Verse. 988 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَلِكُلِّ اُمَّۃٍ اَجَلٌ۝۰ۚ فَاِذَا جَاۗءَ اَجَلُہُمْ لَا يَسْـتَاْخِرُوْنَ سَاعَۃً وَّلَا يَسْتَقْدِمُوْنَ۝۳۴
Walikulli ommatin ajalun faitha jaa ajaluhum la yastakhiroona saAAatan wala yastaqdimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولكل أمَّة أجل» مدة «فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون» عنه «ساعة ولا يستقدمون» عليه.

34

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما بين الحلال والحرام وأحوال التكليف، بين أن لكل أحد أجلاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر، وإذا جاء ذلك الأجل مات لا محالة، والغرض منه التخويف ليتشدد المرء في القيام بالتكاليف كما ينبغي. المسألة الثانية: اعلم أن الأجل، هو الوقت الموقت المضروب لانقضاء المُهْلَة، وفي هذه الآية قولان: القول الأول: وهو قول ابن عباس، والحسن ومقاتل أن المعنى أن الله تعالى أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين، وهو تعالى لا يعذبهم إلى أن ينظروا ذلك الوقت الذي يصيرون فيه مستحقين لعذاب الاستئصال، فإذا جاء ذلك الوقت نزل ذلك العذاب لا محالة. والقول الثاني: أن المراد بهذا الأجل العمر، فإذا انقطع ذلك الأجل وكمل امتنع وقوع التقديم والتأخير فيه، والقول الأول: أولى، لأنه تعالى قال: {وَلِكُلّ أُمَّةٍ } ولم يقل ولكل أحد أجل وعلى القول الثاني: إنما قال: {وَلِكُلّ أُمَّةٍ } ولم يقل لكل أحد لأن الأمة هي الجماعة في كل زمان، ومعلوم من حالها التقارب في الأجل، لأن ذكر الأمة فيما يجري مجرى الوعيد أفحم، وأيضاً فالقول الأول: يقتضي أن يكون لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال عليهم وليس الأمر كذلك لأن أمتنا ليست كذلك. المسألة الثالثة: إذا حملنا الآية على القول الثاني: لزم أن يكون لكل أحد أجل، لا يقع فيه التقديم والتأخير فيكون المقتول ميتاً بأجله، وليس المراد منه أنه تعالى لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك، ولا أنقص، ولا يقدر على أن يميته في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه تعالى عن كونه قادراً مختاراً، وصيرورته كالموجب لذاته، وذلك في حق الله تعالى ممتنع بل المراد أنه تعالى أخبر أن الأمر يقع على هذا الوجه. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } المراد أنه لا يتأخر عن ذلك الأجل المعين لا بساعة ولا بما هو أقل من ساعة إلا أنه تعالى ذكر الساعة لأن هذا اللفظ أقل أسماء الأوقات. فإن قيل: ما معنى قوله: {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } فإن عند حضور الأجل امتنع عقلاً وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم عليه. قلنا: يحمل قوله: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } على قرب حضور الأجل. تقول العرب: جاء الشتاء، إذا قارب وقته، ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك تارة،والتأخر عنه أخرى.

القرطبي

تفسير : فيه مسألة واحدة: قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} أي وقت مؤقت. {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} أي الوقت المعلوم عند الله عز وجل. وقرأ ٱبن سيرين «جاء آجالهم» بالجمع {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} عنه ساعة ولا أقل من ساعة؛ إلا أن الساعة خصت بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات، وهي ظرف زمان. {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} فدل بهذا على أن المقتول إنما يقتل بأجله. وأجل الموت هو وقت الموت؛ كما أن أجل الدَّين هو وقت حلولِه. وكل شيء وُقِّت به شيء فهو أجل له. وأجل الإنسان هو الوقت الذي يعلم الله أنه يموت الحيّ فيه لا محالة. وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه، لا من حيث إنه ليس مقدوراً تأخيرُه. وقال كثير من المعتزلة إلا من شذّ منهم: إن المقتول مات بغير أجله الذي ضُرب له، وأنه لو لم يقتل لحييَ. وهذا غلط، لأن المقتول لم يمت من أجل قتل غيره له، بل من أجل ما فعله الله من إزهاق نفسه عند الضرب له. فإن قيل: فإن مات بأجله فلِم تقتلون ضاربه وتقتصون منه؟. قيل له: نقتله لتعدّيه وتصرفه فيما ليس له أن يتصرف فيه، لا لموته وخروج الروح إذ ليس ذلك من فعله. ولو ترك الناس والتعدّي من غير قصاص لأدّى ذلك إلى الفساد ودَمار العباد. وهذا واضح.

البيضاوي

تفسير : {وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} مدة، أو وقت نزول العذاب بهم وهو وعيد لأهل مكة. {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ} انقرضت مدتهم، أو حان وقتهم. {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي لا يتأخرون ولا يتقدمون أقصر وقت، أو لا يطلبون التأخر والتقدم لشدة الهول. {يَـٰبَنِى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} شرط ذكره بحرف الشك للتنبيه على أن إتيان الرسل أمر جائز غير واجب كما ظنه أهل التعليم، وضمت إليها ما لتأكيد معنى الشرط ولذلك أكد فعلها بالنون وجوابه: {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} والمعنى فمن اتقى التكذيب وأصلح عمله منكم والذين كذبوا بآياتنا منكم، وإدخال الفاء في الخبر الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـئَايَـٰتِهِ} ممن تقول على الله ما لم يقله أو كذب ما قاله. {أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } مما كتب لهم من الأرزاق والآجال. وقيل الكتاب اللوح المحفوظ أي مما أثبت لهم فيه. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} أي يتوفون أرواحهم، وهو حال من الرسل وحتى غاية لنيلهم وهي التي يبتدأ بعدها الكلام. {قَالُواْ} جواب إذا {أَيْنَمَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها، وما وصلت بأين في خط المصحف وحقها الفصل لأنها موصولة. {قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا} غابوا عنا. {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ} اعترفوا بأنهم كانوا ضالين فيما كانوا عليه. {قَالَ ٱدْخُلُواْ} أي قال الله تعالى لهم يوم القيامة، أو أحد من الملائكة. {فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم} أي كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم يوم القيامة. {مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ} يعني كفار الأمم الماضية عن النوعين. {فِى ٱلنَّارِ} متعلق بادخلوا. {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ} أي في النار. {لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} التي ضلت بالاقتداء بها. {حَتَّى إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا} أي تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار. {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ} دخولاً أو منزلة وهم الأتباع. {لأُولَـٰهُمْ} أي لأجل أولاهم إذا الخطاب مع الله لا معهم. {رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا } سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم {فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ} مضاعفاً لأنهم ضلوا وأضلوا. {قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ } أما القادة فبكفرهم وتضليلهم، وأما الأتباع فبكفرهم وتقليدهم. {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} ما لكم أو ما لكل فريق. وقرأ عاصم بالياء على الانفصال. {وَقَالَتْ أُولَـٰهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} عطفوا كلامهم على جواب الله سبحانه وتعالى {لاِخْرَاهُمْ } ورتبوه عليه أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا وإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب. {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} من قول القادة أو من قول الفريقين. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا} أي عن الإِيمان بها. {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبُ ٱلسَّمَاء} لأدعيتهم وأعمالهم، أو لأرواحهم كما تفتح لأعمال المؤمنين وأرواحهم لتتصل بالملائكة. والتاء في تفتح للتأنيث الأبواب والتشديد لكثرتها، وقرأ أبو عمرو بالتخفيف وحمزة والكسائي به وبالياء، لأن التأنيث غير حقيقي والفعل مقدم. وقرىء على البناء للفاعل ونصب الأبواب بالتاء على أن الفعل للآيات وبالياء لأن الفعل لله. {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } أي حتى يدخل ما هو مثل في عظم الجرم وهو البعير فيما هو مثل في ضيق المسلك وهو ثقبة الإِبرة، وذلك مما لا يكون فكذا ما يتوقف عليه. وقرىء {ٱلْجَمَلُ } كالقمل، والجمل كالنغر، والجمل كالقفل، والجمل كالنصب، و {ٱلْجَمَلُ } كالحبل وهو الحبل الغليظ من القنب، وقيل حبل السفينة. وسم بالضم والكسر وفي سم المخيط وهو والخياط ما يخاط به كالحزام والمحزم. {وَكَذٰلِكَ } ومثل ذلك الجزاء الفظيع. {نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ }.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} أي: قرن وجيل {أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} أي: ميقاتهم المقدر لهم {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} ثم أنذر تعالى بني آدم أنه سيبعث إليهم رسلاً يقصون عليهم آياته، وبشر وحذر، فقال: {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ} أي: ترك المحرمات، وفعل الطاعات، {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَآ} أي: كذبت بها قلوبهم، واستكبروا عن العمل بها {أُولَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} أي: ماكثون فيها مكثاً مخلداً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } مدّة {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ } عنه {سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } عليه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } أي وقت معين محدود ينزل فيه عذابهم من الله أو يميتهم فيه، ويجوز أن تحمل الآية على ما هو أعم من الأمرين جميعاً. والضمير في {أَجَلُهُمْ } لكل أمة أي إذا جاء أجل كل أمة من الأمم كان ما قدّره عليهم واقعاً في ذلك الأجل، لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون عنه ساعة. قال أبو السعود ما معناه: إن قوله: {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } عطف على {يستأخرون} لكن "لا" لبيان انتفاء التقدّم، مع إمكانه في نفسه كالتأخر، بل للمبالغة في انتفاء التأخر بنظمه في سلك المستحيل عقلاً. وقيل المراد بالمجيء الدنوّ بحيث يمكن التقدّم في الجملة كمجيء اليوم الذي ضرب لهلاكهم ساعة منه وليس بذاك. وقرأ ابن سيرين "آجالهم" بالجمع، وخصّ الساعة بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات. وقد استدل بالآية الجمهور على أن كل ميت يموت بأجله، وإن كان موته بالقتل أو التردي أو نحو ذلك، والبحث في ذلك طويل جدّاً، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتأخِرُونَ }تفسير : [الحجر: 5، المؤمنون:43]. قوله: {يَـٰبَنِى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ } الآية: "إن" هي الشرطية، و"ما" زائدة للتوكيد، ولهذا لزمت الفعل النون المؤكدة. والقصص قد تقدّم معناه، والمعنى: إن أتاكم رسل كائنون منكم يخبرونكم بأحكامي ويبينونها لكم، {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ } أي اتقى معاصي الله، وأصلح حال نفسه باتباع الرسل وإجابتهم {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } وهذه الجملة الشرطية هي الجواب للشرط الأوّل. وقيل جوابه ما دلّ عليه الكلام، أي إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي، فأطيعوهم. والأوّل أولى، وبه قال الزجاج. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } التي يقصها عليهم رسلنا {وَٱسْتَكْبَرُواْ } عن إجابتها، والعمل بما فيها {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } لا يخرجون منها، بسبب كفرهم بتكذيب الآيات والرسل. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـئَايَـٰتِهِ } أي لا أحد أظلم منه. وقد تقدّم تحقيقه. والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المكذبين المستكبرين {يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } أي مما كتب الله لهم من خير وشرّ. وقيل: ينالهم من العذاب بقدر كفرهم. وقيل: الكتاب هنا القرآن لأن عذاب الكفار مذكور فيه. وقيل هو اللوح المحفوظ. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا } أي إلى غاية هي هذه. وجملة {يَتَوَفَّوْنَهُمْ } في محل نصب على الحال. والمراد بالرسل هنا: ملك الموت وأعوانه. وقيل: {حتى} هنا هي التي للابتداء. ولكن لا يخفى أن كونها لابتداء الكلام بعدها لا ينافي كونها غاية لما قبلها. والاستفهام في قوله {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } للتقريع والتوبيخ، أي أين الآلهة التي كنتم تدعونها من دون الله وتعبدونها؟ وجملة {قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا } استئنافية بتقدير سؤال وقعت هي جواباً عنه، أي ذهبوا عنا وغابوا فلا ندري أي هم؟ {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ } أي أقرّوا بالكفر على أنفسهم. قوله: {قَالَ ٱدْخُلُواْ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم } القائل: هو الله عزّ وجلّ، «وفي» بمعنى "مع"، أي مع أمم. وقيل: هي على بابها. والمعنى: ادخلوا في جملتهم. وقيل: هو قول مالك خازن النار. والمراد بالأمم التي قد خلت من قبلهم من الجن والإنس: هم الكفار من الطائفتين من الأمم الماضية {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ } من الأمم الماضية {لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } أي الأمة الأخرى التي سبقتها إلى النار، وجعلت أختاً لها باعتبار الدين، أو الضلالة، أو الكون في النار {حَتَّى إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا } أي تداركوا. والتدارك: التلاحق والتتابع، والاجتماع في النار. وقرأ الأعمش «تداركوا» على الأصل من دون إدغام. وقرأ ابن مسعود "حَتَّىٰ إِذَا ادركوا" أي: أدرك بعضهم بعضاً. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ بقطع ألف الوصل، فكأنه سكت على "إذا" للتذكر، فلما طال سكوته، قطع ألف الوصل كالمبتدىء بها. وهو مثل قول الشاعر:شعر : يا نفس صبراً كل حيّ لاقى وكل اثنين إلى افتراق تفسير : {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولَـٰهُمْ } أي أخراهم دخولاً لأولاهم دخولاً. وقيل {أخراهم}: أي سفلتهم وأتباعهم {لأولَـٰهُمْ } لرؤسائهم وكبارهم. وهذا أولى كما يدل عليه {رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا } فإن المضلين هم الرؤساء. ويجوز أن يراد أنهم أضلوهم لأنهم تبعوهم واقتدوا بدينهم من بعدهم، فيصح الوجه الأوّل، لأن أخراهم تبعت دين أولاهم. قوله: {فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّار} الضعف الزائد على مثله مرة أو مرات. ومثله قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كبيرا}تفسير : [الأحزاب: 68] وقيل: الضعف هنا الأفاعي والحيات، وجملة {قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ } استئنافية جواباً لسؤال مقدّر، والمعنى لكل طائفة منكم ضعف من العذاب، أي الطائفة الأولى والطائفة الأخرى {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ } بما لكل نوع من العذاب {وَقَالَتْ أُولَـٰهُمْ لأخْرَاهُمْ } أي قال السابقون للاحقين، أو المَّتَبعُونَ للتابعين {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } بل نحن سواء في الكفر بالله واستحقاق عذابه. {فَذُوقُواْ } عذاب النار، كما ذقناه {بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } من معاصي الله والكفر به. وقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب، وابن النجار، عن أبي الدرداء قال: تذاكرنا زيادة العمر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا من وصل رحمه أنسىء في أجله فقال: "حديث : إنه ليس بزائد في عمره، قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } ولكن الرجل يكون له الذرية الصالحة، فيدعون الله من بعده، فيبلغه ذلك، فذلك الذي ينسأ في أجله"تفسير : . وفي لفظ: "حديث : فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر"تفسير : . وهذا الحديث ينبغي أن يكشف عن إسناده، ففيه نكارة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما بخلافه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن أبي عروبة، قال: كان الحسن يقول: ما أحمق هؤلاء القوم يقولون اللهم أطل عمره، والله يقول: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، من طريق الزهري، عن ابن المسيب قال: لما طعن عمر قال كعب: لو دعا الله لأخر في أجله، فقيل له: أليس قد قال الله: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } فقال كعب: وقد قال الله: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ }تفسير : [فاطر: 11]. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: ما قدر لهم من خير وشرّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، في الآية قال: من الأعمال، من عمل خيراً جزى به، ومن عمل شرّاً جزى به. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عنه، أيضاً قال: نصيبهم من الشقاوة والسعادة. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في الآية قال: ما سبق من الكتاب. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في الآية قال: رزقه وأجله وعمله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي صالح، في الآية قال: من العذاب. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {قَدْ خَلَتْ } قال: قد مضت {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} قال: كلما دخلت أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك، يلعن المشركون المشركين، واليهود اليهود، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس، تلعن الآخرة الأولى {حَتَّى إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ } الذين كانوا في آخر الزمان {لأولَـٰهُمْ } الذين شرعوا لهم ذلك الدين {رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَـئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ } الأولى والآخرة {وَقَالَتْ أُولَـٰهُمْ لأخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } وقد ضللتم كما ضللنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {عَذَاباً ضِعْفاً } قال: مضاعفاً {قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ } قال: مضاعف، وفي قوله: {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } قال: تخفيف من العذاب.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلِكُلَّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ولكل أمة كتاب فيما قضاه الله عليهم من سعادة أو شقاوة، من عذاب أو رحمة، قاله جويبر. الثاني: ولكلٍ نبي يدعوهم إلى طاعته وينهاهم عن معصيته، قاله معاذ بن جبل. والثالث: لكل أمة أجل فيما قدره الله من حياة، وقضاه عليهم من وفاة. ويحتمل رابعاً: ولكل أمة مدة يبقون فيها على دينهم أن يحدثوا فيه الاختلاف. {فِإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} فيه قولان: أحدهما: أجل موتهم. الثاني: أجل عذابهم، قاله جويبر. {لاَ يَسْتَأَخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: لا يزيد أجل حياتهم ولا ينقص. والثاني: لا يتقدم عذابهم ولا يتأخر.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولكل أمة أجل} الأجل: الوقت المؤقت لانقضاء وقت المهلة ثم في هذا الأجل المذكور في الآية قولان: أحدهما أنه أجل العذاب والمعنى أن لكل أمة كذبت رسله وقتاً معيناً وأجلاً مسمى أمهلهم الله إلى ذلك الوقت {فإذا جاء أجلهم} يعنيك إذا حلَّ وقت عذابهم {لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} يعني فلا يؤخرون ولا يمهلون قدر ساعة ولا أقل من ساعة وإنما ذكرت الساعة لأنها أقل أسماء الوقت في العرف وهذا حين سألوا نزول العذاب فأخبرهم الله تعالى أن لهم وقتاً إذا جاء ذلك الوقت هو وقت إهلاكهم واستئصالهم فلا يؤخرون عنه ساعة ولا يستقدمون. والقول الثاني: إن المراد بهذا الأجل هو أجل الحياة والعمر، فإذا انقضى ذلك الأجل وحضر الموت فلا يؤخر ساعة ولا يقدم ساعة وعلى هذا القول يلزم أن يكون لكل واحد أجل لا يقع فيه تقديم ولا تأخير وإنما قال تعالى: لكل أمة تقارب أعمار أهل كل عصر فكأنهم كالواحد في مقدار العمر: وعلى هذا القول أيضاً يكون المقتول ميتاً بأجله خلافاً لمن يقول القاتل قطع عليه أجله. قوله عز وجل: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم} هي إن الشرطية ضمت إليها ما مؤكدة لمعنى الشرط وجزاء هذا الشرط هو الفاء وما بعده من الشرط والجزاء، وهو قوله فمن اتقى وأصلح يعني منكم وإنما قال رسل بلفظ الجمع وإن كان المراد به واحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خاتم الأنبياء وهو مرسل إلى كافة الخلق فذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم فعلى هذا يكون الخطاب في قوله يا بني آدم لأهل مكة ومن يلحق بهم. وقيل: أراد جميع الرسل وعلى هذا فالخطاب في قوله يا بني آدم عام في كل بني آدم وإنما قال منكم يعني من جنسكم ومثلكم من بني آدم لأن الرسول إذا كان من جنسهم كان أقطع لعذرهم وأثبت للحجة عليهم لأنهم يعرفونه ويعرفون أحواله فإذا أتاهم بما لا يليق بقدرته أو بقدرة أمثاله علم أن ذلك الذي أتى به معجزة له وحجة على من خالفه {يقصون عليكم آياتي} يعني يقرؤون عليكم كتابي وأدلة أحكامي وشرائعي التي شرعت لعبادي {فمن اتقى} يعني فمن اتقى الشرك ومخالفة رسلي {وأصلح} يعني العمل الذي أمرته به رسلي فعمل بطاعتي وتجنب معصيتي وما نهيته عنه {فلا خوف عليهم} يعني حين يخاف غيرهم يوم القيامة من العذاب {ولا هم يحزنون} يعني على ما فاتهم من دنياهم التي تركوها {والذين كذبوا بآياتنا} يعني ومن جحدوا آياتنا وكذبوا رسلنا {واستكبروا عنها} يعني واستكبروا عن الإيمان بها وما جاءت به رسلنا {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} يعني لا يخرجون منها أبداً. قوله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً} يعني فمن أعظم ظلماً ممن يقول على الله ما لم يقله أو يجعل له شريكاً من خلقه وهو منزه عن الشريك والولد {أو كذب بآياته} يعني أو كذب بالقرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} يعني ينالهم حظهم مما قدر لهم وكتب في اللوح المحفوظ واختلفوا في ذلك النصيب على قولين أحدهما: أن المراد به هو العذاب المعين لهم في الكتاب ثم اختلفوا فيه، فقال الحسن والسدي: ما كتب لهم من العذاب وقضي عليهم من سواد الوجوه ورزقه العيون، وقال ابن عباس: في رواية عنه كتب لمن يفتري على الله كذباً أن وجهه أسود، وقال الزجاج: هو المذكور في قوله فأنذرتكم ناراً تلظى وفي قوله إذ الأغلال في أعناقهم فهذه الأشياء هي نصيبهم من الكتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم. والقول الثاني: إن المراد بالنصيب المذكور في الكتاب هو شيء سوى العذاب ثم اختلفوا فيه فقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أخرى عنه وعن مجاهد وسعيد بن جبير وعطية، في قوله: ينالهم نصيبهم من الكتاب، قالوا: هو السعادة والشقاوة، وقال ابن عباس: ما كتب عليهم من الأعمال، وقال في رواية أخرى عنه: من عمل خيراً جوزي به ومن عمل شراً جوزي به. وقال قتادة: جزاء أعمالهم التي عملوها. وقيل معنى ذلك ينالهم نصيبهم مما وعدوا في الكتاب من خير أو شر قاله مجاهد والضحاك، وهو رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً، وقال الربيع بن أنس: ينالهم ما كتب لهم في الكتاب من الرزق، وقال محمد بن كعب القرظي: عمله ورزقه وعمره. وقال ابن زيد: ينالهم نصيبهم من الكتاب من الأعمال والأرزاق والأعمار فإذا فرغ هذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم، وصحح الطبري هذا القول الآخر وقال: لأن الله تعالى أتبع ذلك بقوله حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم فأبان أن الذي ينالهم هو ما قدر لهم في الدنيا فإذا فرغ توفتهم رسل ربهم. قال الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى: إنما حصل الاختلاف لأن لفظ النصيب محتمل لكل الوجوه. وقال بعض المحققين: حمله على العمر والرزق أولى لأنه تعالى بيَّن أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم فإنه ليس بمانع أن ينالهم ما كتب لهم من رزق وعمر تفضلاً من الله سبحانه وتعالى لكي يصلحوا ويتوبوا. قوله تعالى: {حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} يعني حتى إذا جاءت هؤلاء الذين يفترون على الله الكذب رسلنا يعني ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم عند استكمال أعمارهم وأرزاقهم لأن لفظ الوفاة يفيد هذا المعنى {قالوا} يعني: قال الرسل وهم الملائكة للكفار {أين ما كنتم تدعون من دون الله} وهذا سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت لا سؤال استعلام والمعنى أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله ادعوهم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم. وقيل إن هذا يكون في الآخرة والمعنى حتى إذا جاءتهم رسلنا يعني ملائكة العذاب يتوفونهم يعني يستوفون عددهم عند حشرهم إلى النار قالوا أينما كنتم تدعون يعني شركاء وأولياء تعبدونهم من دون الله فادعوهم ليدفعوا عنكم ما جاءكم من أمر الله {قالوا} يعني الكفار مجيبين للرسل {ضلوا عنا} يعني بطلوا وذهبوا عنا وتركونا عند حاجتنا إليهم فلم ينفعونا {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} يقول الله تعالى وشهد هؤلاء الكفار عند معاينة العذاب أنهم كانوا جاحدين وحدانية الله واعترفوا على أنفسهم بذلك.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} المعنى: ولكل أمة أجل مُؤَقَّت لمجيء العَذَابِ إذا كفروا، وخالفوا أَمْرَ ربهم، فأنتم أيتها الأمة كذلك. قاله الطبري وغيره. وقوله: {سَاعَةً} لفظ عين به الجزء القليل من الزمان، والمراد جميع أجزائه، والمعنى: لا يستأخرون سَاعَة، ولا أقل منها، ولا أكثر. وقوله عز وجل: {يَـٰبَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَـٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} الخِطَابُ في هذه الآية لجميع العالم، و«إن» هي الشرطية دخلت عليها «ما» مؤكدة، وكان هذا الخطاب لجميع الأُمم قَدِيمِها وحَدِيثِهَا هو متمكن لهم، ومتحصِّل منه لحاضري نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا حُكْمُ اللَّه في العالم منذ أنشأه، {ويَأْتِيَنَّكُمْ} مستقبل وُضِعَ موضع ماضٍ ليفهم أن الإتيان بَاقٍ وَقْتَ الخطاب، لِتَقْوَى الإشارة بصِحَّةِ النبوءة إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا على مُرَاعَاةِ وَقْتِ نزول الآية. وأسند الطَّبَري إلى أبي سَيَّارٍ السُّلمي قال: "حديث : إن اللَّه سبحانه خَاطَبَ آدم وذُريته، فقال: { يَـٰبَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ...} الآية: قال: ثم نَظَر سبحانه إلى الرُّسُل، فقال: {يَٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ...} [المؤمنون: 51، 52]" تفسير : الحديث. قال * ع *: ولا مَحَالَةَ أن هذه المُخَاطَبَة في الأزل. وقيل: المراد بالرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذَكَرَهُ النقاش {ويَقُصُّونَ} أي: يسردون، ويوردون، «والآيات» لَفْظٌ جامع لآيات الكُتُب المنزلة، وللعلامات التي تقترن بالأنبياء، ونفي الخوف والحزن يعم جَمِيعَ أنواع مَكَارِهِ النَفس وأَنْكَادِهَا.

ابن عادل

تفسير : لما بيَّن الحَلاَلَ والحَرامَ وأحوال التَّكاليف، بين أنَّ لِكُلِّ أحد أجلاً معيناً أي: مدة وأجل. وقال ابْنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - وعطاءٌ والحسنُ: وقت نزول العذاب بهم. وقوله عز وجل: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} خبر مقدَّمٌ، ولا حاجة إلى حذف مضاف كما زعم بعضهم أنَّ التقدير: ولكلِّ أحد من أمةٍ أجل أي: عُمْرٌ، كأنَّه توهم أنَّ كل أحد له عمر مستقل، وأنَّ هذا مراد الآية الكريمة، ومراد الآية أعم من ذلك. قوله: {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ}. قال بعضهم: كُلُّ موضع في القرآن العظيم من شبه هذا التَّركيب، فإن "الفاء" داخلة على "إذَا" إلا في "يونس" فيأتي حكمها، وأما سائر المواضع فقال: "لأنَّها عطفت جملة على أخرى بينهما اتصال وتعقيب، فكان الموضع موضع الفاء". وقرأ الحسنُ وابْنُ سيرينَ: "آجَالُهُم" جمعاً. قوله: "لا يَسْتَأخِرُونَ" جواب "إذَا"، والمضارعُ المنفي بـ "لا" إذا وقع جواباً لـ "إذَا" جاز أن يُتلقى بـ "الفاء"، وألا يُتلقى بها. قال أبو حيَّان: وينبغي أن يعتقد أن بين الفاء والفعل بعدها اسماً مبتدأ، فتصير الجملة اسميّة، ومتى كانت كذلك وجب أن تتلقى "بالفاء" أو "إذا" الفجائية. و "ساعة" نصب على الظرف، وهي مثل في قلة الزمان. قوله: "وَلاَ يَسْتَقْدِمُون" هذا مستأنف، معناه الإخبار بأنَّهم لا يسبقون أجلهم المضروب لهم، بل لا بدَّ من استيفائهم إيَّاه، كما أنهم لا يتأخرون عنه أقلّ زمان. وقال الحُوفِيُّ - رحمه الله - وغيره: إنَّهُ معطوف على "لا يستأخرون" ولهذا لا يجوز؛ لأن "إذا" إنَّما يترتب عليها وعلى ما بعدها الأمور المستقبلة لا الماضية، والاستقدام بالنِّسبة إلى مجيء الأجل مُتقدم عليه، فكيف يترتب عليه ما تقدَّمَهُ؟ ويصيرُ هذا من باب الإخبار بالضَّروريات التي لا يجهل أحد معناها، فيصير نظير قولك: "إذا قمت فيما يأتي لم يتقدَّم قيامك فيما مضى" ومعلومٌ أنَّ قيامك في المستقبل لم يتقدّم قيامك هذا. وقال الواحديُّ: إن قيل: ما معنى هذا مع استحالة التَّقديم على الأجل وقت حضوره؟ وكيف يحسن التقديم مع هذا الأجل؟ قيل: هذا على المُقاربَةِ؛ لأنَّ العرب تقول: "جاء الشِّتَاءُ" إذا قرب وقته، ومع مقاربة الأجل يتصور الاستقدام، وإن كان لا يتصور مع الانْقِضَاءِ، والمعنى: لا يستأخرونَ عن آجالهم إذا انقضت، ولا يستقدمون عليها إذا قاربت الانقضاء، وهذا بناءً منه على أنَّهُ معطوف على "لا يَسْتَأخرُون"، وهو ظاهر أقوال المفسرين. فصل في المراد بـ "الأجل" في المراد بهذا الأجل قولان: قال ابنُ عبَّاسٍ والحسنُ ومقاتل: "المراد به نزول العذاب على كل أمة كذّبت رسولها". والثاني: أن المراد به الأجل.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص وابن النجار في تاريخه عن أبي الدرداء قال:حديث : تذاكرنا زيادة العمر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: من وصل رحمه أنسىء في أجله. فقال "إنه ليس بزائدة في عمره، قال الله {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} ولكن الرجل يكون له الذرية الصالحة فيدعون الله له من بعده فيبلغه ذلك، فذلك الذي ينسأ في أبده، وفي لفظ: فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي عروبة قال: كان الحسن يقول: ما أحمق هؤلاء القوم ...! يقولون. اللهم أطل عمره، والله يقول {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر من طريق الزهري عن ابن المسيب قال: لما طعن عمر قال كعب: لو دعا الله عمر لأَخَّر في أجله. فقيل له: أليس قد قال الله {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} ؟ فقال كعب: وقد قال الله {أية : وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب } تفسير : [فاطر: 11] قال الزهري: وليس أحد إلا له عمر مكتوب، فرأى أنه ما لم يحضر أجله فإن الله يؤخر ما شاء وينقص {فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} . وأخرج ابن سعد في الطبقات عن كعب قال: كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر وإذا ذكرنا عمر ذكرناه، وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه، فأوحى الله إلى النبي أن يقول له: أعهد عهدك واكتب إلى وصيتك فإنك ميت إلى ثلاثة أيام، فأخبره النبي بذلك، فلما كان في اليوم الثالث وقع بين الجدر وبين السرير، ثم جار إلى ربه فقال: اللهم إن كنت تعلم أني كنت أعدل في الحكم، وإذا اختلفت الأمور ابتعت هداك، وكنت فزدني في عمري حتى يكبر طفلي وتربوا أمتي. فأوحى الله إلى النبي: أنه قد قال كذا وكذا وقد صدق: وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته، فلما طعن عمر قال كعب: لئن سأل عمر ليبقينه، فأخبر بذلك عمر فقال: اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم. وأخرج ابن سعد عن ابن أبي مليكة قال: لما طعن عمر جاء كعب، فجعل يبكي بالباب ويقول قال: والله لو أن أمير المؤمنين يقسم على الله أن يؤخره لأخَّرَهُ، فدخل ابن عباس عليه فقال: يا أمير المؤمنين هذا كعب يقول كذا وكذا؟ قال: إذاً ــ والله ــ لا أسأله . وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن يحيى بن عبد الرحمن بن لبيبة عن أبيه عن جده قال: جاء سعد بن أبي وقاص فقال: يا رب إن لي بنين صغاراً فأخِّر عني الموت حتى يبلغوا، فأخر عنه الموت عشرين سنة . وأخرج أحمد عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : من سره النسأ في الأجل والزياده في الرزق فليصل رحمه " . تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم " حديث : من ولي من أمر أمتي شيئاً فحسنت سريرته رزق الهيبة من قلوبهم، وإذا بسط يده لهم بالمعروف رزق المحبة منهم، وإذا وفر عليهم أموالهم وفر الله عليه ماله، وإذا أنصف الضعيف من القوي قوّى الله سلطانه، وإذا عدل مدَّ في عمره " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: من اتقى ربه ، ووصل رحمه، نسىء له في عمره، وربا ماله، وأحبه أهله .

ابو السعود

تفسير : {وَلِكُلّ أُمَّةٍ} من الأمم المُهلَكة {أَجَلٌ} حدٌّ معينٌ من الزمان مضروبٌ لِمَهلِكهم {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ} إن جعل الضميرُ للأمم المدلولِ عليها بكل أمة فإظهارُ الأجل مضافاً إليه لإفادة المعنى المقصودِ الذي هو بلوغُ كلِّ أمةٍ أجلَها الخاصَّ بها ومجيئِه إياها بواسطة اكتسابِ الأجل بالإضافة عموماً يفيده معنى الجمعية كأنه قيل: إذا جاءهم آجالُهم بأن يجيء كلَّ واحدة من تلك الأمم أجلُها الخاصُّ بها، وإن جُعل لكل أمةٍ خاصةً كما هو الظاهرُ فالإظهارُ في موقع الإضمارِ لزيادة التقريرِ، والإضافةُ إلى الضمير لإفادة أكملِ التميـيزِ أي إذا جاءها أجلُها الخاصُّ بها. {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} عن ذلك الأجلِ {سَاعَةً} أي شيئاً قليلاً من الزمان فإنها مَثلٌ في غاية القلة منه لا يتأخرون أصلاً، وصيغةُ الاستفعال للإشعار بعجزهم وحِرمانهم عن ذلك مع طلبهم له {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي ولا يتقدمون عليه وهو عطفٌ على يستأخرون لكن لا لبـيان انتفاءِ التقدمِ مع إمكانه في نفسه كالتأخر، بل للمبالغة في انتفاء التأخّرِ بنظمه في سلك المستحيلِ عقلاً كما في قوله سبحانه: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } تفسير : [النساء، الآية 18] فإن من مات كافراً مع ظهور أن لا توبةَ له رأساً قد نُظم في عدم القبولِ في سلك مَنْ سوّفها إلى حضور الموتِ إيذاناً بتساوي وجودِ التوبة حينئذ وعدمِها بالمرة. وقيل: المرادُ بالمجيء الدنوُّ بحيث يمكن التقدمُ في الجملة كمجيء اليومِ الذي ضُرب لهلاكهم ساعةٌ فيه وليس بذاك. وتقديمُ بـيانِ انتفاءِ الاستئخار لما أن المقصودَ بالذات بـيانُ عدمِ خلاصِهم من العذاب، وأما ما في قوله تعالى: {أية : مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأخِرُونَ} تفسير : [الحجر، الآية 5] من سبْق السبْقِ في الذكر فلِما أن المرادَ هناك بـيانُ تأخيرِ إهلاكِهم مع استحقاقهم له حسبما ينبىء عنه قولُه تعالى: {أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }تفسير : [الحجر، الآية 3] فالأهمُّ هناك بـيانُ انتفاءِ السبْق. {يا بني آدم} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى كافة الناس اهتماماً بشأن ما في حيّزه {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} هي إنْ الشرطيةُ ضُمَّت إليها (ما) لتأكيد معنى الشرطِ، ولذلك لزِمت فعلَها النونُ الثقيلةُ أو الخفيفةُ، وفيه تنبـيه على أن إرسالَ الرسلِ أمرٌ جائزٌ لا واجبٌ عقلاً {رُسُلٌ مّنكُمْ} الجارُّ متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ لرسلٌ أي كائنون من جنسكم، وقولُه تعالى: {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِى} صفةٌ أخرى لرسلٌ أي يبـيِّنون لكم أحكامي وشرائعي، وقولُه تعالى: {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} جملةٌ شرطيةٌ وقعت جواباً للشرط أي فمن اتقى منكم التكذيبَ وأصلح عملَه فلا خوف الخ، وكذا قولُه تعالى:

القشيري

تفسير : لكلِّ قوم مدةٌ مضروبةٌ، فإذا تناهت تلك المدة زالت تلك الحالة؛ فلنعمةِ المُتْرَفِين مُدَّةٌ، فإذا زالت فليس بعدها إلا الشِّدّة، ولمحنةِ المستضعفين مدةٌ فإذا انقضت تلك المدة زالت تلك الشدة. ويقال إذا سقط قرصُ الشمس زال سلطانُ النهار فلا يزداد بعده إلا تراكم الظلمة، فإذا ارتحلت عساكرُ الظلام بطلوع الفجر فبعد ذلك لا تبقى فيه للنهار تهمةٌ.

الطوسي

تفسير : قيل الفرق بين أن تقول: ولكل أمة أجل، وبين ولكل أحد أجل من وجهين: أحدهما - أن ذكر الأمَّة يقتضي تقارب أعمار أهل العصر. والثاني - أنه يقتضي إِهلاكهم في الدنيا بعد إِقامة الحجة عليهم باتيان الرسل. والامة الجماعة التي يعمها معنى. وأصله أمه يؤمه إِذا قصده، فالأمَّة الجماعة التي على مقصد واحد. والأجل الوقت المضروب لانقضاء المهل، لأن بين العقد الأول الذي يضرب لنفس الأجل، وبين الوقت الآخر مهلا، مثل أجل الدين، وأجل الوعد، وأجل العمر. وقال أبو علي الجبائي: في الآية دلالة على أن الأجل واحد، لأنه لا يجوز أن يكون الظالم بقتل الانسان قد اقتطعه عن أجله. وقال أبو بكر ابن الاخشيد: ليس الأمر على ذلك لانها قد دلت أنه غير هذا على الاجلين. وقوله {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} معنى لا يستأخرون، لا يتأخرون، وإِنما قيل لا يستأخرون من أجل أنهم لا يطلبون التأخر، فهو أبلغ في المعنى من لا يتأخرون، لأن الاستئخار طلب التأخر. وقوله {ولا يستقدمون} معناه لا يتقدمون، والمعنى اذا قرب أجلهم لا يطلبون التقدم ولا التأخر، لأن بعد حضور الأجل ونزول الاملاك يستحيل منهم طلب ذلك، كما يقال جاء الشتاء وجاء الصيف إِذا قارب وقته لأنه متوقع كتوقعه.

الجنابذي

تفسير : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} كأنّه قال فكلّ من المؤمنين ومرتكبى الفواحش والاثم والبغى والمشرك والقائل على الله ما لا يعلم امّة قاصدة جهة من جهات الآخرة وليس لواحدةٍ منهم البقاء فلا يتّكلوا على قلائل ايّامهم لانّ لكلّ امّة اجلاً {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} اى اذا قدّر وعيّن مجئ اخر وقتهم للموت او مدّة عمرهم لا يتأخّرون اقصر وقتٍ ولا يتقدّمون لخروج ذلك عن اختيارهم، اولا يطلبون التّأخّر والتّقدّم لعدم علمهم بذلك الوقت، او لعلمهم بانّه خارج عن اختيارهم او اذا قارن مجئ اجلهم لا يطلبون ذلك لدهشتهم وهو عيد وتمهيد لقوله تعالى {يَابَنِيۤ آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي}.

اطفيش

تفسير : {ولكلِّ أمةٍ} عصوا الله وكذبوا رسلهم {أجلٌ} أخفاه الله عنهم، يعذبهم فيه ويستأصلهم، كقوم نوح وقوم لوط، وقد كذبتم فلكم أجل، وقد قطع دابرهم يوم بدر، فذلك تهديد لأهل مكة، أو الأجل أجل الموت وهو موت كل أحد من الأمة الواحدة، وعليه فإنما أفرد الأجل لتقارب أعمار أهل كل عصر، كأنها عمر واحد، نعم مع دلالة قوله: {كل أمة} فكأنكم يا أهل مكة موتى وعالمون بما أعد لكم، وأنكم على غير شىء، وملاقون أول العذاب الأخروى أو استعمال النكرة المثبتة فى الجنس للدلالة المذكورة. {فإذا جاء أجَلُهم} فى الإفراد ما مر، مع أن الإضافة أكثر تسويغا له، وقرأ الحسن وابن سيرين: فإذا جاء آجالهم بالجمع، قال أبو الفتح: وهى أظهر، وهى دليل على أن الأجل أجل الموت {لا يسْتأخِروُنَ ساعةً} عنه {ولا يسْتَقدمُونَ} السين للتأكيد، أى لا يتأخرون تأخراً قليلا ولا كثيراً، ولا يتقدمون كذلك، والمقتول عندنا معشر الأباضية، وعند أهل السنة ميت لأجله غير متقدم، وزعم بعض الناس أنه متقدم وهو خطأ، فإن الله سبحانه قد قضى أنه يموت فى ذلك الوقف بسيف فلان مثلا، والمراد بالساعة ما يعم أقل قليل من الزمان كلحظة وما دونها، وإن أريد الساعة الواسعة كمقدار الساعة الفلكية وأكثر وأقل، فذلك تمثيل بما يعدونه قليلا لا قيد، فإنه لا تأخر ولا تقدم ولو أقل قليل. وقوله: {ولا يستقدمون} مستأنف، فإن التقدم مع بقاء إلى حضور الأجل متناقض غير ممكن، فلا يحتاج الكلام إلى نفيه إلا أن يقال: المراد أنه إذا جاء أجلهم تبين أنهم ما استأخروا عنه ولا تقدموا كقوله: شعر : إذا ما انتسبنا لم تلدنى لئيمة تفسير : أى تبين لك أنى لم تلدنى لئيمة، كذا ظهر فافهم، أو يقال: المراد أنه إذا حضرت أمارة أجلهم ومقدماته لم يتأخروا ولم يتقدموا، وأما قول بعض: إن العطف على الشرط فليسه بمزيل للأشعار، وكذا جعلها حالا من أجل أو غيره، ويجوز إبقاء السين على أصلها من الطلب، أى لا يطلبون التقديم ولا التأخير لشدة الهول أو لإياسهم.

اطفيش

تفسير : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} مكذبة من الأُمم السابقة المعذبة استئصالا كقوم هود وقوم صالح وقوم إِبراهيم وقوم لوط، فالأُمة مقيدة بالعذاب فلا يقال أَنه ليس كل أَمة معذبة إذ كان من الأَمم السابقة من لم يعذبه بالاستئصال، وكذا هذه الأَمة {أَجَلٌ} مدة إِذا انتهت نزل تعذيبهم، أَو الأَجل آخر المدة، ويدل له قوله عز وجل {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} أَحل كل أَمة فإِنهم لا يعذبون لمجئِ المدة بل لانتهائها، ولكن جاز حمل الأَجل على المدة كلها باعتبار مجىءِ المدة كلها، وإِذا لم تتم فما جاءَ إِلا بعضها، وذكر الأَجل ثانيا بلفظ المعرفة يؤذن على الغالب بأَنه الأَول، ويجوز على غير الغالب أن يراد بالأَول المدة وبالثاني آخرها، والآية تخويف لكفار مكة، ولو كان المراد بالأَجل عمر كل أَحد لقال ولكل أَحد، ولو جاز أَن يكون المعنى ولكل فرد من كل أَمة أَجل لموته كما فى الجمع نحو جاءَ الزيدون أَو الزيود من إِرادة الأَفراد لكن تخويف الكفار بالعذاب أَنسب من تخويفهم بموت كل أَحد لأَجله {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} عنه {سَاعَةً} لحظة أَو أَقل، والساعة فى فن المنجمين إِما مستوية وتسمى فلكية خمس عشرة درجة ومعوجة وتسمى زمانية وهى نصف سدس من النهار أَو الليل، ويستعمل الأَولى أَهل الحساب غالباً، والثانية الفقهاء وأهل الطلاسم ونحوهم، وجملة الليل والنهار أَربع وعشرون ساعة معوجة أو مستوية، وكل من الليل والنهار لا يزيد ولا ينقص عن انثنى عشر ساعة معوجة أبدا، ولهذا تطول وتقصر وتساوى الساعة المستوية عند استواء الليل والنهار وقوله {وَلاَ يَسْتَقْدِمُون} عنه ساعة عطف على إِذا ومدخولها لا على مدخولها لأَنه لو عطف على مدخولها لكانت إِذا قيداً فيه ومعنى له إِذ لا يتوهم أَحد أَنه إِذا جاءَ الأَجل أَمكن تقديمه، وزعم بعض أَنه يجوز عطفه على لا يستأخرون لا لبيان انتفاء التقدم مع إِمكانه كالتأَخر، بل للمبالغة فى انتقاء التأَخر بنظمه فى سلك المستحيل الذى هو إِمكان التقدم مع حضور الأَجل، ويجوز أَن يفسر مجئ الأَجل بقرب حضوره فيمكن حينئذ التقدم لأَنه لم يحضر الأَجل بل قرب حضوره فيجوز العطف على يستأخرون، ومعنى الاستفعال هنا التفعل أَى لا يتأخرون ولا يتقدمون، أَو الطلب أَى لا يطلبون التأخر ولا التقدم لشدة الهول، ثم إِن الآية كناية عن عدم استطاعتهم تغيير الأَجل، أَريد لازم معناه فقط لا ما وضع له اللفظ، أَلا ترى أَنهم لا يليق بهم أَن يطلبوا تقديم العذاب، اللهم إِلا أَن يقال أَشارت الآية إِلى استعجالهم العذاب فى مثل قولهم {أية : فأَمطر علينا حجارة من السماء أَو ائتنا بعذاب أَليم}تفسير : [الأَنفال: 32] أَى لا يقولون ذلك إِذا جاءَ بل قالوه حال الرخاء.

الالوسي

تفسير : {وَلِكُلّ أُمَّةٍ } من الأمم المهلكة {أَجَلٌ } أي وقت معين مضروب لاستئصالهم ـ كما قال الحسن ـ. وروي ذلك عن ابن عباس ومقاتل. وهذا كما قيل وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل / معلوم عند الله تعالى كما نزل بالأمم قبلهم ورجوع إلى الحث على الاتباع بعد الاستطراد الذي قاله البعض. وقد روعي نكتة في تعقيبه تحريم الفواحش حيث ناسبه أيضاً. وفسر بعضهم الأجل هنا بالمدة المعينة التي أمهلوها لنزول العذاب، وفسره آخرون بوقت الموت وقالوا: التقدير ولكل أحد من أمة، وعلى الأول لا حاجة إلى التقدير. {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ } الضمير ـ كما قال بعض المحققين ـ إما للأمم المدلول عليها بكل أمة وإما لكل أمة، وعلى الأول فإظهار الأجل مضافاً إلى ذلك الضمير لإفادة المعنى المقصود الذي هو بلوغ كل أمة أجلها الخاص بها ومجيؤه إياها بواسطة اكتساب الأجل بالإضافة عموماً يفيده معنى الجمعية كأنه قيل: إذا جاء آجالهم بأن يجيء كل واحد من تلك الأمم أجلها الخاص بها. وعلى الثاني وهو الظاهر فالإظهار في موقع الاضمار لزيادة التقرير والإضافة لإفادة أكمل التمييز. وقرأ ابن سيرين {آجالهم} بصيغة الجمع واستظهرها ابن جني وجعل الإفراد لقصد الجنسية والجنس من قبيل المصدر وحسنه الإضافة إلى الجماعة. والفاء قيل: فصيحة وسقطت في آية يونس [94] لما سنذكره إن شاء الله تعالى هناك. والمراد من مجيء الأجل قربه أو تمامه أي إذا حان وقرب أو انقطع وتم. {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} عنه {سَاعَةِ } قطعة من الزمان في غاية القلة. وليس المراد بها الساعة في مصطلح المنجمين المنقسمة إلى ساعة مستوية وتسمى فلكية هي زمان مقدار خمس عشرة درجة أبداً، ومعوجة وتسمى زمانية هي زمان مقدار نصف سدس النهار أو الليل أبدا، ويستعمل الأولى أهل الحساب غالباً والثانية الفقهاء وأهل الطلاسم ونحوهم. وجملة الليل والنهار عندهم أربع وعشرون ساعة أبداً سواء كانت الساعة مستوية أو معوجة إلا أن كلاً من الليل والنهار لا يزيد على اثنتي عشرة ساعة معوجة أبداً. ولهذا تطول وتقصر، وقد تساوي الساعة المستوية وذلك عند استواء الليل والنهار والمراد لا يتأخرون أصلا. وصيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم وحرمانهم عن ذلك مع طلبهم له. {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } أي ولا يتقدمون عليه. والظاهر أنه عطف على {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ } كما أعربه الحوفي وغيره. واعترض بأنه لا يتصور الاستقدام عند مجيئه فلا فائدة في نفيه بل هو من باب الإخبار بالضروري كقولك: إذا قمت فيما يأتي لم يتقدم قيامك فيما مضى، وقيل: إنه معطوف على الجملة الشرطية لا الجزائية فلا يتقيد بالشرط. فمعنى الآية لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون عنه ولكل أمة أجل لا يستقدمون عليه. وتعقبه مولانا العلامة السيالكوتي بأنه لا يخفى أن فائدة تقييد قوله تعالى: {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ } فقط بالشرط غير ظاهرة وإن صح بل المتبادر إلى الفهم السليم ما تقدم. وفيه تنبيه على أن الأجل كما يمتنع التقدم عليه بأقصر مدة هي الساعة كذلك يمتنع التأخر عنه وإن كان ممكناً عقلاً فإن خلاف ما قدره الله تعالى وعلمه محال والجمع بين الأمرين فيما ذكر كالجمع بين من سوف التوبة إلى حضور الموت ومن مات على الكفر في نفي التوبة عنه في قوله تعالى: { أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَيئَات } تفسير : [النساء: 18] الآية. ولعل هذا مراد من قال: إنه عطف على الجزاء بناء على أن يكون معنى قوله تعالى: {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ... وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } لا يستطيعون تغييره على نمط قوله تعالى: { أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُبِين } تفسير : [الأنعام: 59] وقولهم: كلمته فما رد على سوداء ولا بيضاء فلا يرد ما قيل، وأنت خبير بأن هذا المعنى حاصل بذكر الجزاء بدون ذكر {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } والحق العطف على الجملة الشرطية، وفي «شرح المفتاح» القيد إذا جعل جزأ / من المعطوف عليه لم يشاركه المعطوف فيه ومثل بالآية، وعليه لا محذور في العطف على {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ } لعدم المشاركة في القيد؛ وأنت تعلم أنهم ذكروا في هذا الباب أنه إذا عطف شيء على شيء وسبقه قيد يشارك المعطوف المعطوف عليه في ذلك القيد لا محالة، وأما إذا عطف على ما لحقه قيد فالشركة محتملة فالعطف على المقيد له اعتباران. الأول: أن يكون القيد سابقاً في الاعتبار والعطف لاحقاً فيه. والثاني: أن يكون العطف سابقاً والقيد لاحقاً، فعلى الأول لا يلزم اشتراك المعطوفين في القيد المذكور إذ القيد جزء من أجزاء المعطوف عليه، وعلى الثاني يجب الاشتراك إذ هو حكم من أحكام الأول يجب فيه الاشتراك. وبعضهم بنى العطف هنا على أن المراد بالمجيء الدنو بحيث يمكن التقدم في الجملة كمجيء اليوم الذي ضرب لهلاكهم ساعة منه وليس بذاك، وتقديم بيان انتفاء الاستئخار ـ كما قيل ـ لما أن المقصود بالذات بيان عدم خلاصهم من العذاب، وأما في قوله تعالى: { أية : مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـأخِرُونَ } تفسير : [الحجر: 5 والمؤمنون: 43] من سبق السبق في الذكر فلما أن المراد هناك بيان سر تأخير إهلاكهم مع استحقاقهم له حسبما ينبىء عنه قوله سبحانه: { أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الحجر: 3] فالأهم هناك بيان انتفاء السبق.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض بين جملة: {أية : يا بني آدم خذوا زينتكم} تفسير : [الأعراف: 31] وبين جملة: {أية : يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم} تفسير : [الأعراف: 35] لمّا نعى الله على المشركين ضلالهم وتمرّدهم. بعد أن دعاهم إلى الإيمان، وإعراضَهم عنه، بالمجادلة والتّوبيخ وإظهارِ نقائصهم بالحجّة البيّنة، وكان حالهم حال من لا يقلع عمّا هم فيه، أعقَب ذلك بإنذارهم ووعيدهم إقامةً للحجّة عليهم وإعذاراً لهم قبل حلول العذاب بهم. وهذه الجملة تؤكّد الغرض من جملة: {أية : وكم من قرية أهلكناها} تفسير : [الأعراف: 4] وتحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون المقصود بهذا الخبر المشركين، بأن أقبل الله على خطابهم أو أمر نبيئه بأن يخاطبهم، لأنّ هذا الخطاب خطاب وعيد وإنذار. والمعنى الثّاني: أن يكون المقصود بالخبر النبيء صلى الله عليه وسلم فيكون وعداً له بالنّصر على مكذّبيه، وإعلاماً له بأنّ سنّته سنّةُ غيره من الرّسل بطريقة جعل سنّة أمّته كسنّة غيرها من الأمم. وذكْرُ عموم الأمم في هذا الوعيد، مع أنّ المقصود هم المشركون من العرب الذين لم يؤمنوا، إنّما هو مبالغة في الإنذار والوعيد بتقريب حصوله كما حصل لغيرهم من الأمم على طريقة الاستشهاد بشواهد التّاريخ في قياس الحاضر على الماضي فيكون الوعيد خبراً معضوداً بالدّليل والحجّة، كما قال تعالى في آيات كثيرة منها: {أية : قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} تفسير : [آل عمران: 137] أي: ما أنتم إلاّ أمة من الأمم المكذّبين ولكلّ أمّة أجل فأنتم لكم أجل سيحين حينه. وذِكر الأجل هنا، دون أن يقول لكلّ أمّة عذاب أو استئصال، إيقاظاً لعقولهم من أن يغرّهم الإمهال فيحسبوا أنّ الله غيرُ مؤاخذهم على تكذيبهم، كما قالوا: {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : [الأنفال: 32]، وطمأنةً للرسول عليه الصّلاة والسلام بأنّ تأخير العذاب عنهم إنّما هو جري على عادة الله تعالى في إمهال الظّالمين على حدّ قوله: {أية : حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذّبوا جاءهم نصرنا} تفسير : [يوسف: 110] ــــ وقوله ــــ {أية : لا يغرنَّك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل} تفسير : [آل عمران: 196، 197]. ومعنى: {لكل أمة أجل} لكلّ أمّة مكذّبة إمهال فحذف وصف أمّة أي: مكذّبة. وجعل لذلك الزّمان نهاية وهي الوقت المضروب لانقضاء الإمهال، فالأجل يطلق على مدّة الإمهال، ويُطلق على الوقت المحدّد به انتهاء الإمهال، ولا شكّ أنّه وُضع لأحد الأمرين ثمّ استعمل في الآخرة على تأويل منتهى المدّة أو تأخير المنتهى وشاع الاستعمالان. فعلى الأوّل يقال قَضى الأجلَ أي المدّة كما قال تعالى: {أية : أيَّما الأجلين قضيت} تفسير : [القصص: 28] وعلى الثّاني يقال: «دنا أجل فلان» وقوله تعالى: {أية : وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} تفسير : [الأنعام: 128] والواقع في هذه الآية يصحّ للاستعمالين بأن يكون المراد بالأجل الأوّل المدّة، وبالثّاني الوقت المحدّد لفعللٍ مَّا. والمراد بالأمّة هنا الجماعة التي اشتركت في عقيدة الإشراك أو في تكذيب الرّسل، كما يدلّ عليه السّياق من قوله تعالى: {أية : وأن تشركوا بالله} تفسير : [الأعراف: 33] إلخ وليس المراد بالأمّة، الجماعةَ التي يجمعها نسب أو لغة إذ لا يتصوّر انقراضها عن بكرة أبيها، ولم يقع في التّاريخ انقراض إحداها، وإنّما وقع في بعض الأمم أن انقرض غالب رجالها بحوادث عظيمة مثل (طَسْمٍ) و(جَدِيس) و(عَدْوَان) فتندمج بقاياها في أمم أخرى مجاورة لها فلا يقال لأمّة إنّ لها أجلا تنقرض فيه، إلاّ بمعنى جماعة يجمعها أنّها مُرسل إليها رسول فكذّبته، وكذلك كان ما صْدَق هذه الآية، فإنّ العرب لمّا أرسل محمّد صلى الله عليه وسلم ابتدأ دعوته فيهم ولهم، فآمن به من آمن، وتَلاحق المؤمنون أفواجاً، وكذّب به أهل مكّة وتبعهم مَن حولهم، وأمهل الله العربَ بحكمته وبرحمة نبيّه صلى الله عليه وسلم إذ قال: «حديث : لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده» تفسير : فلطف الله بهم إذ جعلهم مختلطين مؤمنهم ومشركهم، ثمّ هاجر المؤمنون فبقيت مكّة دار شرك وتمحّض مَنْ عَلِم الله أنّهم لا يؤمنون فأرسل الله عليهم عبادَهُ المؤمنين فاستأصلوهم فوْجاً بعد فوح، في يوم بدر وما بعده من أيّام الإسلام، إلى أن تَم استئصال أهل الشّرك بقتل بقيّة من قتل منهم في غزوة الفتح، مثل عبد الله بن خَطَل ومن قُتل معه، فلمّا فتحت مكّة دان العرب للإسلام وانقرض أهل الشّرك، ولم تقم للشّرك قائمة بعد ذلك، وأظهر الله عنايته بالأمّة العربيّة إذ كانت من أوّللِ دعوة الرّسول غير متمحّضة للشّرك، بل كان فيها مسلمون من أوّل يوم الدّعوة، وما زالوا يتزايدون. وليس المراد في الآية، بأجل الأمّة، أجلَ أفرادها، وهو مدّة حياة كلّ واحد منها، لأنّه لا علاقة له بالسّياق، ولأنّ إسناده إلى الأمّة يعيّن أنّه أجل مجموعها لا أفرادها، ولو أريد آجال الأفراد لقال لكلّ أحد أو لكلّ حَيّ أجل. و{إذا} ظرف زمان للمستقبل في الغالب، وتتضمّن معنى الشّرط غالباً، لأنّ معاني الظّروف قريبَة من معاني الشّرط لما فيها من التّعليق، وقد استُغني بفاء تفريع عامل الظرّف هنا عن الإتيان بالفاء في جواب (إذا) لظهور معنى الرّبط والتّعليق بمجموع الظّرفية والتّفريع، والمفرعُ هو: {جاء أجلهم} وإنّما قدم الظّرف على عامله للاهتمام به ليتأكدّ بذلك التّقديممِ معنى التّعليق. والمجيء مجاز في الحلول المقدَّر له كقولهم جاء الشّتاء. وإفراد الأجل في قوله: {إذا جاء أجلهم} مراعى فيه الجنس، الصّادق بالكثير، بقرينة إضافته إلى ضمير الجمع. وأُظهر لفظ أجل في قوله: {إذا جاء أجلهم} ولم يُكتف بضميره لزيادة تقرير الحكم عليه، ولتكون هذه الجملة مستقلّة بنفسها غير متوقّفة عن سماع غيرها لأنّها بحيث تَجْري مَجرى المثل، وإرسالُ الكلام الصّالح لأن يكون مَثلا طريق مِن طُرق البلاغة. و{يستأخرون}: و{يستقدمون} بمعنى: يتأخّرون ويتقدّمون، فالسّين والتّاء فيهما للتّأكيد مثل استجاب. والمعنى: إنّهم لا يتجاوزونه بتأخير ولا يتعجّلونه بتقديم. والمقصود أنّهم لا يؤخّرون عنه، فَعَطْفُ {ولا يستقدمون} لبيان أن ما علمه الله وقدّره على وفق علمه لا يَقْدِر أحد على تغييره وصَرفه، فكان قوله: {ولا يستقدمون} لا تعلّق له بغرض التّهديد. وقريب من هذا قول أبي الشيص:شعر : وقف الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي مُتَأخَّرٌ عَنْهُ وَلاَ مُتَقَدَّم تفسير : وكلّ ذلك مبني على تمثيل حالة الذي لا يستطيع التّخلّص من وعيد أو نحوه بهيئة من احتُبس بمكان لا يستطيع تجاوزه إلى الأمام ولا إلى الوراء.

القطان

تفسير : الامة: الجماعة. الأجل: مدة الشيء ووقته. الساعة: الوقت القصير. بعد ان بيّن تعالى المحرماتِ على بني آدم، ذكر هنا حال الأمم وأنها مهما طال امدها فانها ذاهبة، {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} اي أمدٌ ونهاية معلومة { فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ....} فاذا جاء ذلك الوقت الّذي وقَّته الله لنهايتهم - ذهبوا، لا يتأخّرون عنه ولا يتقدّمون حتى وقتاً قصيرا. والأجلُ المضروب إما أجَلُ كل جيل من الناس بالموت المعروف الذي يُنهي الحياة، واما أجلُ كل أمةٍ من الأمم بمعنى الأمدِ المقدَّر لقوّتها في الارض. وسواء كان المعنيّ هذا الأجَل أو ذلك فإنه مرسوم محدَّد.

د. أسعد حومد

تفسير : (34) - جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلاً وَمِيقَاتاً قَدَّرَهُ لِهَلاكِهِمْ. فَإِذَا جَاءَ الأَجَلُ الذِي حَدَّدَهُ اللهُ لِهَلاَكِهِمْ، وَحُلُولِ العِقَابِ بِهِمْ، أَخَذَهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ إِبْطَاءً وَلاَ تَعَجُّلاً وَلَوْ سَاعَةً وَاحِدَةً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نحن هنا أمام نص قرآني تثبته قضايا الوجود الواقعي؛ فالذين سفكوا، وظلموا، وانتهكوا الأعراض، وأخذوا الأموال. لم يدم لهم ذلك، بل أمد الله لهم في طغيانهم، وأخذهم به أخذ عزيز مقتدر. ولو أراد خصومهم الانتقام منهم لما وصلوا إلى أدنى درجات انتقام السماء. ويجري الحق هذا الانتقام من الطغاة لصيانة سلامة المجتمع. فإن رأيت فساداً أو طغياناً إياك أن تيأس؛ لأن الحق سبحانه قد أوضح أن لكل أمة أجلاً، بداية ونهاية، ففي أعمارنا القصيرة رأينا أكثر من أمة جاء أجلها. إذن فكل طاغية يجب أن يتمثل هذه الآية: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34] والأجل لكل أمة معروف عند الله؛ لأن الباطل والظلم إن لم يعض الناس عضة تجعلهم يصرخون فهم لا يستشرفون إلى الحق ولا يتطلعون إليه، والألم وسيلة العافية لأنه يؤكد لك أن وضعك غير طبيعي، وعلى ذلك فالمسائل التي تحدث في الكون وهذه الأمم التي تظلم. وتضطهد. ولها جبروت وطغيان إنما تفعل ذلك إلى أجل معلوم. فإياك أن تيأس، ولكن عليك أن تستشرف إلى الحق. وإلى جناب الله فتلوذ به وحده، ولذلك نجد أكثر الناس الذين حدثت لهم هذه الأحداث لم يجدوا إلا واحة الإِيمان بالله؛ ففروا إلى بيته حجاجاً وإلى مساجده عمارًّا وإلى قراءة قرآنه ذكراً. وننظر إلى هذه الأمور ونقول: إن الطاغية الفاجر مهما فعل فلابد أن يسخره الله لخدمة دينه، وهناك أناس لولا أن الدهر عضهم وأخنى عليهم كأن سلط عليهم ظالماً لما فروا إلى الله بحثاً عن نجاة، ولما التفتوا لربنا عبادة. إن في واقع حياتنا يعرف كل منا أناساً، كان الواحد منهم لا يعبد ربه فلا يصلي ولا يصوم ولا يذكر ربه، ثم جاءت له عضة من ظالم فيلجأ الإِنسان المعضوض إلى الله عائذاً به ملتجئا إليه، ولذلك نقول للظالم: والله لوعرفت ماذا قدمت أنت لدين الله، ولم تأخذ عليه ثواباً لندمت، فأنت قد قدمت لدين الله عصبة ممن كانوا من غير المتدينين به. ولو أنك تعلم ما يأتي به طغيانك وظلمك وجبروتك من نصر لدين الله لما صنعته أنت، إنّ لكل أمة أجلاً، فإن كنت ظالماً وعلى رأس جماعة ظالمة فلذلك نهاية. وانظر إلى التاريخ تجد بعض الدول أخذت في عنفوانها وشدتها سيادة على الشعوب، ثم بعد فترة من الزمن تحل بها الخيبة وتأتي السيطرة عليها من الضعاف؛ لأن هذا هو الأجل. إن الحق يعمي بصائرهم في تصرف، يظنون أنه يضمن لهم التفوق فإذا به يجعل الضعيف يغلبهم ويسيطر عليهم. وإذا جاء الأجل فلا أحد يستطيع تأخيره؛ لأن التوقيت في يد قيوم الكون، وهم أيضاً لا يستقدمون هذا الأجل، ونلحظ هنا وجود كلمة "ساعة"، والساعة لها اصطلاح عصري الآن من حيث إنها معيار زمني لضبط المواقيت، ونعلم أن اليوم مقسم إلى أربع وعشرين ساعة، والأقل من الساعة الدقيقة، والأقل من الدقيقة الثانية، والأكبر من الساعة هو اليوم. ومن يدري فقد يخترع البشر آلاتٍ لضبط الجزء من الثانية. وكذلك تطلق الساعة على قيام القيامة. ويقول الحق بعد ذلك: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وقد أخرج اللّه بني آدم إلى الأرض، وأسكنهم فيها، وجعل لهم أجلا مسمى لا تتقدم أمة من الأمم على وقتها المسمى، ولا تتأخر، لا الأمم المجتمعة ولا أفرادها.