنا الكل تحت قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ }. المسألة الثانية: مقتضى هذه الآية أن كل ما تزين الإنسان به، وجب أن يكون حلالاً، وكذلك كل ما يستطاب وجب أن يكون حلالاً، فهذه الآية تقتضي حل كل المنافع، وهذا أصل معتبر في كل الشريعة، لأن كل واقعة تقع، فإما أن يكون النفع فيها خالصاً، أو راجحاً أو الضرر يكون خالصاً أو راجحاً، أو يتساوى الضرر والنفع، أو يرتفعا. أما القسمان الأخيران، وهو أن يتعادل الضرر والنفع، أو لم يوجدا قط ففي هاتين الصورتين، وجب الحكم ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً، وجب الإطلاق بمقتضى هذه الآية، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً يقابل المثل بالمثل، ويبقى القدر الزائد نفعاً خالصاً، فيلتحق بالقسم الذي يكون النفع فيه خالصاً، وإن كان الضرر خالصاً، كان تركه خالص النفع، فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً، فكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة، ثم إن وجدنا نصاً خالصاً في الواقعة، قضينا في النفع بالحل، وفي الضرر بالحرمة، وبهذا الطريق صار جميع الأحكام التي لا نهاية لها داخلاً تحت النص ثم قال نفاة القياس. فلو تعبدنا الله تعالى بالقياس، لكان حكم ذلك القياس. إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام، وحينئذ يكون ضائعاً، لأن هذا النص مستقل به. وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس مخصصاً لعموم هذا النص، فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس. قالوا: وبهذا الطريق يكون القرآن وحده وافياً ببيان كل أحكام الشريعة، ولا حاجة معه إلى طريق آخر، فهذا تقرير قول من يقول: القرآن واف ببيان جميع الوقائع. والله أعلم. وأما قوله تعالى: {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} ففيه مسألتان: المسألة الأولى: تفسير الآية هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة لهم، لأن المشركين شركاؤهم فيها خالصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد. فإن قيل: هلا قيل للذين آمنوا ولغيرهم؟ قلنا: فهم منه التنبيه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة، وأن الكفرة تبع لهم، كقوله تعالى: {أية : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ } تفسير : [البقرة: 126] والحاصل: أن ذلك تنبيه على أن هذه النعم إنما تصفوا عن شوائب الرحمة يوم القيامة أما في الدنيا فإنها تكون مكدرة مشوبة. المسألة الثانية: قرأ نافع {خَالِصَةٌ } بالرفع والباقون بالنصب، قال الزجاج: الرفع على أنه خبر بعد خبر، كما تقول: زيد عاقل لبيب، والمعنى: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة. قال أبو علي: ويجوز أن يكون قوله: {خَالِصَةٌ } خبر المبتدأ وقوله: {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } متعلقاً بخالصة. والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا وأما القراءة بالنصب، فعلى الحال والمعنى: أنها ثابتة للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة. ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ نُفَصِلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } ومعنى تفصيل الآيات قد سبق وقوله: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي لقوم يمكنهم النظر به والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {يَابَنِيۤ آدَمَ} هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عرياناً؛ فإنه عامٌّ في كل مسجد للصلاة. لأن العبرة للعُموم لا للسّبب. ومن العلماء من أنكر أن يكون المراد به الطواف؛ لأن الطواف لا يكون إلا في مسجد واحد، والذي يعم كل مسجد هو الصلاة. وهذا قول مَن خفي عليه مقاصد الشريعة. وفي صحيح مسلم عن ٱبن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول: من يُعِيرُني تِطْوَافاً؟ تجعله على فرجها. وتقول:شعر : اليومَ يَبْدُو بعضُه أو كلّه وما بَدَا منه فلا أحِلّه تفسير : فنزلت هذه الآية: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. التطْواف (بكسر التاء). وهذه المرأة هي ضُباعة بنت عامر بن قُرْط؛ قاله القاضي عياض. وفي صحيح مسلم أيضاً عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحُمْس، والحُمْسُ قريش وما ولدت، كانوا يطوفون بالبيت عُراةً إلا أن تعطيهم الحُمْسُ ثياباً فيعطي الرجالُ الرجالَ والنساءُ النساءَ. وكانت الحمس لا يخرجون من المُزْدَلِفة، وكان الناس كلهم يقفون بعرفات. في غير مسلم: ويقولون نحن أهل الحَرَم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا. فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يُعيره ثوباً ولا يَسارٌ يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عُرياناً، وإما أن يطوف في ثيابه؛ فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد. وكان ذلك الثوب يسمى اللَّقَى؛ قال قائل من العرب:شعر : كفَى حَزَنا كَريِّ عليه كأنّه لَقًى بين أيدي الطائفين حَرِيمُ تفسير : فكانوا على تلك الجهالة والبدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله تعالى: {يَابَنِيۤ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ} الآية. وأذَّن مؤذِّن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ألا لا يطوف بالبيت عُرْيَان.تفسير : قلت: ومن قال بأن المراد الصلاة فزينتها النعال؛ لما رواه كُرْز بن وَبْرَة عن عطاء عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم: حديث : «خذوا زينة الصلاة» قيل: وما زينة الصلاة؟ قال: «البسوا نعالكم فَصلّوا فيها».تفسير : الثانية ـ دلت الآية على وجوب ستر العورة كما تقدّم. وذهب جمهور أهل العلم إلى أنها فرض من فروض الصلاة. وقال الأبهرِيّ هي فرض في الجملة، وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين الناس في الصلاة وغيرها. وهو الصحيح؛ لـحديث : قوله عليه السلام لِلْمِسْوَر بن مَخْرَمَة: «ٱرجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عُراة»تفسير : . أخرجه مسلم. وذهب إسماعيل القاضي إلى أن ستر العورة من سُنَن الصلاة، وٱحتج بأنه لو كان فرضاً في الصلاة لكان العُريان لا يجوز له أن يصلي؛ لأن كل شيء من فروض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة عليه، أو بدله مع عدمه، أو تسقط الصلاة جملة، وليس كذلك. قال ٱبن العربيّ: وإذا قلنا أن ستر العورة فرض في الصلاة فسقط ثوب إمامٍ فٱنكشف دُبُره وهو راكع فرفع رأسه فغطّاه أجزأه؛ قاله ٱبن القاسم. وقال سُحْنون: وكل من نظر إليه من المأمومِين أعاد. وروى عن سحنون أيضاً: أنه يعيد ويعيدون؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، فإذا ظهرت بطلت الصلاة ـ أصله الطهارة ـ قال القاضي ٱبن العربيّ: أما من قال إن صلاتهم لا تبطل فإنهم لم يفقدوا شرطاً، وأما من قال إنْ أخذه مكانه صَحّت صلاته وتبطل صلاة من نظر إليه فصحيفة يجب محوها ولا يجوز الاشتغال بها. وفي البخارِيّ والنسائِيّ عن عمرو بن سلمة قال: لما رجع قومي من عند النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا قال: «حديث : ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن»تفسير : . قال: فدعوني فعلَّموني الركوع والسجود؛ فكنت أُصلِّي بهم وكانت عليَّ بردة مفتوقة، وكانوا يقولون لأبي: ألا تُغَطِّي عنا ٱسْتَ ٱبنك. لفظ النسائيّ. وثبت عن سهل بن سعد قال: لقد كانت الرجال عاقدي أَزُرِهم في أعناقهم من ضيق الأُزُر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة كأمثال الصبيان؛ فقال قائل: يا معشر النساء، لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع الرجال. أخرجه البخارِيّ والنسائِي وأبو داود. الثالثة ـ وٱختلفوا إذا رأى عورة نفسه؛ فقال الشافعيّ: إذا كان الثوب ضيقاً يُزرّه أو يخلِّله بشيء لئلا يتجافى القميص فتُرى من الجيب العورة، فإن لم يفعل ورأى عورة نفسه أعاد الصلاة. وهو قول أحمد. ورخّص مالك في الصلاة في القميص محلول الأزرار، ليس عليه سراويل. وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور. وكان سالِم يُصلي محلول الأزرار. وقال داود الطائي: إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به. وحكى معناه الأَثْرم عن أحمد. فإن كان إماماً فلا يصلي إلا بردائه؛ لأنه من الزينة. وقيل: من الزينة الصلاة في النعلين؛ رواه أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يصحّ. وقيل: زينة الصلاة رفع الأيدي في الركوع وفي الرفع منه. قال أبو عمر: لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي. وقال عمر رضي الله عنه: إذا وَسّع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم، جمع رجل عليه ثيابه، صلَّى في إزار ورِداء، في إزار وقميص، في إزار وقَبَاء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقَباء ـ وأحسبه قال: في تُبَّان وقميص ـ في تُبَّان ورداء، في تُبَّان وقَباء. رواه البخارِيّ والدارقطنِيّ. الرابعة ـ قوله تعالى: {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} قال ٱبن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفاً أو مَخِيلة. فأمّا ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سدّ الجَوْعة وسكَّن الظّمأ، فمندوب إليه عقلاً وشرعاً، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس؛ ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال؛ لأنه يُضعف الجسد ويُميت النفس، ويُضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه الشرع ويدفعه العقل. وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظٌّ من بَرٍّ ولا نصيب من زهد؛ لأن ما حرِمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثواباً وأعظم أجراً. وقد ٱختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين: فقيل حرام، وقيل مكروه. قال ٱبن العربيّ: وهو الصحيح؛ فإن قدر الشبع يختلف بٱختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطّعمان. ثم قيل: في قِلّة الأكل منافع كثيرة؛ منها أن يكون الرجل أصح جسماً وأجود حِفظاً وأزكى فهما وأقل نوماً وأخف نفساً. وفي كثرة الأكل كَظَّ المعدة ونتن التُّخْمة، ويتولّد منه الأمراض المختلفة، فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل. وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء. وقد بين النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بياناً شافياً يُغنِي عن كلام الأطباء فقال: «حديث : ما ملأ آدميٌّ وعاء شراً من بطن بحسْب ٱبن آدم لُقيمات يقمن صُلْبَه فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلث لنفسَه»تفسير : . خرّجه الترمذيّ من حديث المِقْدام بن مَعْدِي كرِب. قال علماؤنا: لو سمع بُقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصرانِيّ حاذق فقال لعليّ بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان. فقال له عليّ: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا. فقال له: ما هي؟ قال قوله عز وجل: {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ}. فقال النصرانِيّ: ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب. فقال عليّ: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة. قال: ما هي؟ قال: «حديث : المعِدة بيت الأدواء والحِمْيَةُ رأسُ كلّ دواء وأعط كل جسد ما عوّدته»تفسير : . فقال النصرانِيّ: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبّاً. قلت: ويقال إن معالجة المريض نصفان: نصفٌ دواءٌ ونصف حِمْية. فإن ٱجتمعا فكأنك بالمريض قد برأ وصَحّ، وإلاّ فالحِمية به أولى؛ إذ لا ينفع دواء مع ترك الحِمية. ولقد تنفع الحِمية مع ترك الدواء. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أصل كل دواء الحِمية»تفسير : . والمعنيّ بها ـ والله أعلم ـ أنها تغني عن كلّ دواء؛ ولذلك يقال: إن الهند جُلّ معالجتهم الحِمية، يمتنع المريض عن الأكل والشرب والكلام عدّةَ أيام فيبرأ ويصح. الخامسة ـ روى مسلم عن ٱبن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في مِعًى واحد»تفسير : . وهذا منه صلى الله عليه وسلم حضُّ على التقليل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالبُلْغَة. وقد كانت العرب تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته. كما قال قائلهم:شعر : تكفيه فِلْذةِ كبْد إن أَلمّ بها من الشِّواء ويُرْوي شُرْبَهُ الغُمَرُ تفسير : وقالت أُمُّ زَرْع في ٱبن أبي زرع: ويُشبعه ذراعُ الجفْرَة. وقال حاتم الطائي يذم بكثرة الأكل:شعر : فإنك إن أعطيتَ بطنك سُؤْلَه وفرجَك نالا مُنتهى الذَّمّ أجمعا تفسير : وقال الخَطّابيّ: معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المؤمنُ يأكل في مِعًى واحد» تفسير : أنه يتناول دون شبعه، ويؤثِر على نفسه ويُبقي من زاده لغيره؛ فيقنعه ما أكل. والتأويل الأوّل أولى والله أعلم. وقيل في قوله عليه السلام: «حديث : والكافر يأكل في سبعة أمعاء»تفسير : ليس على عمومه؛ لأن المشاهدة تدفعه، فإنه قد يوجد كافر أقلّ أكلاً من مؤمن، ويُسلم الكافرُ فلا يَقِلّ أكله ولا يزيد. وقيل: هو إشارة إلى معيَّن. ضاف النبيّ صلى الله عليه وسلم ضيفٌ كافر يقال: إنه الجَهْجَاه الغِفارِيّ. وقيل: ثُمَامة بن أثَال. وقيل: نَضْلة بن عمرو الغِفَاريّ. وقيل: بَصْرة بن أبي بصرة الغِفاريّ. فشرب حِلاَب سبع شياهٍ، ثم إنه أصبح فأسلم فشرِب حلاب شاةٍ فلم يَستتمّه؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك. فكأنه قال هذا الكافر. والله أعلم. وقيل: إن القلب لما تنور بنور التوحيد نظر إلى الطعام بعين التقوِّي على الطاعة، فأخذ منه قدر الحاجة، وحين كان مُظلِماً بالكفر كان أكله كالبهيمة ترتع حتى تَثْلِط. واختلف في هذه الأمعاء، هل هي حقيقة أم لا؟ فقيل: حقيقة، ولها أسماء معروفة عند أهل العلم بالطب والتشريح. وقيل: هي كنايات عن أسباب سبعة يأكل بها النَّهِم: يأكل للحاجة والخبر والشم والنظر واللمس والذوق ويزيد استغناماً. وقيل: المعنى أن يأكل أكل من له سبعة أمعاء. والمؤمن بخفة أكله يأكل أكل من ليس له إلا مِعًى واحد؛ فيشارك الكافر بجزء من أجزاء أكله، ويزيد الكافر عليه بسبعة أمثاله. والمِعَى في هذا الحديث هو المعدة. السادسة: وإذا تقرّر هذا فٱعلم أنه يستحب للإنسان غسلُ اليد قبل الطعام وبعده؛ لقوله عليه السلام: «حديث : الوضوء قبل الطعام وبعده بركة»تفسير : . وكذا في التوراة. رواه زَاذَان عن سَلْمان. وكان مالك يكره غسل اليد النظيفة. والاقتداء بالحديث أوْلى. ولا يأكل طعاماً حتى يعرف أحارًّا هو أم بارداً؟ فإنه إن كان حارًّا فقد يتأذّى. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أبْرِدُوا بالطعام فإن الحارّ غيرُ ذي بركة» تفسير : حديث صحيح. وقد تقدّم في «البقرة». ولا يشمّه فإن ذلك من عمل البهائم، بل إن ٱشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، ويصغّر اللقمة ويكثر مضغها لئلا يُعَدّ شَرِها. ويُسمّي الله تعالى في أوّله ويحمده في آخره. ولا ينبغي أن يرفع صوته بالحمد إلا أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الأكل؛ لأن في رفع الصوت منْعاً لهم من الأكل. وآداب الأكل كثيرة، هذه جملة منها. وسيأتي بعضها في سورة «هود» إن شاء الله تعالى. وللشراب أيضاً آداب معروفة، تركنا ذكرها لشهرتها. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله».تفسير : السابعة: قوله تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} أي في كثرة الأكل، وعنه يكون كثرة الشُّرب، وذلك يثقل المعدة، ويثبّط المعدة، ويثبّط الإنسان عن خدمة ربّه، والأخذِ بحظه من نوافل الخير. فإن تعدّى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه القيام بالواجب عليه حُرم عليه، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه. روى أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جُحَيْفَة عن أبيه قال: أكلت ثريداً بلحم سمين، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا أتَجشَّى؛ فقال: «حديث : ٱكفف عليك من جُشائك أبا جحيفة فإن أكثر الناس شِبَعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة»تفسير : . فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق الدنيا، وكان إذا تغدّى لا يتعشى، وإذا تعشَّى لا يتغدّى. قلت: وقد يكون هذا معنى قولِه عليه السلام: «حديث : المؤمن يأكل في مِعًى واحد»تفسير : أي التام الإيمان؛ لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكر فيما يصير إليه من أمر الموت وما بعده؛ فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته. والله أعلم. وقال ابن زيد: معنى «وَلاَ تَسْرِفُوا» لا تأكلوا حراماً. وقيل: «حديث : مِن السرف أن تأكل كل ما ٱشتهيت»تفسير : . رواه أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، خرّجه ابن ماجه في سننه. وقيل: من الإسراف الأكل بعد الشبع. وكل ذلك محظور. وقال لقمان لابنه: يا بنيّ لا تأكل شبعاً فوق شبع، فإنك إن تنبذه للكلب خير من أن تأكله. وسأل سَمُرة بن جُنْدُب عن ٱبنه ما فعل؟ قالوا: بشِم البارحة. قال: بَشمٰ فقالوا: نعم. قال: أما إنه لو مات ما صليت عليه. وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسِماً في أيام حجهم، ويكتفون باليسير من الطعام، ويطوفون عراة. فقيل لهم: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} أي لا تسرفوا في تحريم ما لم يحرّم عليكم.
البيضاوي
تفسير : {يَـٰبَنِى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ} ثيابكم لمواراة عورتكم. {عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ} لطواف أو صلاة، ومن السنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة، وفيه دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة. {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} ما طاب لكم. روي: أن بني عامر في أيام حجهم كانوا لا يأكلون الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً يعظمون بذلك حجهم فهم المسلمون به، فنزلت. {وَلاَ تُسْرِفُواْ } بتحريم الحلال، أو بالتعدي إلى الحرام، أو بإفراط الطعام والشره عليه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. وقال علي ابن الحسين بن واقد: قد جمع الله الطب في نصف آية فقال: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا). {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي لا يرتضي فعلهم. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ} من الثياب وسائر ما يتجمل به. {ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} من النبات كالقطن والكتان، والحيوان كالحرير والصوف، والمعادن كالدروع. {وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرّزْقِ} المستلذات من المآكل والمشارب. وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإِباحة، لأن الاستفهام في من للإنكار. {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} بالأصالة والكفرة وإن شاركوهم فيها فتبع. {خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} لا يشاركهم فيها غيرهم، وانتصابها على الحال. وقرأ نافع بالرفع على أنها خبر بعد خبر. {كَذَلِكَ نُفَصِلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي كتفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام لهم.
ابن كثير
تفسير : هذه الآية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه؛ من الطواف بالبيت عراة؛ كما رواه مسلم والنسائي وابن جرير، واللفظ له من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول:شعر : اليومَ يبدو بعضُه أو كلُّه وما بدا منه فلا أُحِلُّه تفسير : فقال الله تعالى: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وقال العوفي: عن ابن عباس في قوله: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الآية، قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد، وهكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك ومالك، عن الزهري وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت عراة، وقد روى الحافظ بن مردويه من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي، عن قتادة، عن أنس مرفوعاً: أنها نزلت في الصلاة في النعال، ولكن في صحته نظر، والله أعلم، ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب؛ لأنه من الزينة؛ والسواك؛ لأنه من تمام ذلك. ومن أفضل اللباس البياض؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، وصححه عن ابن عباس مرفوعاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر» تفسير : هذا حديث جيد الإسناد، رجاله على شرط مسلم ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وللإمام أحمد أيضاً وأهل السنن بإسناد جيد عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عليكم بثياب البياض فالبسوها؛ فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم» تفسير : وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين: أن تميماً الداري اشترى رداء بألف، وكان يصلي فيه، وقوله تعالى: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} الآية، قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف آية: {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ}. وقال البخاري: قال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب مالم يكن سرفاً أو مخيلة، إسناده صحيح، وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا همام عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف؛ فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده» تفسير : ورواه النسائي وابن ماجه من حديث قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سليمان بن سليم الكلبي، حدثنا يحيى بن جابر الطائي، سمعت المقدام بن معديكرب الكندي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان فاعلاً لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» تفسير : ورواه النسائي والترمذي من طرق عن يحيى بن جابر به، وقال الترمذي: حسن، وفي نسخة: حسن صحيح. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا بقية عن يوسف بن أبي كثير عن نوح بن ذكوان عن الحسن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت» تفسير : ورواه الدارقطني في الأفراد، وقال: هذا حديث غريب تفرد به بقية، وقال السدي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك ما أقاموا في الموسم، فقال الله تعالى لهم: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} الآية، يقول: لا تسرفوا في التحريم، وقال مجاهد: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} يقول: ولا تأكلوا حراماً، ذلك الإسراف، وقال عطاء الخراساني: عن ابن عباس قوله: {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} في الطعام والشراب، وقال ابن جرير: وقوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} يقول الله تعالى: إن الله لا يحب المتعدين حده في حلال أو حرام، الغالين فيما أحل أو حرّم؛ بإحلال الحرام، أو بتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يحلل ما أحل، ويحرم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَٰبَنِى ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ } ما يستر عورتكم {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } عند الصلاة والطواف {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } ما شئتم {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ }.
الشوكاني
. تفسير : هذا خطاب لجميع بني آدم، وإن كان وارداً على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والزينة ما يتزين به الناس من الملبوس، أمروا بالتزين عند الحضور إلى المساجد للصلاة والطواف. وقد استدلّ بالآية على وجوب ستر العورة في الصلاة، وإليه ذهب جمهور أهل العلم، بل سترها واجب في كل حال من الأحوال، وإن كان الرجل خالياً كما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة، والكلام على العورة وما يجب ستره منها مفصل في كتب الفروع. قوله: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ * وَلاَ تُسْرِفُواْ } أمر الله سبحانه عباده بالأكل والشرب، ونهاهم عن الإسراف، فلا زهد في ترك مطعم ولا مشرب، وتاركه بالمرّة قاتل لنفسه، وهو من أهل النار، كما صح في الأحاديث الصحيحة، والمقلل منه على وجه يضعف به بدنه ويعجز عن القيام بما يجب عليه القيام به من طاعة أو سعي على نفسه، وعلى من يعول مخالفاً لما أمر الله به وأرشد إليه، والمسرف في إنفاقه على وجه لا يفعله إلا أهل السفه، والتبذير مخالف لما شرعه الله لعباده واقع في النهي القرآني؛ وهكذا من حرّم حلالاً أو حلل حراماً، فإنه يدخل في المسرفين ويخرج عن المقتصدين. ومن الإسراف الأكل لا لحاجة، وفي وقت شبع. قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } الزينة: ما يتزين به الإنسان، من ملبوس أو غيره من الأشياء المباحة، كالمعادن التي لم يرد نهي عن التزين بها، والجواهر ونحوها؛ وقيل الملبوس خاصة، ولا وجه له، بل هو من جملة ما تشمله الآية، فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة الغالية القيمة إذا لم يكن مما حرّمه الله، ولا حرج على من تزين بشيء من الأشياء التي لها مدخل في الزينة، ولم يمنع منها مانع شرعي، ومن زعم أن ذلك يخالف الزهد فقد غلط غلطاً بيناً. وقد قدّمنا في هذا ما يكفي، وهكذا الطيبات من المطاعم والمشارب ونحوهما، مما يأكله الناس، فإنه لا زهد في ترك الطيب منها، ولهذا جاءت الآية هذه معنونة بالاستفهام المتضمن للإنكار على من حرّم ذلك على نفسه، أو حرّمه على غيره. وما أحسن ما قال ابن جرير الطبري: ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان، مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل البقول والعدس، واختاره على خبز البرّ، ومن ترك أكل اللحم خوفاً من عارض الشهوة. وقد قدّمنا نقل مثل هذا عنه مطوّلاً. والطيبات المستلذات من الطعام؛ وقيل هو اسم عام لما طاب كسباً ومطعماً. قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ } أي: أنها لهم بالأصالة، وإن شاركهم الكفار فيها ما داموا في الحياة {خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي: مختصة بهم يوم القيامة، لا يشاركهم فيها الكفار. وقرأ نافع «خالصة» بالرفع، وهي قراءة ابن عباس، على أنها خبر بعد خبر. وقرأ الباقون بالنصب على الحال. قال أبو علي الفارسي: ولا يجوز الوقف على الدنيا؛ لأن ما بعدها متعلق بقوله: {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } حال منه بتقدير: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة، قوله: {كَذَلِكَ نُفَصِلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي: مثل هذا التفصيل نفصل الآيات المشتملة على التحليل والتحريم. قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ٱلْفَوٰحِشَ } جمع فاحشة. وقد تقدّم تفسيرها {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي: ما أعلن منها وما أسرّ، وقيل: هي خاصة بفواحش الزنا، ولا وجه لذلك؛ والإثم يتناول كل معصية يتسبب عنها الإثم؛ وقيل: هو الخمر خاصة؛ ومنه قول الشاعر:شعر : شربت الإثم حتى ضلّ عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول تفسير : ومثله قول الآخر:شعر : يشرب الإثم بالصواع جهارا تفسير : وقد أنكر جماعة من أهل العلم على من جعل الإثم خاصاً بالخمر. قال النحاس: فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك، وحقيقته أنه جميع المعاصي، كما قال الشاعر:شعر : إني وجدت الأمر أرشده تقوى الإلٰه وشرّه الإثم تفسير : قال الفراء: الإثم ما دون الحق والاستطالة على الناس انتهى. وليس في إطلاق الإثم على الخمر ما يدل على اختصاصه به، فهو أحد المعاصي التي يصدق عليها. قال في الصحاح: وقد يسمى الخمر إثماً، وأنشد:شعر : شربت الإثم تفسير : البيت، وكذا أنشده الهروي قبله في غريبته. قوله: {وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } أي: الظلم المجاوز للحد، وأفرده بالذكر بعد دخوله فيما قبله لكونه ذنباً عظيماً كقوله: {أية : وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْى } تفسير : [النحل: 90] {وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } أي: وأن تجعلوا لله شريكاً لم ينزل عليكم به حجة. والمراد التهكم بالمشركين، لأن الله لا ينزل برهاناً بأن يكون غيره شريكاً له: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } بحقيقته وأن الله قاله، وهذا مثل ما كانوا ينسبون إلى الله سبحانه من التحليلات والتحريمات التي لم يأذن بها. وقد أخرج ابن أبي شيبة، ومسلم، والنسائي، وغيرهم، عن ابن عباس، أن النساء كنّ يطفن عراة إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة وتقول:شعر : اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله تفسير : فنزلت: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عنه، في الآية قال: كان الرجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة. والزينة: اللباس وما يواري السوءة، وما سوى ذلك من جيد البرّ والمتاع. وأخرج ابن عدي، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذوا زينة الصلاة، قالوا: وما زينة الصلاة؟ قال: البسوا نعالكم فصلوا فيها»تفسير : . وأخرج العقيلي، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قول الله: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } قال: صلوا في نعالكم. والأحاديث في مشروعية الصلاة في النعل كثيرة جداً، وأما كون ذلك هو تفسير الآية كما روي في هذين الحديثين فلا أدري كيف إسنادهما. وقد ورد النهي عن أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، وهو في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي هريرة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس، قال: أحلّ الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفاً أو مخيلة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ } قال: في الطعام والشراب. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله سبحانه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال: كانت قريش تطوف بالبيت، وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ } فأمروا بالثياب أن يلبسوها. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ } قال: ينتفعون بها في الدنيا لا يتبعهم فيها مأثم يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن الضحاك {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ } قال: المشركون يشاركون المؤمنين في زهرة الدنيا، وهي خالصة يوم القيامة للمؤمنين دون المشركين. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس {وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرّزْقِ } قال: الودك، واللحم، والسمن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها، وهو قول الله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً }تفسير : [يونس: 59] وهذا هذا، فأنزل الله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرّزْقِ قُلْ هِى لِلَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } يعني: شارك المسلمون الكفار في الطيبات في الحياة الدنيا، فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من جياد ثيابها ونكحوا من صالحي نسائها، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: ما ظهر منها العرية، وما بطن الزنا، وكانوا يطوفون بالبيت عراة. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، في الآية قال: ما ظهر منها طواف الجاهلية عراة، وما بطن الزنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {وَٱلإِثْمَ } قال المعصية {وَٱلْبَغْىَ } قال: أن يبغي على الناس بغير حق.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يَا بِنِي ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمُ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن ذلك وارد في ستر العورة في الطواف على ما تقدم ذكره، قاله ابن عباس، والحسن، وعطاء، وقتادة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم. والثاني: أنه وارد في ستر العورة في الصلاة، قاله مجاهد، والزجاج. والثالث: أنه وارد في التزين بأجمل اللباس في الجمع والأعياد. والرابع: أنه أراد به المشط لتسريح اللحية. {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} يعني ما أحله الله لكم. ويحتمل أن يكون هذا أمر بالتوسع في الأعياد. {وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسُرِفِينَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لا تسرفوا في التحريم، قاله السدي. والثاني: معناه لا تأكلوا حراماً فإنه إسراف، قاله ابن زيد. والثالث: لا تسرفوا في أكل ما زاد على الشبع فإنه مضر، وقد جاء في الحديث: "حديث : أَصْلُ كُلِّ دَاءٍ البردة"تفسير : ، يعني التخمة. ويحتمل تأويلاً رابعاً: لا تسرفوا في الإنفاق. وقوله: {إِنَّهُ لاَ يحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: لا يحب أفعالهم في السرف. والثاني: لا يحبهم في أنفسهم لأجل السرف.
ابن عطية
تفسير : هذا خطاب عام لجميع العالم وأمروا بهذه الأشياء بسبب عصيان حاضري ذلك الوقت من مشركي العرب فيها، والزينة ها هنا الثياب الساترة قاله مجاهد والسدي، وقال طاوس: الشملة من الزينة. قال القاضي أبو محمد: ويدخل فيها ماكان من الطيب للجمعة والسواك وبدل الثياب وكل ما وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به مستعمله الخيلاء، و {عند كل مسجد} عند كل موضع سجود فهي إشارة إلى الصلوات وستر العورة فيها هذا هو مهم الأمر، ويدخل مع الصلاة مواطن الخير كلها، ومع ستر العورة ما ذكرناه من الطيب للجمعة وغير ذلك، وذكر مكي حديثاً أن معنى {خذوا زينتكم} صلوا في النعال، وما أحسبه يصح. وقوله تعالى: {وكلوا واشربوا} نهي عما كانوا التزموه من تحريم اللحم والودك في أيام الموسم، قال السدي وابن زيد، وتدخل مع ذلك أيضاً البحيرة والسائبة ونحو ذلك، وقد نص على ذلك قتادة وقال إن البحيرة وما جانسها هي المراد بقوله تعالى: {والطيبات من الرزق} ، وقوله تعالى: {ولا تسرفوا} معناه ولا تفرطوا، قال أهل التأويل: يريد ولا تسرفوا بأن تحرموا على أنفسكم مالم يحرم الله عز وجل، قال ابن عباس: ليس في الحلال سرف إنما السرف في ارتكاب المعاصي. قال القاضي أبو محمد: يريد في الحلال القصد، واللفظ يقتضي النهي عن السرف مطلقاً فمن تلبس بفعل حرام فتأول تلبسه به حصل من المسرفين وتوجه النهي عليه، ومن تلبس بفعل مباح فإن مشى فيه على القصد وأوساط الأمور فحسن، وإن أفرط حتى دخل الضرر حصل أيضاً من المسرفين وتوجه النهي عليه، مثل ذلك أن يفرط الإنسان في شراء ثياب ونحوها ويستنفد في ذلك جل ماله أو يعطي ماله أجمع ويكابد بعياله الفقر بعد ذلك ونحوه، فالله عز وجل لا يحب شيئاً من هذا، وقد نهت الشريعة عنه، ولذلك وقف النبي عليه السلام بالموصي عند الثلث، وقال بعض العلماء: لو حط الناس إلى الربع لقول النبي عليه السلام "حديث : والثلث كثير"تفسير : ، وقد قال ابن عباس في هذه الآية، أحل الله الأكل والشرب مالم يكن سرفاً أو مخيلة. وأمر الله عز وجل نبيه عليه السلام أن يسألهم عمن حرم ما أحل الله على جهة التوبيخ والتقرير وليس يقتضي هذا السؤال جواباً، وإنما المراد منه التوقيف على سوء الفعل، وذكر بعض الناس أن السؤال والجواب جاء في هذه الآية من جهة واحدة وتخيل قوله: {قل هي للذين آمنوا} جواباً. قال القاضي أبو محمد: وهذا نظر فاسد ليس ذلك بجواب السؤال ولا يقتضي هذا النوع من الأسئلة جواباً، و {زينة الله} هي ما حسنته الشريعة وقررته. وزينة الدنيا هي كل ما اقتضته الشهوة وطلب العلو في الأرض كالمال والبنين وهي الزينة التي فضل الشرع عليها، وقوله: {والطيبات} قال الجمهور يريد المحللات، وقال الشافعي وغيره يريد المستلذات. قال القاضي أبو محمد: إلا أن ذلك ولا بد يشترط فيه أن يكون من الحلال، وإنما قاد الشافعي إلى هذا تحريمه المستقذرات كالوزغ وغيرها فإنه يقول هي من الخبائث محرمة. وقوله تعالى: {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة}. قرأ نافع وحده "خالصةٌ" بالرفع والباقون "خالصةً" بالنصب، والآية تتأول على معنيين أحدهما أن يخبر أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصة يوم القيامة للمؤمنين في الدنيا، وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون، فقوله {في الحياة الدنيا} متعلق بـ {آمنوا}. وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير، فإنه قال {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا} ينتفعون بها في الدنيا ولا يتبعهم إثمها، وقوله "خالصةٌ" بالرفع خبر هي، و {للذين} تبيين للخلوص، ويصح أن يكون خالصة خبراً بعد خبر، و {يوم القيامة} يريد به وقت الحساب، وقرأ قتادة والكسائي "قل هي لمن آمن في الحياة الدنيا"، والمعنى الثاني هو أن يخبر أن هذه الطيبات الموجودات هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا وإن كانت أيضاً لغيرهم معهم وهي يوم القيامة خالصة لهم أي لا يشركهم أحد في استعمالها في الآخرة، وهذا قول ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة والسدي وابن جريج وابن زيد، فقوله: {في الحياة الدنيا} على هذا التأويل متعلق بالمحذوف المقدر في قوله {للذين آمنوا} كأنه قال هي خالصة أو ثابتة في الحياة الدنيا للذين آمنوا، و"خالصةٌ" بالرفع خبر بعد خبر، أو خبر ابتداء مقدر تقديره: وهي خالصة يوم القيامة، و {يوم القيامة} يراد به استمرار الكون في الجنة، وأما من نصب "خالصةً" فعلى الحال من الذكر الذي في قوله {للذين آمنوا} ، التقدير هي ثابتة أو مستقرة للذين آمنوا في حال خلوص لهم، والعامل فيها ما في اللام من معنى الفعل في قوله {للذين} . وقال أبو علي في الحجة: ويصح أن يتعلق قوله: {في الحياة الدنيا} بقوله {حرم} ولا يصح أن يتعلق بـ {زينة} لأنها مصدر قد وصف، ويصح أن يتعلق بقوله {أخرج لعباده} ويجوز ذلك وإن فصل بين الصلة والموصول بقوله: {قل هي للذين آمنوا} لأن ذلك كلام يشد القصة وليس بأجنبي منها جداً كما جاء في قوله: {أية : والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة} تفسير : [يونس:27] فقوله {وترهقهم ذلة} معطوف على {كسبوا} داخل في الصلة، والتعلق بـ {أخرج} هو قول الأخفش ويصح أن يتعلق بقوله: {والطيبات}. ويصح أن يتعلق بقوله: {من الرزق} ويصح أن يتعلق بقوله {آمنوا}. قال القاضي أبو محمد: وهذا الأخير هو أصح الأقوال على هذا التأويل الأول فيما رتبناه هنا، وأما على التأويل الآخر فيضعف معنى الآية هذه المتعلقات التي ذكر أبو علي وإنما يظهر أن يتعلق المحذوف المقدر في قوله {للذين آمنوا} وقوله تعالى: {كذلك} تقدير الكلام أي كما فصلنا هذه الأشياء المتقدمة الذكر فكذلك وعلى تلك الصورة نفصل الآيات أي نبين الأمارات والعلامات والهدايات لقوم لهم علم ينتفعون به، و {نفصل} معناه نقسم ونبين لأن بيان الأمور المشبهات إنما هو في تقسيمها بالفصول.
ابن عبد السلام
تفسير : {خُذُواْ زِينَتَكُمْ} ستر العورة في الطواف، أو في الصلاة أو التزين بأجمل اللباس في الجمع والأعياد، أو أراد المشط لتسريح اللحية وهو شاذ. {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} ما أحلَّ لكم {وَلا تُسْرِفُواْ} في التحريم، أو لا تأكلوا حراماً، أو لا تأكلوا ما زاد على الشبع.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال "كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول من يعيرني تطوافاً تجعله على فرجها وهي تقول: شعر : اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله تفسير : فنزلت هذه الآية {خذوا زينتكم عند كل مسجد} أخرجه مسلم وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال بالنهار والنساء بالليل" وذكر الحديث زاد في رواية أخرى عنه فأمرهم الله تعالى أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا. وقال مجاهد: كان حي من أهل اليمن كان أحدهم إذا قدم حاجاً أو معتمراً يقول لا ينبغي لي أن أطوف في ثوب قد عصيت فيه فيقول من يعيرني مئزراً فإن قدر عليه وإلا طاف عرياناً فأنزل الله تعالى فيه ما تسمعون خذوا زينتكم عند كل مسجد. وقال الزهري: إن العرب كانت تطوف بالبيت عراة إلا الحمس وهم قريش وأحلافهم فمن جاء من غير الحمس وضع ثيابه وطاف في ثوب أحمسي ويرى أنه لا يحل له أن يلبس ثيابه فإن لم يجد من يعيره من الحمس فإنه يلقي ثيابه ويطوف عرياناً وإن طاف في ثياب نفسه ألقاها إذا قضى طوافه وحرمها أي جعلها حراماً عليه فلذلك قال الله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد، والمراد من الزينة لبس الثياب التي تستر العورة. قال مجاهد: ما يواري عوراتكم ولو عباءة. وقال الكلبي: الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد كطواف وصلاة وقوله تعالى: خذوا زينتكم، أمر وظاهره الوجوب وفيه دليل على أن ستر العورة واجب في الصلاة والطواف وفي كل حال. وقوله تعالى: {وكلوا واشربوا} قال الكلبي كانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجهم إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون نحن أحق أن نفعل ذلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل وكلوا واشربوا يعني الدسم واللحم {ولا تسرفوا} يعني بتحريم ما لم يحرمه الله من أكل اللحم والدسم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كل ما شئت واشرب ما شئت والبس ما شئت ما أخطأ بك خصلتان سرف ومخيلة" وقال علي بن الحسين بن واقد: قد جمع الله الطب كله في نصف آية فقال: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} وفي الآية دليل على أن جميع المطعومات والمشروبات حلال إلا ما خصه الشرع دليل في التحريم لأن الأصل في جميع الأشياء الإباحة إلا ما حظره الشارع وثبت تحريمه بدليل منفصل {إنه لا يحب المسرفين} يعني أن الله تعالى لا يحب من إسراف المأكول والمشروب والملبوس وفي هذه الآية وعيد وتهديد لمن أسرف في هذه الأشياء لأن محبة الله تعالى عبارة عن رضاه عن العبد وأيضاً. وإيصال الثواب إليه وإلا لم يحبه علم أنه تعالى ليس هو راض عنه فدلت الآية على الوعيد الشديد في الإسراف قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} يعني قل يا محمد لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون بالبيت عراة من حرم عليكم زينة الله التي خلقها لعباده أن تتزينوا بها وتلبسوها في الطواف وغيره ثم في تفسير الزينة قولان: أحدهما: وهو قول جمهور المفسرين أن المراد من الزينة هنا اللباس الذي يستر العورة. والقول الثاني: ذكر الإمام فخر الدين الرازي أنه يتناول جميع أنواع الزينة فيدخل تحته جميع أنواع الملبوس والحلي، ولولا أن النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير على الرجال لدخلا في هذا العموم ولكن النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير على الرجال دون النساء {والطيبات من الرزق} يعني ومن حرم الطيبات من الرزق التي أخرجها الله لعباده وخلقها لهم ثم ذكروا في معنى الطيبات في هذه الآية أقوالاً: أحدها أن المراد بالطيبات اللحم والدسم الذي كانوا يحرمونه على أنفسهم أيام الحج يعظمون بذلك حجهم فرد الله تعالى بقوله: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}. القول الثاني: وهو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة: أن المراد بذلك ما كان أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسوائب. قال ابن عباس رضي الله عنهما إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون أشياء أحلها الله تعالى من الرزق وغيرها وهو قول الله تعالى: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً وهو هذا وأنزل الله قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. والقول الثالث: إن الآية على العموم فيدخل تحته كل ما يستلذ ويشتهى من سائر المطعومات إلا ما نهى عنه وورد نص بتحريمه {قل هي للذين آمنوا} يعني قل يا محمد إن الطيبات التي أخرج الله من رزقه للذين آمنوا {في الحياة الدنيا} غير خالصة لهم لأنه يشركهم فيها المشركون {خالصة} لهم {يوم القيامة} يعني لا يشركهم فيها أحد لأنه لا حظ للمشركين يوم القيامة في الطيبات من الرزق، وقيل: خالصة لهم يوم القيامة من التكدير والتنغيص والغم لأنه قد يقع لهم في الحياة الدنيا في تناول الطيبات من الرزق كدر وتنغيص فأعلمهم أنها خالصة لهم في الآخرة من ذلك كله {كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون} يعني كذلك نبين الحلال مما أحللت والحرام مما حرمت لقوم علموا إني أنا الله وحدي لا شريك لي فأحلّوا حلالي وحرّموا حرامي. قوله عز وجل: {قل إنما حرم ربي الفواحش} جمع فاحشة وهي ما قبح وفحش من قول أو فعل، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يتجردون من الثياب ويطوفون بالبيت عراة ويحرمون أكل الطيبات مما أحل الله لهم إن الله لم يحرم ما تحرمونه أنتم بل أحله الله لعباده وطيبه لهم وإنما حرم ربي الفواحش من الأفعال والأقوال {ما ظهر منها وما بطن} يعني علانيته وسره (ق). عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا أحد أغير من الله"تفسير : من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه. أصل الغيرة ثوران القلب وهيجان الحفيظة بسبب المشاركة فيما يختص به الإنسان ومنه غيرة أحد الزوجين على الآخر لاختصاص كل واحد منهما بصاحبه ولا يرضى أن يشاركه أحد فيه فلذلك يذب عنه ويمنعه من غيره وأما الغيرة في وصف الله تعالى فهو منعه من ذلك وتحريمه له ويدل على ذلك قوله: ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وقد يحتمل أن تكون غيرته تغيير حال فاعل ذلك بعقاب والله أعلم. وقوله تعالى: {والإثم} يعني وحرم الإثم واختلفوا في الفرق بين الفاحشة والإثم فقيل الفواحش الكبائر لأنه قد تفاحش قبحها وتزايدَ والإثم عبارة عن الصغائر من الذنوب فعلى هذا يكون معنى الآية: قل إنما حرم ربي الكبائر والصغائر. وقيل الفاحشة اسم لما يجب فيه الحد من الذنوب والإثم اسم لما لا يجب فيه الحد، وهذا القول قريب من الأول واعترض على هذين القولين بأن الإثم في أصل اللغة الذنب فيدخل فيه الكبائر والصغائر، وقيل: إن الفاحشة اسم للكبيرة والإثم اسم لمطلق الذنب سواء كان كبيراً أو صغيراً والفائدة فيه أن يقال لما حرم الله الكبيرة بقوله: {قل إنما حرم ربي الفواحش} أردفه بتحريم مطلق الذنب لئلا يتوهم متوهم أن التحريم مقصور على الكبائر فقط وقيل إن الفاحشة وإن كانت بحسب اللغة اسماً لكل ما تفاحش من قول أو فعل لكنه قد صار في العرف مخصوصاً بالزنا لأنه إذا أطلق لفظ الفاحشة لم يفهم منه إلا ذاك نوجب حمل لفظ الفاحشة على الزنا وأما الإثم فقد قيل إنه اسم من أسماء الخمر وهو قول الحسن وعطاء. قال الجوهري وقد تسمى الخمر إثماً واستدل عليه بقول الشاعر: شعر : شربتُ الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول تفسير : وقال ابن سيده صاحب المحكم: وعندي أن تسمية الخمر بالإثم صحيح لأن شربها إثم وبهذا المعنى يظهر الفرق بين اللفظين وأنكر أبو بكر بن الأنباري تسمية الخمر بالإثم قال لأن العرب ما سمته إثماً قط في جاهلية ولا في إسلام ولكن قد يكون الخمر داخلاً تحت الإثم لقوله: قل فيهما إثم كبير. وقوله تعالى: {والبغي} أي وحرم البغي {بغير الحق} والبغي هو الظلم والكبر والاستطالة على الناس ومجاوزة الحد في ذلك كله ومعنى البغي بغير الحق هو أن يطلب ما ليس له بحق فإذا طلب ما له بحق خرج من أن يكون بغياً {وأن تشركوا} أي وحرم أن تشركوا {بالله ما لم ينزل به سلطاناً} هذا فيه تهكم بالمشركين والكفار لأنه لا يجوز أن ينزل حجة وبرهاناً بأن يشرك به غيره لأن الإقرار بشيء ليس على ثبوته حجة ولا برهاناً ممتنع فلما امتنع حصول الحجة والبينة على صحة القول بالشرك وجب أن يكون باطلاً على الإطلاق فإن قلت البغي والإشراك داخلان تحت الفاحشة والإثم لأن الشرك من أعظم الفواحش وأعظم الإثم وكذا البغي أيضاً من الفواحش والإثم. قلت: إنما أفردهما بالذكر للتنبيه على عظم قبحهما أنه قال من الفواحش المحرمة البغي والشرك فكأنه بين جملته ثم تفصيله وقوله {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} تقدم تفسيره.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَـٰبَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الآية: هذا خطاب عَامٌ لجميع العالم كما تقدم، وأمروا بهذه الأَشْيَاءِ بسبب عصيان حاضري ذلك الوقت من مُشْرِكِي العَرَبِ فيها، والزينة الثياب الساترة. قاله مجاهد وغيره. و{عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي: عند كل مَوْضِعِ سُجُودٍ، فهي إشارة إلى الصلوات، وستر العورة فيها. * ت *: ومن المستحسن هنا ذكر شيء مما جاء في اللِّبَاسِ، فمن أحسن الأحاديث في ذلك، وأصحها ما رواه مالِكٌ في «الموطأ» عن أبي سَعيدٍ الخدري، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : إنَّ أُزْرَةَ المُؤْمِنِ إِلى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لا جُنَاحَ عليه فيما بينه وبَيْنَ الكَعْبَيْنِ ما أَسْفَلَ من ذَلِكَ، ففي النَّارِ » تفسير : قال ذلك ثلاث مرات: « حديث : لاَ يَنْظُرُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَراً ». تفسير : وحدث أبو عمر في «التمهيد» بسنده عن ابن عُمَرَ قال: فيما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الإزَارِ فهو في القَمِيصِ يعني ما تَحْتَ الكَعْبَيْنِ من القَمِيصِ في النار، كما قال في الإزَارِ، وقد روى أبو خيثمة زهير بن مُعَاوِيةَ قال: سمعت أَبا إِسْحَاقَ السبيعي يقول: أدركتهم وقمصهم إلى نِصْفِ الساق أو قريب من ذلك، وكُمُّ أحدهم لا يُجَاوِزُ يَدَهُ انتهىٰ. وروى أبو داود عن أسماء بنت يَزِيدَ قالت: كانت يَدُ كُمِّ قَمِيصِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الرّسْغ، وأما أحبُّ اللِّبَاسِ فما رواه أبو داود عن أم سلمة؛ قالت: كان أحبّ الثياب إلى رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم القميص. انتهى. وجاء في المُسْبِلِ وَعيدٌ شديد؛ وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل أَسْبَلَ إزاره: « حديث : إن هذا كان يصلي وهو مُسْبِلٌ إزَارَهُ وإِن اللَّه لا يَقْبَلُ صَلاَةَ رَجُلٍ مسبل إزاره » تفسير : رواه أبو داود. انتهى. وقوله سبحانه: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} إباحة لما التزموه من تَحْرِيمِ اللحم، والودك في أيام المواسم. قاله ابن زَيْدٍ وغيره، ويدخل في ذلك البَحِيرَةُ والسائبة، ونحو ذلك نصّ على ذلك قَتَادَةُ. وقوله سبحانه: {وَلاَ تُسْرِفُواْ} معناه: ولا تفرطوا. قال أهل التأويل: يريد تُسْرِفُوا بأن تحرموا ما لم يُحَرِّمِ اللَّه عز وجل واللفظةَ تَقْتَضِي النهي عن السَّرَفِ مُطْلَقاً، ومن تَلَبَّسَ بفعلٍ مباح، فإن مشى فيه على القَصْدِ، وأوسط الأمور، فحسن، وإن أفْرَطَ جعل أيضاً من المسرفين. وقال ابن عَبَّاس في هذه الآية: أحلَّ اللَّه الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفاً أو مخيلة. قال ابن العربي: قوله تعالى: {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ} الإِسْرَافُ تَعَدِّي الحد، فنهاهم سبحانه عن تعدي الحَلاَل إلى الحرام. وقيل: لا يزيد على قَدْرِ الحاجة، وقد اختلف فيه على قولين؛ فقيل حرام. وقيل: مكروه، وهو الأصح. فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البُلْدَانِ، والأَزْمَانِ، والإِنسان، والطعمان. انتهى من «أحكام القرآن».
ابن عادل
تفسير : لمَّا أمرنا بإقامة الصَّلاةِ بقوله: {أية : وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}تفسير : [الأعراف: 29]. وكان ستر العورة شَرْطا لصحَّةِ الصَّلاةِ أتبعه بذكر اللِّباس. قال ابْنُ عبَّاس: إنَّ أهل الجاهليَّةِ من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عُرَاة، وكانوا إذا وصلوا إلى مَسْجِدِ "منى" طرحوا ثيابهم، وأتوا المسجد عُرَاةً، وقالوا: لا نَطوفُ بثيابٍ أصبنا فيها الذَّنوب، ومنهم من يقولُ: نفعلُ ذلك تفاؤلاً حتى نتعرى من الذُّنُوب كما تعرّينا عن الثياب، وكانت المرأة منهم تتخذ ستراً تعلّقه على حقويها لتستتر به عن الحُمْس وهم قريشٌ، فإنَّهُم كانُوا لا يَفْعَلُون ذلك، وكانوا يطوفون في ثيابهم، ولا يأكلون من الطعام إلاَّ قوتاً قال الكَلْبِيُّ: كانت بَنُو عامر لا يأكُلُونَ في أيَّام حجِّهم من الطعام إلا قوتاً، ولا يأكلون دسماً، يعظِّمُون بذلك حجهم فقال المسلمون يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحقُ أن نَفْعَلَ ذلك فنزلت هذه الآية. و "كُلُوا" يعني: اللحم والدسم. {وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} بتحريم ما أحلَّ الله لكم من اللحم والدسم. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} الذين يفعلون ذلك. قال ابن عباس: "كُلْ ما شِئْتَ، والبَسْ ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة". قال عَلِيُّ بْنُ الحُسينِ بنِ واقدٍ: وقد جمع اللَّهُ الطبَّ كلَّه في نصف آية: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ}. فصل في معنى "الزينة" المراد من الزِّينة لبس الثيابِ لقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ}تفسير : [النور: 31]. يعني: الثّياب. والزينة لا تحصل إلا بالسّتر التام للعورات، ولذلك صار التزين بأخذ الثياب في الجمع والأعياد سُنَّة، فوجب حمل الزينة على ستر العورة. وقد أجمع المُفسرون على أن المراد بالزِّينةِ هنا لبس الثياب التي تستر العورة، وقد أمر بها بقوله: "خُذُوا زينتَكُم"، والأمرُ للوجوبِ، فثَبَتَ أنَّ أخذ الزِّينةِ واجب، وكل ما سوى اللبس فهو واجب، فوجب حمل الزِّنةِ على اللبس عملاً بالنَّصِّ بقدر الإمكان، فدلَّ على وُجُوبِ ستر العورة عند إقامة الصَّلاة. فإن قيل: إنَّهُ عطف عليه قوله: "كُلُوا واشْرَبُوا"، وذلك أمر إباحة، فوجب أن يكون قوله: "خُذُوا زِينَتَكُم" أمر إباحة أيضاً والجواب لا يلزم من ترك الظَّاهر المعطوف تركه في المعطوف عليه وأيضاً فدلالة الاقتران ضعيفة، وأيضاً الأكل والشرب قد يكونان واجبين أيضاً في الجملة. فإن قيل هذه الآية وردت في المنع من الطواف حال العري. فالجواب: أن العِبْرَة بعموم اللَّفْظِ لا بخصوص السَّبب. إذا ثبت ذلك فقوله {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} يقتضي وجوب اللِّبس التَّام عند كل صلاةٍ؛ لأن اللبس التام هو الزينة. ترك العمل به في القدر الذي لا يجبُ ستره من الأعْضَاءِ إجماعاً، فبقي الباقي داخلاً تحت اللفظ. فصل في الأصل في الأكل الحل قوله: {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} مطلق، يتناول جميع المطعومات والمشروبات، فوجب أن يكون الأصل فيها الحلُّ في كل الأوقات إلا ما خصَّه الدَّليل المنفصلُ، والعقل يؤكده؛ لأنَّ الأصْلَ في المنافع الحلُّ والإبَاحَةُ. فصل في وجوب ستر العورة قال القُرْطُبِيُّ: دلَّت هذه الآيةُ على وُجُوبِ ستْرِ العوْرَةِ، وعلى إباحةِ الأكْل والشرب ما لم يكن سرفاً، فأمَّا ما تدعو الحاجة إليه وهو ما يسدُّ الجوعة ويسكن الظمأ مندوب إليه عقلاً وشرعاً؛ لما فيه من حفظ النَّفْس وحراسة الحواس، ولذلك ورد الشَّرْع بالنَّهي عن الوصالِ؛ لأنَّهُ يضعف الجسد، ويضعف عن العبادة. قوله: "ولا تُسْرِفُوا". قيل: المرادُ أن يأَكل ويشرب بحيث لا يتعدَّى إلى الحرامِ، ولا يكثر الإنفاق المستَقْبَح، ولا يتناول مقداراً كثيراً يضرُّ به. وقال أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المراد بالإسراف قولهم: تحريم البحيرة والسّائبة، فإنَّهُم أخرجوها عن ملكهم، وتَرَكُوا الانتفاع بها، وحرَّموا على أنفسهم في الحجِّ أشياء أحَلَّها الله لهم، وذلك إسراف. واعلم أنَّ حمل لفظ الإسْرَاف على الاستكثارِ [و] مما لا ينبغي أولى من حمله على المَنْعِ مما يَجُوزُ ويَنْبَغِي. وقوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} نهاية في التهديد؛ لأن كل من لا يحبُّه الله يبقى محروماً عن الثَّواب؛ لأنَّ معنى محبَّة الله للعبد إيصال الثَّواب إليه، فعدمُ هذه المحبَّة عبارةٌ عن عدم حصول الثَّوابِ، ومتى لم يحصل الثَّوابُ فقد حصل العِقَابُ لانعقاد الإجماع على أنَّهُ ليس في الوُجُودِ مكلّف لا يثابُ ولا يُعاقب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس: أن النساء كن يطفن عراة إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة، وتقول: شعر : اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله تفسير : وأخرج عبد حميد عن سعيد بن جبير قال: كان الناس يطوفون بالبيت عراة يقولون: لا نطوف في ثياب اذنبنا فيها، فجاءت امرأة فألقت ثيابها وطافت، ووضعت يدها على قلبها وقالت: شعر : اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله تفسير : فنزلت هذه الآية {خذوا زينتكم عند كل مسجد} إلى قوله {والطيبات من الرزق} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {خذوا زينتكم عند كل مسجد} قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة، والزينة اللباس، وهو ما يواري السوءة وما سوى ذلك من جيّد البز والمتاع . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {خذوا زينتكم عند كل مسجد} قال: ما وارى العورة ولو عباءة . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله {خذوا زينتكم عند كل مسجد} قال: الثياب . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن طاوس قال: الشملة من الزينة. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، يأتون البيوت من ظهورها فيدخلونها من ظهورها، وهم حي من قريش يقال لهم الحمس، فأنزل الله {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة حتى ان كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة، فأنزل الله {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} قال: كانوا يطوفون عراة بالليل، فأمرهم الله تعالى أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت العرب إذا حجوا فنزلوا أدنى الحرم، نزعوا ثيابهم ووضعوا رداءهم ودخلوا مكة بغير رداء، إلا أن يكون للرجل منهم صديق من الحمس فيعيره ثوبه ويطعمه من طعامه، فأنزل الله {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} . وأخرج ابن حميد وأبو الشيخ عن عطاء قال: كان المشركون في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله {خذوا زينتكم عند كل مسجد} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كان حي من أهل اليمن يطوفون بالبيت وهم عراة، إلا أن يستعير أحدهم مئزراً من ميازر أهل مكة فيطوف فيه، فأنزل الله {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن طاوس في الآية قال: لم يأمرهم بلبس الحرير والديباج ، ولكنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، وكانوا إذا قدموا يضعون ثيابهم خارجاً من المسجد ثم يدخلون، وكان إذا دخل رجل وعليه ثيابه يضرب وتنزع منه ثيابه، فنزلت هذه الآية {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} . وأخرج ابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خذوا زينة الصلاة قالوا: وما زينة الصلاة؟ قال: البسوا نعالكم فصلوا فيها ". تفسير : وأخرج العقيلي وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله {خذوا زينتكم عند كل مسجد} قال "حديث : صلوا في نعالكم " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مما أكرم الله به هذه الأمة لبس نعالهم في صلاتهم ". تفسير : وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا نعالهم " . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه أو لِيُصَلِّ فيهما " . تفسير : وأخرج أبو يعلى بسند ضعيف عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : زين الصلاة الحذاء " . تفسير : وأخرج البزار بسند ضعيف عن أنس " حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خالفوا اليهود وصلوا في نعالكم، فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا في نعالهم " . تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من تمام الصلاة الصلاة في النعلين " . تفسير : وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: يا معشر الأنصار حمِّرُوا وصفِّروا وخالفوا أهل الكتاب. قيل يا رسول الله إن أهل الكتاب. يتسرولون ولا يأتزرون؟ فقال رسول الله: تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب. قلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون؟ فقال: تخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب، قلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم فقال: قصوا سبالكم ووفِرُوا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب " . تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس "أنه سئل أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: وجهني على بن أبي طالب إلى ابن الكواء وأصحابه وعليَّ قميص رقيب وحلة، فقالوا لي: أنت ابن عباس وتلبس مثل هذه الثياب؟! فقلت: أول ما أخاصمكم به قال الله {أية : قل من حَرَّمَ زينة الله التي أخرج لعباده}تفسير : [الأعراف: 32] و {خذوا زينتكم عند كل مسجد} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس في العيدين بردي حبرة . وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: لما خرجت الحرورية أتيت علياً فقال: ائت هؤلاء القوم. فلبست أحسن ما يكون من حلل اليمن، فأتيتهم فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس ما هذه الحلة؟! قلت: ما تعيبون عليّ؟ لقد رأيت على رسول الله صلى عليه وسلم أحسن ما يكون من الحلل . وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله عز وجل أحق من تزين له، فإن لم يكن ثوبان فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود ". تفسير : وأخرج الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " . تفسير : وأخرج أبو داود والبيهقي عن بريدة قال "حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل في لحاف لا يتوشح به، ونهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء " . تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم " . تفسير : وأخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : ألبسوا ثياب البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم " . تفسير : وأخرج أبو داود عن أبي الأحوص عن أبيه قال: حديث : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب دون، فقال: ألك مال؟ قال: نعم. قال: من أي المال؟ قال: قد آتاني الله من الإِبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا آتاك الله فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته " . تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : إن الله يحب أن يرى نعمته على عبده " . تفسير : وأخرج أحمد ومسلم عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر. قال رجل: يا رسول الله انه يعجبني أن يكون ثوبي غسيلاً، ورأسي دهيناً، وشراك نعلي جديداً، وذكر أشياء حتى ذكر علاقة سوطه فمن الكبر ذاك يا رسول الله؟ قال: لا، ذاك الجمال، إن الله عز وجل جميل يحب الجمال، ولكن الكبر من سفه الحق وازدرى الناس " . تفسير : وأخرج ابن سعد عن جندب بن مكيث قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم الوفد لبس أحسن ثيابه، وأمر عليه أصحابه بذلك " . وأخرج أحمد عن سهل بن الحنظلية قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم واصلحوا لباسكم حتى تكونوا في الناس كأنكم شامة، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش " . تفسير : أما قوله تعالى: {وكلوا واشربوا} الآية . أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: احل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفاً ومخيلة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفاً أو مخيلة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إنه لا يحب المسرفين} قال: في الطعام والشراب . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {ولا تسرفوا} قال: في الثياب والطعام والشراب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ولا تسرفوا} قال: لا تأكلوا حراماً، ذلك إسراف . وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله سبحانه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " . تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة قالت "حديث : رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد أكلت في اليوم مرتين، فقال: يا عائشة أما تحبين أن يكون لك شغل إلا في جوفك؟ الأكل في اليوم مرتين من الإِسراف، والله لا يحب المسرفين " . تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من الإِسراف أن تأكل كل ما اشتهيت " . تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال: دخل عمر على ابنه عبدالله بن عمر إذا عندهم لحم، فقال: ما هذا اللحم؟ قال: اشتهيته: قال وكلما اشتهيت شيئاً أكلته؟! كفى بالمرء: إسرافاً أن يأكل كلما اشتهى. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: كل ما شئت، واشرب ما شئت، والبس ما شئت، إذا أخطأتك اثنتان سرف أو مخيلة . وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: من السرف أن يكتسي الإِنسان ويأكل ويشرب ما ليس عنده. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير. أنه سئل ما الإِسراف في المال؟ قال: أن يرزقك الله مالاً حلالاً فتنفقه في حرام حرمه عليك . وأخرج ابن ماجة عن سلمان. أنه أكره على طعام يأكله فقال: حسبي أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة " . تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه وابن ماجة عن ابن عمر قال: تجشى رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : كف جشاك عنا، فإن أطولكم جوعاً يوم القيامة أكثركم شبعاً في دار الدنيا ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه النسائي وابن حبان وابن السني في الطب والحاكم وصححه وأبو نعيم في الطب والبيهقي في شعب الإِيمان عن المقدام بن معدي كرب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه " . تفسير : وأخرج ابن السني وأبو نعيم في الطب النبوي عن عبد الرحمن بن المرقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : إن الله لم يخلق وعاء إذا ملىء شراً من بطن، فإن كان لا بد فاجعلوا ثلثاً للطعام وثلثاً للشراب، وثلثاً للريح " . تفسير : وأخرج ابن السني وأبو نعيم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : أصل كل داء البردة ". تفسير : وأخرج ابن السني وأبو نعيم من حديث أبي سعيد الخدري. مثله. وأخرج أبو نعيم عن عمر بن الخطاب قال: إياكم والبطنة في الطعام والشراب فإنها مفسدة للجسد، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما فإنه أصلح للجسد، وأبعد من السرف، وأن الله تعالى ليبغض الحبر السمين، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه . وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أرطاة قال: اجتمع رجال من أهل الطب عند ملك من الملوك، فسألهم ما رأس دواء المعدة؟ فقال كل رجل منهم قولاً وفيهم رجل ساكت، فلما فرغوا قال: ما تقول أنت؟ قال: ذكروا أشياء وكلها تنفع بعض النفع ولكن ملاك ذلك ثلاثة أشياء: لا تأكل طعاماً أبداً إلا وأنت تشتهيه، ولا تأكل لحماً يُطْبَخُ لك حتى تنعم إنضاجه، ولا تبتلع لقمة أبداً حتى تمضغها مضغاً شديداً لا يكون على المعدة فيها مؤونة . وأخرج البيهقي عن إبراهيم بن علي الموصلي قال: أخرج من جميع الكلام أربعة الآف كلمة، وأخرج منها أربعمائة كلمة، وأخرج منها أربعون كلمة، وأخرج منها أربع كلمات، أولها لا تثقن بالنساء، والثانية لا تحمل معدتك ما لا تطيق، والثالثة لا يغرنك المال، والرابعة يكفيك من العلم ما تنتفع به. وأخرج أبو محمد الخلال عن عائشة " حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تشتكي، فقال لها: يا عائشة الازم دواء والمعدة بيت الادواء، وعودوا بدنا ما اعتاد " . تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن محب عن أبيه قال: المعدة حوض الجسد والعروق تشرع فيه، فما ورد فيها بصحة صدر بصحة، وما ورد فيها بسقم صدر بسقم . وأخرج الطبراني في الأوسط وابن السني وأبو نعيم معافى الطب النبوي والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة، فإذا صحت المعدة صدرت العروف بالصحة، وإذا فسدت المعدة صدرت العروق بالسقم " .
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ}[31] قال: الأكل على خمسة: الضرورة والقوام والقوت والمعلوم والفقد، والسادس لا خير فيه وهو التخليط، فإن الله تعالى خلق الدنيا فجعل العلم والحكمة في الجوع، وجعل الجهل والمعصية في الشبع، فإذا جعتم فاطلبوا الشبع ممن ابتلاكم بالجوع، وإذا شبعتم فاطلبوا الجوع ممن ابتلاكم بالشبع، وإلا تماديتم وطغيتم، ثم قرأ: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق:6-7] وقال: إن الجوع سر من أسرار الله تعالى في الأرض لا يودعه عند من يذيعه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الآية: 31]. قال الواسطى رحمة الله عليه: قوله {يَابَنِيۤ ءَادَمَ} تعيير كأنه يقول: يا بنى التقصير والعيب، يرد ذلك عليهم حتى لا ينظروا إلى نفوسهم ولا يلتفتوا إليها. قال جعفر: ابعد أعضاءك عن أن تمس بها شيئًا بعد أن جعلها الله آلة تؤدى بها فرائض الله.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. على لسان العلم: يجب سَتْرُ العَوْرة في الصلاة، وعلى موجِب الإشارة: زينة العبد بحضور الحضرة، ولزوم السُّدَّة، واستدامة شهود الحقيقة. ويقال زينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود؛ فالعبد على الباب بنعت العبودية، والعارف على البساط بحكم الحرية. وشتَّان بين عبدٍ وعبد!. قوله جلّ ذكره: {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ}. الإسراف ما تناولته لَكَ ولو بقدر سمسمة. ويقال الإسراف هو التعدي عن حدِّ الاضطرار فيما يتضمن نصيباً لك أو حظّاً بأي وجهٍ كان.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} الزينة وان كانت اسما لما يتزين به من الثياب الفاخرة الا ان المفسرين اجمعوا على ان المراد بالزينة ههنا الثياب التى تستر العورة استدلالا بسبب نزول الآية وهو ان اهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة وقالوا لا نطوف فى ثياب اصبنا فيها الذنوب ودنسناها بها فكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء بالليل عراة فامرهم الله تعالى ان يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا عند كل مسجد سواء دخلوه للصلاة او للطواف وكانوا قبل ذلك يدعون ثيابهم وراء المسجد عند قصد الطواف. وفى تفسير الحدادى كانوا اذا قدموا منى طرح احدهم ثيابه فى رحله فان طاف وهى عليه ضرب وانتزعت منه وكانت المرأة تطوف بالليل عريانة الا انها كانت تتخذ سيورا مقطعة تشدها فى حقويها فكانت السيور لا تسترها سترا تاما. وهذه الآية اصل فى وجوب ستر العورة فى الصلاة والمعنى خذوا ثيابكم لمواراة عورتكم عند كل مسجد لطواف او صلاة. قال شيخ الاسلام خواهر زاده فيه دليل على ان اللبس من احسن الثياب مستحب حالة الصلاة لان المراد من الزينة الثوب بطريق اطلاق اسم المسبب على السبب انتهى فاخذ الثوب واجب ولباس التجمل مسنون وكان ابو حنيفة رحمه الله اتخذ لباسا لصلاة الليل وهو قميص وعمامة ورداء وسراويل قيمة ذلك الف وخمسمائة درهم يلبسه كل ليلة ويقول التزين لله تعالى اولى من التزين للناس. قال الفقهاء ولا اعتبار لستر الظلمة لان الستر وجب لحق الصلاة وحق الناس. وفى التفسير الفارسى [كفته اند بزبلن علم ستر عورتست براى نماز وبزبان كشف حضور دلست براى عرض راز شعر : ذوق طاعت بى حضور دل نيابد هيجكس طالب حق را دل حاضر برين دركاه بس تفسير : {وكلوا واشربوا} ما طاب لكم من الاطعمة والاشربة ـ روى ـ ان بنى عامر فى ايام حجهم كانوا لا يأكلون الطعام الا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم فهم المسلمون به فنزلت والاشارة كلوا مما يأكل اهل البينات فى مقام العبودية واشربوا مما يشربون كما قال عليه السلام "حديث : ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى " . تفسير : وكان عليه السلام يخص رمضان من العبادات بما لا يخص به غيره من الشهور حتى انه كان يواصل احيانا ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة وكان ينهى اصحابه عن الوصال فيقولون له فانك تواصل فيقول "حديث : لست كاحدكم انى ابيت" تفسير : وفى رواية "حديث : اظل عند ربى يطعمنى ويسقينى " . تفسير : وقد اختلف العلماء فى هذا الطعام والشراب المذكور على قولين. احدهما انه طعام وشراب حسى بالفم قالوا وهذا حقيقة اللفظ ولا يجب العدول عنه وكان يؤتى بطعام من الجنة. والثانى ان المراد به ما يغذيه الله به من معارفه وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه لقربه ونعيم محبته وتوابع ذلك من الاحوال التى هى غذاء القلوب ونعيم الارواح وقرة الاعين وبهجة النفوس ـ حكى ـ ان مريد اخدم الشيخ منصور الحلاج فى الكعبة حين كان مجاورا سنتين قال كان يجئ له طعام من ارباب الخيرات فاضعه عنده ثم اجده فى الصبح من غير نقصان فاطعمه فقيرا فما رأيته فى السنتين اكل لقمة. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى ان النبى عليه السلام انما اكل فى الظاهر لاجل امته الضعيفة والا فلا احتياج له الى الاكل والشرب وما روى من انه كان يشد الحجر فهو ليس من الجوع بل من كمال لطافته لئلا يصعد الى الملكوت فكان يشد الحجر حتى يحصل الاستقرار فى عالم الارشاد قال يعنى انه صلى الله عليه وسلم كان ينظر الى حدوث العالم فيتنعم بتجل البقاء انتهى كلامه {ولا تسرفوا} بتحريم الحلال فان بتحريم الحلال يتحقق تضييع المال وهو اسراف او بالتعدى الى الحرام بان يتناول ما حرمه الله عليه من المأكول والمشروب والملبوس او بافراط الطعام والشره عليه بان يتناول ما لا يحتاج اليه البدن فى قوامه فان ذلك ايضا من قبيل الاسراف {انه لا يحب المسرفين} لا يرتضى فعلهم ولا يثنى عليهم. قال بعضهم الاسراف هو ان يأكل الرجل كل ما يشتهيه ولا شك ان من كان تمام همته مصروفا الى فكر الطعام والشراب كان اخس الناس واذلهم شعر : خواجه را بين كه ازسحر تاشام دارد انديشه شراب وطعام شكم ازخوش دلى وخوش حالى كاه بر ميكند كهى خالى فارغ ازخلد وايمن از دوزخ جاى اومزبلست ويا مطبخ تفسير : [شيخ الاسلام عبدالله الانصارى فرموده كه اكرهمه دنيارا لقمه سازى ودردهان درويشى نهى اسراف نباشد اسراف آن بودكه نه برضاى حق تعالى صرف كنى] شعر : يك جوانراكه خير دائم داشت بند ميداد راهبى دردير كاى بسرخير نيست دراسراف كفت اسراف نيست اندرخير تفسير : قال فى التأويلات النجمية الاسراف نوعان افراط وتفريط فالافراط ما يكون فوق الحاجة الضرورية او على خلاف الشرع او على وفق الطبع والشهوة او على الغفلة او على ترك الادب او بالشره او على غير ذلك والتفريط ان ينقص من قدر الحاجة الضرورية ويقصر فى حفظ القوة والطاقة للقيام بحق العبودية او يبالغ فى اداء حق الربوبية باهلاك نفسه فيضيع حقها او يضيع حقوق الربوبية بحظوظ نفسه او يضيع حقوق القلب والروح والسر التى هى مستعدة لحصولها بحظوظ النفس فالمعنى لا تسرفوا اى لا تضيعوا حقوقنا ولا حقوقكم لحظوظكم انتهى ـ ويروى ـ ان هرون الرشيد كان له طبيب نصرانى حاذق فقال لعلى بن حسيبن بن واقد ليس فى كتابكم من علم الطب شئ والعلم علمان علم الاديان وعلم الابدان فقال له ان الله تعالى قد جمع الطب كله فى نصف آية من كتابنا قال وما هى قال قوله تعالى {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} فقال النصرانى وهل يؤثر عن رسولكم شئ من الطب قال نعم جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب فى الفاظ يسيرة قال وما هى قال قوله "حديث : المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وعودوا كل جسم ما اعتاد " . تفسير : فقال النصرانى ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. وعن ابن عباس كل ما شئت والبس ما شئت ما اخطأتك خصلتان سرف ومخيلة وينبغى لاهل الرخصة ان يقتصروا على اكلتين فى اليوم والليلة فى غير شهر رمضان ولاهل العزيمة على اكلة واحدة فان ما فوق الاكلتين للطائفة الاولى وما فوق الاكلة للثانية تجاوز عن الحد وميل الى الاتصاف بصفات البهائم. والهند جل معالجتهم الحيمة يمتنع المريض عن الاكل والشرب والكلام عدة ايام فيبرأ فجانب الاحتماء اولى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: { يا بني آدم خُذوا زينتكم} أي: ثيابكم التي تستر عورتكم، {عند كل مسجدٍ} لطواف أو صلاة، واحتج به من أوجب ستر العورة في الصلاة، ومن السًّنة أن يأخذ الرجل أحسن ثيابه للصلاة، وقيل: المراد بالزينة: زيادة على الستر، كالتجمل للجمعة بأحسن الثياب وبالسواك والطيب، {وكُلوا واشربوا}؛ أمر إباحة؛ لِمَا رُوِي أن بني عامر، في أيام الحج، كانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتًا، ولا يأكون دسمًا؛ يعظمون بذلك حجهم، وهَمَّ المسلمون بذلك، فنزلت. {ولا تُسرفوا}؛ بتحريم الحلال، أو بالتقدم إلى الحرام، أو بإفراط الطعام والشره إليه، وقد عَدَّ في الإحياء من المهلكات: شره الطعام، وشره الوقاع، أي: الجماع؟ {إنه لا يحب المسرفين}؛ لا يرتضي فعلهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه: ( كُل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سَرفٌ ومخيلة ) أي: تكبر. وقال علي بن الحسين بن واقد: جمع الله الطب في نصف آية؛ فقال: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا}. الإشارة: إنما أمر الحقّ ـ جلّ جلاله ـ بالتزين للصلاة والطواف؛ لأن فيهما الوقوف بين يدي ملك الملوك، وقد جرت عادة الناس في ملاقاة الملوك: التهيىء لذلك بما يقدرون عليه من حسن الهيئة؛ لأن ذلك زيادة تعظيم للملك، وتزيين البواطن بالمحبة والوداد أحسن من تزيين الظواهر وخراب البواطن؛ "حديث : إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلَى صُوَرِكُم ولاَ إلى أموَالِكُم، وإنَّمَا يَنظُرُ إلَى قُلوبِكُم وأعمَالِكُم "تفسير : . وملاقاة الملك بالذل والانكسار أحسن من ملاقاته بالتكبر والاستظهار. والله تعالى أعلم. ولما تعاهدت قريش، ومن دان دينها، أنهم لا يأكلون أيام الحج دسماً ولا سمناً ولا إقطاً ولا طعاماً جاء من الحل، ردَّ الله عليهم بقوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ}.
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى في هذه الآية أولاد آدم الذكور منهم، - لأن (بني) جمع ابن، وإِنما نصب لأنه نداء مضاف، والابن هو الولد الذكر، والبنت الولد الانثى - أمرهم الله بأن يأخذوا، ومعناه أن يتناولوا زينتهم. والزينة هي اللبسة الحسنة، ويسمى ما يتزين به زينة، كالثياب الجميلة والحلية. ونحو ذلك. وقوله {عند كل مسجد} روي عن أبي جعفر (ع) أنه قال في الجمعات والأعياد. وقال ابن عباس وعطاء وابراهيم والحسن وقتادة وسعيد ابن جبير: كانوا يطوفون بالبيت عراة فنهاهم الله عن ذلك. وقال مجاهد: ما وارى العورة، ولو عباءة. وقال الزجاج: هو أمر بالاستتار في الصلاة، قال أبو علي: ولهذا صار التزين للاعياد، والجمع سنَّة. وقيل في وجه شبهتهم في تعرِّيهم في الطواف وإِبداء السوأة وجهان: أحدهما - أن الثياب قد دنستها المعاصي فيجردوا منها. الثاني - تفألوا بالتعري من الذنوب. وقوله {وكلوا واشربوا} صورته صورة الأمر، ومعناه إِباحة الأكل والشرب. وقوله {ولا تسرفوا} نهي لهم عن الاسراف، وهو الخروج عن حد الاستواء في زيادة المقدار. وقيل: المراد الخروج عن الحلال إِلى الحرام، وقيل: الخروج مما ينفع الى ما يضر، وقيل: الزيادة على الشبع فالاسراف والاقتار مذمومان. وقوله {إِنه لا يحب المسرفين} معناه يبغض المسرفين، لأنه ذم لهم، ولو كان بمعنى لا يحبهم ولا يبغضهم لم يكن ذماً لهم ولا مدحاً، وقال أبو علي: من لا يحبه الله فهو يبغضه ويعاديه.
الجنابذي
تفسير : {يَابَنِيۤ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ} ما به جمالكم من طهارة الابدان من الاخباث والاحداث والثّياب الجميلة الطّيبة وتحسين شعور رؤسكم ولحاكم بالمشط، وغيره ممّا يتزيّن به من الادهان والخضاب، ومن الافعال الحميدة والاقوال الفصيحة المفصحة عن أمور الآخرة ومن محبّة ذوى القربى والعقائد الصّحيحة، ومن الاحوال والاخلاق الجميلة والمكاشفات الصّحيحة والمشاهدات القلبيّة والمعاينات الرّوحيّة {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وقد سبق بيان المسجد ووجه دخول لفظ العموم عليه وانّ اصل الكلّ هو خليفة الله فى الارض، وقد فسّر الزّينة والمسجد فى هذه الآية وفى غيرها بما ذكرنا من اراد الاطّلاع على ما ورد عن المعصومين (ع) فليرجع الى الكافى والصّافى وغيرهما {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} فانّ التّزينّ والاكل والشّرب مباحة لكم ولا تنافى اقامة الوجوه عند المساجد بل تقويكم على ذلك، ولا يخفى تعميم الاكل والشّرب كالزّينة {وَ} لكن {لاَ تُسْرِفُوۤاْ} بالافراط فى التّزيّن بحيث يمنعكم من اقامة الوجوه لاشتغال نفوسكم بتحصيلها وتحصيل ثمنها وحفظها عن التدنّس وبالافراط فى الاكل والشّرب وفى طيبوبة المأكول والمشروب لتضرّركم بالزّيادة على قدر اشتهائكم فى ابدانكم ونفوسكم وكسالتكم واشتغالكم {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} فى اىّ شيءٍ كان لانّ الاسراف يجرى فى جملة الافعال والاقوال والاحوال، كما ورد فى جواب من قال: افى الوضوء اسراف؟ - من قوله (ع): نعم فى الوضوء اسراف ولو كنت على نهرٍ، فانّ استعمال القوى والاعضاء فى كلّ فعلٍ زائداً على تحصيل حقيقة ذلك الفعل واجباً كان ام مندوباً ام مباحاً وزائداً على تحصيل كمالاته اسراف، هذا بحسب التّنزيل، وامّا بحسب التّأويل والباطن فالاسراف فى الاكل والشّرب واللّبس بانّه يكون كلّ منها بغلبة النّفس على العقل والغفلة عن الامر والنّهى، فانّه اسراف استحصال النّفس فى مشتهياتها حتّى تصير غالبة على العقل والامر الآلهىّ.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم} أي ريشكم ولباس زينتكم {عند كل مسجد} أي كلما صليتم، والآية نزلت فيمن كان يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد وإن طاف وهي عليه ضُرِبَ وانتزعت عنه، وقيل: إنما فعلوا ذلك تفاؤلاً ليتعروا عن الذنوب كما تعروا عن الثياب، وقيل: الزينة المشط وقال مجاهد: هو ما يواري عورتك ولو عباءة، وقيل: الطيب، وكان بنو عامر لا يأكلون الطعام الا قوتاً في أيام حجهم، ولا يأكلون دسماً يعظمون بذلك حجّهم، فقال المسلمون: إنَّا أحق أن نفعل، فنزلت الآية فقيل لهم: {كلوا واشربوا}، وعن ابن عباس: كُلْ ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرفٌ ومخيلة، وقيل: الإِسراف ما قصرت به عن حق الله تعالى وأنفق في معصية الله تعالى، وقيل: {ولا تسرفوا} لا تحرموا الحلال ويروى أن الرشيد كان له طبيبٌ نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم شيء من علم الطب، والعلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان؟! فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية فقال: ما هي؟ قال: قوله تعالى: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا} فقال النصراني: لا يؤثر عن نبيكم شيء في علم الطب؟ فقال: قد جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الطب كله في ألفاظ يسيرة قال: ما هي؟ قال: "حديث : المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء واعط كل بدن ما عودته" تفسير : فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبّاً {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} الثياب وكل ما يتجمل به {والطيبات من الرزق} وهي المستلذات من المطاعم والمشارب، وقيل: هو الحلال والوجه الأول قاله الحاكم {قل} يا محمد {هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} يعني انها في الدنيا مشتركة بين المؤمن والكافر وفي الآخرة خالصة لهم دون أعدائهم المشركين {قل} يا محمد {إنما حرَّم ربي الفواحش} يعني جميع القبائح والمحظورات، وقيل: هو الزنا، وقيل: هو الطواف عرياناً، وقيل: {ما ظهر منها} أفعال الجوارح {وما بطن} أفعال القلوب، وقيل: ما ظهر ما جاهر، وما بطن ما استتر بعضهم عن بعض {والإِثم} الذنوب والمعاصي {والبغي} الظلم، وقيل: البغاء لا يكون إلاَّ مذموماً {وإن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً} حجة وبرهاناً {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} في تحريم الملابس والمآكل {ولكل أمة أجل} مدة، قوله تعالى: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم}، قيل: هو خطاب لجميع المكلفين من بني آدم وهو معطوف على ما تقدم من خطاب آدم وبنيه يعني يقصون عليكم القرآن، قوله تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها} يعني تكبّروا عن قبول الحق، وقيل: تكبروا عن الايمان والقرآن.
الهواري
تفسير : قوله: {يَابَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. قال الحسن: كان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء، فأمر الله المسلمين فقال: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، أمرهم أن يلبسوا الثياب. قال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} أي الحلال في الإِضمار {وَلاَ تُسْرِفُوا} أي: فتحرموا ما أحل الله لكم كما حرم أهل الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وما حرموا من زروعهم {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} أي المشركين. وقال مجاهد: هم السافكون الدماء بغير حلّها. قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ}، يعني الثياب، لأنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة {وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} أي ما حرموا من أنعامهم وحروثهم. {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} وقد خالطهم المشركون والمنافقون فيها في الدنيا، وهي للذين ءامنوا {خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ} دون المشركين والمنافقين. قال بعضهم: من عمل بالإِيمان في الدنيا خلصت له كرامة الله يوم القيامة. قال: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ} أي نبين الآيات بالحلال والحرام والأمر والنهي: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} وهم المؤمنون الذين قبلوا ذلك عن الله. فأما المشركون فصدوا عنه وجحدوه، والمنافقون فرَّطوا وضيّعوا، ولم يوفّوا بما أقرّوا به من العمل الذي انتقصوه. ذكر بعضهم قال: كان هذا الحي من كندة يطوفون بالبيت وهم عراة، إلا أن يستعير أحدهم مئزراً من أهل مكة فيطوف فيه. فأنزل الله ما تسمعون حتى انتهى إلى قوله: قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، وهو ما حرّم أهل الجاهلية من أموالهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
اطفيش
تفسير : {يا بنى آدمَ خُذُوا زِينَتكُم} لباسكم {عِنْد كلِّ مسْجدٍ} أى فى كل مسجد، وعند فى الموضعين بمعنى فى، قيل: كانوا يطوفون عراة إن لم يجدوا من لم يعير لهم ثوبا من قريش، أو يطوفون فى ثيابهم ويلقونها ولا يلبسونها أبداً، وذلك إذا قدموا لطواف الحج أو العمرة، قال طاووس: لم يأمرهم بالحرير والديباج، وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً، ويصلى عرياناً، ويدع ثيابه وراء المسجد، وإن طاف وهى عليه ضرب وانتزعت منه، وقالوا: لا نعبد الله فى ثياب أذنبنا فيها، وقيل: تفاؤل أن ينفروا من الذنوب كما تعروا من الثياب، والمسجد واحد المساجد المعدة للصلاة. وقيل: السجود مراداً به الصلاة، ففى الآية إيجاب ستر العورة فى الصلاة والطواف، وأما وجوبه فى كل حال فمن غير الآية لا منها خلافاً لمن وهم، وإنما سمى اللباس زينة لأنه يستر ما يشين وهو العورة، وقيل: الزينة المشط، وقيل: الطيب والسنة أن يأخذ الرجل حسن هيئته للصلاة كالسواك والطيب للجمعة، والثياب الحسنة، وكل ما وجد استحسانه فى الشريعة بلا قصد الخيلاء، وذكر مكى حديثاً أن معنى: خذوا زينتكم صلوا فى النعال، قال بعضهم وما أحسبه يصح. {وكلُوا واشْربُوا ولا تُسْرفُوا} قال السدى، وابن زيد: هذا نهى عما التزموه من تحريم للحم والودك، ومن تحريم ما فوق القوت تعظيما لحجهم وتوفيراً له، قال الكلبى: كان ذلك من بنى عامر، فقال المسلمون نحن أحق بذلك يا رسول الله، فأمر الله أن يأكلوا اللحم والدسم وما طاب لهم، ولا يسرفوا بتحريمها، وليس الإسراف الأكل أكثر من القوت ولا الشبع لكثرة دلائل جواز الشبع، وقد ثبت فى المساكين أنهم يطعمون حتى يشبعوا، وأنه صلى الله عليه وسلم والصحابة أكلوا حتى شبعوا. وعن بعضهم: كل ما شئت والبس ما شئت، واتق الله، وعن ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف وتحمله، ويصح تفسير الإسراف بالشبع المفرط، وتتبع الملاذ وتضييع المال كالبحيرة والسائبة والإنفاق فى المعاصى، بل هذا عندى أصح وأولى، وعن ابن عباس: ليس فى الحلال إسراف، وإنما الإسراف فى ارتكاب المعاصى، قال عياض: يريد فى الحلال القصد، واللفظة تقتضى النهى عن السرف مطلقا، فمن تلبس بفعل حرام فبأول تلبسه به حصل من المسرفين، وتوجه النهى عليه مثل أن يفرط الإنسان فى شراء ثياب ونحوها، ويستنفد فى ذلك جل ماله، أو يعطى ماله أجمع، وقد وقف النبى صلى الله عليه وسلم الموصى عند الثلث وقال بعض العلماء: لو حطّ الناس إلى الربع، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والثلث كثير" تفسير : لصح انتهى. وفى الديوان قال بعضهم: إنما يوصى بالربع، وقال بعضهم: بالخمس، وقيل: النصف، وقيل غير ذلك. وانظر كيف يصح القول بغير الثلث مما هو أكثر كالنصف، وكيف يصح إيجاب الاقتصار على ما هو أقل من الثلث كالخمس، مع أنه صلى الله عليه وسلمحديث : قال لسعد بن أبى وقاص رضى الله عنه: "نعم أوص بالثلث والثلث كثير" تفسير : ولعلهم حملوا ذلك على الاستحسان والمصلحة فى الحديث، لا على الوجوب الشرعى، كأنه نظر إلى كثرة عياله، فلم يرض له الوصية بأكثر من الثلث، والمشهور حمله على ظاهره، من أن الوصية بأكثر منه لا تصح إلا برضا الوارث. وقد صح أن الله جعل لنا ثلث أموالنا بعد موتنا، وكان لهارون الرشيد طبيب نصرانى حاذق، فقال لعلى بن الحسين بن واقد: ليس فى كتابكم من علم الطب شىء، والعلم علمان: علم الأبدان، وعلم الأديان، فقال له: قد جمع الله الطب كله فى نصف آية من كتابه، قال: وما هى؟ قال: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} فقال النصرانى: ولا تؤثروا عن رسولكم شيئا فى الطب؟ فقال: قد جمعه رسولنا فى ألفاظ يسيرة، قال: وما هى؟ قال قوله: "حديث : المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته" تفسير : فقال النصرانى: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. {إنَّه لا يحبُّ المسرفينَ} لا يرضى إسرافهم فى أكل أو شرب أو ملبس أو نحو ذلك، ومنه الأكل فوق الشبع، وقد عده بعضهم كبيرة، وقال: "من أكل وليس بجائع فقد فعل كبيرة" وليس ذلك بشىء، نعم إن أكل فوق الشبع لغير منفعة قصدها فهلك أو تلف عضو من أعضائه فقد فعل كبيرة، وإن نجا من ذلك فقد عصى، هذا ما ظهر لى من عموم كلام أبى العباس أحمد بن محمد بن بكر رضى الله عنه، وذلك أن الأكل فوق الشبع معلوم لكل أحد أنه مضر وبذلك أقول، وأما الأكل قبل الجوع فإنه جائز وليس مضراً كالأكل فوق الشبع، فإذا كان مثله فى الإضرار امتنع، وكان مثله. والضرر القليل والكثير سواء فى العصيان أو الكفر على التفضيل السابق، فإن الواضح إنما يمتنع أن نفعله فى بدن غيرك يمتنع أن نفعله فى بدنك، فكل من بدنك وبدن غيرك ملك الله لا تتصرف فيه إلا بما أباح لك التصرف به فيه، وليس الأمر كما قال بعض متأخرى علماء عمان، أن الأكل قبل الجوع إن كان يفضى إلى ضرر قليل يعرف أنه يضره فمكروه، وكذلك أكل ما يضر قليلا على الجوع إذا علم بأنه مضر، إلا إن أراد بالكراهية المعصية، ولا ضير ولا كراهة إن أكل على شبع أو وقت يضره الأكل، أو شيئا يضره أكله إذا قصد نفسا من جهة أخرى لا يتوصل إليه إلا بذلك الأكل والشرب كالأكل، وقيل: المسرفون المشركون، وقيل القاتلون بغير حق، لأن الإشراك والقتل إسرافان عظيمان.
اطفيش
تفسير : {يَا بَنِى آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} إِلخ، أَدلة على أَن الكافر مخاطب بفروع الدين وكل ما أَمر الله المشركين به مما دون التوحيد أَو نهاهم عنه مما دون الشرك فهو دليل على أَنه مخاطب بها، والزينة اللباس الساتر للعورة الذى لا يصف ولا يشف، وهو من صوف أَو وبر، وجاءَت السنة أَيضاً بتجويد الثوب للصلاة، وجاءَ أَن عمر رضى الله عنه كان يلبس قميصاً فيه كذا أَو كذا رقعة. وجاءَ عن الحسن بن على بن أَبى طالب سبط النبى صلى الله عليه وسلم أَنه إِذا قام إِلى الصلاة لبس أجود ثيابه، فقيل له: يا ابن رسول الله لم ذلك؟ فقال إِن الله جميل يحب الجمال فأَتجمل لربى، وهو يقول خذوا زينتكم عند كل مسجد فأحب أَن أَلبس أَجمل ثيابى، فهذا ندب مسنون لا واجب، قالوا: ومن التزين للصلاة المشط لها، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويصلون فى المسجد عراة، وذلك تفاؤل للتعرى عن الذنوب، واحترام على أَن يطوفوا بثياب عصوا فيها، والمسجد ما يبنى للصلاة والعبادة أَو بمعنى السجود أَى الصلاة، وكانت المرأَة تطوف عارية وتضع يدها على فرجها وتقول: شعر : اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله تفسير : {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} ما شئتم من الحلال من اللحم والدسم ونحوهما من اللذائذ، وفوق القوت، نزلت حين اهتم بعض المسلمين أن لا يفعلوا مطلقا أو فى الحج كما كانت بنو عامر يفعلون ذلك فى أَيام الحج ويقتصروون على القوت تعظيما لحجهم {وَلاَ تُسْرِفُوا} بتحريم ما حل من اللذائذ والبحيرة ونحوها وتحريم أَكل ما فوق القوت أَو بمداومة الشبع والاستغراق فى اللذات والأَكل فوق الشبع والشرب فوقه وأَكل الحرام. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: كل ما شئت والبس ما أخطأَك سرف ومخيلة، والسرف فى الآية شامل اللباس. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا عائشة اللزم دواء والمعدة بيت الأَدواء وعودوا البدن ما اعتاده"تفسير : ، قال نصرانى لعلى بن الحسين بن واقد: لا طب فى كتابكم ولا فى كلام نبيكم، فقال: جمع الله عز وجل فى كتابه الطب بكلمة هى ولا تسرفوا ونبينا صلى الله عليه وسلم قال: المعدة بيت الأَدواء والحمية رأس كل دواء وأَعط كل بدن ما عودته، فقال ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : المعدة حوض البدن والعروق واردة إِليها، فإِذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة، وإِذا فسدت المعدة صدرت العروق بالسقم"تفسير : ، ولم يصح أَن قوله المعدة بيت إِلخ من كلام النبى صلى الله عليه وسلم، بل هو من كلام الحارث ابن كلدة طبيب العرب، ولا قوله المعدة حوض.. إِلخ، وإِنما هو كلام عبد الملك بن سعيد بن أَبحر، وذكر الغزالى مرفوعا: البطنة أَصل الداء والحمية أَصل الدواء وعودوا كل جسد ما اعتاده، ولا أَصل له {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} لا يفعل بهم خيراً، فإِن فعل الخير من لوازم الحب فى الخلق، أَو المعنى لا يرتضى إِسرافهم.
الالوسي
تفسير : {يَـٰبَنِى ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ } أي ثيابكم لمواراة عوراتكم لأن المستفاد من الأمر الوجوب والواجب إنما هو ستر العورة {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } أي طواف أو صلاة، وإلى ذلك ذهب مجاهد وأبو الشيخ وغيرهما، وسبب النزول على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفلها سيوراً مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر من الذباب وهي تقول: شعر : اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية، وحمل بعضهم الزينة على لباس التجمل لأنه المتبادر منه ونسب للباقر رضي الله تعالى عنه، وروي عن الحسن السبط رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه فقيل له: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تلبس أجود ثيابك؟ فقال: إن الله تعالى جميل يحب الجمال فأتجمل لربـي وهو يقول: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } فأحب أن ألبس أجمل ثيابـي، ولا يخفى أن الأمر حينئذٍ لا يحمل على الوجوب لظهور أن هذا التزين مسنون لا واجب، وقيل: إن الآية على الاحتمال الأول تشير إلى سنية التجمل لأنها لما دلت على وجوب أخذ الزينة لستر العورة عند ذلك فهم منه في الجملة حسن التزين بلبس ما فيه حسن وجمال عنده، ونسب بيت الكذب إلى الصادق رضي الله عنه تعالى أن أخذ الزينة التمشط كأنه قيل تمشطوا عند كل صلاة، ولعل ذلك من باب الاقتصار على بعض أنواع الزينة وليس المقصود حصرها فيما ذكر. ومثل / ذلك ما أخرجه ابن عدي وابن مردويه عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : خذوا زينة الصلاة قالوا: وما زينة الصلاة؟. قال: البسوا نعالكم فصلوا فيها ». تفسير : وأخرج ابن عساكر وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله سبحانه: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ } الخ « حديث : صلوا في نعالكم» تفسير : . {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } مما طاب لكم. قال الكلبـي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله تعالى الآية، ومنه يظهر وجه ذكر الأكل والشرب هنا {وَلاَ تُسْرِفُواْ } بتحريم الحلال كما هو المناسب لسبب النزول أو بالتعدي إلى الحرام كما روي عن ابن زيد أو بالإفراط في الطعام والشره كما ذهب إليه كثير، وأخرج أبو نعيم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «إياكم والبطنة من الطعام والشراب فإنها مفسدة للجسد مورثة للسقم مكسلة عن الصلاة وعليكم بالقصد فيهما فإنه أصلح للجسد وأبعد من السرف وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه«. وقيل: المراد الإسراف ومجاوزة الحد بما هو أعم مما ذكر وعد منه أكل الشخص كلما اشتهى وأكله في اليوم مرتين، فقد أخرج ابن ماجه والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« حديث : إن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت » تفسير : وأخرج الثاني وضعفه عن عائشة قالت: « حديث : رآني النبـي صلى الله عليه وسلم وقد أكلت في اليوم مرتين فقال يا عائشة أما تحبين أن يكون لك شغل إلا في جوفك الأكل في اليوم مرتين من الإسراف ». تفسير : وعندي أن هذا مما يختلف باختلاف الأشخاص، ولا يبعد أن يكون ما ذكر من الإفراط في الطعام وعد منه طبخ الطعام بماء الورد وطرح نحو المسك فيه مثلاً من غير داع إليه سوى الشهوة، وذهب بعضهم إلى أن الإسراف المنهي عنه يعم ما كان في اللباس أيضاً، وروي ذلك عن عكرمة، وأخرج ابن أبـي شيبة وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. ورواه البخاري عنه تعليقاً وهو لا ينافي ما ذكره الثعالبـي وغيره من الأدباء أنه ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي ويلبس ما يشتهيه الناس كما قيل: شعر : نصحته نصيحة قالت بها الأكياس كل ما اشتهيت والبسن ما تشتهيه الناس تفسير : فإنه لترك ما لم يعتد بين الناس وهذا لإباحة كل ما اعتادوه. وفي «العجائب» للكرماني قال طبيب نصراني لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان فقال له: قد جمع الله تعالى الطب كله في نصف آية من كتابه قال: وما هي؟ قال: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ } فقال النصراني: ولا يؤثر من رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة قال: وما هي؟ قال: قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته » تفسير : فقال: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً انتهى. وما نسبه إلى النبـي صلى الله عليه وسلم هو من كلام الحرث بن كلدة طبيب العرب ولا يصح رفعه إلى النبـي صلى الله عليه وسلم، وفي «الإحياء» مرفوعاً « حديث : البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء وعودوا كل جسد ما اعتاد » تفسير : وتعقبه العراقي قائلاً: لم أجد له أصلاً. وفي «شعب الإيمان» للبيهقي و «لقط المنافع» لابن الجوزي عن أبـي هريرة مرفوعاً أيضاً: « حديث : المعدة حوض البدن / والعروق إليها واردة فإذا صحت المعدة (صارت) العروق بالصحة وإذا فسدت المعدة صارت العروق بالسقم»تفسير : . وتعقبه الدارقطني قائلاً: لا نعرف هذا من كلام النبـي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من كلام عبد الملك بن سعيد بن (أبحر). وفي «الدر المنثور» أخرج محمد الخلال عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبـي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تشتكي فقال لها: « حديث : يا عائشة الأزم دواء والمعدة بيت الأدواء وعودوا البدن ما اعتاد » تفسير : ولم أر من تعقبه، نعم رأيت في «النهاية» لابن الأثير «سأل عمرو الحرث بن كلدة ما الدواء؟ قال: الأزم يعني الحمية وإمساك الأسنان بعضها على بعض»، نعم الأحاديث الصحيحة متظافرة في ذم الشبع وكثرة الأكل، وفي ذلك إرشاد للأمة إلى كل الحكمة. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ } بل يبغضهم ولا يرضى أفعالهم. والجملة في موضع التعليل للنهي، وقد جمعت هذه الآية ـ كما قيل ـ أصول الأحكام الأمر والإباحة والنهي والخبر.
ابن عاشور
تفسير : إعادة النّداء في صدر هذه الجملة للاهتمام، وتعريف المنادَى بطريق الإضافة بوصف كونهم بني آدم متابعة للخطاب المتقدّم في قوله: {أية : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً} تفسير : [الأعراف: 26]. وهذه الجملة تتنزّل، من التي بَعدها، وهي قوله: {أية : قل من حرم زينة الله} تفسير : [الأعراف: 32] منزلة النّتيجة من الجدل، فقدمت على الجدل فصارت غرضاً بمنزلة دعوى وجعل الجدل حجّة على الدّعوى، وذلك طريق من طرق الإنشاء في ترتيب المعاني ونتائجها. فالمقصد من قوله: {خذوا زينتكم} إبطال ما زعمه المشركون من لزوم التّعرّي في الحجّ في أحوال خاصّة، وعند مساجد معيّنة، فقد أخرج مسلم عن ابن عبّاس، قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول من يُعيرني تِطْوافاً تجعله على فرجها وتقول:شعر : اليومَ يبدو بعضُه أو كلُّه وما بَدا منه فلا أُحِلُّه تفسير : وأخرج مسلم عن عروة بن الزبير، قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلاّ الحُمْس، والحُمْس قريشٌ وما ولدتْ فكان غيرهم يطوفون عراة إلاّ أن يعطيهم الحُمْس ثياباً فيعطِي الرّجالُ الرّجالَ والنّساءُ النّساءَ، وعنه: أنّهم كانوا إذا وصلوا إلى منى طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عُراة. وروي أنّ الحُمْس كانوا يقولون نحن أهل الحرم فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلاّ في ثيابنا ولا يأكل إذا دَخل أرضنا إلاّ من طعامنا. فمن لم يكن له من العرب صديق بمكّة يعيره ثوباً ولا يجد من يستأجر به كان بين أحد أمرين إمّا أن يطوف بالبيت عُرياناً، وإمّا أن يطوف في ثيابه فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسّه أحد وكان ذلك الثّوب يسمّى: اللَّقَى ــــ بفتح اللام ــــ قال شاعرهم:شعر : كفى حزناً كَري عليه كأنّه لقى بين أيدي الطائفين حَرامُ تفسير : وفي «الكشاف»، عن طاووس: كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد وإن طاف وهي عليه ضُرِب وانتُزِعَت منه لأنّهم قالوا: لا نعبد الله في ثياببٍ أذنَبْنا فيها، وقد أبطله النبي صلى الله عليه وسلم إذ أمر أبا بكر رضي الله عنه، عام حجّته سنة تسع، أن ينادي في الموسم: «حديث : أنْ لا يحج بعد العام مُشرك ولا يطوفَ بالبيت عُريان»تفسير : . وعن السدي وابن عبّاس كان أهل الجاهليّة التزموا تحريمَ اللّم والودك في أيام الموسم، ولا يأكلون من الطّعام إلاّ قُوتاً، ولا يأكلون دَسماً، ونسب في «الكشاف» ذلك إلى بني عامر، وكان الحُمْس يقولون: لا ينبغي لأحد إذا دخل أرضَنا أن يأكل إلاّ من طعامنا، وفي «تفسير الطبري» عن جابر بن زيد كانوا إذا حجوا حرّموا الشاة ولبنها وسمْنها. وفيه عن قتادة: أنّ الآية أرادت ما حرّموه على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. فالأمر في قوله: {خذوا زينتكم} للوجوب، وفي قوله: {وكلوا واشربوا} للإباحه لبني آدم الماضين والحاضرين. والمقصود من توجيه الأمر أو من حكايته إبطالُ التّحريم الذي جعله أهل الجاهليّة بأنهم نقضوا به ما تقرّر في أصل الفطرة ممّا أمر الله به بني آدم كلّهم، وامتن به عليهم، إذ خلق لهم ما في الأرض جميعاً. وهو شبيه بالأمر الوارد بعد الحَظر. فإنّ أصله إبطال التّحريم وهو الإباحة كقوله تعالى: {أية : وإذا حللتم فاصطادوا} تفسير : [المائدة: 2] بعد قوله: {أية : غير محلي الصيد وأنتم حرم} تفسير : [المائدة: 1] وقد يعرض لما أبطل به التّحريم أن يكون واجباً. فقد ظهر من السّياق والسّباق في هذه الآيات أن كشف العورة من الفواحش، فلا جرم يكون اللّباس في الحجّ منه واجبٌ، وهو ما يستْر العورة، وما زاد على ذلك مباح مأذون فيه إبطالاً لتحريمه، وأمّا الأمر بالأكل والشّرب فهو للإباحة إبطالاً للتّحريم، وليس يجب على أحد أكل اللّحم والدّسم. وقوله: {عند كل مسجد} تعميم أي لا تخصّوا بعض المساجد بالتّعري مثل المسجد الحرام ومسجد مِنَى، وقد تقدّم نظيره في قوله: {أية : وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} تفسير : [الأعراف: 29]. وقد ظهرت مناسبة عطف الأمر بالأكل والشّرب على الأمر بأخذ الزّينة ممّا مضى آنفاً. والإسراف تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولا تأكلوها إسرافاً} تفسير : في سورة النّساء (6)، وهو تجاوز الحدّ المتعارف في الشّيء أي: ولا تسرفوا في الأكل بكثرة أكل اللّحوم والدّسم لأنّ ذلك يعود بأضرار على البدن وتنشأ منه أمراض معضلة. وقد قيل إنّ هذه الآية جمعت أصول حفظ الصّحة من جانب الغذاء فالنّهي عن السرف نهيُ إرشاد لا نهي تحريم بقرينة الإباحة اللاّحقة في قوله: {أية : قل من حرم زينة الله} تفسير : [الأعراف: 32] إلى قوله {أية : والطيبات من الرزق}تفسير : [الأعراف: 32]، ولأنّ مقدار الإسراف لا ينضبط فلا يتعلّق به التّكليف، ولكن يوكل إلى تدبير النّاس مصالحهم، وهذا راجع إلى معنى القسط الواقع في قوله سابقاً: {أية : قل أمر ربي بالقسط} تفسير : [الأعراف: 29] فإن ترك السّرف من معنى العدل. وقوله: {إنه لا يحب المسرفين} تذييل، وتقدّم القول في نظيره في سورة الأنعام.
القطان
تفسير : الزنية كل شيء يَزينُ الإنسانَ من لباس طيب وغيره. الاسراف: تجاوز الحد وعدم الاعتدال في المأكل والمشرب وصرفُ الاموال في غير موضعها. في هاتين الايتين تأكيدٌ على ستر العورة، والتزيُّن والتجمُّل عند كل صلاة: فاللهُ سبحانه بعد أن أمر بالعدل في كل الأمور - أكّد هنا بنداء إلى بني آدم: خُذوا زِينتكم من الثياب الحسنة، مع الخشوعِ والتقوى عند كل مكان للصلاة، وفي كل وقتٍ تُؤَدون فيه العبادة. ثم إنه أمَرَنَا بالاعتدال في الأكل والشرب، وأن لا نتجاوز الحدّ المعقول: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} لأن الإسراف في المطعَم يُضِرّ بالصحة، والإسراف في المال يؤدّي الى الفقر، وبذلك يجني المرء على أُسرته، ومن ثم على وطنِه حين يغدو عالةً على المجتمع. والتزيُّن للعبادة عند كل مسجدٍ وِفق عُرف الناس في تزينّهم في المجتمعات والمحافل، أمرٌ مطلوب شرعاً، لكيون المؤمن في أجمل حال عندما يقف بين يدي ربه، او في أيّ اجتماع. وهو أصلٌ من الأصول الدينيّة والمدنيّة عند المسلمين. وقد كان سبباً في تعليم القبائل البدائية، والاوساط المتأخرة في إفريقية وغيرها من الامم التي تعيش عراةَ الأجسام رجالا ونساء. وكان هذا من فضل الاسلام، الذي نقل امما وشعوبا من الوحشية الى الحضارة الراقية. وقد روى النَّسائي وابنُ ماجه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كُلُوا وشرابوا وتصدَّقوا والبَسوا في غير مَخيِلَةٍ ولا سَرَف، فإن الله يحبّ ان يرى أثَرَ نِعمه على عبده".تفسير : ومعنى "مخيلة" كِبر وإعجاب بالنفس. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ....}. قل لهم يا محمد، منكراً عليهم افتراءَ التحليل والتحريم على الله: من الذي حرَّم زينةَ الله التي خلَقها لعباده؟ ومن الذي حرم الحلالَ الطيبَ من الرزق؟ وقل لهم: إن الطيّبات نعمةٌ من الله، ما كان ينبغي ان يتمتع بها إلا الّذين آمنوا في الدنيا، لأنهم يؤدون حقّها بالشُّكر والطاعة، لكن رحمةَ الله الواسعة شملتْ جميع عباده الطائعين والعاصين في الدينا اما في الآخرة فسوف تكون النعم خالصة للمؤمنين وحدهم. "حديث : روى ابو داود عن ابي الأحوص قال: "اتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبٍ دون، فقال: ألَكَ مال؟ قلت: نعم، قال: من أيّ المال؟ قلت: قد آتانيَ اللهُ من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا آتاك الله فَلْيَرَ أثَرَ نِعمته عليك وكرامته لك" ". تفسير : {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. ان هذا التفصيلَ لِحُكم الزينة والطيّبات من الرزق الذي ضلَّ فيه كثير من الأمم والأفراد، ما بين إفراط وتفريط، انما جاء في كتابنا هذا أيها الرسول، لِقومٍ يدركون ان الله وحدَه مالكُ الملك، بيده التحليل والتحريم. قراءات: قرأ نافع "خالصةٌ" بالرفع، والباقون "خالصة" بالنصب.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَابَنِيۤ ءَادَمَ} (31) - يَرُدُّ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ عَلَى المُشْرِكِينَ، الذِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ وَهُمْ عُرَاةٌ، وَكَانَ الذِينَ يَطُوفُونَ مِنْهُمْ يُحَرِّمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم الدَّسَمَ مَا أَقَامُوا بِألمَوْسِمِ. فَأَمَرَهُمُ اللهُ بِسَتْرِ عَوْرَاتِهِمْ حِينَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ، وَبالتَّجَمُّلِ عِنْدَ الصَّلاَةِ، ثُمَّ أَبَاحَ لَهُم الأَكْلَ وَالشُّرْبَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِدُونِ إِسْرَافٍ (أَيْ بِدُونِ تَجَاوُزِ الحَدِّ المَعْقُولِ)، لأَِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبسُوا فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلاَ سَرَفٍ، فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُرى أثرُ نِعَمِهِ عَلَى عَبْدِهِتفسير : ). (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنِّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه). يُقْصَدُ بِأَخْذِ الزِّينَةِ - ارْتِدَاءُ المَلابِسِ الحَسَنَةِ لِسَتْرِ العَوْرَةِ.
الثعلبي
تفسير : {يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} قال المفسّرون: كانت بنو عامر في الجاهلية يطوفون في البيت عُراة الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانوا إذا قدموا مسجد منى طرح أحدهم ثيابه في رحله وإن طاف وهي عليه ضُرب [وانبزعت] منه فأنزل الله تعالى: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} يعني الثياب. وقال مجاهد: ما تواري به عورتك [للصلاة والطواف] وقال عطيّة وأبو روق وأبو رزين: المشط. وسمعت أبو القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الهيثم [الجهني] يحكي عن السنوخي القاضي: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} يعني: رفع الأيدي في مواقيت الصلاة. وروى علي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الخبر، قول جبرائيل (عليه السلام) للنبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لكل شيء زينة وإن زينة الصلاة برفع الأيدي فيها في ثلاث مواضع إذا تحرمت (للصلاة): إذا كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع ". تفسير : {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} قال الكلبي: كانت بنو عامر لا يأكلون من الطعام إلاّ قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجّهم يعظّمون بذلك حجّهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق أن نفعل ذلك، فأنزل الله تعالى {وكُلُواْ} يعني اللحم والدسم {وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} يعني الحرام. قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك سرف ومخيلة، وقال مجاهد: الإسراف ما قصرت به عن حق الله. وقال: لو أنفقت مثل أُحُد في طاعة الله لم يكن سرفاً ولو أنفقت درهماً أو مداً في معصية الله كان إسرافاً. وقال الكلبي: ولا تُسرفوا يعني لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} المتجاوزين من فعل الحرام في الطعام والشراب، وبلغني أنّ الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعليّ بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان، قال عليّ: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} فقال النصراني: ولا يؤثر [عن رسولكم] شيء في الطب؟ فقال عليّ: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطب فيّ [ألفاظ يسيرة] قال: وما هي؟ قال: قوله: "حديث : المعدة بيت الداء والحمية رأس كلّ دواء وأعطِ كل بدن ما عودته ". تفسير : فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيّكم لجالينوس طبّاً. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} يعني الثياب {وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} قال ابن زيد: كان قوم إذا حجّوا أو اعتمروا حرموا الشاة عليهم وما يخرج منها لبنها وسمنها ولحمها وشحمها، فأنزل الله تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} الآية. قال ابن عباس وقتادة: يعني بالطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب والوصايا والحوامي. {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} قال ابن عباس: إنّ المؤمنين يشاركون المشركين في الطيّبات من الدنيا فأكلوا من طيّبات طعامهم وأُلبسوا من جياد ثيابهم وانكحن الزوج الخ... كما هم، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا وليس للمشركين فيها شيء ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الحياة الدنيا وخاصة في يوم القيامة. وقراءة ابن عباس وقتادة ونافع: خالصة بالرفع يعنون قل هي خالصة. وقرأ الباقون: بالنصب على القطع لأن الكلام قد تمّ دونه {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ} يعني الطواف عُراة {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} طواف الرجال بالنهار {وَمَا بَطَنَ} طواف النساء بالليل. وقيل: هي الزنا و[المخالة]. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس أحد أحب إليه من المدح من الله سبحانه من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، وليس أحد أحب إليه العذر من الله عزّ وجلّ من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل ". تفسير : {وَٱلإِثْمَ} يعني الذنب والمعصية. وقال الحسن: الإثم الخمر. وقال الشاعر: شعر : شربت الإثم ظل عقلي كذلك الأثمّ يذهب بالعقول تفسير : وقال الآخر: شعر : نشرب الإثم بالصواع جهاراً ونرى السكر بيننا مستعارا تفسير : {وَٱلْبَغْيَ} وهو الظلم {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} حجة وبرهاناً {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تحريم الملابس والمأكل {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} مدّة وأجل، وقيل: وقت حلول العقاب وأوّل العذاب. {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} وإذا أنقطع أجلهم، وقرأ ابن سيرين آجالهم {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً} لا يتأخّرون {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} لا يتقدّمون {يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} شرط معناه: إن أتاكم [عجزاً به] فمن بقى، وقيل فأطيعوه وقال: مقاتل: أراد بقوله يابني آدم لا تشركوا بالرب، وبالرسل محمد صلى الله عليه وسلم وحده. {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ} عمله {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَآ} عن الإيمان بمحمد والقرآن {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والزينة إذا سمعتها تنصرف إلى تجميل فوق قوام الشيء، وقوله سبحانه وتعالى: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] هذا يعني أن يذهب المسلم إلى المسجد بأفخر ما عنده من ملابس، وكذلك يمكن أن يكون المقصود بـ {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} هو رد على حالة خاصة وهو أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، وأن المراد بالزينة هنا هو ستر العورة. أو المراد بالزينة ما فوق ضروريات الستر، أو إذا كان المراد بها اللباس الطيب الجميل النظيف، فنحن نعلم أن المسجد هو مكان اجتماع عباد الله، وهم متنوعون في مهمات حياتهم، وكل مهمة في الحياة لها زيها ولها هندامها؛ فالذي يجلس على مكتب لمقابلة الناس له ملابس، ومن يعمل في "الحِدَادَة" له زي خاص مناسب للعمل، ولكن إذا ذهبتم إلى المسجد لتجتمعوا جميعاً في لقاء الله أيأتي كل واحد بلباس مهنته ليدخل المسجد؟ لا، فليجعل للمسجد لباساً لا يُضَايق غيره، فإن كانت ملابس العمل في مصنع أو غير ذلك لا تليق، فاجعل للمسجد ملابس نظيفة حتى لا يُؤذَي أحد بالوجود بجانبك؛ لأننا نذهب إلى المسجد لعمل مشترك يحكم الجميع وهو لقاء الله في بيت الله، فلابد أن تحتفي بهذا اللقاء. {...وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] والمأكل والمشرب من الأمور المباحة لأن فيها مقومات الحياة، وكل واشرب على قدر مقومات الحياة ولا تسرف، فقد أحل الله لك الأكثر وحرّم عليك الأقل، فلا تتجاوز الأكثر الذي أُحلِّ لك إلى ما حرم الله؛ لأن هذا إسراف على النفس، بدليل أنه لو لم تجد إلا الميتة، فهي حلال لك بشرط ألا تُسرف. ولا يصح أن تنقل الأشياء من تحليل إلى تحريم؛ لأن الله جعل لك في الحلال ما يغنيك عن الحرام، فإذا لم يوجد ما يغنيك، فالحق يحل لك أن تأخذ على قدر ما يحفظ عليك حياتك، والمسرفون هم المتجاوزون الحدود. ولا سرف في حل، إنما السرف يكون في الشيء المحرم، ولذلك جاء في الأثر: "لو أنفقت مثل أحد ذهباً في حِلِّ ما اعتبرت مسرفاً، ولو أنفقت درهماً واحداً في محرم لاعتبرت مسرفاً". حديث : ولذلك يطلب منك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعطي كل نعمة حقها بشرط ألا يؤدي بك ذلك إلى البطر، وحينما ذهب إليه سيدنا عثمان بن مظعون، وقد أراد أن يترهب، ويتنسك، ويسيح في الكون، وقال لرسول الله: يا رسول الله، إنني أردت أن اختصي؛ أي يقطع خصيتيه؛ كي لا تبقى له غريزة جنسية، فقال صلى الله عليه وسلم: يا عثمان خصاء أمتي الصوم"تفسير : . لذلك قال صلى الله عليه وسلم في شأن من لم يستطع الزواج:"حديث : "يا معشر الشباب من استطاع منك الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". حديث : وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الناس وخوفهم فاجتمع عشرة من الصحابة وهم: أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبو ذر وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد وسليمان وعبدالله بن عمرو بن العاص ومعقل بن مقرن في بيت عثمان بن مظعون فاتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفراش ولا يأكلوا اللحم ولا يقربوا النساء ويجبّوا مذاكيرهم". فكان التوجيه النبوي أن حمد الرسول صلى الله عليه وسلم ربه وأثنى عليه وقال:" ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ". تفسير : ويتابع الحق سبحانه بعد ذلك: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة آدم عليه السلام، وذكر ما امتن به على بنيه وما أنعم به عليهم من اللباس الذي يستر العورات، أمر هنا بأخذ الزينة والتجمل في المناسبات وعند إرادة الصلاة، ثم ذكر أحوال الآخرة وانقسام الناس إلى طوائف: "أهل الجنة، وأهل النار، وأهل الأعراف" ومآل كل فريق من سعادة أو شقاء في دار العدل والجزاء. اللغَة: {زِينَتَكُمْ} الزينة: ما يتزين به المرء ويتجمل من ثياب وغيرها {ٱلْفَوَاحِشَ} جمع فاحشة وهي ما تناهى قبحه من المعاصي {ٱلْبَغْيَ} الظلم والاستطالة على الناس {سُلْطَاناً} حجة وبرهاناً {سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} ثقب الإِبرة {مِهَادٌ} فراش يمتهده الإِنسان {غَوَاشٍ} أغطية جمع غاشية قال ابن عباس: هي اللحف {ٱلأَعْرَافِ} السور المضروب بين الجنة والنار جمع عرف مستعار من عرف الديك {بِسِيمَاهُمْ} بعلامتهم. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة وتقول: من يعيرني تَطْوافاً تجعله على فرجها وتقول: شعر : اليوم يبدو بعضُه أو كلّه فما بدا منه فلا أُحلّه تفسير : فنزلت هذه الآية {يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألاّ يطوف بالبيت عُريان. التفسِيْر: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي البسوا أفخر ثيابكم وأطهرها عند كل صلاة أو طواف {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} أي لا تسرفوا في الزينة والأكل والشرب بما يضر بالنفس والمال {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي المتعدين حدود الله فيما أحلَّ وحرّم {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} أي قل يا محمد لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون بالبيت عراةً ويحرمون على أنفسهم ما أحللت لهم من الطيبات، من حرّم عليكم التجمل بالثياب التي خلقها الله لنفعكم من النبات، والمستلذات من المآكل والمشارب! والاستفهام للإِنكار والتوبيخ {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي هذه الزينة والطيبات في الدنيا مخلوقة للمؤمنين وإن شاركهم فيها الكفار، وستكون خالصة لهم يوم القيامة لا يشركهم فيها أحد لأن الله حرم الجنة على الكافرين {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي نبيّن ونوضح الآيات التشريعية لقوم يتدبرون حكمة الله ويفقهون تشريعه {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} أي قل لهم يا محمد ما حرّم الله إلا القبائح من الأشياء التي تفاحش قبحها وتناهى ضررها، سواء ما كان منها في السر أو في العلن {وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي وحرّم المعاصي كلها والعدوان على الناس {وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} أي تجعلوا له شركاء في عبادته بدون حجة أو برهان {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي تفتروا على الله الكذب في التحليل والتحريم {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} أي لكل أمة كذبت رسلها مدة مضروبة لهلاكها قال في البحر: هذا وعيد للمشركين بالعذاب إذا خالفوا أمر ربهم {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي فإِذا جاء وقت هلاكهم المقدر لهم لا يتأخر عنهم برهة من الزمن ولا يتقدم كقوله {أية : وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً} تفسير : [الكهف: 59] والساعة مثلٌ في غاية القلة من الزمان {يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} المراد ببني آدم جميع الأمم والمعنى إن يجئْكُم رسلي الذين أرسلتهم إليكم يبينون لكم الأحكام والشرائع {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي فمن اتقى منكم ربه بفعل الطاعات وترك المحرمات فلا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي وأما من كذب واستكبر عن الإِيمان بما جاء به الرسل فأولئك في نار جهنم ماكثون لا يخرجون منها أبداً {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} الاستفهام للإِنكار أي من أقبح وأشنع ممن تعمّد الكذب على الله أو كذّب بآياته المنزلة؟ {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ} أي يصيبهم حظهم في الدنيا مما كُتب لهم وقُدر من الأرزاق والآجال قال مجاهد: ما وُعدوا به من خير أو شر {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} أي جاءت ملائكة الموت تقبض أرواحهم {قَالُوۤاْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله أدعوهم ليخلصوكم من العذاب، والسؤال للتبكيت والتوبيخ {قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} أي قال الأشقياء المكذبون لقد غابوا عنا فلا نرجوا نفعهم ولا خيرهم {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} أي أقروا واعترفوا على أنفسهم بالكفر والضلال، وإِنما قالوا ذلك على سبيل التحسر والاعتراف بما هم عليه من الخيبة والخسران {قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ} أي يقول الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء المكذبين بآياته: ادخلوا مع أمم أمثالكم من الفجرة في نار جهنم من كفار الأمم الماضية من الإِنس والجن {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} أي كلما دخلت طائفة النار لعنت التي قبلها لضلالها بها قال الألوسي: يلعن الأتباع القادة يقولون: أنتم أوردتمونا هذه الموارد فلعنكم الله تعالى، والمراد أن أهل النار يلعن بعضهم بعضاً كقوله تعالى {أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} تفسير : [العنكبوت: 25] {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} أي تلاحقوا واجتمعوا في النار كلهم {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا} أي قال الأتباع للقادة والرؤساء الذين أضلوهم يا ربنا هؤلاء هم الذين أضلونا عن سبيلك وزينوا لنا طاعة الشيطان {فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ} أي أذقهم العذاب مضاعفاً لأنهم تسببوا في كفرنا ونظير هذه الآية {أية : رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [الأحزاب: 67 - 68] {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} أي لكلٍ من القادة والأتباع عذاب مضاعف أما القادة فلضلالهم وإضلالهم، وأما الأتباع فلكفرهم وتقليدهم {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} أي لا تعلمون هوله ولهذا تسألون لهم مضاعفة العذاب {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي قال القادة للأتباع: لا فضل لكم علينا في تخفيف العذاب فنحن متساوون في الضلال وفي استحقاق العذاب الأليم {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي فذوقوا عذاب جهنم بسبب إجرامكم، قالوه لهم على سبيل التشفي لأنهم دعوا عليهم بمضاعفة العذاب {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا} أي كذبوا بإياتنا مع وضوحها واستكبروا عن الإِيمان بها والعلم بمقتضاها {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ} أي لا يصعد لهم عمل صالح كقوله تعالى {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} تفسير : [فاطر: 10] قال ابن عباس: لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء، وقيل: لا تُفتَّح لأرواحهم أبواب السماء إذا قبضت أرواحهم ويؤيده حديث "حديث : إن العبد الكافر إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا يجيئه ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة فلا يمر على ملأٍ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفتح له.." تفسير : الحديث {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} أي لا يدخلون يوم القيامة الجنة حتى يدخل الجمل في ثقب الإِبرة، وهذا تمثيل لاستحالة دخول الكفار الجنة كاستحالة دخول الجمل على ضخامته في ثقب الإِبرة على دقته مبالغة في التصوير {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ} أي ومثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي أهل العصيان والإِجرام {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} أي لهم فراش من النار من تحتهم {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} أي ومن فوقهم أغطية من النار {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} أي ومثل ذلك الجزاء الشديد نجزي كل من ظلم وتعدّى حدود الله، ولما ذكر تعالى وعيد الكافرين وما أعده لهم في الآخرة أتبعه بذكر وعد المؤمنين وما أعدّ لهم فقال {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي والذين صدّقوا الله ورسوله وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي لا نكلف أحداً بما هو فوق طاقته أو بما يعجز عنه بل بما هو في وسعه والجملة اعتراضية بين المبتدأ والخبر قال في البحر: وفائدته التنبيه على أن ذلك العمل في وسعهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم ما فيها يوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} هذا هو الخبر أي هؤلاء المؤمنون السعداء هم المستحقون للخلود الأبدي في جنات النعيم لا يُخرجون منها أبداً {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} أي طهرنا قلوبهم من الحسد والبغضاء حتى لا يكون بينهم إلا المحبة والتعاطف كما ورد في الحديث "حديث : يدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غلٌ" تفسير : وصيغة الماضي تفيد التحقق والتثبت {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} أي تجري أنهار الجنة من تحت قصورهم زيادة في نعيمهم {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} أي وفقنا لتحصيل هذا النعيم العظيم ولولا هداية الله تعالى وتوفيقه لما وصلنا إلى هذه السعادة {لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ} أي والله لقد صدقنا الرسل فيما أخبرونا به عن الله عز وجل {وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي وتناديهم الملائكة أن هذه هي الجنة التي أعطيتموها بسبب أعمالكم الصالحة فى الدنيا قال القرطبي: ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إِياها برحمة الله وفضله وفي الحديث "حديث : لن يُدخل أحداً منكم عملهُ الجنة.." تفسير : الحديث {وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ} هذا النداء إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وعبَّر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه أي ينادي أهلُ الجنة أهلَ النار يقولون: إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة رسله من النعيم والكرامة حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من الخزي والهوان والعذاب حقاً؟ قال أهل النار مجيبين: نعم وجدناه حقاً قال الزمخشري: وإِنما قالوا لهم ذلك اغتباطاً بحالهم، وشماتةً بأهل النار، وزيادة في غمهم لمجرد الإِخبار والاستخبار {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} أي أعلن معلنٌ ونادى منادٍ بين الفريقين بأن لعنة الله على كل ظالم بالله ثم وصفه بقوله {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي الذين كانوا في الدنيا يمنعون الناس عن اتباع دين الله ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها أحد {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ كَافِرُونَ} أي وهم بلقاء الله في الدار الآخرة مكذبون جاحدون {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} أي بين الفريقين حجاب وهو السور الذي ذكره بقوله {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ} تفسير : [الحديد: 13] يمنع من وصول أهل النار للجنة، وعلى هذا السور رجال يعرفون كلاً من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم أي بعلامتهم التي ميّزهم الله بها قال قتادة: يعرفون أهل النار بسواد وجوههم وأهل الجنة ببياض وجوههم {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أي ونادى أصحاب الأعراف أهل الجنة حين رأوهم أن سلامٌ عليكم أي قالوا لهم: سلام عليكم قال تعالى {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} أي لم يدخل أصحاب الأعراف الجنة وهم يطمعون في دخولها {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} قال المفسرون: أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فليسوا من أهل الجنة ولا من أهل النار، يحبسون هناك على السور حتى يقضي الله فيهم فإذا نظروا إلى أهل الجنة سلّموا عليهم، وإذا نظروا إلى أهل النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، سألوا الله ألاّ يجعلهم معهم قال أبو حيان: وفي التعبير بقوله {صُرِفَتْ} دليل على أن أكثر أحوالهم النظر إلى أهل الجنة وأن نظرهم إلى أصحاب النار ليس من قِبَلهم بل هم محمولون عليه والمعنى أنهم إذا حُملوا على صرف أبصارهم ورأوا ما عليه أهل النار من العذاب استغاثوا بربهم من أن يجعلهم معهم {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} أي من أهل النار وهم رؤساء الكفرة {قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} أي أيُّ شيء نفعكم جمعكم للمال واستكباركم عن الإِيمان؟ والاستفهام للتوبيخ {أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ} أي أهولاء المؤمنون الضعفاء الذين كنتم في الدنيا تسخرون منهم وتحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة، والاستفهام استفهام تقرير وتوبيخ وشماتة يوبخونهم بذلك {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} أي يقولون للمؤمنين ادخلوا الجنة رغم أنوف الكافرين قال الألوسي: هذا من كلام أصحاب الأعراف يقولون لأهل الجنة المشار إليهم: دوموا في الجنة غير خائفين ولا محزونين على أكمل سرور وأتم كرامة {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} يخبر تعالى عن المحاورة بين أهل النار وأهل الجنة بعد أن استقر بكلٍ من الفريقين القرار واطمأنت به الدار، وعن استغاثتهم بهم عند نزول عظيم البلاء من شدة العطش والجوع والمعنى ينادونهم يوم القيامة أغيثونا بشيء من الماء لنسكن به حرارة النار والعطش أو مما رزقكم الله من غيره من الأشربة فقد قتلنا العطش {قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} أي منع الكافرين شراب الجنة وطعامها قال ابن عباس: ينادي الرجل أخاه وأباه فيقول: قد احترقت فأفض عليَّ من الماء! فيقال لهم أجيبوهم فيقولون: إن الله حرمهما على الكافرين، ثم وصف تعالى الكافرين بقوله {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً} أي هزءوا من دين الله وجعلوا الدين سخرية ولعباً {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي خدعتهم بزخارفها العاجلة وشهواتها القاتلة وهذا شأنها مع أهلها تغرُّ وتضر، وتخدع ثم تصرع {فَٱلْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا} أي ففي هذا اليوم نتركهم في العذاب كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا فلم يخطر ببالهم ولم يهتموا به قال الألوسي: الكلام خارجٌ مخرج التمثيل أي نتركهم في النار وننساهم مثل نسيانهم لقاء هذا اليوم العظيم الذي ينبغي ألا يُنسى وقال ابن كثير: أي يعاملهم معاملة من نسيهم لأنه تعالى لا يشذّ عن علمه شيءٌ ولا ينساه {وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} أي وكما كانوا منكرين لآيات الله في الدنيا، يكذبون بها ويستهزءون، ننساهم في العذاب. البَلاَغَة: 1- {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} مجاز مرسل علاقته المحلية لأن المراد بالمسجد هنا الصلاة والطواف، ولما كان المسجد مكان الصلاة أطلق ذلك عليه. 2- {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ} كناية عن عدم قبول العمل، فلا يقبل لهم دعاء أو عمل. 3- {حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} فيه تشبيه ضمني أي لا يدخلون الجنة بحالٍ من الأحوال إلا إِذا أمكن دخول الجمل في ثقب الإِبرة، وهو تمثيلٌ للاستحالة. 4- {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} قال صاحب البحر: هذه استعارة لما يحيط بهم من النار من كل جانب كقوله {أية : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} تفسير : [الزمر: 16]. 5- {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} بين "ظهر" و "بطن" طباقٌ وهو من المحسنات البديعية. فَائِدَة: يروى أن الرشيد كان له طبيبٌ نصراني حاذق فقال ذلك الطبيبُ لأحد العلماء: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلمُ علمان: علم الأبدان وعلم الأديان فقال له العالم: قد جمع الله تعالى الطبَّ كله في نصف آية من كتابه قال وما هي؟ قال قوله تعالى {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} فقال النصراني: ولا يُؤثر عن رسولكم شيء في الطب فقال العالم: قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة قال وما هي؟ قال قوله "حديث : ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه" تفسير : الحديث فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً.
الأندلسي
تفسير : {يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الآية، كان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، وكانوا لا يأكلون في أيام حجهم دسماً، ولا ينالون من الطعام إلا قوتاً، تعظيماً لحجهم. فنزلت. والزينة فعلة من التزين وهو اسم ما يتجمل به من ثياب وغيرها، كقوله تعالى: {أية : وَٱزَّيَّنَتْ}تفسير : [يونس: 24] أي بالنبات. والزينة هنا المأمور بأخذها هو ما يستر العورة في الصلاة. وفي صحيح مسلم عن عروة أن العرب كانت تطوف عراة إلا الحُمْسُ، وهم قريش إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً فتعطى الرجالُ الرجالَ والنساءُ النساءَ. وفي غير مسلم: من لم يكن له صديق بمكة يعيره ثوباً طاف عرياناً أو في ثيابه وألقاها بعد ذلك فلا يمسها أحد، وتسمى اللقاء. وقال بعضهم في ذلك: شعر : كفى حزناً كدى عليه كأنه لقى بين أيدي الطائفين حريم حديث : فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه: يا بني آدم خذوا زينتكم، أذّن مؤذنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان . تفسير : {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} الظاهر أنه أمر بإِباحة الأكل والشرب من كل ما يمكن أن يؤكل ويشرب مما لم يخطر أكله وشربه في الشريعة. وإن كان النزول على سبب خاص كما ذكروا من امتناع المشركين من أكل اللحم والدسم أيام إحرامهم، والنهي عن الإِسراف يدل على التحريم لقوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ}. والظاهر تعلق الإِسراف بالأكل والشرب كما يوجد للمحترفين في الدنيا من مغالاة التأنق في الأكل بحيث يغرم على الدجاجة الواحدة نحو من عشرين درهماً، وكما يغرم على الرطل من الحلوى نحو من أربعين درهماً، ولقد شاهدنا بعض أكابرهم رسم بأن يعمل له خميرة ورد في مئين من القناني في كل قنينة أربع أواق فقيل له: الورد كما دخل وهو غال، فقال: أليس موجوداً؟ فقيل له: نعم. فقال: كل موجود ليس بغال. وكما بلغنا عن بعض الناس أنه كان يأكل الفستق مقشوراً بالسكر النبات في القطايف، وقد سئل عن حال من يأكل قشور الموز من الجوع والفقر فقال ذلك الآكل: كلنا فقراء. وأما تأنقهم في الأواني الصينية وفعالاتهم في أثمانها فكثير، ويسألون درهماً لفقير فلا يبورن به. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ} هي ما حسنته الشريعة وقررته مما يتجمل به الناس من الثياب وغيرها. وأضيفت إلى الله تعالى لأنه هو الذي أباحها. والطيبات: هي المستلذات من المأكول والمشروب بطريقه وهو الحل، ومعنى الاستفهام إنكار تحريم هذه الأشياء وتوبيخ محرميها. وقد كانوا يحرمون أشياء من لحوم الطيبات وألبانها. والاستفهام إذا تضمن الإِنكار لا جواب له. ومعنى: {أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} أي أبرزها وأظهرها وفصّل حلالها من حرامها. {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية، وقرىء: خالصة بالرفع. وقرأ باقي السبعة بالنصب، فأما النصب فعلى الحال والتقدير قل هي مستقرة للذين آمنوا في حال خلوصها لهم يوم القيامة وهي حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبراً لهيَ. وفي الحياة متعلق بآمنوا. وأما الرفع فجوزوا فيه أن يكون خبراً لهي. وللذين آمنوا متعلق بخالصة. وفي الحياة الدنيا متعلق بآمنوا. ويصير المعنى قل هي خالصة يوم القيامة لمن آمن من الدنيا، ولا يعني بيوم القيامة وقت الحساب، وخلوصها كونهم لا يعاقبون عليها، وإلى هذا المعنى يشير ابن جبير. وجوزوا فيه أن يكون خبراً بعد خبر، والخبر الأول هو للذين آمنوا. وفي الحياة الدنيا متعلق بما يتعلق به للذين وهو الكون المطلق، أي قل هي كائنة في الحياة الدنيا للمؤمنين وإن كان يشركهم فيها في الحياة الدنيا الكفار وخالصة لهم يوم القيامة. ويراد بيوم القيامة استمرار الكون في الجنة، وهذا المعنى من أنها لهم ولغيرهم في الدنيا خالصة لهم يوم القيامة هو قول ابن عباس وجماعة. {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ} تقدم تفسير الفواحش. و{مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} في أواخر الانعام قال ابن عباس: هنا ما ظهر منها ما كانت تفعله الجاهلية من نكاح الأبناء نساء الآباء، والجمع بين الأختين، وأن تنكح المرأة على عمتها وخالتها، وما بطن، وهو الزنا، وما عطف عليه بدل من الفواحش وهو بدل تفصيلي لإِنقسام الفواحش إلى ظاهرة وباطنة. ونظيره قول الشاعر: شعر : وكنت كذي رجلَيْنِ رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت تفسير : والاثم عام يشمل الأقوال والأفعال التي يترتب عليها الاثم. والبغي: التعدي وتجاوز الحد مبتدئاً كان أو منتصراً. وقوله: {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} زيادة بيان وليس يتصور بغي بحق، لأن ما كان بحق لا يسمى بغياً. وتقدم تفسير {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} في الانعام فأغنى عن إعادته. {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} أي لكل واحد من الأمة عمر ينتهي إليه بقاؤه في الدنيا، فإِذا مات علم ما كان عليه من حق أو باطل. وقرىء: جاء أجلهم بإِبدال همزة أجلهم ألفاً. وقرىء أيضاً بحذفها. وقرىء: أيضاً بإِقرارها همزة وجواب إذا. قوله: {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} وقال الحوفي: {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} معطوف على لا يستأخرون. "انتهى". وهذا لا يمكن لأن إذا شرطية فالذي يترتب عليها إنما هو مستقبل، ولا يترتب على مجيء الأجل في المستقبل إلا مستقبل، وذلك يتصور في انتفاء الاستئخار لا في انتفاء الاستقدام لأن الاستقدام سابق على مجيء الأجل في الاستقبال فيصير نظير قولك: إذا قمت في المستقبل، لم يتقدم قيامك في الماضي. ومعلوم أنه إذا قام في المستقبل لم يتقدم قيامه، هذا في الماضي. وهذا شبيه بقول زهير: شعر : بدا لي أني لست مورك ما مضى ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائياً تفسير : ومعلوم أن الشىء إذا كان جائياً إليه لا يسبقه. والذي تخرج عليه الآية أن قوله: لا يستقدمون، منقطع من الجوا بعلى سبيل استئناف اخبار، أي وهم لا يستقدمون الأجل أي لا يسبقونه. وصار معنى الآية أنهم لا يسبقون الأجل ولا يتأخرون عنه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى - بعد ما أنزل على بني آدم لباسا يواري سوءاتهم وريشا: { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } أي: استروا عوراتكم عند الصلاة كلها، فرضها ونفلها، فإن سترها زينة للبدن، كما أن كشفها يدع البدن قبيحا مشوها. ويحتمل أن المراد بالزينة هنا ما فوق ذلك من اللباس النظيف الحسن، ففي هذا الأمر بستر العورة في الصلاة، وباستعمال التجميل فيها ونظافة السترة من الأدناس والأنجاس. ثم قال: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا } أي: مما رزقكم اللّه من الطيبات { وَلا تُسْرِفُوا } في ذلك، والإسراف إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي والشره في المأكولات الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفه والتنوق في المآكل والمشارب واللباس، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام. { إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } فإن السرف يبغضه اللّه، ويضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من النفقات، ففي هذه الآية الكريمة الأمر بتناول الأكل والشرب، والنهي عن تركهما، وعن الإسراف فيهما.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [31] 202- أنا محمد بن بشار، نا محمد، نا شعبة، عن سلمة قال: سمعت مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت، وهي عُريانة وتقول: شعر : اليوم يبدو بعضه أو كُلُّه وما بدا منه فلا أُحِلُّه تفسير : فنزلت {يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [31]. ذيل التفسير قوله تعالى: [{خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [31]]
همام الصنعاني
تفسير : 894- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري: أنَّ العرب كانت تطوف بالبيت عراة، إلا الحُمْس قريشاً وأحْلاَفَهَا. فمن جاء من غيرِهِمْ وضع ثيابه وطَافَ في ثَوْبَيْ أَحْمَس، فإنه يحل له أن يَلْبَسَ ثيابه، فإن لم يجد مَنْ يُعيُرهُ مِنَ الْحُمْسِ فإنه يُلْقِي ثيابه ويطوف عرياناً، وإن طاف في ثياب نفسه ألقاها إذا قضى طوافه يُحرِّمها، فيجعلها حَرَاماً عَلَيْه. فلذلك قال الله تبارك وتعالى: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}: [الآية: 31]. 895- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله تعالى: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}: [الآية: 31]، قال: الشملة من الزينة. 896- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ}: [الآية: 31]، قال: أحَلَّ الله تعالى الأكل والشراب مالم يكن إسرافاً ولا مخيلةً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):