Verse. 987 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

قُلْ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَہَرَ مِنْہَا وَمَا بَطَنَ وَالْاِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَاَنْ تُشْرِكُوْا بِاللہِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِہٖ سُلْطٰنًا وَّاَنْ تَقُوْلُوْا عَلَي اللہِ مَا لَا تَعْلَمُوْنَ۝۳۳
Qul innama harrama rabbiya alfawahisha ma thahara minha wama batana waalithma waalbaghya bighayri alhaqqi waan tushrikoo biAllahi ma lam yunazzil bihi sultanan waan taqooloo AAala Allahi ma la taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل إنما حرَّم ربي الفواحش» الكبائر كالزنا «ما ظهر منها وما بطن» أي جهرها وسرها «والإثم» المعصية «والبغي» على الناس «بغير الحق» وهو الظلم «وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به» بإشراكه «سلطانا» حجة «وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون» من تحريم ما لم يحرم وغيره.

33

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسألتان: المسألة الأولى: أسكن حمزة الياء من {رَبّى } والباقون فتحوها. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذي حرموه ليس بحرام بين في هذه الآية أنواع المحرمات، فحرم أولاً الفواحش، وثانياً الإثم، واختلفوا في الفرق بينهما على وجوه: الأول: أن الفواحش عبارة عن الكبائر، لأنه قد تفاحش قبحها أي تزايد والإثم عبارة عن الصغائر فكان معنى الآية: أنه حرم الكبائر والصغائر، وطعن القاضي فيه، فقال هذا يقتضي أن يقال: الزنا، والسرقة، والكفر ليس بإثم وهو بعيد. القول الثاني: أن الفاحشة اسم لا يجب فيه الحَدّ، والإثم اسم لما يجب فيه الحَدّ، وهذا وإن كان مغايراً للأول إلا أنه قريب منه، والسؤال فيه ما تقدم. والقول الثالث: أن الفاحشة اسم للكبيرة، والإثم اسم لمطلق الذنب سواء كان كبيراً أو صغيراً. والفائدة فيه: أنه تعالى لما حرم الكبيرة أردفها بتحريم مطلق الذنب لئلا يتوهم أن التحريم مقصور على الكبيرة وعلى هذا القول اختيار القاضي. والقول الرابع: أن الفاحشة وإن كانت بحسب أصل اللغة اسماً لكل ما تفاحش وتزايد في أمر من الأمور، إلا أنه في العرف مخصوص بالزيادة. والدليل عليه أنه تعالى قال في الزنا: {أية : إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً }تفسير : [الإسراء: 32] ولأن لفظ الفاحشة إذا أطلق لم يفهم منه إلا ذلك، وإذا قيل فلان فَحّاش: فهم أنه يشتم الناس بألفاط الوقاع، فوجب حمل لفظ الفاحشة على الزنا فقط. إذا ثبت هذا فنقول: في قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } على هذا التفسير وجهان: الأول: يريد سر الزنا، وهو الذي يقع على سبيل العشق والمحبة، وما ظهر منها بأن يقع علانية. والثاني: أن يراد بما ظهر من الزنا الملامسة والمعانقة {وَمَا بَطَنَ } الدخول. وأما الإثم فيجب تخصيصه بالخمر، لأنه تعالى قال في صفة الخمر: {أية : وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } تفسير : [البقرة: 219] وبهذا التقدير: فإنه يظهر الفرق بين اللفظين. النوع الثالث: من المحرمات قوله: {وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } فنقول: أما الذين قالوا: المراد بالفواحش جميع الكبائر، وبالإثم جميع الذنوب. قالوا: إن البغي والشرك لا بد وأن يكونا داخلين تحت الفواحش وتحت الإثم، إلا أن الله تعالى خصهما بالذكر تنبيهاً على أنهما أقبح أنواع الذنوب، كما في قوله: {أية : وَمَلـٰئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ }تفسير : [البقرة: 98] وفي قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوح} تفسير : [الأحزاب: 7]، وأما الذين قالوا الفاحشة مخصوصة بالزنا والإثم بالخمر، قالوا: البغي والشرك على هذا التقرير غير داخلين تحت الفواحش والإثم فنقول: البغي لا يستعمل إلا في الإقدام على الغير نفساً، أو مالاً، أو عرضاً، وأيضاً قد يراد بالبغي الخروج على سُلطان الوقت. فإن قيل: البغي لا يكون إلا بغير الحق، فما الفائدة في ذكر هذا الشرط. قلنا أنه مثل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الإسراء: 33] والمعنى: لا تقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر، إلا أن يكون لكم فيه حق، فحينئذ يخرج من أن يكون بغياً. والنوع الرابع: من المحرمات قوله تعالى: {وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } وفيه سؤال: وهو أن هذا يوهم أن في الشرك بالله ما قد أنزل به سلطاناً، وجوابه: المراد منه أن الإقرار بالشيء الذي ليس على ثبوته حجة، ولا سلطان ممتنع، فلما امتنع حصول الحجة والتنبيه على صحة القول بالشرك، فوجب أن يكون القول به باطلاً على الإطلاق، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بالتقليد باطل. والنوع الخامس: من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وقد سبق تفسير هذه الآية في هذه السورة عند قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [الأعراف: 28] وبقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: كلمة «إنما» تفيد الحصر، فقوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ } كذا وكذا يفيد الحصر، والمحرمات غير محصورة في هذه الأشياء. والجواب: إن قلنا الفاحشة محمولة على مطلق الكبائر، والإثم على مطلق الذنب دخل كل الذنوب فيه، وإن حملنا الفاحشة على الزنا، والإثم على الخمر قلنا: الجنايات محصورة في خمسة أنواع: أحدها: الجنايات على الأنساب، وهي إنما تحصل بالزنا، وهي المراد بقوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ٱلْفَوٰحِشَ } وثانيها: الجنايات على العقول، وهي شرب الخمر، وإليها الإشارة بقوله: {ٱلإِثْمَ } وثالثها: الجنايات على الأعراض. ورابعها: الجنايات على النفوس وعلى الأموال، وإليهما الإشارة بقوله: {وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } وخامسها: الجنايات على الأديان وهي من وجهين: أحدها: الطعن في توحيد الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: {وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ } وثانيها: القول في دين الله من غير معرفة، وإليه الإشارة بقوله: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فلما كانت أصول الجنايات هي هذه الأشياء، وكانت البواقي كالفروع والتوابع، لا جرم جعل تعالى ذكرها جارياً مجرى ذكر الكل، فأدخل فيها كلمة «إنما» المفيدة للحصر. السؤال الثاني: الفاحشة والإثم هو الذي نهى الله عنه، فصار تقدير الآية: إنما حرم ربي المحرمات، وهو كلام خال عن الفائدة؟ والجواب: كون الفعل فاحشة هو عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه، وعلى هذا التقدير: فيسقط السؤال، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألة واحدة: قال الكلبي: لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت عيّرهم المشركون؛ فنزلت هذه الآية. والفواحش: الأعمال المُفْرِطة في القبح، ما ظهر منها وما بطن. وروى رَوح بن عُبادة عن زكريا بن إسحاق عن ٱبن أبي نَجيح عن مجاهد قال: «مَا ظَهَرَ مِنْهَا» نكاح الأمهات في الجاهلية «وَمَا بَطَنَ» الزنى. وقال قتادة: سرّها وعلانيتها. وهذا فيه نظر؛ فإنه ذكر الإثم والبغي فدلّ أن المراد بالفواحش بعضها، وإذا كان كذلك فالظاهر من الفواحش الزنى. والله أعلم. {وَٱلإِثْمَ} قال الحسن: الخمر. قال الشاعر:شعر : شربتُ الإثمَ حتى ضلّ عقلي كذاك الإثمُ تذهبُ بالعقول تفسير : وقال آخر:شعر : نشرب الإثم بالصِوَاع جِهارا وترى المسك بيننا مُستعارا تفسير : {وَٱلْبَغْيَ} الظلم وتجاوز الحدّ فيه. وقد تقدّم. وقال ثعلب: البغي أن يقع الرجل في الرجل فيتكلم فيه، ويبغِي عليه بغير الحق؛ إلا أن ينتصر منه بحق. وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما؛ فنصّ على ذكرهما تأكيداً لأمرهما وقصداً للزجر عنهما. وكذا {وَأَن تُشْرِكُواْ} {وَأَن تَقُولُواْ} وهما في موضع نصب عطفاً على ما قبْلُ. وقد أنكر جماعة أن يكون الإثم بمعنى الخمر. قال الفرّاء الإثم ما دون الحدّ والاستطالة على الناس. قال النحاس: فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك، وحقيقة الإثم أنه جميع المعاصي؛ كما قال الشاعر:شعر : إني وجدتُ الأمرَ أرشَدُه تقوَى الإله وشرُّه الإثْمُ تفسير : قلت: وأنكره ٱبن العربيّ أيضاً وقال: «ولا حجة في البيت؛ لأنه لو قال: شربت الذنب أو شربت الوِزر لكان كذلك، ولم يوجب قوله أن يكون الذنب والوزر ٱسماً من أسماء الخمر كذلك الإثم. والذي أوجب التكلم بمثل هذا الجهلُ باللغة وبطريق الأدلة في المعاني». قلت: وقد ذكرناه عن الحسن. وقال الجوهريّ في الصحاح: وقد يسمى الخمر إثماً، وأنشد:شعر : شربـت الإثم... تفسير : ... البيـت وأنشده الهروِيّ في غريبيه، على أن الخمر الإثم. فلا يبعد أن يكون الإثم يقع على جميع المعاصي وعلى الخمر أيضاً لغةً، فلا تناقض. والبغي: التجاوز في الظلم، وقيل: الفساد.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ٱلْفَوٰحِشَ} ما تزايد قبحه، وقيل ما يتعلق بالفروج. {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} جهرها وسرها. {وَٱلإِثْمَ} وما يوجب الإثم تعميم بعد تخصيص، وقيل شرب الخمر. {وَٱلْبَغْىَ} الظلم، أو الكبر أفرده بالذكر للمبالغة. {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ} متعلق بالبغي مؤكد له معنى. {وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً} تهكم بالمشركين، وتنبيه على تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان. {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } بالإِلحاد في صفاته سبحانه وتعالى، والافتراء عليه كقولهم {ٱللَّهِ أَمَرَنَا بِهَا}.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا أحد أغير من الله، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن شقيق، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، وتقدم الكلام على ما يتعلق بالفواحش ما ظهر منها وما بطن، في سورة الأنعام. وقوله: {وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} قال السدي: أما الإثم، فالمعصية، والبغي أن تبغي على الناس بغير الحق، وقال مجاهد، الإثم: المعاصي كلها، وأخبر أن الباغي بغيه على نفسه، وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى الناس، فحرم الله هذا وهذا، وقوله تعالى: {وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً} أي: تجعلوا له شركاء في عبادته {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولداً ونحو ذلك مما لا علم لكم به، كقوله: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ} الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ٱلْفَوٰحِشَ } الكبائر كالزنا {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي جهرها وسرّها {وَٱلإِثْمَ } المعصية {وَٱلْبَغْىَ } على الناس {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ } هو الظلم {وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ } بإشراكه {سُلْطَٰناً } حجة {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من تحريم ما لم يحرّم وغيره.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} فيه وجهان: أحدهما: أن الفواحش: الزنى خاصة، وما ظهر منها: المناكح الفاسدة، وما بطن: الزنى الصريح. والثاني: أن الفواحش: جميع المعاصي، وما ظهر منها: أفعال الجوارح، وما بطن: اعتقاد القلوب. {وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} فيه وجهان: أحدهما: أن الإثم الخيانة في الأمور، والبغي: التعدي في النفوس. والثاني: الإثم: الخمر، والبغي: السكر، قال الشاعر: شعر : شربت الإثم حتى ضَلَّ عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول تفسير : وسمي الخمر بالإثم، والسكر بالبغي لحدوثه عنهما.

ابن عطية

تفسير : لما تقدم إنكار ما حرمه الكفار بآرائهم، أتبعه ذكر ما حرم الله عز وجل وتقديره، و {الفواحش} ما فحش وشنع وأصله من القبح في المنظر، ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : وجيد كجيد الريم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل تفسير : ثم استعمل فيما ساء من الخلق وألفاظ الحرج والرفث، ومنه الحديث ليس بفاحش في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله لسلمة بن سلامة بن وقش "حديث : أفحشت على الرجل" تفسير : في حديث السير، ومنه قول الحزين في كثير عزة: [الطويل] شعر : قصير القميص فاحش عند بيته تفسير : وكذلك استعمل فيما شنع وقبح في النفوس. والحسن في المعاني إنما يتلقى من جهة الشرع، والفاحش كذلك، فقوله هنا {الفواحش} إنما هي إشارة إلى ما نص الشرع على تحريمه في مواضع أخر، فكل ما حرمه الشرع فهو فاحش وإن كان العقل لا ينكره كلباس الحرير والذهب للرجال ونحوه، وقوله: {ما ظهر منها وما بطن} يجمع النوع كله لأنه تقسيم لا يخرج عنه شيء، وهو لفظ عام في جميع الفواحش وذهب مجاهد إلى تخصيص ذلك بأن قال {ما ظهر} الطواف عرياناً، والبواطن الزنى، وقيل غير هذا مما يأتي على طريق المثال، و {ما} بدل من الفواحش وهو بدل بعض من كل، ومجموع القسمين يأتي بدل الشيء من الشيء وهو هو، {والإثم} أيضاً: لفظه عام لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم، هذا قول الجمهور، وقال بعض الناس: هي الخمر واحتج على ذلك بقوله الشاعر: [الوافر] شعر : شربت الإثم حتى طار عقلي تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود لأن هذه السورة مكية ولم تعن الشريعة لتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أحد لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها يوم أحد وماتوا شهداء، وهي في أجوافهم، وأيضاً فبيت الشعر يقال إنه مصنوع مختلق، وإن صح فهو على حذف مضاف، وكأن ظاهر القرآن على هذا القول أن تحريم الخمر من قوله تعالى: {أية : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} تفسير : [البقرة:219] وهو في هذه الآية قد حرم، فيأتي من هذا الخمر والإثم محرم فالخمر محرمة. قال القاضي أبو محمد: ولكن لا يصح هذا لأن قوله {فيهما إثم} لفظ محتمل أن يراد به أنه يلحق الخمر من فساد العقل والافتراء وقتل النفس وغير ذلك آثام فكأنه قال في الخمر هذه الآثام أي هي بسببها ومعها وهذه الأشياء محرمة لا محالة، وخرجت الخمر من التحريم على هذا ولم يترتب القياس الذي ذهب إليه قائل ما ذكرناه، ويعضد هذا أنّا وجدنا الصحابة يشربون الخمر بعد نزول قوله {قل فيهما إثم} وفي بعض الأحاديث فتركها قوم للإثم الذي فيها وشربها قوم للمنافع، وإنما حرمت الخمر بظواهر القرآن ونصوص الأحاديث وإجماع الأمة. {والبغي} : التعدي وتجاوز الحد، كان الإنسان مبتدياً بذلك أو منتصراً فإذا جاوز الحد في الانتصار فهو باغ، وقوله: {بغير الحق} زيادة بيان وليس يتصور بغي بحق لأن ما كان بحق فلا يسمى بغياً، {وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً} المراد بها الأصنام والأوثان وكل ما عبد من دون الله، و "السلطان" البرهان والحجة، {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} من أنه حرم البحيرة والسائبة ونحوه. وقوله تعالى: {ولكل أمة أجل} الآية، يتضمن الوعيد والتهديد، والمعنى ولكل أمة أي فرقة وجماعة، وهي لفظة تستعمل في الكثير من الناس، أجل مؤقت لمجيء العذاب إذا كفروا وخالفوا أمر ربهم، فأنتم أيتها الأمة كذلك قاله الطبري وغيره، وقرأ الحسن "فإذا جاء آجالهم" بالجمع. وهي قراءة ابن سيرين، قال أبو الفتح هذا هو الأظهر لأن لكل إنسان أجلاً فأما الإفراد فلأنه جنس وإضافته إلى الجماعة حسنت الإفراد، ومثله قول الشاعر: [الرجز] شعر : في حلقكم عظم وقد شجينا تفسير : وقوله: {ساعة} لفظ عين به الجزء القليل من الزمن، والمراد جميع أجزائه أي لا يستأخرون ساعة ولا أقل منها ولا أكثر، وهذا نحو قوله تعالى: {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة} تفسير : [النساء:40] فإنما هي عبارة يقام الجزء فيها مقام الكل. قال القاضي أبو محمد: وكأنه يظهر بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {أية : ويؤخركم إلى أجل مسمى} تفسير : [إبراهيم:10، نوح: 4] تعارض لأن تلك تقتضي الوعد بتأخير إن آمنوا والوعيد بمعاجلة إن كفروا. قال القاضي أبو محمد: والحق مذهب أهل السنة أن كل أحد إنما هو بأجل واحد لا يتأخر عنه ولا يتقدم. وقوم نوح كان منهم من سبق في علم الله تعالى أنه يكفر فيعاجل، وذلك هو أجله المحتوم، ومنه من يؤمن فيتأخر إلى أجله المحتوم وغيب عن نوح تعيين الطائفتين فندب الكل إلى طريق النجاة وهو يعلم أن الطائفة إنما تعاجل أو تؤخر بأجلها، فكأنه يقول: فإن آمنتم علمنا أنكم ممن قضى الله له بالإيمان والأجل المؤخر، وإن كفرتم علمنا أنكم ممن قضي له بالأجل المعجل والكفر. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا الحد هو دعاء محمد عليه السلام العالم إلى طريق الجنة، وقد علم أن منهم من يكفر فيدخل النار، وكذلك هو أمر الأسير يقال له إما أن تؤمن فتترك وإلا قتلت. وقوله تعالى: {يا بني آدم} الآية، الخطاب في هذه الآية لجميع العالم. و"إن" الشرطية دخلت عليها "ما" مؤكدة. ولذلك جاز دخول النون الثقيلة على الفعل، وإذا لم تكن "ما" لم يجز دخول النون الثقيلة. وقرأ أبي كعب والأعرج "تأتينكم" على لفظ الرسل. "وجاء يقصون" على المعنى. وكأنه هذا الخطاب لجميع الأمم قديمها وحديثها هو متمكن لهم ومتحصل منه لحاضري محمد عليه السلام أن هذا حكم الله في العالم منذ أنشأه. و {يأتينكم} مستقبل وضع موضع ماض ليفهم أن الإتيان باق وقت الخطاب لتقوى الإشارة بصحة النبوة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا على مراعاة وقت نزول الآية، وأسند الطبري إلى أبي سيار السلمي قال إن الله تعالى جعل آدم وذريته في كفه فقال {يا بني آدم أما يأتينكم رسل منكم} الآية، قال ثم نظر إلى الرسل فقال {أية : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} تفسير : [المؤمنون:52] ثم بثهم. قال القاضي أبو محمد: ولا محالة أن هذه المخاطبة في الأزل وقيل المراد بالرسل محمد عليه السلام. قال القاضي أبو محمد: من حيث لا نبي بعده، فكأن المخاطبين هم المراد ببني آدم لا غير، إذ غيرهم لم ينله الخطاب، ذكره النقاش. و {يقصون} معناه يسردون ويوردون. و "الآيات" لفظ جامع لآيات الكتب المنزلة وللعلامات التي تقترن بالأنبياء، وقوله: {فمن اتقى وأصلح} يصح أن تكون "من" شرطية وجوابه {فلا خوف عليهم} وهذه الجملة هي في جواب الشرط الأول الذي هو {إما يأتينكم} ويصح أن تكون "من" في قوله {فمن اتقى} موصولة، وكأنه قصد بالكلام تقسيم الناس فجعل القسم الأول {فمن اتقى}. والقسم الثاني {والذين كذبوا بآياتنا}. وجاء هذا التقسيم بجملته جواباً للشرط في قوله {إما يأتينكم} فكأنه قال إن أتتكم رسل فالمتقون لا خوف عليهم، والمكذبون أصحاب النار، أي هذا هو الثمرة وفائدة الرسالة: {أية : فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} تفسير : [الأنعام:144، الأعراف:37، يونس:17، الكهف:15] أي ليس ثم نفع للمفتري ولا غرض دنياوي. فالآية تبرية للنبي صلى الله عليه وسلم، من الافتراء, وتوبيخ للمفترين من الكفار. و {لا} في قوله {لا خوف} بمعنى ليس، وقرأ ابن محيصن "لا خوف" دون تنوين، ووجهه إما أن يحذف التنوين لكثرة الاستعمال وإما حملاً على حذفه مع "لا" وهي تبرية ناصبة تشبه حالة الرفع في البناء بحالة النصب، وقيل: إن المراد فلا الخوف، ثم حذفت الألف واللام وبقيت الفاء على حالها لتدل على المحذوف، ونفي الخوف والحزن يعم جميع أنواع مكاره النفس وأنكادها، ويشبه أن يكون الخوف لما يستقبل من الأمور والحزن لما مضى منها. {والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا} هذه حالتان تعم جميع من يصد عن رسالة الرسول إما أن يكذب بحسب اعتقاده وإما أن يستكبر فكذب وإن كان غير مصمم في اعتقاده على التكذيب. قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو الكفر عناداً.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ...} الآية: لما تقدم إنكار ما حرمه الكُفَّار بآرائهم أتبعه بذِكْرِ ما حرم اللَّه عز وجل. والفَوَاحِشُ في اللغة ما فَحُشَ وشنع، وأصله من القُبْحِ في النظر، وهي هنا إنما هي إشارة إلى ما نص الشرع على تحريمه، فكل ما حرمه الشَّرْعُ، فهو فاحش، والإثم لفظ عام في جَمِيعِ الأفعال والأقوال التي يَتَعَلَّقُ بمرتكبها إثم. هذا قول الجمهور. وقال بعض الناس: هي الخَمْرُ وهذا قول مردود؛ لأن هذه السورة مَكيّة، وإنما حرمت الخَمْرُ بـــ «المدينة» بعد أُحد {وَٱلْبَغْيَ} التعدي، وتجاوز الحد. {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من أنه حرم البَحِيرَةَ والسائبة ونحوه.

ابن عادل

تفسير : لمَّا بيَّن في الآية الأولى أنَّ الذي حرَّموه ليس بحرام بيَّن في هذه الآية الكريمة أنواع المحرمات، فحرَّم أولاً الفواحش، وثانيها الإثم، واختلفُوا في الفَرْقِ بينهما، فقيل: الفواحشُ: عبارة عن الكبَائر؛ لأنَّ قبحها قد تَفَاحَشَ أي: تزايد، والإثم عبارة عن الصغائر، والمعنى: أنَّهُ حرَّم الكبائِرَ والصَّغائِرَ. وطعن القاضي في ذلك بأن ذلك يقتضي أن يقال: الزِّنَا والسرقة والكفر ليس بإثْمٍ، وهو بعيد، وأقلُّ الفواحش ما يجب فيه الحدُّ، والإثم ما لا حدّ فيه. وقيل: الفاحِشَةُ اسم للكبيرةِ، والإثمُ اسم لمطلق الذَّنْبِ سواء كان صغيراً أو كبيراً، وفائدته: أنَّهُ لمَّا حرّم الكبيرة أردفه بِتَحْرِيمِ مطلق الذَّنْبِ، لئلاَّ يتوهم أنَّ التحريم مقصورٌ على الكبيرة، وهذا اختيار القاضي. وقيل: إنَّ الفاحشة وإن كانت بحسب اللُّغَةِ اسماً لكلِّ ما يتفاحش وتزايدُ في أمر من الأمور، إلاَّ أنَّهُ في العُرْفِ مخصوصٌ بالزِّنَا، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى في الزنا: {أية : إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً}تفسير : [الإسراء: 32]، ولأنَّ لفظ الفاحشة إذا أطلق لم يفهم منه إلاَّ ذلك. وإذا قيل: فلانٌ فحاشٌ، فُهم منه أنَّهُ يشْتِمُ النَّاسَ بألفاظ الوِقَاع؛ فوجب حمل لفظ الفاحِشَةِ على الزِّنَا، فعلى هذا يكون {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أي: الذي يقع منها علانية، و "مَا بَطَنَ" أي: الذي يقع منها سرّاً على وجه العشق والمحبَّة. وقيل: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: المُلامسة والمُعَانقة، و "مَا بَطَنَ" الدُّخول، وقد تقدَّم الكلام فيه في آخر السُّورة قبلها. وما "الإثم" فالظاهر أنَّهُ الذَّنب. وقيل: هو الخمرُ، قاله المفضلُ، وأنشد القائل في ذلك: [الطويل] شعر : 2455 - نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرَبَ الزِّنَا وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الذي يُوجِبُ الوِزْرَا تفسير : وأنشد الأصمعي: [الطويل] شعر : 2456 - وَرُحْتُ حَزِيناً ذَاهِلَ العَقْلِ بَعْدَهُمْ كأنِّي شَرِبْتُ الإثْمَ أو مَسَّنِي خَبَلْ تفسير : قال: وقد يسمى الخمر إثماً؛ وأنشد القائلُ: [الوافر] شعر : 2457 - شَرِبْتُ الإثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي كَذَاكَ الإثْمُ يَذْهَبُ بالعُقُولِ تفسير : ويروى عن ابن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - والحسنِ البصري [أنهما] قالا: "الإثم: الخمر". قال الحسنُ: "وتصديق ذلك قوله: {أية : قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ}تفسير : [البقرة: 219]، والذي قاله الحُذَّاق: أنَّ الإثم ليس من أسماء الخَمْرِ". قال ابن الأنباري: "الإثمُ: لا يكون اسماً للخمر؛ لأنَّ العرب لم تسمِّ الخمر إثماً، لا في جاهليّة، ولا في الإسلامِ، وقول ابن عباس والحسن لا ينافي ذلك؛ لأنَّ الخمر سبب الإثم، بل هي معظمه، فإنَّهَا مؤجّجة للفتن، وكيف يكونُ ذلك وكانت الخمرُ حين نزول هذه السُّورةِ حلالاً؛ لأن هذه السُّورة مكيَّة، وتحريم الخمر إنَّمَا كان في "المَدِينَةِ" بعد "أحد"، وقد شربها جماعةٌ من الصَّحابة يوم "أحدٍ" فماتوا شُهَدَاء، وهي في أجوافهم. وأمّا ما أنشده الأصمعيُّ من قوله: شعر : 2458 - شَرِبْتُ الإثْمَ............. .......................... تفسير : نصواعلى أنه مصنوع، وأما غيره فاللَّهُ أعلم". وقال بعضُ المفسِّرين: "الإثم: الذّنب والمعصية". وقال الضحاكُ - رحمه الله -: "الإثمُ: هو الذَّنْبُ الذي لا حدَّ فيه". قوله: {وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}: اعلم أنَّ الذَّين قالوا: المراد بـ "الفواحش" جميع الكبائر، وبـ "الإثم" جميع الذُّنوب قالوا: إن البغي والشرك لا بد وأن يدخلا تحت الفواحش، وتحت الإثم، وإنَّمَا خصّهما الله - تعالى - بالذِّكر تنبيهاً على أنَّهُما أقبح أنواع الذُّنُوب، كما في قوله تبارك وتعالى: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}تفسير : [البقرة: 98]. وفي قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ}تفسير : [الأحزاب: 8]. وأمَّا الذين خصُّوا الفاحشةَ بالزِّنَا، والإثمَ بالخَمْرِ قالوا: البغي والشرك غير داخلين تَحْتَ الفواحِش والإثم، وإنَّمَا البغي لا يستعملُ إلا في الإقْدَامِ على الغير نفساً، أو مالاً أو عِرْضاً، وقد يراد البغي على سلطان الوقت. فإن قيل: البغيُ لا يكون إلا بغير الحقِّ، فما الفائدة في ذكر هذا الشرط؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ قوله تعالى "بِغَيْرِ الحقِّ" حال، وهي حال مؤكدة؛ لأنَّ البَغْيَ لا يكون إلاَّ بغير الحق. والثاني: أنَّهُ مثل قوله تبارك وتعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأنعام: 151]، والمعنى: لا تُقدمُوا على إيذاءِ النَّاسِ بالقَتْلِ والقهر، إلا أن يكون لكم فيه حق فحينئذ يخرج عن أن يكون بغياً. وقوله: "وأنْ تُشْرِكُوا" منصوب المحلِّ نسقاً على مفعول "حرَّم" أي: وحرّم إشراككم عليكم، ومفعول الإشراك {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} وقد تقدَّم بيانه في "الأنعام"، تهكَّم بهم؛ لأنَّهُ لا يجوز أن ينزل برهاناً أن يُشْرَكَ به غيره. قوله: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ} نسقٌ على ما قبله أي: وحرّم قولكم عليه من غير علم، وقد تقدَّم الكلامُ عليه في هذه السُّورة عند قوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 28]. فإن قيل: كلمة "إنَّمَا" تفيدُ الحَصْرَ، إنَّمَا حرّم ربي كذا وكذا يفيد الحصر، والمحرمات غير محصورة في هذه الأشياء؟ فالجواب: إنْ قُلْنَا إن الفاحشة محمولة على مطلق الكبَائِرِ، والإثم على مطلق الذنب دخل كلّ الذُّنوب فيه، وإن حملنا الفَاحِشَة على الزِّنَا، والإثم على الخمر فنقول: الجنايات محصورةٌ في خمسة: أحدها: الجنايات على الإنسانيَّة، فهذا إنَّما يحصل بالزِّنَا، وهو المراد بقوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ}. وثانيها: الجنايات على العقول، وهي شُرْبُ الخمر، وإليه الإشارة بقوله "والإثْم". وثالثها ورابعها: الجنايات على النُّفوس والأموال، وإليه الإشارة بقوله: {وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}. وخامسها: الجناية على الأديان، وهي من وجهين: أحدهما: الطَّعْنُ في توحيد الله تبارك وتعالى. والثاني: الطعن في أحكامه، وإليه الإشارةُ بقوله: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. فلما كانت الجنايات هذه الأشياء، وكانت البواقي كالفروع والتَّوابع، لا جرم كان ذكرها جارٍ مجرى ذكر الكُلِّ، فأدخل فيها كلمة "إنَّمَا" المفيدة للحصر. فإن قيل: الفَاحِشة والإثم هو الذي نهى الله تعالى عنه فصار تقديرُ الآية الكريمة: إنَّمَا حرَّمَ ربي المحرمات، وهو كلام خال عن الفائدة؟ فالجوابُ، كون الفعل فَاحِشة إنَّما هو عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النَّهي عنه فسقط السُّؤال.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} قال: ما ظهر العرية وما بطن الزنا، كانوا يطوفون بالبيت عراة. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا أحد أغير من الله، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن مردويه عن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " حديث : أتعجبون من غيرة سعد فوالله لأنا أَغْيَرُ مِنْ سعد، والله أغْيَرُ مني، ومن أجله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله أما تغار؟ قال " حديث : والله إني لأغار، والله أغْيَرُ مني، ومن غيرته نهى عن الفواحش " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن الحسن {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} قال: ما ظهر منها الاغتسال بغير سترة . وأخرج عبد الرزاق عن يحيى بن أبي كثير " حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه عليَّ. فجلده ثم صعد المنبر والغضب يعرف في وجهه، فقال: أيها الناس إن الله حرم عليكم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فمن أصاب منها شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه من يرفع إلينا من ذلك شيئاً نقمة عليه " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : إني غيور، وإن إبراهيم كان غيوراً، وما من امرىء لا يغار إلا منكوس القلب " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {والإِثم} قال: المعصية والبغي. قال: إن تبغى على الناس بغير حق .

التستري

تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}[33] قال: يعني الحسد بقلبه والفعل بجوارحه، ولو أن يترك التدبير فيهما كان من أوتاد الأرض، ولكن العبد بين حالين، إما أن يدبر بقلبه ما لا يعنيه، أو يعمل بجوارحه ما لا يعنيه، ليس ينجو من أحدهما إلاَّ بعصمة الله تعالى، فعيش القلوب اليقين وظلمتها التدبير. قال: وكنا مع سهل عند غروب الشمس فقال لأحمد بن سالم: اترك الحيل حتى نصلي العشاء بمكة. وقوله تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[33] قال: من تكلم عن الله من غير إذن، وعلى سبيل الحرمة وحفظ الأدب، فقد هتك الستر، وقد منع الله تعالى أن يقول عليه أحد ما لم يعلم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الآية: 33]. قال أبو عثمان فى كتبه إلى إخوانه: واعلم يا أخى أن الفواحش ما أريد من الطاعات لغير وجه الله. قال بعضهم فى هذه الآية: ما ظهر من الفواحش هو الكذب والغيبة والبهتان، وما بطن الغل والغش والحقد والحسد. وقال بعضهم: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ما ظهر منها بتركه وما بطن محبته. قوله تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قال سهل من تكلم عن الله بغير إذن وعلى غير سبيل الخدمة وحفظ الأدب، فقد هتك ستره وعلا طوره، وقد حذر الله عز وجل أن يقول أحد عليه ما لا يعلم فقال: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.

القشيري

تفسير : ما ظهر منها الزَّلَّةُ، وما بطن منها الغفلةُ. ويقال ما ظهر منها كان بنسيان الشريعة، وما بطن بإشارة الحقيقة. ويقال لقومٍ تركُ الرخص يكون علة، والأوْلى بهم والأفضل لهم الأخذ به. وقومٌ لو ركنوا إلى الرُّخص لقامت عليهم القيامة. ويقال فاحشة الخواص تتبع ما لأنفسهم فيه نصيب ولو بذرة ولو بذرة أو سِنَّة. ويقال فاحشة الأحبابِ الصبر على المحبوب. ويقال فاحشةُ الأحبابِ أن تبقى حيَّاً وقد منيت بالفراق، قال قائلهم: شعر : لا عيشَ بعد فراقهم هذا هو الخطب الأَجَلُّ تفسير : ويقال فاحشة قومٍ أن يلاحظوا غيراً بعين الاستحقاق، قال قائلهم: شعر : يا قُرَّةَ العين سَلْ عيني هل اكتحلت بمنظر حسنٍ مذ غبت عن عيني؟ تفسير : ويقال فاحشة قوم أن تبقى لهم قطرةُ من الدمع ولم يسكبوها للفرقة، أو يبقى لهم نَفَسٌ لم يَتَنَفُّسوا به في حسرة، وفي معناه أنشدوا: شعر : لئن بقِيَتْ في العين منِّي دمعةٌ فإني إذاً في العاشقين دخيلُ

اسماعيل حقي

تفسير : {قل انما حرم ربى الفواحش} اى ما تفاحش قبحه من الذنوب وتزايد وهى الكبائر {ما ظهر منها وما بطن} بدل من الفواحش اى جهرها وسرها كالكفر والنفاق وغيرهما {والاثم} اى ما يوجب الاثم وهو يعم الصغائر والكبائر {والبغى} اى الظلم او الكبر افرده بالذكر مع دخوله فى الاثم للمبالغة فى الزجر عنه {بغير الحق} متعلق بالبغى مؤكد له لان البغى لا يكون بالحق {وان تشركوا بالله} معطوف على مفعول حرم اى وحرم عليكم اشراككم به تعالى {ما لم ينزل به} اى باشراكه وعبادته {سلطانا} اى حجة وبرهانا وهو تهكم بالمشركين لانه اذا لم يجز انزال البرهان بالاشراك كان ذكر ذلك تهكما بهم واستهزاء ومعلوم انه لا برهان عليه حتى ينزل {وان تقولوا على الله ما لا تعلمون} بالالحاد فى صفاته والافتراء عليه كقولهم والله امرنا بها. وفى التأويلات النجمية الفواحش ما يقطع على العبد طريق الرب ويمنعه عن السلوك ففاحشة العوام ما ظهر منها ارتكاب المناهى وما بطن خطورها بالبال وفاحشة الخواص ما ظهر منها ما لانفسهم نصيب فيه ولو بذرة وما بطن الصبر عن المحبوب ولو بلحظة وفاحشة الاخص ما ظهر منها ترك ادب من الآداب او التعلق بسبب من الاسباب وما بطن منها الركون الى شئ من الدارين والالتفات الى غير الله من العالمين والاثم هو الاعراض عن الله ولو طرفة عين والبغى هو حب غير الله فانه وضع فى غير موضعه وان تشركوا بالله يعنى وان تستعينوا بغير الله ما لم ينزل به سلطانا اى ما لم يكن لكم به حجة ورخصة من الشريعة المنزلة وان تقولوا على الله ما لا تعلمون اى وان تحكموا بفتوى النفس وهواها او تقولوا بنظر العقل على الله ما لا تعلمون حقيقته وفيه معنى آخر وان تقولوا فى معرفة الله وبيان احوال السائرين وشرح المقامات واثبات الكرامات ما أنتم عنه غافلون ولستم به عارفين انتهى ثم هدد الله المشركين المكذبين للرسل بقوله {ولكل امة} من الامم المهلكة {اجل} حد معين من الزمان مضروب لمهلكهم {فاذا جاء اجلهم} الضمير لكل امة خاصة حيث لم يقل آجالهم اى اذا جاءها اجلها الخاص بها والوقت المعين لنزول عذاب الاستئصال عليها {لا يستأخرون} عن ذلك الاجل {ساعة} اى شيأ قليلا من الزمان فانها مثل فى غاية القلة منه اى لا يتأخرون اصلا وصيغة الاستفعال للاشعار بعجزهم وحرمانهم من ذلك مع طلبهم له {ولا يستقدمون} اى لا يتقدمون عليه شعر : اجل جون فردا آيدت بيش وبس بيش وبس نكذار دست يكنفس تفسير : ـ روى ـ ان بعض الملوك كان متنسكا ثم رجع ومال الى الدنيا ورياسة الملك وبنى دارا وشيدها وأمر بها ففرشت ونجدت واتخذ مائدة ووضع طعاما ودعا الناس فجعلوا يدخلون عليه ويأكلون ويشربون وينظرون الى بنائه ويتعجبون من ذلك ويدعون له وينصرفون فمكث بذلك اياما ثم جلس هو ونفر من خاصة اصحابه فقال قد ترون سرورى بدارى هذه وقد حدثت نفسى ان اتخذ لكل واحد من اولادى مثلها فاقيموا عندى اياما استأنس بحديثكم واشاوركم فيما اريد من هذا البناء فاقاموا عنده اياما يلهون ويلعبون ويشاورهم كيف يبنى وكيف يصنع ويرتب ذلك فبينما هم ذات ليلة فى لهوهم اذ سمعوا قائلا من اقصى الدار يقول شعر : يا ايها البانى الناسى لميتته لا تأمنن فان الموت مكتوب هذى الخلائق ان سروا وان فرحوا فالموت حتف لدى الآمال منصوب لاتبنين ديارا لست تسكنها وارجع النسك كما يغفر الحوب تفسير : ففزع لذلك وفزع اصحابه فزعا شديدا وراعهم فقال هل سمعتم ما سمعت قالوا نعم قال فهل تجدون ما اجد قالوا وما تجد قال مسكة على فؤادى وما اراها الا علة الموت فقالوا كلا بل البقاء والعافية فبكى ثم امر بالشراب فاهريق وبالملاهى فاخرجت او قال فكسرت وتاب الى الله سبحانه ولم يزل يقول الموت الموت حتى خرجت نفسه رحمه الله: قال السعدى شعر : خواجه دربند نقش ايوانست خانه از باى بست ويرانست تفسير : وقال: شعر : آنكه قرارش نكرفتى وخواب تاكل ونسرين نفشاندى نخست كردش كيتى كل رويش بريخت خاربنان بر سرخاكش برست تفسير : والاشارة {ولكل امة اجل} اى لكل قوم من السائرين الى الله والى الجنة والى النار مدة معلومة ومهلة موقتة {فاذا جاء اجلهم} مدتهم كما قدر الله فى الازل {لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} هذا وعد للاولياء استمالة لقلوبهم ووعيد للاعداء سياسة لنفوسهم كذا فى التأويلات النجمية.

الطوسي

تفسير : لما أنكر تعالى على من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، وذكر أنه أباح ذلك للمؤمنين في دار الدنيا بيَّن عقيب ذلك ما حرمه عليهم، فقال {قل} يا محمد {إِنما حرَّم ربي الفواحش} ومعناه لم يحرم ربي إِلا الفواحش، لأنا قد بينا أن {إِنما} تدل على تحقيق ما ذكر، ونفي ما لم يذكر. والتحريم هو المنع من الفعل باقامة الدليل على وجوب تجنبه، وضده التحليل، وهو الاطلاق في الفعل بالبيان عن جواز تناوله. وأصل التحريم المنع من قولهم: حرم فلان الرزق، فهو محروم حرمانا، وحرم الرجل اذا لج في الشىء بالامتناع منه، وحرمه تحريماً، وأحرم بالحج إِحراماً وتحرَّم بطعامه تحرما، واستحرمت الشاة اذا طلبت الفحل، لانها تتبعه كما تتبع الحرمة البعل، والحرم مكة وما حولها مما هو معروف، وأشهر الحُرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، والمحرَم القرابة التي لا يحل تزوجها، وحريم الدار ما كان من حقوقها، والمحرم السوط الذي لا يلين لأنه حرام أن يضرب به حتى يلين. والفواحش جمع فاحشة، وهي أقبح القبائح. وهي الكبائر. وقوله {ما ظهر منها وما بطن} يعني ما علن وما خفي. وقد قدمنا اختلاف المفسرين في ذلك، وانما ذكر مع الفواحش هذه القبائح، وهي داخلة فيها لأحد أمرين: أحدهما - للبيان عن التفصيل، كأنه قيل الفواحش التي منها الاثم، ومنها البغي، ومنها الاشراك بالله. والثاني - ان الفواحش - ها هنا - الزنا وهو الذي بطن، والتعري في الطواف، وهو الذي ظهر - في قول مجاهد - وقال قوم: الاثم هو الخمر، وما ظهر الزنا، وما بطن هو نكاح امرأة الأب، والاثم يعم جميع المعاصى، وأنشد ابن الانباري في أن الاثم هو الخمر: شعر : شربت الاثم حتى ضل عقلي كذاك الاثم يصنع بالعقول تفسير : وقال الفراء: الاثم ما دون الحد، والبغي هو الاستطاعة على الناس، وحده طلب الترأس بالقهر من غير حق. وأصل البغي الطلب، تقول: هذه بغيتي أي طلبتي، وأبتغي كذا ابتغاء. وما تبغي؟ أي ما تطلب، وينبغي كذا أي هو الأولى أن يطلب. وقوله {ما لم ينزل به سلطاناً} السلطان الحجة - في قول الحسن وغيره - ومثله البرهان والبيان والفرقان، وحدودها تختلف، فالبيان إِظهار المعنى للنفس كاظهار نقيضه، والبرهان إِظهار صحة المعنى وفساد نقيضه، والفرقان إِظهار تميز المعنى مما التبس به. والسلطان إِظهار ما يتسلط به على نقيض المعنى بالابطال. و {أن تقولوا على الله ما لا تعلمون} أي وحرم عليكم ذلك، وذلك يدل على بطلان التقليد، لأن المقلد لا يعلم صحة ما قلد فيه.

الجنابذي

تفسير : فذكر تعالى بطريق الحصر خمسة اشياء راجعة الى ثلاثة هى اصول المحرّمات، اعلم، انّ الله خلق الانسان من نطفةٍ ضعيفة غير حافظة لصورتها واودع فيها لطيفة سيّارة سالكة الى الله بقدم الصّدق على الطّريق المستوى والخطّ المستقيم عن الجماديّة الّتى هى انزل مراتب المواليد الى النّباتيّة ثمّ منها الى الحيوانيّة، ثمّ الى البشريّة الّتى هى ملكوت بين الملكوتين السّفليّة الّتى هى دار الشّياطين والجنّة وسجن المتكبّرين والمعذّبين من الآدميّين، والعلويّة الّتى هى دار الملائكة ذوى الاجنحة ودار السّعداء واصحاب اليمين، فاذا استحكم علمه بعلمه وشعوره بشعوره وتقوّى ارادته واختياره وتميّزه بين الخير والشّرّ الحقيقيّين، استعدّ لقبول التّكليف والدّعوة النّبويّة، فان ساعده التّوفيق وتداركه الدّعوة النّبويّة وقبل تلك الدّعوة وانقاد تحت حكم الدّاعى صار مسلماً ومشرفاً على التّوحيد الحقيقىّ والايمان وقبول الدّعوة الباطنة الولويّة، ويسمّى حينئذٍ مؤمناً وموحّداً باعتبار اشرافه على الايمان والتّوحيد، وان لم يتدراكه الدّعوة العامّة او لم يقبلها او لم يعمل على مقتضاها حتّى ابطل استعداده القريب للدّعوة الخاصّة واختفى طريق القلب واماراته وطريق التّوحيد وعلاماته، او لم يبطل استعداده القريب لقبول الدّعوة الخاصّة وبقى له استعداد قريب لذلك لكن لم يخرج تلك القوّة واستعداد الى الفعل بعدُ وتوجّه تارةً الى ما اقتضاه استعداده وطلب ما يدلّه على طريق القلب ويخرجه من القوّة الى الفعل، وتارة الى ما اقتضته نفسه واهويتها من مشتهيات الحيوانيّة لم يكن حينئذٍ مؤمناً موحّداً لا حقيقةً ولا مجازاً، بل كان كافراً اذا لم يبق له استعداد قريب، سواء اقرّ بدينٍ وكتابٍ ونبىٍّ وسمّى مسلماً ومؤمناً ام لم يقرّ وسمّى كافراً، او كان مشركاً اذا بقى له استعداد سواء أشرك بالله فى الظّاهر صنماً وكوكباً وغيرهما ام لا، وسواء اقرّ بدينٍ ونبىٍّ ام لا، وسواء بايع نبيّاً او وليّاً بالبيعة العامّة او الخاصّة ام لا، وسواء اتّصل او اعتقد بائمّة الجور ومظاهر الشّياطين ام لا، وبهذا المعنى فسّر الكفر والشّرك فى الآيات بالكفر بالولاية والشّرك بالولاية وهذان غير الكفر والشّرك الظّاهرين لجواز اتّصاف المسلم والمؤمن بهما، والكافر بهذا المعنى مطيع للنّفس والشّيطان، وافعاله ليست الاّ من طاعتهما وهكذا اخلاقه، وهى امّا متناهية فى القبح بحيث يعدّها الشّرع والعقل والعرف قبيحه، كالزّنا واللّواط والسّبعيّة المفرطة والشّرّه المفرط ممّا يستقبحه كلّ احدٍ ويستخفى فاعله حين الفعل من النّاس حتّى من امثاله وتسمّى بالفواحش، وافعاله الجوارح الّتى كانت كذلك هى الفواحش الظّاهرة ورذائل النّفس هى الفواحش الباطنة، وقد يسمّى بعض افعال الجوارح بالباطنة اذا صارت عادة بحيث لا يستخفى فاعلها عن الخلق، كنكاح زوجة الاب الّذى كان فى الجاهليّة وكنكاح المحارم الّذى كان بين الهنود، وكالتّجسّس والغيبة والتّهمة والتّنابز بالالقاب مع انّها اشدّ من نكاح المحارم التّى شاعت بين المسلمين، لانّ كونها فاحشة مختفٍ عن انظار امثال فاعلها، وقد يفسّر الفاحشة الباطنة بالّتى يستخفى فاعلها كالزّنا واللّواط والظّاهرة بالّتى لا يستخفى كنكاح زوجة الاب عكس ما ذكر وله وجه، او غير متناهيةٍ فى القبح بحيث لا يعدّها العقول الجزئيّة من امثاله قبيحةً ولا يستخفى فاعلها من امثاله وهو الاثم كشرب الخمر والنّبيذ، او بحيث يعدّها العقول الجزئيّة من امثاله خيراً ومدحاً لفاعله ويباهى فاعلها باعلانها كالحكومات والقضاوات الغير الشّرعيّة الّتى هى مثال القضاوات الشّرعيّة وسائر المناصب الشّيطانيّة الّتى يتمنّاها امثاله من الجهلة، وبعبارةٍ اخرى امّا تظهر افعاله واخلاقه بصورة افعال النّساء او بصورة افعال الخناثى او بصورة افعال الرّجال، وبعبارة اخرى فاعلها فى الانظار الجزئيّة المخطئة امّا ذو انوثةٍ او ذو خنوثةٍ او ذو ذكورةٍ، والى هذا الثّلاثة اشير بالفواحش والاثم والبغى وحاصل الحصر، انّ الانسان امّا كافر او مشرك بالكفر والشّرك الحقيقيّين او مؤمن، والكافر جميع ما يصدر عنه محرّم عليه قولاً او فعلاً او خلقاً لانّها تابعة للكفر المحرّم وهى تنقسم الى ثلاثة اقسامٍ و اكتفى عن ذكر الكفر بما ذكر لاستلزامها ايّاه وشمولها المحرّمات المشرك والمؤمن من حيث الكفر، والمشرك له جهة كفر وجهة ايمان، وآثاره من حيث الكفر ملحقة بآثار الكفر ومن حيث الايمان بالايمان، والمؤمن آثاره من حيث الايمان حلال له الاّ نسبة القول الى الله من غير علمٍ على التّفصيل الاتى، ولمّا كان المراد بالبغى مطلق التّبسّط والحكومة والرّياسة، قيّده تعالى بقوله بغير الحقّ من: بغى بغياً، استطال ولا حاجة الى جعل القيد بيانيّاً خلافاً للظّاهر وقيد الاشراك بما لم ينزّل به سلطاناً، اشارة الى انّ المراد بالشّرك بالله الشّرك بالولاية والشّرك بالولاية التّكوينيّة امّا بمرّمة المعاش او تلذّذ النّفس وهما ان كانا من جهة امرٍ آلهىٍّ لم يكونا اشراكاً بالله ما لم ينزّل به سلطاناً، والشّرك بالولاية التّكليفيّة ان كان باشراك من امر الامام (ع) باتّباعه لم يكن اشراكاً بالله ما لم ينزّل به سلطاناً، وليس الشّرك بالله حالاً وشهوداً الاّ الاشراك بالولايتين، فالتّقييد هناك ايضاً فى محلّه ولا حاجة الى التّكلّفات الّتى ارتكبوها، والموحّد الحقيقىّ او المشرف على التّوحيد امّا يكون قوله وفعله وخلقه واعتقاده من حيث توحيده او لم تكن من حيث توحيده وايمانه فما كان من حيث الايمان فهو حلالٌ: شعر : كفر كَيرد ملّتى ملّت شود تفسير : وما لم يكن من حيث الايمان فهو ملحق بافعال الكافر واخلاقه لكنّ المؤمن قد يجرى على لسانه بقوّة محبّته، او لوجدانه وشهوده، او لاعتياده السّابق من سهولة الخطب فى القول ما لم يأخذه من عالم وقته ولم يتيقّنه من شهوده ووجدانه، او تيقّنه لكن لم يكن موافقاً لحاله، او لم يكن موافقاً لحال السّامع بحسب الوقت والمكان فنهى الله تعالى عن ذلك، وان كان من حيث ايمانه فعلى هذا كان تقدير قوله تعالى: مالا تعلمون مالا تعلمون عينه او وقته او مستمعه او موافقته لحاكم، ولمّا كانت ائمّة الجور متحقّقة بتلك المحرّمات وصارت تلك المحرّمات ذاتيّة لهم صحّ تفسيرها بائمّة الجور وفسّر فى بعض الاخبار بالسّلاطين من بنى اميّة وسائر ولاة الجور، ونقل عن الصّادق (ع)، انّ القرآن له ظهر وبطن فجميع ما حرّم الله فى القرآن هو الظّاهر والباطن من ذلك ائمّة الجور، وجميع ما احلّ الله فى الكتاب هو الظّاهر والباطن من ذلك ائمّة الحقّ. والسّرّ فى ذلك ما قلنا من انّ ائمّة الجور هم المتحقّقون المتجوهرون بجميع المحرّمات، وائمّة الحقّ (ع) هم المتحقّقون المتجوهرون بجميع المحلّلات، وعنه (ع) فى بيان {أَنْ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}: ايّاك وخصلتين فيهما هلكت من هلك؛ ايّاك ان تفتى النّاس برأيك وتدين بما لا تعلم، وفى روايةٍ ان تدين الله بالباطل وتفتى النّاس بما لا تعلم. والغرض انّ الاعتقاد والفتيا اذا لم يكونا بوحىٍ او تحديثٍ ولا بتقليد صاحب وحىٍ وتحديث فهما قول على الله بما لا يعلم، فالويل ثمّ الويل لمن استبدّ برأيه فى دينه من غير اخذٍ من اهله ولمن افتى النّاس من غير علمٍ واخذٍ من صاحب وحى وتحديثٍ حيث قرنه الله بالكافر والمشرك.

الهواري

تفسير : قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ما ظهر منها: العلانية، وما بطن منها: السّرّ. وقال بعضهم: الزنا، سرُّه وعلانيته. {وَالإِثْمَ} المعاصي كلها {وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ} [يعني الظلم] {وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} أي حجة، يعني أوثانهم التي عبدوا من دون الله {وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} زعموا أن الله أمرهم بعبادتها بغير علم جاءهم من الله. قوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} يعني أن القوم إذا كذّبوا رسلهم فجاء الوقت الذي يأتيهم فيه العذاب، فإنهم لا يستأخرون ساعة عن العذاب ولا يستقدمون. قوله: {يَابَنِي ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. وهي مثل قوله: {اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى}، والهدى ها هنا الرسول (أية : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). تفسير : [البقرة:38] أي في الآخرة. ذكر بعضهم أنه ذكر هذه الآية فقال: ما كان الله ليخلي الأرض لإِبليس حتى لا يجعل له فيها من يعمل بطاعته. قوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي لا يموتون ولا يخرجون منها. قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} أي لا أحد أظلم منه {أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكِتَابِ} قال بعضهم: ما كتب لهم من أعمالهم التي عملوا. وقال بعضهم: ما كتب في أم الكتاب من أعمالهم التي هم لها عاملون. قال مجاهد: هذا شقي وهذا سعيد ينالهم ما كتب عليهم. وقال الكلبي: نصيبهم من الكتاب أي أن الله قضى أنه من افترى عليه سوّد وجهه. قال: (أية : وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ) تفسير : [الزمر:60]. قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا} أي الملائكة {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} قال الحسن: هذه وفاة إلى النار. {قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} يعني أوثانهم {قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا} في الدنيا {كَافِرِينَ}.

اطفيش

تفسير : {قُلْ إنَّما حرَّم ربِّى الفَواحِشَ} ما بلغ النهاية فى القبح كالتعرى والشرك وتحريم الحلال، وقيل: الفاحشة، ولو كان فى اللغة ما تناهى قبحه، لكنها فى العرف الزنى حتى إنه المفهوم عند الإطلاق، فهو المراد فى الآية، وسكن حمزة ياء ربى فتحذف للساكن بعدها. {ما ظَهَر منْها} بدل مطابق بالنظر إلى المعطوف {وما بَطَنَ} المراد التعميم، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا أغيركم، والله أغير من كل أحد، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه" تفسير : وغيرة الإنسان هيجان غضبه وامتناعه للمشاركة فيما يختص به، وأكثر ما يكون فى الأرواح، وغيرة الله شدة تحريم، وقال مجاهد: ما ظهر الطواف بالعرى، وما بطن الزنى. {والإثْم} الذنب مطلقا فاحشا أو غير فاحش، صغيرا أو كبيرا، عطف عام على خاص، لئلا يتوهم حل ما سوى الفواحش، وخص الفواحش بالذكر لأنهم بصددها شديد والجدال عنها، ولعظم قبحها، ولمناسبة ما تقدم، وقال الحسن وعطاء: الإثم الخمر، وفى الصحاح يسمى الخمر إثماً لقوله: شعر : شربت الإثم حتى ضل عقلى كذلك الإثم تذهب بالعقول تفسير : وفى المحكم تسمية إثماً صحيحة عندى، لأن شربها إثم، وأقول: هذا ضعف من حيث إن الآية مكية، والخمر حرمت بالمدينة بعد أحد، ومن حيث إنه يحتمل أن المراد بالإثم شربها لا هى، فكأنه قال: وحرم الإثم الذى هو شرب الخمر، أو يقدر مضاف أى خمر الإثم، وأضيفت إليه لأنه كثيراً ما يتولد بشربها، ولكن الاحتمالين لا يصح إثباتهما مع ما ذكرت من أنها حرمت بالمدينة، وقد أنكر ابن الأنبارى تسميته الخمر إثماً وقال: إن العرب ما سمتها قط إثماً لا فى الجاهلية ولا فى الإسلام، ولعل البيت عنده مصنوع أو يقدر مضافا، أى شربت خمر الإثم، وكذا شرب الإثم يذهب بالعقول، أو يجعل الإثم مفعولا مطلقا، أى شربت الشرب الذى هو ذنب وهكذا. وقيل: الفواحش الكبائر، ولو لم يتزايد قبحها أو لم يقبحها العقل أصلا كلبس الرجل الحرير والذهب نظرا إلى أنه قد تزايد قبحها تحريم الشرع، والإثم الصغيرة، وقيل: الفواحش ما وجب عليه الحد كالزنى والسرقة والقتل، والإثم ما لا يجب عليه كسرقة أقل من ربع دينار، والسرقة من غير الحرز، والربا، والإثم فى القولين مستعمل فى الخصوص، ولو كان أصله الذنب مطلقا صغيرا أو كبيرا يجب عليه الحد أو لا يجب، واستعمال العام فى الخصوص جائز وارد، ولا سيما مع ذكر ما يعلم منه الخصوص كما هنا فلا اعتراض على القولين ولو ادعاه بعض. {والبَغْى} الظلم أو أشده، أو الكبر أو أشده، أو كل ذلك، وخصه بالذكر مع أن الفواحش أو الإثم يعمه فى بعض الأقوال المذكورة تأكيدا لتحريمه، وزاد له تأكيدا بقوله: {بغَيْر الحقِّ} فإنه لا يتصور بغى بحق وهو حال مؤكدة. {وإنْ تُشركُوا بالله ما لم ينزِّل به سُلطاناً} حجة من صنم وغيره، هذا تهكم بهم، لأن أصل هذه العبادة ونحوها إنما هو لما يجوز أن يكون ولم يكن، وإنزال البرهان بأن يشرك به غيره غير جائز مستحيل، وفى ذلك تنبيه على تحريم اتباع ما لم تدل عليه حجة. {وأنْ تَقُولوا عَلى اللهِ ما لا تَعلَمونَ} من التحريم والتحليل، كقولهم إن الله أمرنا بالطواف بالعرى، وأنه حرم السائبة والوصيلة والبحيرة.

اطفيش

تفسير : {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ الْفَوَاحِشَ} ما تزايد قبحه مطلقاً أَو أَنواع الزنى من ظاهر وباطن فى الرجال والنساء واللواط والسحاق والاستمناء بنحو اليد، والتعميم أَولى ولو ناسب الزنى قوله تعالى أَتأْتون الفاحشة، وناسب أَن من النساء أَو الرجال من يسر الزنى ومنهم ومنهن من يظهره فجعلها لنفسها علامة الزنى ولخلوة بها بمرأَى الناس {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} كلاهما يكون فى الزنى وسائر المعاصى، ومن الباطن زنى القلب، وعن ابن عباس: ما ظهر الزنى جهراً وما بطن الزنى سرا، وكانوا يكرهون الأَول ويفعلون الثانى، وعن مجاهد ما ظهر الطواف فى عراء وما بطن الزنى، وقيل الأول طواف الرجال بالنساء والثانى طواف النساء عاريات ليلا {وَالإِثْمْ} الذنب الصغير والكبير تعميم بعد تخصيص، وفسره ابن عباس والحسن البصرى بالخمر لكونها سبباً للإثم الكبير فى قوله تعالى "أية : قل فيهما إِثم كبير" تفسير : [البقرة: 219] واعترض بأَن السورة مكية وتحريم الخمر بعد أحد، وقد قتل فيه شهداء وهى فى بطونهم، وقد قيل هذا إِخبار عما سيكون من تحريمها وهو خلاف الظاهر، وليس الإِثم من أَسماء الخمر بالوضع العربى بل بالعموم ولا أظن قول الشاعر: شعر : نهانا رسول الله أَن نقرب الزنى أو ان نشرب الإِثم الذى يوجب الوزرا تفسير : وقول الآخر: شعر : شربت الخمر حتى ضل عقلى كذلك الإثم يذهب بالعقول تفسير : إِلا مصنوعين إِيهاما أَنه من أَسماء الخمر، وإِلا فمراد البيتين التسمية مجازا لأَنه سبب الإِثم {وَالْبَغْىَ} الظلم أَو الكبر، وخص للمبالغة لأَن الكبر مشاركة لله فى ردائه، ونحو القتل يلي الشرك ولا ظلم ولا بغى الا غير حق فقوله {بِغَيْرِ الحَقِّ} تأْكيد لقبحه كالصفة الكاشفة، وأَيضاً قد يسمى الجزاء ظلماً لكونه فى صورته فقال بالظلم الذى هو غير حق فإِن الظلم الذى هو الجزاء حق {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ} أى شيئاً تعبدونه {سُلْطَانًا} حجة، تهكم بالمشركين كأَنه من الجائز أن يوحى إِجازة الإِشراك، وليس من الجائز الإِشراك فضلا عن أَن يوحى، أَى لا ينزله فضلا عن أن يكون حجة، وذكر الإِشراك تعميم بعد تخصيص، كما أن ذكر البغى بعد الإِثم تخصيص إِلا إِن أُريد بالفواحش ما يتعلق بالفروج، وبالإثم شرب الخمر، وغير الأسلوب إِذ لم يقل إِشراككم بالله، لم ينزل به سلطانا بل قال: وأن تشركوا إِلخ، لمزيد التوبيخ والعقاب بالخطاب وصيغة الاستمرار وكذا فى قوله {وَأنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إِذ لم يقل وقولكم على الله ما لا تعلمون. والمراد إِلحادهم فى صفاته والافتراء عليه بقولهم: والله أَمرنا بها.

الالوسي

تفسير : {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوٰحِشَ } أي ما تزايد قبحه من المعاصي. وقيل: ما يتعلق بالفروج {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } بدل من {ٱلْفَوٰحِشَ } أي جهرها وسرها. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما ظهر الزنا علانية وما بطن الزنا سراً وقد كانوا يكرهون الأول ويفعلون الثاني فنهوا عن ذلك مطلقاً. وعن مجاهد ما ظهر التعري في الطواف وما بطن الزنا. وقيل: الأول: طواف الرجال بالنساء. والثاني: طواف النساء بالليل عاريات. {وَٱلإِثْمَ } أي ما يوجب الإثم، وأصله الذم فأطلق على ما يوجبه من مطلق الذنب، وذكر للتعميم بعد التخصيص بناء على ما تقدم من معنى الفواحش. وقيل: إن الإثم هو الخمر كما نقل عن ابن عباس والحسن البصري وذكره أهل اللغة كالأصمعي وغيره وأنشدوا له قول الشاعر: شعر : نهانا رسول الله أن نقرب الزنا وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا تفسير : وقول الآخر: شعر : شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول تفسير : وزعم ابن الأنباري أن العرب لا تسمي الخمر اثماً في جاهلية ولا إسلام وأن الشعر موضوع. والمشهور أن ذلك من باب المجاز لأن الخمر سبب الإثم. وقال أبو حيان وغيره: «إن هذا التفسير غير صحيح هنا لأن السورة مكية ولم تحرم الخمر إلا بالمدينة بعد أحد». وأيضاً يحتاج حينئذ إلى دعوى أن الحصر إضافي فتدبر. {وَٱلْبَغْىَ } الظلم والاستطالة على الناس. وأفرد بالذكر بناء على التعميم فيما قبله أو دخوله في الفواحش للمبالغة في الزجر عنه {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } متعلق بالبغي لأن البغي لا يكون إلا كذلك. وجوز أن يكون حالاً مؤكدة. وقيل: جيء به ليخرج البغي على الغير في مقابلة بغيه فإنه يسمى بغياً في الجملة لكنه بحق وهو كما ترى {وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } أي حجة وبرهاناً، والمعنى على نفي الإنزال والسلطان معاً على أبلغ وجه كقوله: شعر : لا ترى الضب بها ينجحر تفسير : وفيه من التهكم بالمشركين ما لا يخفى {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه كقولهم: { أية : وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } تفسير : [الأعراف: 28] ولا يخفى ما في توجيه التحريم إلى قولهم عليه سبحانه ما لا يعلمون وقوعه دون ما يعلمون عدم وقوعه من السر الجليل.

ابن عاشور

تفسير : لَمَّا أنبأ قوله: {أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} تفسير : [الأعراف: 32] إلى آخره، بأنّ أهل الجاهليّة حُرِموا من الزّينة والطّيبات من الرّزق، وأنبأ قوله تعالى ــــ قبل ذلك ــــ {أية : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} تفسير : [الأعراف: 28] بأنّ أهل الجاهليّة يَعْزُون ضلالهم في الدّين إلى الله، فأنتج ذلك أنّهم ادّعوا أنّ ما حَرّموه من الزّينة والطّيبات قد حرّمه الله عليهم، أعقب مجادلتهم ببيان ما حرّمه الله حقّاً وهم ملتبسون به وعاكفون على فعله. فالقصر المفاد من {إنَّما} قصر إضافي مُفَادُهُ أنّ الله حرّم الفَواحش وما ذُكر معها لاَ ما حرّمتموه من الزّينة والطّيّبات، فأفاد إبطال اعتقادهم، ثمّ هو يفيد بطريق التّعريض أنّ ما عدّه الله من المحرّمات الثّابت تحريمها قد تلبّسوا بها، لأنّه لمّا عدّ أشياء، وقد علم النّاس أنّ المحرّمات ليست محصورة فيها، عَلم السّامع أنّ ما عيّنه مقصود به تعيين ما تلبّسوا به فحصل بصيغة القصر ردّ عليهم من جانبي ما في صيغة (إنّما) من إثبات ونفي: إذ هي بمعنى (مَا ــــ وإلاّ)، فأفاد تحليل ما زعموه حراماً وتحريم ما استبَاحوه من الفواحش وما معها. والفواحش جمع فاحشة وقد تقدّم ذكر معنى الفاحشة عند قوله تعالى: {أية : إنه كان فاحشة ومقتاً} تفسير : في سورة النّساء (22) وتقدّم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : وإذا فعلوا فاحشة} تفسير : [الأعراف: 28]. و{ما ظهر منها} هو ما يظهره النّاس بين قرنائهم وخاصتهم مثل البغاء والمخادنة، وما بطن هو ما لا يظهره النّاس مثل الوأد والسّرقة، وقد تقدّم القول في نظيره عند قوله تعالى: {أية : ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} تفسير : في سورة الأنعام (151). وقد كانوا في الجاهليّة يستحلّون هذه الفواحش وهي مفاسد قبيحة لا يشكّ أولو الألباب، لو سئلوا، أنّ الله لا يرضى بها، وقيل المراد بالفواحش: الزّنا، وما ظهر منه وما بطن حالان من أحوال الزّناة، وعلى هذا يتعيّن أن يكون الإتيان بصيغة الجمع لاعتبار تعدّد أفعاله وأحواله وهو بعيد. وأمّا الإثم فهو كلّ ذنب، فهو أعمّ من الفواحش، وتقدّم في قوله تعالى: {أية : قل فيهما إثم كبير} تفسير : في سورة البقرة (219). وقوله: {أية : وذروا ظاهر الإثم وباطنه} تفسير : في سورة الأنعام (120)، فيكون ذكر الفواحش قبلَه للاهتمام بالتّحذير منها قبل التّحذير من عموم الذّنوب، فهو من ذكر الخاص قبل العام للاهتمام، كذكر الخاص بعد العام، إلاّ أنّ الاهتمام الحاصل بالتّخصيص مع التّقديم أقوى لأنّ فيه اهتماماً من جهتين. وأمّا البغي فهو الاعتداء على حقّ الغير بسلب أموالِهم أو بأذاهم، والكبرُ على النّاس من البغي، فما كان بوجه حقّ فلا يسمّى بَغياً ولكنّه أذىً، قال الله تعالى: {أية : والّذان يأتيانها منكم فآذوهما} تفسير : [النساء: 16] وقد كان البغي شائعاً في الجاهليّة فكان القوي يأكل الضّعيف، وذو البأس يغير على أنعام النّاس ويقتل أعداءه منهم، ومن البغي أن يضربوا من يطوف بالبيت بثيابه إذا كان من غير الحُمْس، وأن يُلزموه بأن لا يأكل غير طعام الحُمْس، ولا يطوف إلاّ في ثيابهم. وقوله: {بغير حق} صفة كاشفة للبغي مثل العشاء الآخرة لأنّ البغي لا يكون إلاّ بغير حقّ. وعطف {البغي} على {الإثم} من عطف الخاص على العام للاهتمام به، لأنّ البغي كان دأبهم في الجاهليّة، قال سوار بن المضرِّب السّعدي:شعر : وأنَّي لاَ أزَالُ أخَا حُروب إذا لم أجْنِ كنت مِجَنَّ جان تفسير : والإشراك معروف وقد حرّمَه الله تعالى على لسان جميع الأنبياء منذ خلَق البشر. و{ما لم ينزّل به سلطانا} موصول وصلته، و(مَا) مفعول {تشركوا بالله}، والسّلطان البرهان والحجّة، والمجرور في قوله: {به} صفة لــــ{سلطانا}، والباء للمصاحبة بمعنى معه أي لم ينزّل حجّة مصاحبة له، وهي مصاحبة الحجّة للمدّعي وهي مصاحبة مجازية ويجوز أن يكون الباء بمعنى على للاستعلاء المجازي على حدّ قوله تعالى: {أية : من إن تأمنه بقنطار} تفسير : [آل عمران: 75] أي سلطاناً عليه، أي دليلاً. وضمير (به) عائد إلى (ما) وهو الرابط للصّلة. فمعنى نفي تنزيل الحجّة على الشّركاء: نفي الحجّة الدّالة على إثبات صفة الشّركة مع الله في الإلهيّة، فهو من تعليق الحكم بالذّات والمرادُ وصفُها، مثلُ حرّمت عليكم الميتة أي أكلها. وهذه الصّلة مؤذنة بتخطئة المشركين، ونفيِ معذرتهم في الإشراك، بأنّه لا دليل يشتبه على النّاس في عدم استحقاق الأصنام العبادة، فَعَرّف الشّركاء المزعومين تعريفاً لطريق الرسم بأنّ خاصّتهم: أنّ لا سُلطان على شركتهم لله في الإلهية، فكلّ صنم من أصنامهم واضحة فيه هذه الخاصّة، فإنّ الموصول وصلته من طرق التّعريف، وليس ذلك كالوصف، وليس للموصول وصلته مفهوم مخالفة، ولا الموصولاتُ معدودة في صِيَغ المفاهيم، فلا يتّجه ما أورده الفخر من أن يقول قائل: هذا يوهم أن مِن بين الشّرك ما أنزل الله به سلطاناً واحتياجِه إلى دفع هذا الإيهام، ولا ما قفاه عليه صاحب «الانتصاف» من تنظير نفي السّلطان في هذه الآية بنحو قول امرىء القيس: شعر : على لا حبٍ لا يُهتدَى بمناره تفسير : ولا يتّجه ما نحاه صاحبُ «الكشاف» من إجراء هذه الصّلة على طريقة التّهكّم. وقولُه: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} تقدّم نظيره آنفاً عند قوله تعالى، في هذه السّورة: {أية : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} تفسير : [الأعراف: 28]. وقد جمعت هذه الآية أصول أحوال أهل الجاهليّة فيما تلبسوا به من الفواحش والآثام، وهم يزعمون أنّهم يتورّعون عن الطّواف في الثّياب، وعن أكل بعض الطّيّبات في الحجّ. وهذا من ناحية قوله تعالى: {أية : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عنه الله والفتنة أكبر من القتل} تفسير : [البقرة: 217].

القطان

تفسير : السلطان: الحجة الفواحش: واحدها فاحشة، كل ما يقبُح عمله الاثم: الذنب يشمل جميع المعاصي البغي: تجاوز الحد، الظلم. بعد أن أنكر الله فعلَ من حرمّ زينةَ الله التي أخرجها لعباده والطّيبات من الرزق - بيّن هنا أصول المحرّمات، حتى يعلمَ الناسُ انه لم يحرّم عليهم إلا ما هو ضارٌّ لهم. فقلْ ايها الرسول لِلْذين افتروا على الله الكذب: إنما حرّم ربي هذه الأمورَ الستة، لما لها من ضرر شديد وخطر عظيم على الأُمم وهي: 1، 2- الفواحشُ، الظاهرة والباطنة، من الأعمال المتجاوِزة لحدود الله. 3- الإثم: وهو كل معصيةٍ لله أياً كان نوعها. 4- البغي بغير الحق، وهو الظلم الذي فيه اعتداءٌ على حقوق الأفراد والجماعات. 5- الشِرك بالله وهو أقبح الفواحش. 6- {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي تفتروا عليه سبحانَه بالكذِب في التحليل والتحريم بغيرِ علمٍ ولا يقين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْفَوَاحِشَ} {سُلْطَاناً} (33) - قُلْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَافْتَرُوْا عَلَى اللهِ الكَذِبَ، فَزَعَمُوا أَنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى عِبَادِهِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، كَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِم الزِّينَةَ: إِنَّ اللهَ لَمْ يُحَرِّمْ فِيمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ إلاَّ الأُمُورَ التَّاليةَ: أ - الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ (كَالزِّنَى وَالمَعَاصِي الأُخْرَى). ب - الإِثْمَ - وَهُوَ المَعْصِيَةُ. ج - البَغْيَ عَلَى النَّاسِ، وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ. د - وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُشْرِكُوا مَعَهُ أَحَداً فِي عِبَادَتِهِ. هـ - وَأَنْ يَفْتَرُوا عَلَى اللهِ وَيَكْذِبُوا، وَأَنْ يَقُولُوا عَلَيْهِ مَا لا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ (كَقِوْلِهِمْ إنَّ لَهُ وَلَداً أَوْ نَحْو ذلِكَ...). الفَوَاحِشَ - كِبَارَ المَعَاصِي لِمَزِيدِ قُبْحِهَا. الإِثْمَ - مَا يُوجِبُهُ مِنْ سَائِرِ المَعَاصِي. البَغْيَ - الظُّلْمَ وَالاسْتِطَالَةَ عَلَى خَلْقِ اللهِ. سُلْطَاناً - حُجَّةً وَبُرْهَاناً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق سبحانه - قد بدأ الآية بـ "إنما" التي هي للحصر: أي ما حرم ربي إلا هذه الأشياء، الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإِثم، والبغي بغير الحق، والشرك بالله، والقول على الله ما لا نعلم، فلا تدخلوا أشياء أخرى وتجعلوها حراماً، لأنها لا تدخل في هذه، وقول الله في الآية السابقة: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ} هوعلى صيغة استفهام لكي يجيبوا هم. ولن يجدوا سبباً لتحريم زينة الله لأن الحق قد وضح وبينّ ما حرم فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] ونتأمل الخمسة المحرمات التي جاءت بالآية؛ فحين ننظر إلى مقومات حياة الخلافة في الأرض ليبقى الإِنسان خليفة فيها نرى أنه لابد من صيانة أشياء ضرورية لسلامة هذه الخلافة وأداء مهمتها، وأول شيء أن يسلم للمجتمع طهر أنسابه. وسلامة طهر الأنساب أي الإِنجاب والأنسال ضرورية للمجتمع؛ لأن الإِنسان حين يثق أن ابنه هذا منه فهو يحرص عليه لأنه منسوب إليه، ويرعاه ويربيه. أما إذا تشكك في هذه المسألة فإنه يهمله ويلفظه، كذلك يهمله المجتمع، ولا أحد يربيه ولا يلتفت إليه ولا يعنى به. إذن فسلامة الأنساب أمر مهم ليكون المجتمع مجتمعاً سليماً، بحيث لا يوجد فرد من الأفراد إلا وهو محسوب على أبيه، بحيث يقوم له بكل تبعات حياته، ولذلك يجب أن تعلموا أن الأطفال المشردين مع وجود آبائهم حدث من أن شكاً طرأ على الأب في أن هذا ليس ابنه. ولذلك ماتت فيه غريزة الحنان عليه، فلا يبالي إن رآه أم لم يره، ولا يبالي أهو في البيت أم شرد، لا يبالي أكل أم جاع، لا يبالي تعرى أم لا. إذن فطهارة الأنساب ضمان لسلامة المجتمع؛ لأن المجتمع سيكون بين مربٍّ يقوم على شأن وصغير مرَّبى، المربي قادر على أن يعمل، والمربَّى صغير يحتاج إلى التربية. ولذلك حرم الله الفواحش. والفحش- كما قلنا- ما زاد قبحه، وانتهوا على أنه هو الزنا؛ لأن أثره لا يتوقف فقط عند الذنب والاستمتاع. بل يتعدى إلى الأنسال. وما تعدى إلى الأنسال فهو تعد إلى المجتمع، ويصير مجتمعاً مهملاً لا راعي له. والإِثم: أهو كل كبيرة أو ما يقام على فاعله حد؟. لقد انتهى العلماء على أن الإِثم هو الخمر والميسر؛ لأن الله قال بالنص: {أية : وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا...} تفسير : [البقرة: 219] وأراد الحق بذلك أن يضمن مقوم تنظيم حركة الحياة في الإِنسان وهو العقل وأن الخمر تغيب العقل، والإِنسان مطالب بأن يحفظ عقله ليواجه به أمور الحياة مواجهة تبقى الصالح على صلاحه أو تزيده صلاحاً ولا تتعدى على الإِنسان, فإذا ما ستر العقل بالخمر فسد واختل، ويختل بذلك التخطيط لحركة الحياة. والذين يأتون ويشربون ويقولون: نريد أن ننسى همومنا نقول لهم: ليس مراد الشارع أن ينسى كل واحد ما أهمه؛ لأنه إن نسي كل واحد ما أهمه فلن يحتاط أحد ولن يقوم على تقدير الأمور التي تضمن السلامة. إن الشارع يطلب منك أن تواجه الهموم التي تعاني منها مضاعف لتزيلها. أما أن تستر العقل فأنت قد هربت من المشكلة، إذن يجب عليك أن تواجه مشكلات الحياة بعقلك وبتفكيرك. فإن كانت المشكلة، قد نشأت من أنك أهملت في واجب سببي أي له أسباب وقد قصرت في الأخذ بها فأنت الملوم. وإن كانت المشكلة جاءتك من أمر ليس في قدرتك، أي هبطت عليك قضاء وقدراً؛ فاعلم أن مجريها عليك له فيها حكمة. وقد يكون البلاء ليحيمك الله من عيون الناس فيحسدوك عليها، لأن كل ذي نعمة محسود، وحتى لا تتم النعمة عليك؛ لأن تمام النعمة على الإنسان يؤذن بزوالها، وأنت ابن الأغيار وفي دنيا الأغيار، وإن تمت لك فقد تتغير النعمة بالنقصان. إذن فالتفكير في ملافاة الأسباب الضارة وتجنبها يأتي بالعقل الكامل، والتفكير في الأشياء التي ليس لها سبب يأتي من الإيمان، والإيمان يطلب منك أن ترد كل شيء إلى حكمة الحكيم. إذن فأنت تحتاج إلى العقل فلا تستره بشرب الخمر؛ لأن العقل يدير حركة الحياة. البغي نعرف انه مجاوزة الحد ظلماً أو أكبر، أو بخلاً. والظلم أن تأخذ حق غيرك وتحرمه من ثمرة عمله فيزهد في العمل؛ لذلك يحرم الحق أن يبغي أحد على أحد. لا في عرضه، ولا في نفسه، ولا في ماله. ويجب أن نصون العرض من الفواحش؛ لأن كل فاحشة قد تأتي بأولاد من حرام. وإن لم تأت فهي تهدر العرض، والمطلوب صيانته، كذلك لا يبغى أحد على محارم أحد، وكذلك لا يبغى أحد على حياة إنسان بأن يهدمها بالقتل. ويصمون الحق المال فيمنع عنه البغي فلا يأخذ أحد ثمرة عمل آخر وكفاحه عدواناً وظلماً، ومظاهر البغي كثيرة. ومن البغي أن تأخذ سلطة قسراً بغير حق ولكن هناك من يأخذ سلطة قسراً وقهراً بحق، فإن كنت- على سبيل المثال- تركب سفينة، ثم قامت الرياح والزوابع، وأنت أمهر في قيادتها أتترك الربان يقودها وربما غرفت بمن فيها أم تضرب على يده وتمسك بالدفة وتديرها لتنقذها ومن فيها، إنك في هذه الحالة تكون قد أخذت القيادة بحق صيانة أرواح الناس، وهذا بغي بحق، وهو يختلف عن البغي بغير الحق. وحتى تفرق بين البغي البغي بحق والبغي بغير الحق نقول. إن هذا يظهر ويتضح عندما نأخذ مال السفيه منه للحفاظ عليه وصيانته وتثميره له، فنكون قد أخذنا من صاحبه رعاية لهذا الحق، فهو وإن كان في ظاهره بغيا على صاحب الحق إلا أنه كان لصالحه وللصالح العام فهذا بغي بحق أو أنه سمي بغيا؛ لأنه جاء على ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبة ذلك الغير، ونقرأ أيضاً قول الله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا...} تفسير : [الشورى: 40] فهل جزاء السيئة يكون سيئة؟ لا. وإنما هي سيئة بالنسبة لمن وقعت عليه؛ لأنه لما عمل سيئة واختلس مالا- مثلا- وضربت على يده وأخذت منه المال فقد أتعبته ولذلك فالحق يقول: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} تفسير : [النحل: 126] ومن بغى بغير حق علينا أن نذكره بأن هناك من هو أقوى منه، أن يتوقع أن يناله بغي ممن هو أكثر قدرة منه. وينبهنا الحق إلى العمل الذي لا غفران له: {وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً}. ومحال أن ينزل الحق الذي نعبده شريكاً له ويؤيده بالبرهان والسلطان والحجة على أنه شريك له- تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً؛ لأن من خصائص الإِيمان أنه سبحانه ينفي هذا الشرك بأدلته العقلية وأدلته النقلية. وإذا كان الحق قد قال لنا في هذه الآية: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] فبعض من الآيات الأخرى جمعت هذه الأشياء، في إطار إيجازي ومع المقابل أيضاً، يقول الحق: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ...} تفسير : [النحل: 90] لقد جاء بالفحشاء في هذه الآية ليؤكد طهارة الأنسال، وجاء أيضاً بتحريم المنكر والبغي، وزاد في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها الإِثم فقط. وكأن الإثم في آية الأمر بالعدل والإِحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، مطمور في "المنكر"، والمنكر ليس محرماً بالشرع فقط، بل هو ما ينكره الطبع السليم؛ وأيضاً فصاحب الطبع غير السليم يحكم أنه منكر إذا كانت المعاصي تعود عليه بالضرر، هنا يقول: أعوذ بالله منها. وإن كان هو يوقعها على الغير فهو يعتقد أنها غير منكر، وعلى سبيل المثال نجد رجلاً يبيح لنفسه أن يفتح أعينه على عورات الناس ويتلذذ بهذه المسألة. لكنه ساعة يرى إنساناً آخر يفتح عينيه على عورته أو على ابنته مثلا إنّه يرى في ذلك أبشع المنكرات؛ لذلك لابد أن تجعل للمنكر حدًّا يشملك ويشمل غيرك ولا تنظر إلى الأمر الذي تكلف به أنت وحدك، وإنما انظر إلى الأمر المكلف به الآخرون.. وإياك أن تقول: إنه حدد بصري من أن يتمتع بجسم يسير أمامي، إنه- سبحانه- كما حرم نظرك إلى ذلك، حرم أنظار الناس جميعاً أن ينظروا إلى محارمك؛ وفي هذا صيانة لك. وبعد أن حلل هذه الطيبات والزينة، وحرم الفواحش والمنكر والبغي والإِثم يقول سبحانه: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ...}

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ} [33] 203- أنا محمد بن آدم بن سليمان، ومحمد بن العلاء، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أحد أغيرُ من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحبُّ إليه المَدح من الله ". تفسير : اللفظ لابن العلاء.