Verse. 986 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِيْنَۃَ اللہِ الَّتِيْۗ اَخْرَجَ لِعِبَادِہٖ وَالطَّيِّبٰتِ مِنَ الرِّزْقِ۝۰ۭ قُلْ ہِىَ لِلَّذِيْنَ اٰمَنُوْا فِي الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا خَالِصَۃً يَّوْمَ الْقِيٰمَۃِ۝۰ۭ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْاٰيٰتِ لِقَوْمٍ يَّعْلَمُوْنَ۝۳۲
Qul man harrama zeenata Allahi allatee akhraja liAAibadihi waalttayyibati mina alrrizqi qul hiya lillatheena amanoo fee alhayati alddunya khalisatan yawma alqiyamati kathalika nufassilu alayati liqawmin yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» إنكارا عليهم «من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده» من اللباس «والطيبات» المستلذات «من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا» بالاستحقاق وإن فيها غيرهم «خالصةٌ» خاصة بهم بالرفع والنصب حال «يوم القيامة كذلك نفصِّل الآيات» نبينها مثل ذلك التفصيل «قوم يعلمون» يتدبَّرون فإنهم المنتفعون بها.

32

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ} بيّن أنهم حَرّموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرّمه الله عليهم. والزينة هنا الملبس الحسن، إذا قدر عليه صاحبه. وقيل: جميع الثياب؛ كما روي عن عمر: إذا وسّع الله عليكم فأوسعوا. وقد تقدّم. وروي عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب شيخِ مالك رضي الله عنهم أنه كان يلبس كساء خَزٍّ بخمسين ديناراً، يلبسه في الشتاء، فإذا كان في الصيف تصدّق به، أو باعه فتصدّق بثمنه، وكان يلبَس في الصيف ثوبين من مَتاع مِصر مُمَشَّقَيْن ويقول: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}. الثانية: وإذا كان هذا فقد دلّت الآية على لباس الرفيع من الثياب، والتجمُّل بها في الجُمَع والأعياد، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان. قال أبو العالِية: كان المسلمون إذا تزاوَروا تجمّلوا. وفي صحيح مسلم حديث : من حديث عمر بن الخطاب أنه رأى حُلَّةَ سِيَرَاءَ تباع عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدِموا عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة»تفسير : . فما أنكر عليه ذكر التجمّل، وإنما أنكر عليه كونها سِيَرَاءَ. وقد اشترى تميم الدّارِي حُلَّة بألف درهم كان يصلي فيها. وكان مالك بن دِينار يلبس الثياب العدَنية الجياد. وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار. أين هذا ممن يرغب عنه ويؤثِر لباس الخشن من الكتّان والصوف من الثياب. ويقول: «وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ» هيهاتٰ أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى، لا واللهٰ بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة والنُّهَى، وغيرهم أهل دَعْوَى، وقلوبهم خالية من التقوى. قال خالد بن شَوْذَب: شهدت الحسن وأتاه فَرْقَد، فأخذه الحسن بكسائه فمدّه إليه وقال: يا فُرَيْقَد، يٱبن أمّ فريقد، إن البِرّ ليس في هذا الكساء، إنما البِرّ ما وَقَرَ في الصدر وصدّقه العمل. ودخل أبو محمد ٱبن أخي معروف الكرخِيّ على أبي الحسن بن يَسَار وعليه جبة صوف، فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد، صوّفت قلبك أو جسمك؟ صوّف قلبك وٱلبس القُوهِيّ على القُوهِيّ وقال رجل للشّبْليّ: قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع، فمضى فرأى عليهم المرقّعات والفُوَط، فأنشأ يقول:شعر : أمّا الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحيّ غير نسائه تفسير : قال أبو الفرج بن الجوزِي رحمه الله: وأنا أكره لبس الفُوَط والمرقّعات لأربعة أوجه: أحدها: أنه ليس من لبس السلف، وإنما كانوا يرقعون ضرورة. والثاني: أنه يتضمن ٱدعاء الفقر، وقد أمِر الإنسان أن يظهر أثر نِعَم الله عليه. والثالث: إظهار التزهد؛ وقد أمرنا بستره. والرابع: أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة. ومن تشبه بقوم فهو منهم. وقال الطبريّ: ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حلّه. ومَن أكل البقول والعدس وٱختاره على خبز البر. ومن ترك أكل اللحم خوفاً من عارض شهوة النساء. وسئل بِشْر بن الحارث عن لبس الصوف، فشق عليه وتبينت الكراهة في وجهه ثم قال: لبس الخَزّ والمعَصْفَر أحب إليّ من لبس الصوف في الأمصار. وقال أبو الفرج: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة، لا المترفعة ولا الدّون، ويتخيّرون أجودها للجمعة والعيد وللقاء الإخوان، ولم يكن تخيّر الأجود عندهم قبيحاً. وأما اللباس الذي يزري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر، وكأنه لسان شكوى من الله تعالى، ويوجب احتقار اللابس؛ وكل ذلك مكروه مَنْهِيّ عنه. فإن قال قائل: تجويد اللباس هَوَى النفس وقد أمِرنا بمجاهدتها، وتزيّن للخلق وقد أمِرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق. فالجواب ليس كل ما تهواه النفس يُذَمّ، وليس كل ما يُتَزَيّن به للناس يُكره، وإنما يُنْهَى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدِّين. فإن الإنسان يجب أن يُرى جميلاً. وذلك حظ للنفس لا يُلام فيه. ولهذا يسرح شعره وينظر في المرآة ويسوّي عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج. وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يُذَم. وقد روى مَكْحول حديث : عن عائشة قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدار رَكْوة فيها ماء؛ فجعل ينظر في الماء ويسوّي لحيته وشعره. فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: «نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فلْيُهَيِّيء من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذَرّة من كِبر». فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة. قال: «إن الله جميل يحب الجمال الكِبر بَطَر الحق وغَمْطُ الناس»تفسير : . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، تدل كلها على النظافة وحسن الهيئة. وقد روى محمد بن سعد أخبرنا الفضل بن دُكَيْن قال حدّثنا مَنْدل عن ثور عن خالد بن معدان قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر بالمشط والمرآة والدّهن والسواك والكحلتفسير : . وعن ابن جريج: مشط عاج يتمشط به. قال ابن سعد: وأخبرنا قَبيصة بن عقبة قال: حدّثنا سفيان عن ربيع بن صَبيح عن يزيد الرّقاشيّ عن أنس بن مالك قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه ويسرّح لحيته بالماءتفسير : . أخبرنا يزيد بن هارون حدّثنا عبّاد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: حديث : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مُكْحُلة يكتحل بها عند النوم ثلاثاً في كل عين.تفسير : الثالثة: قوله تعالى: {وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} الطيبات اسم عامٌّ لما طاب كَسْباً وطَعْماً. قال ابن عباس وقتادة: يعني بالطيبات من الرزق ما حرّم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. وقيل: هي كل مستلَذّ من الطعام. وقد ٱختلف في ترك الطيبات والإعراض عن اللذات؛ فقال قوم: ليس ذلك من القُربات، والفعل والترك يستوي في المباحات. وقال آخرون: ليس قُرْبة في ذاته، وإنما هو سبيل إلى الزهد في الدنيا، وقِصر الأمل فيها، وترك التكلف لأجلها؛ وذلك مندوب إليه، والمندوب قُربة. وقال آخرون: ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: لو شئنا لاتخذنا صِلاءً وصَلائقَ وصِنَاباً، ولكني سمعت الله تعالى يذمّ أقواماً فقال: {أية : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الأحقاف: 20]. ويروى «صَرائق» بالراء، وهما جميعاً الجرادق. والصَّلائق (باللام): ما يلصق من اللحوم والبقول. والصِّلاء (بكسر الصاد والمد): الشّواء. والصِّناب: الخردل بالزبيب. وفرق آخرون بين حضور ذلك كله بكُلْفَة وبغير كلفة. قال أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي شيخ أشياخنا: وهو الصحيح إن شاء الله عز وجل؛ فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ٱمتنع من طعام لأجل طِيبه قطُّ، بل كان يأكل الحلوى والعسل والبِطِّيخ والرطّب، وإنما يكره التكلّف لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة. والله تعالى أعلم. قلت: وقد كره بعض الصوفية أكل الطيبات؛ واحتج بقول عمر رضي الله عنه: إياكم واللحم فإن له ضَرَاوَة كضَرَاوَة الخمر. والجواب أن هذا من عمر قول خرج على من خشي منه إيثار التنعم في الدنيا، والمداومة على الشهوات، وشفاء النفس من اللذات، ونسيان الآخرة والإقبال على الدنيا، ولذلك كان يكتب عمر إلى عماله: إياكم والتنعمَ وزِيّ أهل العجم، وٱخْشَوْشِنوا. ولم يرد رضي الله عنه تحريم شيءٍ أحله الله، ولا تحظير ما أباحه الله تبارك ٱسمه. وقول الله عز وجل أولى ما ٱمتثل وٱعتمد عليه. قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}. وقال عليه السلام: «حديث : سيِّد إدامِ الدنيا والآخرة اللحم»تفسير : . وقد روى هِشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطِّبِّيخ بالرطب ويقول: «يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حر هذا»تفسير : . والطِّبِّيخ لغة في البِطِّيخ، وهو من المقلوب. وقد مضى في «المائدة» الردُّ على من آثر أكل الخشن من الطعام. وهذه الآية تردّ عليه وغيرها: والحمد لله. الرابعة: قوله تعالى: {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني بحقها من توحيد الله تعالى والتصديق له؛ فإن الله ينعم ويرزق، فإن وحّده المنعَمُ عليه وصدّقه فقد قام بحق النعمة، وإن كفر فقد أمكن الشيطان من نفسه. وفي صحيح الحديث: «حديث : لا أحد أصبر على أذى من الله يعافيهم ويرزقهم وهم يدعون له الصاحبة والولد»تفسير : . وتَمَّ الكلام على «الحياة الدنيا». ثم قال «خَالِصَةٌ» بالرفع وهي قراءة ابن عباس ونافع. {خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي يُخلِص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها. ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا مع غيرهم، وهي للمؤمنين خالصةٌ يوم القيامة. فخالصةٌ مستأنف على خبر مبتدأ مضمر. وهذا قول ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة والسدّي وابن جريج وابن زيد. وقيل: المعنى أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصةٌ يوم القيامة، للمؤمنين في الدنيا؛ وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون فقوله: «فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» متعلق «بِآمِنُوا». وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير. وقرأ الباقون بالنصب على الحال والقطع؛ لأن الكلام قد تمّ دونه. ولا يجوز الوقف على هذه القراءة على «الدُّنْيَا»؛ لأن ما بعده متعلق بقوله: «لِلَّذِينَ آمَنُوا» حالاً منه؛ بتقدير قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة؛ قاله أبو عليّ. وخبر الابتداء «لِلَّذِينَ آمَنُوا». والعامل في الحال ما في اللام من معنى الفعل في قوله: «لِلَّذِينَ» واختار سيبويه النصب لتقدم الظرف. {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي كالذي فصّلت لكم الحلال والحرام أفصِّل لكم ما تحتاجون إليه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى رداً على من حرم شيئاً من المآكل أو المشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير شرع من الله: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم: {مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} الآية، أي: هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حباً في الدنيا، فهي لهم خاصة يوم القيامة، ولا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنة محرمة على الكافرين، قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو حصين محمد بن الحسين القاضي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ}، فأمروا بالثياب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } إنكاراً عليهم {مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } من اللباس {وَٱلطَّيِّبَٰتُ } المستلذّات {مِنَ ٱلْرِزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِيْنَ ءَامَنُواْ فِي لْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } بالاستحقاق وإن شاركهم فيها غيرهم {خَالِصَةً} خاصة بهم. بالرفع والنصب، حال {يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ كَذَٰلِكَ نُفَصِلُ ٱلأَيَٰتِ } نبيّنها مثل ذلك التفصيل {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يتدّبرون فإنهم المنتفعون بها.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِّي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} يعني ستر العورة ردا على تركها من العرب في الطواف. ويحتمل ثانياً: أن يريد زينتها في اللباس. ثم قال: {وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} فيه قولان: أحدهما: أنهم كانوا يحرمون في الإحرام أكل السمن واللبن، قاله ابن زيد، والسدي. والثاني: أنها البحَيْرَةُ والسائبة التي حرموها على أنفسهم، قاله الحسن، وقتادة. وفي طيبات الرزق قولان: أحدهما: أنه المستلذ. والثاني: أنه الحلال. {قُلْ هِيَ للَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يعني أن الذين آمنوا في الحياة الدنيا له الطيبات من الرزق يوم القيامة لأنهم في القيامة يختصون بها وفي الدنيا قد يشركهم الكفار فيها. وفي قوله: {خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وجهان: أحدهما: خالصة لهم من دون الكفار. والثاني: خالصة من مضرة أو مأثم.

ابن عبد السلام

تفسير : {زِينَةَ اللَّهِ} ستر العورة في الطواف. {وَالطَّيِّبَاتِ} الحلال، أو المستلذ كانوا يحرِّمون السمن والألبان في الإحرام، أو البحيرة والسائبة. {خَالِصَةً} لهم دون الكفر، أو خالصة من مأثم أو مضرّة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} أي: قل لهم على جِهَةِ التوبيخ. وَزِينَةُ اللَّه هي ما حَسَّنته الشَّرِيعَةُ، وقررته، وزِينَةُ الدنيا كل ما اقتضته الشَّهْوَةُ، وطلب العلو في الأرض كالمَالِ والبنين. و{الطَّيِّبَاتُ} قال الجمهور: يريد المُحَلّلات. وقال الشافعي وغيره: هي المُسْتَلَذَّاتُ أي: من الحلال، وإنما قاد الشَّافعي إلى هذا تحريمه المستقذرات كالوَزَغِ ونحوهَا، فإنه يقول: هي من الخَبَائِث. * ت *: وقال مكي: المعنى قل مَنْ حَرَّمَ زينة اللَّه، أي: اللِّبَاس الذي يزين الإنسان بأَن يستر عَوْرَتهُ، ومن حرم الطيبات من الرزق المُبَاحَةِ. وقيل عنى بذلك ما كَانَتِ الجَاهِلِيَّةُ تحرمه من السوائب والبَحَائِر. انتهى. وقوله سبحانه: {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} قال ابن جُبَيْرٍ: المعنى: قل هي للذين آمَنُوا في الحَيَاةِ الدنيا يَنْتَفِعُونَ بها في الدُّنْيَا، ولا يتبعهم إثمها يوم القِيَامَةِ. وقال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغيرهم: المعنى هو أن يخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الطَّيبات المَوْجُودَاتِ هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا، وإن كانت أيْضاً لغيرهم معهم، وهي يوم القيامة خالصة لهم، أي: لا يشركهم أحد في استعمالها في الآخرة. وقرأ نافع وحده «خالصةٌ» بالرفع، والباقون بالنَّصْب. وقوله سبحانه: {كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي: كما فَصَّلنا هذه الأشياء المتقدمة الذِّكر {نُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ} أي: نبين الأمَارَاتِ، والعَلاَمَاتِ، والهِدَايَاتِ لقوم لهم علم ينتفعون به.

ابن عادل

تفسير : قال القرطبي: لما بيَّن أنَّهم حرَّموا من تِلْقاءِ أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم، بيَّن هنا إباحة الزِّينةِ، والمُرَادُ بها الملبس الحسن إذا قدر عليه صاحبه وقيل: جميع الثّياب. وهذا استفهامٌ معناه التَّوبيخ والإنكار، وإذا كان للإنكار فلا جواب له؛ إذ لا يُرادُ به استعلام، ولذلك نسب مَكيٌّ إلى الوهم في زعمه أنَّ قوله: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ.. إلى آخره} جوابه. قوله: "زينة الله" قال ابن عباس وأكثر المفسرين: المراد به اللِّباس الذي يَسْتُرُ العَوْرَة. وقيل: جميع أنواع الزينة، فيدخل فيه جميع أنواع المَلْبُوسِ، ويدخلُ تحته تنظيف البدن من جميع الوجوه، ويدخلُ تحته الرّكوب وأنواع الحلي؛ لأنَّ كل ذلك زينة، ولولا النًّص الوارد في تحريم الذَّهب والإبريسم على الرّجال لكان داخلاً تحت هذا العموم. ويدخل تحت الطيِّبات من الرِّزْقِ كلُّ ما يُسْتَلَذُّ ويشتهى من أنواع المأكولات والمشروبات، ويدخلُ تحته التَّمتع بالنِّسَاءِ والطيب. روي عن عُثْمَانَ بن مَظْعُون أنَّه أتى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : غلبني حديثُ النَّفْسِ عَزَمْتُ أن أخْتَصِي، فقال: مَهْلاً يا عثمان، إن خصاء أمتي الصِّيام، قال: إنَّ نَفْسي تحدثني بالترهب، فقال: إنَّ تَرَهُّبَ أمَّتِي القُعُودُ في المساجِدِ لانتظار الصلاة فقال: تُحَدِّثُني نَفْسي بالسِّياحَةِ، فقال: سيَاحَةُ أمَّتِي الغَزْوُ والحجُّ والعُمْرَةُ، فقال إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ أخْرُجَ مِمَّا أمْلِكُ، فقال: الأوْلَى أنْ تَكْفِي نَفْسَكَ وعيالَكَ، وأنْ تَرحم اليتيم، والمساكِينَ، فتُعْطِيَهُ أفضل مِنْ ذلك، فقال: إنَّ نَفْسِي تحدِّثُنِي أنْ أطلِّق خَوْلَةَ، فقال: إنَّ الهِجْرَةَ في أمَّتِي هِجْرَةُ ما حرَّم الله، فقال: إنَّ نَفْسِي تُحدِّثُني ألاَّ أغْشَاها، فقال: المُسْلِمُ إذا غشي أهْلَه أو ما مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فإنْ لَمْ يُصِبْ من وقْعَتِهِ تِلْكَ وَلَداً كان لَهُ وصيفٌ في الجَّنةِ، وإنْ كان لَهُ وَلَدٌ مات قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ كَانَ لَهُ قُرَّةَ عَيْنٍ وفرحاً يَوْمَ القيامةِ، وإن مات قَبْلَ أن يَبْلُغَ الحنث كان لَهُ شَفِيعاً ورَحْمَةً يَوْمَ القيامةِ، قال: فإن نَفْسِي تحدثني إلاَّ آكل اللحم قال مَهْلاً إني آكُلُ اللحم إذا وَجَدْتُهُ ولو سألت الله أن يطعمنيه فعل. قال: فإن نفسِي تُحَدِّثُنِي ألاَّ أمَسَّ الطِّيبَ، قال: مَهلاً فإن جِبْريلَ أمَرَنِي بالطِّيب غبّاً وقال: لا تَتْرُكْه يوْمَ الجُمعَةِ، ثم قال: يا عُثْمَانُ: لا تَرْغَبْ عَنْ سُنَّتِي فإنَّ مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَمَاتَ قبل أنْ يتُوبَ صَرَفَت الملائكةُ وجْهَهُ عَنْ حَوْضِي ". تفسير : وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أنَّ هذه الشَّريعةِ هي الكاملة، وتدل على أن جميع الزِّينة مباح مأذون إلا ما خصَّه الدليل. فصل في إباحة المنافع لابن آدم هذه الآيةُ تقْتَضي حلَّ كلِّ المنافع، وهو أصلٌ معتبر في جميع الشريعة؛ لأنَّ كلَّ واقعة إمَّا يكون النَّفع فيها خالصاً أو راجحاً، أو يتساوى فيها الضَّرر والنَّفع، أو يرتفعان. أما القسمان الأخيران وهما: أن يتعادل الضّرر والنفع، أو لم يوجدا قطُّ، ففي هاتين الصُّورتين يجب الحكم ببقاء ما كان على ما كان، وإنْ كان النَّفع خالصاً؛ وجب الإطلاق بمقتضى هذه الآية، وإن كان النَّفع راجحاً والضَّرر مرجوحاً يقابل المثل بالمثل، ويبقى القدر الزَّائد نفعاً خالصاً فيلتحق بالقسم الأوَّل، وهو الذي يكون النَّفعِ فيه خالصاً وإن كان الضَّرر خالصاً كان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطَّريق صارت هذه الآية دالّة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحلّ والتحريم، ثمَّ إنْ وجدنا نصاً خالصاً في الواقعةِ قَضَيْنَا في النَّفْعِ بالحِلِّ، وفي الضَّرَرِ بالحُرْمَةِ، وبهذا الطَّريق صار جَمِيعُ الأحْكَامِ التّي لا نِهَايَةَ لها داخلَ تحت هذا النَّصِّ. فصل في دحض شبهة لنفاة القياس قال نُفَاةُ القياس: لو تَعَبَّدَنَا الله بالقياسِ لكان حكم ذلك القياس إمّا أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام وحينئذٍ يكون ضَائِعاً؛ لأنَّ هذا النَّصَّ مستقلٌّ به، وإنْ كان مخالفاً كان ذلك القِيَاسُ مُخَصِّصاً لعموم هذا النَّصِّ، فيكون مردوداً؛ لأنَّ العمل بالنَّصِّ أوْلَى من العملِ بالقياسِ، قالوا: وبهذا الطَّريق يكونُ القرآن وحْدَهُ وَافِياً ببيَانِ كل أحكام الشَّريعةِ، ولا حاجة معه إلى شَيْءٍ آخر. قوله: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. ["قل هي للَّذين آمنوا في الحياة الدُّنيا"] أي: بحقِّها من تَوْحيد الله - عزَّ وجلَّ - والتَّصديق له، فإن الله ينعم ويرزق، فإن وحّده المنعم عليه وصدَّقَهُ فقد قَامَ بحقِّ النِّعْمَةِ، وإنْ كَفَرَ أمكن الشَّيْطَان من نَفْسِه. وقيل: أي: هي للَّذين آمَنُوا في الحياة الدُّنْيَا غير خالصةٍ لهم؛ لأنَّ المشركين شركاؤهم فيها خالصة يَوْمَ القيامة لا يشركهم فيها أحد. فإن قيل: هلاّ قيل للذين آمنوا ولغيرهم. فالجواب: لينبه على أنَّها خلقت للذين آمنُوا على طريق الأصالةِ، وأن الكفرة تبع لهم كقوله {أية : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ}تفسير : [البقرة: 126]، وسيأتي له أجوبة أُخر في آخر الآية، والمراد التَّنْبِيهُ على أنَّ هذه النِّعم إنَّما تصفو من الشوائب يوم القيامة قوله: "خَالِصَةً" قرأها نافعٌ رفعاً، والباقون نصباً فالرفع من وجهين: أحدهما: أن تكون مرفوعة على خبر المبتدأ وهو "هِيَ"، و "لِلَّذِينَ آمَنُوا" متعلق بـ "خَالِصَةً"، وكذلك "يَوْمَ القيامةِ". وقال مكيٌّ: ويكون قوله: "للَّذين" تبييناً، فعلى هذا يتعلق بمحذوف كقولهم: سَقْياً لك وجَدْعاً لك. و {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} متعلِّق بـ "آمَنُوا"، والمعنى: قل الطيبات خالصة للمؤمنين في الدُّنيا يَوْمَ القيامةِ، أي: تَخْلصُ يوم القيامة لمن آمَنَ في الدُّنْيَا، وإنْ كانت مشتركة فيها بينهم وبين الكفَّار في الدُّنيا، وهو معنى حسن. وقيل: المرادُ بخلوصها لهم يَوْمَ القيامةِ أنَّهُم لا يعاقبون عليها، وإلى تفسير هذا نَحَا سعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. الثاني: أنْ يكون خبراً بعد خبر، والخبر الأوَّل قوله: "لِلَّذينَ آمَنُوا" قاله الزجاج: واستحسنه أبو علي، و {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} على هذا متعلِّق بما تعلَّقَ به الجارُّ من الاستقرار المقدَّرِ، و "يَوْمَ القيامةِ" معمول لـ "خالصة" كما مرَّ الوجه قبله، والتقديرُ: قل الطيبات مستقرة أو كائنة للذين آمنوا في الحياة الدُّنيا، وهي خالصة لهم يوم القيامةِ، وإنْ كانوا في الدُّنيا يشاركهم الكفَّارُ فيها. ولمّا ذكر أبُو حيَّان هذا الوجه لم يعلَّق "فِي الحياةِ" إلا بالاستقرار، ولو علق بـ "آمنوا" كما تقدم في الوَجْهِ قَبلَهُ لكان حسناً. وأمَّا النصب فمن وجه واحد، وهو الحال [من الضَّمير المستتر في الجارِّ والمجرور قبله]، والمعنى: أنَّها ثابتة للَّذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم يَوْمَ القيامةِ، و "للَّذينَ آمَنُوا" خبر "هِيَ" فتتعلق بالاستقرار المقدَّرِ، وسيأتي أنَّهُ متعلق باستقرار خاص في بعض التقادير عند بعضهم. و {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} على ما تقدَّم من تعلُّقه بـ "آمنوا" وبالاستقرار المتعلق به للذين، و "يَوْمَ القيامةِ" متعلِّق أيضاً بخالصة، والتقديرُ: قل الطّيبات كائنة أو مستقرة للمؤمنين في الحياة حال كونهم مقدَّراً خلوصها لهم يَوْمَ القيامةِ. وسمى الفراء نصبها على القطع، فقال: "خَالِصَةً" نصب على القَطْعِ، وجعل خبر "هِيَ" في "اللاَّم" التي في قوله: "للَّذين"، ويعنى بالقطع الحال. وجوَّز أبُو علي أنْ يتعلَّق {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بمحذوفِ على أنَّهُ حال، والعاملُ فيها ما يعمل في "الَّذينَ آمَنُوا". وجوَّز الفارسيُّ، وتبعه مكيٌّ أن تتعلَّق "فِي الحياةِ" بـ "حرم" والتقديرُ: من حرم زينة الله في الحياة الدُّنْيَا؟ وجوَّز أيضاً أن تتعلق بالطّيبات. وجوَّز الفارسي وحدَهُ أن تتعلَّق بالرزق ومنع مكيٌّ ذلك قال: لأنَّكَ قد فرَّقْتَ بينهما بقوله: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} يعني أن الرِّزْقَ مصدر، فالمتعلّق به من تمامه كما هو من تمام الموصول، وقد فصلت بينه وبين معموله بجملة أجنبية، وسيأتي عن هذا جواب عن اعتراض اعتراض به على الأخْفَشِ. وجوَّز الأخْفَشُ أن تتعلَّق "في الحياة" بـ "أخرج" أي: أخرجها في الحياةِ الدُّنْيَا، وهذا قد ردهُ عليه النَّاس بأنه يلزم الفَصْلُ بين أبعاض الصلة بأجنبي، وهو قوله {وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}. وقوله: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ}، وذلك أنَّهُ لا يُعطَفُ على الموصول إلاَّ بعد تمام صلته، وهنا قد عطفت على موصوف الموصول قبل تمامِ صلته؛ لأنَّ "الَّتِي أخْرَجَ" صفة لـ "زينة"، و "الطيِّبَات" عطف على "زِينَة" وقوله {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ} جملة أخرى قد فصلت على هذا التقدير بشيئين. قال الفَارِسِيُّ - كالمجيب عن الأخفش -: ويجوزُ ذلك، وإن فُصِلَ بين الصلة والموصولة بقوله: {هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} لأنَّ ذلك كلام يشدُّ الصِّلة، وليس بأجنبي منها جداً كما جاء ذلك في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}تفسير : [يونس: 27]. فقوله: "وتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ" معطوف على "كَسَبُوا" داخل في الصلة. قال شهابُ الدِّين: هذا وإن أفاد في ما ذكر، فلا يفيد في الاعتراض الأوَّلِ، وهو العطفُ على موصوف قبل تمامِ صلته؛ إذْ هو أجنبي منه، وأيضاً فلا نسلِّم أنَّ هذه الآية نظير آية "يونس" فإنَّ الظاهِرَ في آية يونس أنَّهُ ليس فيها فصل بين أبعاض الصِّلة. وقوله "لأن جزاء سيِّئةٍ بمِثلِهَا" معترض، و "تَرْهَقُهُمْ" عطف على "كَسَبُوا". قلنا: ممنوع، بل {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} هو خبر الموصول، فيعترض بعدم الرَّابط بين المبتدأ والخبر، فيجابُ بأنَّهُ محذوف، وهو من أحسن الحذوف؛ لأنَّهُ مجرور بـ "من" التَّبْعيضية، وقد نصَّ النُّحَاةُ على أنَّ ما كان كذلك كثر حذفه وحَسُنَ والتقديرُ: والَّذينَ كَسَبُوا السيِّئَاتِ جَزَاءُ سيِّئةٍ منهم بمثلها فـ "جَزَاءُ سَيِّئةٍ" مبتدأ، و "مِنْهُم" صفتها، و "بمثلها" خبره، والجملة خَبَر الموصول، وهو نظير قولهم: السَّمن منوانِ بِدرْهَمٍ أي: منوان منه، وسيأتي لهذه الآية مزيد بيان. ومنع مكي أن يتعلق {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بـ "زينة" قال: لأنَّها قد نُعتت، والمصدر واسم الفاعل متى نعتا لا يعملان لبعدهما عن شبه الفعل. قال: "ولأنَّهُ يُفَرَّق بين الصِّلة والموصول؛ لأنَّ نَعْتَ الموصول ليس من صلته". قال شهابُ الدِّين: لأن زينة مصدر فهي في قوة حرف موصول وصلته، وقد تقرَّر أنَّهُ لا يتبع الموصول إلا بعد تمام صلته، فقد تحصل في تعلق "الَّذينَ آمَنُوا" ثلاثة أوْجُهٍ: إمَّا أنْ يتعلَّق بـ "خالصة"، أو بمحذوف على أنها خبر، أو بمحذوف على أنَّها للبيان وفي تعلق {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} سبعةُ أوْجُهٍ. أحدها: أن يتعلّق بـ "آمنوا". الثاني: أن تتعلَّق بمحذوف على أنَّها حال. الثالث: أن يتعلق بما تعلَّق به "لِلَّذِينَ آمَنُوا". الرابع: أن يتعلَّق بـ "حَرَّمَ". الخامس: أن يتعلَّق بـ "أخْرَجَ". السادس: أن يتعلق بقوله: "الطّيِّبات". والسابع: أن يتعلَّق بالرّزق. و " يَوْمَ القيامةِ" له متعلق واحد وهو "خَالِصَةٌ"، والمعنى: أنَّها وإن اشتركت فيها الطائفتان دنيا فهي خالصة للمؤمنين فقط أخرى. فإن قيل: إذَا كان الأمر على ما زعمت من معنى الشركة بينهم في الدُّنْيَا، فكيف جاء قوله تعالى: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ}، وهذا مؤذِنٌ ظاهراً بعدم الشركة. فقد أجَابُوا عن ذلك من أوجه: أحدها: أنَّ في الكلام حذفاً تقديره: قل هي للذين آمنوا ولغيرهم في الحياة الدنيا خالصة لهم يوم القيامة. قال أبُو القاسم الكَرْمَانِيُّ: وكأنَّه دلَّ على المحذوف قوله بعد ذلك: {خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} إذْ لو كانت خالصة لهم في الدَّارين لم يخص بها أحدهما. والثاني: أن "لِلَّذينَ آمَنُوا" ليس متعلّقاً بكون مطلق، بل بكون مقيد، يدلُّ عليه المعنى، والتقدير: قل هي غير خَالصَةِ للذين آمنوا لأنَّ المشركين شركاؤهم فيها، خالصة لهم يَوْمَ القيامةِ، قاله الزمخشريُّ، ودلَّ على هذا الكون المقيَّد مقابله وهو قوله: {خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. الثالث: ما ذكره الزمخشريُّ، وسبقه إليه التبريزي قال: فإن قلت: هلا قيل [هي] للَّذين آمنوا ولغيرهم؟ قلت: التنبيه على أنها خلقت للَّذين آمنوا على طريق الأصالة، فإنَّ الكفرة تبع لهم كقوله تعالى: {أية : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً}تفسير : [البقرة: 126]. وقال التبريزي: ولم يذكر الشّركة بينهم وبين الذين أشركوا في الدُّنْيَا تنبيهاً على أنَّهُ إنَّمَا خلقها للذين آمَنُوا بطريق الأصالة، والكُفَّار تبع لهم، ولذلك خاطب المؤمنين [بقوله]: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}تفسير : [البقرة: 29] وهذا الثالث ليس جواباً ثالثاً، إنما هو مبين لحسن حذف المعطوف في عدم ذكره مع المعطوف عليه. ثم قال تبارك وتعالى: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} وقد تقدم. وقوله: {لِقَوْمِ يَعْلَمُونَ} أنَّ القوم يمكنهم النظر به والاستدلال حتى يتوصَّلُوا إلى ذلك بتحصيل العلوم النظرية.

البقاعي

تفسير : ولما كان من المعلوم أن ما كانوا ألفوه واتخذوه ديناً يستعظمون تركه، لأن الشيطان يوسوس لهم بأنه توسع الدنيا، والتوسع فيها مما ينبغي الزهد فيه كما دعا إليه كثير من الآيات، أكد سبحانه الإذن في ذلك بالإنكار على من حرمه، فقال منكراً عليهم إعلاماً بأن الزهد الممدوح ما كان مع صحة الاعتقاد في الحلال والحرام، وأما ما كان مع تبديل شيء من الدين بتحليل حرام أو عكسه فهو مذموم: {قل} منكراً موبخاً {من حرم زينة الله} أ ي الملك الذي لا أمر لأحد معه {التي أخرج لعباده} أي ليتمتعوا بها من الثياب والمعادن وغيرها. ولما ذكر الملابس التي هي شرط في صحة العبادة على وجه عم غيرها من المراكب وغيرها، أتبعها المآكل والمشارب فقال: {والطيبات} أي من الحلال المستلذ {من الرزق} كالبحائر والسوائب ونحوها؛ ولما كان معنى الإنكار: لم يحرمها من يعتبر تحريمه بل أحلها، وكان ربما غلا في الدين غال تمسكاً بالآيات المنفرة عن الدينا المهونة لشأنها مطلقاً فضلاً عن زينة وطيبات الرزق، قال مستأنفاً لجواب من يقول: لمن؟: {قل هي} أي الزينة والطيبات {للذين آمنوا} وعبر بهذه العبارة ولم يقل: ولغيرهم، تنبيهاً على أنها لهم بالاصالة {في الحياة الدنيا} وأما الكفار فهم تابعون لهم في التمتع بها وإن كانت لهم أكثر، فهي غير خالصة لهم وهي للذين آمنوا {خالصة} أي لا يشاركهم فيها أحد، هذا على قراءة نافع بالرفع، والتقدير على قراءة غيره: حال كونها خالصة {يوم القيامة} وفي هذا تأكيد لما مضى من إحلالها بعد تأكيد ومحو الشكوك، وداعية للتأمل في الفصل بين المقامين لبيان أن الزهد المأمور به إنما هو بالقلب بمعنى أنه لا يكون للدنيا عنده قدر ولا له إليها التفات ولا هي أكبر همه، وأما كونها ينتفع بها فيما أذن الله فيه وهي محقورة غير مهتم بها فذلك من المحاسن. ولما كان هذا المعنى من دقائق المعاني ونفائس المباني، أتبعه تعالى قوله جواباً لمن يقول: إن هذا التفصيل فائق فهل يفصل غيره هكذا؟ {كذلك} أي مثل هذا التفصيل البديع {نفصل الآيات} أي نبين أحكامها ونميز بعض المشبهات من بعض {لقوم يعلمون*} أي لهم ملكة وقابلية للعلم ليتوصلوا به إلى الاعتقاد الحق والعمل الصالح. ولما بين أن ما حرموه ليس بحرام فتقرر ذلك تقرراً نزع من النفوس ما كانت ألفته من خلافه، ومحا من القلوب ما كانت أشربته من ضده؛ كان كأنه قيل: فماذا حرم الله الذي ليس التحريم إلا إليه؟ فأمره تعالى بأن يجيبهم عن ذلك ويزيدهم بأنه لم يحرم غيره فقال: {قل إنما حرم ربي} أي المحسن إليّ بجعل ديني أحسن الأديان {الفواحش} أي كل فرد منها وهي ما زاد قبحه؛ ولما كانت الفاحشة ما يتزايد قبحه فكان ربما ظن أن الإسرار بها غير مراد بالنهي قال: {ما ظهر منها} بين الناس {وما بطن}. ولما كان هذا خاصاً بما عظمت شناعته قال: {والإثم} أي مطلق الذنب الذي يوجب الجزاء، فإن الإثم الذنب والجزاء؛ ولما كان البغي زائد القبح مخصوصاً بأنه من أسرع الذنوب عقوبة، خصة بالذكر فقال: {والبغي} وهو الاستعلاء على الغير ظلماً، ولكنه لما كان قد يطلق على مطلق الطلب، حقق معناه العرفي الشرعي فقال: {بغير الحق} أي الكامل الذي ليس فيه شائبة باطل، فمتى كان فيه شائة باطل كان بغياً، ولعله يخرج العلو بالحق بالانتصار من الباغي فإنه حق كامل الحقية، وتكون تسميته بغياً على طريق المشاكلة تنفيراً - بإدخاله تحت اسم البغي - من تعاطيه وندباً إلى العفو كما تقدم مثله في { أية : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } تفسير : [النساء: 148] ويمكن أن يكون تقييده تأكيداً لمنعه بأنه لا يتصور إلا موصوفاً بأنه بغير الحق كما قال تخصيصاً وتنصيصاً تنبيهاً على شدة الشناعة: {وأن تشركوا بالله} أي الذي اختص بصفات الكمال {ما لم ينزل به سلطاناً} فإنه لا يوجد ما يسميه أحد شريكاً إلا وهو مما لم ينزل به الله سلطاناً بل ولا حجة به في الواقع ولا برهان، ولعله إنما قيده بذلك إرشاداً إلى أن أصول الدين لا يجوز اعتمادها إلا بقاطع فكيف بأعظمها وهو التوحيد! ولذلك عقبه بقوله: {وأن} أي وحرم أن {تقولوا على الله} أي الذي لا أعظم منه ولا كفوء له و {ما لا تعلمون*} أي ما ليس لكم به علم بخصوصه ولا هو مستند إلى علم أعم من أن يكون من الأصول أو لا. ولما تقدم أن الناس فريقان: مهتد وضال، وتكرر ذم الضال باجترائه على الله بفعل ما منعه منه وترك ما أمره به، وكانت العادة المستمرة للملوك أنهم لا يمهلون من تتكرر مخالفته لهم؛ كان كأنه قيل: فلم يهلك من يخالفه؟ فقيل وعظاً وتحذيراً: إنهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم، ولا يفعلون شيئاً منه إلا بإرادته، فسواء عندهم بقاؤهم وهلاكهم، إنما يستعجل من يخاف الفوت أو يخشى الضرر، ولهم أجل لا بد من استيفائه، وليس ذلك خاصاً بهم بل { ولكل أمة أجل} وهو عطف على { أية : فيها تحيون وفيها تموتون } تفسير : [الأعراف: 25] {فإذا جاء أجلهم}. ولما كان نظرهم إلى الفسحة في الأجل، وكان قطع رجائهم من من جملة عذابهم، قدمه فقال: {لا يستأخرون} أي عن الأجل {ساعة} عبر بها والمراد أقل ما يمكن لأنها أقل الأوقات في الاستعمال في العرف، ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها لا على جزائها قوله: {ولا يستقدمون*} أي على الأجل المحتوم، لأن الذي ضربه لهم ما ضربه إلا وهو عالم بكل ما يكون من أمرهم، لم يتجدد له علم، لم يكن يتجدد شيء من أحوالهم، ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله: {أية : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}تفسير : [الأعراف: 24] وتكون الآية معلمة بأنهم سيتناسلون فيكثرون حتى يكونوا أمماً، ولا يتعرضون جملة بل يكون لكل أمة وقت.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله {قل من حرم زينة الله} فأمروا بالثياب أن يلبسوها {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} قال: ينتفعون بها في الدنيا لا يتبعهم فيها إثم يوم القيامة . وأخرج وكيع في الغرر عن عائشة. أنها سئلت عن مقانع القز؟ فقالت: ما حرم الله شيئاً من الزينة. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} قال: المشركون يشاركون المؤمنين في زهرة الدنيا وهي خالصة يوم القيامة للمؤمنين دون المشركين . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس والطيبات من الرزق قال: الودك واللحم والسمن . وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد قال: كان قوم يحرمون من الشاة لبنها ولحمها وسمنها، فأنزل الله {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} قال: والزينة الثياب . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {والطيبات من الرزق} قال: هو ما حرم أهل الجاهلية عليهم في أموالهم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها، وهو قول الله {أية : قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً}تفسير : [يونس: 59] وهو هذا، فأنزل الله {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا} يعني شارك المسلمون الكفار في الطيبات في الحياة الدنيا، فأكلوا من طيبات طعامها ولبسوا من جياد ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الزينة تخلص يوم القيامة لمن آمن في الدنيا . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم قال: سمعت الحجاج بن يوسف يقرأ {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة} بالرفع. قال عاصم: ولم يبصر الحجاج اعرابها، وقرأها عاصم بالنصب {خالصة} .

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} [الآية: 32]. قال بعضهم: الزينة التى أخرج الله لعباده هى المباحات فى البوادى والكسب الحلال فى الحضر، والطيبات من الرزق هى الغنائم. قال أبو عثمان الدمشقى: من حرم التزين بما يبدو على الأولياء من المعونات والكرامات التي أخرجها الله لعباده المخلصين، والطيبات من الرزق هى كسر الفقراء الذين يأخذونها من ضرورة وَفَاقة.

القشيري

تفسير : الإشارة منها إلى زينة السرائر؛ فزينة العابدين آثار التوفيق، وزينة الواجدين أنوار التحقيق، وزينة القاصدين ترك العادة، وزينة العابدين حسن العبادة. ويقال زينةُ النفوس صدارُ الخدمة، وزينة القلوب حفظ الحرمة، وزينة الأرواح الإطراق بالحضرة باستدامة الهيبة والحشمة. ويقال زينة اللسان الذكر وزينة القلب الشكر. ويقال زينة الظاهر السجود وزينة الباطن الشهود. ويقال زينة النفوس حسن المعاملة من حيث المجاهدات، وزينة القلوب دوام المواصلة من حيث المشاهدات. ومعنى قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ} يعني إن الله لم يمنع هذه الزينة عمن تعرض لوجدانها، فمن تصدى لطلبها فهي مباحة له من غير تأخير قصود. قوله جلّ ذكره: {وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}. أرزاق النفوس بحكم أفضاله سبحانه، وأرزاق القلوب بموجب إقباله تعالى. ويقال أرزاق المريدين إلهام ذكر الله، وأرزاق العارفين الإكرام بنسيان ما سوى الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} لما طاف المسلمون فى ثيابهم واكلوا اللحم والدسم عيرهم المشركون لانهم كانوا يطوفون عراة ولا يأكلون اللحم والدسم حال الاحرام فامر الله حبيبه صلى الله عليه وسلم ان يقول لهم {من} استفهام انكار {حرم زينة الله} من الثياب وسائر ما يتجمل به {التى اخرج} بمحض قدرته {لعباده} من النبات كالقطن والكتان ومن الحيوان كالحرير والصوف ومن المعادن كالدروع {والطيبات من الرزق} عطف على زينة الله اى من حرم ايضا المستلذات من المآكل والمشارب كاللحوم والدسوم والالبان. اعلم ان الرجل اذا ادى الفرائض واحب ان يتنعم بمنظر حسن وجوار جميلة فلا بأس به فمن قنع بادنى المعيشة وصرف الباقى الى ما ينفعه فى الآخرة فهو اولى لان ما عند الله خير وابقى لان الاقتصار على ادنى ما يكفيه عزيمة وما زاد عليه من التنعم ونيل اللذة رخصة دلت عليها هذه الآية ودلت ايضا على ان الاصل فى المطاعم والملابس والتجمل بانواع التجملات الاباحة لان الاستفهام فى من انكارى كما هو مذهب الشافعى واكثر اصحاب ابى حنيفة فانهم قالوا ان الاصل فى الاشياء الاباحة وذهب بعضهم الى التوقف وبعضهم الى الحظر ووجه قول القائلين بالاباحة انه سبحانه وتعالى غنى على الحقيقة جواد على الاطلاق والغنى الجواد لا يمنع ماله عن عبيده الا ما كان فيه ضرر فتكون الاباحة هى الاصل باعتبار غناه سبحانه وجوده والحرمة لعوارض فلم تثبت فبقى على الاباحة ووجه القول بالحظر ان الاشياء كلها مملوكة لله تعالى على الحقيقة والتصرف فى ملك الغير لا يثبت الا باباحة المالك فلما لم تثبت الاباحة بقى على الحظر لقيام سببه وهو ملك الغير ووجه القول بالتوقف ان الحرمة والاباحة لاتثبت الا بالشرع فقبل وروده لا يتصور ثبوت واحدة منهما فلا يحكم فيها بحظر ولا اباحة. قال عبد القاهر البغدادى وتفسير الوقف عندهم ان من فعل شيأ قبل ورود الشرع لم يستحق بفعله من الله تعالى ثوابا ولا عقابا {قل هى} اى الزينة والطيبات كما فى التفسير الفارسى {للذين آمنوا} اى مستقرة لهم {فى الحياة الدنيا} متعلق بآمنوا او بالاستقرار الذى تعلق به للذين والمقصود الاصلى من خلق الطيبات تقوية المكلفين على طاعة الله تعالى لا تقويتهم على الكفر والعصيان فهى مختصة لاصالة للمؤمنين والكفار تبع لهم فى ذلك قطعا لمعذرتهم ولذا لم يقل هى للذين آمنوا ولغيرهم فى الدنيا {خالصة يوم القيامة} لا يشاركهم فيها غيرهم وان اشترك فيها المؤمنون والكفار فى الدنيا وانتصابها على الحال من المنوى فى قوله للذين آمنوا ويوم القيامة متعلق بخالصة. والاشارة فى الآية من يمنعكم عن طلب كمالات اخرجها الله تعالى من غيب الغيب لخواص عباده من الانبياء والاولياء ومن حرم عليكم نيل هذه الكرامات والمقامات فمن تصدى لطلبها وسعى لها سعيا فهى مباحة له من غير تأخير ولا قصور واضافة الزينة الى الله لانه اخرجها من خزائن الطاقه وحقائق اعطافه فزين الابدان بالشرائع وآثارها وزين النفوس بالآداب واقدارها وزين القلوب بالشواهد وانوارها وزين الارواح بالمعارف واسرارها وزين الاسرار بالطوالع واثمارها بل زين الظواهر بآثار التوفيق وزين البواطن بانوار التحقيق بل زين الظواهر بآثار السجود وزين البواطن بانوار الشهود بل زين الظواهر بآثار الجود وزين البواطن بانوار الوجود والطيبات من الرزق وان ارزاق النفوس بحكم افضاله وارزاق القلوب بموجب اقباله والطيبات من الرزق على الحقيقة ما لم يكن مشوبا بحقوق النفس وحظوظها ويكون خالصا من مواهبه وحقوقه قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا اى هذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادات فى الدنيا مشوبة بشوائب الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية خالصة يوم القيامة من هذه الآفات والكدورات كما قال {أية : ونزعنا ما فى صدورهم من غل} تفسير : [الحجر: 47]. {كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون} اى كتفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الاحكام لقوم يعلمون ما فى تضاعيفها من المعانى الرائقة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: من قرأ: {خالصة}؛ بالرفع، فخبر بعد خبر، أو خبر عن مضمر، ومن قرأ بالنصب، فحال. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم: {مَن حرَّم زينةَ اللهِ}؛ وهي ما يتجمل به من الثياب وغيرها، {التي أخرج لعباده} من النبات؛ كالقطن والكتان، أو الحيوان؛ كالحرير والصوف والوبر، والمعادن؛ كالدروع والحلي، {و} قل أيضًا: من حرم {الطيبات مِنَ الرزقِ} أي: المستلذات من المآكل والمشارب، ويدخل فيها المناكح؛ إذ هي من أعظم الطيبات. وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات: الإباحة؛ لان الاستفهام للإنكار، وبه رد مالك ـ رحمه الله ـ على من أنكر عليه من الصوفية، وقال له: اتق الله يا مالك؛ بلغني أنك تلبس الرقيق، وتأكل الرقاق، فكتب إليه بالآية. قال تعالى: {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا}، ويشاركهم فيها الكفار، ويوم القيامة تكون {خالصة} لهم دون غيرهم، {كذلك نُفصّل الآياتِ} أي: كتفصيلنا هذا الحكم نُفصل سائر الأحكام {لقوم يعلمون} فينزلونها في محلها بخلاف الجهال. {قل إنما حرَّم ربي الفواحشَ}؛ وهي ما تزايد قبحها من المعاصي، وقيل: ما يتعلق بالفروج، {ما ظهرَ منها وما بَطَنَ} أي: جهرها وسرها، أو ما يتعلق بالجوارح الظاهرة والعوالم الباطنية وهي القلوب، {والإثم}؛ كقطع الرحم، أو عام في كل ذنب، {والبغيَ}؛ وهو الظلم؛ كقطع الطريق والغصب، وغير ذلك من ظلم العباد، أو التكبر على عباد الله؛ وقوله: {بغير الحق}: تأكيد له في المعنى. {وأن تُشركوا الله ما لم يُنزل به سُلطانًا} أي: حجة على استحقاق العبادة، وهو تهكم بالمشركين، وتنبيهٌ على تحريم ما لم يدل عليه برهان. {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} من الإلحاد في صفاته، والافتراء عليه؛ كقولهم: {أية : وَاللهُ أَمَرَنَا }تفسير : [الأعراف:28]، و {أية : لَوْ شَآءَ اللهُ مَآ أَشْرَكْنَا } تفسير : [الأنعَام:148]. {ولكل أمة أجل} أي: مدة ووقت لنزول العذاب بها إن لم يؤمنوا، وهو تهديد لأهل مكة، {فإذا جاء أجَلُهم} أي: انقرضت مدتهم، أو دنى وقت هلاكهم، {لا يستأخرون ساعةَ} عنه {ولا يستقدمون} أي: لا يتأخرون ولا يتقدمون عنه أقصَر وقت، أو لا يطيقون التقدم والتأخر لشدة الهول، وجعل بعضهم: {ولا يستقدمون} استئنافًا؛ لأن الأجل إذا جاء لا يتصور التقدم، وحينئذٍ يوقف على: {ساعة}، ثم يقول: ولا هم يستقدمون عنه قبل وصوله. الإشارة: قال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: زينة الله التي أظهر لعباده هي لباس المعرفة، وهو نور التجلي، والطيبات من الرزق هي حلاوة الشهود. هـ. وهي لمن كمل إيمانه وصِدقه في الحياة الدنيا، وتصفو له إلى يوم القيامة، فهي حلال على أهل التجريد؛ يتمتعون بها في الدارين، وإنما حرّم عليهم ما يشغلهم عن ربهم من جهة الظاهر، وما يقطعهم عن شهوده من جهة الباطن، وسوء الأدب مع الله، والتعرض لعباد الله، والشرك بالله؛ بأن يشهدوا معه سواه، وأن يقولوا على الله ما يوهم نقصًا أو خللاً في أنوار جماله وسناه. والله تعالى أعلم. ثم إن العباد والزهاد وأهل البداية من المريدين السائرين ـ ينبغي لهم أن يزهدوا في زينة الدنيا وطيباتها؛ لئلا تركن إليها نفوسهم، فيثبط سيرهم، وأما الواصلون فهم مع الله، لا مع شيء سواه، يأخذون من الله بالله، ويدفعون بالله، وقد اتسعت دائرة علمهم، فليسوا مع لباس ولا أكل ولا شرب ولا جوع ولا شبع، هم مع ما يبرز في الوقت من المقدورات. والله تعالى أعلم. ثم وصّاهم على الإيمان بالرسل، عند ظهورهم، فقال: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ}.

الطوسي

تفسير : قرأ نافع وحده {خالصة يوم القيامة} بالرفع. الباقون بالنصب. من رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو (هي) ويكون {للذين آمنوا} تبييناً للخلوص، ولا شىء فيه على هذا. ومن قال هذا حلو حامض أمكن أن يكون {للذين آمنوا} خبراً و {خالصة} خبراً آخر. ومن نصب {خالصة} كان حالاً مما في قوله {للذين آمنوا} ألا ترى أن فيه ذكراً يعود الى المبتدأ الذي هو (هي) فخالصة حال عن ذلك الذكر، والعامل في الحال ما في اللام من معنى الفعل، و {هي} متعلقة بمحذوف يعود اليه الذكر الذي كأن يكون في المحذوف، ولو ذكر ولم يحذف، وليس متعلقاً بالخلوص، كما تعلق به في قول من رفع. وتقديره هو للذين آمنوا في الحياة الدنيا لهم خالصة، ذكره الفراء. وحجة من رفع أن المعنى هي خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، وإِن شركهم فيها غيرهم من الكافرين في الدنيا. ومن نصب فالمعنى عنده هي ثابتة للذين آمنوا في حال خلوصها يوم القيمة لهم وانتصابه على الحال أشبه بقوله {أية : إِن المتقين في جنات وعيون آخذين}تفسير : ونحو ذلك مما انتصب الأمر فيه على الابتداء وخبره، وما يجري مجراه إِذا كان فيه معنى (فعل). لما أباح الله تعالى وحث على تناول الزينة في كل مسجد وندب اليه وأباح الاكل والشرب، ونهى عن الاسراف، وهناك قوم يحرمون كثيرا من الاشياء من هذا الجنس، قال الله تعالى منكراً ذلك {من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}. وقيل في معنى الطيبات قولان: أحدهما - المستلذ من الرزق. الثاني - الحلال من الرزق، والاول أشبه بخلوصه يوم القيامة. وإِنما ذكر الطيبات من جملة ذلك - في قول ابن زيد والسدي - لأنهم كانوا يحرمون البحائر والسوائب، وظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز لأحد تجنب الزينة والملاذ الطيبة على وجه التحريم، وأما من اجتنبها على ان غيرها أفضل منها فلا مانع منه. ثم أخبر تعالى فقال {هي} يعني الطيبات {للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} وقيل في معنى {خالصة يوم القيامة} قولان: أحدهما - قال ابن عباس والحسن والضحاك وابن جريج، وابن زيد: هي خالصة للمؤمنين دون أعدائهم من المشركين. وقال أبو علي: هي خالصة لهم من شائب مضرَّة تلحقهم. وقال أبو علي الفارسي: لا يخلو قوله {في الحياة الدنيا} من أن يتعلق بـ (حرم) أو بـ (زينة) أو بـ (أخرج) أو بـ {الطيبات} أو بـ {الرزق} من قوله {من الرزق} أو بقوله {آمنوا} ولا يجوز أن يتعلق بـ (حرم) فيكون التقدير قل من حرم في الحياة الدنيا، ويكون المعنى قل من حرم في وقت الحياة الدنيا، ولا يجوز أن يتعلق بـ (زينة) لأنه مصدر أو جار مجراه، ولما وصفها لم يجز أن يتعلق بها شىء بعد الوصف كما لا يتعلق به العطف عليه، ويجوز أن يتعلق بـ (أخرج) لعباده في الحياة الدنيا. فإِن قيل: كيف يتعلق بـ (أخرج) وفيه فصل بين الصلة والموصول بقوله {قل هي للذين آمنوا} وهو كلام مستأنف ليس في الصلة؟ قيل لا يمنع الفصل به، لأنه مما يسدد القصة، وقد قال {أية : والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة}تفسير : فقوله {وترهقهم ذلة} معطوف على كسبوا، فكذلك قوله {قل هي للذين آمنوا}. ويجوز أن يتعلق بـ {الرزق} أيضاً إِن كان موصولاً. ويجوز أن يتعلق بـ {آمنوا} الذي هو صلة (الذين) أي آمنوا في الحياة الدنيا، وكل ما ذكرناه من هذه الأشياء يجوز أن يتعلق به هذا الظرف. وقوله {كذلك نفصل الآيات} أي كما نميز لكم الآيات وندلكم بها على منافعكم وصلاح دينكم، كذلك نفصل الآيات لكل عاقل يعلم معناها ودلالتها.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} كأنّهم كانوا يعدّون ترك التّزيّن وترك الطّيّب من المأكول والمشروب من لوازم العبادة وطلب الآخرة، فأمرهم اوّلاً بالتّزيّن والاكل والشّرب، وثانياً بانكار تحريمه تأكيداً، والتّوصيف بالاخراج لعباده اشارة الى انّ الزّينة اوّلاً وبالذّات لمن صار عبداً له، ولغيره بتبعيّته لا انّه حرام عليه لعبادته {وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} البدنّى النّباتىّ والحيوانىّ والانسانىّ ومن الرّزق الرّوحانّى من ارزاق النّفوس والقلوب والارواح {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} اعلم، انّ الدّنيا والآخرة خلقتا لخليفة الله بالّذات وهذا احد وجوه قوله: لولاك لما خلقت الافلاك، فمن اتّصل به بالاتّصال التّقليدىّ الّذى هو قبول الدّعوة الظّاهرة وقبول ما اخذ عليه بالبيعة العامّة وعقد يده على يد الخليفة بالمعاهدة الاسلاميّة، او اتّصل به بالاتّصال الايتامىّ الّذى هو قبول الدّعوة الباطنة وقبول ما اخذ عليه بالبيعة الخاصّة وعقد يده على يد الخليفة بالمعاهدة الايمانيّة، فدخل الايمان الّذى هو صورة نازلة من الخليفة فى نازل مراتب قلبه الّذى هو الصّدر، ثمّ دخل صورة اخرى له ملكوتيّة فى مرتبةٍ اخرى من قلبه هى اعلى من تلك المرتبة، وهكذا الى ان يتحقّق بحقيقة الخليفة فهما كانتا له بقدر اتّصاله ويرث من الخليفة بحسبه، ومن لم يتّصل به بشيٍ من الاتّصال فهما عليه حرامان واذا ملك شيئاً من الدّنيا ممّا غلب عليه كان مغصوباً فى يده، ولذلك قال: {هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}، من غير تقييد بالخلوص من يد الغير يعنى سواء غلب عليها غيرهم او لم يغلب عليها، ولمّا لم يمكن غلبة الغير عليها فى الآخرة قال {خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} قرئ خالصةّ بالرّفع وبالنّصب واعراب الآية ان هى مبتدءٌ وللّذين آمنوا خبره، او حال وفى الحيوة الدّنيا خبر، او خبر بعد خبرٍ، او حال عن فاعل آمنوا، او عن المستتر فى الظّرف، او ظرف لغو متعلّق بآمنوا، او بقوله للّذين آمنوا، او بعاملٍ من افعال الخصوص حال، او خبر بعد خبر، او خبر ابتداءٍ اى مغصوب عليها فى الحيوة الدّنيا، وخالصة على قراءة الرّفع خبر هى، او خبر بعد خبرٍ، او خبر مبتدءٍ محذوفٍ، وعلى قراءة النّصب حال من واحد من العوامل السّابقة، وعن الصّادق (ع) بعد ان ذكر انهار الارض فما سقت واستقت فهو لنا وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدوّنا منه شيءٌ الاّ ما غصب، وانّ وليّنا لفى اوسع ممّا بين ذه وذه، يعنى ممّا بين السّماء والارض ثمّ تلا هذه الآية: قل هى للّذين آمنوا فى الحيوة الدّنيا المغصوبين عليها خالصة لهم يوم القيامة بلا غصبٍ، وفى قوله تعالى {أية : ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} تفسير : [المائدة:5] بعد قوله: {أية : ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} تفسير : [المائدة:3] وبعد قوله: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} تفسير : [المائدة:3] اشارة الى ذلك {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} اى الآيات التّكوينيّة من استحقاق كلّ لما يحقّ له واعطاء كلّ ذى حقّ حقّه بالآيات التّدوينيّة {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يشتدّون فى السّلوك الى الآخرة ويزدادون فى علمهم، فانّ العلم هو ما كان متعلّقاً بالآخرة مع ازديادٍ واشتدادٍ وكلّ ادراك لم يتعلّق بالآخرة او كان متعلّقاً بها لكن لم يكن له اشتداد بل كان واقفاً او منكوساً بواسطة الاغراض الدّنيويّة لا يسمّى علماً عند اهل الله بل جهلاً، واذا اطلق عليه اسم العلم من باب المشاكلة والموافقة لمخاطباتهم، فقلّما ينفكّ عمّا يشعر بذمّه او ينفى اسم العلم عنه {أية : وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة:102]، {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} تفسير : [الروم:7] {أية : ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ}تفسير : ، [النجم:30] وقد سمّاه اشباه النّاس عالماً {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}، ولذلك سمّوا شيعتهم الّذين بايعوهم بالبيعة الخاصّة الولويّة الّذين دخل الايمان فى قلوبهم علماء وعرفاء: شيعتنا العلماء، شيعتنا العرفاء، بطريق الحصر، فمن لم يكن سالكاً الى الآخرة وسائراً الى الله بقدم الايتمام بامامٍ حقٍّ منصوصٍ من الله وان بلغ ما بلغ فى علومه الحكميّة وظنونه الفرعيّة لا يسمّى عالماً وهو لا ينتفع بتفصيل الآيات، لانّ نظره الى الآيات من حيث انفسها، او من حيث جهاتها الدّنيويّه لا من حيث انّها آيات داّلات على الله وعلى امور الآخرة، كما نقل عن الصّادق (ع) انّه قال لابى حنيفة فى جملة كلامه: وما اراك تعرف من كتابه حرفاً، ومن توسّل بهم بالايتمام بالبيعة الولويّة وان لم يكن قرأ حروف التّهجّى فهو عالم عارف وهو المنتفع بالآيات وتفصيلها، لانّ نظره الى الاشياء الآفاقيّة والانفسيّة من حيث صدورها عن الله ودلالتها عليها، ولمّا اباح لهم الاكل والشّرب واكّد ذلك باختصاص الزّينة وطيّبات الرّزق بهم اراد ان يأمر نبيّه (ص) ببيان المحرّمات بالذّات والموجبات لحرمة المباحات بالعرض، ليتبيّن الطّيّب من غير الطّيّب فقال تعالى {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.

اطفيش

تفسير : {قُلْ مَن حَرَّم زِينةَ اللهِ الَّتى أخْرجَ لِعبَاده} من العدم إلى الوجود، فالمعنى التى خلق لعباده أو من النبات كالقطن والكتان، ومن الحيوان كالصوف والحرير، فإنه من الدودة وهو حلال للنساء مطلقا، وللرجال فى الحرب مطلقا، وفى غيرها بغير لباس كتفريش، وجاء فى بعض الأحاديث النهى عن تفريشه، ومن المعادن كالفضة، قيل: وكدروع الحديد، والزينة ما يتجمل بها من الثياب وغيرها، ولا يحل الذهب للرجل، وعن بعضهم: الزينة ما اقتصته الشهوة وطلب العلو فى الأرض كالمال والبنين، وفى تعبيره بطلب العلو ركاكة، فإنه حرام ولعله أراد إنما يطلب به العلو غير محرم عمن يستعمله بغير طلب العلو، والاستفهام للإنكار، ورد لصحة تحريمها أى أن تحريمها غير صحيح ومنكر ومردود أو للتوبيخ. {والطَّيباتِ مِنَ الرِّزقِ} كاللحم والدسم واللبن كما حلب أو غير مخيض، وغير ذلك مما يستلذ، قال الشافعى: الطيبات المستلذات، ويشترط أن تكون من الحلال، وقد فسر الجمهور الطيبات بالمحللات، وقيل: المراد بالزينة ما يستر العورة، وكانوا يحرمون اللباس فى الطواف، ونسب للجمهور، وبالطيبات اللحم والدسم، وكانوا يحرمونهما إذا دخلوا فى أمر الحجج كما مر، وقال قتادة: أراد بالطيبات اللحم والدسم، والبحيرة والسائبة ونحو ذلك مما حرموا، وفى رواية عن قتادة وابن عباس: الطيبات البحائر والسوائب. {قُلْ هى} أى الزينة والطيبات، وقيل: الضمير للطيبات {للَّذينَ آمنُوا} قال سعيد بن جبير: فلا إثم يتبعهم من جهتها {فى الحياة الدنيا} متعلق بالاستقرار الذى تعلق به اللام، أى ثبتت لهم فى الدنيا بالأصالة غير خالصة لهم، لأن الكفار شاركوهم فيها تبعا {خالِصةً} لهم. {يَومَ القِيامَةِ} لا يشاركهم فيها كافر، قاله ابن عباس، والضحَّاك، والحسن، وقتادة، والسدى، وابن جريج، وابن زيد، ويحتمل أن يكون المعنى من آمن فى الدنيا فهى خالصة له يوم القيامة أى لا يعذبون عليها، فاللام متعلق بخالصة، وفى متعلق لآمنوا، ويحتمل أن يكون المعنى أنها ثابتة لهم فى الدنيا، منقصة مكدرة وفى يوم القيامة خالصة عن تكدير وتنقيص، فالتعليق كالذى فى قول ابن عباس، وخالصة خبر ثان، أو خبر لمحذوف، وأن يكون المعنى هى خالصة يوم القيامة للذين آمنوا فى الدنيا فخالصة خبر المبتدأ، وللذين متعلق به، وفى متعلق بآمنوا، وقرأه غير نافع بنصب خالصة على الحال من ضمير الاستقرار. قال الفارسى: ويصح أن يتعلق فى يحرم لا بزينة، لأنها مصدر وصف، وأن يتعلق بأخرج لأن الفاصل يشد القصة، وليس بأجنبى جداً، وهو قول الأخفش، وأن يتعلق بالطيبات وبالرزق، وذلك منه إبقاء للزينة على المصدرية، أى قل من حرم التزين بالثوب ونحوه، إخراجه إلى معنى المتزين به من نحو ثوب، وفى الآية دلالة على أن الأشياء حلال إلا ما قام الدليل على تحريمه كتحريم الحرير والذهب على الرجل بالسنة. {كذَلكَ نُفصِّل الآياتِ} نبينها كتبييننا هذا الحكم، وفسرت الآيات بالأحكام والحلال والحرام، وأصل التفصيل التقسيم، فإن بيان المشتبهات إنما هو فى تقسيمها وعزل كل على حدة. {لِقومٍ يعْلمُون} ويصدقون بوحدانيتى ورسالة نبيى، فإنهم المتيقنون، وقوله: {أية : يا بنى آدم خذوا} تفسير : إلى {يعلمون} نافع عن السموم والمضرة والعين والسحر، من كتبه فى إناء أخضر طاهر جديد بماء العنب الأبيض والزعفران، ومحاه بماء ورد، واغتسل به زال عنه السحر والعين، ومن شرب منه أو جعله فى طعام أمن من السموم.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} إِنكاراً وتوبيخاً لهؤلاء الطائفين عراة المحرمين للذائذ. {مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} أَنبت لعباده كالقطن والكتان من النبات والدروع من المعادن والصوف والحرير من الحيوان ثم حرم الحرير على الرجال {وَالطَّيِّبَاتِ} المستلذات {مِنَ الرّزْقِ} أَكلا وشرباً واللباس، وشملت الآية تنظيف البدن وتزيينه بلفظها ولو كان من غير سبب النزول، وهى دليل على أَن الأصل فى الزينة وما يطعم أَو يشرب الحل {قُلْ هِىَ} أى الزينة والطيبات {لِلَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بلاغا وفوقه بلا بطر، وذلك بالأَصالة، وشاركهم الكفرة لا بأَصالة لأَنها خلقت لمن يتوصل بها إِلى إِقامة دين الله ويشكر الله، وهم ينتفعون بها لغير ذلك "أية : ومن كفر فأَمتعه قليلا ثم أضطره إِلى عذاب النار" تفسير : [البقرة: 126] {خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ} لهم لا يشاركهم فيها الكفرة، وزينة الآخرة وطيباتها غير زينة الدنيا وطيباتها، فالضمير فى قوله هى للذين آمنوا لحقيقتهما الشاملة لما فى الدنيا وما فى الآخرة، وخالصة خبر ثان، وفى الحياة متعلق بمتعلق اللام أَو بها مع مدخولها للنيابة عنه {كَذَلِكَ نفَصِّلُ الآياتِ} أَى فصلنا الآيات هذا التفصيل الذى سمعتموه، أو نفصل سائر الآيات مثل تفصيلنا ما سمعتموه، وفى الوجه الأَول استحضار ماض لشاهد تأكيداً {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} إِن الله واحد فيأْتمروا بأَمره وينتهوا بنهيه فلا يحلون ولا يحرمون إِلا ما أَحل أو حرم، والمراد لقوم يعلمون، أو غيرهم لكن خصهم بالذكر لأَنهم المنتفعون.

الالوسي

تفسير : {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ } من الثياب وكل ما يتجمل به {ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } أي خلقها لنفعهم من النبات كالقطن والكتان والحيوان كالحرير والصوف والمعادن كالخواتم والدروع {وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرّزْقِ } أي المستلذات، وقيل: المحللات من المآكل والمشارب كلحم الشاة وشحمها ولبنها. واستدل بالآية على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة لأن الاستفهام في {مِنْ } لانكار تحريمها على أبلغ وجه. ونقل عن ابن الفرس أنه قال: استدل بها من أجاز لبس الحرير والخز للرجال. وروي عن زين العابدين رضي الله تعالى عنه أنه كان يشتري كساء الخز بخمسين ديناراً فإذا أصاف تصدق به لا يرى بذلك بأساً ويقول {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ }. وروي أن الحسين رضي الله تعالى عنه أصيب وعليه جبة خز وأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما بعثه علي كرم الله تعالى وجهه إلى الخوارج لبس أفضل ثيابه وتطيب بأطيب طيبه وركب أحسن مراكبه فخرج إليهم فوافقهم فقالوا: يا ابن عباس بينا أنت خير الناس إذ أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم فتلا هذه الآية لكن روي عن طاوس أنه قرأ هذه الآية وقال: لم يأمرهم سبحانه بالحرير ولا الديباج ولكنه كان إذا طاف أحدهم وعليه ثيابه ضرب وانتزعت منه فأنكر عليهم ذلك، والحق أن كل ما لم يقم الدليل على حرمته داخل في هذه الزينة لا توقف في استعماله ما لم يكن فيه نحو مخيلة كما أشير إليه فيما تقدم. وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم خرج وعليه رداء قيمته ألف درهم، وكان أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يرتدي برداء قيمته أربعمائة دينار وكان يأمر أصحابه بذلك، وكان محمد يلبس الثياب النفيسة ويقول: إن لي نساء وجواري فأزين نفسي كي لا ينظرن إلى غيري. وقد نص الفقهاء على أنه يستحب التجمل لقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : إن لله تعالى إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه » تفسير : ،وقيل لبعضهم: أليس عمر رضي الله تعالى عنه كان يلبس قميصاً عليه كذا رقعة فقال: فعل ذلك لحكمة هي أنه كان أمير المؤمنين وعماله يقتدون به وربما لا يكون لهم مال فيأخذون من المسلمين. نعم كره بعض الأئمة لبس المعصفر والمزعفر وكرهوا أيضاً أشياء أخر تطلب من محالها. {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي هي لهم بالأصالة لمزيد كرامتهم على الله تعالى، والكفرة / وإن شاركوهم فيها فبالتبع فلا إشكال في الاختصاص المستفاد من اللام {خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } لا يشاركهم فيها غيرهم. وعن الجبائي أن المعنى هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة من الهموم والأحزان والمشقة وهي خالصة يوم القيامة من ذلك وانتصاب {خَالِصَةً } على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور والعامل فيه متعلقة. وقرأ نافع بالرفع على أنه خبر بعد خبر أو هو الخبر و {لِلَّذِينَ } متعلق به قدم لتأكيد الخلوص والاختصاص {كَذٰلِكَ نُفَصّلُ ٱلأَيَـٰتِ } أي مثل تفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } ما في تضاعيفها من المعاني الرائقة. وجوز أن يكون هذا التشبيه على حد قوله تعالى: { أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] ونظائره مما تقدم تحقيقه.

ابن عاشور

تفسير : استئناف معتَرَض بين الخطابات المحكيّة والموجّهة، وهو موضع إبطال مزاعم أهل الجاهليّة فيما حرّموه من اللّباس والطّعام وهي زيادة تأكيد لإباحة التستر في المساجد، فابتدىء الكلام السابق بأنّ اللباس نعمة من لله. وثني بالأمر بإيجاب التستر عند كل مسجد، وثلث بانكاران يوجد تحريم اللباس وافتتاح الجملة بـ{قل} دلالة على أنّه كلام مسوق للردّ والإنكار والمحاورة. والاستفهام إنكاري قصد به التّهكّم إذ جعلهم بمنزلة أهل علم يطلب منهم البيان والإفادة نظير قوله: {أية : قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} تفسير : [الأنعام: 148] ــــ وقوله ــــ {أية : نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} تفسير : [الأنعام: 143] وقرينة التّهكّم: إضافة الزّينة إلى اسم الله، وتعريفها بأنّها أخرجها الله لعباده، ووصفُ الرّزق بالطّيبات، وذلك يقتضي عدم التّحريم، فالاستفهام يؤول أيضاً إلى إنكار تحريمها. ولوضوح انتفاء تحريمها، وأنّه لا يقوله عاقل، وأنّ السؤال سؤال عالم لا سؤال طالب علم، أُمر السّائل بأن يجيب بنفسه سؤَالَ نفسِه، فعُقب ما هو في صورة السؤال بقوله: {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا} على طريقة قوله: {أية : قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} تفسير : في سورة الأنعام (12)، وقوله {أية : عم يتساءلون عن النبإ العظيم}تفسير : [النبأ: 1، 2] فآل السؤال وجوابه إلى خبرين. وضمير: {هي} عائد إلى الزينة والطّيبات بقطع النّظر عن وصْف تحريم من حرّمها، أي: الزّينةُ والطّيبات من حيث هي هي حلال للذين آمنوا فمن حرّمها على أنفسهم فقد حَرَمُوا أنفسهم. واللاّم في: {للذين آمنوا} لام الاختصاص وهو يدلّ على الإباحة، فالمعنى: ما هي بحرام ولكنّها مباحة للذين آمنوا، وإنّما حَرَم المشركون أنفسهم من أصناف منها في الحياة الدّنيا كلّها مثل البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وما في بطونها، وحَرَم بعض المشركين أنفسهم من أشياء في أوقات من الحياة الدّنيا ممّا حرّموه على أنفسهم من اللّباس في الطّواف وفي منى، ومن أكل اللّحوم والودَك والسّمن واللّبن، فكان الفوز للمؤمنين إذ اتّبعوا أمر الله بتحليل ذلك كلّه في جميع أوقات الحياة الدّنيا. وقوله: {خالصة يوم القيامة} قرأه نافع، وحده: برفع خالصة على أنّه خبر ثان عن قوله: {هي} أي: هي لهم في الدّنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة، وقرأه باقي العشرة: بالنّصب على الحال من المبتدأ أي هي لهم الآن حال كونها خالصة في الآخرة ومعنى القراءتين واحد، وهو أنّ الزّينة والطّيّبات تكون خالصة للمؤمنين يوم القيامة. والأظهر أنّ الضّمير المستتر في {خالصة} عائد إلى الزّينة والطّيبات الحاصلة في الحياة الدّنيا بعينها، أي هي خالصة لهم في الآخرة، ولا شكّ أنّ تلك الزّينة والطّيّبات قد انقرضت في الدّنيا، فمعنى خلاصها صفاؤها، وكونه في يوم القيامة: هو أنّ يوم القيامة مظهر صفائِها أي خلوصها من التّبعات المنجرّة منها، وهي تبعات تحريمها، وتبعات تناول بعضها مع الكفر بالمنعِم بها، فالمؤمنون لمّا تناولوها في الدّنيا تناولوها بإذن ربّهم، بخلاف المشركين فإنّهم يسألون عنها فيعاقبون على ما تناولوه منها في الدّنيا، لأنّهم كفروا نعمة المنعِم بها، فأشركوا به غيره كما قال تعالى فيهم: {أية : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون}تفسير : [الواقعة: 82] وإلى هذا المعنى يشير تفسير سعيد بن جبير، والأمر فيه على قراءة رفع: {خالصة} أنّه إخبار عن هذه الزّينة والطّيبات بأنّها لا تعقب المتمتّعين بها تبعات ولا أضراراً، وعلى قراءة النّصب فهو نصب على الحال المقدرة. ويحتمل أن يكون الضّمير في {خالصة} عائداً إلى الزّينة والطّيبات، باعتبار أنواعها لا باعتبار أعيانها، فيكون المعنى: ولهم أمثالها يوم القيامة خالصة. ومعنى الخلاص التّمحض وهو هنا التّمحض عن مشاركة غيرهم من أهل يوم القيامة، والمقصود أنّ المشركين وغيرهم من الكافرين لا زينة لهم ولا طيّبات من الرّزق يوم القيامة، أي أنّها في الدّنيا كانت لهم مع مشاركة المشركين إياهم فيها، وهذا المعنى مروي عن ابن عبّاس وأصحابه. ومعنى: {كذلك نفصّل الآيات} كهذا التّفصيل المتبَدِيء من قوله: {أية : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً} تفسير : [الأعراف: 26] الآيات أو من قوله: {أية : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} تفسير : [الأعراف: 3]. وتقدّم نظير هذا التّركيب في سورة الأنعام. والمراد بالآيات الدّلائل الدّالة على عظيم قدرة الله تعالى، وانفراده بالإلهيّة، والدّالة على صدق رسوله محمّد صلى الله عليه وسلم إذ بيَّن فساد دين أهل الجاهليّة، وعلَّم أهل الإسلام علماً كاملاً لا يختلط معه الصّالح والفاسد من الأعمال، إذ قال: خُذوا زينتكم، وقال: {أية : وكلوا واشربوا} تفسير : [الأعراف: 31]، ثمّ قال: {أية : ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} تفسير : [الأعراف: 31]، وإذ عاقب المشركين على شركهم وعنادهم وتكذيبهم بعقاب في الدّنيا، فخذلهم حتّى وضعوا لأنفسهم شرعاً حَرَمَهم من طيّبات كثيرة وشوّه بهم بين الملإ في الحجّ بالعراء فكانوا مثَل سوءٍ ثمّ عاقبهم على ذلك في الآخرة، وإذ وفق المؤمنين لَمَّا استعدّوا لقبول دعوة رسوله فاتّبعوه، فمتّعهم بجميع الطّيبات في الدّنيا غير محرومين من شيء إلاّ أشياء فيها ضُر عَلِمه الله فحرّمها عليهم، وسلَّمهم من العقاب عليها في الآخرة. واللاّم في قوله: {لقوم يعلمون} لام العلّة، وهو متعلّق بفعل {نفصل}، أي تفصيل الآيات لا يفهمه إلاّ قوم يعلمون، فإنّ الله لمّا فصّل الآيات يَعلم أنّ تفصيلها لقوم يعلمون، ويجوز أن يكون الجارُّ والمجرور ظرفاً مستقراً في موضع الحال من الآيات، أي حال كونها دلائل لقوم يعلمون، فإنّ غير الذين لا يعلمون لا تكون آيات لهم إذ لا يفقهونها كقوله تعالى: {أية : إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} تفسير : في سورة الأنعام (99)، أي كذلك التّفصيل الذي فَصلتُه لكم هنا نفصّل الآيات ويتجدّد تفصلينا إياها حرصا على نفع قوم يعلمون. والمراد بـ {قوم يعلمون} الثّناءُ على المسلمين الذين فهموا الآيات وشكروا عليها، والتّعريضُ بجهل وضلال عقول المشركين الذين استمرّوا على عنادهم وضلالهم، رغم ما فصّل لهم من الآيات.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}. أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة نبيه صلى الله عليه وسلم: "أن يسأل سؤال إنكار من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، كاللباس في الطواف، والطيبات من الرزق كالأنعام، والحرث التي حرمها الكفار، وكاللحم والودك الذي حرمه بعض العرب في الجاهلية في الحج. وصرح في مواضع أخر: أن من قال ذلك على الله فهو مفتر عليه جل وعلا، كقوله: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} تفسير : [النحل: 116]، وقوله: {أية : قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}تفسير : [الأنعام: 140]، وقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} تفسير : [يونس: 59]، وطلبهم في موضع آخر طلب إعجاز أن يأتوا بالشهداء الذين يشهدون لهم أن الله حرم هذا، ونهى نبيه صلى الله عليه وسلم إن شهد لهم شهود زور أن يشهد معهم، وهو قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} تفسير : [الأنعام: 150] إلى غير ذلك من الآيات.

الواحدي

تفسير : {قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده} مَنْ حرَّم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم {والطيبات من الرزق} يعني: ما حرَّموه على أنفسهم أيَّام حجِّهم {قل هي} أَي: الطَّيِّبات من الرِّزق {للذين آمنوا في الحياة الدنيا} مباحةٌ لهم مع اشتراك الكافرين معهم فيها في الدُّنيا، ثمَّ هي تخلص للمؤمنين يوم القيامة، وليس للكافرين فيها شيء، وهو معنى قوله: {خالصة يوم القيامة} {كذلك نفصل الآيات} نُفسِّر ما أحللت وما حرَّمت {لقومٍ يعلمون} أنِّي أنا الله لا شريك لي. {قل إنما حرَّم ربي الفواحش} الكبائر والقبائح {ما ظهر منها وما بطن} سرَّها وعلانيتها {والإِثم} يعني: المعصية التي توجب الإِثم {والبغي} ظلم النَّاس، وهو أن يطلب ما ليس له {وأن تشركوا بالله} تعدلوا به في العبادة {ما لم ينزل به سلطاناً} لم ينزل كتاباً فيه حجَّةٌ {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} من أنَّه حرَّم الحرث والأنعام، وأنَّ الملائكة بنات الله. {ولكلِّ أمة أجل} وقتٌ مضروبٌ لعذابهم وهلاكهم {فإذا جاء أجلهم} بالعذاب {لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} لا يتأخَّرون ولا يتقدَّمون حتى يُعذَّبوا. {يا بني آدم إمَّا يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} فرائضي وأحكامي {فمن اتقى} اتَّقاني وخافني {وأصلح} ما بيني وبينه {فلا خوف عليهم} إذا خاف الخلق في القيامة {ولا هم يحزنون} إذا حزنوا.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 32- قل لهم - يا محمد - منكراً عليهم افتراء التحليل والتحريم على الله: مَنْ الذى حرَّم زينة الله التى خلقها لعباده؟ ومن الذى حرم الحلال الطيب من الرزق؟ قل لهم: هذه الطيبات نعمة من الله ما كان ينبغى أن يتمتع بها إلا الذين آمنوا فى الدنيا، لأنهم يؤدون حقها بالشكر والطاعة، ولكن رحمة الله الواسعة شملت الكافرين والمخالفين في الدنيا، وستكون هذه النعم خالصة يوم القيامة للمؤمنين، لا يشاركهم فيها غيرهم، ونحن نفصل الآيات الدالة على الأحكام على هذا المنوال الواضح، لقوم يدركون أن الله - وحده - مالك الملك بيده التحليل والتحريم. 33- قل يا محمد: إنما حرم ربى الأمور المتزايدة فى القبح كالزنى، سواء منها ما يرتكب سراً وما يرتكب علانية، والمعصية أياً كان نوعها، والظلم الذى ليس له وجه من الحق، وحرَّم أن تشركوا به دون حُجة صحيحة، أو دليل قاطع، وأن تفتروا عليه سبحانه بالكذب فى التحليل والتحريم وغيرهما. 34- ولكل أمة نهاية معلومة، لا يمكن لأية قوة أن تقدم هذه النهاية أو تؤخرها أية مدة مهما قلَّت. 35- يا بنى آدم: إن جاءتكم رسل من جنسكم الآدمى ليبلغوكم آياتى الموحى بها كنتم فريقين: فالذين يؤمنون ويعملون الصالحات مخلصين، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون فى دنياهم أو أُخراهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من حرم زينة الله: التحريم: المنع، والزينة: ما يتزين به من ثياب وغيرها. والطيبات: جمع طيب وهو الحلال غير المستخبث. خالصة: لا يشاركهم فيها الكفار لأنهم في النار. الفواحش: جمع فاحشة والمراد بها هنا الزنى واللواط السري كالعلني. والإِثم: كل ضار قبيح من الخمر وغيرها من سائر الذنوب. والبغي بغير الحق: الظلم بغير قصاص ومعاقبة بالمثل. وأن تشركوا: أي الشرك بالله وهو عبادة غير الله تعالى. السلطان: الحجة التي تثبت بها الحقوق المختلف فيها أو المتنازع عليها. أجل: وقت محدد تنتهي إليه. معنى الآيات: لما حرم المشركون الطواف بالبيت بالثياب وطافوا بالبيت عراة بدعوى أنهم لا يطوفون بثياب عصوا الله تعالى فيها، أنكر تعالى ذلك عليهم بقوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} كلحوم ما حرموه من السوائب، فالاستفهام في قوله {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ} للإِنكار. ومعنى أخرجها: أنه أخرج النبات من الأرض كالقطن والكتان ومعادن الحديد لأن الدروع من الحديد، وقوله تعالى {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بالأصالة، لأن المؤمنين علماء فيحسنون العمل والإِنتاج والصناعة، والكفار تبع لهم في ذلك لجهلهم وكسلهم وعدم بصيرتهم، {خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي هي خالصة للمؤمنين يوم القيامة لا يشاركهم فيها الكفار ولأنهم في دار الشقاء النار والعياذ بالله تعالى وقوله تعالى {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي كهذا التفصيل والبيان الذي بيناه وفضلناه في هذه الآيات ومازلنا نفصل ونبين ما ننزل من آيات القرآن الكريم لقوم يعلمون أما غيرهم من أهل الجهل والضلال فإنهم لا ينتفعون بذلك لأنهم محجوبون بظلمة الكفر والشرك ودخان الأهواء والشهوات والشبهات. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [32] أما الآية الثانية [33] فقد تضمنت بيان أصول المحرمات وأمهات الذنوب وهي: الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإِثم: وهو سائر المعاصي بترك الواجب أو فعل الحرام والبغي: وهو الاستطالة على الناس والاعتداء عليهم بهضم حقوقهم وأخذ أموالهم وضرب أجسامهم وذلك بغير حق أوجب ذلك الاعتداء وسوغه كأن يعتدي الشخص فيقتص منه ويعاقب بمثل ما جنى وظلم، والشرك بالله تعالى بعبادة غيره، والقول على الله تعالى بدون علم منه وذلك كشرع ما لم يشرع بتحريم ما لم يحرم، وإيجاب ما لم يوجب. هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الثالثة والأخيرة في هذا السياق [34] فقد أخبر تعالى فيها أن لكل أمة أجلاً محدداً أي وقتاً معيناً يتم هلاكها فيه لا تتقدمه بساعة ولا تتأخر عنه بأخرى. وفي هذا إشارة أفصح من عبارة وهي أن هلاك الأمم والجماعات والأفراد يتم بسبب انحرافهم عن منهج الحياة، كالمرء يهلك بشرب السم، وبإلقاء نفسه من شاهق، أو إشعال النار في جسمه كذلك ارتكاب أمهات الذنوب وأصول المفاسد التي ذكر تعالى في قوله {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ.....} من شأنها أن تودي بحياة مرتكبيها لا محالة ما لم يتوبوا منها وتصلح حالهم بالعودة إلى منهج الحياة الذي وضع الله في الإِيمان والتوحيد والطاعة لله ورسوله بفعل كل أمر وترك كل نهي. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الإِنكار الشديد على من يحرم ما أحل الله من الطيبات كبعض المتنطعين. 2- المستلذات من الطعام والشراب والمزينات من الثياب وغيرها المؤمنون أولى بها من غيرهم لأنهم يحسنون العمل، ويبذلون الجهد لاستخراجها والانتفاع بها. بخلاف أهل الجهالات فإنهم عمي لا يبصرون ومقعدون لا يتحركون. وإن قيل العكس هو الصحيح فإن أمم الكفر وأوربا وأمريكا هي التي تقدمت صناعياً وتمتعت بما لم يتمتع به المؤمنون؟ فالجواب: أن المؤمنين صرفوا عن العلم والعمل وأقعدوا عن الإِنتاج والاختراع بإفساد أعدائهم لهم عقولهم وعقائدهم، فعوقوهم عن العمل مكراً بهم وخداعاً لهم. والدليل أن المؤمنين لما كانوا كاملين في إيمانهم كانوا أرقى الأمم وأكملها حضارة وطهارة وقوة وإنتاجاً مع أن الآية تقول {... لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فإذا حل الجهل محل العلم فلا انتاج ولا اختراع ولا حضارة. 2- بيان أصول المفاسد وهي الفواحش وما ذكر بعدها إلى {.... وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. 3- ذكرت هذه المفاسد بطريق التدلي آخرها أخطرها وهكذا أخفها أولها. 4- أجل الأمم كأجل الأفراد يتم الهلاك عند انتظام المرض كامل الأمة أو أكثر أفرادها كما يهلك الفرد عندما يستشري المرض في كامل جسمه.

د. أسعد حومد

تفسير : {الْطَّيِّبَاتِ} {آمَنُواْ} {ٱلْحَيَاةِ} {ٱلْقِيَامَةِ} {ٱلآيَاتِ} (32) - يَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ حَرَّمَ شَيْئاً مِنَ المَآكِلِ، وَالمَلاَبِسِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ شَرْعٍ مِنَ اللهِ، فَيَقُولُ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهؤلاءِ المُشْرِكينَ: مَنْ حَرَّمَ مَا خَلَقَ اللهُ لِعِبَادِهِ مِنْ أَسْبَابِ الزِّيْنَةِ، وَمِنْ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ؟ فَهذِهِ الطَّيِّبَاتُ وَالزِّينَةُ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَإِنْ شَركَهُمْ فِيها الكُفَّارُ فِي الدُّنْيا، وَهِيَ خَالِصَةٌ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ، لاَ يَشْرَكُهُمُ الكُفَّارُ فِي شَيءٍ مِنْها. وَهكَذَا يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى آيَاتِهِ وَيَشْرَحُهَا لِمَنْ يَعْقِلُونَ مِنَ النَّاسِ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ وَحْدَهُ مَالِكُ المُلْكِ وَبِيَدِهِ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وما دام أخرجها لعباده فهو قد أرادها لهم، وما ينفع منها للإناث جعلتها السنة للإِناث، وما يصح منها للذكور أحلتها السنّة لهم، وكذلك الطيب من الرزق حلال للمؤمنين والمؤمنات. ولنلحظ دقة الأسلوب هنا في قوله تعالى: {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا...} [الأعراف: 32] ثم يتابع سبحانه: {خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ...} [الأعراف: 32] فكأننا أمام حالتين اثنتين: حالة في الدنيا، وأخرى في يوم القيامة، معنى ذلك أن الزينة في الحياة الدنيا غير خالصة؛ لأن الكفار يشاركونهم فيها، فهي من عطاء الربوبية، وعطاء الربوبية للمؤمن وللكافر، وربما كان الكافر أكثر حظًّا في الدنيا من المؤمن، ولكن في الآخرة تكون الزينة خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها الكافرون. وكذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يعطي اليقظة الإِيمانية في المؤمن بوجود الأغيار فيه، ومعنى وجود الأغيار أنه قد يتعرض الإِنسان لتقلبات بين الصحة والمرض والغنى والفقر والقوة والضعف. وهكذا يكون الإٍنسان في الدنيا؛ فهي دار الأغيار، ويصيب الإِنسان فيها أشياء قد يكرهها؛ لذلك فالدنيا ليست خالصة النعيم لما فيها من أغيار تأتيك فتسوؤك. إنها تسوؤك عند غيبة شحنة الإِيمان منك؛ لأنك إن استصحبت شحنة الإِيمان عند كل حدث أجراه الله عليك لَلَفَتَكَ الله إلى حكمته. {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ...} [الأعراف: 32] ويمكن أن نقرأ كلمة "خالصة" منصوبة على أنها حال، ويمكن أن نقرأها في قراءة أخرى مرفوعة على أنها خبر بعد خبر، والمعنى: أنها غير خالصة للمؤمنين في الدنيا لمشاركة الكفار لهم فيها، وغير خالصة أيضاً من شوائب الأغيار ولكنها وفي الآخرة خالصة للمؤمنين فلا يشاركهم الكفار ولا تأتي لهم فيها الأغيار. ويذيل الحق الآية بقوله: {...كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32] معنى {نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي لا نأتي بالآيات مجملة بل نفصل الآيات لكل مؤمن، فلا نترك خللاً، ونأتي فيها بكل ما تتطلبه أقضية الحياة، بتفصيل يُفهمنا قضايانا فهماً لا لبس فيه. ويقول الحق بعد ذلك: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ...}

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل للمحجوبين من أهل المظاهر المحرومين عن الرزق المعنوي، المحرومين عن التوجه نحو التوحيد في هذه النشأة: {مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ} وأظهر {لِعِبَادِهِ} الخلص من ذرائر الكائنات بتجليات الأسماء والصفات {وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} المعنوي والمستلذات الروحانية {قُلْ} لهم: {هِي} حاصلة {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} بالتوحيد الإلهي {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} والنشأة الأولى حال كونهم مشوبة بالقوى البشرية والكدورات البهيمية {خَالِصَةً} لهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} بلا شوب كدورة حين انخلعوا من جلباب الهويات الباطلة والتعيينات العاطلة {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} الدالة على توحيدنا {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32] يذعنون بالإيمان وتوجهون نحو الكشف والعيان. {قُلْ} يا أكمل الرسل المولي لتدبير مصالح العباد: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ} القبائح الصادرة من أولي الأحلام السخيفة {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} من الظلم وشهادة الزور ورمي المحصن والغيبة والنميمة، وغيرها من القبائح التي ظهرت من الألسنة والأيدي {وَمَا بَطَنَ} من القبائح التي صدرت من الفروج {وَ} بالجملة: كل ما يوجب {ٱلإِثْمَ} المستلزم للانتقام والعقاب {وَٱلْبَغْيَ} أي: الحروب على الولاة وجمهور المسلمين {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} بلا رخصة شرعية {وَ} أعظم المحرمات جرماً وأشدها انتقاماً {أَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ} المتوحد بذاته {مَا} أي: شيئاً من مصنوعاته مع أنه { لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} حجة وبرهاناً {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ} افتراءً ومراءً {مَا لاَ تَعْلَمُونََ} [الأعراف: 33] له، لا عقلاً ولا نقلاً. {وَ} اعلموا أن {لِكُلِّ أُمَّةٍ} من الأمم العاصية الضالة {أَجَلٌ} مقدر من عند الله لمقتهم وهلاكهم {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} المقدر المبرم {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34] أي: لا يسع لهم فيه طلب التأخير على مقتضى أهويتهم ولا طلب التقديم تخليصاً لنفوسهم من الأذى، بل أمرهم حتم نازل في وقته وحينه بلا تخلل تقدم وتأخير؛ لكمال قدرته ومتانة حكمته. {يَابَنِيۤ ءَادَمَ} المستكملين القابلين للإرشاد والتكميل المستعدين لفيضان كمال التوحيد {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} أي: أن يأتينكم ويرسلن إليكم {رُسُلٌ مِّنكُمْ} من جنسكم وبني نوعكم؛ إذ هم أدخل لنصحكم وإرشادكم وأنسب لجذب قلوبكم، وأشفق عليكم من الأجانب حال كونهم {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} المنزلة من عندي، الدالة على وحدة ذاتي فعليكم أن تصدقوهم ونؤمنوا لهم وبما جاءوا به من عندي من الأوامر والنواهي {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ} منكم عن محارم الله بواسطة رسله وآياته {وَأَصْلَحَ} أي: أخلص أعماله لله بلا ترقب على الجزاء {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} لا في النشأة الأولى ولا في الأخرى {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [الأعراف: 35] عن سوء المنقلب والمثوى.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} [الأعراف: 32]، يشير إلى أن من يمنعكم من كمالات أخرجها الله من غيب الغيب لخواص عباده من الأنبياء والأولياء، ومن حرَّم عليكم نيل هذه الكرامات والمقامات، فمن تصدى لطلبها وسعي لها سعيها في مباحة له من غير تأخير ولا قصور، وإضافة الزينة إلى الله تعالى؛ لأنه أخرجها من خزائن ألطافه وحقائق أعطافه، فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها وبالطوالع وأثمارها، وزين الظواهر بآثار التوفيق، وزين البواطن بأنوار التحقيق، وزين الظواهر بآثار الجود، وزين الباطن بأنوار الشهود، وزين الظاهر بآثار الجود، وزين البواطن بأنوار الوجود والطيبات من الرزق، إن أرزاق النفوس بحكم أفضاله، وأرزاق القلوب بموجب إقباله، والطيبات من الرزق على الحقيقة ما لم يكن مشوباً بحقوق النفس وحظوظها، ويكون خالصاً من مواهب الحق وحقوقه. {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الأعراف: 32]؛ أي: هذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشوائب الآفات النفسانية، وكدورات الصفات الحيوانية، {خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32] من هذه الآفات والكدور كما قال تعالى: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}تفسير : [الأعراف: 43]، {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} [الأعراف: 32] أي: نبين الباطل ونظهر بشواهد الحق، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32] الحق والباطل ونبين لهم الحق. ثم أخبر عن ما حرم بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ} [الأعراف: 33]، الإشارة فيها: أن أعمال الظواهر وأعمال البواطن معتبرة في طلب الحق تعالى والسلوك إليه بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، والفواحش: ما يقطع العبد عن طريق الرب ويمنعه عن السلوك إليه فيه، ففاحشة العوام: ما ظهر منها ارتكاب المناهي وما بطن خطورها بالبال، وفاحشة الخواص: ما ظهر منها لأمة كل زمان مستحقة لدخول النار. {أية : ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ}تفسير : [الأعراف: 38]، وإنما قدم الجن عن الإنس؛ لتقدمهم عليهم في الخلقة، وذلك أن الله تعالى لما خلق الجن جعل منه حكمة؛ فمنهم: مؤمن، ومنهم: كافر، فلمَّا استولى أهل الكفر منهم على أهل الإيمان وغلبوهم بالحرب والقتال حتى استأصولهم بعث الله إليهم جنداً من الملائكة، قيل: كان رئيسهم إبليس، فسلطهم الله عليهم حتى أهلكوا جميعهم، ثم خلق الله تعالى آدم عليه السلام بعدهم فخلق منه ذريته فكان منهم كافر: كقابيل، ومنهم مؤمن: كهابيل إلى أن كان في كل زمان منهم أمة كافرة مستحقة لدخول النار، وأمة مؤمنة مستحقة لدخول الجنة حتى الآن وإلى انقراض العالم؛ لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ}تفسير : [التغابن: 2]. وقال تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} [الأعراف: 29-30]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله الله ".

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى منكرا على من تعنت، وحرم ما أحل اللّه من الطيبات { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } من أنواع اللباس على اختلاف أصنافه، والطيبات من الرزق، من مأكل ومشرب بجميع أنواعه، أي: مَن هذا الذي يقدم على تحريم ما أنعم اللّه بها على العباد، ومن ذا الذي يضيق عليهم ما وسَّعه اللّه؟!! وهذا التوسيع من اللّه لعباده بالطيبات، جعله لهم ليستعينوا به على عبادته، فلم يبحه إلا لعباده المؤمنين، ولهذا قال: { قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي: لا تبعة عليهم فيها. ومفهوم الآية أن من لم يؤمن باللّه، بل استعان بها على معاصيه، فإنها غير خالصة له ولا مباحة، بل يعاقب عليها وعلى التنعم بها، ويُسأل عن النعيم يوم القيامة. { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ } أي: نوضحها ونبينها { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } لأنهم الذين ينتفعون بما فصله اللّه من الآيات، ويعلمون أنها من عند اللّه، فيعقلونها ويفهمونها. ثم ذكر المحرمات التي حرمها اللّه في كل شريعة من الشرائع فقال: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ } أي: الذنوب الكبار التي تستفحش وتستقبح لشناعتها وقبحها، وذلك كالزنا واللواط ونحوهما. وقوله: { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي: الفواحش التي تتعلق بحركات البدن، والتي تتعلق بحركات القلوب، كالكبر والعجب والرياء والنفاق، ونحو ذلك، { وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } أي: الذنوب التي تؤثم وتوجب العقوبة في حقوق اللّه، والبغي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فدخل في هذا الذنوبُ المتعلقةُ بحق اللّه، والمتعلقةُ بحق العباد. { وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا } أي: حجة، بل أنزل الحجة والبرهان على التوحيد. والشركُ هو أن يشرك مع اللّه في عبادته أحد من الخلق، وربما دخل في هذا الشرك الأصغر كالرياء والحلف بغير اللّه، ونحو ذلك. { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه، فكل هذه قد حرمها اللّه، ونهى العباد عن تعاطيها، لما فيها من المفاسد الخاصة والعامة، ولما فيها من الظلم والتجري على اللّه، والاستطالة على عباد اللّه، وتغيير دين اللّه وشرعه.

همام الصنعاني

تفسير : 897- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن الحسن، في قوله تعالى: {هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}: [الآية: 32]، قال: هيَ للمؤمنين خالصةً في الآخرَةِ لا يشاركهم فيها الكفار، فأما في الدنيا فقد شاركوهم.