٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أحوال التكليف وبين أن لكل أحد أجلاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر بين أنهم بعد الموت كانوا مطيعين فلا خوف عليهم ولا حزن وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب وقوله: {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ } هي إن الشرطية ضمت إليها ما مؤكدة لمعنى الشرط ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة وجزاء هذا الشرط هو الفاء وما بعده من الشرط والجزاء، وهو قوله: {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ } وإنما قال رسل وإن كان خطاباً للرسول عليه الصلاة والسلام وهو خاتم الأنبياء عليه وعليهم السلام لأنه تعالى أجرى الكلام على ما يقتضيه سنته في الأمم وإنما قال: {مّنكُمْ } لأن كون الرسول منهم أقطع لعذرهم وأبين للحجة عليهم من جهات: أحدها: أن معرفتهم بأحواله وبطهارته تكون متقدمة. وثانيها: أن معرفتهم بما يليق بقدرته تكون متقدمة فلا جرم لا يقع في المعجزات التي تظهر عليه شك وشبهة في أنها حصلت بقدرة الله تعالى لا بقدرته فلهذا السبب قال تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً }تفسير : [الأنعام: 9]. وثالثها: ما يحصل من الألفة وسكون القلب إلى أبناء الجنس، بخلاف ما لا يكون من الجنس، فإنه لا يحصل معه الألفة. وأما قوله: {يَقُصُّونَ عَلِيمٌ ءايَـٰتِي } فقيل تلك الآيات هي القرآن وقيل الدلائل، وقيل الأحكام والشرائع والأولى دخول الكل فيه، لأن جميع هذه الاْشياء آيات الله تعالى لأن الرسل إذا جاؤا فلا بد وأن يذكروا جميع هذه الأقسام، ثم قسم تعالى حال الأمة فقال: {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ } وجمع هاتين الحالتين مما يوجب الثواب لأن الملتقي هو الذي يتقي كل ما نهى الله تعالى عنه، ودخل في قوله: {وَأَصْلَحَ } أنه أتى بكل ما أمر به. ثم قال تعالى في صفته: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } أي بسبب الأحوال المستقبلة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } أي بسبب الأحوال الماضية لأن الإنسان إذا جوز وصول المضرة إليه في الزمان المستقبل خاف وإذا تفكر فعلم أنه وصل إليه بعض ما لا ينبغي في الزمان الماضي، حصل الحزن في قلبه، لهذا السبب والأولى في نفي الحزن أن يكون المراد أن لا يحزن على ما فاته في الدنيا، لأن حزنه على عقاب الآخرة يجب أن يرتفع بما حصل له من زوال الخوف، فيكون كالمعاد وحمله على الفائدة الزائدة أولى فبين تعالى أن حاله في الآخرة تفارق حاله في الدنيا، فإنه في الآخرة لا يحصل في قلبه خوف ولا حزن ألبتة، واختلف العلماء في أن المؤمنين من أهل الطاعات هل يلحقهم خوف، وحزن عند أهوال يوم القيامة فذهب بعضهم إلا أنه لا يلحقهم ذلك، والدليل عليه هذه الآية، وأيضاً قوله تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ }تفسير : [الأنبياء: 103] وذهب بعضهم إلى أن يلحقهم ذلك الفزع لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ } تفسير : [الحج: 2] أي من شدة الخوف. وأجاب هؤلاء عن هذه الآية: بأن معناه أن أمرهم يؤل إلى الأمن والسرور، كقول الطبيب للمريض: لا بأس عليك، أي أمرك يؤل إلى العافية والسلامة، وإن كان في الوقت في بأس من علته، ثم بين تعالى أن الذين كذبوا بهذه الآيات التي يجيء بها الرسل {وَٱسْتَكْبَرُواْ } أن أنفوا من قبولها وتمردوا عن التزامها {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } وقد تمسك أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة، لا يبقى مخلداً في النار، لأنه تعالى بين أن المكذبين بآيات الله والمستكبرين عن قبولها، هم الذين يبقون مخلدين في النار، وكلمة {هُمْ } تفيد الحصر، فذلك يقتضي أن من لا يكون موصوفاً بذلك التكذيب والاستكبار، لا يبقى مخلداً في النار، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَابَنِيۤ آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} شرط. ودخلت النون توكيداً لدخول «ما». وقيل: ما صلة، أي إن يأتكم. أخبر أنه يرسل إليهم الرسل منهم لتكون إجابتهم أقرب. والقصص إتباع الحديث بعضه بعضاً. {آيَاتِي} أي فرائضي وأحكامي. {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ} شرط، وما بعده جوابه، وهو جواب الأوّل. أي وأصلح منكم ما بيني وبينه. {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } دليل على أن المؤمنين يوم القيامة لا يخافون ولا يحزنون، ولا يلحقهم رعب ولا فزع. وقيل: قد يلحقهم أهوال يوم القيامة، ولكن مآلهم الأمن. وقيل: جواب {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} ما دلّ عليه الكلام، أي فأطيعوهم {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ} والقول الأوّل قول الزجاج.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰبَنِى ءَادَمَ إِمَّا } فيه إدغام نون «إن» الشرطية في «ما» المزيدة {يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰت فَمَنِ ٱتَّقَىٰ} الشرك {وَأَصْلَحَ } عمله {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } في الآخرة.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {حتى إذا ادّاركوا} كان يعقوب: إذا وقف على "إذا" يبتدىء {تداركوا} بالتاء. سهل: مخير، وكذلك قوله تعالى: {قلتم} {وقالوا إنا طيرنا} وافق الكسائي في {تثاقلتم} {أخراهم لأولاهم} بالإمالة الشديدة: إبراهيم بن حماد وحمزة وعلي وخلف. وقرأ أبو عمر وغير إبراهيم بن حماد {أولاهم} بالإمالة اللطيفة {أخراهم} بالإمالة الشديدة، وافق ورش من طريق النجاري والخزاز عن هبيرة في {أخراهم} بالإمالة الشديدة {فآتهم} بضم الهاء: رويس وكذلك كل كلمة سقطت الياء لعلة. إلا قوله:{أية : ومن يولهم} تفسير : [الأنفال: 6] {لا يعلمون} بياء الغيبة: أبو بكر وحماد {لا تفتح لهم} بتاء التأنيث والتخفيف: أبو عمرو. وقرأ حمزة وعلي وخلف بفتح ياء تحتانية وبالتخفيف. الباقون بتاء التأنيث والتشديد. {غواشي} بالياء في الوقف: يعقوب وكذلك كل كلمة سقطت الياء لأجل التنوين أو لاجتماع الساكنين وهو مذهب سهل من طريق ابن دريد، {ما كنا} بغير واو العطف: ابن عامر. الآخرون بالواو. {أورثتموها} وبابه بإدغام الثاء: أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام. الوقوف: {آياتي} لا لأن الفاء بعده لجواب الشرط {ولاهم يحزنون} ه {النار} ط {خالدون} ه {بآياته} ط {من الكتاب} ط {يتوفونهم} لا لأن ما بعده جواب "إذا". {من دون الله} ط {كافرين} ه {في النار} ط {أختها} ط {جميعاً} لا لما قلنا. {من النار} ط {لا يعلمون} ه {يكسبون} ه {الخياط} ط {المجرمين} ه {غواش} ج {الظالمين} ه {وسعها} ط وجعل {أولئك} خبراً للموصول أوجه بناء على أن قوله: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} معترضة {الجنة} ط {خالدون} ه {الأنهار} ط للعطف مع العارض. {اهدنا الله} ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى {بالحق} ط لابتداء النداء بأنها جزاء بعد انتهاء الحمد والثناء على أنها عطاء {تعملون} ه. التفسير: لما بيّن أحوال التكليف وأن لكل أحد أجلاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر بيّن أنهم بعد الموت إن كانوا قد قبلوا الشرائع الحقة فلا خوف عليهم ولا حزن، وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب فقال: {يا بني آدم إما يأتينكم} وإعرابه مثل ما مر في سورة البقرة{أية : فإما يأتينكم مني هدى}تفسير : [الآية: 38] والراجع محذوف أي فمن اتقى وأصلح منكم والذين كذبوا منكم. وإنما قال: {رسل منكم} لأن ذلك يكون أقطع لعذرهم وأقرب إلى الفهم والآنس. ومعنى أياتي أحكامي وشرائعي الدالة على صحة المبدأ والمعاد. ثم قطع شأن الجاحدين بقوله: {فمن أظلم من افترى على الله كذباً أو كذب بآياته} والأول الحكم بوجود ما لم يوجد كأقوال أصناف المشركين وطوائف المبتدعة. والثاني إنكار حكم وجد من نبي أو كتاب. ثم أخبر عن عاقبة أمرهم فقال {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} قيل: أي العذاب المعين من سواد الوجه وزرقة العين. وقال الزجاج: أي أنواع البلايا المعدة لكل صنف منهم من السلاسل والأغلال وغيرها على مقدار ذنوبهم، وقيل: هم اليهود والنصارى يجب علينا إذا كانوا في ذمتنا أن ننصفهم ولا نتعدى عليهم وأن نذب عنهم فذلك معنى النصيب. وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير أن النصيب هو ما سبق لهم في حكم الله تعالى ومشيئته من الشقاوة والسعادة والختم على الكفر والشرك، أو على الإيمان والتوحيد. وقال الربيع وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار كأنه سبحانه بيّن أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما قدر لهم من رزق وعمر تفضلاً من الله تعالى لكي يصلحوا ويتوبوا ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك {حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} وذلك أن "حتى" هي التي يبتدأ بعدها الكلام وأنه ههنا جملة شرطية فدل على أن مجيء الرسل المتوفين كالغاية، فحصول ذلك النصيب يكون مقدماً على حصول الوفاة وليس ذلك إلا العمر والرزق. ومحل {يتوفونهم} نصب على الحال من الرسل. قال ابن عباس: هم ملك الموت وأعوانه وإنهم يطالبون الكفار بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ. وقال الحسن والزجاج: إن هذا يكون في الآخرة والرسل ملائكة العذاب يتوفون عدّتهم عند حشرهم إلى النار أي يستكملون عدّتهم حتى لا ينفلت منهم أحد. قال في الكشاف: "ما" وقعت موصولة بأين في خط المصحف قلت: وإني رأيت النقل على العكس كما ذكرته في المقدمة السابقة من مقدمات الكتاب، ومعنى الآية أي الآلهة التي تدعون أي تعبدونهم وتدعونهم في الشدائد {قالوا} على سبيل الاعتراف والعود إلى الإنصاف {ضلوا عنا} أي غابوا وذهبوا ولم ننتفع بهم {وشهدوا على أنفسهم} بالاعتراف أو بشهادة الجوارح عند معاينة الموت {أنهم كانوا كافرين} ثم شرح بقية أحوال الكفار وذلك قوله: {قال} أي الله. وعن مقاتل هو من كلام خازن النار. وهذا مبني على أنه سبحانه لا يجوز أن يكلم الكفار وإن كان كلام سخط {ادخلوا في أمم} قيل: أي ادخلوا في النار مع أمم والأولى أن لا يلتزم الإضمار والمجاز. والمعنى ادخلوا كائنين في جملة أمم تقدم زمانهم زمانكم في النار. وفيه دليل على أن أصحاب النار لا يدخلون النار دفعة واحدة ولكن فيهم سابق ومسبوق {كلما دخلت أمة لعنت أختها} في الدين والعقيدة. فالمشرك يلعن المشرك، واليهودي يلعن اليهودي، والنصراني يلعن النصراني، وكذا المجوس وسائر أديان الضلالة وإذا لعنت نظيرها فلأن تلعن غيرها أولى {حتى إذا ادّاركوا فيها} أي تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار وأدرك بعضهم بعضاً واستقر معه {قالت أخراهم} أي آخرتهم دخولاً في النار {لأولاهم} دخولاً فيها أو أتباعهم وسفلتهم لرؤسائهم وقادتهم والمعنيان متلازمان عندي لأن المضل لا بد وأن يكون مقدماً على الضال في دخول النار. واللام بمعنى التعليل أي لأجل أولاهم وذلك لأن خطابهم مع الله لا معهم {ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم} الفاء للجزاء {عذاباً ضعفاً} أي مضاعفاً وذلك عذاب الضلال وعذاب الإضلال بالدعوة إلى الباطل وتزيينه في أعينهم والسعي في إخفاء الدلائل. قال أبو عبيدة: الضعف مثل الشيء مرة واحدة وهو قول الشافعي في رجل أوصى فقال: أعطوا فلاناً ضعف نصيب ولدي يعطى مثل نصيبه مرتين. وقال الأزهري: العرب تريد بالضعف المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين بدليل قوله عز من قائل: {أية : فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا}تفسير : [سبأ: 37] وأقل ذلك عشرة لقوله:{أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}تفسير : [الأنعام: 160] وإنما قال الشافعي ما قال لأن ذلك متقن وما فوقه مشكوك {قال} أي الله أو خازن النار {لكل} من القادة والأتباع {ضعف} أما للقادة فلما قلنا، وأما للأتباع فلأنهم عظموهم وقلدوهم وروّجوا أمرهم. سئل ههنا إن تضعيف العذاب للشخص الذي يستحق العذاب ظلم وأجيب في التفسير الكبير بأن عذاب الكفار مؤبد فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير النهاية. قلت: وهذا لا يختص بصنف من الكفار دون صنف ولا بشخص دون شخص فلا يصلح للجواب. والصواب أن يقال: معنى تضعيف عذاب التابع والمتبوع أن ذلك العذاب زائد على مقدار ما تستحقه تلك العقيدة لو حصلت لا من حيثية التابعية والمتبوعية والله أعلم {ولكن لا تعلمون} من قرأه على الغيبة فمعناه لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر لأن الاسم الظاهر يعود الضمير إليه على الغيبة، ومن قرأ على الخطاب فالمعنى لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل منكم من العذاب أو لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك. {وقالت أولاهم لأخراهم} إذ قد حكم الله بأن لكل منا ضعفاً {فما كان} أي فما ثبت {لكم علينا من فضل} لأنكم مؤاخذون بالاتباع كما نحن مؤاخذون بالاستتباع {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} يحتمل أن يكون من قول القادة وأن يكون من قول الله تعالى فيهم. قال في التفسير الكبير: قول القادة ليس لكم علينا فضل كذب لأن الرؤساء لهم عذاب الضلال وعذاب الإضلال والاتباع لهم عذاب الضلال فقط لكنه حكاية قول الكفار يوم القيامة والكذب عليهم جائز عندنا كقولهم:{أية : والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : [الأنعام: 23] قلت: إن سلمنا أن الكذب يجوز أن يصدر عنهم يوم القيامة إلا أن هذا الكلام لا يجوز أن يكون كاذباً لأنهم بنو كلامهم على حكم الله سبحانه بأن لكل ضعفاً. ثم ذكر ما يدل على خلودهم في النار فقال: {إن الذين كذبوا بآياتنا} وهي الدلائل الدالة على الذات والصفات والنبوات والمعاد {واستكبروا عنها} أي ترفعوا عن قبولها {لا تفتح لهم أبواب السماء} قال ابن عباس: أي لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله تعالى من قوله:{أية : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}تفسير : [فاطر: 10] ومن قوله:{أية : إن كتاب الأبرار لفي عليين}تفسير : [المطففين: 18] وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء التي هي موضع بهجة الأرواح وأماكن سعاداتها كما جاء في الحديث"حديث : إن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة. ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء" تفسير : وقيل: بناء على أن الجنة في السماء معناه ولا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرّق لهم إليها حتى يدخلوا الجنة. وقيل: أي لا تنزل عليهم البركة والخير من قوله تعالى: {أية : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر}تفسير : [القمر: 11] {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} الولوج الدخول. وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: زوج الناقة استجهالاً للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف. والسم بالحركات الثلاثة وقد قرىء بها ثقب الإبرة وكل ثقب في البدن لطيف ومنه السم القاتل لنفوذه بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب. والخياط ما يخاط به قال الفراء: خياط ومخيط كإزار ومئزر ولحاف وملحف وقناع ومقنع. ولما كان جسم الجمل من أعظم الأجسام المشهورة عند العرب كما قال: شعر : لا عيب بالقوم من طول ومن عظم جسم الجمال وأحلام العصافير تفسير : وكان سم الإبرة مثلاً في ضيق المسلك حتى قيل: أضيق من خرت الإبرة. وقالوا للدليل الماهر خريت لاهتدائه في المضايق المشبهة بأخرات الإبر، وقف الله تعالى دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط المحال ليلزم يأسهم من دخول الجنة قطعاً فإن الموقوف على المحال محال ومثله قول العرب: "لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار". وقرىء الجمل بوزن القمل وكذا الجمل بوزن الحبل وبمعناه لأنه حبل ضخم من ليف أو خوص من آلات السفن. واختار ابن عباس هذا التفسير قائلاً: إن الله تعالى أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة والبعير لا يناسبه. وأهل التناسخ أوّلوا الآية بأن الأرواح التي كانت في الأبدان البشرية لمّا عصت وأذنبت فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن ولا تزال تبقى في التعذيب حتى تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الذرة فتنفذ في سم الخياط، وحينئذٍ تصير مطهرة عن تلك الذنوب فتدخل الجنة وتصل إلى السعادة {وكذلك} ومثل ذلك الجزاء الفظيع {نجزي المجرمين} قيل: هم الكافرون المكذبون المستكبرون المار ذكرهم، وقيل: يدخل فيه الفساق بشرط عند التوبة عند المعتزلة، وبشرط عدم العفو عند الأشاعرة. ثم لما بين أنهم لا يدخلون الجنة ذكر أنهم يدخلون النار فقال: {لهم من جهنم مهاد} أي فراش {ومن فوقهم غواش} هي جمع غاشية وهي كل ما يغشاك أي يجللك، والمراد الإخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف. والتنوين في {غواش} مثله في "جوار" أعني أنه للتمكن عند بعض لأنه بعد حذف يائه لم يبق على زنة مساجد، وللعوض عند بعض، إما عن الياء أو عن إسكان الياء {وكذلك نجزي الظالمين} هم المشركون أو الفسقة الذين ظلموا أنفسهم. ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية. وقوله {لا نكلف نفساً إلا وسعها} وقد مر تفسيره في آخر سورة البقرة اعتراض بين المبتدأ وخبره وليس بأجنبي وإلا لم يحسن. وفيه تنبيه للمقصرين على أن الجنة مع عظم قدرها تحصل بالعمل السهل من غير ما حرج وصعوبة فبعداً لمن فاتته وسحقاً لمن فارقته. ومن جعله خبراً فالعائد محذوف أي لا نكلف نفساً منهم. ثم وصف أخلاق أهل الجنة فقال: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} نزع الشيء قلعه من مكانه، والغل الحقد والتركيب يدور على الإخفاء ومنه الغلول كما مر في تفسير قوله:{أية : وما كان لنبي أن يغل}تفسير : [آل عمران: 161] وللآية تفسيران: الأول أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا بتصفية الطباع وإسقاط الوسواس ومنعه من أن يرد على القلوب فإن الشيطان مشغول بالعذاب فلا يتفرغ لإلقاء الوسواس فلم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف. عن علي كرم الله وجهه أني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. الثاني: أن درجات أهل الجنة متفاوته بحسب الكمال والنقص، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة الناقصة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة فيكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبريء بعض أهل النار من بعض ولعن بعضهم بعضاً وليس هذا ببديع ولا بعيد من حال أهل الجنة، فإن أولياء الله تعالى في دار الدنيا أيضاً بهذه المثابة بحسن توفيق الله تعالى ونور عنايته وهدايته كل منهم قد قنع بما حصل له من نعيم الدنيا وطيباتها لا يميل طبعه إلى زوجة لغيره أحسن من زوجته ولا إلى لا مشتهى ألذ مما رزقه الله، وكل هذا نتيجة ملكه الرضا بالقضاء والتسليم لأمر رب الأرض والسماء، فيموتون كذلك ويحشرون على ذلك وفقنا الله لنيل هذا المقام ببركة أولئك الكرام {تجري من تحتهم الأنهار} وهذه من جملة أسباب التنزه والترفه أن أجرى على ظاهره، ومن جملة السعادات الروحانية أن أريد بها أنواع المكاشفات وأصناف التجليات {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا} النعيم المقيم والفوز العظيم بأن يسر الأسباب وخلق الدواعي ومنع الصوارف، أو بأن أعطى العقل ونصب الأدلة وأزاح العلة {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} من قرأ بواو العطف فظاهر، ومن حذف الواو فلأنها جملة يقرب معناها من معنى الأولى وكأنها تفسرها فلا حاجة إلى العطف المؤذن بالتغاير. ثم حكى عنهم سبب الاهتداء وذلك قوله: {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} فجعله واسطة لهدايتنا أو لطفاً وتنبيهاً يقولون ذلك فيما بينهم سروراً واغتباطاً بما نالوا وتلذذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً فإن الجنة ليست دار التكليف {ونودوا أن تلكم} بأنه تلكم {الجنة} والضمير للشأن والحديث ويجوز كونه بمعنى أي لأن النداء في معنى القول. وإنما قيل: {تلكم} لأنهم وعدوا بها في الدنيا وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها، ويجوز أن يكون التبعيد للتعظيم. ومعنى {أورثتموها} صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله. قد يستعمل الإرث ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال هذا الفعل يورثك الشرف أو العار. وقيل: أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث. وقيل: إن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:"حديث : ليس من مؤمن ولا كافر إلا له في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم" تفسير : قالت المعتزلة قوله: {بما كنتم تعملون} يدل على أن الموجب للجزاء هو العمل لا التفضل. وقال غيرهم: لما كان الموفق للعمل الصالح هو الله تعالى كان دخول الجنة بفضله. وجعل العمل أمارة على ذلك والمنادي هو الله جل وعلا أو الملك الموكل بذلك والله تعالى أعلم. التأويل: {يا بني آدم أما يأتينكم رسل} الهامات من أنفسكم من طريق قلوبكم وأسراركم وفيه أن بين آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته. {افترى على الله كذباً} بأن يقول أكرمني الله بالكرامات والمقامات ولم يعط {أو كذب} بمقامات أعطاها بعض أوليائه {أولئك ينالهم نصيبهم} من الشقاء الذي كتب لهم {حتى إذا جاءتهم} رسل الإلهامات الإلهية والواردات الربانية بعد أن كان هائماً في تيه البشرية {يتوفونهم} بجذبات الألطاف الإلهية عن الأوصاف البشرية {قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله} من الدنيا وشهواتها {وشهدوا} هؤلاء المجرمون المحرومون {أنهم كانوا كافرين} ساترين الحق بالباطل فهداهم الله تعالى. ثم قال لأهل الخذلان {ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار} وقدم الجن لأن الله تعالى خلق أولاً بني الجان منهم مؤمن ومنهم كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم بعث إليهم جنداً من الملائكة - وقيل رئيسهم إبليس - فاستأصلوهم ثم خلق آدم وذريته منهم مؤمن ومنهم كافر. {كلما دخلت أمة} في أعمال أهل النار {لعنت أختها} المتقدمة في تلك الأعمال لأنهم سنوها {حتى إذا} تدارك الكل في الأعمال الموجبة للنار. {عذاباً} {ضعفاً} لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها {لكل ضعف} لأن المتأخر أيضاً متقدم الذي يتلوه ويستن بسنته {ولكن لا تعلمون} أنكم متقدمون لمتأخريكم فما كان لكم علينا من فضل لأنكم سننتم لمتأخريكم كما سننا لكم {لا تفتح لهم أبواب} سماء القلوب إلى الحضرة {ولا يدخلون} جنة القربة والوصلة حتى يدخل جمل النفس المتكبرة في سم خياط أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وحتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فيلج في سم خياط الفناء فيدخل جنة البقاء {وكذلك نجزي المجرمين} الذين صارت أنفسهم في حمل الأوزار كالجمل {لهم من جهنم} المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس قمع الهوى لحاف فتذهبهم وتحرق أنانيتهم. {لا نكلف نفساً إلا وسعها} فيرفع عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل حتى تسير عليهم العبودية بحسن التوفيق.
ابن عادل
تفسير : لمَّا بيَّن أحوال التَّكاليف، وأنَّ لكلِّ أمَّةٍ أجلاً معيناً - بيَّن أنَّهم بعد الموت إن كانوا مطيعين فلا خَوْفٌ عليهم ولا حزن، وإن كانوا متمردين وقعوا في أشدِّ العذابِ. قيل: أراد "بَنِي آدَمَ" مشركي العربِ، وقد تقدَّم إعراب نظيره في البقرة، وهي أن الشَّرْطِيَّة ضمت إليها مؤكدة لمعنى الشّرط، ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة، وجزاء هذا الشرط هو الفاء وما بعده من الشرط، والجزاء وهو قوله تعالى: {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ}. و "مِنْكُمْ" صفة لـ "رسل"، وكذلك "يَقُصُّون" وقُدِّمَ الجار على الجملة لأنه أقرب إلى المفرد منها. قال مُقاتِلٌ: أرَادَ بالرُّسُلِ الرَّسول - عليه الصَّلاة والسلامُ - إنما قال: "رُسُل"، وإن كان خطاباً للرَّسُولِ - عليه الصَّلاة والسَّلام -، وهو خاتم الأنبياء؛ لأنه أجرى الكلام على ما يقتضيه سنته في الأمم. وقيل: أراد جميع الرُّسُلِ، وإنَّما قال: "منكم"؛ لأنَّ كون الرسول منهم أقطع لعذرهم، وأمعن للحجَّة عليهم من جهات: وقيل: أراد جميع الرُّسُلِ، وإنَّما قال: "منكم"؛ لأنَّ كون الرسول منهم أقطع لعذرهم، وأمعن للحجَّة عليهم من جهات: أحدها: أنَّ معرفتهم بأحواله وبطهارته تكون متقدمة. وثانيها: أنَّ معرفتهم بما يليق بقدرته تكون متقدّمة فلا جرم لا يقع في المعجزات التي تظهر عليه شكّ وشبهة في أنَّهَا حصلت بقدرة الله تبارك وتعالى، لا بِقُدرتِهِ، ولهذا السَّبب قال تبارك وتعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً}تفسير : [الأنعام: 9]. وثالثها: ما يحصل من الألْفَةِ وسكونِ القلب إلى أبناء الجنس، بخلاف من لا يكون من الجنس، فإنَّهُ لا يحصل معه الألفة. قوله: {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي}. قيل: الآياتُ: القرآنُ، وقيل: الدلائلُ، وقيل: الأحكام والشَّرائع. والأَوْلى دخول الكلِّ فيه؛ لأنَّ الرُّسل إذا جاءُوا فلا بدّ يذكروا جميع هذه الأقسام. قوله: "فَمَنْ" يحتمل أن يكون شرطية، وأنْ تكون موصولة، فإن كان الأوَّلُ؛ كانت هي وجوابها جواباً للشّرط الأوَّل كما تقدَّم، وهي مستقلة بالجوابِ دون التي تُفِيدُ جوابها وهي "والَّذِينَ كَذَّبُوا"، وإن كان الثاني كانت هي وجوابها، والجملة المشار إليها كلاهما جواباً للشَّرط، كأنَّهُ قسم جواب قوله: "إمَّا يأتينكُمْ" إلى متَّقٍ ومكذب، وجر كلاًّ منهما، وقد تقدَّم تحقيق هذا في البقرة. وحذف مفعولي "اتَّقَى وأصْلَحَ" اختصاراً للعلم بهما أي: اتَّقَى ربه وأصلحِ عمله، أو اقتصاراً أي: فَمَنْ كان من أهل التَّقْوى والصَّلاح من غير نظر إلى مفعول، كقوله تعالى: {أية : هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ}تفسير : [النجم: 48] ولكن لا بدَّ من تقدير رابط بين هذه الجملة، وبين الجملة الشرطية، والتقدير: فمن اتَّقى منكم والذين كذَّبوا منكم. وقرأ أبيٌّ والأعرج "تَأتينكُمْ" بتاء مثناة من فوق نظراً إلى معنى جماعة الرسل فيكون قوله تعالى "يَقُصُّون" بالياء من تحت حملاً على المعنى إذ لو حمل على اللفظ لقال: "تقُصُّ" بالتَّأنيث أيضاً. مطلب: هل يلحق المؤمنين خوف يوم القيامة أو لا؟ المعنى: لا خوف عليهم بسبب الأحْوالِ المستقبلة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما فاتهم في الدُّنْيَا؛ لأنَّ حزنهم على عقاب الآخرة بما حصل لهم من زوال الخوف، فيكون كالمعادِ، وحمله على الفائدة الزائدة أولى. واختلف العلماء في أنَّ المؤمنين من أهل الطَّاعات هل يلحقهم خوف أو حزن عند أهوال القيامة، فقال بعضهم: لا يلحقهم لهذه الآية الكريمة، ولقوله تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ}تفسير : [الأنبياء: 103]، وذهب بعضهم إلى أنَّهُ يلحقهم ذلك الفزع الأكبر لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ}تفسير : [الحج: 2] أي: من شدة الخوف، وأجاب هؤلاء عن هذه الآية الكريمة بأنَّ معناها: أن أمرهم يؤولُ إلى الأمن والسرور، كقول الطَّبِيبِ للمريض: "لا بأس عليك" أي: يؤولُ أمرك إلى العافية والسلامة، وإن كان في الوقت في بأس من علته.
البقاعي
تفسير : ولما كان استشراف النفس إلى السؤال عما يكون بعد حين المستقر والمتاع أشد من استشرافها إلى هذا لكونه أخفى منه، فهو أبعد من خطوره في البال؛ قدم قوله: {أية : قال فيها تحيون } تفسير : [الأعراف: 25] ولما كان ذكر الدواء لداء هتك السوءة أهم قدم { أية : أنزلنا عليكم لباساً } تفسير : [الأعراف: 26] ثم ما بعده حتى كان الأنسب بهذه الاية هذا الموضع فنظمت فيه. ولما تقدمت الإشارة إلى الحث على اتباع الرسل بآيات المقصد الأول من مقاصد هذه السورة كقوله تعالى { أية : كتاب أنزل إليك }تفسير : [الأعراف: 2] و { أية : لتنذر } تفسير : [ الأعراف: 2] و { أية : اتبعوا ما أنزل إليكم } تفسير : [الأعراف: 3] وقوله { أية : فلنسئلن الذين أرسل إليهم } تفسير : [الأعراف: 6] وقوله { أية : قل أمر ربي بالقسط } تفسير : [الأعراف: 29]، {أية : إنما حرم ربي الفواحش}تفسير : [الأعراف: 33] والتحذير من الشياطين بقوله { أية : ولا تتبعوا من دونه أولياء } تفسير : [الأعراف: 3] وبقوله { أية : لأقعدن لهم صراطك المستقيم } تفسير : [الأعراف: 16]، { أية : لا يفتننكم الشيطان } تفسير : [الأعراف: 27] وغيره، فتحرر أنه لا سبيل إلى النجاة إلا بالرسل، وختم ذلك بالأحل حثاً على العمل في أيام المهلة؛ أتبع ذلك قوله حاثاً على التعلق بأسباب النجاة باتباع الدعاة الهداة قبل الفوت بحادث الموت ببيان الجزاء لمن احسن الاتباع في الدارين {يا بني آدم}. ولما كان له سبحانه أن يعذب من خالف داعي العقل من غير إرسال رسول، وكان إرسال الرسل جائزاً له وفضلاً منه سبحانه إذ لا يوجب عليه، أشار إلى ذلك بحرف الشك فقال: {إما} هي إن، الشرطية وصلت بها ما تأكيداً {يأتينكم رسل} ولما كانت زيادة الخبرة بالرسول أقطع للعذر وأقوى في الحجة قال: {منكم} أي من نوعكم من عند ربكم. ولما كان الأغلب على مقصد هذه السورة العلم كما تقدم في { أية : فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين }تفسير : [الأعراف: 7] ويأتي في{ أية : ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم } تفسير : [الأعراف: 52] وغيرها، كان التعبير بالقص - الذي هو تتبع الأثر كما تقدم في الأنعام - أليق فقال: {يقصون عليكم آياتي} أي يتابعون ذكرها لكم على وجه مقطوع به، ويتبع بعضهم بها أثر بعض لا يتخالفون في أصل واحد من الأصول. ولما كان لقاء الرسل حتماً والهجرة إليهم واجبة لأن العمل لا يقبل إلا بالاستناد إليهم مهما وجد إلى ذلك سبيل، ربط الجزاء بالفاء فقال: {فمن اتقى} أي خاف مقامي وخاف وعيدي بسبب التصدق بالرسل والتلقي عنهم {وأصلح} أي عمل صالحاً باقتفاء آثارهم {فلا خوف} أي غالب {عليهم} أي بسبب ذلك من شيء يتوقعونه { ولا هم} أي بضمائرهم {يحزنون*} أي يتجدد لهم في وقت ما حزن على شيء فاتهم، لأن الله يعطيهم ما يقر به أعينهم، وكأنه غاية في التعبير لأن إجلالهم لله تعالى وهيبتهم له يمكن أن يطلق عليهما خوف. ولما ذكر المصدق، أتبعه المكذب فقال {والذين كذبوا بآياتنا} أي على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا؛ ولما كان التكذيب قد يكون عن شبهة أو نوع من العذر، نفى ذلك بقوله: {واستكبروا عنها} أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب له عظيم الرغبة فيه، متجاوزين عنها إلى أضداد ما دعت إليه. ولما ذلك ليس سبباً حقيقياً للتعذيب، وإنما هو كاشف عمن ذرأه الله لجهنم لإقامة الحجة عليه، أعري عن الفاء قوله: {أولئك} أي البعداء البغضاء {أصحاب النار} ولما كان صاحب الشيء هو الملازم له المعروف به، قال مصرحاً بذلك: {هم} أي خاصة ليخرج العاصي من غير تكذيب ولا استكبار {فيها} أي النار خاصة، وهي تصدق بكل طبقة من طبقاتها {خالدون*} فقد تبين أن إثبات الفاء أولاً للترغيب في الاتباع، وتركها ثانياً للترهيب من شكاسة الطباع، فالمقام في الموضعين خطر، ولعل من فوائده الإشارة إلى أنه إذا بعث رسول وجب على كل من سمع به أن يقصده لتحرير أمره، فإذا بان له صدقه تبعه، وإن تخلف عن ذلك كان مكذباً - الله الموفق. ولما كان تكذيب الرسل تارة يكون بشرع شيء لم يشرعوه، وتارة برد ما شرعوه قولاً وفعلاً، وأخبر أن المكذبين أهل النار، علل ذلك بقوله: {فمن أظلم} أي أشنع ظلماً {ممن افترى} أي تعمد {على الله} أي الملك الأعلى {كذباً} أي كمن شرع في المطاعم والملابس غير ما شرع، أو ادعى أنه يوحي إليه فحكم بوجود ما لم يوجد {أو كذب بآياته} أي برد ما أخبر به الرسل فحكم بإنكار ما وجد. ولما كان الجواب: لا أحد أظلم من هذا، بل هو أظلم الناس، وكان مما علم أن الظالم مستحق للعقوبة فكيف بالأظلم قال: {أولئك} أي البعداء من الحضرات الربانية {ينالهم نصيبهم من الكتاب} أي الذي كتب حين نفخ الروح أو من الآجال التي ضربها سبحانه لهم والأرزاق التي قسمها، تأكيداً لرد اعتراض من قال: إن كنا خالفنا فما له لا يهلكنا؟ ثم غَيَّي نيل النصيب بقوله: {حتى إذا جاءتهم رسلنا} أي الذين قسمنا لهم من عظمتنا ما شئنا حال كونهم {يتوفونهم} أي يقبضون أرواحهم كاملة من جميع أبدانهم {قالوا أين ما كنتم} عناداً كمن هو في جبلته {تدعون} أي دعاء عبادة {من دون الله} أي تزعمون أنهم واسطة لكم عند الملك الأعظم وتدعونهم حال كونكم معرضين عن الله، ادعوهم الآن ليمنعوكم من عذاب الهوان الذي نذيقكم {قالوا ضلوا} أي غابوا {عنا} فلا ناصر لنا. ولما كان الإله لا يغيب فعلموا ضلالهم بغيبتهم عنهم، قال مترجماً عن ذلك: {وشهدوا على أنفسهم} أي بالغوا في الاعتراف {أنهم كانوا كافرين*} أي ساترين عناداً لما كشف لهم عنه نور العقل فلا مانع منه إلا حظوظ النفوس ولزوم البؤس.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن أبي سيار السلمي فقال: إن الله تبارك وتعالى جعل آدم وذريته في كفه فقال {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ، ثم نظر إلى الرسل فقال {أية : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم}تفسير : [المؤمنون: 51] {أية : وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون}تفسير : [المؤمنون: 53] ثم بثهم .
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ} [الآية: 35]. قال بعضهم: من اتقى فى ظاهره عن تناول الشبهات، وأصلح باطنه بدوام مراقبة الله عز وجل فلا خوف عليهم فى الدنيا، ولا حزن عليهم فى الآخرة.
القشيري
تفسير : إذا أتاكم الرُّسُلُ فلا تركنوا إلى مجوزاتِ الظنون، واحملوا الأمرَ على الجِدِّ فإنَّا - مع استغنائنا على الأغيار، وتَقَدُّسِنا عن المنافع والمضار - نُطَالِبُ بالقليل والكثير، ونحاسِبُ على النقير والقطمير.
البقلي
تفسير : {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ} اى من تقدس عن ما دون الله فى رؤية اجلال الله وعظمته واصلح ما بينه وبين الله من انفاس بنفسها فى غير الشوق الى الله وغير ملاحظة جماله وجلاله لان كل نفس يخرج من العبد بغير هذه الاوصفا فاسد واصلاحه على العبد بالمراقبة والرعاية والمحافظة عن جميع الخواطر ومن كان بهذه الصفة لم يبق عليه من جنات النفس شئ فلا خوف عليه من فوت المقامات ولا له حزن من احتجابه عن المشاهدات بقوله سبحانه {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قال بعضهم من اتقى فى ظاهره عن تناول الشبهات واصلح باطنه بدوام مراقبة الله تعالى فلا خوف عليهم فى الدنيا ولا حزن عليهم فى الاخرة ثم ان الله سبحانه وصف هؤلاء وجلوسهم على سرر العناية فى الحضرة بنعت الالفة والزلفة فى مشاهدته حيث رفع الحجب وسقاهم من تسنيم شراب الوصال فى كشوف الجمال بقوله {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} اثبت سبحانه وبين ان صور اهل الولاية واهل بساط القرب مع انها مكان نور الاسلام واليقين فائضا فيها اماكن عل الانسانة من الغل والغش ولا يخرج الاولياء من هذه العلل وعن حد البشرية حتى لا يظن ظان عنهم خلقوا مقدسين واذا كان كما توهموا فاين محل الامتنان عليهم باضافة تقديس صدورهم بتفضله ونزعه عن اسرارهم كل خاطر لا يليق بحضرته وتصديق ذلك قول امير المؤمنين على بن ابى طالب كرمه الله وجهه قال فينا والله اهل بدر نزلت ونزعها ما فى صدروهم من غل اخوانا على سر متقابلين وايضا يحتمل ان هذا النزع اشارة الى ان قلوبهم خلقت مقدسه عن هذه الشوائب لانها محل نظر الله وان هذه العلة تجرى على صدورهم الخارجة عن القلوب لانها موضع وسوسة الشيطان بقوله تعالى {أية : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ} تفسير : والعلة اذا لم تدخل القلب فهى طارية لا يثبت الزها فعله الاولياء فى الصدور وعلة العموم فى القلوب قيل هو التحاسد والتباغض والتدابر الذى نهى رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم عنها وقال بعضهم من تحظى بساط القرب سقط عنه رعونات النفس وحفوظ الشيطان قال الله ونزعنا ما فى صدروهم من غل وعندى والله اعلم ان لا يبلغ احد الى جدرة الولاية الا وقيل ذلك قدس الله صدره عن جميع العلة وتصديق ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم حيث وصفهم بسلامة صدروهم والنصحية للامة وذلك حين وصفهم عند اصحابه بسنى الدرجات ورفع الكرامات فقيل يا رسول الله ثم نالوا قال بسلامة صدروهم والنصيحة للامة ثم اثنى الله عليه عقيب الأية بانهم عرفوا فضل الله عليهم فى قديم احسانه ولطيف انعامه الذى لا تدخل فيه علة الاكتساب ولا رحمة الاجتهاد بقوله حكاية عنهم حين تجدون المنعم مفضى عليهم النقاب ورفع الحجاب {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} اى هدانا بنفسه الى نفسه بسبق عنايته لنا فى ازله قيل فيه دلنا على توحيده وجعلناه فى سابق علمه من خواص عباده واختار لنا اعز الاديان ولو وكلنا الى اختيارنا لضللنا فى اول لحظة وقال بعضهم فى هذه الأية رؤية الهيبة توقع قبضا فى الاحوال وربما تورث بسطا والعبد متردد فيما بينهما من قبض وبسط وحال البسط اورث قوله الحمد لله الذى هدانا لهذا وقال ابن عطا لما نظروا الى هدايته نسوا افعالهم وطاعاتهم وعرفوا المنة عليهم فقاموا مقام الشكر.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا بنى آدم} خطاب لكافة الناس {اما} اصله ان ما ضمت كلمة ما الى ان الشرطية تأكيدا لما فيها من معنى الشرط {يأتينكم رسل} كائنون {منكم} اى من جنسكم فهو صفة لرسل {يقصون عليكم آياتى} صفة اخرى لرسل اى يبينون لكم احكامى وشرائعى ومقتضى الظاهر كلمة اذا بدل ان لكون الاتيان محقق الوقوع فى علم الله تعالى لكنه سيق المعلوم مساق المشكوك للتنبيه على ان ارسال الرسل امر جائز لا واجب عقلا حتى لا يقدر على عدم ارساله ولا واجب شرعا حتى يأثم بترك ارساله لانه لا يجب على الله شئ لا عقلا ولا شرعا لكن مقتضى الحكمة ارسال الرسل لما فيه من الحكم والمصالح {فمن} شرطية بالفارسية [يس هركه] {اتقى} منكم التكذيب {واصلح} عمله واطاع رسوله الذى يقص آياته {فلا خوف عليهم} اى لا يخافون ما يلحق العصاة فى المستقبل {ولا هم يحزنون} على ما فاتهم فى الدنيا لاستغراقهم فى الاستلذاذ بما اعد للمتقين فى دار الكرامة والرضوان.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إما}: شرط مؤكد بما ذكره بحرف الشك؛ للتنبيه على أن إتيان الرسل جائز، غير واجب، كما ظنه المعتزلة، وجوابه: {فمن اتقى...} الخ، وإدخال الفاء في الجواب الأول دون الثاني؛ للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد. قاله البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا بني آدم} مهما {يأتينكم رسل منكم يقصُّون عليكم آياتي} الدالة على توحيدي ومعرفتي، {فمن اتَّقَى} الشرك والتكذيب، و {أصلح} فيما بيني وبينه، منكم، بالعمل الصالح، {فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}. {والذين كذّبوا بآياتنا واستكبرُوا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}، فمِن كمال الإيمان: أن يقدر الإنسان نفسه أن لو كان في زمان كل رسول، لكان أول من تبعه، ولكان من خواص أصحابه، هكذا يسير بعقله مع كل رسول من زمان آدم عليه السلام إلى مبعث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد جعل الله لكل نبي خلفاء يخلفونه في تبليغ أحكامه الظاهرة والباطنة، وهم العلماء الأتقياء، والأولياء العارفون الأصفياء، فمن أراد أن يكون ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فليتبع علماء أهل زمانه في الشريعة، وأولياء أهل عصره في تربية الحقيقة. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد من استكبر، فقال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لجميع بني آدم المكلفين منهم أنه يبعث إِليهم رسلاً منهم يقصون عليهم آيات الله وحججه وبراهينه، وهو ما أنزله عليهم من كتبه ونصب لهم من أدلته. وقوله {إِمَّا} أصله (إِنْ) حرف الشرط دخلت عليه (ما) ولدخولها دخلت النون الثقيلة في {يأتينكم} ولو قال: إِن يأتينكم، لم يجز، وإِنما كان كذلك، لأن (ما) جعلته في حكم غير الواجب، لأنه ينزل منزلة ما هو غير كائن حتى احتيج معه الى القسم مع خفاء أمره من جهة المستقبل، ولم يجز دخول النون على الواجب في مثل هو، هون، لأن هذه النون تؤذن بأن ما دخلت عليه قد احتاج الى التأكيد لخفاء أمره من جهة المستقبل. وانه غير واجب لخفاء أمره من هاتين الجهتين، لأجله احتاج الى نون التأكيد. وإِنما قال {رسل منكم} بلفظ الجمع، وإِنما أتى هؤلاء رسول منهم لأنه على تقدير يأتين لكل أمة، فصار كأنه خطاب لجميع المكلفين. وجواب (إِنْ) يحتمل أن يكون أحد أمرين: أحدهما - أن يكون قوله {فمن اتقى} منكم {وأصلح} لأن التفصيل يقتضي منكم. الثاني - أن يكون محذوفا يدل الكلام عليه كأنه قال فأطيعوهم. وقوله {يقصون} فالقصص وصل الحديث بالحديث في وصل الحديث الممتنع بحديث مثله. وقوله {فمن اتقى وأصلح} معناه فمن اتقى منكم وأصلح {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وظاهر الآية يدل على أن من اتقى معاصي الله واجتنبها، وأصلح بأن فعل الصالحات، لا خوف عليهم في الآخرة - وهو قول الجبائي - وقال أبو بكر بن الاخشيد: لا يدل على ذلك، لأن الله تعالى قال في وصفه يوم القيامة {أية : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى}تفسير : وإِنما هو كقول الطبيب للمريض لا بأس علكى، ولا خوف عليك، ومعناه أن أمره يؤل الى السلامة والعافية. والاول أقوى، لأنه الظاهر غير أن ذلك يكون لمن اتقى جميع معاصي الله، فأما من جمع بين الطاعات والمعاصي فان خوفه من عقاب الله على معاصيه لا بد منه، لأنا لا نقطع على أن الله تعالى يغفر له لا محالة، ولا نقول بالاحباط فنقول ثواب إِيمانه أحبط عقاب معاصيه، فاذا اجتمعا فلا بد من أن يخاف من وصول العقاب اليه. ومن قال لفظة "اتقى" لا تطلق إِلا للمؤمن من أهل الثواب، لانها صفة مدح، فلا بد من أن يكون مشروطاً بالخلوص مما يحبطه، فما ذكروه أولاً صحيح نحن نعتبره، لأن المتقي لا يكون إِلا مؤمناً مستحقاً للثواب، غير أنه ليس من شرطه ألا يكون معه شىء من العقاب، بل عندنا يجتمعان، فلا يستمر ما قالوه.
الجنابذي
تفسير : {يَابَنِيۤ آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} التّكوينيّة بالآيات التّدوينيّة {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ} مخالفة الآيات التّدوينيّة بترك العمل بها ومخالفة الآيات التّكوينيّة الآفاقيّة والانفسيّة بترك الاتّعاظ بها والاعراض عنها والآيات العظيمة الّذين هم الانبياء (ع) والاولياء (ع) بترك اتّباعهم وتكذيبهم والاستهزاء بهم {وَأَصْلَحَ} بالاتّصال بالآيات العظمى بالبيعة العامّة والخاصّة بالاتّعاظ بالآيات الصّغرى {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قد مضى هذه الآية فى اوّل البقرة وفى سورة الانعام مفصّلاً.
اطفيش
تفسير : {يا بَنِى آدمَ} خطاب لجميع الأمم {إمَّا يأتينَّكم} إن الشرطية مدغمة النون فى ميم ما المزيدة للتأكيد، ولزيادتها صح تأكيد فعل الشرطة بالنون، وقرأ أبى والأعرج تأتينكم بالتاء الفوقية {رسُلٌ منكُم} جنسكم، والرسول إذا كان من جنس الأمة كان أقطع لعذرهم وأثبت للحجة عليهم، لأنهم يعرفونه ويعرفون أحواله، فإذا جاء بما لا يقدر عليه البشر كان معجزة له وحجة، وعبر بإن الشرطية الدالة بحسب الوضع على الشك، تعالى الله عنه، للتنبيه على أن إتيان الرسل أمر جائز لا واجب، فقد قامت حجة توحيد الله ولو لم يكن رسول ولا كتاب، والرسل والكتب أكدت ذلك وقررته، وزادت أحكاما وتفصيلا. وقال جمهور أصحابنا: حجة الله على عباده الكتب والرسل بقطع عذرهم من حيث التوحيد، ولو لم يصلوهم، وذلك مقول لقول محذوف، أى قال الله: يا بنى آدم إما الخ، وإنما قال ذلك حين أخرجهم كالذر من آدم عليه السلام، هذا ما ظهر لى فى توجيه الآية، ثم رأيت الطبرى أسند إلى يسار السلمى أن الله سبحانه جعل ذرية آدم فى كفة مع آدم فقال: {يا بنى آدم إما يأتينكم} الخ، ونظر إلى الرسل فقال: {أية : يا أيها الرسل كلوا} تفسير : إلى {أية : فاتقون}. تفسير : أو قال ذلك فى أول كتاب أنزل، أو بالوحى إلى آدم وعليهما، فآدم غير داخل بنص الآية، بل بالفهم والقياس، وقد قيل: المراد الرسل، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لبنى آدم كلهم، فإنه رسول إليهم، لوجوب أن يؤمنوا به كلهم، أو للأمة، وجمع تعظيما، والأول أصح، ويجوز أن يكون المعنى أتتكم رسل منكم، فالمضارع مستعمل فى موضع الماضى، ووجه التعبير بذلك التقدير والتوكيد، كأنه قيل: إن صح عندكم مجىء الرسل، ولا بد أن يقولوا صح مجيئها ولو أنكروا باللسان، أو غلبت عليهم المكابرة كما تقول لمن لا يبالى بالإنجاس: إن كان الدم نجساً فاغسله من ثوبك، كأنه قلت: هل هو نجس، فلا بد أن يقول نجس فيلزم نفسه غسله للصلاة. {يقُصُّون عليْكم آياتى} يقرءون عليكم كتبى وأحكامى وشرائعى، ومن قرأ تأتينكم بالتاء فقد راعى هناك لفظ الجماعة، وهنا معناها، والجملة نعت آخر لرسل، والأول منكم أو حال، وإن علقنا منكم بيأتى فهذه الجملة نعت. {فَمن} شرطية أو موصولة قرن خبرها بالفاء تشبيها بالشرطية {اتَّقى} حذر الشرك {وأصْلح} أتى بالعمل الصالح مجتنبا للمعصية {فلا خوفٌ عَليْهم} حين يخاف غيرهم يوم القيامة وحين الموت {ولا هُم يحْزنُون} على ما فاتهم من الدنيا، أو لا صيبهم ما يحزنون. والجملة من أدوات الشرط والجواب والشرط، أو من المبتدأ والخبر جواب إن الشرطية، وقرأ ابن محيصن فلا خوف بالرفع بدون تنوين، فقيل: تشبيها باسم لا النافية للجنس العاملة عمل إن، فإن اسمها المفرد لا ينون، أو حذف لكثرة الاستعمال، أو لتقدير أل، أى فلا الخوف، ومضاف إليه أى لا خوف شىء، وعبارة بعضهم بنى اسم لا العاملة عمل ليس حملا على العاملة عمل إن، وفيه أن الأولى أن تجعل مهملة لقلة إعمالها عمل ليس حتى خصه بعض بالضرورة، ولقلة ثبوت خبرها، وقرأ يعقوب بفتح فاء خوف وضم هاء عليهم، ووجهها أنها عاملة عمل إن، فالفتح إما بناء على أن اسمها مفرد وأعرب على أنه مضاف لمحذوف مقدر اللفظ والبناء أولى.
اطفيش
تفسير : {يَا بَنى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ} إِما إِن الشرطية وما التى هى صلة لتأكيد عموم الإِتيان أَى إِن اتفق الإِتيان بوجه من الوجوه والمشهور أَنها لتأْكيد ربط الجواب بالشرط لا للعموم وله. والخطاب عام والمراد رسل من جنسكم كان إرسالها من جنسهم أقطع لعذرهم لأَنه إِذا جاءَ رسول منهم بما يعجزهم وقد علموا أَنه ليس فى قدرته كما عرفوه أَيقنوا أَنه من الله عز وجل، وفى الآية خطاب السابقين لاستحضار أَحوالهم السابقة كأَنها مشاهدة، وفيها تغليب الحاضرين وهم الأَمة هذه ونبيها، أَو أهل مكة والنبى، أو يلتحق غيرهم بهم، ويجوز أن يراد بالرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تعظيماً له، وأَيضاً الرسل السابقون نوابه، وكأَنهم كلهم هو، وإِن الشرطية الموضوعة للشك تعالى الله عنه تشعر بأَن إرسال الرسل من الجائز لا واجب، وكل ما سوى الله وصفاته جائز {يَقُصُّونَ} نعت رسل {عَلَيْكُمْ آيَاتِى} دلائل وحدانيتى وأَحكامى مما يتلى وغيره {فَمَنِ اتَّقَى} منكم الشرك والتكذيب والكبائر والكبر {وَأَصْلَحَ} عمله أَى أَدى الواجبات، ولا تتوهم أَنه لا بد من تقديم منكم للربط لأَن أَداة الشرط هنا حرف لا اسم {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} جواب من الشرطية أَو الموصولة المزيد فى خبرها الفاء، ومجموع ذلك كله جواب إِما، كذلك قالوا، والذى عندى أَنه لا يجوز حمل من على أنها موصولة فى القرآن إِذا صحت الشرطية بلا تكلف.
الالوسي
تفسير : {يَـٰبَنِى ءَادَمَ} خطاب لكافة الناس. ولا يخفى ما فيه من الاهتمام بشأن ما في حيزه. وقد أخرج ابن جرير عن أبـي يسار السلمي قال: «إن الله تبارك وتعالى جعل آدم وذريته في كفه فقال: { يَـٰبَنِى ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ } حتى بلغ {فَٱتَّقُونِ } ثم بثهم». والذي ذهب إليه بعض المحققين أن هذا حكاية لما وقع مع كل قوم. وقيل: المراد ببني آدم أمة نبينا صلى الله عليه وسلم وهو خلاف الظاهر. ويبعده جمع الرسل في قوله سبحانه: {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ } أي من جنسكم. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لرسل. و {إِمَّا } هي إن الشرطية ضمت إليها ـ ما ـ لتأكيد معنى الشرط فهي مزيدة للتأكيد فقط، وقيل: إنها تفيد العموم أيضاً فمعنى إما تفعلن مثلاً إن اتفق منك فعل بوجه من الوجوه. ولزمت الفعل بعد هذا الضم نون التأكيد فلا تحذف على ما ذهب إليه المبرد والزجاج ومن تبعهما إلا ضرورة ومن ذلك قوله: شعر : فإما تريني ولي لمة فإن الحوادث أودي بها تفسير : ورد بأن كثرة سماع الحدف تبعد القول بالضرورة. ووجه هذا اللزوم عند بعض حذار انحطاط رتبة فعل الشرط عن حرفه، وقيل: إن نون التوكيد لا تدخل الفعل المستقبل المحض إلا بعد أن يدخل على أول الفعل ما يدل على التأكيد كلام القسم أو ما المزيدة ليكون ذلك توطئة لدخول التأكيد وعليه فأمر الاستتباع بعكس ما تقدم. وفي الإتيان بإن تنبيه على أن إرسال الرسل أمر جائز لا واجب وهو الذي ذهب إليه أهل السنة. وقالت المعتزلة: إنه واجب على الله تعالى لأنه سبحانه بزعمهم يجب عليه فعل الأصلح. وقوله سبحانه: {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِي } صفة أخرى لرسل. وجوز أن يكون في موضع الحال منه أو من الضمير في الظرف أي يعرضون عليكم أحكامي وشرائعي ويخبرونكم بها ويبينونها لكم. وقوله تعالى: {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } جواب الشرط و (من) إما شرطية أو موصولة و (منكم) مقدر في نظم الكلام ليرتبط الجواب بالشرط. والمراد فمن اتقى منكم التكذيب وأصلح عمله / فلا خوف الخ. وتوحيد الضمير وجمعه لمراعاة لفظ من ومعناه.
سيد قطب
تفسير : الآن بعد تلك الوقفة الطويلة للتعقيب على قصة النشأة الأولى؛ ومواجهة واقع الجاهلية العربية - وواقع الجاهلية البشرية كلها من ورائها - في شأن ستر الجسم باللباس وستر الروح بالتقوى؛ وعلاقة القضية كلها بقضية العقيدة الكبرى.. الآن يبدأ نداء جديد لبني آدم.. نداء بشأن القضية الكلية التي ربطت بها قضية اللباس في الوقفة السابقة.. قضية التلقي والاتباع في شعائر الدين وفي شرائعه، وفي أمر الحياة كلها وأوضاعها. وذلك لتحديد الجهة التي يتلقون منها.. إنها جهة الرسل المبلغين عن ربهم. وعلى أساس الاستجابة أو عدم الاستجابة للرسل يكون الحساب والجزاء، في نهاية الرحلة التي يعرضها السياق في هذه الجولة: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي: فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. هذا هو عهد الله لآدم وبنيه، وهذا هو شرطه في الخلافة عنه - سبحانه - في أرضه التي خلقها وقدر فيها أقواتها، واستخلف فيها هذا الجنس، ومكنه فيها، ليؤدي دوره وفق هذا الشرط وذلك العهد؛ وإلا فإن عمله ردٌّ في الدنيا لا يقبله ولا يمضيه مسلم لله؛ وهو في الآخرة وزر جزاؤه جهنم لا يقبل الله من أصحابه صرفاً ولا عدلاً. {فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. لأن التقوى تنأى بهم عن الآثام والفواحش - وأفحش الفواحش الشرك بالله واغتصاب سلطانه وادعاء خصائص ألوهيته - وتقودهم إلى الطيبات والطاعات؛ وتنتهي بهم إلى الأمن من الخوف والرضى عن المصير. {والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.. لأن التكذيب والاستكبار عن الاستسلام لعهد الله وشرطه يلحق المستكبرين بوليهم إبليس في النار؛ حيث يحق وعد الله: {لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين}.. ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية: {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}..ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين المستكبرين؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارئ القرآن وسامعه؛ ويشهده، بكل كينونته. لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وحياً متحركاً، وبارزاً شاخصاً.. وعاش المسلمون في ذلك العالم عيشة كاملة. رأوا مشاهده وتأثروا بها، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً.. وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة! وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهم القديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبئ به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى: {أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون}.. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم! وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق. والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة. ها نحن أولاء أمام مشهد الاحتضار. احتضار الذين افتروا على الله الكذب، فزعموا أن ما ورثوه عن آبائهم من التصورات والشعائر، وما شرعوه هم لأنفسهم من التقاليد والأحكام، أمرهم به الله، والذين كذبوا بآيات الله التي جاءهم بها الرسل - وهي شرع الله المستيقن - وآثروا الظن والخرص على اليقين والعلم. وقد نالوا نصيبهم من متاع الدنيا الذي كتب لهم، ومن فترة الابتلاء التي قدرها الله، كما نالوا نصيبهم من آيات الله التي أرسل بها رسله وأبلغهم الرسل نصيبهم من الكتاب: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياتنا؟ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب، حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم، قالوا: أين ما كنتم تدعون من دون الله؟ قالوا: ضلوا عنا، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}.. ها نحن أولاء أمام مشهد هؤلاء الذين افتروا على الله كذباً أو كذبوا بآياته؛ وقد جاءتهم رسل ربهم من الملائكة يتوفونهم، ويقبضون أرواحهم. فدار بين هؤلاء وهؤلاء حوار: {قالوا: أين ما كنتم تدعون من دون الله؟}.. أين دعاويكم التي افتريتم على الله؟ وأين آلهتكم التي توليتم في الدنيا، وفتنتم بها عما جاءكم من الله على لسان الرسل؟ أين هي الآن في اللحظة الحاسمة التي تسلب منكم فيها الحياة؛ فلا تجدون لكم عاصماً من الموت يؤخركم ساعة عن الميقات الذي أجله الله؟ ويكون الجواب هو الجواب الوحيد، الذي لا معدى عنه، ولا مغالطة فيه: {قالوا: ضلوا عنا}! غابوا عنا وتاهوا! فلا نحن نعرف لهم مقراً، ولا هم يسلكون إلينا طريقاً!.. فما أضيع عباداً لا تهتدي إليهم آلهتهم، ولا تسعفهم في مثل هذه اللحظة الحاسمة! وما أخيب آلهة لا تهتدي إلى عبادها. في مثل هذا الأوان! {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}.. وكذلك شهدناهم من قبل في سياق السورة عندما جاءهم بأس الله في الدنيا:{أية : فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا: إنا كنا ظالمين }! تفسير : فإذا انتهى مشهد الاحتضار، فنحن أمام المشهد التالي، وهؤلاء المحتضرون في النار!.. ويسكت السياق عما بينهما، ويسقط الفترة بين الموت والبعث والحشر. وكأنما يؤخذ هؤلاء المحتضرون من الدار إلى النار! {قال: ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار، كلما دخلت أمة لعنت أختها، حتى إذا ادَّاركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم: ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار. قال: لكل ضعف ولكن لا تعلمون. وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل، فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون}. {ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار}. انضموا إلى زملائكم وأوليائكم من الجن والإنس.. هنا في النار.. أليس إبليس هو الذي عصى ربه؟ وهو الذي أخرج آدم من الجنة وزوجه؟ وهو الذي أغوى من أغوى من أبنائه؟ وهو الذي أوعده الله أن يكون هو ومن أغواهم في النار؟.. فادخلوا إذن جميعاً.. ادخلوا سابقين ولاحقين.. فكلكم أولياء.. وكلكم سواء! ولقد كانت هذه الأمم والجماعات والفرق في الدنيا من الولاء بحيث يتبع آخرها أولها؛ ويملي متبوعها لتابعها.. فلننظر اليوم كيف تكون الأحقاد بينها، وكيف يكون التنابز فيها: {كلما دخلت أمة لعنت أختها}! فما أبأسها نهاية تلك التي يلعن فيها الابن أباه؛ ويتنكر فيها الولي لمولاه! {حتى إذا اداركوا فيها جميعاً}.. وتلاحق آخرهم وأولهم، واجتمع قاصيهم بدانيهم، بدأ الخصام والجدال: {قالت أخراهم لأولاهم: ربنا هؤلاء أضلونا، فآتهم عذاباً ضعفاً من النار}.. وهكذا تبدأ مهزلتهم أو مأساتهم! ويكشف المشهد عن الأصفياء والأولياء، وهم متناكرون أعداء؛ يتهم بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، ويطلب له من {ربنا} شر الجزاء.. من {ربنا} الذين كانوا يفترون عليه ويكذبون بآياته؛ وهم اليوم ينيبون إليه وحده ويتوجهون إليه بالدعاء! فيكون الجواب استجابة للدعاء. ولكن أية استجابة؟! {قال: لكل ضعف، ولكن لا تعلمون}. لكم ولهم جميعاً ما طلبتم من مضاعفة العذاب! وكأنما شمت المدعو عليهم بالداعين، حينما سمعوا جواب الدعاء، فإذا هم يتوجهون إليهم بالشماتة.. كلنا سواء.. في هذا الجزاء: {وقالت أولاهم لأخراهم: فما كان لكم علينا من فضل. فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون}! وبهذا ينتهي ذلك المشهد الساخر الأليم، ليتبعه تقرير وتوكيد لهذا المصير الذي لن يتبدل - وذلك قبل عرض المشهد المقابل للمؤمنين في دار النعيم -: {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وكذلك نجزي المجرمين. لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش، وكذلك نجزي الظالمين}.. ودونك فقف بتصورك ما تشاء أمام هذا المشهد العجيب.. مشهد الجمل تجاه ثقب الإبرة. فحين يفتح ذلك الثقب الصغير لمرور الجمل الكبير، فانتظر حينئذ - وحينئذ فقط - أن تفتح أبواب السماء لهؤلاء المكذبين، فتقبل دعاءهم أو توبتهم - وقد فات الأوان - وأن يدخلوا إلى جنات النعيم! أما الآن، وإلى أن يلج الجمل في سم الخياط، فهم هنا في النار، التي تداركوا فيها جميعاً وتلاحقوا؛ وتلاوموا فيها وتلاعنوا، وطلب بعضهم لبعض سوء الجزاء، ونالوا جميعاً ما طلبه الأولياء للأولياء! {وكذلك نجزي المجرمين}.. ثم إليك هيئتهم في النار: {لهم من جهنم مهادٌ، ومن فوقهم غواشٍ}.. فلهم من نار جهنم من تحتهم فراش، يدعوه - للسخرية - مهاداً، وما هو مهد ولا لين ولا مريح! - ولهم من نار جهنم أغطية تغشاهم من فوقهم! {وكذلك نجزي الظالمين}.. والظالمون هم المجرمون. والظالمون هم المشركون المكذبون بآيات الله، المفترون الكذب على الله.. كلها أوصاف مترادفة في تعبير القرآن. والآن فلننظرإلى المشهد المقابل: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات - لا نكلف نفساً إلا وسعها - أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. ونزعنا ما في صدورهم من غل، تجري من تحتهم الأنهار، وقالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا - وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله - لقد جاءت رسل ربنا بالحق. ونودوا: أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون}.. هؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات قدر استطاعتهم، لا يكلفون إلا طاقتهم.. هؤلاء هم يعودون إلى جنتهم! إنهم أصحابها - بإذن الله وفضله - ورثها لهم - برحمته - بعملهم الصالح مع الإيمان.. جزاء ما اتبعوا رسل الله وعصوا الشيطان. وجزاء ما أطاعوا أمر الله العظيم الرحيم، وعصوا وسوسة العدو اللئيم القديم! ولولا رحمة الله ما كفى عملهم - في حدود طاقتهم - وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : لن يدخل أحداً منكم الجنة عمله"تفسير : . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:"حديث : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"تفسير : . وليس هنالك تناقض ولا اختلاف بين قول الله سبحانه في هذا الشأن، وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا ينطق عن الهوى.. وكل ما ثار من الجدل حول هذه القضية بين الفرق الإسلامية لم يقم على الفهم الصحيح لهذا الدين، إنما ثار عن الهوى! فلقد علم الله من بني آدم ضعفهم وعجزهم وقصورهم عن أن تفي أعمالهم بحق الجنة. ولا بحق نعمة واحدة من نعمه عليهم في الدنيا. فكتب على نفسه الرحمة؛ وقبل منهم جهد المقل القاصر الضعيف؛ وكتب لهم به الجنة، فضلاً منه ورحمة، فاستحقوها بعملهم ولكن بهذه الرحمة.. وبعد، فإذا كان أولئك المفترون المكذبون المجرمون الظالمون الكافرون المشركون يتلاعنون في النار ويتخاصمون، وتغلي صدورهم بالسخائم والأحقاد، بعد أن كانوا أصفياء أولياء.. فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة إخوان متحابون متصافون متوادون، يرف عليهم السلام والولاء: {ونزعنا ما في صدورهم من غل}.. فهم بشر. وهم عاشوا بشراً. وقد يثور بينهم في الحياة الدنيا غيظ يكظمونه، وغل يغالبونه ويغلبونه.. ولكن تبقى في القلب منه آثار. قال القرطبي في تفسيره المسمى أحكام القرآن: (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "حديث : الغل على أبواب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين" تفسير : :.. وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: أرجوا أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: {ونزعنا ما في صدورهم من غل}.. وإذا كان أهل النار يصطلون النار من تحتهم ومن فوقهم. فأهل الجنة تجري من تحتهم الأنهار؛ فترف على الجو كله أنسام: {تجري من تحتهم الأنهار}.. وإذا كان أولئك يشتغلون بالتنابز والخصام، فهؤلاء يشتغلون بالحمد والاعتراف: {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق}.. وإذا كان أولئك ينادون بالتحقير والتأنيب: {ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار}.. فإن هؤلاء ينادون بالتأهيل والتكريم: {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون}.. إنه التقابل التام بين أصحاب الجنة وأصحاب النار. ثم يستمر العرض، فإذا نحن أمام مشهد لاحق للمشهد السابق. لقد اطمأن أصحاب الجنة إلى دارهم؛ واستيقن أصحاب النار من مصيرهم. وإذا الألولون ينادون الآخرين، يسألونهم عما وجدوه من وعد الله القديم: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار: أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قالوا: نعم! فأذن مؤذن بينهم: أن لعنة الله على الظالمين. الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة كافرون}.. وفي هذا السؤال من السخرية المرة ما فيه.. إن المؤمنين على ثقة من تحقق وعيد الله كثقتهم من تحقق وعده. ولكنهم يسألون. ويجيء الجواب في كلمة واحدة.. نعم..! وعندئذ ينتهي الجواب، ويقطع الحوار: {فأذن مؤذن بينهم: أن لعنة الله على الظالمين. الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، وهم بالآخرة كافرون}.. فيتحدد معنى {الظالمين} المقصود. وهو مرادف لمعنى {الكافرين}. فهم الذين يصدون عن سبيل الله، ويريدون الطريق عوجاً لا استقامة فيه، وهم بالآخرة كافرون. وفي هذا الوصف: {ويبغونها عوجاً}.. إيحاء بحقيقة ما يريده الذين يصدون عن سبيل الله. إنهم يريدون الطريق العوجاء؛ ولا يريدون الطريق المستقيم. يريدون العوج ولا يريدون الاستقامة. فالاستقامة لها صورة واحدة: صورة المضي على طريق الله ونهجه وشرعه. وكل ما عداه فهو أعوج؛ وهو إرادة للعوج. وهذه الإرادة تلتقي مع الكفر بالآخرة. فما يؤمن بالآخرة أحد، ويستيقن أنه راجع إلى ربه؛ ثم يصد عن سبيل الله، ويحيد عن نهجه وشرعه.. وهذا هو التصوير الحقيقي لطبيعة النفوس التي تتبع شرعاً غير شرع الله. التصوير الذي يجلو حقيقة هذه النفوس ويصفها الوصف الداخلي الصحيح. ثم يتوجه النظر إلى المشهد من ظاهره. فإذا هنالك حاجز يفصل بين الجنة والنار؛ عليها رجال يعرفون أصحاب الجنة وأصحاب النار بسيماهم وعلاماتهم.. فلننظر من هؤلاء، وما شأنهم مع أصحاب الجنة وأصحاب النار؟ {وبينهما حجاب، وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم. ونادوا أصحاب الجنة: أن سلام عليكم.. لم يدخلوها وهم يطمعون. وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم، قالوا: ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون. أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؟ ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}.. روي أن هؤلاء الرجال الذين يقفون على الأعراف - الحجاب الحاجز بين الجنة والنار - جماعة من البشر، تعادلت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تصل بهم تلك إلى الجنة مع أصحاب الجنة، ولم تؤد بهم هذه إلى النار مع أصحاب النار.. وهم بين بين، ينتظرون فضل الله ويرجون رحمته.. وهم يعرفون أهل الجنة بسيماهم - ربما ببياض الوجوه ونضرتها أو بالنور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم - ويعرفون أهل النار بسيماهم - ربما بسواد الوجوه وقترتها، أو بالوسم الذي على أنوفهم التي كانوا يشمخون بها في الدنيا، كالذي جاء في سورة القلم:{أية : سنسمه على الخرطوم}تفسير : ! وها هم أولاء يتوجهون إلى أهل الجنة بالسلام.. يقولونها وهم يطمعون أن يدخلهم الله الجنة معهم!.. فإذا وقعت أبصارهم على أصحاب النار - وكأنما يصرفون إليهم صرفاً لا عن إرادة منهم - استعاذوا بالله أن يكون مصيرهم معهم! {وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم. ونادوا أصحاب الجنة: أن سلام عليكم.. لم يدخلوها وهم يطمعون.. وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين}.. ثم يبصرون برجال من كبار المجرمين معروفين لهم بسيماهم. فيتجهون إليهم بالتبكيت والتأنيب: {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم، قالوا: ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون}! فها أنتم هؤلاء في النار، لا جمعكم نفعكم، ولا استكباركم أغنى عنكم! ثم يذكرونهم بما كانوا يقولونه عن المؤمنين في الدنيا من أنهم ضالون، لا ينالهم الله برحمة: {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة!}! انظروا الآن أين هم؟ وماذا قيل لهم: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}.. وأخيراً. ها نحن أولاء نسمع صوتاً آتياً من قبل النار، ملؤه الرجاء والاستجداء: {ونادى أصحابُ النار أصحابَ الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله}! وها نحن أولاء نلتفت إلى الجانب الآخر نسمع الجواب ملؤه التذكير الأليم المرير: {قالوا: إن الله حرمهما على الكافرين. الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا}.. ثم إذا صوت البشر عامة يتوارى، لينطق رب العزة والجلالة، وصاحب الملك والحكم: {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا. وما كانوا بآياتنا يجحدون. ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم، هدى ورحمة لقوم يؤمنون. هل ينظرون إلا تأويله؟ يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل: قد جاءت رسل ربنا بالحق، فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا، أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل. قد خسروا أنفسهم، وضل عنهم ما كانوا يفترون}.. وهكذا تتوالى صفحات المشهد جيئة وذهوباً.. لمحة في الآخرة ولمحة في الدنيا. لمحة مع المعذبين في النار، المنسيين كما نسوا لقاء يومهم هذا وكما جحدوا بآيات الله، وقد جاءهم بها كتاب مفصل مبين. فصله الله - سبحانه - على علم - فتركوه واتبعوا الأهواء والأوهام والظنون.. ولمحة معهم - وهم بعد في الدنيا - ينتظرون مآل هذا الكتاب وعاقبة ما جاءهم فيه من النذير؛ وهم يُحذّرون أن يجيئهم هذا المآل. فالمآل هو ما يرون في هذا المشهد من واقع الحال! إنها خفقات عجيبة في صفحات المشهد المعروض؛ لا يجليها هكذا إلا هذا الكتاب العجيب! وهكذا ينتهي ذلك الاستعراض الكبير؛ ويجيء التعقيب عليه متناسقاً مع الابتداء. تذكيراً بهذا اليوم ومشاهده، وتحذيراً من التكذيب بآيات الله ورسله، ومن انتظار تأويل هذا الكتاب فهذا هو تأويله، حيث لا فسحة لتوبة، ولا شفاعة في الشدة، ولا رجعة للعمل مرة أخرى. نعم.. هكذا ينتهي الاستعراض العجيب. فنفيق منه كما نفيق من مشهد أخاذ كنا نراه. ونعود منه إلى هذه الدنيا التي فيها نحن! وقد قطعنا رحلة طويلة طويلة في الذهاب والمجيء! إنها رحلة الحياة كلها، ورحلة الحشر والحساب والجزاء بعدها.. ومن قبل كنا مع البشرية في نشأتها الأولى، وفي هبوطها إلى الأرض وسيرها فيها! وهكذا يرتاد القرآن الكريم بقلوب البشر هذه الآماد والأكوان والأزمان. يريها ما كان وما هو كائن وما سيكون.. كله في لمحات.. لعلها تتذكر، ولعلها تسمع للنذير: {أية : كتاب أنزل إليك، فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين. اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، ولا تتبعوا من دونه أولياء، قليلاً ما تذكرون }..
ابن عاشور
تفسير : يجيء في موقع هذه الجملة: من التّأويل، ما تقدّم في القولِ في نظيرتها وهي قوله تعالى: {أية : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم} تفسير : [الأعراف: 26]. والتّأويل الذي استظهرنا به هنالك يبدو في هذه النظيرة الرّابعة أوضحَ. وصيغة الجمع في قوله: {رسل} ــــ وقوله ــــ {يقصون} تقتضي توقّع مجيءِ عدّةِ رسل، وذلك منتف بعد بعثة الرّسول الخاتم للرّسل الحاشر العاقب عليه الصّلاة والسّلام، فذلك يتأكّد أن يكون هذا الخطاب لبني آدم الحاضرين وقت نزول القرآن، ويرجح أن تكون هذه النّداآت الأربعة حكاية لقوللٍ موجّه إلى بني آدم الأوّلين الذي أوّلُه: {أية : قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون}تفسير : [الأعراف: 25]. قال ابن عطيّة: «وكأنّ هذا خطاب لجميع الأمم، قديمها وحديثها، هو متمكّن لهم، ومتحصّل منه لحاضري محمّد صلى الله عليه وسلم أنّ هذا حكم الله في العالم منذ أنشأه» يريد أنّ الله أبلغ النّاس هذا الخطابَ على لسان كلّ نبيء، من آدم إلى هلم جرّا، فما من نبيء أو رسول إلاّ وبلَّغه أمَّته، وأمَرَهم بأن يبلغ الشّاهد منهم الغائبَ، حتّى نزل في القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فعلمت أمّته أنّها مشمولة في عموم بني آدم. وإذا كان ذلك متعيّناً في هذه الآية أو كالمتعيّن تعيّن اعتبار مثله في نظائرها الثّلاث الماضية، فشد به يدك. ولا تعبأْ بمن حَرَدك. فأمَا إذا جعل الخطاب في هذه الآية موجّهاً إلى المشركين في زمن النّزول، بعنوان كونهم من بني آدم، فهنالك يتعيّن صرف معنى الشّرط إلى ما يأتي من الزّمان بعد نزول الآية لأنّ الشّرط يقتضي الاستقبال غالباً. كأنّه قيل إنْ فاتكم اتّباع ما أنزل إليكم فيما مضى لا يَفْتُكم فيما بقي، ويتعيّن تأويل يأتينّكم بمعنى يَدْعُونَّكم، ويتعيَّن جعل جمع الرّسل على إرادة رسول واحد، تعظيماً له، كما في قوله تعالى: {أية : وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم} تفسير : [الفرقان: 37] أي كذّبوا رسوله نُوحا، وقوله: {أية : كذبت قوم نوح المرسلين} تفسير : [الشعراء: 105] وله نظائر كثيرة في القرآن. وهذه الآية، والتي بعدها متّصلتا المعنى بمضمون قوله تعالى في أوّل السّورة:{أية : وكم من قرية أهلكناها}تفسير : [الأعراف: 4] الآية اتّصال التّفصيل بإجماله. أكد به تحذيرهم من كيد الشّيطان وفتونه، وأراهم به مناهج الرّشد التي تُعين على تجنّب كيده، بدعوة الرّسل إياهم إلى التّقوى والإصلاح، كما أشار إليه بقوله، في الخطاب السّابق: {أية : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة}تفسير : [الأعراف: 27] وأنبأهم بأنّ الشّيطان توعَّد نوع الإنسان فيما حكى الله في قوله: {أية : قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} تفسير : [الأعراف: 16] الآية فلذلك حذرّ الله بني آدم من كيد الشّيطان، وأشعرهم بقوّة الشّيطان بقوله: {أية : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} تفسير : [الأعراف: 27] عسى أن يتّخذوا العُدّة للنّجاة من مخالب فتنته، وأردف ذلك بالتّحذير من حزبه ودعاته الذين يفتنون المؤمنين، ثمّ عزّز ذلك بإعلامه إياهم أنّه أعانهم على الاحتراز من الشّيطان، بأن يبعث إليهم قوماً من حزب الله يبلّغونهم عن الله ما فيه منجاة لهم من كيد الشّياطين، بقوله: {يا بني آدم إما يأتيكم رسل منكم} الآية فأوصاهم بتصديقهم والامتثال لهم. و{إمَّا} مركّبة من (إن) الشّرطيّة و(ما) الزائدة المؤكّدة لمعنى الشّرطية، واصطلح أيمّة رسم الخطّ على كتابتها في صورة كلمة واحدَة، رعْياً لحالة النّطق بها بإدغام النّون في الميم، والأظهر أنّها تفيد مع التّأكيد عموم الشّرط مثل أخواتها (مهما) و(أينما)، فإذا اقترنت بإن الشّرطية اقترنت نون التّوكيد بفعل الشّرط كقوله تعالى: {أية : فإما ترين من البشر أحداً فقولي} تفسير : سورة مريم (26) لأنّ التّوكيد الشّرطي يشبه القسم، وهذا الاقتران بالنّون غالب، ولأنّها لما وقعت توكيداً للشّرط تنزّلت من أداة الشّرط منزلة جزء الكلمة. وقوله: {منكم} أي من بني آدم، وهذا تنبيه لبَني آدم بأنّهم لا يترقّبون أن تجيئهم رسل الله من الملائكة لأنّ المرسَل يكون من جنس من أرسل إليهم، وفي هذا تعريض بالجهلة من الأمم الذين أنكروا رسالة الرّسل لأنّهم من جنسهم، مثل قوم نوح، إذ قالوا: {أية : ما نراك إلا بشراً مثلنا} تفسير : [هود: 27] ومثل المشركين من أهل مكّة إذ كذّبوا رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم بأنّه بَشر قال تعالى: {أية : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أَبَعثَ الله بشراً رسولاً قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً} تفسير : [الإسراء: 94، 95]. ومعنى {يقصون عليكم آياتي} يتلونها ويحكونها ويجوز أن يكون بمعنى يُتبعون الآية بأخرى ويجوز أن يكون بمعنى يظهرون وكلّها معان مجازيّة للقص لأنّ حقيقة القص هي أنّ أصل القصص إتْباع الحديث من اقتصاص أثر الأرجل واتّباعه لتعرف جهة الماشي، فعلى المعنى الأوّل فهو كقوله في الآية الأخرى: {أية : ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم} تفسير : [الزمر: 71] وأيّاً مّا كان فهو محتمل للحمل على جميعها من استعمال اللّفظ في مجازيْه. الآية أصلها العلامة الدّالة على شيء، من قول أو فعل، وآيات الله الدّلائل التي جعلها دالة على وجوده، أو على صفاته، أو على صدق رسله، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} تفسير : في سورة البقرة (39)، وقوله تعالى: {أية : وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه} تفسير : في سورة الأنعام (37)، ومنه آيات القرآن التي جعلها الله دلالة على مراده للنّاس، للتّعريض بالمشركين من العرب، الذين أنكروا رسالة محمّد. ووجه دلالة الآيات على ذلك إمّا لأنّها جاءت على نظم يَعجز البشر عن تأليف مثله، وذلك من خصائص القرآن، وإمّا لأنّها تشتمل على أحكام ومعان لا قِبَل لغير الله ورسوله بإدراك مثلها، أو لأنّها تدعو إلى صلاح لم يعهَدْه النّاس. فيَدل ما اشتملت عليه على أنّه ممّا أراده الله للنّاس، مثل بقيّة الكتب التي جاءت بها الرّسل، وإمّا لأنّها قارنتها أمور خارقة للعادة تحدّى بها الرّسولُ المرسلُ بتلك الأقوال أمَّتَه، فهذا معنى تسميتها آيات، ومعنَى إضافتها إلى الله تعالى، ويجوز أن يكون المراد بالآيات ما يشمل المعجزاتتِ غيرَ القولية، مثل نبع الماء من بين أصابع محمّد ومثل قلب العصا حيّة لموسى عليه السلام. وابراء الأكمه لعيسى عليه السّلام، ومعنى التّكذيب بها العناد بإنكارها وجحدها. وجملة: {فمن اتقى وأصلح} جواب الشّرط وبينها وبين جملة: {إما يأتينكم} محذوف تقديره: فاتقى منكم فريق وكذب فريق {فمن اتقى} إلخ، وهذه الجملة شرطيّة أيضاً، وجوابها {فلا خوف عليهم}، أي فمن اتّبع رسلي فاتّقاني وأصلح نفسه وعمله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولمّا كان إتيان الرّسل فائدته لإصلاح النّاس، لا لنفع الرّسل، عُدل عن جعل الجواب اتّباعّ الرّسل إلى جعله التّقوى والصّلاح. إيماء إلى حكمة إرسال الرّسل، وتحريضا على اتّباعهم بأن فائدتُه للأمم لا للرّسل، كما قال شعيب: {أية : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت}تفسير : [هود: 88]، أي لا خوف عليهم من عقوبة الله في الدّنيا والآخرة ولا هم يحزنون من شيء من ذلك، فالخوف والحزن المنفيان هما ما يوجبه العقاب، وقد ينتفي عنهم الخوف والحزن مطلقاً بمقدار قوّة التّقوى والصّلاح، وهذا من الأسرار التي بين الله وعباده الصّالحين، ومثلُه قوله تعالى: {أية : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} تفسير : [يونس: 62 ـــ 64]. وقد نُفي الخوف نفي الجنس بلا النّافية له، وجيء باسمها مرفوعاً لأنّ الرّفع يساوي البناء على الفتح في مثل هذا، لأنّ الخوف من الأجناس المعنوية التي لا يتوهّم في نفيها أن يكون المراد نفي الفرد الواحدِ، ولو فتح مثله لصحّ، ومنه قول الرابّعة من نساء حديث أمّ زرع: «زوجي كَلَيْلِ تِهامَه، لا حَرّ ولا قَرّ ولا مخافة ولا سئامَه» فقد روي بالرّفع وبالفتح. و(على) في قوله: {فلا خوف عليهم} للاستعلاء المجازي، وهو المقارنة والملازمة، أي لا خوف ينالهم. وقوله: {ولا هم يحزنون} جملة عطفت على جملة: {فلا خوف عليهم}، وعُدل عن عطف المفرد، بأن يقال ولا حَزَنٌ، إلى الجملة: ليتأتى بذلك بناء المسند الفعلي على ضميرهم، فيدلّ على أنّ الحَزَن واقع بغيرهم، وهم الذين كفروا. فإنّ بناء الخبر الفعلي على المسند إليه المتقدّم عليه يفيد تخصيص المسند إليه بذلك الخبر، نحو: ما أنا قُلْتُ هذا، فإنّه نفيُ صدور القول من المتكلّم مع كون القول واقعاً من غيره، وعليه بيت «دلائل الإعجاز»، (وهو للمتنبّي):شعر : وما أنا أسقمت جسمي به ولا أنا أضرَمْتُ في القلب ناراً تفسير : فيفيد أنّ الذين كفروا يَحزنون إفادة بطريق المفهوم، ليكون كالمقدّمة للخبر عنهم بعد ذلك بأنّهم أصحاب النّار هم فيها خالدون. وجملة: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار} معطوفة على جملة {فمن اتَّقى وأصلح}. والرَابط محذوف تقديره: والذين كفروا منكم وكذّبوا. والاستكبار مبالغة في التّكبّر، فالسين والتّاء للمبالغة. وهو أن يعُد المرء نفسه كبيراً أي عظيماً وما هو به، فالسّين والتاء لعد والحسبان، وكلا الأمرين يؤذن بإفراطهم في ذلك وأنّهم عَدَوْا قدرهم. وضمن الاستكبار معنى الإعراض. فعلّق به ضمير الآيات. والمعنى: واستكبروا فأعرضوا عنها. وأفاد تحقيق أنّهم صائرون إلى النّار بطريق قصر ملازمة النّار عليهم في قوله: {أولئك أصحاب النار} لأنّ لفظ أصحاب مؤذن بالملازمة. وبما تدلّ عليه الجملة الاسميّة من الدّوام والثّبات في قوله: {هم فيها خالدون}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إما يأتينكم: أصل إما إن - الشرطية - وما زائدة لتقوية الكلام أدغمت فيها (إن) فصارت إما. يقصون عليكم آياتي: يتلونها عليكم آية بعد آية مبينين لكم ما دلت عليه من أحكام الله وشرائعه، ووعده ووعيده. فمن اتقى: أي الشرك فلم يشرك وأصلح نفسه بالأعمال الصالحة. فلا خوف عليهم: في الدنيا والآخرة. ولا هم يحزنون: على ما تركوا وراءهم أو فاتهم الحصول عليه من أمور الدنيا. معنى الآيتين: هذا النداء جائز أن يكون نداءً عاماً لكل بني آدم كما هو ظاهر اللفظ وأن البشرية كلها نوديت به على ألسنة رسلها، وجائز أن يكون خاصاً بمشركي العرب وأن يكون المراد من الرسل محمد صلى الله عليه وسلم ذكر بصيغة الجمع تعظيماً وتكريماً له، وما نوديت إليه البشرية أو مشركوا العرب هو إخبار الله تعالى لهم بأن من جاءه رسول من جنسه يتلو عليه آيات ربه وهي تحمل العلم بالله وصفاته وبيان محابه ومساخطه، فمن اتقى الله فترك الشرك به، وأصلح ما أفسده قبل العلم من نفسه وخلقه وعقله وذلك بالإِيمان والعمل الصالح فهؤلاء في حكم الله أنه {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} في الحياتين معاً، أما الذين كذبوا بآيات الله التي جاءت الرسل بها وقصتها عليهم واستكبروا عن العمل به كما استكبروا عن الإِيمان بها، فأولئك البعداء من كل خير {أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ} أي أهلها {هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ} لا يخرجون منها بحال من الأحوال. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- قطع حجة بني آدم بإرسال الرسل إليهم. 2- أول ما يبدأ به في باب التقوى الشرك بأن يتخلى عنه الإِنسان المؤمن أولاً. 3- الإِصلاح يكون بالأعمال الصالحة التي شرعها الله مزكية للنفوس مطهرة لها. 4- التكذيب كالاستكبار كلاهما مانع من التقوى والعمل الصالح. ولذا أصحابهما هم أصحاب النار.
القطان
تفسير : بعد أن بيّن سبحانه بوضوح أن لكلِ أُمةٍ أجلاً لا تعدوه، خاطب الناس جميعا بأنه يرسِل الرسُل الى الناس كي يبيّنوا لهم اصول الدين. يا بني آدم: إن يأتِكم رسُلٌ من أبناء جنسكم من البشر ليبلّغوكم آياتي التي أوحيتُها لهم، كنتم فريقين: فالّذين يؤمنون ويعملون الصالحاتِ لا خوفٌ عليهم من عذاب الآخرة ولا هم يحزَنون في ديناهم واخراهم. اما الّذين يكذّبون اولئك الرسُل، ويستكبرون عن اتّباع الآيات فأولئك أهلُ النار، يخلُدون فيها ابدا، لأن التكذيبَ للرسل والاستكبار عن الانقياد لله يُلحِق المستكبرين بوليّهم إبليس في النار: حيث خاطبه ربّه: {أية : لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الأعراف: 18].
د. أسعد حومد
تفسير : {يَابَنِيۤ ءَادَمَ} {آيَاتِي} (35) - وَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ بِأَنَّهُ سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ رُسُلاً مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِمْ مِنِ البَشَرِ، يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِ اللهِ وَيُبَيِّنُونَ لَهُمْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ. فَمَنْ آمَنَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ، وَآمَنَ بِرُسُلِهِ، وَاتَّقَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَأَصْلَحَ نَفْسَهُ بِفِعْلِ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَحْسَنَ العَمَلَ .. فَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أَمْنٍ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَخَافُ مِمَّا هُوَ مُقْدِمٌ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وَلاَ يَحْزَنُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ حَيَاتِهِ فِي الدُّنْيا، وَلاَ عَلَى مَا خَلَّفَهُ فِيهَا وَرَاءَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا ينادي الحق أبناء آدم، بعد أن ذكرهم أنه أحل لهم الطيبات والزينة وحرم عليهم المسائل الخمسة من الفاحشة والمنكر والبغي والإِثم والشرك، ووضع لهم نظاماً يضمن سلامة المجتمع، وطمأنهم بأنه منتقم من أي أمة ظالمة بأن جعل للظلم نهاية وأجلاً. فعليكم يا بني آدم أن تأخذوا أمور حياتكم في إطار هذه المقدمات. {يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي...} [الأعراف: 35] عليكم أن تستقبلوا رسل الله استقبال الملهوف المستشرق المتطلع إلى ما يحميه وإلى ما ينفعه؛ لأن الرسول هو من يعلن لكل واحد منكم ما أحله الله من طيبات الحياة وملاذها، ويبين لكم ما حرم الله ليحيا المجتمع سليماً. كان المظنون أن ساعة يأتي الرسول نجد المجتمع يحرص على ملازمته وعلى تلقي البلاغ منه، لا أن يظل الرسول يدعو باللين بينما المجتمع يتأبى عليه. لكن من رحمة الله أن يتأبى المجتمع ويلح الرسول مبيناً آيات الله وبيناته كي يأخذ كل إنسان ما يساعده على أمر حياته ويهتدي إلى الصراط المستقيم، وأنت إذا ما أصبت في عافيتك تلح على الطبيب وتبحث عنه، فكان مقتضى العقل أنه إذا جاء رسول ليبلغنا منهج الله في إدارة حركة الحياة أن نتشوق إليه ونتطلع، لا أن نعاديه، وعادة ما يسعد بالرسول أهل الفطرة السليمة بمجرد أن يقول الرسول: أنه رسول ومعه آية صدقه. ويقيس أهل الفطرة السليمة قول الرسول بماضيه معهم، فيعلمون أنه مخلص لم يرتكب الإثم. وهذه فائدة قوله الحق: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128] فلم يأت لكم إنسان لا تعرفونه بل لكم معه تاريخ واضح وجلي، لذلك نجد الذين آمنوا برسول الله أول الأمر لم ينتظروا إلى أن يتلو عليهم القرآن، لكنهم آمنوا به بسوابق معرفتهم له؛ لأنهم عايشوه، وعرفوا كل تفاصيل أخلاقه. ومثال ذلك: عندما أخبر محمد صلى الله عليه وسلم سيدتنا خديجة - رضوان الله عليها - بنبأ رسالته وأسرّ لها بخوفه من أن يكون ما نزل إليه هو من أمور الجن أو مسها، أسرعت إلى ورقة بن نوفل؛ لأنه عنده علم بكتاب، وقبل ذلك قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك لتصل الرحم وتحمل الكَلَّ وتعين على نوائب الحق وتكسب المعدوم". وكل هذه المقدمات تدل على أنك - يا رسول الله - في حفظ الله ورعايته؛ لأنك كنت مستقيم السلوك قبل أن تُنَّبَّأ، وقبل أن توجد كرسول من الله. وهل معقول أن مَن يترك الكذب على الناس يكذب على الله؟! وكذلك نجد سيدنا أبا بكر الصديق بمجرد ما أن قال رسول الله: أنا رسول، قال له: صدقت. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على صدق الفطرة، وهذه هي فائدة {رسول من أنفسكم} أو من جنسكم البشري حتى نجد فيه الأسوة الحسنة. ولو جاء لنا رسول من الملائكة وقال لنا: هذا هو المنهج ولكم أسوة بي، كنا سنرد عليه الرد المقنع السهل اليسير: وهل نقدر أن نفعل مثلك وأنت ملَكٌ مفطور على الخير؟. لكن حين يأتينا رسول من جنسنا البشري، وهو صالح أن يصدر منه الخير، وصالح أن يصدر منه الشر فهو الأسوة الموجودة، ولذلك كان من غباء الكافرين أن قالوا ما جاء به القرآن على ألسنتهم: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94] إنه الغباء وقصر النظر والغضب؛ لأن الله بعث محمداً وهو من البشر، فهل كانوا يريدون مَلَكاً؟ ولو كان ملكاً فكيف تكون به الأسوة وطبعه مختلف عن طبائع البشر؟. ولذلك يرد الحق الرد المنطقي: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95] وذلك حتى تتحقق لنا الأسوة فيه؛ فسبحانه لم يقتحم وجودكم التكليفي، ولم يُدخلكم في أمر يشتد ويشق عليكم لكنه جاء لكم بواحد منكم تعرفون تاريخه. ولم يأت به من جنس آخر. {يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي...} [الأعراف: 35] وانظر قوله: {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي}، لقد جاء بكلمة "يقصّون" لأن القصص مأخوذة من مادة "القاف" و"الصاد المضعَّفة"؛ وهذا مأخوذ من "قصّ الأثر"، وكان الرجل إذا ما سرقت جماله أو أغنامه يسير ليرى أثر الأقدام. إذن {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} أي أنهم ملتزمون بما جاء لهم، لا ينحرفون عنه كما لا تنحرفون أنتم عن قص الأثر حين تريدون المؤثِّر في الأثر. {...فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف: 35] و"التقوى" هو أن تجعل بينك وبين شيء يضرك وقاية. ولذلك يقول الحق: {ٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ}، لنرد عن أنفسنا بالعمل الصالح لهيب النار. وإذا قيل: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي اتقوا متعلقات صفات الجبروت من الله؛ لأنكم لن تستطيعوا تحمل جبروت ربنا، وعليكم أن تلتزموا بفعل الأوامر وتلتزموا أيضاً بترك النواهي. والأمر بالتقوى هنا يعني ألا ننكر ونجحد رسالات الرسل؛ لأنهم إنما جاءوا لإِنقاذ البشر، فالمجتمع حين يمرض، عليه أن يسرع ويبادر إلى الطبيب القادم بمنهج الله ليرعاه، وهو الرسول؛ لذلك لا يصح الجحود برسالة عليها دليل ومعجزة. {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. و"أصلح" تدل على أن هناك شيئاً غير صالح فجعله صالحاً، أو حافظ على صلاح الصالح ورقَّى صلاحه إلى أعلى، مثل وجود بئر نشرب منه، فإن كانت البئر تؤدي مهمتها لا نردمها، ولا نلقي فيها قاذورات، وبذلك نبقي الصالح على صلاحه، ويمكن أن نزيد من صلاح البئر بأن نبني حول فوهتها سوراً، أو أن نقوم بتركيب مضخة تمتص الماء من البئر لضخه إلى البيوت. وبذلك نزيد الصالح صلاحاً، والآفة في الدنيا هم الذين يدعون الإِصلاح بينما هم مفسدون، يقول الله فيهم: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف: 103-104] إذن فحين تقدم على أي عمل لابد أن تعرف مقدمات هذا العمل، وماذا ستعطيه تلك المقدمات، وماذا سوف تأخذ منه. وأبق الصالح في الكون على صلاحه أو زده إصلاحاً، وهنا لا خوف عليك ولن تحزن على شيء فاتك ليتحقق قول الحق: {أية : لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ...} تفسير : [الحديد: 23] وما المقابل لمن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ أي هؤلاء الذين أصلحوا واتقوا؟ المقابل هو ما يأتي في قوله الحق: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا...}
الأندلسي
تفسير : {يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} هذا الخطاب هو لبني آدم في الأزل وقيل: هو مراعىً به وقت الإِنزال. وجاء بصورة الاستقبال لتقوى الإِشارة بصحة النبوة إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وما في اما: تأكيد. وجواب الشرط: فمن اتقى وأصلح. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} لما ذكر المكذبين ذكر من هو أسوأ حالاً منهم وهو من يفتري الكذب على الله تعالى أيضاً. وذكر أيضاً من كذب بآياته. {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ} ذكروا أقوالاً كثيرة. والذي يظهر أن الذي كتب لهم في الدنيا من رزق وأجل وغيرهما ينالهم فيها، ولذلك جاءت التغيبة بعد هذا بحتى. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} تقدم الكلام على حتى إذا في أوائل الانعام. والمعنى أنهم ينالهم حظهم مما كتب لهم إلى أن تأتيهم رسل الموت يقبضون أرواحهم فيسألونهم سؤال توبيخ وتقرير: أين معبوداتكم من دون الله تعالى فيجيبون بأنهم: {ضَلُّواْ عَنَّا} أي هلكوا واضمحلوا. والرسل: ملك الموت عليه السلام وأعوانه، ويتوفونهم في موضع الحال وكتبت أينما متصلة، وكان قياس كتابتها الإِنفصال لأن ما موصولة كهي في أنّ ما توعدون لآت؛ إذ التقدير أين الآلهة التي كنتم تعبدون؟ ومعنى تدعون أي تستغيثو لهم لقضاء حوائجكم. وجواب سؤالهم ليس مطابقاً من جهة اللفظ لأنه سؤال عن مكان وأجيب بفعل، وهو مطابق من جهة المعنى إذ تقدير السؤال ما فعل معبودكم من دون الله معكم؟ قالوا: ضلوا عنا. {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ} إستئناف إخبار من الله تعالى بإِقرارهم على أنفسهم بالكفر. {قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ} الآية. أي يقول الله لهم أي للكفار من العرب وهم المفترون الكذب والمكذبون بالآيات، وذلك يوم القيامة. وعبر بالماضي لتحقق وقوعه، وقوله ذلك على لسان الملائكة. ويتعلق في أمم في الظاهر بادخلوا والمعنى في جملة أمم، ويحتمل أن يتعلق بمحذوف فيكون في موضع الحال. وقد خلت من قبلكم، أي تقدمتكم في الحياة الدنيا أو تقدمتكم، أي تقدم دخولها في النار. وقدم الجن لأنهم الأصل في الإِغواء والإِضلال. ودل ذلك أن عصاة الجن يدخلون النار. وفي النار متعلق بخلق على أن المعنى تقدم دخولها أو بمحذوف هو صفة لأمم أي في أمم سابقة في الزمان كائنة من الجن والإِنس كائنة في النار. {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} كلما: للتكرار، ولا يستوي ذلك في الأمة الأولى فاللاحقة تلعن السابقة أو يلعن بعض الأمة الداخلة بعضها. ومعنى أختها، أي في الدين، والمعنى كلما فعلت أمة من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان وغيرهم من الكفار. {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} حتى غاية لما قبلها. والمعنى أنهم يدخلون فوجاً ففوجاً لاعناً بعضهم بعضاً إلى انتهاء تداركهم وتلاحقهم في النار واجتماعهم فيها. وأصل ادّاركوا تداركوا أدغمت التاء في الدال فاجتلبت همزة الوصل. وأخرى هنا بمعنى آخره مؤنث آخر مقابل أول لا مؤنث آخر بمعنى غير كقوله: {أية : وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164]. واللام في لأولادهم: لام السبب، أي لأجل أولاهم لأن خطابهم مع الله تعالى لا معهم. {أَضَلُّونَا} شرعوا لنا الضلال أو جعلونا نضل وحملونا عليه. {ضِعْفاً} زائداً على عذابنا إذ هم كافرون ومسببوا كفرنا. {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} أي لكل من الأخرى، والأولى عذاب مضاعف زائد إلى غير نهاية وذلك أن العذاب مؤبّد فكل ألم يعقبه آخر. وقرأ الجمهور بالتاء على الخطاب للسائل أي لا تعلمون ما لكل فريق من العذاب أو لا تعلمون المقادير وصور العذاب أو خطاب لأهل الدنيا أي ولكن يا أهل الدنيا لا تعلمون مقدار ذلك، وهذه الجملة رد على أولئك السائلين وعدم إسعاف لما طلبوا. {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ} أي قالت الطائفة المتبوعة للطائفة المتبعة. واللام في لأخراهم لام التبليغ نحو: قلت لك أضع كذا لأن الخطاب هو مع أخراهم بخلاف اللام في لأولاهم فإِنهما كما ذكرنا لام السبب لأن الخطاب هناك مع الله تعالى، وقيل: قوله: فما، جملة محذوفة تقديرها فما أجابكم الله تعالى إلى ما طلبتم من تضعيف العذاب لنا. {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} باتباعكم إيانا من الدنيا، بل كفرتم اختيار إلا ان حملناكم على ذلك إجباراً. وإن قوله: فذوقوا العذاب، من كلام الأولى خطاباً للأخرى على سبيل التشفي منهم وإن ذوق العذاب هو بما كسبتم من الآثام لا بسبب دعواكم أنا أضللناكم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا} أي عن قبولها والتفكر فيها والإِيمان والاستكبار هو نتيجة التكذيب. {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ} قرىء لا تفتح مخففاً ومثقلاً وبياء الغيبة أبواب السماء قال ابن عباس: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لما يريدون به طاعته تعالى أي لا يصعد لهم عمل صالح فتفتح له أبواب السماء. وقيل: المعنى لا تفتح لهم أبواب السماء في القيامة ليدخلوا منها إلى الجنة. {حَتَّىٰ يَلِجَ} الولوج: التقحم في الشىء. {ٱلْجَمَلُ} الحيوان المعروف. والجمل حبل السفينة ولغاته تأتي. {سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} ثقبة وتضم سين سم وتفتح وتكسر وكل ثقب في أنف أو أذن إو غير ذلك فالعرب تسميه سُما. والخياط: المخيط، وهما آلتان كازار ومئزر ولحاف وملحف وقناع ومقنع ويلح هذا نفي مغيّا بمستحيل وذكر الجمل لأنه أعظم الحيوان المزاول للإِنسان جثة فلا يلج إلا في باب واسع فلا يدخلون الجنة أبداً. قال الشاعر: شعر : لقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعير تفسير : وقرأ ابن عباس في جماعة وابان عن عاصم الجمل بضم الجيم وفتح الميم مشددة. وفسر بالقلس الغليظ وهو حبل السفينة تجمع من حبال وتفتل وتصير حبلاً واحداً. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ} أي مثل ذلك الجزاء نجزي أهل الجرائم. {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} هذه استعارة لما تحيط بهم من النار من كل جانب، كما قال تعالى: {أية : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}تفسير : [الزمر: 16]. والغواشي جمع غاشية. قال ابن عباس: هي اللحف.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما أخرج اللّه بني آدم من الجنة، ابتلاهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم يقصون عليهم آيات اللّه ويبينون لهم [ ص 288 ] أحكامه، ثم ذكر فضل من استجاب لهم، وخسار من لم يستجب لهم فقال: { فَمَنِ اتَّقَى } ما حرم اللّه، من الشرك والكبائر والصغائر، { وَأَصْلَحَ } أعماله الظاهرة والباطنة { فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من الشر الذي قد يخافه غيرهم { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما مضى، وإذا انتفى الخوف والحزن حصل الأمن التام، والسعادة، والفلاح الأبدي. { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا } أي: لا آمنت بها قلوبهم، ولا انقادت لها جوارحهم، { أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } كما استهانوا بآياته، ولازموا التكذيب بها، أهينوا بالعذاب الدائم الملازم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):